إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

البابا والإسلام - كتاب للدكتور يوسف القرضاوي يرد على شبهات بندكت

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #16
    نتائج الأصول الإسلامية في الحياة العلمية والفكرية للمسلمين






    وكما بيَّن الأستاذ الإمام محمد عبده أثار الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة المسيحية في حياة النصارى العلمية والفكرية، وضرب من الأمثلة، وذكر من الوقائع، ما يُقنع كل عاقل، ويُخرس كل مُكابر: ذكر في مقابله نتائج الأصول العقدية التي قامت عليها الديانة الإسلامية، وآثارها في الحياة العلمية والفكرية للمسلمين.



    قال رحمه الله:



    (إلام أفضت طبيعة الإسلام بالمسلمين؟ وماذا كان أثرها في أسلافهم الأولين؟ فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر، واستولى بجيشه على الإسكندرية بعد لحاق النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالرفيق الأعلى بست سنوات في رواية، وتسع سنوات في رواية أخرى، والإسلام في طلوع فجره وتفتح نوره. فكان مَن بقايا ما تركت الأزمان الأولى رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي، كان في بدء أمره ملاحا يعبر الناس بسفينته، وكان يميل إلى العلم بطبيعته، فإذا ركب معه بعض أهل العلم أصغى إلى مذاكرتهم، ثم اشتدَّ به الشوق فترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن 40 سنة، فبلغ فيه ما لم يبلغه الناشئون فيه من طفولتهم؛ وقد أحسن من العلم فنونا كثيرة، حتى عُدَّ من فلاسفة وقته وأطبائه ومناطقته.



    يقول كثير من مؤرخي الغربيين ومؤرخي المسلمين: إن ابن العاص سمع به فاستدناه منه وأكرمه لعلمه، ووقعت بينهما محبة ظهر أمرها واشتهر، حتى قال أحد فلاسفة الغربيين: (إن المحبة التي نشأت بين عمرو بن العاص فاتح مصر ويوحنا النحوي ترينا مبلغ ما يسمو إليه العقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي: بمجرد ما أُعتق من الوثنية الجاهلية، ودخل في التوحيد المحمدي أصبح على غاية من الاستعداد للجولان في ميادين العلوم الفلسفية والأدبية من كل نوع).



    خالط المسلمون أهل فارس وسُورية وسواد العراق وأدخلوهم في أعمالهم ولم يمنعهم الدين عن استعمالهم، حتى كانت دفاترهم بالرومية في سورية، ولم تُغير بالعربية إلا بعد عشرات من السنين، فاحتكت الأفكار بالأفكار، وأفضت سماحة الدين إلى أن أخذ المسلمون في دراسة العلوم والفنون والصنائع.




    اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبية ثم العقلية



    بعد 20 سنة من وفاته ، أخذ الخليفة على بن أبي طالب كرم الله وجهه، يحضُّ على تعليم الآداب العربية، ويطلب وضع القواعد لها، لما رأى من حاجة الناس إلى ذلك، وأخذ المسلمون يتحسسون نور العلم في ظلام تلك الفتن استرسالا مع ما يدعوهم إليه دينهم، وتُنبههم لطلبه شريعتهم، وإن كانت الحروب الداخلية التي اشتعلت نارها في أطراف بلادهم للنزاع على أمر الخلافة، قد شغلتهم عن كل شيء من مصالحهم، فإنها لم تشغلهم عن تلمُّس العلوم والتناول منها بالتدريج على سُنة الفطرة. فالبراعة في الآداب: من علم بوقائع العرب وتاريخهم، وقول الشعر، وإنشاء البليغ من النثر. قد بلغت في خلافة بني أمية مبلغا لم تبلغه أمة قط في مثل مدتها، وكان الخلفاء الأمويون يُعلون منزلتها، ويرفعون مكانات الشعراء والخطباء والعلماء بالسِّيَر، ثم ظهرت آثار العلوم العقلية في آخر دولتهم، وتُرجمت جُملة من الكتب العقلية والصناعية قبل نهاية القرن الأول.



    نقل الخلفاء الأمويون دار الخلافة من المدينة إلى الشام، ولم يسيروا في الزهد سيرة الخلفاء الراشدين، فقد جاء رسول من الفرس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما سأل عنه دُلَّ عليه فذهب إليه، فإذا هو نائم على الأرض تحت نخل البقيع بين الفقراء، وجاءت رسل الملوك إلى معاوية رحمه الله فإذا هو في قصر مشيد مُحلى البنيان بأجمل ما يكون من الصنعة العربية، مُزين بالجنات والرياض وينابيع الماء، مفروش بأحسن الفُرُش، يرى الناظر فيه أفخر الأثاث والرياش، ولم يكن معاوية في ذلك قد خالف الدين أو حاد عن طريقه، وإنما تناول مباحا وتمتَّع برخصة آتاه الله إياها. ولا يخفى ما في ذلك من ترويج فنون الإبداع في الصنعة على اختلاف ضروبها.



    اشتغالهم بالعلوم الكونية في أوائل القرن الثاني:



    انقضت دولة بني أمية والناس في ظلمات من الفتن كما قلنا، ودالت الدولة لبني لعباس، واستقرت في نصابها من آل بيت النبي قرب نهاية الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة (سنة 132هـ)، ثم نقل المنصور عاصمة المُلك إلى بغداد، فصارت بعد ذلك عاصمة العلم والمدنيَّة أيضا، وأخذ المنصور أيضا يُنشئ المدارس للطب والشريعة، وكان قد جعل من زمنه ما ينفقه في تعلم العلوم الفلكية، وأكمل حفيده الرشيد ما شرع فيه، وأمر بأن يُلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم بأنواعها، وجاء المأمون فوصلت به دولة العلم إلى أَوْجِ قوتها، ونالت به أكبر ثروها، ويقال: إنه حمل إلى بغداد من الكتب المكتوبة بالقلم ما يُثقل مائة بعير، وكان من شروط صُلحه مع ميشيل الثالث أن يعطيَه مكتبة من مكاتب الأستانة، فوجد مما فيها من النفائس كتاب بطليموس في الرياضة السماوية، فأمر المأمون في الحال بترجمته وسمَّوه بالمجسطي، ولا يسهل على كاتب إحصاء ما تُرجم من كتب العلوم على اختلافها في دولة بني العباس أبناء عم الرسول [1].



    إنشاؤهم دور الكتب العامة والخاصة:



    وقد أخذت دولة الإسلام تعتني بدور الكتب عناية لم يسبقها مثلها من دول سواها، حتى كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مائة ألف مُجلَّد، منها ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. وكان من نظامها أن تُعار بعض الكتب للطلبة المقيمين في القاهرة، وكان فيها كُرتان سماويتان، (إحداهما) من الفضة، يقال إن صانعها بطليموس نفسه، وأنه أنفق فيها ثلاثة آلاف دينار. (والثانية) من البرونز. ومكتبة الخلفاء في أسبانيا بلغ ما فيها ستمائة ألف مجلد، وكان (فهرسها) أربعة وأربعين مجلدا. وقد حقَّقوا أنه كان في أسبانيا وحدها سبعون مكتبة عمومية، وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة والنسخ والترجمة.



    وبعض الخاصة كانوا يُولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد دراسة لما تحتوي عليه. يقال: إن سلطان بُخارى دعا طبيبا أندنوسيا ليزوره، فأجابه: إن ذلك لا يمكنه؛ لأن كتبه تحتاج إلى أربعمائة جمل لتحملها، وهو لا يستغني عنها كلها. وكان حنين بن إسحاق النسطوري في بغداد ممَّن جعل في داره مكتبة عامة يَفِدُ إليها طلاب العلوم العقلية والرياضية، وكان يتبرع بمُذاكرتهم فيما يريدون المُذاكرة فيه)[2] اهـ.





    --------------------------------------------------------------------------------



    [1]- يلاحظ أن أشد أولئك الخلفاء عناية بالعلوم والفنون هم أعلمهم بالدين الإسلامي وأشدهم محافظة عليه.



    [2]- الإسلام والنصرانية صـ77 – 81.




    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #17
      تعانق الدين والعلم في تاريخنا الإسلامي



      والدارس لحضارتنا الإسلامية، ولتاريخنا الإسلامي، بعُمق: يجد فيه مآثر ومزايا لا توجد في غيره من تواريخ الأُمم والحضارات، وكلها من آثار الإسلام وتعاليمه، ونضحه على الأُمة التي صنعت هذا التاريخ.



      من هذه المآثر والمناقب المشهورة: أن العلم والدين في حضارتنا يتعانقان، ولا يتصارعان، ويتفقان ولا يختلفان، فالدين عندنا علم، والعلم عندنا دين. ولهذا لم يقُم عندنا ما قام عند أمم أخرى - مثل الأمم الأوربية في عصورهم الوسطى - من صراع تأجَّجت ناره بين العلم والدين، أو بين الفكر والعقيدة، أو بين الشريعة والحِكمة.



      لقد عرَف تاريخ أوربا هذه المعارك المُشتعلة بين العلم والدين، وبعبارة أخرى: بين رجال العلم والفكر من رُوَّاد الابتكار والاختراع في مجالات العلم المختلفة من ناحية، وبين رجال الكنيسة الغربية المُمثِّلين للدين والمُتكلمين باسمه من ناحية أخرى ... فقد تبنَّوا نظريات معينة تلقوها من فلسفة اليونان، أضفوا عليها لونا من القداسة والعصمة - وهي فكر بشري محض - ولم يسمحوا لأحد أن يُخالفها، أو يخرج عن إطارها، ومَن فعل ذلك استحقَّ لعنة الله، وحُكم عليه بالإلحاد والهرطقة، والمُروق من الدين.



      وأنشئت (محاكم التفتيش) الرهيبة، لتُلاحق هؤلاء الذين اجترأوا على حُرمة الدين، واستباحوا الحِمى المُحرَّم، وخرجوا عن النطاق المرسوم، فقرَّروا مثلا: أن الأرض كُروية، وليست مبسوطة.



      هذا في الوقت الذي كان فيه طلاب العلم من المسلمين يقرأون في كتب التفسير مثل: تفسير الفخر الرازي، وفي كتب (علم الكلام) مثل كتب الجرجاني والتفتازاني، وفي كتب (المِلل والنِّحل) مثل كتاب ابن حزم (المتوفى 456هـ): فكرة كُروية الأرض والتدليل عليها[1]، ولا يجدون في ذلك حرجا في الدين، ولا عنتا في الدنيا.



      لقد نشأ المنهج العلمي الاستقرائي التجريبي في تُربة الحضارة الإسلامية، ونما وترعرع على أيدي علماء المسلمين، نظريًا وفلسفيًا، وعمليًا وتطبيقيًا. ونمت علوم الفيزياء والفلك والكيمياء والتشريح والطب والرياضيات وغيرها، نمواً حافلاً، تُوِّج بتطبيقات ناجحة، في شتَّى مجالات الحياة والإنسان. وكذلك نقد المسلمون المنهج الصُّوري القياسي الأرسطي، كما نرى ذلك في نقد ابن تيمية للمنطق نقداً علمياً رصينا[2].



      وعن الحضارة الإسلامية أخذ الأُوربيون المنهج التجريبي. روجر بيكون، وفرنسيس بيكون وتلاميذهما، إنما تتلمذوا على المسلمين وعلومهم وحضارتهم، واقتبسوا منهم، ونقلوا عنهم، وهذا ما اعترف به المؤرخون والباحثون المنصفون من الغربيين، كما نقلنا من قبل.





      --------------------------------------------------------------------------------



      [1]- قال أبو محمد بن حزم تحت عنوان (مطلب بيان كروية الأرض): وهذا حين نأخذ إن شاء الله تعالى في ذكر بعض ما اعترضوا به، وذلك أنهم قالوا: إن البراهين قد صحَّت بأن الأرض كُروية، والعامة تقول غير ذلك، وجوابنا وبالله تعالى التوفيق: أن أحد من أئمة المسلمين المستحقين لاسم الإمامة بالعلم رضي الله عنهم لم ينكروا تكوير الأرض، ولا يحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهين من القرآن والسنة قد جاءت بتكويرها، قال الله عز وجل: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر:5] ... انظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم جـ2 صـ78.



      [2]- انظر تحليلا علميا مفصلا لهذا النقد في كتاب د. سامي النشار (مناهج البحث عند مفكري الإسلام) طبعة دار المعارف الطبعة الثانية صـ190 - 202.

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #18
        التلاقي بين النقل والعقل






        ومن المُؤسف: أن بعض من تعرضوا للعلاقة بين الدين والعلم أو بين النقل والعقل، أوهموا في كتاباتهم: أن البيئة الدينية لا تُهييء لمناخ علمي مزدهر، وذلك لما افترضوه في زعمهم من وجود صراع بين النقل والعقل، أو بين النص الإلهي والاجتهاد البشري، وهذا يصدُق في غير الإسلام والمسلمين. أما بالنسبة لهما، فهو بالقطع غير صحيح، بل تردُّه النصوص، ويردُّه التاريخ، ويرده الواقع؛ فالعقل هو المخاطب بنصِّ الشارع، والمُكلَّف بفهمه والعمل به، والاجتهاد في دلالته، وملء الفراغ فيما لا نص فيه. وقد ترك النقل أو الوحي للعقل شؤون الكون والحياة كلها يصول فيها ويجول، ولم يحجِر عليه في ذلك، بل أمره وحرَّضه ودعاه للبحث الحُر والإبداع.



        حتى إن علماء المسلمين اعتبروا تعلُّم العلوم الكونية من الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك وغيرها فرض كفاية على الأمة، إذا قام به عدد كاف يُلبي الحاجة في كمِّه ونوعه: رُفع عنها الإثم، وإن لم يقُم أثِمت الأمة كلها. وقد ذكرنا أنه لم يقُم في حضارتنا صراع قط بين العلم والدين، أو بين الوحي والعقل، كما قام عند غيرنا.



        والمُحققون من علماء الأمة اعتبروا الوحي والعقل هاديين الخلق إلى الحق. يقول الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه القيِّم (الذريعة إلى مكارم الشريعة):



        (لله عز وجل إلى خلقه رسولان، أحدهما: من الباطن وهو العقل، والثاني: من الظاهر وهو الرسول، ولا سبيل لأحد إلى الانتفاع بالرسول الظاهر ما لم يتقدم الانتفاع بالباطن، فالباطن يعرف صحة دعوى الظاهر، ولولاه لما كانت تلزم الحُجَّة بقوله، ولهذا أحال الله مَن يشكك في وحدانيته وصحة نبوة أنبيائه على العقل، فأمره بأن يفزع إليه في معرفة صحتها. فالعقل قائد والدين مدد، ولو لم يكن العقل لم يكن الدين باقياً، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائراً، واجتماعهما كما قال الله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35][1] اهـ



        ويؤكِّد ذلك مُعاصر الراغب: الإمام أبو حامد الغزالي في عدد من كتبه. ففي مقدمة (المستصفى) يعتبر العقل: القاضي الذي لا يُعزل ولا يبدَّل، والشرع: الشاهد المُزكَّى المُعدَّل، ويجعل العقل مركب الديانة، وحامل الأمانة[2].



        وفي (الإحياء) يُقرِّر: أن لا غنى بالشرع عن العقل، ولا بالعقل عن الشرع، (فإن العلوم العقلية كالأغذية، والعلوم الشرعية كالأدوية، والشخص المريض يستضرُّ بالغداء متى فاته الدواء). ويُنكر على مَن يظن أن العلوم العقلية مُناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير مُمكن، وهو في رأيه ظن صادر عن عمىً في عين البصيرة[3].



        وفي (الاقتصاد في الاعتقاد) يصف عصابة الحق وأهل السنة أنهم: الذين وفَّقوا بين مقتضيات الشرائع، ومُوجبات العقول، وتحقَّقوا أن لا مُعاندة بين الشرع المنقول، والحق المعقول[4].



        وفي كتاب (معارج القدس) الذي يُنسب للغزالي نقرأ هذه الكلمات:



        (اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبيَّن إلا بالعقل، فالعقل كالأسِّ والشرع كالبناء، ولن يُغني أسٌّ ما لم يكن بناء، ولن يثبتَ بناء ما لم يكن أسٌّ".



