نتائج الأصول الإسلامية في الحياة العلمية والفكرية للمسلمين
وكما بيَّن الأستاذ الإمام محمد عبده أثار الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة المسيحية في حياة النصارى العلمية والفكرية، وضرب من الأمثلة، وذكر من الوقائع، ما يُقنع كل عاقل، ويُخرس كل مُكابر: ذكر في مقابله نتائج الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة الإسلامية، وآثارها في الحياة العلمية والفكرية للمسلمين.
قال رحمه الله:
(إلام أفضت طبيعة الإسلام بالمسلمين؟ وماذا كان أثرها في أسلافهم الأولين؟ فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر، واستولى بجيشه على الإسكندرية بعد لحاق النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالرفيق الأعلى بست سنوات في رواية، وتسع سنوات في رواية أخرى، والإسلام في طلوع فجره وتفتح نوره. فكان مَن بقايا ما تركت الأزمان الأولى رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي، كان في بدء أمره ملاحا يعبر الناس بسفينته، وكان يميل إلى العلم بطبيعته، فإذا ركب معه بعض أهل العلم أصغى إلى مذاكرتهم، ثم اشتدَّ به الشوق فترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن 40 سنة، فبلغ فيه ما لم يبلغه الناشئون فيه من طفولتهم؛ وقد أحسن من العلم فنونا كثيرة، حتى عُدَّ من فلاسفة وقته وأطبائه ومناطقته.
يقول كثير من مؤرخي الغربيين ومؤرخي المسلمين: إن ابن العاص سمع به فاستدناه منه وأكرمه لعلمه، ووقعت بينهما محبة ظهر أمرها واشتهر، حتى قال أحد فلاسفة الغربيين: (إن المحبة التي نشأت بين عمرو بن العاص فاتح مصر ويوحنا النحوي ترينا مبلغ ما يسمو إليه العقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي: بمجرد ما أُعتق من الوثنية الجاهلية، ودخل في التوحيد المحمدي أصبح على غاية من الاستعداد للجولان في ميادين العلوم الفلسفية والأدبية من كل نوع).
خالط المسلمون أهل فارس وسُورية وسواد العراق وأدخلوهم في أعمالهم ولم يمنعهم الدين عن استعمالهم، حتى كانت دفاترهم بالرومية في سورية، ولم تُغير بالعربية إلا بعد عشرات من السنين، فاحتكت الأفكار بالأفكار، وأفضت سماحة الدين إلى أن أخذ المسلمون في دراسة العلوم والفنون والصنائع.
اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبية ثم العقلية
بعد 20 سنة من وفاته ، أخذ الخليفة على بن أبي طالب كرم الله وجهه، يحضُّ على تعليم الآداب العربية، ويطلب وضع القواعد لها، لما رأى من حاجة الناس إلى ذلك، وأخذ المسلمون يتحسسون نور العلم في ظلام تلك الفتن استرسالا مع ما يدعوهم إليه دينهم، وتُنبههم لطلبه شريعتهم، وإن كانت الحروب الداخلية التي اشتعلت نارها في أطراف بلادهم للنزاع على أمر الخلافة، قد شغلتهم عن كل شيء من مصالحهم، فإنها لم تشغلهم عن تلمُّس العلوم والتناول منها بالتدريج على سُنة الفطرة. فالبراعة في الآداب: من علم بوقائع العرب وتاريخهم، وقول الشعر، وإنشاء البليغ من النثر. قد بلغت في خلافة بني أمية مبلغا لم تبلغه أمة قط في مثل مدتها، وكان الخلفاء الأمويون يُعلون منزلتها، ويرفعون مكانات الشعراء والخطباء والعلماء بالسِّيَر، ثم ظهرت آثار العلوم العقلية في آخر دولتهم، وتُرجمت جُملة من الكتب العقلية والصناعية قبل نهاية القرن الأول.
