الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبع ما جاء به إلى يوم الدين.
(وبعد)
واعتبر المسلمون عامة: أن هجوم البابا على الإسلام لم يكن له مُبرِّر يقتضيه إطلاقا، إذ لم يصدُر من المسلمين شيء يُوجب توجيه هذه الهجمة إلى الإسلام.
بل الواقع أن المسلمين في كل مكان، جاملوا البابا منذ تنصيبه على كرسي البابوية، وكنت ممَّن هنَّأ البابا على منصبه، وتلقيتُ بسبب ذلك نقدا شديدا، بل هجوما صارخا من بعض المسلمين.
جاءت كلمات البابا في محاضرة علمية ألقاها في جامعة غوتسبيرغ في جنوب ألمانيا، وهي الجامعة التي كان يُدرِّس فيها (علم الأديان) من قبل - ووصل فيها إلى درجة (الأستاذية) - منذ سنة 1969م إلى سنة 1977م.
فلم يكن هذا حديثا إلى الجمهور، ولا حديثا ورَّطه فيه صحفي مُشاغب، ولا حديثا عابرًا مع زوَّار له، بل كان محاضرة مُعدَّة مدروسة، تُلقى على أكاديميين مُعتبرين، في جامعة مُحترمة، من أستاذ (بروفيسور) مُتخصص في مادته، مُمارس لها سنين عدَّة، فهو يعي ما يقول، ويعني ما يقول.
وهو باعتباره (بابا)، تُدقَّق كلماته، وتُراجع فكرتها ومضامينها وأُسلوبها، من قبل الأُطر والأجهزة العلمية والفنية من حوله، حتى لا يكون فيها ما يقتضي الاعتذار، أو التراجع منه، وهو ما لا يليق بالبابا الذي يُفترض فيه (العصمة) في زعمهم.
ومع هذا كلِّه وقع البابا في ما وقع فيه، من أخطاء وتجاوزات، لا يُعفيه من تبعتها وتحمُّل مسؤوليتها قوله: إن المسلمين لم يفهموا كلامه! أو إنه لم يقصد بها الإساءة إلى المسلمين. إذ الكلام الصريح لا يُبحث فيه عن النية والقصد، فالنية والقصد ترجع إلى صاحبها، وهل يأثم عند الله أو لا؟ ولكن المُؤاخذة تكون على مضمون الكلام، وما يتضمَّنه من صواب أو غلط، من قصد أو شطط.
وكل الذين سمعوا كلام البابا من المسلمين أو من غير المسلمين: استنكروه واستنشعوه، لما فيه من تهجُّم مقبوح على الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام.
وليس معقولا أن كلَّ هؤلاء من أهل الشرق وأهل الغرب، ومن المسلمين وغير المسلمين، لم يُحسنوا فهم ما عناه البابا بكلامه. فالأصل في الكلام أنه يقال ليُفهم مضمونه، ويؤثِّر في سامعه، وقد يتطلَّب منه عملا يقوم به، إيجابا أو سلبا. ولا سيما كلام رجل كالبابا له منزلته الدينية والعالمية، وخصوصا بين أتباعه من الكاثوليك، الذين يُضفُون عليه القداسة!
أجل، لم يكن هناك أي توتُّر بين البابا وأي فئة من المسلمين، ولا وُجِد باعث ظاهر يدعو إلى رمي هذه القذائف، إلا أن يكون البابا قد أراد أن يُهدي إلى الرئيس الأمريكي بوش - ومعه اليمين المسيحي المُتصهين - هدية تشدُّ أزره في مُحاربة الإسلام تحت عنوان (مُحاربة الإرهاب). فأراد البابا أن يمنحه غطاء دينيا - وإن كان كاثوليكيا - يسنده ويُبرِّر تصرفاته في العراق وغيرها، ما دام يُحارب الإسلام الذي يحمل بذور العنف في تعاليمه، والذي لم يجئ نبيه إلا بالأشياء الشريرة، واللاإنسانية، ومنها نشر دينه بالسيف.
كما اتَّهم البابا الإسلام بأنه بفرضه الجهاد - أو الحرب المقدسة كما سمَّاها - يُنافي العقل، كما يُنافي الطبيعة الإلهية.
وزعم البابا فيما نقله نقل المقرِّ له: أن المشيئة الإلهية عند المسلمين لا يحدُّها شيء، ولا يقيِّدها شيء، ولا بأيِّ نوع من المعقولية.
واتَّكأ البابا على فِقرة نقلها من كتاب للإمبراطور البيزنطي (الأرثوذوكسي): مانويل الثاني الذي نشره رجل الدين الألماني اللبناني الأصل ثيودور خوري: حوارات مع مسلم، (المحاورة السابعة) وهي فِقرة مُسفَّة غاية الإسفاف، تتَّسم بالجهل الفاضح، والتحامل الواضح على الإسلام.
وحين أظهر العالم الإسلامي غضبه على هذه الكلمات المُسيئة، ومنها: ما أصدره الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من بيانات[1]، زعم البابا أنه ناقل، وكما يقول علماؤنا: ناقل الكفر ليس بكافر. ولكنه نقل هذا الكلام مُستشهدا به، ولهذا لم يردَّ عليه.
من هنا كان علينا نحن أن نردَّ على الكلمات المثيرة التي أساءت إلى عقيدة الإسلام، وإلى شريعة الإسلام، وإلى نبي الإسلام، وإلى كتاب الإسلام، وإلى حضارة الإسلام، وإلى أمة الإسلام.
وسيكون ردُّنا ردًّا علميا موضوعيا موثَّقا بالأدلَّة القاطعة من نصوص الإسلام ومن تاريخ أمته، ومن كتاب القوم المقدس أيضا، ليهلِك مَن هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيِّ عن بيِّنة.
لا ننكر أن في لقاء البابا في جامعة غوتنبورغ بعض الجوانب الإيجابية لا بد أن ننوِّه بها، إحقاقا للحقِّ، وإنصافا للرجل، وقد علَّم الإسلام المسلم: أنه إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحقِّ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وقد قال تعالى في كتاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].
فقد ذكروا أن البابا أكَّد على ضرورة تعميق أُطر الحوار بين العالمين المسيحي والإسلامي، معتبرا أن العالم الغربي، قد فقد الاعتقاد بالله في خضم النفعية العملية، (وأزيد على هذا: وفي خضم المادية الحسِّية، والإباحية البهيمية).
كما قالوا: إن البابا دعا: الرئيس الألماني (هورسف كولر) إلى ضرورة أن تعمل الدولة الألمانية على تحقيق اندماج أفضل للمسلمين المقيمين داخلها، محذِّرا من الإفراط في التعقيدات تجاه أبناء الأقلية المسلمة.
فهذا لا يسعنا إلا أن نقدِّره للبابا ونشكره عليه. وقد علمنا ديننا: أنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس[2].
كما نقدِّر للبابا موقفه المحافظ من التيارات الإباحية المنتشرة في الغرب اليوم، والتي باركتها - للأسف - بعض الكنائس، مثل: الزواج المثلي، وإباحة الإجهاض بإطلاق، ونزع أيدي الوالدين من تربية أولادهما. وهو ما وقف فيه الأزهر والجهات الإسلامية المختلفة مع الفاتيكان في موقف واحد، ضد هذه الاتجاهات المنحرفة، وذلك في مؤتمر السكان في القاهرة 1994م. ومؤتمر المرأة في بكين 1995م، وغيرها.
ولكنا ننتقد بقوة موقفه من الإسلام؛ الذي لا يقوم على أساس منطقي أو علمي أو تاريخي، والحقُّ أحق أن يتَّبع وينصر.
[1]- انظر: الملاحق في آخر الكتاب: ملحق (1)، وملحق (2).
[2] - إشارة إلى حديث رواه أحمد في المسند (7504)، وقال محققوه: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، وأبو داود في الأدب (4811)، والترمذي في البر والصلة (1954)، وقال: حسن صحيح، والطيالسي في المسند (1/326)، والبخاري في الأدب المفرد (218)، والبيهقي في الشعب (6/516)، وفي الكبرى (6/182)، عن أبي هريرة، ونصه: "مَن لم يشكر الناس لم يشكر الله".
بعد حديث عن ذكرياته في الجامعة، وعلاقته بزملائه وغيرهم: قال البابا: (راودت كلُّ هذه الأفكار بالي لما قرأتُ مؤخرا القسم الذي نشره الأستاذ ثيودور الخوري (منستر) من الحوار الذي أجراه القيصر العلامة مانوال الثاني باليجيوس وهو حوار يعود تاريخه إلى 1391م في محلة أنقرة الشتوية، أجراه الإمبراطور مع متعلم فارسي حول المسيحية والإسلام وحقيقتيهما. ولعل القيصر قد صاغ هذا الحوار خلال حصار القسطنطينية بين 1394، 1402م.
وذلك ما يمكن أن يُفهمنا لم جاءت مداخلاته أكمل من مداخلات محاوره الفارسي، ويشمل الحوار: مجال التحريفات والإضافات العقدية كلها في التوراة والقرآن وهي تدور بالخصوص حول صورة الرب وصورة الإنسان، وكما هي الحال دائما وبالضرورة تعرَّضت إلى العلاقة بين (الشرائع الثلاثة) كما يقال أو حول (سنن الحياة الثلاثة): العهد القديم والعهد الجديد والقرآن. لكنني لا أريد أن أتناول من هذه المسائل في محاضرتي إلا مسألة واحدة - وهي تعدُّ بالأحرى مسألة هامشية في بنية الحوار الذي دار بينهما - مسألة خلبت لُبِّي بسبب صلتها مع غرض الإيمان والعقل وإني جاعلها منطلق تأملاتي في العرض.