        وأيضاً، فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع، ولن يُغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يُغني الشعاع ما لم يكن بصر، فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل مُتحدان[5].



        ولا غرو أن وجدنا في تاريخ حضارتنا كثيراً ممَّن نبغوا في المجالين: العلوم الشرعية، التي تُستفاد من الوحي والعلوم العقلية، التي تُستفاد من العقل. ومن هذه العلوم العقلية: العلوم الطبيعية، (من الفلك والفيزياء والكيمياء وغيرها) والرياضية، والطبية.



        فجابر بن حيان يسمى جابرًا الصوفي.



        والخوارزمي مُبتكر علم الجبر، إنما وصل إليه، وهو يؤلِّف رسالة في فقه الوصايا والفرائض (أي علم الميراث). وقارئ الرسالة يجد القسم الأول منها: فقهيًا بحتًا، والقسم الثاني: رياضيًا بحتًا.



        وابن رشد الحفيد صاحب كتاب (الكُليات) في الطب، الذي تتلمذت عليه أوروبا عدة قرون: هو نفسه صاحب كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الفقه المقارن، وهو من أعظم ما كُتب فيه، وهو قاضٍ شرعي من فقهاء المالكية.



        والفخر الرازي صاحب (التفسير الكبير) والكتب الشهيرة في أصول الدين، وأصول الفقه، وهو من فقهاء الشافعية، ومتكلمي الأشعرية: كان من أشهر الأطباء في زمنه، وقال الذين ترجموا له: لم تكن شُهرته في علوم الطب تقلُّ عن شُهرته في علوم الدين.



        وابن النفيس مُكتشف الدورة الدموية الصغرى، وأول مَن أشار إلى الحويصلات الرئوية والشرايين التاجية، هو أحد فقهاء الشافعية الذين ترجم لهم ابن السبكي في (طبقاته)، وترجم له الذهبي وغيره من مؤرخي الأعلام في الإسـلام[6].[7]





        --------------------------------------------------------------------------------



        [1]- انظر: (الذريعة إلى مكارم الشريعة) صـ207 بتحقيق د. أبو اليزيد العجمي، طبع دار الصحوة بالقاهرة.



        [2]- المستصفى (1/3).



        [3]- الإحياء (3/17) طبع دار المعرفة، بيروت. ويلاحظ أن الراغب في (الذريعة) يرى الشرعيات كالأغذية، والمعقولات كالأدوية، باعتبار آخر صـ208.



        [4]- من مقدمة كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) للغزالي.



        [5]- (معارج القدس) صـ57 طبع دار الآفاق الجديدة، بيروت، وانظر تعليقنا عليه في كتابنا (الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه) صـ41.



        [6]- انظر في تراجم هؤلاء: سير أعلام النبلاء للذهبي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، والأعلام للزركلي.



        [7]- راجع هذا بالتفصيل في كتابنا (تاريخنا المفترى عليه) ط دار الشروق. القاهرة صـ133- 13.

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #19
          (4) الرفق والعنف أو السلام والحرب بين شريعة القرآن وشريعة التوراة



          لقد كان أول ما شغل البابا من أمر الإسلام - وهو الذي بنى عليه محاضرته - هو (العنف) الذي يظهر أنه يحسبه من طبيعة الإسلام، لماذا؟



          لأمور ثلاثة:



          الأول: أن العقيدة الإسلامية نفسها لا ترفض العنف، لأن الله يمكن أن يشاء أي شيء، ولو كان يجافيه العقل.



          الثاني: أن الإسلام فرض على أتباعه الجهاد (أو الحرب المقدسة كما سمَّاه)، وهو لون من استخدام العنف في مواجهة الأعداء، وليس كالمسيحية التي تقول: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.[1]



          الثالث: أن الإسلام لا يرفض أن يدخل فيه الإنسان مكرهاً، تحت بارقة السيف، ولهذا أمر محمد بنشر دينه بالسيف، أما آية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، فقد كانت حين كان محمد ضعيفا، وتحت سلطان غيره من المشركين.



          وهذه الأمور وغيرها من الشبهات التي تثار دائما، وخصوصا من الغربيين - ومنهم بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر - لتشويه صورة الإسلام، وإظهاره بأنه دين العنف والحرب، وأنه عدو السلام، وأنه يتعطَّش للدماء، وأحب شيء إلى أبنائه قتل البشر وإكراههم على الدخول في الإسلام.



          وهذه - والله - فرية ما فيها مرية، وكذب صريح على هذا الدين المظلوم المفترى عليه.



          كما أنها كلها أباطيل تكذبها الحقائق العلمية التي لا ريب فيها، وسنرد عليها جميعا في الصفحات التالية.



          وسأضطر أن أقتطف من كتابي الكبير الذي أقوم بإعداده منذ سنوات في (فقه الجهاد) بعض الفقرات للحاجة إليها الآن وإلى معرفتها، وإن كان هذا لا يغنى عن قراءة كتاب (فقه الجهاد) كله، حينما ينشر، وأرجو أن يكون قريباً إن شاء الله.





          --------------------------------------------------------------------------------



          [1] انظر: إنجيل متَّى الفقرات (38 - 43)، وإنجيل لوقا (6/29، 30).

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #20
            أولا: الرفق والعنف أو السلام والحرب في شريعة القرآن



            دعوة الإسلام إلى الرفق وكراهيته للعنف:



            ومن اللازم هنا: أن نبيِّن أن الإسلام - على خلاف ما يتصوَّره أو يصوِّره بعض الناس - يدعو إلى الرفق وكراهية العنف، ويحرض على الرحمة، ويذم القسوة، كما نرى ذلك بينا جلينا كل الجلاء في أحكامه وتعاملاته، وفي نصوص قرآنه وسنته، وقد ذم القرأن اليهود بقسوة قلوبهم {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74]، {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة:13) ويمدح الله رسوله فيقول:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].



            وأحاديث الرسول الكريم تحض على الرفق، وتنفر من العنف، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"[1]، وقال: "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"[2]، وقال: "من حُرم الرفق فقد حُرم الخير كله"[3]، وقال: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"[4].



            وقد جعل القرآن الكريم عنوان رسالة محمد (الرحمة) بل حصرها فيها، حين قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وعبَّر محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقال: "إنما أنا رحمة مهداة"[5].



            وقد جَلَّيت هذا المعنى ودللت عليه في الفصل التاسع من كتابي (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) تحت عنوان: (من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة).



            ونشرت كاتبا موجزاً بعنوان (الإسلام والعنف) كان أصله بحثا قدمته في أحد المؤتمرات بالدوحة حول الموضوع.



            وقد فندت شبهات الذين جهلوا هذا الدين العظيم، واتهموه بأنه يحمل بذور العنف، حتى في عقائده ذاتها، مروجين أن (الإله) في الإسلام هو إله شدة وجبروت، لا إله محبة ورحمة كما في المسيحية!![6]



            وذكرت أن المسلم يبدأ طعامه وشرابه وأعماله كلها بالبسملة أي يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم).



            ويقرأ الفاتحة كل يوم - على الأقل - أكثر من سبع عشر مرة، وفيها: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، في أولها، ثم يقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:1-3].



            واسم (الجبار) لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، في أواخر الحشر، وهو سبحانه جبار على الطغاة والفراعنة والمفسدين في الأرض، المتكبرين على خلق الله. وهؤلاء لا يؤدبهم إلا المتكبر الجبار، وهو مع تكبره وجبروته لا يتخلى عن رحمانيته ورحمته.



            وهو كذلك (قهار) لهم لا يعجزه أمرهم، بل يحبط مكرهم، ويكفي عباده شرهم، ويجزيهم بسوء أعمالهم وبغيهم على خلقه. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:44].



            ومن أسمائه التي يجهلها هؤلاء أوتجاهلوها: الودود، اللطيف، القريب، المجيب، المقيت، المغيث، الرزاق، الفتاح، الوهاب، المحسن، الهادي، النور، العفو، الغفور، الشكور، الحليم، التواب، الولي، الحميد، المجير، النصير، إلى آخر ما يعرفه المسلون من الأسماء الحسنى؛ التى يُمتدح الله بها، ويدعو المؤمنون أن يدعوه بها {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].



            دعوة الإسلام إلى السلم وكراهية الحرب:



            وكما دعى الإسلام إلى الرفق، وحض عليه، ورغب فيه: نراه كذلك يرغِّب في السلام، ويحرص عليه، ويدعو إليه، ويعتبره هدفا أصيلا لدعوته، كما يتجلى ذلك في تعاليمه وأحكامه وآدابه.



            وهو أيضا يكره الحرب، وينفر منها، ويحرص على أن يتفاداها ما استطاع، وإذا وقعت حاول أن يضيِّق دائرتها، وأن يقلِّل خسائرها، ويخفِّف من آثارها، ما وجد إلى ذلك سبيلا.



            الإسلام والسلام من مادة واحدة:



            فالإسلام والسلام - أو السلم - من الناحية اللغوية مشتقان من مادة واحدة، هي: (س ل م)، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:208]، وقد فسرت كلمة {السِّلْمِ} في الآية بـ (السلام) المقابل للحرب، كما يفيده ظاهرها، وبهذا تكون الآية دعوة للمؤمنين أن يدخلوا في السلام جميعا، ولا يعرضوا عنه إذا دُعوا إليه. وفسرت أيضا كلمة {السِّلْمِ} بـ(الإسلام) أيْ ادخلوا في شُعَب الإسلام كافة: عقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته، فتدخلوا بذلك في السلم الحقيقي، السلام مع أنفسكم، ومع أُسركم، ومع مجتمعاتكم، ومع الناس كافة.



            إشاعة كلمة السلام في المجتمع وجعله تحية الإسلام:



            ومن روائع التوجيه والتربية هنا: أن الإسلام يُحبِّب إلى المسلم كلمة السلام، ومفهوم السلام بأساليب شتى، لا توجد في دين آخر، أو أيديولوجية أخرى.



            فالسلام من أسماء الله تعالى الحسنى، التي يدعو المسلم ربه بها، ويتقرب إلى الله بذكرها، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].



            والمسلم يقرأ في القرآن: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ} [الحشر:23].



            والمسلمون هم الأمة الوحيدة التي يوجد فيها اسم (عبد السلام) أي عبد الله.



            والجنة التي يتوق إليها كل مؤمن، ويعمل حثيثا ليكون من أهلها، تسمى (دار السلام)، كما قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127].



            وأكثر ما يسمع في هذه الجنة كلمة السلام، فهي تحية المؤمنين في الآخرة: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} [الأحزاب:44]، {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} [يونس:10]، {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً} [الواقعة:25،26].



            وكما أن السلام تحية المؤمنين في الآخرة، فهو تحيتهم في الدنيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. و(إفشاء السلام) من أفضل خصال الإسلام. وقد جاء في جملة أحاديث: "أفشوا السلام"[7].



            والمسلم إذا جلس في صلاته للتشهد: يلقي السلام على نبيه محمد، وعلى نفسه وأمته: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"[8]. ثم يخرج من الصلاة: بإلقاء تحية السلام عن يمينه وعن يساره، إيذانا بأنه كان في الصلاة في حالة سلام، فإذا انصرف من الصلاة استقبل الناس والحياة من حوله بالسلام. فهو سلام في عبادته، سلام في معاملته.



            المسلم لا يتمنى الحرب ويسأل الله العافية:



            والمسلم لا يتمنى الحرب ولا يحرص عليها لذاتها، بل يتمنى السلام والعافية، ولكن إذا فُرضت عليه الحرب في سبيل الله خاضها بقوة وجسارة وصبر، مُوقنا أن له إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.



            يقول تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216].



            ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن أبي أوفى: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"[9].



            {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}:



            والقرآن ُيعقِّب على غزوة الأحزاب، التي هاجمت جموع المشركين فيها من قريش وغطفان وأحابيشهما: الرسول والمؤمنين معه في عُقر دارهم بالمدينة بأعداد هائلة، يبتغون إبادتهم وتصفيتهم، جسديا وماديا، حتى لا تبقى لهم باقية؛ لولا أن عين الله لم تغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويده سبحانه لم تتركهم وحدهم، ولا سيما أن يهود بني قريظة انضموا إلى المهاجمين، ونقضوا عهد الرسول في أحلك الأوقات وأحوجها إلى مساعدتهم: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:9-11].



            والمقصود هنا: ما عقَّب به القرآن على هذه الغزوة حين قال: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب:25].



            فانظر إلى هذه الكلمة المُعبِّرة: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}، يذكرها تعالى في معرض الإنعام والامتنان على النبي والمؤمنين: أن المعركة انتهت بغير قتال، وبغير دماء، فقد كفى الله المؤمنين القتال. وهي نعمة جليلة تستحق الشكر لله تعالى. ولا يتصور أن يقال: هذا دينٌ يتعطش للقتال، وإراقة الدماء.



            القرآن يسمي صلح الحديبية {فَتْحاً مُبِيناً}:



            وفي غزوة الحديبية التي بايع الصحابة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، أي القتال حتى الموت، وعدم الاستسلام بحال، ثم شاء الله تعالى أن يتفاوض المسلمون والمشركون، وأن ينتهوا إلى الصلح المعروف بـ(صلح الحديبية) والذي يتضمن هدنة مدتها عشر سنوات، تُغمد فيها السيوف، ويكف كل فريق يده عن الآخر: ينزل هنا قرآن يُتلى، يسمي هذه الهدنة أو هذا الصلح: {فَتْحاً مُبِيناً}، وتنزل في ذلك سورة تسمى سورة (الفتح) تبدأ بقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} [الفتح:1]، ويسأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟ فيقول: "نعم هو فتح"[10]. استبعدوا أن يكون فتح بغير حرب، ولكن الله تعالى سمَّاه فتحا، بل فتحا مبينا، وامتنَّ به على رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنزل في ذلك سورة سميت (سورة الفتح).



            وقال تعالى في هذه السورة مُمتنًّا: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24]، فهو هنا لا يمتن بكف أيدي المشركين عن المؤمنين فقط، بل يمتن أيضا بكف أيدي المؤمنين عن المشركين أيضا: {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ}، فهذا هو التعبير الحقيقي عن حب السلام الذي يسود الطرفين معا.



            وإذا اضطر المسلمون أن يخوضوا معركة فُرضت عليهم، فإنهم مأمورون أن يُقلِّلوا من خسائرها البشرية والمادية ما أمكنهم، فلا يقتلون إلا مَن يقاتل: لا يقتلون امرأة ولا طفلا، ولا شيخا فانيا، ولا راهبا ولا فلاحا ولا تاجرا، إنما يقتلون مَن يقاتل فحسب. كما أنهم لا يقطعون شجرا، ولا يهدمون بناء، ولا يفسدون في الأرض، ولا يقومون إلا بما تقتضيه ضرورة الحرب، وللضرورات أحكامها، وهي تقدر بقدرها. فقد قيَّد القرآن ارتكاب الضرورة بعدم البغي والعدوان، حين قال بعد تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173].



            الجنوح للسلم إذا جنح العدو إليها:



            ومع هذا كله، يأمر القرآن المسلمين أن يستجيبوا لدعوة السلم إذا دُعُوا لها، ولو بعد وقوع الحرب، واشتعال وقودها، يقول تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:62،61].



            حتى مع احتمال إرادة الخداع منهم، لا ينبغي أن تُرفض دعوة السلم بإطلاق، وإنما يجب أن نجنح لها كما جنحوا. على أن يتم ذلك بشروطه وضوابطه الشرعية.



            فليس من الجنوح للسلم بحال: أن تغتصب أرضي بالسيف، ثم تفاوضني على أن أترك لك بالصلح ما أخذته مني بالسيف، وتسمِّي ذلك جنوحا للسلم، فهذا أبعد ما يكون عن الجنوح للسلم، كما يفعل ذلك الصهاينة اليوم[11]! والشرط أن يتوافر من العدو الجنوح للسلم، وأن تظهر دلائل ذلك في مواقفه.



            وهذا ما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل، حين جنحت قريش إلى السلم يوم الحديبية، ولم يكن ذلك عن ضعف منه، ولا تقاعس من أصحابه، فقد بايعوه على الموت، ولكنه جنح للسلم، حين لمس من خصومه الجنوح إليها، فكان الصلح الشهير، والصلح خير. وقد تحقق من ورائه خير كثير لدعوة الإسلام، ودخل الكثيرون من القرشيين في دين الله، من أمثال: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وغيرهما.