نقل الخلفاء الأمويون دار الخلافة من المدينة إلى الشام، ولم يسيروا في الزهد سيرة الخلفاء الراشدين، فقد جاء رسول من الفرس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما سأل عنه دُلَّ عليه فذهب إليه، فإذا هو نائم على الأرض تحت نخل البقيع بين الفقراء، وجاءت رسل الملوك إلى معاوية رحمه الله فإذا هو في قصر مشيد مُحلى البنيان بأجمل ما يكون من الصنعة العربية، مُزين بالجنات والرياض وينابيع الماء، مفروش بأحسن الفُرُش، يرى الناظر فيه أفخر الأثاث والرياش، ولم يكن معاوية في ذلك قد خالف الدين أو حاد عن طريقه، وإنما تناول مباحا وتمتَّع برخصة آتاه الله إياها. ولا يخفى ما في ذلك من ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها.
اشتغالهم بالعلوم الكونية في أوائل القرن الثاني:
انقضت دولة بني أمية والناس في ظلمات من الفتن كما قلنا، ودالت الدولة لبني لعباس، واستقرت في نصابها من آل بيت النبي قرب نهاية الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة (سنة 132هـ)، ثم نقل المنصور عاصمة المُلك إلى بغداد، فصارت بعد ذلك عاصمة العلم والمدنيَّة أيضا، وأخذ المنصور أيضا يُنشئ المدارس للطب والشريعة، وكان قد جعل من زمنه ما ينفقه في تعلم العلوم الفلكية، وأكمل حفيده الرشيد ما شرع فيه، وأمر بأن يُلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم بأنواعها، وجاء المأمون فوصلت به دولة العلم إلى أَوْجِ قوتها، ونالت به أكبر ثروها، ويقال: إنه حمل إلى بغداد من الكتب المكتوبة بالقلم ما يُثقل مائة بعير، وكان من شروط صُلحه مع ميشيل الثالث أن يعطيَه مكتبة من مكاتب الأستانة، فوجد مما فيها من النفائس كتاب بطليموس في الرياضة السماوية، فأمر المأمون في الحال بترجمته وسمَّوه بالمجسطي، ولا يسهل على كاتب إحصاء ما تُرجم من كتب العلوم على اختلافها في دولة بني العباس أبناء عم الرسول [1].
إنشاؤهم دور الكتب العامة والخاصة:
وقد أخذت دولة الإسلام تعتني بدور الكتب عناية لم يسبقها مثلها من دول سواها، حتى كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مائة ألف مُجلَّد، منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. وكان من نظامها أن تُعار بعض الكتب للطلبة المقيمين في القاهرة، وكان فيها كُرتان سماويتان، (إحداهما) من الفضة، يقال إن صانعها بطليموس نفسه، وأنه أنفق فيها ثلاثة آلاف دينار. (والثانية) من البرونز. ومكتبة الخلفاء في أسبانيا بلغ ما فيها ستمائة ألف مجلد، وكان (فهرسها) أربعة وأربعين مجلدا. وقد حقَّقوا أنه كان في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عمومية، وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة.
وبعض الخاصة كانوا يُولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد دراسة لما تحتوي عليه. يقال: إن سلطان بُخارى دعا طبيبا أندنوسيا ليزوره، فأجابه: إن ذلك لا يمكنه؛ لأن كتبه تحتاج إلى أربعمائة جمل لتحملها، وهو لا يستغني عنها كلها. وكان حنين بن إسحاق النسطوري في بغداد ممَّن جعل في داره مكتبة عامة يَفِدُ إليها طلاب العلوم العقلية والرياضية، وكان يتبرع بمُذاكرتهم فيما يريدون المُذاكرة فيه)[2] اهـ.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- يلاحظ أن أشد أولئك الخلفاء عناية بالعلوم والفنون هم أعلمهم بالدين الإسلامي وأشدهم محافظة عليه.
[2]- الإسلام والنصرانية صـ77 – 81.