ففي المناظرة السابعة التي نشرها الأستاذ الخوري تطرَّق الإمبراطور إلى الكلام على مسألة الجهاد أو الحرب المقدَّسة. فالقيصر كان يعلم بكل يقين أن الآية (256) من البقرة تقضي بأن: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وهي آية من السور الأولى التي نزلت لما كان محمد - كما قال لنا العارفون - لا يزال عديم القوة وواقعا تحت التهديد.
لكن القيصر بالطبع كان يعلم كذلك أن آيات أخرى من القرآن نزلت بعد ذلك تتضمن تحديدات وتدقيقات أخرى حول الحرب المقدسة. ودون الدخول في الجزئيات، كالكلام على الفرق بين معاملة أهل الكتاب ومعاملة المشركين، توجه الإمبراطور إلى محاوره بغلظة نعجب لها، غلظة تفاجئنا نحن الآن، سائلا بكل بساطة عن القضية المركزية الخاصة بالعلاقة بين الدين والعنف. فقال: (أرني مع ذلك ما الجديد الذي أتى به محمد؟ وسترى أنه لم يأتِ إلا بكل ما هو شرٌّ وغير إنساني، مثل: أنه يوجب نشر العقيدة التي يبشر بها بحدِّ السيف).
ثم إن القيصر واصل كلامه بعد تسديد هذه الضربة، ليعلِّل: لم يعتبر نشر العقيدة بالعنف مناقضا للعقل؟ فذلك يعارض جوهر الله وجوهر النفس. قال: (إن الرب لا يحب الدم. ولا يلائم العقل أن يعمل الإنسان عملا يعارض جوهر الرب. فالعقيدة ثمرة النفوس وليست من نتاج الأبدان، لذلك فمن أراد أن يدعو إنسانا ليقوده إلى الإيمان لا بد أن يكون قادرا على الكلمة الطيبة والفكر الصحيح لا على العنف والتهديد ... والإنسان لا يحتاج ليقنع نفسا عاقلة إلى يده ولا إلى أدوات الضرب أو إلى أي أداة يستطيع أن يهدِّده بالقتل بواسطتها).
والجملة الحاسمة في هذا الاستدلال ضدَّ تغيير عقيدة الناس بالعنف تنص: (لا يلائم العقل أن يعمل الإنسان عملا يعارض جوهر الرب).
وقد علَّق ناشر الحوار ثيودور الخوري على ذلك قائلا: إن هذه الجملة بيِّنة بنفسها عند القيصر، فهو بيزنطي نما في بيئة الفلسفة اليونانية. أما بالنسبة إلى العقيدة الإسلامية فإن الله مطلق التعالي، وإرادته في حلٍّ من كل مقولاتنا حتى لو بلغ الأمر إلى مقولات المعقولية. ثم أيَّد الخوري تعليقه هذا مستشهدا بإشارة المستشرق الفرنسي المشهور روجي أرنلداز إلى ما يراه ابن حزم الذي يذهب إلى حدِّ اعتبار الله ليس قادرا على أن يُخلف وعده فحسب؛ بل هو يذهب إلى القول بأن لا شيء عنده يوجب عليه أن يكشف وحيُه الحقيقةَ للبشر، ولو شاء الله لجعل الإنسان للأوثان عابدا[1].
[1] من ترجمة الكاتب المعروف أبي يعرب المرزوقي لمحاضرة البابا، وقد أرسلها إلينا مشكورا، مع تعليقاته القيمة على المحاضرة. وانظر: نص كلام ابن حزم: ملحق رقم (3).
إذا كان البابا بينديكيت السادس عشر قد أساء في محاضرته إلى الإسلام، فليست هذه أول مرة يسيء فيها الكاثوليك إلى الإسلام، ويتطاولون عليه، فقد حدث ذلك أكثر من مرة.
حدث من دول مثل فرنسا وإيطاليا، فرأينا تجبُّر فرنسا في استعمارها للجزائر، ومحاولتها طمس هُويَّتها، بحربها المستمرَّة على الإسلام واللغة العربية، وهما الأساسان القويان لهُويَّة الشعب، وكم حوَّلت المساجد إلى كنائس أو متاحف، وكم ... وكم ...
ورأينا تجبُّر إيطاليا على الشعب الليبي في فترة استعمارها له، ومعاملته بكل قسوة وجبروت، وخصوصا مَن قاوموا الاستعمار، مثل عمر المختار ورفاقه.
وقبل ذلك بخمسمائة عام أو تزيد (سنة1591م) ساهمت الكنيسة الكاثوليكية مع الدولة الأسبانية في إبادة المسلمين من بلاد الأندلس في إسبانيا، عن طريق التنصير أو القتل أو الهجرة غير الآمنة التي لا توصِّل إلى بلد إسلامي، وانتهى الوجود الإسلامي نهائيا من الأندلس، بعد أن ظلُّوا فيها نحو ثمانية قرون، أقاموا فيها حضارة شامخة متوازنة، تعلَّمت منها أوربا، واقتبست من نورها ما ساعدها على الخروج من ظُلُمات القرون الوسطى.
ورأينا في العصر الحديث: الذين يصوِّرون الإسلام على غير حقيقته، ويشوِّهون صورته لجماهير المجتمعات الغربية، لينفِّروهم منه، وكتب في ذلك من كتب من المستشرقين والسياسيين - ناهيك بالمبشرين - وغيرهم، وصبُّوا جام حقدهم على الإسلام، من كل مَن لا يزال يحمل في إهابه الرُّوح الصليبية!
ففي الربع الأخير من القرن التاسع عشر تعرَّض الفيلسوف الفرنسي المعروف (رينان) للإسلام بالنقد العنيف، في محاضرة قريبة في اتجاهها من محاضرة البابا، في جامعة (السوربون) في باريس، عن (الإسلام والعلم)، ردَّ عليها السيد جمال الدين الأفغاني ردًّا موجزا، وردَّ عليها الإمام محمد عبده ردًّا أكثر بيانا وتفصيلا.
وكان مما قاله رينان في محاضرته: (أن الإسلام لا يشجِّع الجهود العلمية، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات، وخوارق العادات، وإيمان تام بالقضاء والقدر).
وقد صوَّر رينان: عقيدة التوحيد - التي هي جوهر العقيدة الإسلامية - بأنها تؤدِّي إلى حيرة المسلم! كما أنها تحطُّ به - باعتباره إنسانا - إلى أسفل الدرك!
والحقيقة أن عقيدة التوحيد هي التي تُحرِّر الإنسان من الخوف والذلِّ واليأس والكآبة والقلق، وتضع يد المسلم في يد الله، وتمدُّه بقوة خارقة، حين يعلم أن الله معه، وأنه قريب منه، وأنه يعلم سرَّه ونجواه، وأنه حافظه وحاميه، فيشعر بالأمن والسكينة التي لا يشعر بها الجاحدون، ولا الشاكُّون، ولا المشركون، والقرآن يعتبر الشرك انحطاطا بالإنسان، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31].
والقول بأن الإسلام يرفع الإله عن الإنسان في علاء لا نهاية له! قول صحيح في ذاته، ولكنه لا يمثِّل الحقيقة كلَّها. فإن الله هو الكبير المتعال، والإسلام يفرِّق بوضوح بين المخلوق والخالق، وبين الباقي والفاني، وبين المحدود والمطلق، فهو تعالى (فوق عباده) وهو (الرب الأعلى) ولكنه - مع هذا - قريب من عباده: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186]، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16].
كما فسَّر (رينان) عقيدة القضاء والقدر، بأنها تعني: الجبر، وسَلبه إرادة الإنسان ومسؤوليته عن عمله، وهو موضوع طويل الذيول، كثير التفاريع، اختلفت فيه الأديان والفلسفات قديما وحديثا، ومَن رجع فيه إلى القرآن يجده بوضوح يحمِّل الإنسان تَبعة ما يعمل، يقول القرآن: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام:104]، {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الاسراء:15]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]، {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72]، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:8].
وبعد رينان جاء فرنسي كاثوليكي آخر، ليسيء إلى الإسلام وأمته وحضارته، بمقالة يكتبها، تنشرها الصحف الفرنسية، ذلكم هو مسيو (هانوتو) المستشرق الفرنسي، ومستشار وزارة الاستعمار الفرنسية. والتي تُرجِمت مقالته ونشرتها صحيفة (المؤيد)، التي كان يصدرها الصحفي الشهير الشيخ علي يوسف، والتي كان لنشرها صدًى واسع في الناس، أثار الرأي العام الإسلامي في مصر، وكان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر (1900م) الموافق (1317هـ).
وقد تصدَّى للردِّ على هذا النقد العنيف: أشهر المتحدثين عن الإسلام وأبلغهم في الدفاع عن حِماه، في ذلك الزمن: الأستاذ الإمام محمد عبده، الذي ردَّ على هانوتو بمقالات ثلاث، اتَّسمت بسَعَة العلم، وعمق الفكر، وقوة الحُجَّة، ونصاعة البيان، والجمع بين الأصالة والتجديد، وقوة الاطلاع على الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية بمدارسها المختلفة. وقد كانت مقالات محمد عبده: حديث الناس، وشغلهم في ذلك الوقت.