            كراهة التسمية بــ(حرب):



            ومن دلائل حرص الإسلام على السلم، ونفوره من الحرب: هذا الحديث النبوي الذي يقول: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدق الأسماء: حارث وهمام، وأقبح الأسماء: حرب ومرة"[12].



            حتى لفظة (حرب) من المفردات التي يكره الإسلام تكرارها على ألسنة الناس، ولهذا يكرهها محمد صلى الله عليه وسلم، ويراها أقبح اسم يُسمَّى به إنسان، وقد كان العرب في الجاهلية يسمون أبناءهم بـ(حرب) مثل حرب بن أمية، والد (أبي سفيان بن حرب) وغيره.



            وروى الإمام مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد - مرسلا - أن رسول الله قال لِلَقْحَةٍ[13] (ناقة) تُحلب: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل فقال: "ما اسمك؟". قال: مرّة، قال: "اجلس". ثم قال: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل، فقال: "ما اسمك؟". قال: حرب. قال: "اجلس". ثم قال: "مَن يحلب هذه؟". فقام رجل، فقال: "ما اسمك؟". قال: يعيش! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احلب"[14].



            وروى الإمام أحمد في مسنده، وروى البخاري في الأدب المفرد، وغيرهما عن على رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن سمَّيتُه حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سمَّيتموه؟". قال: قلت: حربا. قال: "بل هو حسن". فلما ولد الحسين سمَّيتُه حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟". قال: قلت: حربا. قال: "بل هو حسين". فلما ولد الثالث سمَّيتُه حربا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أروني ابني ما سميتموه؟". قلت: حربا. قال: "بل هو محسن"[15].



            وفي إحدى الروايات: أن عليا قال: كنت أحب أن أَكْتَنَى بـ(أبي حرب)[16].



            فهل يقف هذا الموقف، أو يوجه هذا التوجيه: إنسان متعطش للدماء، عاشق للحروب، كما تُصوِّره أقلام المتعصبين من المُنصِّرين والمُستشرقين وأمثالهم، ممَّن يقولون على الله وعلى رسله الكذب وهم يعلمون؟!



            ثلث العام هدنة إجبارية:



            ومن حرص الإسلام على السلم: أنه فرض على المسلمين هدنة إجبارية يمتنعون فيها عن القتال لمدة أربعة أشهر، أي ثلث العام، وهي الأشهر المعروفة بـ(الأشهر الحرم) وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب: ثلاثة سرد، وواحد فرد، أي ثلاثة متتابعة، وواحد منفرد عنها. قال تعالى في سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة:2].



            وقال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ} [المائدة:97]. وسياق الآية يجعل الشهر الحرام كالكعبة قياما للناس، فله من الثبوت ما للبيت الحرام، هذا في المكان، وهذا في الزمان.



            وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ...} [البقرة:217]. فأقرَّ بأن القتال في الشهر الحرام ذنب كبير، وإن كان المشركون قد ارتكبوا ما هو أكبر منه عند الله.



            ولكن إذا قوتل المسلمون في الشهر الحرام قاتلوا فيه ردا للعدوان، وتأديبا للمعتدين، حتى لا يجترئوا على المسلمين، مستغلين تعظيمهم للشهر الحرام، يقول تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة:194].



            وقد ذهب الأئمة الأربعة والجمهور إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ. وكان عطاء يحلف بالله: ما يحل القتال في الشهر الحرام، ولا نسخ تحريمه شيء!



            وقد ردَّ العلامة ابن القيم على كل الأدلة التي استدل بها مَن قال بالنسخ، مُبيِّنا أن كل ما قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل في الشهر الحرام، أنه كان قتال دفاع لما بدأه العدو من عدوان على المسلمين. قال ابن القيم: ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء.



            وذكر ابن القيم آية [البقرة:217]، {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ...}، وآية [المائدة:2]، {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ}، ثم قال: فهاتان آيتان مدنيتان، بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام. وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه. ومَن استدل على نسخه بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة:36]، ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه. ومن استدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة، فقد استدل بغير دليل، لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام[17] اهـ.



            الحج تدريب للمسلم على السلام:



            ومن عناية الإسلام بالسلام: أنه فرض على كل مسلم في العمر مرة عبادة خاصة، وهي حج البيت الحرام، وهي عبادة يتدرَّب المسلم فيها على السلام، فهي تتم عادة في الشهر الحرام في ذي الحجة، وفي البلد الحرام مكة المكرمة، وفي حالة الإحرام، فتحوطه حرمة الزمان، وحرمة المكان، وحرمة الحال، حال الإحرام، الذي يحظر عليه فيه كل قتل حتى قتل الصيد، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...} [المائدة:95].



            فالمسلم في هذه الرحلة: سلام لكل مَن حوله، وكل ما حوله، حتى الأشجار والحشائش يحرم عليه أن يقطعها.



            وكل مسلم عليه أن يقوم برحلة السلام هذه مرة في عمره فرضا من الله، وله أن يحج ويعتمر تطوعا ما يسَّر الله له ذلك، ابتغاء مرضاة الله.





            --------------------------------------------------------------------------------



            [1]- رواه البخاري في الأدب (6024)، ومسلم في السلام (2165)، وأحمد في المسند (24090)، وابن ماجة في الأدب (3689)، والترمذي في الاستئذان (2701)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (10142)، عن عائشة.



            [2]- رواه مسلم في البر والصلة والآداب (2594)، و أحمد في المسند (25709)، وأبو داود في الجهاد (2478)، عن عائشة.



            [3]- رواه مسلم في البر والصلة (2592)، و ابن ماجة في الأدب (3677)، عن جرير بن عبد الله البجلي.



            [4]- رواه مسلم في البر والصلة والآداب (2593)، عن عائشة.



            [5]- رواه الحاكم (1/35)، وصححه ووافقه الذهبي، والترمذي في العلل (1/369)، والبيهقي في الشعب (1446)، عن أبي هريرة، ورواه ابن سعد (1/192)، والبيهقي في السنن مرسلا عن أبي صالح. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2345).



            [6]- رددت هذا المعنى بمجلة (العالم الإسلامي) التي يصدرها المنصرون في تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28]، فتقول ما ترجمته: (إن إله الإسلام متكبر جبار، مترفع عن البشرية، يطلب أن يسير العابد نحوه! بينما إله المسيحية عطوف متواضع، يتودد للناس، فيظهر في صورة بشر، وذلك هو الإله الإبن! فعقيدة التثليث في المسيحية قربت الإنسان من الإله ... أما عقيدة التوحيد، فباعدت بين الإنسان والإله!!) انظر: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي للدكتور محمد البهي صـ56، 57 طبعة دار الفكر في بيروت. فانظر: ماذا يفعل الهوى والتعصب والتقليد الأعمى بالناس؟! فجعل الشرك - ومنه التثليث – بقرب الإنسان من الإله، وجعل التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم وجميع الأنبياء يباعد بين الإنسان والإله! وليس هناك شيء يقرب من الإنسان وربه مثل التوحيد، الذي يزيل كل الوسائط المفتعلة، ويفتح الطريق مباشرة إلى الله.



            [7]- رواه مسلم في الإيمان (54)، وأحمد في المسند (9084)، والترمذي في الاستئذان والآداب (2688)، وابن ماجه في المقدمة (68)، عن أبي هريرة.



            [8]- متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (831)، ومسلم في الصلاة (402)، وأحمد في المسند (3622)، وأبو داود في الصلاة (968)، والترمذي في الصلاة (289)، والنسائي في الافتتاح (1170)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (899)، عن ابن مسعود.



            [9]- متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2966)، ومسلم في الجهاد والسير (1742)، أحمد في المسند (19114)، وأبو داود في الجهاد (2631)، عن عبد الله بن أبي أوفى.



            [10]- رواه أحمد في المسند (15470)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، يعقوب بن مجمع بن جارية والد مجمع - وإن كان حسن الحديث - انفرد به، وأبو داود في الجهاد (2359)، والطبراني في الأوسط (4/120)، وفي الكبير (19/445)، عن مجمع بن جارية، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (587).



            [11]- راجع فتوانا بتحريم الصلح مع إسرائيل والرد على القائلين بذلك، في كتابنا: فتاوى معاصرة جـ3 صـ465 وما بعدها.



            [12]- رواه أحمد في المسند (19032)، وقال محققوه: إسناده ضعيف لجهالة عقيل بن شبيب، فقد تفرد بالرواية عنه محمد بن مهاجر وهو الأنصاري، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وأبو داود في الأدب (4950)، والبيهقي في الكبرى كتاب الضحايا (9/306)، عن أبي وهب الجشمي، وصححه الألباني في الصحيحة (1040).



            [13]- اللِّقْحَة: هي الناقة الحلوب القريبة العهد بالولادة.



            [14]- رواه مالك في الموطأ كتاب الاستئذان (1752)، وقال محمد فؤاد عبد الباقي: مرسل أو معضل، وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة إلى يعيش الغفاري، والطبراني في الكبير (22/277) موصولا، وابن أبي الدنيا في إكرام الضيف (65) موصولا، عن يعيش الغفاري، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وإسناده حسن (8/93).



            [15]- رواه أحمد في المسند (769)، وقال محققوه: إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير هانئ بن هانئ، فقد روى له أصحاب السنن، والبخاري في الأدب المفرد (823)، والبزار في المسند (2/314)، وابن حبان في مناقب الصحابة (15/409)، والطبراني في الكبير (3/96)، والحاكم في معرفة الصحابة (3/180)، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى كتاب الوقف (6/166)، عن علي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح، غير هانئ بن هانئ وهو ثقة (8/102).



            [16]- رواه الطيالسي في المسند (1/19)، والبزار في المسند (2/315)، والطبراني في الكبير (3/79)، عن علي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح (8/102)، ولم يذكر فيها الولد الثالث.



            [17]- زاد المعاد (3/339-341). طبعة الرسالة. بيروت.

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #21
              ثانيا: الرفق والعنف أو السلام والحرب في شريعة التوراة



              ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في أحكام الجهاد والقتال، وإقرار السلام في الأرض، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر - ولو نظرة سريعة عاجلة - إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتممه[1]. عليه أن ينظر بانصاف ليقارن ويوازن: ماذا جاءت به التوراة من أحكام في شأن الحرب والسلام م، بالمقارنة بما جاء به الإسلام والقرآن!



              ولا أدري أقرأ الغربيون - المسيحيون في جملتهم - الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ(الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها أقرأوها أم لم يقرأوها؟ وإذا قرأوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟ ومن هؤلاء البابا الحالي بنديكت السادس عشر.



              والآن أود أن نقف قليلا عند ما تقوله التوراة - التي نعتقد نحن المسلمين: أنها حُرِّفت وبُدِّلت لفظيا ومعنويا - والتي يؤمن بقدسيتها وإلهيتها: اليهود والمسيحيون جميعا، ومنهم المبشرون والمستشرقون المتحاملون، الذين شنوا الغارة على شريعة الجهاد في القرآن، وفي سنة محمد عليه الصلاة والسلام، وبالمقارنة والموازنة تتبيَّن الحقائق، وبضدِّها تتميَّز الأشياء.



              فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال.



              شرائع حصار وفتح المدن البعيدة في التوراة:



              تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) - وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة - في الفقرة العاشرة وما بعدها:



              (وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا). انتهى.



              هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تُسلِّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف)، هكذا أمرهم (الرب الإله). ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.



              وقد قال القرآن هنا: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4]، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يُثخِنوهم، أي يُضعِفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا الوَثَاق. أي: يكفّوا عن القتل، ويأسروا بدل أن يقتلوا.



              وقال القرآن أيضا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تُنجِّيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية {عَنْ يَدٍ}: أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفُّل بحمايتهم والدفاع عنهم. وهذه الجزية يدفعها القادرون على القتال، والقادرون على الدفع، فلا تدفعها النساء ولا الصبيان ولا العَجَزة ولا العميان، ولا الرهبان، وأمثالهم، ولا يدفعها الفقراء الذين لا يجدون كفايتهم من العيش، بل هؤلاء تكفلهم الدولة الإسلامية، كما رأينا ذلك في عهد عمر بن الخطاب[2]. وهذا حكم مجمَع عليه في مذاهب الفقه الإسلامي كافة[3].



              شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد:



              أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الميعاد) – يعنون أرض فلسطين – فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تَسْتَبْقوا فيها نَسَمَة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم)[4] انتهى.



              هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يُبدأوا بالدعوة، أو تُقبل منهم جزية، أو يُعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا خيار السيف، والسيف وحده. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت فلسطين أو ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم!



              ويعلق شراح التوراة على هذه الفِقرة فيقولون: (كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء)!! اهـ.



              وهكذا ترى هؤلاء الشراح برَّووا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة الشعوب التي لم يبدها سيف إسرائيل!



              فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟!



              إن البلاد القريبة - التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد) - (لا تُستبقى فيها نَسَمَة حية!) يعني: الإبادة الكاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد!



              فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون النصارى حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من محاولة استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (استراليا) واكتشفوها، وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمت إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصلة، ووصفها بـ(الوحشية) ظلم كبير للوحوش، لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفَّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.



              إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، ولقد رأينا القرآن الكريم كيف شدَّد النكير على فرعون في ظلمه لبني إسرائيل، لأنه أراد إبادتهم بطريق بطيء، حيث أمر بتذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم. ومعنى تذبيح الذكور من المواليد وتقتيلهم: أن يباد الجنس بعد عقود من الزمان. قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4].



              وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يُجِز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها"[5]، أي بإبادتها وتخليص الناس من أذاها.



              ولكن عليه الصلاة والسلام نظر إلى الأمر نظرة أعمق، فرأى أن هذه الكلاب - بتعبير القرآن - (أمة) لها خصائصها وصفاتها التي ميزتها عن غيرها من الأجناس التي خلقها الله، وإنما خلقها لحكمة، علمها مَن علمها، وجهلها مَن جهلها. وقد قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38].



              وبهذه النظرة المتسامية سبق الإسلام بنحو أربعة عشر قرنا: ما تنادت به البشرية اليوم من ضرورة الحفاظ على الأجناس الحية من الانقراض، وهو ما يسمونه (مبدأ نوح) عليه السلام[6].



              فانظر إلى هذا الأفق الرفيع الذي ارتقى الإسلام بالبشرية إليه، في المحافظة على أجناس الدواب والطيور وغيرها، واعتبارها (أمما أمثالنا) وقارن بينه وبين ذلك الحضيض الذي انحدر إليه الغربيون؛ الذين رضعوا فكرة التوراة الاستئصالية مع لبان أمهاتهم. فاقترفوا من جرائم الإبادة ما يندى له جبين التاريخ، ولقد اتفق في ذلك النصارى واليهود جميعاً.



              وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات اليهودية الصهيونية بأهل فلسطين، وشعب فلسطين؟ لقد قاموا بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة ولا رحمة، ولا مراعاة لأي اعتبار إنساني، كما فعلوا في (دير ياسين) وغيرها، حتى بقروا بطون الحوامل، وأخرجوا الأجنة من أحشائها، وعبثوا بها بسنان أسلحتهم، وهم يتضاحكون! وقتلوا الابن أمام عين أبيه، وعين أمه الوالهة! وذبحوا الأب والأم أمام أعين أبنائهما وبناتهما، وبهذه الوحشية أدخلوا الرعب في قلوب الفلسطينيين، ففروا من ديارهم مذعورين، وتركوها لهؤلاء السفاحين الإرهابيين.



              لقد كان هؤلاء المجرمون السفاحون يطبقون شريعة التوراة التي لُقِّنوها: ألا تدعوا فيها نَسَمَة حية!!



              هذه هي شريعة التوراة بالنسبة لهذه الشعوب: دمِّروها عن بكرة أبيها! لا تُبقوا فيها نَسَمَة حية! هكذا أمر الرب الإله موسى وقومه وأتباعه: أن يفعلوا بهذه المدن وأهلها حين تقع في أيديهم، وقد أُمروا أمرا ملزما: أن يبدأوا بقتالهم وقتلهم. لا يدعونهم إلى دين يعتنقونه، أو يقبلون منهم جزية يدفعونها، فليس لهم خيار إلا السيف.