وكما بيَّن الأستاذ الإمام محمد عبده أثار الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة المسيحية في حياة النصارى العلمية والفكرية، وضرب من الأمثلة، وذكر من الوقائع، ما يُقنع كل عاقل، ويُخرس كل مُكابر: ذكر في مقابله نتائج الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة الإسلامية، وآثارها في الحياة العلمية والفكرية للمسلمين.
قال رحمه الله:
(إلام أفضت طبيعة الإسلام بالمسلمين؟ وماذا كان أثرها في أسلافهم الأولين؟ فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر، واستولى بجيشه على الإسكندرية بعد لحاق النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالرفيق الأعلى بست سنوات في رواية، وتسع سنوات في رواية أخرى، والإسلام في طلوع فجره وتفتح نوره. فكان مَن بقايا ما تركت الأزمان الأولى رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي، كان في بدء أمره ملاحا يعبر الناس بسفينته، وكان يميل إلى العلم بطبيعته، فإذا ركب معه بعض أهل العلم أصغى إلى مذاكرتهم، ثم اشتدَّ به الشوق فترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن 40 سنة، فبلغ فيه ما لم يبلغه الناشئون فيه من طفولتهم؛ وقد أحسن من العلم فنونا كثيرة، حتى عُدَّ من فلاسفة وقته وأطبائه ومناطقته.
يقول كثير من مؤرخي الغربيين ومؤرخي المسلمين: إن ابن العاص سمع به فاستدناه منه وأكرمه لعلمه، ووقعت بينهما محبة ظهر أمرها واشتهر، حتى قال أحد فلاسفة الغربيين: (إن المحبة التي نشأت بين عمرو بن العاص فاتح مصر ويوحنا النحوي ترينا مبلغ ما يسمو إليه العقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي: بمجرد ما أُعتق من الوثنية الجاهلية، ودخل في التوحيد المحمدي أصبح على غاية من الاستعداد للجولان في ميادين العلوم الفلسفية والأدبية من كل نوع).
خالط المسلمون أهل فارس وسُورية وسواد العراق وأدخلوهم في أعمالهم ولم يمنعهم الدين عن استعمالهم، حتى كانت دفاترهم بالرومية في سورية، ولم تُغير بالعربية إلا بعد عشرات من السنين، فاحتكت الأفكار بالأفكار، وأفضت سماحة الدين إلى أن أخذ المسلمون في دراسة العلوم والفنون والصنائع.
اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبية ثم العقلية
بعد 20 سنة من وفاته ، أخذ الخليفة على بن أبي طالب كرم الله وجهه، يحضُّ على تعليم الآداب العربية، ويطلب وضع القواعد لها، لما رأى من حاجة الناس إلى ذلك، وأخذ المسلمون يتحسسون نور العلم في ظلام تلك الفتن استرسالا مع ما يدعوهم إليه دينهم، وتُنبههم لطلبه شريعتهم، وإن كانت الحروب الداخلية التي اشتعلت نارها في أطراف بلادهم للنزاع على أمر الخلافة، قد شغلتهم عن كل شيء من مصالحهم، فإنها لم تشغلهم عن تلمُّس العلوم والتناول منها بالتدريج على سُنة الفطرة. فالبراعة في الآداب: من علم بوقائع العرب وتاريخهم، وقول الشعر، وإنشاء البليغ من النثر. قد بلغت في خلافة بني أمية مبلغا لم تبلغه أمة قط في مثل مدتها، وكان الخلفاء الأمويون يُعلون منزلتها، ويرفعون مكانات الشعراء والخطباء والعلماء بالسِّيَر، ثم ظهرت آثار العلوم العقلية في آخر دولتهم، وتُرجمت جُملة من الكتب العقلية والصناعية قبل نهاية القرن الأول.