تكلم هانوتو في مقاله عن تاريخ النزاع بين الإسلام والمسيحية، وتحقُّق الظفر للديانة الأخيرة في القرن التاسع عشر. وقال: (إن فرنسا قد صارت بكل مكان في صلة مع الإسلام، بل صارت صدر الإسلام وكبده(!) فالإسلام يحيط بها في إفريقيا، ويمتدُّ في آسيا إلى الصين، وهو قائم بأوربا في الأستانة حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية، ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض.
ثم قال: إن المسلمين في سائر أقطار الأرض يتَّجهون إلى الكعبة وتجمعهم رابطة واحدة، وأنهم يكرهون الدول المسيحية التي تحتلُّهم. فالدراويش يبذرون بذور الحقد والكراهية للدول المسيحية حيث حلُّوا في تنقلاتهم بين البدو والقرى والمدن. وقال: إن المتعصِّبين من المسلمين (مثل السنوسي)، تقوم عقيدتهم على كفاح غير المؤمنين، وعلى كراهية المدنيَّة الحاضرة. وقد لبثوا زمنا مديدا لا يرتبطون بعَلاقة ما مع الدولة العليَّة بسبب ما بينها وبين المسيحية من عَلاقات. وانتهى من هذا العرض إلى قوله: توجد بالأستانة نفسها وبالشام وبلاد العرب ومُرَّاكش عصابة خفية ومؤامرة سرية تحيط بنا أطرافها وتضغط علينا من قرب. ويُخشى أن تفترسنا إذا أغمضنا الطرف.
ثم دخل هانوتو في موازنة بين الدينين، فقال: إن المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقَدَر، والمغفرة، والحساب. وقال: إن نظرة الأديان والمفكرين إلى هذه المسائل تتمثَّل في اتجاهين: اتجاه يقول بتناهي الربوبية في العظمة والعلو، ويجعل الإنسان في حضيض الضعف ودَرْك الوهن. واتجاه آخر يرفع مرتبة الإنسان، ويخوِّله حقَّ القربى من الذات الإلهية، بما فطر عليه من إيمان وإرادة، وبما أتاه من أعمال صالحة ومن حسنات.
ثم قال هانوتو: إن نتيجة الاتجاه الأول هو تحريض الإنسان على إغفال شؤون نفسه، وبثُّ القنوط في قلبه، وتثبيط همته. أما الاعتقاد بمذهب الفريق الثاني، فهو يؤدِّي إلىالجِلاد والعمل.
ومثَّل للاتجاه الأول بالديانة البوذية، كما مثَّل للاتجاه الثاني بالثقافة اليونانية. ثم قال: إن المسيحية هي الوارثة لآثار الآريين، وهي منقطعة الصلة بالمذاهب الساميَّة، وإن كانت مشتقَّة منها. أما الإسلام فهو متأثِّر بالمذهب السامي، ولذلك فهو ينزل بالإنسان إلى أسفل الدرك، ويرفع الإله عنه في علاء لا نهاية له. وأصول الثالوث السري مشتقَّة من ضرورة وجود إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري، ويحمِل المسيحي على إتيان الأعمال التي تقرِّبه من الله. أما الإسلام فهو يتمسَّك بالوحدانية، ويرفض ذلك، فيجعل المسلم كمَن يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحوَّل، ولا يملك في ذلك من حيلة غير متابعة الصلوات. فلفظ (الإسلام) معناه: الاستسلام لإرادة الله.
ثم أشار هانوتو إلى اختلاف الباحثين والسياسين الفرنسيين في تصوُّر العلائق التي تربطهم بالمسلمين. فالمسيو (كيمُون) يعتقد أن الإسلام جُذام فشا بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا. بل هو مرض مريع، وشلل عام، وجنون ذهولي، يبعث على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء. وهو يرى المسلمين وحوشا ضارية. ويعتقد أن الواجب إبادة خُمسِهم، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقَّة، وتدمير الكعبة، ووضع ضريح (محمد) في متحف اللوفر. والمسيو لوازون (القس ياسنت سابقا)، يعتقد أن الإسلام هو الدين المسيحي مُحسَّنا ومُحوَّرا. فهو يعتبر الإسلام أرقى مبدءًا، وأسمى كعبا من المسيحية. وهناك فريق ثالث يتوسَّط بين الفريقين، ويقول: إن الإسلام قنطرة للأمم الإفريقية، ينتقلون بواسطتها من ضفة الوثنية إلى ضفة المسيحية.
ثم قال هانوتو: إن هذه الآراء المتباينة هي التي أحدثت التناقض في أعمال فرنسا الاجتماعية والسياسية والإدارية. وطالب أن تقوم السياسة الاستعمارية على الدراسة العميقة الدقيقة للشعوب الإسلامية وللإسلام)[1] اهـ.
وقد ردَّ الشيخ الإمام محمد عبده - كما ذكرنا - على هذه الدعاوى الظالمة والزائفة، بمنطق علمي موضوعي تاريخي سليم كلِّ السلامة، لا يستطيع أحد أن يعترض عليه، ولا أن يجد فيه شائبة لتحامل أو تعصُّب، أو اتجاه عاطفي. ولا يتَّسع المجال هنا، لأورد هذا الردَّ النبيل، وأحيل القارئ ليقرأه في موضعه، في تاريخ الأستاذ الإمام، كما أنه نشر منفردا، وكذلك نقل منه وعقَّب عليه أستاذنا الدكتور محمد البهي في كتابه القيم: (الفكر الإسلامي الحديث، وصلته بالاستعمار الغربي). وقد عقَّب على الجانب الفكري من مقالة (هانوتو). أما ما نقله (كيمون) واتهاماته الفاجرة للإسلام، وافتراءته على المسلمين، واقتراحه تدمير الكعبة، ووضع قبر محمد في متحف اللوفر، فهي لا تستحقُّ أن يقف عليها عالم أو مفكر.
ولكنا سننقل عن الإستاذ الإمام في مقام آخر: ردَّه في قضية مشابهة اتُّهم فيها الإسلام بأنه يضادُّ العلم والفلسفة، ولا يتَّسع لهما، كما تتَّسع النصرانية. وذلك في ردِّه على فرح أنطون، ومجلة (الجامعة).
[1]- انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ2 صـ347 وما بعدها، طبعة دار النهضة العربية الثالثة، وانظر أيضا: الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي صـ30 – 34 طبعة دار الفكر. بيروت، وتاريخ الأستاذ الإمام جـ2 صـ401 – 424.
ومع هذه المرارات التي تجرَّعناها مع الكاثوليك: رأى الكثيرون من المسلمين - وخصوصا من علمائهم ومفكريهم ودعاتهم - أن يفتحوا صفحة جديدة مع الكاثوليك خاصة، ومع النصارى عامة، وعُقدت من حوالي أربعين سنة ندوات وحلقات ومؤتمرات للحوار الإسلامي المسيحي، رحَّبنا به وفتحنا له صدورنا.
ولم يكن ذلك منا موقفا بعيدا عن الدين، أو خارجا على تعاليمه، مداهنة في ديننا، أو مجاملة لغيرنا. بل هو نصُّ ما أمر به ديننا في منهج الدعوة إلى الإسلام، وهو الذي بيَّنته الآية الكريمة بكلماتها البليغة الموجزة من سورة النحل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
فالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنـة تكون - عادة - مع الموافقين. والجدال - (أو الحوار) - بالتي هي أحسن، تكون - عادة - مع المخالفين.
وقد ذهب وفد من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، على رأسه الأمين العام للرابطة الشيخ محمد علي الحركان، للقاء الكرادلة والأساقفة في الفاتيكان، وكان في وفد الرابطة عالمان معروفان، هما: د. معروف الدواليبي، و د. محمد المبارك، وغيرهما.
وصدرت الحوارات والموضوعات التي تناولها المتحاورون في كتاب.
وصارت حوارات في ليبيا، وحوارات في مصر، وحورات في غيرهما من البلدان العربية والإسلامية والأوربية.
وشاركتُ في حوار مع أحبار الكنيسة فيما سُمِّي القمة الإسلامية المسيحية الأولى في روما في أكتوبر 2001م، وفي القمة الثانية في برشلونة 2003م.
وقلنا: يجب أن ننسى سواد الماضي وظلامه وظلمه، ونعيش على حاضر جديد، ونتطلَّع إلى مستقبل أفضل، يسود فيه التفاهم، والتسامح، بل التعاون بين الأديان الكتابية بعضها وبعض.
ولكن العالم المسيحي للأسف، لا تزال تسري في جنباته بقايا الرُّوح الصليبية القديمة، وإن ظهرت في ثوب جديد، وبأسلوب جديد، اشتركت في ذلك المسيحية الغربية بكل أطيافها ومذاهبها.
تجلَّى ذلك فيما سُمِّي (الحرب على الإرهاب) وهو في الحقيقة: الحرب على الإسلام، وعلى أمة الإسلام.
وتجلَّى ذلك في التضييق على العمل الخيري في كل مكان، وعلى الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم، وعلى مسلمي أوربا وأمريكا، وأبرز مثل لذلك: قضية الحجاب في فرنسا.
وتجلَّى ذلك أيضا في الرسوم الدانماركية الكاريكاتورية المسيئة إلى رسول الإسلام، والبالغة في الإساءة والإسفاف حدًّا لا يمكن السكوت عليه.