              فأين هذا مما جاء به القرآن من قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة:190،191].



              وأين هذا مما جاء به القرآن - حتى بعد ما سموه (آية السيف) من سورة التوبة - من قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة:6]؟



              وأين هذا من قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الآية:62،61].



              إن من يقرأ ما جاء في نصوص الكتابين (التوراه والقرآن) عن السلام والحرب: لا يسعه إلا أن يقرأ قول البوصيري رحمه الله:



              الله أكبر! إن دين محمـــــد وكتابه: أقوى وأقوم قيـــــلا!



              لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديــــلا!



              فما قول البابا بنديكت فيما أريناه من نصوص التوراه: هل ينكرها؟ كيف وهو يؤمن بقول المسيح: ما جئت لأنقض الناموس (التوراة)؟



              وأين يجد البابا (العنف حقا)؟ أيجده في نصوص التوراة التي جاء بها موسى في زعمهم، أم يجده في نصوص القرآن؟



              نصوص مُعبِّرة عن العنف البالغ من أسفار القوم:



              وأضيف إلى هذه الفقرات التي نقلناها من التوراة، فقرات أخرى من التوراة وملحقاتها من أسفار العهد القديم، نقلها العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه الشهير: (إظهار الحق):



              في الباب الثالث والعشرين من (سفر الخروج) هكذا: (23) وينطلق ملاكي أمامك، فيدخلونك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحوايين واليابوسيين الذين أنا أخرجهم (24) لا تسجدن لآلهتهم ولا تعبدها، ولا تعمل كأعمالهم، ولكن خربهم تخريبا، واكسر أوثانهم).



              في الباب الرابع والثلاثين من (سفر الخروج) في حق الأمم الست هكذا: (12) فاحذر أن تعاهد مطلقا سكان تلك الأرض الذين تأتيهم لئلا يكونوا لك عثرة (13) ولكن اهدم مذابحهم، وكسر أصنامهم، واقطع أنساكهم).



              في الباب الثالث والثلاثين من (سفر العدد): (51) مُر بني إسرائيل وقل لهم: إذا عبرتم الأردن وأنتم داخلون أرض كنعان (25) فأبيدوا كل سكان تلك الأرض، واسحقوا مساجدهم، واكسروا أصنامهم المنحوتة جميعها، واعقروا مذابحها كلها (55) ثم أنتم إن لم تبيدوا سكان الأرض، فالذين يبقون منهم، يكونون لكم كأوتاد في أعينكم، ورماح في أجنابكم، ويشقون عليكم في الأرض التي تسكنونها (56) وما كنت عزمت أني أفعل بهم سأفعله بكم).



              في الباب السابع من سفر التثنية هكذا: (1) إذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي تدخل لترثها، وتبيد الشعوب الكثيرة من قدامك: الحيثي والجرحيثاني والأموراني والكنعاني والفرراني والحواني واليبوساني، سبعة أمم أكثر منكم عددا وأشد منكم (2) وسلمهم الرب إلهك بيدك، فاضربهم حتى إنك لا تبقي منهم بقية، فلا تواثقهم ميثاقا ولا ترحمهم (3) ولكن فافعلوا بهم هكذا: خربوا مذابحهم، وكسروا أصنامهم، وقطعوا مناسكهم، وأوقدوا أوثانهم).



              قال صاحب (إظهار الحق):



              فعلم من هذه العبارات: أن الله أمر بإهلاك كل ذي حياة من الأمم السبع، وعدم الشفقة عليهم، وعدم المعاهدة معهم، وتخريب مذابحهم، وكسر أصنامهم، وإحراق أوثانهم، وقطع مناسكهم، وشدَّد في إهلاكهم تشديدا بليغا، وقال: إن لم تهلكوهم أفعل بكم ما كنت عزمت أن أفعله بهم! ووقع في حق هذه الأمم السبعة (أنهم أكثر منكم عددا وأشد منكم). وقد ثبت في الباب الأول من (سفر العدد): أن عدد بني إسرائيل الذي كانوا صالحين لمباشرة الحروب، وكانوا أبناء عشرين سنة وما فوقها، كان: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا (603550)[7]، وأن اللاويين مطلقا ذكورا كانوا أو إناثا، وكذا إناث سائر الأسباط الإحدى عشر مطلقا، وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا العشرين سنة خارجون عن هذا العدد، ولو أخذنا عدد جميع بني إسرائيل، وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم بالمعدودين، لا يكون الكل أقل من ألفي ألف وخمسمائة ألف، أعني مليونين ونصف مليون (2500000)، وهذه الأمم السبعة إذا كانت أكثر منهم عددا وأشد منهم، فلا بد أن يكون عدد هذه الأمم أكثر من عددهم.



              ونقل العلامة الشيخ رحمة الله من التوراة والعهد القديم من المذابح البشرية التي ارتكبها أنبياء بني إسرائيل تطبيقا لأحكام التوراة: ما تقشعر منه الأبدان، وتشيب لهوله الولدان. ننقل بعضه هنا للموازنة والاعتبار.



              في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج في حال عبادة العجل هكذا: (25) فنظر موسى عليه السلام العشب أنه صار عريانا إنما عراه هارون لعار النجاسة، وجعله عريانا بين الأعداء (26) فوقف في باب المحلة، وقال: من كان من حزب الرب فليقبل إليَّ، فاجتمع إليه جميع بني لاوي (27) وقال لهم: هذا ما يقول الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه، فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب، وارتدوا وليقتل الرجل منكم أخاه، وصاحبه، وقريبه (28) فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى عليه السلام، فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل). فقتل موسى عليه السلام على عبادة العجل ثلاثة وعشرين ألفا.



              وفي الباب الخامس والعشرين من سفر العدد، أن بني إسرائيل لما زنوا ببنات المؤاب، وسجدوا لآلهتهن، أمر الرب بقتلهم. فقتل موسى أربعة وعشرين ألفا منهم.



              من طالع الباب الحادي والثلاثين من سفر العدد، ظهر له أن موسى عليه السلام لما أرسل اثني عشر ألف رجل مع فنيحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان، فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وخمسة ملوكهم وبلعام، وسبوا نساءهم، وأولادهم، ومواشيهم كلها، وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار، فلما رجعوا غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال: لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل مذكر، وكل امرأة ثيِّب، وإبقاء الأبكار، ففعلوا كما أمر، وكانت الغنيمة من الغنم: ستمائة وخمسة وسبعين ألفا، ومن البقر: اثنين وسبعين ألفا، ومن الحمير: واحدا وستين ألفا، ومن الأبكار: اثنتين وثلاثين ألفا، وكان لكل مجاهد ما نهب من غير الدواب، والإنسان، وما بين مقداره في هذا الباب. غير أن رؤساء الألوف والمئين، أعطوا الذهب لموسى والعازار: ستة عشر ألفا وسبعمائة وخمسين مثقالا. وإذا كان عدد النساء الأبكار اثنتين وثلاثين ألفا، فكم يكون مقدار المقتولين من الذكور مطلقا، شيوخا كانوا أو شبانا أو صبيانا، ومن النساء الثيبات؟!



              عمل يوشع عليه السلام بعد موت موسى عليه السلام بالأحكام المندرجة في التوراة، فقتل (الملايين) الكثيرة، ومن شاء فليطالع هذا في كتابه من الباب الأول إلى الباب الحادي عشر، وقد صرَّح في الباب الثاني عشر من كتابه: أنه قتل واحدا وثلاثين سلطانا من سلاطين الكفار، وتسلط بنو إسرائيل على ممالكهم.



              في الباب الخامس عشر من سفر القضاة في حال شمشون هكذا: (ووجد فكًّا، أعني: خد حمار، فمد يده وأخذه، وقتل به ألف رجل)!



              في الباب السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول: (8) وصعد داود ورجاله، وكانوا ينهبون أهل جاسور وجرز وعمالق، لأن هؤلاء كانوا سكان الأرض من الدهر من حد سورا حتى حد مصر (9) وكان يخرب داود كل الأرض، ولم يكن يُبقي منهم رجلا، ولا امرأة، ويأخذ الغنم، والبقر، والحمير، والجمال والأمتعة، وكان يرجع ويأتي إلى أخيس). انظروا إلى فعل داود عليه السلام: إنه كان يخرب الأرض، وما يُبقي رجلا، ولا امرأة من أهل جاسور، وجرز وعمالق، وينهب دوابهم وأمتعتهم!



              في الباب الثامن من سفر صموئيل الثاني: (2) وضرب المؤابيين وجرهم بالحبال، وأضجعهم على الأرض، وأعد حبلين للقتل، وحبلا واحدا للاستحياء، وكان المؤابيون عبيدا لداود يؤدون إليه الخراج (3) وضرب داود أيضا هدر عازار بن راحوب ملك صوبا ... إلخ (5) فأتت أرام دمشق، ليعينوا هدر عازار ملك صوبا، وضرب (أي بالسيف) داود من أرام اثنين وعشرين ألف رجل). فانظروا إلى فعل داود عليه السلام بالمؤابيين، وهدر عازار، وجيشه وجيش أرام.



              الآية الثامنة عشر من الباب العاشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (وهرب السريانيون من بين يدي إسرائيل، وقتل داود من السريانيين سبعمائة مربك، وأربعين ألف فارس، وسوباك رئيس الجيش ضربه فمات في ذلك المكان).



              وفي الباب الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني هكذا: (19) فجمع داود جميع الشعب، وسار إلى راية فحارب أهلها، وفتحها (30) وأخذ تاج ملكها عن رأسه، وكان وزنه قنطارا من الذهب، وكان فيه جواهر مرتفعة، ووضعوه على داود، وغنيمة القرية أخرجها كثيرة جدا (31) والشعب الذي كانوا فيها أخذهم ونشرهم بالمناشير، وداسهم بموارج حديد، وقطعهم بالسكاكين، وأجازهم بقمين الأجاجر، كذلك صنع بجميع قرى بني عمون، ورجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم). ونقلت هذه العبارة لفظا لفظا، عن الترجمة العربية المطبوعة سنة 1831م، وسنة 1844م. فانظروا كيف قتل داود عليه السلام بني عمون قتلا شنيعا، وأهلك جميع القرى بمثل هذا العذاب العظيم الذي لا يتصور فوقه)[8] انتهى.



              هذا بعض ما نقله العلامة الشيخ رحمة الله في كتابه (إظهار الحق) من كتب القوم المقدسة، بنصوصه وحروفه، على ما فيها من ركاكة، وهو غيض من فيض، وقليل من كثير. وكل نص منها ينضح بالقسوة البالغة، والوحشية القاسية، التي لا تعرف الرحمة إليها سبيلا، بل إن الوحوش لا تقتل إلا ما تحتاج إليه لأكلها، أما تذبيح الألوف، وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من البشر، بهذه الاستهانة والسهولة، كأنما تبيد صراصير، أو نملا، لا لسبب ولا لجرم إلا لأنهم مخالفون في الدين، أو لأنهم سكان أرض معينة، وأن يتم ذلك من رسل وأنبياء لهم مقام عند الله، مثل موسى ويوشع وداود وغيرهم، فهذا هو الذي يذر الحليم حيران[9]!



              ولا غرو أن تؤثر هذه القصص الإسرائيلية، والأخبار الدينية، المنقولة من أسفار التوراة، وملحقات التوراة، من أسفار الأنبياء، في نفوس قراء هذه النصوص المقدسة عندهم من اليهود والنصارى على السواء، وأن تنشئ فيهم تلك (النفسية المتوحشة) التي لا ترحم ولا ترق لضعيف ولا مسكين، وتستحل قتل النساء والولدان والشيوخ، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ولا عجب أن وصف القرآن بني إسرائيل بهذا الوصف المعبر، فقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74].



              وفي مقام آخر قال تعالى عن بني إسرائيل بعد أن أخذ عليهم الميثاق أن يعملوا الصالحات، حتى يستحقوا مثوبة الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة:13].



              وهناك مواقف أخرى سنضعها كملاحق في آخر الكتاب[10].





              --------------------------------------------------------------------------------



              [1]- في إنجيل متى: الإصحاح (5): (لا تظنوا أني جئت لأُلغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لأُلغي، بل لأُكمَّل) الفقرة (17)، وانظر: إنجيل مرقص: 9/50، لوقا: 14/35،34.



              [2] - انظر كتابنا (مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام) صـ110، 111، وفيه أن خالد بن الوليد القائد المسلم المنتصر صالح أهل الحيرة من النصارى، وكتب لهم معاهدة جاء فيها هذا النص الصريح: (وجعلت لهم: أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصاببته آفة من الأفات، أو كان غنيا فافتقر، وصار أهل دينه ينصرفون عنه: طرحت عنه جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام). الخراج لأبي يوسف صـ144 ط السلفية الثانية.



              [3] - انظر: الاستذكار لابن عبد البر (9/289) والمغني لابن قدامة صـ***.



              [4]- انظر: الكتاب المقدس (التوراة) سفر التثنية: الأصحاح العشرين (10-18) صـ392، 393.



              [5]- رواه أحمد في المسند (16788)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو داود في الصيد (2845)، والترمذي في الأحكام والفوائد (1486)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الصيد والذبائح (4280)، وابن ماجه في الصيد (3205)، عن عبد الله بن مُغَفَّل، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5321).



              [6]- انظر: كتابنا: (رعاية البيئة في شريعة الإسلام) فصل (المحافظة على الموارد) صـ91 - 95.



              [7]- ناقش العلامة ابن خلدون في مقدمته هذه الأرقام، التي ذكرتها التوراة عن أعداد بني إسرائيل، وبين بالمنطق التاريخي: أنها غير صحيحة على الإطلاق، وأنها لا تتفق مع المدة الزمنية التي قضاها بنو إسرائيل في مصر، وما أصابهم فيها من تذبيح وتقتيل. وهو تحقيق في غاية الصواب. وقد سبقه إلى شيء من ذلك: الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (1/261 - 263) فصل: تخبط كتب اليهود في عدوهم حين خروجهم من مصر. طبعة عكاظ للنشر والتوزيع، ولكن العلامة رحمة الله في (إظهار الحق) يؤاخذهم بما سجلوه في كتبهم المقدسة على أنفسهم.



              [8]- انظر: كتاب إظهار الحق (2/496 - 504) طبعة إحياء التراث الإسلامي في قطر.



              [9]- وإن كنا نحن المسلمين - بحكم تعظيمنا لرسل الله وأنبيائه - نبرئهم من هذه التهم الشنيعة، والجرائم الفظيعة، ونعتقد أن هذه الفظائع المروِّعة مما أضيف إلى التوراة وملحقاتها، أو على الأقل بولغ فيها. ولم ينسب قرآننا أيّ شيء من هذه الفظائع إلى موسى أو داود عليهما السلام، بل ذكرهما بكل خير وفضيلة.



              [10]- انظر: ملحق (4)، (5)، (6).

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #22
                أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف



                أشاع رجال الدين في أوربا، في حملتهم الظالمة على الإسلام، ومعهم البابا بنديكت السادس عشر: أن الإسلام لم ينتشر في العالم إلا بحد السيف، وإخضاع الناس لعقيدته بالقوة العسكرية، ولولا هذا ما انفتحت له القلوب، ولا اقتنعت به العقول، ولكنها أكرهت عليه إكراها تحت بريق السيوف، فخيَّرهم بين الإسلام والقتل، فإما أن يسلم وإما أن يطير عنقه!



                وقد قال الإمبراطور البيزنطي لمحاوره المسلم الفارسي فيما نقله عنه البابا: أرني ما الجديد الذي جاء به محمد، غير الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية، مثل أمره بنشر دينه بحدِّ السيف؟! نقلها البابا نقل المسلِّم لها، المقرِّ بها.



                وهذه فِرية تكذبها تعاليم الإسلام القطعية، وتكذبها وقائعه التاريخيه، ويكذبها المنصفون من المؤرخين المستشرقين أنفسهم.