نقل الخلفاء الأمويون دار الخلافة من المدينة إلى الشام، ولم يسيروا في الزهد سيرة الخلفاء الراشدين، فقد جاء رسول من الفرس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما سأل عنه دُلَّ عليه فذهب إليه، فإذا هو نائم على الأرض تحت نخل البقيع بين الفقراء، وجاءت رسل الملوك إلى معاوية رحمه الله فإذا هو في قصر مشيد مُحلى البنيان بأجمل ما يكون من الصنعة العربية، مُزين بالجنات والرياض وينابيع الماء، مفروش بأحسن الفُرُش، يرى الناظر فيه أفخر الأثاث والرياش، ولم يكن معاوية في ذلك قد خالف الدين أو حاد عن طريقه، وإنما تناول مباحا وتمتَّع برخصة آتاه الله إياها. ولا يخفى ما في ذلك من ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها.
اشتغالهم بالعلوم الكونية في أوائل القرن الثاني:
انقضت دولة بني أمية والناس في ظلمات من الفتن كما قلنا، ودالت الدولة لبني لعباس، واستقرت في نصابها من آل بيت النبي قرب نهاية الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة (سنة 132هـ)، ثم نقل المنصور عاصمة المُلك إلى بغداد، فصارت بعد ذلك عاصمة العلم والمدنيَّة أيضا، وأخذ المنصور أيضا يُنشئ المدارس للطب والشريعة، وكان قد جعل من زمنه ما ينفقه في تعلم العلوم الفلكية، وأكمل حفيده الرشيد ما شرع فيه، وأمر بأن يُلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم بأنواعها، وجاء المأمون فوصلت به دولة العلم إلى أَوْجِ قوتها، ونالت به أكبر ثروها، ويقال: إنه حمل إلى بغداد من الكتب المكتوبة بالقلم ما يُثقل مائة بعير، وكان من شروط صُلحه مع ميشيل الثالث أن يعطيَه مكتبة من مكاتب الأستانة، فوجد مما فيها من النفائس كتاب بطليموس في الرياضة السماوية، فأمر المأمون في الحال بترجمته وسمَّوه بالمجسطي، ولا يسهل على كاتب إحصاء ما تُرجم من كتب العلوم على اختلافها في دولة بني العباس أبناء عم الرسول [1].
إنشاؤهم دور الكتب العامة والخاصة:
وقد أخذت دولة الإسلام تعتني بدور الكتب عناية لم يسبقها مثلها من دول سواها، حتى كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مائة ألف مُجلَّد، منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. وكان من نظامها أن تُعار بعض الكتب للطلبة المقيمين في القاهرة، وكان فيها كُرتان سماويتان، (إحداهما) من الفضة، يقال إن صانعها بطليموس نفسه، وأنه أنفق فيها ثلاثة آلاف دينار. (والثانية) من البرونز. ومكتبة الخلفاء في أسبانيا بلغ ما فيها ستمائة ألف مجلد، وكان (فهرسها) أربعة وأربعين مجلدا. وقد حقَّقوا أنه كان في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عمومية، وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة.
وبعض الخاصة كانوا يُولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد دراسة لما تحتوي عليه. يقال: إن سلطان بُخارى دعا طبيبا أندنوسيا ليزوره، فأجابه: إن ذلك لا يمكنه؛ لأن كتبه تحتاج إلى أربعمائة جمل لتحملها، وهو لا يستغني عنها كلها. وكان حنين بن إسحاق النسطوري في بغداد ممَّن جعل في داره مكتبة عامة يَفِدُ إليها طلاب العلوم العقلية والرياضية، وكان يتبرع بمُذاكرتهم فيما يريدون المُذاكرة فيه)[2] اهـ.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- يلاحظ أن أشد أولئك الخلفاء عناية بالعلوم والفنون هم أعلمهم بالدين الإسلامي وأشدهم محافظة عليه.
[2]- الإسلام والنصرانية صـ77 – 81.

م، بتوقيع رئيس الاتحاد، أذاعته قناة الجزيرة، وبعض الصحف ووكالات الأنباء في حينه.
îن îëéىهْ نçمùهْ?