ثم فوجئنا أخيرا بهذا الهجوم من أكبر شخصية مسيحية في العالم: بابا الفاتيكان، فهل هذه يا ترى عودة إلى الوراء؟ هل هي حرب صليبية جديدة، كما قالها بوش يوما، وإن اعتذر المعتذرون عنه بأنها سبق لسان؟
وقد تساءل الكثيرون عن (الدوافع) الحقيقية وراء هذا الهجوم البابوي على نبي الإسلام، وعلى عقيدته، وشريعته، وحضارته، وأمته؟
وتعدَّدت الآراء في التفسير والتعليل، واختلفت في البرهنة والتدليل، لأن النوايا الحقيقية تكنُّها القلوب، والله وحده هو الذي يعلم ما تُخفي الصدور، والبشر لهم الظواهر، والله يتولَّى السرائر.
وقد لخَّص الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار في وزارة شؤون الرئاسة في (أبو ظبي)، ورئيس مجلس أمناء (دار زايد للثقافة الإسلامية)، مقالات المتكلمين والمحللين لدوافع البابا تلخيصا حسنا، في دراسته الشاملة عن مقالة البابا، أو قُل عن محاضرته، وأنا أنقله عنه هنا:
(أما عن الدوافع: فقد قامت نظريات لا يمكن القطع بصحة أيٍّ منها، فالله وحده هو المطَّلع على النوايا. ومع ذلك فإن كلا منها يُلقي ظلالا على الموقف وآثاره.
فهناك مَن يقول بأن البابا يريد أن يغطِّي على ماضيه مع الحركة النازية المعادية للصهيونية، أو كما يقال - المعادية للسامية - فقد كان البابا ضمن الشبيبة الهتلرية في صباه، ثم خدم في سلاح المشاة بالجيش النازي ووقع في الأسر. وهذا الانخراط في النازية لا يمكن أن تنساه إسرائيل وحُماتها، وسوف تُبرز هذه الورقة عند اللزوم إذا كان ذلك في مصلحتها، ولكنها يمكن أن تتناساه إذا خاصم الرجل الدين المُواجه للصهيونية وأتباعه، وهو ما يمكن القول بأن المحاضرة قد قامت به.
وهناك مَن يقول بأن المذهب الكاثوليكي في الولايات المتحدة يعاني من مشكلات أثَّرت على سُمعته لدى المجتمع الأمريكي، فجاءت هذه المحاضرة لتُجامل السياسة الأمريكية وتعاضدها في حربها المسمَّاة أحيانا بالحرب على الإرهاب، وأحيانا أخرى معاداة الفاشية الإسلامية. فها هو الحبر الأعظم يقول ما تقوله السياسة من موقعه كأكاديمي لاهوتي قديم، ورأس للكنيسة الكاثوليكية، ورئيس لدولة الفاتيكان، ويتوقَّع في مقابل ذلك ترميم سُمعة الكنيسة في تلك الديار.
وهناك مَن يقول بأن البابا لا يريد للوجود الإسلامي في أوربا أن يتَّسع ويتثبَّت، وقد عبَّر عن ذلك صراحة في معارضته العلنية، حينما كان (الكاردينال جوزيف راتزِنجر) لانضمام تركيا المسلمة إلى الاتحاد الأوربي باعتبار أنها تنتمي لحضارة غير متجانسة مع الغرب المسيحي.
وأخيرا هناك مَن يقول بأن البابا ينتمي إلى الفريق الكنسي الذي لا يؤيِّد الحوار الجاد مع الأديان، لأن فيها تعطيلا وتنكُّرا لرسالة التبشير المسيحية (انظر: جون ستوت في كتابه Christian Mission in The Modern World). ويستشهد هؤلاء على هذه الدعوى بأن البابا بدأ فترة بابويته بنقل الكردينال البريطاني فيتز جيرالد من موقعه في الفاتيكان إلى الخارج، وهو من أعلام الحوار في روما.
وإذا لم نكن قد أكَّدنا أيًّا من هذه الدعاوى عن الدوافع، فإننا لا نتصوَّر أن الناس سوف يُسقطونها من حسابهم)[1].
وقد سمعتُ من عدد من الأوربين المسلمين يؤكِّدون: أن دافع البابا هو خوفه مما يرى من انتشار الإسلام في العالم بصفة عامة، وفي أوربا بصفة خاصة، فكان هجومه الحاد والمفاجئ نوعا من الدفاع الخفي أمام ظاهرة انتشار الإسلام السلمي.
والحقيقة: أن الباحث المدقِّق في هذه القصة (قصة الإمبراطور البيزنطي ومحاوره) يجدها أقرب إلى التلفيق، منها إلى الحقيقة التاريخية.
فالوضع الذي كان فيه القيصر البيزنطي، وهو وضع المحاصَر المضيَّق عليه من الدولة المسلمة الفتية المنتصرة، دولة بني عثمان: لا يساعد على التفكير في الحوار والمجادلات الدينية. وبلده مهدَّد بالسقوط أمام القوة الزاحفة، وقد حدَّدوا الوقت بأنه سنة 1391م.
والمُحاور الذي ذكره الإمبراطور: شخصيته غير معروفة، بل هو مجهول الاسم، ومجهول العين، ومجهول الحال، ولا يُدرَى: مَن الذي أرسله للحوار مع الامبراطور؟ وهل تبعث دولة ما للجدال في أمر الدين مع إمبراطور، وصفوه بأنه عالم واسع الاطلاع: مجرد شخص (متعلم)؟ أم يبعثون له علاَّمة متضلِّعا في علوم الدين والكلام والجدل؟
ومن أي بلد قدِم؟ من إيران، أي من بلاد الفرس؟ هل الفرس في ذلك الحين كانوا معنيين بجدال البيزنطين، الذين يقاتلون خصومهم الأتراك؟
وأين موقع هذا المسلم - أيًّا كان قدره ومستواه - في هذا الجدال: ما أسئلته للقيصر؟ وما ردوده عليه؟
بالطبع مصدرنا في هذا كله، هو ما كتبه الإمبراطور مانويل الثاني، فليس لنا لهذه القصة كلِّها مصدر سواه.
ولو كانت قد حصلت بالفعل، ولم يكن افتراضا من الإمبراطور، وهو أسلوب أدبي متَّبع لدى بعض الكُتَّاب، كأن يقول سألني سائل عن كذا، فقلت كذا. أو قال التلميذ الفتى لشيخه المربي، ونحو ذلك ... فإن القيصر لم يكتب هذه المحاورة حال وقوعها أو بعده بقليل، بل يبدو أنه كتبها بعد سنوات، وكتبها كما يريد هو، وأجرى الحوار كما يريد أن يجري.
وسنناقش في الصحائف القادمة بالتفصيل: ما جاء في كلمة البابا على لسان القيصر، مما يتعلَّق بالإسلام ونبيه وعقيدته وشريعته وحضارته وأمته.
البابا وتفسير القرآن:
أقحم البابا نفسه فيما لا يُحسنه من علوم القرآن وتفسيره، واجترأ على أن يقول فيه بغير علم، وهو ما لا يليق بمثله، وحوله الخبراء والمستشارون، وما أسهل أن يرجعوا إلى كتاب من كتب التفسير المعتمدة عند المسلمين، فيعرفوا منها المعنى المقبول أو الراجح.
ولكن البابا لم يفعل ذلك، وتعرَّض للكلام في آية [البقرة]: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256].
قال البابا: إن القيصر كان يعلم بيقين: أن الآية (256) من سورة البقرة تقضي بأن: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وهي آية من السور الأولى، التي نزلت لما كان محمد - كما قال لنا العارفون - لا يزال عديم القوة، وواقعا تحت التهديد.
لكن القيصر كان يعلم كذلك: أن آيات أخرى من القرآن نزلت بعد ذلك تتضمَّن تحديدات وتدقيقات أخرى حول الحرب المقدَّسة (يعني الجهاد).
فالبابا يزعم حسبما قاله العارفون: أن آية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} كانت من أوائل ما نزل من القرآن، عندما كان محمد ضعيفا عديم القوة، يعيش تحت سلطان مشركي قريش الذين يسودون مكة، ويتحكَّمون في مصيرها.
وهنا يبدو البابا ومن حوله من العارفين الذين يعتمد عليهم: غاية في الضحالة والجهل بالأوليات اللازمة لمعرفة القرآن وعلومه وتفسيره. فمن المعروف: أن هناك قرآنا مكيًّا (نزل في مكة قبل الهجرة)، وقرآنا مدنيًّا (نزل في المدينة بعد الهجرة). وأن سورة البقرة من السور المدنية بالإجماع، وموضوعاتها تدلُّ على ذلك. فكيف تستثنى منها آية واحدة، لتنزل في السور الأولى، أي في أوائل العهد المكي؟! هذا أمر غير مفهوم قط.
ولو رجع البابا والعارفون الذين فسَّروا له الآية، إلى أي كتاب من كتب تفسير القرآن، لعلم أن هذه الآية لم تنزل إلا بعد عدَّة سنوات من الهجرة، أي بعد غزوة بدر، وجلاء بني قينقاع من اليهود، ووقوع غزوة أحد، وجلاء بني النضير، وكان من أبناء الأنصار مَن دخل في اليهودية بنذر أمه: إذا عاش ولدها: أن تُهوِّده! فلما وقع الجلاء من المدينة لبني النضير، قال آباؤهم: أبناؤنا، كيف نَدَعهم يرحلون معهم؟ وأرادوا أن يُكرهوهم على ترك اليهودية، والبقاء مع أهليهم وعشيرتهم وقومهم، فنزلت الآية الكريمة: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.