                فأما تعاليم الإسلام فهي تنفي الإكراه في الدين نفيا مطلقا عاما، بقوله تعالى في القرآن المدني: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256].



                وهو يؤكد ما جاء في القرآن المكي من قوله تعالى بصيغة الاستفهام الإنكاري: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]، وقوله تعالى على لسان نوح: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28].



                وأما دعوى تخيير الناس بين الإسلام والسيف، فهي كذبة أخرى: فالثابت بالنصوص الشرعية، والوقائع التاريخية: أن المسلمين كانوا يخيرون مَن يقاتلونهم - إذا كتب عليهم القتال - بين أمور ثلاثة: الإسلام أو دفع الجزية أو القتال. والجزية مبلغ زهيد يطلب من الرجال القادرين على القتال، ولا يؤخذ من امرأة، ولا صبي، ولا زَمِن، ولا أعمى، ولا فقير، ولا راهب في صومعته، وتتفاوت بتفاوت قدرات الناس، فكل على قدر طاقته، وطلب مثل هذا المبلغ - في مقابلة حمايته وكفالته والدفاع عنه - ليس شيئا باهظا يكره صاحبه على ترك دينه والدخول في الإسلام.



                كما تقول وقائع التاريخ أيضا: إن المسلمين حينما فتحوا البلاد، لم يتدخلوا قط في شؤون دينها، ولم يُرغموا أحدا قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أكره فيها فرد غير مسلم، أو أسرة غير مسلمة، أو بلدة غير مسلمة، أو شعب غير مسلم، على الدخول في الإسلام.



                كما أثبت التاريخ أن كثيرا من البلاد الإسلامية التي نعرفها اليوم: لم يدخلها جيش مسلم، ولكنها دخلت في الإسلام بتأثير التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء ولا دعاة محترفين، وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق الإيمان، وحسن الخلق، وحب الخير للناس، فكانوا أسوة حسنة، فأحب الناس دينهم بحبهم، ودخلوا فيه أفرادا وجماعات. هكذا دخل الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وغيرها: بوساطة تجار حضرموت وأمثالهم ممَّن جاءوا من جنوب اليمن، ضاربين في الأرض، مبتغين من فضل الله.



                وهناك بلاد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها الإسلام عن طريق الطرق الصوفية، وعن طريق الاحتكاك بالمسلمين، والتأثر بسلوكياتهم وآدابهم وأفكارهم.



                وحتى البلاد التي دخلتها الجيوش: كان وجودها محصورا في العواصم والثغور، لا في كل المدن والقرى.



                لم تدخل الجيوش الإسلامية التي فتحت الهند الكبرى، إلا في دائرة محدودة، ولكن انتشار الإسلام في القارة الهندية، كان أبعد وأوسع بكثير مما دخلته الجيوش، وامتدت دعوته شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، حتى كان من تأثيرها: وجود دولتين إسلاميتين كبيرتين هما: باكستان وبنجلاديش، ووجود أكبر تجمع إسلامي للمسلمين في الهند بعد إندونيسيا، برغم شكوى كثير من العلماء والناقدين من تقصير المسلمين خلال حكمهم الطويل للهند، من توصيل الدعوة للهندوس، ولا سيما دعوة طائفة (المنبوذين) للإسلام دين الأخوة والعدالة والمساواة.

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #23
                  السيف لا يفتح قلبا



                  ولقد اتخذ المبشرون والمستشرقون من الفتوح الإسلامية: دليلا على أن الإسلام إنما انتشر بهذه القوة والسرعة، نتيجة لأنه قهر الناس بالسيف، فدخل الناس تحت بريقه مذعنين طائعين.



                  ونقول لأصحاب دعوى انتشار الإسلام بالسيف: إن السيف يمكنه أن يفتح أرضا، ويحتل بلدا، ولكن لا يمكنه أن يفتح قلبا. ففتح القلوب وإزالة أقفالها: تحتاج إلى عمل آخر، من إقناع العقل، واستمالة العواطف، والتأثير النفسي في الإنسان.



                  بل أستطيع أن أقول: إن السيف المسلط على رقبة الإنسان، كثيرا ما يكون عقبة تحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف. فالإنسان مجبول على النفور ممَّن يقهره ويُذلُّه.



                  ومَن ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره: يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون، لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، بعيدا عن صليل السيوف، وقعقعة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، وتعاملهم مع أنفسهم، وتعاملهم مع غيرهم: ما يحببهم إلى الناس، ويقربهم من دينهم، الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل.



                  وانظر إلى بلد كمصر، وقد فُتحت في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، ولكن ظلَّ الناس على دينهم النصراني عشرات السنين، لا يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد. حتى إن الرجل القبطي الذي أنصفه عمر، واقتص لابنه من ابن والي مصر: عمرو بن العاص، لم يدخل في الإسلام، رغم أنه شاهد من عدالته ما يَبهر الأبصار.



                  وقد فنَّد الكاتب الكبير الأستاذ عباس العقاد هذه التهمة الباطلة في أكثر من كتاب له، ومما قاله:



                  (شاع عن الإسلام أنه دين السيف، وهو قول يصح في هذا الدين إذا أراد قائله: أنه دين يفرض الجهاد ومنه الجهاد بالسلاح، ولكنه غلط بيِّن إذا أريد به أن الإسلام قد انتشر بحد السيف، أو أنه يضع القتال في موضع الإقناع.



                  وقد فطِن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير، هو (توماس كارْلَيل) صاحب كتاب (الأبطال وعبادة البطولة) فإنه اتخد محمدا صلى الله عليه وسلم مثلا لبطولة النبوة، وقال ما معناه:



                  (إن اتهامه بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم. إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا لدعوته! فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومه، فقد آمنوا به طائعين مصدِّقين، وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها).



                  قال العقاد:



                  (والواقع الثابت في أخبار الدعوة الإسلامية: أن المسلمين كانوا هم ضحايا القسر والتعذيب، قبل أن يقدروا على دفع الأذى من مشركي قريش في مكة المكرمة، فهجروا ديارهم، وتغربوا مع أهليهم، حتى بلغوا إلى الحبشة في هجرتهم، فهل يأمنون على أنفسهم في مدينة عربية قبل التجائهم إلى (يثرب) وإقامتهم في جوار أخوال النبي عليه السلام، مع ما بين المدينتين (يعني: مكة ويثرب) من التنافس الذي فتح للمسلمين بينهما ثغرة للأمان؟ ولم يكن أهل يثرب ليرحبوا بمقدمهم لولا ما بين القبيلتين الكبيرتين فيها (قبيلتي الأوس والخزرج) من نزاع على الإمارة فتح بينهما كذلك ثغرة أخرى يأوي إليها المسلمون بعد أن ضاق بهم جوار الكعبة، وهو الجوار الذي لم يضق من قبل بكل لائذيه في عهد الجاهلية.



                  ولم يعمد المسلمون قط إلى القوة إلا لمحاربة القوة التي تصدُّهم عن الاقتناع، فإذا رصدت لهم الدولة القوية جنودها حاربوها؛ لأن القوة لا تحارب بالحجة والبينة، وإذا كفوا عنهم لم يتعرضوا لها بسوء.



                  وقد بيَّن الأستاذ العقاد أن المسلمين سالموا الحبشة ولم يحاربوها، وإنما حاربوا الفرس، وحاربوا الروم؛ لأنهم هم الذين بدأوا بالعدوان على المسلمين.



                  قال: ولم يفاتح النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بالعداء في بلاد الدولتين. وإنما كتب إلى الملوك والأمراء يبلغهم دعوته بالحسنى، ولم تقع الحرب بعد هذا البلاغ بين المسلمين وجنود الفرس والروم، إلا بعد تحريضهم القبائل العربية في العراق والشام على غزو الحجاز، وإعدادهم العدة لقتال المسلمين. وقد علم المسلمون بإصرارهم على اغتنام الفرصة العاجلة لمباغتتهم بالحرب من أطراف الجزيرة، ولولا اشتغال كسرى وهرقل بالفتن الداخلية في بلادهما لبوغت المسلمون بتلك الحرب قبل أن يتأهبوا لمدافعتها والتحصن دونها)[1] اهـ.





                  --------------------------------------------------------------------------------



                  [1]- انظر: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه صـ219، 220.

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #24
                    قدرة الإسلام على الانتشار السلمي



                    لقد ذكرت في كتابي (تاريخنا المفترى عليه) وأعني بالطبع: تاريخنا الإسلامي: أن من مآثر هذا التاريخ: أنه سجَّل لديننا قدرته على الانتشار السريع، ودخول الأمم فيه أفواجا، بأدنى دعوة إليه، وإن لم يَقُم بهذه الدعوة أناس محترفون متخصصون في التبشير به، متفرغون له.



                    وسر ذلك: أن هذا الدين - بعقائده وعباداته وأخلاقياته وتشريعاته - تتوافر فيه: موافقة الفطرة، وملاءمة العقل، وتزكية النفس، وسمو الروح، وصحة الجسم، وتماسك الأسرة، وترابط المجتمع، وتحقيق العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وإشاعة الخيرات، ومكافحة الشرور بقدر الإمكان.



                    وأبرز ما في هذا الدين سهولة عقائده التي ليس فيها غموض ولا التواء ولا تناقض، تقبلها الفطرة السليمة، ويسلم لها العقل المستقيم.



                    فلا غرو أن انتشر دين الإسلام انتشار أضواء الصباح، فملأ الآفاق، ومحا الظلام، واستنارت به الأبصار والبصائر، ورحب الناس به في عامة الأقطار.



                    الحق أن سهولة تعاليم الإسلام، وسمو أخلاق المسلمين: هما اللذان مهدا السبيل لدخول الأمم في الإسلام، وليس السيف، كما تقوَّل المتقولون.



                    انتشار الإسلام بفضائله وقوته الذاتية:



                    ولقد ألَّف المؤرخ المعروف الدكتور حسين مؤنس كتابا أسماه (الإسلام الفاتح)، وقال عنه: أنه دراسة في تاريخ البلاد التي فتحها الإسلام بفضائله وقوته الذاتية، دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب . وقد تتبَّع انتشار الإسلام في هذه البلاد، وبيَّن كيف دخل الإسلام إليه، بما يقطع كل شك، ويردُّ على كل تخرُّص بأن المسلمين استخدموا القوة في نشر دينهم . يقول د. مؤنس رحمه الله:



                    (لم يسبق فيما مضى أن كانت للمسلمين سياسة موضوعة لنشر الإسلام، يقوم عليها رجال متخصصون يجرون في أعمالهم على مناهج مقررة، كما هي الحال في النصرانية مثلا، حيث نجد البابوية الكاثوليكية، وما تبعها من منظمات كهنوتية كالفرنشسكية والدومينيكية والجزويت، وكذلك يما تنظمه الهيئات البروتستانتية من حملات تبشير، تعد رجالها في معاهد متخصصة، وتنفق عليها المال الوفير، ثم ترسلهم إلى البلاد البعيدة لدعوة الناس إلى أديانها بأساليب علمية مدروسة، لإقناع من يصادفونه من الناس بصدق ما يدعون إليه، وإدخالهم في العقيدة، ويبلغ الأمر أن يطلّق أولئك الدعاة الدنيا، ليخلصوا للدعوة خلوصا تاما، كما نعرفه في جماعات الرهبان المسيحية والبوذية أحيانا.



                    في الإسلام لا نجد شيئا من هذا إلا في عصرنا اليوم، عندما تزايدت تيارات التبشير غير الإسلامية، ولم يعد هناك مناص من أن يُعنَى المسلمون بالدعوة وتنظيمها، وإعداد الرجال القادرين عليها، فيما عدا ذلك كان الإسلام هو الذي نشر نفسه بنفسه: هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فأسلموا حبا في الإسلام وإعجابا به والتماسا لرحمة الله وهداه.



                    وإنه لمما يستوقف النظر أن قوة الإسلام الذاتية قد غلبت تنظيمات الدعاة، وأثبتت أنها أفعل وأبعد أثرا من المال الذي أنفقه الآخرون على دعاواهم، فانتشر واتسع مداه، ودخلت فيه الأمم بعد الأمم، من تلقاء نفسها بمجرد وصول الدعوة إليها. ولقد كان العرب يفتحون البلد من البلاد، ويعرضون الإسلام على أهله، ثم يدعونهم وشأنهم؛ حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية في تمهل، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام، وما إلى ذلك مما نجده مسطورا في كتب أعداء الملة.



                    وما كان ذلك عن عدم حرص من العرب على نشر الإسلام، وإنما كان سيرا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس، وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء.



                    ومن غريب ما حدث في بلاد مصر والأندلس: أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام، لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم: أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك، كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟



                    قال يولوج الراهب القرطبي المبغض للإسلام: (فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك، ويسألون عن الإسلام ويستفسرون، حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا).



                    ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئا من ذلك، وكان متأسفا: لأن العرب لم يلجئوا إلى القوة في فرض الإسلام، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس.



                    وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر، وكانوا من أشد الناس استمساكا بعقيدتهم، حتى لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات، على أيدي عتاة الرومان من أمثال دقلديانوس، وطغاة الروم من أمثال قيرس، فلا تجد لتساؤلك جوابا؛ لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين - مصر والأندلس - تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس، كما ينساب الماء في أرض الزرع، فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.



                    وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه، الذي وهب نفسه للإسلام، كان يلقى رئيس القبيلة، ويحدثه، ثم يدعوه إلى الإسلام؛ فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه.



                    إن مداخل الإسلام إلى القلوب، هي سماحته وبساطته وإنسانيته. إنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابا واسعا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة، وكل ذلك دون مقابل. في أديان أخرى تفرض عليه أموال وهدايا وقرابين، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار.. لا شيء من هذا في الإسلام، من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلا ذلولا.



                    أما مسالك الإسلام، فهي ضروب الأرض جميعا: لقد انتشر الإسلام بالبر والبحر، بالحرب والسلم، لقد اخترق الجبال والشعاب، وأوجد لنفسه طرقا ومسالك لا تخطر على بال أحد. لقد اشترك في نقل الإسلام حتى الكفار، ومن بين المستشرقين رجل - سنتحدث عنه - نصح حكومته بترك الإسلام ينتشر، حتى يشتغل به الناس، ويتركوا التجارة والأموال للهولنديين، وأخذت الدولة بكلامه.



                    وانساح الإسلام في إندونيسيا حتى عمها كلها. وحدث أن دخلت الإسلام قبيلة من قبائل الونقارة في غرب أفريقية على سبيل العناد مع جارتها، فلما دخلت فيه سعدت وارتقت وسادت وتبعتها خصمتها الأولى… بفضل هذه العداوة - التي أصبحت صداقة - اخترق الإسلام مائتي كيلومتر من الغابات الاستوائية التي لا يخترقها أحد إلا بمشقة، وهذه القبيلة - وتسمى الونقارا آيا - تعتبر في مقدمة قبائل داهومي، منها اليوم أطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة. لقد دخلت الإسلام دون أن تدري أي حظ كتبه الله لها عن طريق هذا الدين.

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #25
                      الإسلام دين طيار






                      والخلاصة أن داعية الإسلام الأكبر هو الإسلام نفسه، فقد تضمنت عقيدته وشريعته من الفضائل ما يجعل الناس يحرصون أشد الحرص على أن يدخلوا فيها، ثم إن الإسلام يعطي الداخل فيه كل شيء ولا ينتقصه شيئا، فإن الإنسان يكسب الصلة المباشرة بالله سبحانه وتعالى، ويجد الطريق إليه فيقف بين يديه خمس مرات في اليوم، ويدعوه دون حجاب، ويكسب الأمل في حياة أسعد وأرغد في هذه الحياة الدنيا، ثم حياة الخلود في دار البقاء، ولا يكلفه ذلك إلا النطق بالشهادتين، واتباع شريعة الإسلام، وكلها خير ومساواة وعدل، في حين يتقاضاه رجال الدين في الأديان الأخرى- كما قلنا - الإتاوات في كل مناسبة، فهو يؤدي مالا إذا تزوج، ويؤدي مالا كلما أنجب ولدا، ويؤدي مالا ليعمِّد الطفل الوليد، ثم مالا آخر ليثبته في الجماعة المسيحية إذا ضرب في مداخل الشباب، بل يؤدي مالا إذا مات له ميت لكي تصلى عليه صلاة الجنازة، وبالإضافة إلى ذلك يظل عمره كله تابعا لرجل الدين في كل ما يتصل بالله سبحانه، فإذا أراد الصلاة صلى عنه القس، ووقف هو يسمع ولا يملك إلا أن يقول: آمين، ولكن المسلمين وحدهم من دون أهل الأديان هم الذين يقوم كل واحد منهم بصلاته بنفسه، حتى لو كانت صلاة الجماعة، وفي غير الإسلام يصلي القس مع مساعديه نيابة عن الناس.