وأما ما زعمه البابا من الآيات الأخرى التي نزلت بعد ذلك حول (الحرب المقدسة) أو الجهاد، والتي يرى الإمبراطور البيزنطي - والبابا تبعا له - أنها تحمل في طياتها (العنف) مع الآخر، وتدعو إلى نشر الدين بحدِّ السيف! فسنردُّ عليها في موضعها، ردًّا يُخرس كل معاند، ويُسكت كل مجادل بالباطل.
هذا وقد اعترف البابا أخيرا في تعليقاته على نصِّ المحاضرة: أن ما نقله عن العارفين في آية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لم يكن صحيحا أو دقيقا.
هل أتى الإسلام بجديد غير ما في اليهودية والمسيحية ؟
- في مجال العقائد
جاء بالجديد في مجال العقيدة في كلِّ أقسامها ونواحيها:
في مجال الألوهية: جاء بالتوحيد الخالص، فلا يُشارك اللهَ أحدٌ في ربوبيته ولا في أُلوهيته، كما جاء بالتنزيه المحض، فلا يُشبِّه الله بأحد من خلقه، كما فعلت اليهودية، ولا يُشبَّه المخلوق بالخالق، كما فعلت النصرانية. وحسبك [سورة الإخلاص]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
وفي مجال النبوات: جاء بمبدأ عِصمة الأنبياء من الذنوب، ولا سيما الكبائر، التي تنسبها إليهم أسفار التوراة، فهذا يسكر، وهذا يزني، وهذا يطمع في امرأة جاره، ويحتال عليه حتى يقتل في المعركة، ويحظى بزوجته من بعده!!
وفي مجال الغيبيات والآخرة: جاء بمبدأ العدل الإلهي، الذي لا يخاف عنده أحد ظلما ولا هضما، والذي لا يظلم أحدا مثقال ذرة: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47].
وبهذا أبطل الشفاعة الشِّركية التي اعتمد عليها الوثنيون في أن أصنامهم أو آلهتهم المزعومة تَشفع لهم عند الله، ولا يملك الله أن يردَّ شفاعتها، وقد انتقلت فكرة الشفاعة هذه إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين زعموا أنهم تشفع لهم أحبارهم ورُهبانهم. فأبطل الله هذه الشفاعة الشركية بصفة مُطلقة، وأثبت شفاعة أخرى، ولكنه قيَّدها بقيدين:
الأول: أنه لا يشفع أحد إلا بإذن الله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]، {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [لنجم:26].
والثاني: أن لا شفاعة لغير أهل التوحيد، فأما المشركون فلا شفاعة لهم، قال تعالى في شأن الملائكة: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، ولا يرتضي الله أهل الشرك أبدا، وقال عن المشركين: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48]، وقال عنهم: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18].
وجاء بالجديد في مجال العبادات: في الصلاة والزكاة والصيام والحج.
الصلاة:
أما الصلاة: فهي في الإسلام فريضة عظيمة، وهي عمود الإسلام، والركن الثاني من أركانه بعد الشهادين. الإسلام وحده هو الدين الذي يجعل المسلم على موعد مع ربه خمس مرات في كل يوم، لا يوجد دين يربط الإنسان بربه هذا الربط، يجعله ينتشل نفسه من لُجَّة الحياة إذا غرق في أعمالها ومشاغلها، ليقف بين يدي مولاه.
عندما تزول الشمس عن كَبِد السماء، بعد الزوال يناديه المنادي: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فينتزع نفسه من الدنيا، ويأتي ليؤدِّي صلاة الظهر، وبعد أن يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله، يؤدِّي صلاة العصر، وبعد أن يغرب قرص الشمس يؤدِّي صلاة المغرب، وبعد أن يغيب الشفق الأحمر يؤدِّي صلاة العشاء، وبعد أن ينبلج الفجر يؤدِّي صلاة الفجر، "خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة"[1].
كما جاء بنوافل تطوُّعية كثيرة لا تُعرف في أديان أخرى، مثل: صلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكُسوف الخُسوف، وغيرها من الصلوات التي تُؤدَّى في جماعة.
هذا غير السنن الرواتب، وغير النوافل التى فتح الله بابها، لمَن يحب الاستزادة من الخير، "ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولأن سألني لأُعطينَّه، ولأن استعاذ بي لأُعيذنَّه"[2].
كما فتح الباب لصلوات فردية، مثل: صلاة الضحى، وقيام الليل.
ومن أعظم الصلوات الجماعية التي جاء بها: صلاة التراويح في رمضان من كل عام، وهي صلاة طويلة يحرص المسلمون عليها، ويتقرَّبون إلى الله بآدائها، وخصوصا في الحرمين الشريفين.
كما جاء بصلاة الجمعة الأُسبوعية، التي يجتمع فيها الناس في المساجد، ويسمعون الموعظة.
الصلاة في الإسلام ليست كالصلاة عند المسيحيين أو اليهود، الصلاة عند المسيحيين دعاء وابتهال، إنما الصلاة في الإسلام قيام وقعود، ركوع وسجود، وتلاوة وتسبيح وتكبير وتهليل وتشهُّد، يعمل فيها اللسان ذاكرًا مسبِّحا، ويعمل فيها الجسم متحرِّكا قائمًا قاعدًا، ويعمل فيها القلب مخلصا خاشعًا، يعمل فيها العقل متدبِّرا متأمِّلاً.
هذه الصلاة التي جمعت كل أنواع التعظيم لله عز وجل، ولها شروط ليست عند أي دين من الأديان: أن لا تقوم للصلاة إلا متطهِّرًا: طاهر الثوب، طاهر البدن، طاهر المكان، طاهرًا من الحَدَث الأكبر إذا أصابتك جنابة، ومن الحَدَث الأصغر إذا انتقض وضوؤك، تقوم متطهِّرًا متوضِّأ تقف بين يدي الله، آخذا زينتك، ساترا عورتك، متجرِّدا بقلبك لله، مستقبلا الكعبة، مراعيا الوقت، حتى لا تكون من {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:5].
الزكاة:
وأما الزكاة: فقد تميَّزت عن الصدقات في الأديان الأخرى بجُملة مزايا:
أولاً: إن الزكاة الإسلامية لم تكن مُجرَّد عمل طيِّب من أعمال البر، بل هي رُكن أساسي من أركان الإسلام، يُوصم بالفسق مَن منعها، ويُحكم بالكفر على مَن أنكر وجوبها، فليست إحسانًا اختياريًا، وإنما هي فريضة تتمتَّع بأعلى درجات الإلزام الخُلُقي والشرعي.
ثانيًا: إنها في نظر الإسلام حقُّ للفقراء في أموال الأغنياء، وهو حقُّ قرَّره مالك المال الحقيقي وهو الله تعالى، فليس فيها معنى من معنى التفضُّل والامتنان من الغنى على الفقير.
ثالثًا: إنها {حَقٌّ مَعْلُومٌ} قدَّر الشرع الإسلامي نُصبه ومقاديره وحدوده وشروطه، ووقت أدائه وطريقة أدائه.
رابعًا: هذا الحقُّ لم يُوكل لضمائر الأفراد وحدها، وإنما حُمِّلت الدولة المسلمة مسئولية جبايتها بالعدل وتوزيعها بالحقِّ. فهي ضريبة تُؤخذ وليست تبرُّعًا يُمنح.
خامسًا: إن من حقِّ الدولة أن تؤدِّب - بما تراه من العقوبات المناسبة - كل مَن يمتنع من أداء هذه الفريضة.
سادسًا: إن أي فئة ذات شوكة تتمرَّد على أداء هذه الفريضة. فإن من حقِّ إمام المسلمين - بل من واجبه - أن يُقاتلهم ويُعلن عليهم الحرب حتى يؤدُّوا حقَّ الله وحقَّ الفقراء في أموالهم.
سابعًا: إن الفرد المسلم مطالَب بأداء هذه الفريضة العظيمة وإقامة هذا الركن الأساسي في الإسلام، وإن فرَّطت الدولة في المُطالبة بها، أو تقاعس المجتمع عن رعايتها. وعليه - ديانة - أن يعرف من أحكام الزكاة ما يُمكِّنه من أدائها على الوجه المشروع المطلوب.
ثامنًا: إن حصيلة الزكاة لم تُترك لأهواء الحكام، ولا لتسلُّط رجال الكهنوت - كما كان الحال في اليهودية - ولا لمطامع الطامعين من غير المُستحقِّين، تُنفقها كيف تشاء، بل حدَّد الإسلام مصارفها ومُستحقيها، فقد عرَف البشر من تجاربهم أن المهم ليس هو جباية المال، إنما المهم هو أين يُصرف؟
تاسعًا: إن هذه الزكاة لم تكن مُجرَّد معونة وقتية، بل كان هدفها القضاء على الفقر، وإغناء الفقراء إغناءً دائمًا، لأنها فريضة دوريَّة مُنتظمة دائمة الموارد.
عاشرًا: إن الزكاة - بالنظر إلى مصارفها التي حدَّدها القرآن وفصَّلتها السُّنة - قد عملت لتحقيق عدَّة أهداف رُوحية وأخلاقية واجتماعية وسياسية. فهي أوسع مدى، وأبعد أهدافًا من الزكاة في الأديان الأخرى[3].
الصيام:
وأما الصيام: فقد جاء الإسلام بالجديد الذي يجعل صيام المسلمين مُتميِّزا عن الصيام المعروف عند النصارى، فالصيام الإسلامي حرمان كامل من كلِّ ما يُشبع شهوتي البطن والفرج، ولو من حلال، طلبا لمرضاة الله تعالى. كما قال الله تعالى في الحديث القدسي عن الصيام: "يَدَع طعامه من أجلي، ويَدَع شرابه من أجلي، ويَدَع زوجته من أجلي، ويَدَع لذَّته من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به"[4].
الصيام في النصرانية عن كل ذي روح، ولكنه يأكل من الأغذية النباتية، ما يُشبع بطنه، ويُلبِّي شهوته.
ولا يعرف صيام النصارى الصيام عن الشهوة الجنسية، فلا يحلُّ للمسلم الصائم أن يُجامع امرأته إلا في الليل.
وهذا الصيام مفروض في كلِّ سنة لمدَّة شهر كامل، وهو شهر مُعيَّن معروف، هو شهر رمضان، الذي يدور في الفصول الأربعة كلها، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]، وفرضية الصيام ثابتة بالقرآن المؤكَّد بالسُّنة والإجماع، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]، ولا يوجد نصٌّ في التوراة ولا في الأناجيل يُفيد فرضية الصيام على اليهود والنصارى.
ولهذا الصيام أحكام أجملها القرآن، وفصَّلتها السنة، وقنَّنها الفقه، تقوم على اليسر ورفع الحرج، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185][5].
وينتهي صيام رمضان بصدقة مفروضة على كل مسلم يقدر على أدائها، وهي صدقة الفطر، التي فرضها رسول الإسلام، إسعافا للفقراء والمساكين في يوم العيد[6]، يطوف المُوسرون عليهم ليُعطوها لهم، ولا يُكلفوهم بأن يطوفوا هم عليهم، بل يُغنوهم عن السؤال في هذا اليوم[7]، الذي يجب أن يشترك فيه الجميع في مسرَّة العيد.
وبهذا ارتبط عيد الفطر بفريضة الصيام، ويبدأ بصلاة مخصوصة هي صلاة العيد، يجتمع فيها أهل البلد أو القرية في صعيد واحد، في صورة مهرجان إسلامي، يُهلِّلون ويُكبرون، يبدأون يومهم بطاعة الله سبحانه وعبادته.
الحج:
وفي عبادة الحج، وهي الرُكن الخامس من أركان الإسلام، تتميَّز هذه العبادة عن مثيلاتها في الأديان الأخرى.
فهي أولا: فريضة ورُكن يُؤدِّيه كل مَن استطاع إليه سبيلا، في العمر مرة، وبعدها يكون تطوُّعا منه.
وهي ثانيا: عبادة بدنية ومالية، فإذا كانت الصلاة عبادة بدنية، وكذلك الصيام، والزكاة عبادة مالية، فإن الحجَّ جمع بين الأمرين، فهو عبادة بدنية ومالية، يتعب المسلم فيه بدنه، ويُعاني المشقَّات في سفره، وفي أداء مناسكه، وفي إقامته في مِنَى وعرفات ومزدلفة وغيرها. وفي الطواف والسعي، ومع ذلك عليه أن يبذل ماله، في نفقات السفر إلى مكة، والإقامة فيها حتى يعود.
وهي ثالثا: تعتمد على الحركة الجماعية للحجيج، لأن مناسك الحجِّ موقوتة بأيام مُحدَّدة، فالتحرُّك إلى مِنى في يوم التروية (الثامن من ذي الحجة)، والوقوف بعرفة يوم التاسع، والنفير من عرفة إلى مزدَلِفة بعد غروب يوم التاسع، أي ليلة العاشر، ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة يوم العاشر، ورمي الجمرات يومي الحادي عشر والثاني عشر لمَن تعجَّل.
وكل هذه الأعمال تُؤدَّى في تحرَّك جماعي، يُعتبر عند المسلمين ضربا من العبادة لله، وسببا في التقرُّب إليه. ويعتبر الحجُّ تدريبا للمسلم على السلم، فلا يقتل صيدا، ولا يقطع شجرا. وتدريبا على المساواة، فالناس جميعا يلبسون ثيابا بيضا بسيطة متواضعة لا تفرِّق فيها بين غني وفقير ولا بين سوقة وأمير.
ويُعتبر الحج إذا كانت نفقته من حلال، وأُدِّي بإتقان وإخلاص: ميلادا جديدا للمسلم، يرجع معه إلى بلده إنسانا آخر، كما صح في الحديث: "مَن حج ولم يرفث ولم يفسق: رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"[8].
وفي يوم العاشر من ذي الحجة: يقع عيد الأضحى، وهو العيد الثاني للمسلمين، وهو مُرتبط بعبادة الحجِّ، ولذا يسمَّى يوم العاشر: يوم الحجِّ الأكبر.
هذا الحجُّ بشعائره وأركانه وشروطه وآدابه: من الجديد الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وليس من الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية التي زعمها الإمبراطور البيزنطي!
[1]- رواه أحمد في المسند (22693)، وقال محققوه: حديث صحيح وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير المذحجي، وأبو داود (1420)، والنسائي (461)، وابن ماجه (1401)، ثلاثتهم في الصلاة، عن عبادة بن الصامت، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1258).
[2]- رواه البخاري في الرقاق (6502)، عن أبي هريرة.
[3]- انظر: كتابنا: (فقه الزكاة) الباب الأول تحت عنوان (فروق أساسية بين الزكاة في الإسلام والزكاة في الأديان الأخرى) جـ1 صـ85 طبعة مؤسسة الرسالة بيروت، ومكتبة وهبة القاهرة.
[4]- رواه ابن خزيمة في الصيام (3/197)، وقال الأعظمي: صحيح، عن أبي هريرة، وأصل الحديث في الصحيحين.
[5]- انظر: كتابنا (تيسير فقه الصيام) نشر مكتبة وهبة، ومؤسسة الرسالة.
[6]- إشارة إلى حديث: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث...". رواه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، كلاهما في الزكاة، والدارقطني في السنن كتاب زكاة الفطر (2/138)، وقال عن رواته: ليس فيهم مجروح، والحاكم في الزكاة (1/568)، وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، عن ابن عباس، وحسنه الألباني في صحيح أبو داود (1420).
[7]- إشارة إلى حديث: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم". رواه الدارقطني في السنن (2/152)، والبيهقي في الكبرى (4/175)، كلاهما في زكاة الفطر، عن ابن عمر، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (3/334).
[8]- متفق عليه: رواه البخاري في أبواب المحصر وجزاء الصيد (1819)، ومسلم في الحج (1350)، وأحمد في المسند (9311)، والنسائي في مناسك الحج (2627)، وابن ماجه في المناسك (2889)، عن أبي هريرة.
وجاء بالجديد في مجال الأخلاق، لقد جاء الإسلام بمجموعة من الفضائل الأخلاقية، أسَّسها على فلسفة ربانية عميقة، تتميَّز بجملة من الخصائص.
أخلاق معلَّلة مفهومة:
لم تكن الأخلاق في الإسلام كما جاءت في اليهودية والنصرانية، تحكُّمية غير معلَّلة ولا مفهومة، (افعل كذا)، مجرَّدا من أيِّ تفسير أو تعليل، لكن القرآن إذا أمر أمرًا علَّله: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17]، {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور:30]، أطهر لهم، وأنمى لهم، وأرقى لهم.
يُعلِّل القرآن أوامره الأخلاقية، فهي أخلاق مفهومة، ليست أخلاقًا تحكُّمية.
أخلاق وسطية متوازنة:
وهي أخلاق وسطية متوازنة، تجمع بين الدنيا والآخرة، بين العقل والقلب، وبين الرُّوحية والمادية، بين الحقِّ وبين الواجب، ما للإنسان وما على الإنسان، فإذا كان الإنسان المثالى في المسيحية: هو الراهب الذي يتجرَّد عن الحياة، ويعتزل الدنيا، ويعتزل النساء، ولا يتزوج، ولا يعمل للحياة. فإن الإنسان المثالي في الإسلام هو الذي يجمع بين الحسنتين: الدنيا والآخرة، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]، في يوم الجمعة يسعى المسلم إلى ذكر الله ويَذَر البيع، أي يمكن أنه كان في بيع قبل الصلاة، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10]، يمكن أن يعمل قبل الصلاة، ويعمل بعد الصلاة.
العمل في الإسلام عبادة والعمل في الإسلام جهاد، ولذلك الأخلاقية الإسلامية هي الأخلاقية الوسطية، ليس هناك إنسان يظلُّ يعبد الله دائمًا، يصوم النهار ويقوم الليل. حينما شكا بعض الصحابة أنه يشعر بأنه نافق في حياته، لأنه يكون على حال عند رسول الله، وعلى حال آخر إذا ذهب إلى بيته، وداعب زوجته ولاعب أولاده، فقال له، وكان اسمه حنظلة: "يا حنظله، لو دمتم على الحال التي تكونون فيها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"[1].
لا يطلب الإسلام من الإنسان المسلم أن يظلَّ عابدًا باكيًا خائفا طول حياته، ولكن ساعة وساعة، هذا هو الإسلام.