                      والحق أن أصدق وصف يطلق على الإسلام في هذا المقام، أنه (دين طيار) ينتقل من إنسان إلى إنسان ومن أمة لأمة في سهولة ويسر، كأن له أجنحة قدسية تحمله وتجري به مجرى الريح! وإنك لتنظر إلى خريطة الأرض، وتتأمل مدى انتشار الإسلام، فتتعجب من سعته، ويزداد عجبك عندما تتبين أن ثلث هذه المساحة فحسب هي المساحة التي فتحتها الدول وأدخلت الجيوش فيها الإسلام. أما الباقية فقد دخلها الإسلام، وملأ قلوب أهلها دون جيش منظم، أو سياسة مرسومة لذلك!! إنما هو الإسلام نفسه، جعله الله خفيفا على القلوب، قريبا إلى النفوس، ما تكاد كلمة الحق تصافح أذن الرجل حتى يصل الإيمان إلى قلبه، فإذا استقر في قلبه لم يكن هناك قط سبيل إلى إخراجه منه، فهو الريء الذي تظمأ إليه النفوس وتستقي منه، وهو الأمل الذي يخفف على الإنسان وطأة المسير في هذه الدنيا، ويهون عليه الموت، فالموت ليس آخر رحلة الإنسان مع الحياة بل هو المدخل إلى الحياة فحسب، وبعد هذه الحياة حياة هي أسعد وأبقى لمن صدق إيمانه واتقى.







                      ولعل أكبر أسباب خفة الإسلام على القلوب هو: وضوحه وصدقه، فإنك إذ تؤمن بالإسلام لا تؤمن بأسرار أو أمور لا يقبلها عقلك، كما ترى في الأديان الأخرى، حتى الغيب الذي تؤمن به في الإسلام حقيقة، فإن الإنسان لا يرى الله بالعين المبصرة، وإنما يحس به في نفسه، وفي كل ما حوله بالبصيرة المنيرة، والحقيقة الكبرى في هذا الكون هي خالقه، فهو الحق ولا حق غيره، وأنت لا تؤمن بالله؛ لأن داعيك إليه يأتي بمعجزات أو خوارق، وإنما هو يلفت نظرك إلى عجائب الخلق، وكلُّ ما فيه معجز وخارق، وأنت تراه رأي العين في شخصك الذي يعيش ويتحرك ويفهم، لا تدري كيف، فإذا لم تؤمن بالله فكيف فكيف تعلل حياتك، وحركة حسدك، ونبض قلبك ؟ فإذا آمنت بالله لم يكن لك مفر من أن تؤمن بنبيه الذي حمل إليك رسالته، فالله سبحانه حق، ونبيه صدق، وكل ما يعدك به القرآن حق وصدق، ولست تحتاج إلى من يشرح لك حقيقة الإسلام حتى في نفسك، وغاية ما تحتاج إليه من يذكرك بها، وهذا معنى من معاني تسمية الله سبحانه للقرآن بالذكر والذكر الحكيم[1] اهـ .



                      شهادة غوستان لوبون



                      وهذه شهادة مؤرخ كبير مثل الدكتور حسين مؤنس، ولكن قد يقال: إنها شهادة مسلم لدينه. فهذه شهادة من مؤرخ غير مسلم، وهو المؤرخ الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي الشهير (غوستان لوبون) في كتابه (حضارة العرب) الذي نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر.







                      --------------------------------------------------------------------------------







                      [1] الإسلام الفاتح لحسين مؤنس صـ20 – 24، نشر الزهراء للإعلام العربي.

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #26
                        فلسفة القرآن وانتشاره في العالم



                        يقول لوبون تحت عنوان (فلسفة القرآن وانتشاره في العالم):



                        إذا أرجعنا القرآن إلى عقائده الرئيسة: أمكننا عدُّ الإسلام صورة مبسطة عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول، ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد، الذي دعا إليه الإسلام، مهيمن على كل شيء، ولا تحفّ به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم . (أي كما في النصرانية) وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم.



                        ويشير لوبون إلى يسر الإسلام، وسهولته البالغة والتي تتمثل في عقيدة التوحيد الخالص، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، وهي التي تجعل إدراك الإسلام سهلا على كل إنسان، فليس في الإسلام غموض ولا تعقيد، مما نراه في الأديان الأخرى وتأباه الفطرة السليمة، من المتناقضات والغوامض.



                        قال: ولا شيء أكثر وضوحا، وأقل غموضا، من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله. وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها، ويدخل النار من يعرض عنها. وإنك، إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقده، ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة. وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثا عن التثليث، والاستحالة، وما ماثلهما من الغوامض، من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل!



                        وساعد وضوح الإسلام البالغ: ما أمر به من العدل والإحسان كل المساعدة، على انتشاره في العالم، ونفسر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام، كالمصريين الذين كانوا نصارى أيام حكم قياصرة القسطنطينية، فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام، كما نفسر السبب في عدم تنصر أية أمة، بعد أن رضيت بالإسلام دينا، سواء أكانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة.



                        ويجب على من يرغب في الحكم بفائدة كتاب ديني: ألا ينظر إلى قواعده الفلسفية الضعيفة على العموم، بل إلى مدى تأثير عقائده . والإسلام إذا ما نظر إليه من هذه الناحية: وجد أنه من أشد الأديان تأثيرا في الناس، وهو - مع مماثلته لأكثر الأديان في الأمر بالعدل والإحسان والصلاة، إلخ - يعلِّم هذه الأمور بسهولة يستمرئها الجميع، وهو يعرف، فضلا عن ذلك، أن يصبّ في النفوس إيمانا ثابتا لا تزعزعه الشبهات.



                        ولا ريب في أن نفوذ الإسلام السياسي والمدني كان عظيما إلى الغاية، فقد كانت بلاد العرب قبل محمد مؤلفة من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلة دائما، فلما ظهر محمد، ومضى على ظهوره قرن واحد، كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسبانية، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المدن التي خفقت راية النبي فوقها.



                        والإسلام من أكثر الديانات ملائمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيبا للنفوس، وحملا على العدل والإحسان والتسامح، والبُدّهِيةُ، وإن فاقت جميع الأديان السامية فلسفة، تراها مضطرة أن تتحول تحولا تاما لتستمرئها الجموع، وهي، لا شك، دون الإسلام في شكلها المعدّل هذا.



                        وجرت حضارة العرب، التي أوجدها أتباع محمد، على سنة جميع الحضارات التي ظهرت في الدنيا: نشوء فاعتلاء فهبوط فموت، ومع ما أصاب حضارة العرب من الدُّثور، كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يمس الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ماله في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئا من قوتها.



                        ويدين بالإسلام في الوقت الحاضر أكثر من مائة مليون شخص[1]، واعتنقته جزيرة العرب ومصر وسورية وفلسطين وآسية الصغرى وجزء كبير من الهند وروسية والصين، ثم جميع إفريقية إلى ما تحت خط الاستواء تقريبا.



                        وتجمع بين مختلف الشعوب التي اتخذت القرآن دستورا لها وحدة اللغة والصلات التي يسر عنها مجيء الحجيج إلى مكة من جميع بلاد العالم الإسلامي.



                        وتجب على جميع أتباع محمد تلاوة القرآن باللغة العربية بقدر الإمكان، واللغة العربية هي لذلك أكثر لغات العالم انتشارا على ما يحتمل، وعلى ما بين الشعوب الإسلامية من الفروق العنصرية ترى بينها من التضامن الكبير ما يُمكِن جمعها به تحت علم واحد في أحد الأيام.



                        وقضى أعداء الإسلام من المؤرخين العجب من سرعة انتشار القرآن العظيمة، فعزوها إلى ما زعموه من تحلل محمد وبطشه، ويسهل علينا أن نُثبت أن هذه المزاعم لا تقوم على أساس، فنقول: إن من يقرأ القرآن يجد فيه ما في الأديان الأخرى من الصرامة، وإن ما أباحه القرآن من تعدد الزوجات لم يكن غريبا على الشعوب المسلمة التي عرفته قبل ظهور محمد، وإن هذه الشعوب لم تجد نفعا جديدا في القرآن لهذا السبب.



                        وما قيل من دليل حول تحلل محمد نقضه العلامة الفيلسوف (بيل) منذ زمن طويل. وقال بيل، بعد أن أثبت أن ما أمر النبي بالتزامه من قيود الصيام وتحريم الخمر ومبادئ الأخلاق هو أشد مما أمر به النصارى:



                        (إن من الضلال، إذن، أن يُعزى انتشار الإسلام السريع في أنحاء الدنيا إلى أنه يلقي عن كاهل الإنسان ما شق من التكاليف والأعمال الصالحة، وأنه يبيح له البقاء على سيئ الأخلاق، وقد دوَّن (هوتنجر) قائمة طويلة بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة عند المسلمين، فأرى - مع القصد في مدح الإسلام - أن هذه القائمة تحتوي أقصى ما يمكن أن يؤمر به إنسان من التحلي بمكارم الأخلاق، والابتعاد عن العيوب والآثام)[2].



                        ومما نبه إليه العلامة (بيل): أن ملاذ الجنة التي وعد بها المسلمون لا تزيد على ما وعد به النصارى في الإنجيل . جاء في الإنجيل: (لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه).



                        وسيرى القارئ، حين نبحث في فتح العرب وأسباب انتصاراتهم: أن القوة لم تكن عاملا في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغة لهم، فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل.



                        وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عرب الأندلس فضل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام.



                        ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند، التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد معه عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها[3]، ويزيد عدد مسلمي الهند اليوم يوما فيوما، مع أن الإنجليز، الذين هم سادة الهند في الوقت الحاضر، يجهِّزون البعثات التبشيرية ويرسلونها تباعا إلى الهند لتنصير مسلميها على غير جدوى.



                        ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة الإسلامية فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا[4] في الوقت الحاضر.



                        وليس فيما يوصم به الإسلام من الجَبْرية ما يزيد خطرا على ما رددنا عليه، وليس في آي القرآن التي ذكرناها آنفا من الجَبْرية ما ليس في كتب الأديان الأخرى كالتوراة مثلا[5]. وهناك فلاسفة وعلماء لاهوت يعترفون بأن مجرى الحوادث تابع لسنة لا تتبدل، قال المصلح الديني القدير لوثر: "يحتج على اختيار الإنسان وإرادته بنصوص الكتاب المقدس التي لا تحصى، وإن شئت فقل بكل ما ورد في الكتاب المقدس".



                        وكتب جميع الأمم الدينية مُفَعَّمَة بالجَبْرية التي يسميها القدماء بالقدر، ووضع القدماء القدر، الذي لا راد لحكمه، على رأس كل أمر، عادِّين إياه سلطة مطلقة لا مناص للناس والآلهة من إطاعتها، وحاول (إديب) على غير جدوى، أن يضرع إلى هاتف الغيب الذي أخبره بأنه سيقتل أباه ويتزوج أمه، فلم يستطع ردا لحكم القدر الجبار.



                        ولم يكن محمد، إذن جَبْريا أكثر من مؤسسي الأديان الذين ظهروا قبله، ولم يسبق محمد في جبريته علماء الوقت الحاضر الذين أيدوا مع العلامة لابلاس رأي الفيلسوف ليبنتز في القول: (إنه إذا وجد ذكاء يعرف، لوقت، جميع قوى العالم، ومواضع ما فيه من الموجودات، ويستطيع أن يحللها، ويحيط بمحركات أعظم أجرام العالم وأصغر ذراته، فإنه لا يبقى عنده شيء غير معين، ويصبح الماضي والمستقبل حالا في نظره).



                        والجَبْرية الشرقية التي قامت عليها فلسفة العرب، ويستند إليها كثير من مفكري العصر الحاضر هي نوع من التسليم الهادئ الذي يعلم به الإنسان كيف يخضع لحكم القدر من غير تبرٌّم وملاومة، وتسليم مثل هذا هو وليد مزاج أكثر من أن يكون وليد عقيدة، وقد كان العرب جبريين في مزاجهم قبل ظهور محمد، فلم يكن لجربيتهم تأثير في ارتقائهم، كما أنها لم تؤد إلى انحطاطهم[6] اهـ.





                        --------------------------------------------------------------------------------



                        [1]- قيل هذا في القرن التاسع عشر، ومع هذا كان المسلمون أكثر من ذلك بكثير، وسيأتي من كلام (لوبون) نفسه ما يدل على أن المسلمين أكثر من ذلك.



                        [2]- وقال الفيلسوف الشهير (كارلايل) في كتابه الأبطال، في فصله الذي كتبه عن البطل في صورة نبي، واتخذ النبي محمدا نموذجا ممثلا للبطولة: (إن دينه ليس بالدين السهل، فإنه – بما فيه من صوم قاس، وطهارة، وصيغ معقدة صارمة، وصلوات خمس كل يوم، وإمساك عن شرب الخمر - لم يفلح في أن يكون دينا سهلا) انظر: الدعوة إلى الإسلام صـ460 لتوماس أرنولد.



                        [3]- هذه إحصائيات قديمة من القرن التاسع عشر، ومع هذا ليست دقيقة.



                        [4]- إذا كان المسلمون في الهند يزيدون على 50 مليونا، وفي الصين على 20 مليونا، فكيف يكون عدد جميع المسلمين مائة مليون، كما قال الباحث من قبل؟!!



                        [5]- بل هناك مئات الآيات من القرآن في سوره المكية والمدنية تثبت بكل وضوح: أن الإنسان مكلف مختار، وأنه هو الذي يقرر مصير نفسه، وإن الله تعالى منحه من القوى والمواهب والملكات: ما يمكنه من صنع مصيره بيده، كما قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الاسراء:15]، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38]، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]، {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5] … إلى آخره.



                        [6]- انظر: حضارة العرب.

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #27
                          توماس أرنولد ينصف الإسلام



                          وإذا كان غوستاف لوبون الفرنسي قد أنصف الإسلام وتاريخ المسلمين في كتابه، فقد جاء بعده المستشرق البريطاني البحاثة الشهير (توماس أرنولد) الذي كان يعرف العربية والفارسية وعددا من اللغات الأوربية، والذي أصدر كتابه القيم (الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية) وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، (1896م).



                          وقد طبع الكتاب بالإنجليزية عدة طبعات، ونقله إلى العربية د. حسن إبراهيم حسن وزميلاه، ونشر عدة مرات ابتداء من سنة 1947م .



                          والكتاب جدير بأن يقرأ، لما فيه من وقائع وأحداث مأخوذة من مصادر عدة وموثقة، ومكتوبة بلغات شتى، عكف الرجل عليها، حتى استخرجها من مظانها وحشدها في كتابه العلمي الموثق.[1]



                          وكلها تؤكد هذه الحقيقة التي وضحت وضوح الشمس في ضحى النهار: أن الإسلام لم ينتشر قط بالسيف في أي البلدان، ولا في أي عصر من الأعصار؛ بل انتشر بالسلم، وبالدعوة الهادفة، وبأخلاق المسلمين، وبسهولة فهم عقائد الإسلام وتعاليمه، ونحو ذلك من عوامل التأثير السلمي، الذي لا يشوبه أي لون من ألوان القوة المادية.





                          --------------------------------------------------------------------------------



                          [1]- انظر: كتابنا (تاريخنا المفترى عليه) صـ197 – 209.

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #28


                            ملحق 1



                            رد على تصريحات البابا



                            بيان من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين



                            الإسلام دين العقل والرحمة








                            بسم الله الرحمن الرحيم



                            فوجئت وفوجئ المسلمون في أقطار الأرض بتصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر خلال زيارته إلى ألمانيا، حول الإسلام وعلاقته بالعقل من ناحية، وعلاقته بالعنف من ناحية أخرى.