جاء الإسلام بالتوازن الأخلاقي، فإذا كانت اليهودية قالت: السنُّ بالسنِّ، والعين بالعين, والأنف بالأنف. والمسيح قال: مَن ضربك على خدِّك الأيمن فأَدِر له خدَّك الأيسر[2]. فإن الإسلام لم يأمر بما أمر به المسيح أمرًا عاما، لأن هذا قد يصلح لمجموعة صغيرة منتقاة، لكن لا يصلح أمرًا عالميًا وتوجيهًا عالميًا لكل البشر، ولكنه رغَّب فيه، باعتباره فضلا وإحسانا، الإسلام جاء بالعدل، وجاء بالفضل: مرتبة العدل: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، ومرتبة الفضل: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40].
عليك أن تقوم بالعدل وهذا الواجب، ولك أن تقوم بالفضل والإحسان وتعفو: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126].
أخلاق واقعية:
الأخلاق في الإسلام أخلاق وسطية، وأخلاق واقعية، تراعي حالة الإنسان لا تريد من الإنسان أن يكون ملاكًا مطهَّرًا، يمكن للإنسان أن يقع في الخطيئة، ولا عجب أن يقع الإنسان في الخطيئة، أبوه آدم أخطأ، ولكن الله فتح له باب التوبة: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طـه:122،121]، الله تعالى ذكر الأمة المصطفاة فقال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر:32]، من الأمة مَن يظلم نفسه، ويقصِّر في بعض الواجبات، ويقع في بعض المحرمات، ولكن هذا لا يغلق باب التوبة عنه، باب الله مفتوح: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53].
كان في كلمات القيصر البيزنطي الأرثودكسي، الذي جعل البابا كلامه عمدة فيما تحدَّث به عن الإسلام في محاضرته: أن محمدا لم يجئ بشيء جديد، إلا الأشياء الشريرة واللاإنسانية، مثل أمره بنشر دينه الذي جاء به بحدِّ السيف!
فليت شعري: ما الأشياء الشريرة التي جاء بها محمد؟ وهو أول من دعا إلى الخير، وفعل الخير، ونية الخير، والتعاون على الخير، والدعوة إلى الخير، والإنفاق في سبيل الخير، والجهاد في سبيل الخير.
وهو أول من قاوم الشرَّ والفساد والجريمة والظلم والرذيلة والاحتكار والربا وكنز المال والسرف والترف، والاستبداد والطغيان، وقهر الضعفاء، وأكل حقِّ الفقراء، وأجر العمال، وحقوق المستضعفين، اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهو أول من دعا إلى برِّ الوالدين - ولو كانا مشركين - وصلة الأرحام وإيتاء ذي القربى، والإحسان إلى الجيران، وإكرام اليتيم، والأرملة، والحضِّ على طعام المسكين.
كما دعا إلى تكريم الإنسان من حيث هو إنسان، ورعايته فطرته التي فطر الناس عليها، وعدم مصادرة غرائزه، بل التسامي بها وتهذيبها بحيث تقف عند المُثُل العليا، التي تسمَّى: حدود الله، وتهتدي بهدى الله، والمحافظة على كرامة الإنسان، وحرية الإنسان، الذي جعله الله في الأرض خليفة، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة، فلا يجوز أن يسوقه حاكم بالعصا كما تساق الحمير، ولا يجوز أن يهضم حقُّه، أو يهمل أمره، أو تداس كرامته، أو تدنس حرماته. وأن يحمى دينه ودمه وعرضه وماله، وأن يرعى حق الضعيف، حتى أنه أجاز القتال من أجل إنقاذ المستضعفين.
وإني لأسائل الامبراطور ومَن وافق على كلامه: أين أمر محمد بنشر دينه بالسيف؟ هذا هو القرآن أمامنا كاملا غير منقوص، لم تضِع منه كلمة واحدة، يضمُّ أكثر من ستة آلاف آية، فأين من هذه الآيات ما يأمر بنشر الدين بالسيف؟
وجدنا الآيات التي ترفض أن يدخل الناس تحت بريق السيف، أو أي لون من ألوان الإكراه.
ليس في القرآن إلا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
وإذا لم نجد هذا في القرآن، فهل نجد هذا في السنة؟
لا والله، لن نجد هذا في السنة كما لم نجده في القرآن.
يقول القرآن الكريم في سورة النحل المكية: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].
ويقول في سورة آل عمران المدنية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64].
فانظر إلى ختام الآية {فَإِن تَوَلَّوْاْ}، أي أعرضوا عن الإيمان، ولم يقبلوا به. {فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، لم يقل: فاضربوا رقابهم بحدِّ السيف، أو شنُّوا عليهم الغارة.
وليست هذه هي الآية الوحيدة التي تقول ذلك في شأن مَن تولَّى عن الإسلام وأعرضوا عنه، بل هناك عشرات الآيات تضمُّ مثل ذلك.
ففي نفس سورة آل عمران: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:20].
وفي سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن، وفيها الآيات التي يزعمون أنها (آيات السيف)[1]! نقرأ قوله تعالى في آخر السورة: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة:129،128].
ربما قال بعضهم: هناك حديث يقول: "بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة"[2]. وأقول: هذا الحديث ليس فيه أمر بنشر الإسلام بالسيف، وإنما يقول: "بُعثتُ بالسيف"، وقد بيَّنا في كتابنا (فقه الجهاد) - تحت الطبع - أن هذا الحديث مردود من حيث سنده، وقد ضعَّفه مخرجو الحديث في المسند، ومن حيث دلالته، وهو الموافق لنصِّ القرآن الذي يقول: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33].
فهذا ما أُرسل به محمد: {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} وهذا ما تكرَّر في القرآن[3].
فقل لي بربك: أين أمر محمد بنشر دينه بالسيف؟ إذا لم تجد ذلك في آية أو بعض آية من كتابه، ولا في حديث أو بعض حديث من سنته؟
نعم هناك آيات - وكذلك أحاديث - تحضُّ على القتال في سبيل الله، ولكن هذه ليس فيها أية دلالة على أن المقصود بها نشر الدين بالسيف، بل دفع الفتنة في الدين، وتوفير الحرية للمؤمنين، وقتال مَن يقاتل المؤمنين، وتأديب الناكثين والظالمين، وإنقاذ المعذبين والمستضعفين، فهذا ما جاءت به آيات القرآن الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم، وليس فيها نصٌّ واحد يأمر بنشر دين الله بالحديد والنار، والسيف البتار.
[1]- ناقشنا ما قيل حول هذه الآيات في كتابنا (فقه الجهاد) - تحت الطبع - وبيَّنا أنها كلها آيات في جهاد الذين يقاتلون المسلمين، ويفتنونهم في دينهم، وهي تقابل القوة بالقوة، والسيف بالسيف، كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]
[2]- رواه أحمد في المسند (5114)، وقال محققوه: إسناده ضعيف على نكارة في بعض ألفاظه. ابن ثوبان اختلفوا فيه وخلاصة القول أنه: حسن الحديث إذا لم يتفرد بما ينكر عليه، فقد أشار أحمد إلى أن له أحاديث منكرة. قال المحققون: وهذا منها، عن ابن عمر. وانظر: تعليقنا على الحديث في فقه الجهاد.
[3]- وتكرر الآية بلفظها في سورة الصف [الآية:9]. وقال تعالى في سورة الفتح: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [الفتح:28].
كلام البابا ( بينديكت ) في محاضرته يُفهم: أن طبيعة (جوهر) الله - حسب تعبيره - تأبى الشدَّة والعنف مع خَلقه بصفة مطلقة، وأنه لا يتعامل مع الخَلق إلا بالمحبة والرحمة، ولا يحبُّ أن يرى الدم، وهذا ليس بمسلَّم على إطلاقه.
فكثيرا ما أنزل الله عقوبته ببعض الأقوام الذين كفروا به، وكذَّبوا رسله، وهذا واضح لمَن قرأ التوراة والأسفار الملحقة بها.
فالله تعالى هو الذي أرسل الطوفان ليُغرق قوم نوح، ويطهِّر الأرض من شرِّهم.
والله سبحانه هو الذي أهلك عادا بريح صرصر عاتية، حين كذَّبوا نبيَّه هودا، وجحدوا برسالته، واتَّبعو أمر كل جبار عنيد.
والله - جلَّ جلاله - هو الذي أهلك ثمود بالصيحة التي أخذتهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
والله - جلَّ شأنه - هو الذي أهلك فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليمِّ أجمعين، وأنجى موسى ومن معه من المؤمنين.
إلى غير ذلك من العقوبات السماوية التي نزلت بالأمم من قبلنا، حين جحدوا بآيات ربهم وعصَوا رسله.
والإسلام يرى أن الأصل في الدماء هو التحريم، ولا يبيح سبحانه من إسالة الدماء إلا بقدر الضرورة، التي يستلزمها الحفاظ على حياة المجموع. ولهذا شرع القصاص من المعتدي من الأفراد، كما شرع الجهاد لردع المعتدي من الجماعات.
فقد شرع الله في التوراة: القصاص من المعتدي بمثل عدوانه: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والسنُّ بالسنِّ.
كما شرع القتال ضدَّ بعض الشعوب وأمر موسى إذا استولى عليها: أن يضرب جميع ذكورها بحدِّ السيف.