                            وكنا ننتظر من أكبر رجل دين في العالم المسيحي: أن يتأنى ويتريث ويراجع ويشاور، إذا تحدث عن دين عظيم كالإسلام، استمر أكثر من أربعة عشر قرنا، ويتبعه نحو مليار ونصف من البشر، ويمتلك الوثيقة الإلهية التي تتضمن كلمات الله الأخيرة للبشرية (القرآن الكريم) الذي لم يزل يقرأ كما كتب في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ولم يزل يتلى كما كان يتلى في عهد النبوة، ويحفظه عشرات الألوف في أنحاء العالم.



                            ولكن البابا الذي قالوا: إنه كان يشغل مقعدا لتدريس اللاهوت وتاريخ العقيدة في جامعة غوتنبورغ منذ 1969م سارع بنقد الإسلام، بل بمهاجمته في عقيدته وشريعته، وبطريقة لا يليق أن تصدر من مثله.



                            ففي وسط الجموع الحاشدة التي تزيد على مائتي ألف شخص، تحدث البابا عن الإسلام دون أن يرجع إلى كتابه المقدس (القرآن)، وبيانه من سنة نبيه محمد، واكتفى بذكر حوار دار في القرن الرابع عشر بين إمبراطور بيزنطي ومسلم فارسيّ مثقف. وكان مما قاله الإمبراطور للرجل: (أرني ما الجديد الذي جاء به محمد؟ لن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر الدين - الذي كان يبشر به - بحد السيف!).



                            ولم يذكر البابا ما رد به الفارسي المثقف على الإمبراطور.



                            ونسي البابا: أن محمدا جاء بالكثير الكثير الذي لم تأت به المسيحية ولا اليهودية قبلها، جاء بالمزج بين الروحية والمادية، وبين الدنيا والآخرة، وبين نور العقل ونور الوحي، ووازن بين الفرد والمجتمع، وبين الحقوق والواجبات، وقرر بوضوح الإخاء بين الطبقات داخل المجتمع، وبين المجتمعات والشعوب بعضها وبعض، وقال كتابه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13].



                            وشرع مقابلة السيئة بمثلها، وندب إلى العفو، ودعا إلى السلام، ولكن أمر بالإعداد للحرب: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].



                            وأنصف المرأة وكرمها إنسانا وأنثى وابنة وزوجة وأما وعضو في المجتمع.



                            ونسخ كثيرا من الأحكام التي كانت أغلالا في اليهودية، كما قال تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157].



                            وأما ما قاله الإمبراطور البيزنطي من أن محمدا لم يجئ إلا بالأشياء الشريرة، وغير الإنسانية، مثل الأمر بنشر دينه بحد السيف! فهو قول مبني على الجهل المحض، أو الكذب المحض. فلم يوجد من حارب الشر، ودعا إلى الخير، وفرض كرامة الإنسان، واحترم فطرة الإنسان، مثل محمد الذي أرسله الله رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.



                            ودعوى أنه أمر بنشر دينه بحد السيف أكذوبة كبرى، فهذا القرآن بين أيدينا: مائة وأربع عشرة سورة، متضمنة أكثر من ستة آلاف آية، فهل فيها آية واحدة، تأمر بنشر الإسلام بالسيف؟! وهذه أحاديث الرسول الصحاح، فهل فيها حديث واحد يأمر بنشر الدين بالسيف؟! بل نصوص القرآن والسنة كلها تثبت عكس هذه الدعوى. فهذا ما أمر به القرآن: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].



                            والحقيقة أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، ولم ينتصر بالسيف، بل انتصر على السيف الذي شهر في وجهه من أول يوم. وظل ثلاثة عشر عاما يتحمل الأذى والفتنة في سبيل الله، والمسلمون يطالبون الرسول الكريم: أن يأذن في الدفاع عن أنفسهم، وهم يأتونه بين جريح ومشجوج، فيأبى أن يأذن لهم. حتى نزل قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39،40].



                            هنا فرض الإسلام الجهاد دفاعا عن النفس، ومقاومة للفتنة، والفتنة أشد من القتل، وأكبر من القتل. ولذا قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ [البقرة:193]، وقال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً [النساء:90].



                            والإسلام لا يقبل إيمان مَن يدخله عن طريق الإكراه، كما قال تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256].



                            وما قول البابا فيما جاء في الكتاب المقدس في سفر التثنية من التوراة: إن البلدة التي يدخلها موسى ومن معه من المدن البعيدة، عليهم أن يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف ... أما بلاد أرض الميعاد، فالمطلوب دينا ألا يستبقوا فيها نسمة حية! يعني: الإبادة والاستئصال الذي نفذه الأوربيون النصارى حينما دخلوا أمريكا مع الهنود الحمر، وحينما دخلوا استراليا مع أهلها الأصليين!



                            كنا نربأ بالبابا أن يستدل بهذا الكلام المبتور في سياق حديثه عن الإسلام ونبي الإسلام.



                            وما يمارسه بعض المسلمين من العنف، فبعضه مشروع، بإقرار الأديان والشرائع والقوانين والأخلاق، مثل دفاع المقاومة الوطنية ضد الاحتلال في فلسطين أو في لبنان أو في العراق أو في غيرها، وتسمية هذا عنفا وإرهابا: ظلم بيِّن، وتحريف للحقائق.



                            وبعض ذلك أنكرته جماهير المسلمين في كل مكان، مثل أحداث 11 سبتمبر، ومعظم العنف غير المشروع سببه الأكبر: المظالم التي تقع على المسلمين في كل مكان (من الغربيين)، ويسكت عنها رجال الدين في الغرب، وربما باركها بعضهم.



                            ويقرر البابا في لقائه الجماهيري: (أن الله في العقيدة الإسلامية مطلق السمو، ومشيئته ليست مرتبطة بأي شيء من مقولاتنا، ولا حتى بالعقل!). وأقام مقارنة مع الفكر المسيحي المتشبع بالفلسفة الإغريقية، موضحا أن (هذا الفكر يرفض عدم العمل بما ينسجم مع العقل). وكل ما هو مخالف للطبيعة الإلهية.



                            ولو كلف (البابا) نفسه أو كلف أحدا من أتباعه بالرجوع - ولو قليلا - إلى مصدر الإسلام الأول (القرآن) لوجد فيه من عشرات الآيات، بل مئاتها، ما يمجد العقل، ويأمر بالنظر، ويحض على التفكير، ويرفض الظن في مجال العقائد، كما يرفض اتباع الأهواء، وتقليد الآباء والكبراء، حتى كتب بعض كبار الكتاب بحق كتابا بعنوان: التفكير فريضة إسلامية.



                            وحسبنا قول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سـبأ:46]، وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف:185].



                            ولو رجع إلى قول أئمة الإسلام، مثل الأشعري والماتريدي والباقلاني والجويني والغزالي والرازي والآمدي وغيرهم، لوجدهم يقولون: إن العقل أساس النقل، ولولا العقل ما قام النقل، ولا ثبت الوحي، لأن ثبوت النبوة لا يتم إلا بالعقل، وثبوت النبوة لشخص معين لا يتم أيضا إلا بالعقل.



                            ولا يقبل المحققون من علماء الإسلام من آمن بالإسلام تقليدا لآبائه، دون إعمال للعقل، ونظر في الأدلة، ولو بالإجمال. كما قال صاحب الجوهرة:



                            إذ كل مَن قلَّد في التوحيد إيمانه لم يخلُ من ترديد



                            ولو أحببنا أن نقارن بين الديانتين: الإسلام والنصرانية، لوجدنا النصرانية هي التي لا تعير العقل التفاتا في عقائدها، وتقول تعليماتها: آمن ثم اعلم. اعتقد وأنت أعمى. اغمض عينيك ثم اتبعني. في حين أن العلم في الإسلام يسبق الإيمان، والإيمان ثمرة له، كما في قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54]، وهكذا: ليعلموا، فيؤمنوا فتخبت قلوبهم.



                            لقد ألَّف الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كتابه: (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) ليرد به على أحد نصارى الشرق الذي زعم أن النصرانية تتسع للعلم والمدنية بما لا يتسع له الإسلام. فكان رد الشيخ العلمي الموثق بالمنطق والتاريخ وحقائق الدين والعلم: أن الأصول التي يقوم عليها الإسلام هي التي تثمر العلم الحضارة والمدنية، من الإيمان بالعقل، ورفض السلطة الدينية، والجمع بين الدنيا والآخرة ... الخ. بخلاف المسيحية التي تقوم في أساسها على الخوارق، ولا تؤمن برعاية السنن التي أكَّدها القرآن، والتي يقول أحد فلاسفتها الدينيين (أوغستين): أومن بهذا، لأنه محال، أو غير معقول!



                            ولو كان الإسلام ينكر العقل أو يهمله، فكيف أقام المسلمون تلك الحضارة الشامخة التي جمعت بين العلم والإيمان، وبين الإبداع المادي والسمو الروحي؟ والتي ظل العالم يستمد منها أكثر من ثمانية قرون، ومنها أوربا التي اقتبست منها المنهج التجريبي الاستقرائي، بدل المنهج القياسي الأرسطي، كما شهد بذلك مؤرخو العلم من أمثال غوستاف لوبون، وبير يفولت، وجورج سارطون وغيرهم.



                            وعن طريق الحضارة الإسلامية، عرفت أوربا فلسفة أرسطو مشروحة على يد فيلسوف وفقيه مسلم هو العلامة ابن رشد. ولولاه ما عرف الأوربيون أرسطو!



                            وقول البابا: إن مشيئة الله في الإسلام مطلقة لا يحدها شيء: صحيح في الجملة، ولكن أجمع علماء الإسلام على أن مشيئة الله تعالى مرتبطة بحكمته لا تنفصل عنها، فلا يشاء أمرا مخالفا للحكمة، فإن من أسمائه الحسنى التي تكررت في القرآن: الحكيم. فهو حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع، لا يخلق شيئا باطلا، ولا يشرع شيئا اعتباطا.



                            والله تعالى لا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لخلقه، كما قال نبي الإسلام في مناجاته لربه: "الخير بين يديك، والشر ليس إليك"[2].



                            بل إن طائفة المعتزلة من متكلمي المسلمين يرون أن فعل الصلاح والأصلح للخلق: واجب على الله تعالى.



                            ليست هذه هي المرة الأولى التي يقف البابا الحالي من الإسلام والمسلمين موقفا سلبيا، يظهر فيه الإهمال أو التوجس، أو ما هو أكثر.



                            ففي أول قداس أشرف عليه بعد انتخابه أواخر إبريل 2005م لم يذكر المسلمين بكلمة على حين خص (الإخوة الأعزاء - على حد قوله - من الشعب اليهودي بكلمات تفيض مودة وإعزازا.



                            وفي مدينة (كولونيا) الألمانية آخر شهر أغسطس أثناء الأيام العالمية للشباب: التقى بممثلين عن الجالية المسلمة في أسقفية المدينة، فأعرب عن بالغ انشغاله بتفشي الإرهاب، وأكد في هذا اللقاء ضرورة (نزع المسلمين ما في قلوبهم من حقد، ومواجهة كل مظاهر التعصب، وما يمكن أن يصدر منهم من عنف)!



                            وهذه النبرة التوبيخية، كان لها وقع سيء في نفوس المسلمين، لما فيها من رؤية ضيقة ومن تصور تبسيطي لمنابع الإرهاب وأسبابه.



                            كما أن استقباله للكاتبة الإيطالية المقيمة في الولايات المتحدة (أوريانا فالاتشي)، والتي تكتب كتبا ومقالات نارية تؤلب على الإسلام والمسلمين. والتي لا ترى فرقا بين إسلام متطرف وإسلام معتدل، فالإسلام كله متطرف، والتناقض بين المسيحية والإسلام: جوهري!!



                            كانت هذه مواقف تعد سلبية بالنسبة للمسلمين، أما اليوم فقد أصبح الأمر يتعلق بالإسلام ذاته، ونحن المسلمين نعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين، والنبي محمد يقول: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم".



                            ولمريم عليها السلام سورة في القرآن، ولأسرة المسيح سورة في القرآن (سورة آل عمران)، وللمسيح وكتابه في القرآن مكان معروف. ونحن لا نريد أن نصعد الموقف، ولكن نريد تفسيرا لما يحدث، وما المقصود من هذا كله.



                            لقد كنا نود من البابا أن يدعو إلى حوار إيجابي بين الأديان، وحوار حقيقي بين الحضارات، بدل الصدام والصراع، وقد استجبنا من قبل للدعوة الموجهة من جمعية سانت جديو في روما إلى الحوار الإسلامي المسيحي. وشهدنا دورة للحوار مع أحبار الكنيسة في روما، وفي برشلونة، فيما سمي (قمة إسلامية مسيحية)، وشاركنا في مؤتمرات للحوار الإسلامي المسيحي في الدوحة وفي القاهرة. فهل يريد الحبر الأعظم أن نغلق أبواب الحوار، ونستعد للصراع في حرب أو حروب صليبية جديدة؟



                            وقد بدأها بوش، وأعلنها صريحة باسم اليمين المسيحي. ونحن ندعو إلى السلم، لأن ديننا يأمرنا بذلك، ولكننا إذا فرضت علينا الحرب خضناها كارهين، نتربص فيها إحدى الحسنين، كما قال قرآننا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:216].



                            وكما قال نبينا : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"[3].



                            فنحن ندعو إلى التسامح لا إلى التعصب، وإلى الرفق لا إلى العنف، وإلى الحوار لا إلى الصدام، وإلى السلام لا إلى الحرب. ولكنا لا نقبل أن يهاجم أحد عقيدتنا ولا شريعتنا ولا قيمنا، ولا أن يمس نبينا محمدا بكلمة سوء. وإلا فقد أذن الله لنا أن ندافع عن أنفسنا. فإن الله لا يحب الظالمين.



                            رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين



                            يوسف القرضاوي





                            --------------------------------------------------------------------------------



                            [1]- صدر هذا البيان بتاريخ: 21 شعبان 1427هـ الموافق 14 سبتمبر 2م، بتوقيع رئيس الاتحاد، أذاعته قناة الجزيرة، وبعض الصحف ووكالات الأنباء في حينه.



                            [2]- سبق تخريجه.



                            [3]- متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2966)، ومسلم في الجهاد والسير (1742)، وأحمد في المسند (19114)، وأبو داود في الجهاد (2631)، عن عبد الله بن أبي أوفى.







                            --------------------------------------------------------------------------------





                            (ملحق 2) بيان بشأن موقف بابا الفاتيكان من الإسلام والرسول



                            بيان بشأن موقف بابا الفاتيكان من الإسلام والرسول



                            الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.



                            فقد تابع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين متابعة مستمرة المواقف التي صدرت عن بابا الفاتيكان منذ ألقى محاضرته في إحدى الجامعات الألمانية بتاريخ 19 من شعبان 1427هـ = 12/9/2م.



                            ولاحظ الاتحاد أنه على الرغم من إتاحته الفرصة للبابا لحذف الكلام الباطل المسيء للمسلمين ولدينهم، ولكتابهم، ولنبيهم صلى الله عليه وسلم، وإعلان الاتحاد على لسان رئيسه فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي وأمينه العام الأستاذ الدكتور محمد سليم العوَّا عدة مرات عدم الحاجة إلى اعتذار البابا، لأن الاعتذار بعد الإساءة لا يقدم ولا يؤخر، والاكتفاء بحذف الكلام المذكور من النص الرسمي للمحاضرة، فإن هذه الدعوة لم تجد أذنًا صاغية.



                            واكتفى البابا في كل مرة تكلم فيها بالإشارة إلى أسفه لسوء فهم كلامه أي إنه يتهم المسلمين، الذين غضبوا لدينهم ولكتابهم ولنبيهم صلى الله عليه وسلم، بعدم الفهم. وكرر غير مرة أن النص المنقول عن إمبراطور بيزنطي أرثوذكسي (يعتبره البابا غير مسيحي) لا يعبر عن وجهة نظره، مع أن المحاضرة كلها مبنية من أولها إلى آخرها على كلام هذا الإمبراطور؛ الأمر الذي يقطع بأن البابا يقصد تبني ما نقله عنه والبناء عليه وتأكيد معانيه الفاسدة في أذهان سامعيه وهم العالم الكاثوليكي كله.



                            وقد لاحظ الاتحاد أن جميع أحاديث البابا التي تناولت موضوع محاضرته وما جاء فيها من إساءة للإسلام أشار فيها إلى الأديان، وأشار إلى المسلمين، ولم يذكر ولو مرة واحدة دين الإسلام. وإذا كان الاتحاد يفهم موقف الكاثوليكية من سائر الأديان والمعتقدات فإنه لا يمكن أن يتقبل إخراج الإسلام وحده من زمرة ديانات العالم الكبرى (التي لا تؤمن الكاثوليكية بأنها أديان) ثم ذكر هذه الأديان على سبيل الجمع وذكر المسلمين كجماعات وشعوب لا كأصحاب دين ولو أنكره الفاتيكان.



                            وقد فوجئ الاتحاد بأن البابا، عندما التقى أمس الاثنين 2 من رمضان 1427هـ = 25/9/2م بسفراء الدول الإسلامية المعتمدين لدى الفاتيكان، لم يذكر محاضرته بكلمة، واكتفى بالدعوة إلى الحوار باعتباره - كما يزعم - ضرورة للمستقبل.



                            والاتحاد يعلن، في ضوء ما سلف كله، أن الحوار الذي يدعو إليه البابا غير ممكن ولا معقول، إذ إن القرآن الكريم يقول: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46]. ونحن ظُلمنا على لسان البابا ظلماً شديداً لا يرفعه ما قاله في لقائه مع السفراء.



                            بل إن القرآن الكريم ينهى المسلمين عن الجلوس مع من يسخر من كتابهم فيقول: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [النساء:140].



                            لذلك قرر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عدم إجراء أي اتصال من أي نوع مع الفاتيكان، أو المؤسسات الممثلة له، أو مندوبيه لدى الدول العربية والإسلامية، وفي سائر أنحاء العالم، إلى أن يصدر من البابا موقف جديد يجعل احتمال الحوار البناء المجدي قائمًا، والاتحاد يعلن هذا القرار للعالم الإسلامي داعيًا المسؤولين الدينين والسياسيين إلى اتخاذ الموقف الذي يمليه عليهم دينهم وضميرهم وكرامة أمتهم واعتزازهم بالانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه. وهذه المقاطعة الثقافية هي أقل ما يجب على المسلمين عمله إزاء الإصرار المستمر على عدم الرجوع إلى الحق، والاستكبار الواضح عن حذف العبارات الباطلة المسيئة للمسلمين من محاضرة البابا.



                            ويهم الاتحاد أن يذكِّر البابا، والمسيحيين كافة، بما وصف به القرآن الكريم أحبار النصارى وعوامَّهم في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:82-83].



                            إن أقل ما يتوقعه المسلمون من المسيحيين هو مثل هذا الإنصاف الذي بغيره لا يمكن أن تقوم علاقة صحيحة بين الفريقين، ولا أن يؤدي أي حوار إلى ثمرة صالحة.



                            والحمد لله رب العالمين،







                            الأمين العام رئيس الاتحاد



                            أ.د. محمد سليم العوَّا أ.د. يوسف القرضاوي

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #29
                              (ملحق 3) نص كلام ابن حزم من كتابه الإحكام في أصول الأحكام


                              قال ابن حزم: (وليس اعتقادنا التوحيد حقًّا ولا حكمة بذاته، دون أن يكون لله فيه أمر، ولكن إنما صار حقًّا وعدلاً وحكمة؛ لأن الله تعالى أمر به ورضيه وسمَّاه حقًّا وعدلا وحكمة فقط، فهذا دين الله عز وجل الذي نصَّ عليه بأن يفعل ما يشاء؛ وأنه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الانبياء:23]، وأنه لو أراد أن يتَّخذ ولدا لاصطفى ممَّا يخلق ما يشاء، وهذا هو القول الذي دلَّت العقول على صحته وبطلان ما عداه، لأن العقل يشهد أن الله تعالى خلقه، وأنه كان تعالى حقًّا واحدا أولا، إذ لا نفس حيوانية ولا عقل مركَّب فيها ولا في غيرها، ولا جوهر ولا عرض، ولا عدد ولا معدود ولا رتبة من الرتب، وأنه تعالى خلق النفوس بعد أن لم تكن، وخلق العقول على ما هي عليه بعد أن لم تكن، ورتَّب فيها الرتب على ما هي عليه بعد أن لم يكن شيء منها، وأنه لو شاء أن يخلق العقول على غير ما هي عليه، وأن يرتِّب الأمور فيها على خلاف ما رتَّبها لفعله، ولما تعذَّر ذلك عليه. ولكان حينئذ هو الحقُّ والعدل والحكمة، وما عداه الظلم والجَور والعبث، لا معقِّب لحكمه.



                              ومَن ادَّعى غير هذا، فقد ادَّعى أن رتبة العقل المجهول في النفس كانت موجودة إذ لا عقل ولا نفس، وهذا عين التناقض والخبال والخُلف والمُحال، ومن أنار الله تعالى عقله وسيَّره لأن يستضيء به، وتصوَّر له حدوث العالم بعد أن لم يكن، أشرف على صحة ما ذكرناه وأيقنه وشاهده وعلمه ضرورة، ولم يكن عنه له محيد أصلا. ومَن أصحب الله تعالى نفسه الحَيرةَ، وتمييزه الضعفَ تحيَّر وتصوَّر الأمور بخلاف ما هي عليه، ولم يخرج إلى طرف. وظنَّ الظنون المُردية، ولله تعالى الحمد على ما علَّم وهدى، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)[1].



                              ومن أقوال ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام): (والعقل لا يوجب على الباري تعالى حكما، بل الباري تعالى خالق العقل بعد أن لم يكن، ومرتِّب له وفيه ما قد رتَّب مما لو شاء أن يخترعه ويرتِّبه على خلاف ذلك لفعل، وإنما العقل مُفهِم عن الله تعالى مراده، ومميِّز للأشياء التي قد رتَّبها الباري تعالى على ما هي عليه فقط.



                              فقال هؤلاء: إن الكفر والظلم لا يتوهم جواز استباحته.



                              قال علي: ولا دليل على ما ذكروا، بل قد كان ممكنا أن يأمرنا تعالى بالكفر به وبجحده وبعبادة الأوثان وبالظلم، ولكنه تعالى قد أخبرنا أنه لا يفعل ذلك، فعلمنا أن ذلك لا يكون أبدا، ليس لأنه ممتنع منه عزَّ وجلَّ لو شاءه، ولا أنه تعالى عاجز عن ذلك لو أراده، ولكن لأنه لا يقول إلا الصدق، وقد أخبرنا أن ذلك لا يكون، وأنه لا يرضى لنا الكفر، ولا يأمر أن نتَّخذ إلهين اثنين، فلما أخبرنا بذلك منعنا من كونه، كما منعنا أن يأتي رسول بعد محمد )[2].





                              --------------------------------------------------------------------------------



                              [1] الإحكام في أصول الأحكام صـ450، 451 طبعة مطبعة الإمام بالقاهرة.



                              [2] الإحكام في أصول الأحكام صـ463.

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #30
                                (ملحق 4) صفحات ... من مذابح النصارى لليهود



                                إن الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف) وأنه قهر الناس بالسيف، هم أول الناس وأكثر الناس استعمالا للسيف، بموجب وبغير موجب، ولا سيما فيما بين بعضهم وبعض.



                                وأكتفي بأن أذكر هنا ما سجله العلامة الشيخ رحمه الله الهندي في كتابه القيم (إظهار الحق) الذي ردَّ فيه على المبشرين البروتستانت دعاواهم الكاذبة على الإسلام، ومن هذه الدعاوى: أن الإسلام انتشر بالسيف. وقد بيَّن الشيخ بالبراهين: أن هذا الادعاء غير صحيح كما أشار إليه في الأمر السابع من مقدمة الكتاب، كما بين أن أفعالهم تُكذِّب أقوالهم، وأنهم أكثر الناس استعمالا للسيف كما أن أسلافهم من أهل مِلتهم إذا تسلطوا تسلطا تاما، اجتهدوا في إبادة المخالفين. قال: وأنا أنقل بعض الحالات من كتبهم ورسائلهم، فأنقل حالهم بالنسبة إلى (اليهود) من كتاب (كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل) الذي عرفته في بيان الأمر الثاني، فأقول:



                                قال صاحبه في الصفحة (27): (القسطنطين الأعظم - الذي كان قبل الهجرة بثلثمائة سنة تقريبا - أمر بقطع آذان اليهود، وإجلائهم إلى أقاليم مختلفة، ثم أمر ملك الملوك الرومي في القرن الخامس من القرون المسيحية، بإخراجهم من البلدة السكندرية التي كانت مأمنهم من مدة، وكانوا يجيئون إليها من كل جانب، فيستريحون فيها. وأمر بهدم كنائسهم، ومنع عبادتهم، وعدم قبول شهادتهم، وعدم نفاذ الوصية إن أوصى أحد منهم لأحد في ماله، ولما ظهرت منهم مقاومة، بسبب هذه الأحكام: نهب جميع أموالهم، وقتل كثيرا منهم، وسفك الدماء بظلم ارتعد له جميع يهود هذا الإقليم).



                                ثم قال في الصفحة (28): (إن يهود البلد (انطيوح) لما أُسِروا بعد ما صاروا مغلوبين، قطَّع أعضاء البعض، وقتَّل البعض، وأجلى الباقين منهم كلهم، وظَلَم، ملكُ الملوك في جميع مملكته هؤلاء المشاركين بأنواع الظلم، ثم أجلاهم من مملكته آخرا.



                                وهيج ولاة الممالك الأخرى على أن يعاملوا اليهود هذه المعاملة، فكان حالهم أنهم تحملوا الظلم من آسيا إلى أقصى حد أوربا، ثم بعد مدة قليلة كلفوا في مملكة إسبانيا لقبول شرط من الشروط الثلاثة: أن يقبلوا الملة المسيحية، فإن أبوا عن قبولها يكونوا محبوسين، وإن أبوا عن كليهما يُجْلَوا من أوطانهم.



                                وصار مثل هذه المعاملة معهم في ديار فرنسا. فهؤلاء المساكين كانوا ينتقلون من إقليم إلى إقليم، ولا يحصل لهم موضع القرار، ولم يحصل لهم الأمن في آسيا أيضًا، بل قتلوا في كثير من الأوقات، كما قتلوا في ممالك الفرنج).



                                ثم قال في الصفحة (29): (إن أهل مِلة الكاثوليك كانوا يظلمونهم باعتقاد أنهم كفار، وعظماء هذه الملة عقدوا مجلسا للمشورة، وأجروا عليهم عدة أحكام:



                                (الأول): من حمى يهوديا ضد مسيحي يكون ذا خطأ، ويخرج عن الملة.



                                (والثاني): أنه لا يُعطَى يهودي منصبا في دولة من الدول.



                                (والثالث): لو كان مسيحي عبده فهو حر.



                                (والرابع): لا يأكل أحد مع اليهودي، ولا يعامله.



                                (والخامس): أن يُنـزع الأولاد منهم ويُربَّوْن في الملة المسيحية... وهكذا كان أحكام أخر).



                                أقول: لا شك أن الحكم الخامس أشد أنواع الإكراه.



                                ثم قال: (كانت عادة أهل البلدة ثولوس من إقليم فرنسا: أنهم كانوا يلطمون وجوه اليهود في عيد الفصح! وكان رسم البلدة بزيرس: أن أهلها من أول يوم الأحد من أيام العيد إلى يوم العيد، كانوا يرمون اليهود بالحجارة، وكان يكثر القتل أيضا في هذا الرمي، وكان حاكم البلدة المسيحي المذهب يحرض أهلها على هذا الفعل).



                                ثم قال في الصفحة (30، 31): (دبر سلاطين فرنسا في حق اليهود أمرا، وهو أنهم كانوا يتركون اليهود إلى أن يصيروا متمولين بالكسب والتجارة، ثم يسلبون أموالهم، وبلغ هذا الظلم لأجل الطمع غايته.



                                ثم لما صار (فيليب أوغسطس) سلطانا في فرنسا، أخذ أولاً الخمس من ديون اليهود التي كانت على المسيحيين، وأبرأ من الباقي ذمة المسيحيين، وما أعطى اليهود حبة، ثم أجلى اليهود كلهم من مملكته، ثم جلس على سرير السلطنة (سانت لويس) وهو يطلب اليهود مرتين في مملكته. وأجلاهم مرتين، ثم أجلى (جرلس السادس) اليهود من مملكة فرنسا.



                                وقد ثبت من التواريخ: أن اليهود أجلوا من مملكة فرنسا سبع مرات، وعدد اليهود الذين أخرجوا من مملكة أسبانيا - لو فرض في جانب القلة - لا يكون أقل من ألف وسبعين ألف بيت!



                                وفي مملكة (النمسا) قتل كثير منهم، ونهب كثير منهم، ونجا منهم قليل، وهم الذين تنصروا، ومات كثير منهم بأن سَدُّوا أولا أبوابهم، ثم أهلكوا أنفسهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم، إما بالإغراق في البحر، أو بالإحراق بالنار، وقتل غير المحصورين منهم في الجهاد المقدس.



                                وكان الإنكليز اتفقوا على أن يظلموا اليهود، فلما حصل اليأس العظيم ليهود البلدة (يرك) بسبب الظلم، قتل بعضهم بعضا، فقتل ألف وخمسمائة من الرجال والنساء والأطفال، وصاروا أذلاء في هذه المملكة بحيث إذا بغى الأمراء على السلطان، قتلوا سبعمائة يهودي، ونهبوا أموالهم، لأجل أن يظهروا شوكتهم على الناس، وسلب (رجاردوجان) و(هنري الثالث) من سلاطين انكلتره مرارا: أموال اليهود ظلما سيما (هنري الثالث)، فإنه كانت عادته أنه كان ينهب اليهود بكل طريق على وجه الظلم، وعدم الرحمة. وقد جعل أغنياءهم الكبار فقراء وظلمهم، بحيث رضوا بالجلاء، واستجازوا أن يخرجوا من مملكته، لكنه ما قبل هذا الأمر منهم أيضًا. ولما جلس (ادورد الأول) على سرير السلطنة، ختم الأمر بأن نهب أموالهم كلها، ثم أجلاهم من مملكته، فأجلى أكثر من خمسة عشر ألف يهودي في غاية العسر).



                                ثم قال في الصفحة (32): (نقل مسافر اسمه (سوتي): أنه كان حال قوم برتكال (البرتغال) قبل خمسين عاما: أنهم كانوا يأخذون اليهودي ويحرقونه بالنار، ويجتمع رجالهم ونساؤهم يوم إحراقه، كاجتماع يوم العيد، وكانوا يفرحون بذلك. وكانت النساء يصحن (أي يزغردن) وقت إحراقه فرحا)!



                                ثم قال في الصفحة (33): (إن البابا الذي هو عظيم فرقة الكاثوليك قرر عدة قوانين شديدة في حق اليهود). انتهى كلام كشف الآثار في قصص أنبياء بني إسرائيل.



                                وقال صاحب سير المتقدمين: (إن السلطان السادس (قسطنطين الأول)، أمر بمشورة أمرائه في سنة (379م) أن يتنصر كل من هو في السلطنة الرومية ويقتل مَن لم يتنصر) انتهى. قال: وأي إكراه أكثر من هذا؟!



                                مذبحة الصليبيين في القدس:



                                (ولطامس نيوتن) (تفسير) للأخبار عن الحوادث المستقلة المندرجة في الكتب المقدسة. وطبع هذا التفسير سنة 1803م في لندن. ففي الصفحة (65) من المجلد الثاني في بيان تسلط أهل التثليث على أورشليم: (هكذا فتحوا أورشليم (القدس) في الخامس عشر من شهر تموز الرومي سنة 1099م بعدما حاصروا خمسة أسابيع، وقتلوا غير المسيحيين، فقتلوا أكثر من سبعين ألفا من المسلمين، وجمعوا اليهود وأحرقوهم، ووجدوا في المساجد غنائم عظيمة) انتهى.

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X