أما الشعوب الأخرى القريبة، فعليه ألا يستبقي فيها نَسَمَة حية.
وسنذكر ذلك فيما بعد بالتفصيل. وسننقل عن التوراة وملحقاتها من إراقة الدماء وذبح الأبرياء: ما يشيب من هوله الولدان، وهو للأسف منسوب إلى الله تعالى، وإلى أنبيائه ورسله، الذين أرسلهم الله ليهدوا خلقه.
هل أتى الإسلام بجديد غير ما في اليهودية والمسيحية؟
ذكر البابا في محاضرته أن الإمبراطور البيزنطي سأل محاوره العالم (أو المتعلم) المسلم: (أخبرني: ما الجديد الذي جاء به محمد غير الأشياء الشرِّيرة وغير الإنسانية، مثل أمره بنشر دينه - الذي يدعو إليه - بحدِّ السيف؟).
ولم يخبرنا البابا في كلمته: ماذا أجاب به هذا العالم (أو المتعلم) الفارسي المسلم؟ فلا شك أنه ردَّ على محاوره، وإلا كان حوارا من جانب واحد!
وقد سكت البابا نفسه عن هذا التساؤل، والسكوت في هذه الحال تسليم وإقرار ومُوافقة على ما تضمنه السؤال القبيح.
يؤكِّد هذا: أن البابا قد اقتبس هذا الكلام على لسان القيصر البيزنطي - وهو مسيحي أرثوذكسي، مخالف لدين البابا، بل هو في نظره كافر - ليستشهد به على الفكرة المخبوءة في رأسه، وهي: أن الجهاد في الإسلام - أو الحرب المقدسة كما يقول - يحمل معنى العنف في التعامل مع الآخرين. وهو ما تخالف فيه النصرانية الإسلام، فهي ترفض العنف بإطلاق، ولا ترى أن تُقابل السيئة بمثلها، ولا توافق مَن يقول: (الشر بالشر يُحسمِ، والبادئ أظلم!) بل يقول إنجيلها: (مَن ضربك على خدك الأيمن فأَدِرْ له خدك الأيسر، ومَن سخَّرك لتسير معه ميلا فسِرْ معه ميلين)[1]!
وإذا لم يردَّ البابا على سؤال القيصر، فنحن نتطوَّع بالردِّ عليه، ونقول له: يا سيادة القيصر أو الإمبراطور، أحسب أنه لا يخفى عليك ماجاء به الإسلام من جديد، في كل المجالات التي اشتملت عليها الرسالة الإسلامية العامة الخالدة الشاملة.
الإيمان والعقل بين النصرانية والإسلام
كانت عَلاقة الإيمان بالعقل، وعَلاقة العقل بالعنف: أهم ما شغل البابا في محاضرته في الجامعة الألمانية، التي كان يدرِّس فيها من قبل.
ويُعلِّق البابا بنديكت على ما نقله عن الإمبراطور البيزنطي الأرثوذكسي في محاوراته للمسلم الفارسي، فيقول:
(الجملة الحاسمة في تلك المحاورة ضدَّ الإكراه على الإيمان هي: (ألا يتصرَّف الإنسان وفقا للعقل هو أمر مخالف لطبيعة الرب). ويلاحظ المُحرِّر ثيودور خوري أنه بالنسبة للإمبراطور البيزنطي المُثقَّف بالفلسفة اليونانية هذه الجملة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها دليل بنفسها. لكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية: الله لا شأن له إطلاقا بالعقل (فوق العقل، يتجاوزه، لا يُقارن به). إرادته لا يحدُّها أي من معاييرنا بما في ذلك المعقولية. وينقل خوري هنا من عالم الإسلاميات الفرنسي أرنالدز: ما ينقله الأخير عن ابن حزم: من أن الله ليس مُلزما حتى بكلماته، وليس هناك ما يُلزمه أن يُوحي بالحقيقة. لو كانت تلك إرادة الله: أن نعبد الأصنام، لفعلنا! (انتهى كلام ابن حزم بحسب النقل الفرنسي عنه)).
وقفات تأملية مع ما نقله البابا
ولنا عدَّة وقفات مع هذه الفقرة، التي اعتمد فيها البابا على عالم اللاهوت الألماني اللبناني الأصل ثيودور خوري.
الوقفة الأولى مع البابا:
الوقفة الأولى مع جملة: (ألا يتصرف الإنسان وفقا للعقل، هو أمر مخالف لطبيعة (جوهر) الرب) ما مدلول هذه الجملة؟ ما معنى (مخالف لطبيعة الرب)؟ لو قال: مخالف لإرادة الرب، أي لما يُحبُّه الرب ويرضاه من خَلقه، أو مُخالف لأمر الرب الذي بلَّغه الأنبياء عنه إلى عباده ... لو قال شيئا من ذلك لكان مفهوما. ولكنه قال: مخالف لطبيعته أو جوهره، وكيف يستطيع المخلوق أن يخالف طبيعة الخالق؟
والعجيب أن خوري الناقل عن الإمبراطور: ذكر أن هذه الجملة لدى الإمبراطور الذي امتزجت تعاليمه النصرانية بالفلسفة اليونانية: لا تحتاج إلى إثبات، لأنها دليل بنفسها!
وقد عرَف المسلمون الفلسفة اليونانية، وتعمَّقوا فيها، وبلغوا فيها مبلغا عظيما، وسيطرت على عقول فئة منهم، هم فئة (الفلاسفة) الذين يطلق عليهم مؤرخو الفلسفة: اسم (المدرسة المشَّائية الإسلامية)[1]، التي تشمل الكِندي والفارابي وابن سينا، ومَن سار في دربهم. وكانت مهمَّتهم الأولى تتلخَّص في التوفيق بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة.
وقد اصطدم المتكلمون والفقهاء بالفلاسفة، ونقدهم حُجَّة الإسلام الغزالي في كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة) وخطَّأهم في سبع عشرة مسألة، وكفَّرهم في ثلاثة. كما نقدهم بعد ذلك ابن تيمية وغيره. ودافع عنهم العلامة ابن رشد في كتابه (تهافت التهافت).
ومن المعروف أن الفلسفة اليونانية، تشتمل على ألوان كثيرة، تتنوَّع وربما تتناقض من الفكر، فهناك الشاكُّون والمُشكِّكون من السوفسطائية ومَن تبعهم، وهناك الجاحدون المادِّيون الذين لا يؤمنون بالألوهية، وهناك الوثنيون الذين يؤمنون بآلهة اليونان المختلفة، وهناك المؤلِّهون، الذين يُثبتون الإله، مثل الفلاسفة الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو.
ولكن تأليه هؤلاء ليس تأليها خالصا كالذي جاءت به الرسالات السماوية، حتى إن أرسطو، يعلم الدارسون أن إلهه لا يُحرِّك في الكون ساكنا، ولا يعلم عنه شيئا، فليس هو عِلَّة فاعلة في الكون، بل عِلَّة غائية، يتحرَّك الكون شوقا إليه. ولذا قال مؤرخ الفلسفة ول ديورانت في كتابه (مباهج الفلسفة): يا لإله أرسطو من إله مسكين! إنه مثل ملك الإنجليز، يملك ولا يحكم، لأنه لا يُدبّر في هذا العالم أمرا. وإله أرسطو لا يعلم شيئا إلا ذاته، وأشدُّ منه في ذلك (أفلوطين) الذي قال: إن الإله لا يعلم شيئا حتى ذاته!!
فيا تُرى ماذا عند الإمبراطور من العناصر الإيجابية التي تُثبت فكرة الألوهية مما اكتسبه من الفلسفة الإغريقية! وقد ذكر البابا في محاضرته بعد ذلك مواقف رجال النصرانية من الفلسفة اليونانية، واختلافهم حولها إلى ثلاث فئات.
الوقفة الثانية مع البابا:
والوقفة الثانية عند قول البابا: نقلا عن خوري: لكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية: الله لا شأن له إطلاقا بالعقل، (فوق العقل، يتجاوزه، لا يقارن به)، مشيئة الله لا يحدُّها أي من معاييرنا بما في ذلك المعقولية!
هل هذا الكلام صحيح؟ الجواب: لا، بل لا صحَّة لهذا الكلام بالمرَّة. فعلم الكلام الإسلامي (الذي يختصُّ بالبحث في العقيدة) سواء عند المعتزلة أم الأشاعرة أم الماتريدية: علم قائم على العقل، والعقل وحده. ولا يُدخلون فيه النقل إلا استئناسا، وخصوصا في باب السمعيات. أما الإلهيات والنبوات فإن الأساس فيها المنطق العقلي، والدليل المُعتمد فيها هو الدليل العقلي.
ومَن قرأ كتب علم الكلام الشهيرة، مثل (المواقف) للإيجي، وشرحها للشريف الجرجاني، و(المقاصد) وشرحها لسعد الدين التفتازاني، و(الطوالع) للبيضاوي: عرَف حقيقة ما نقول.
فدعوى أن (الله) في التعاليم الإسلامية: لا شأن له بالعقل: دعوى مرفوضة. بل ما يرفضه العقل من صفات الله لا يثبت لله سبحانه، حتى لو جاءت به نصوص من القرآن والسنة، لا بدَّ أن تؤول تأويلا يُخرجها عن ظاهرها، حتى تتَّفق مع العقل، وهذا أمر متفق عليه بين المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ومَن وافقهما.
وهذا سرُّ المعركة الدائرة بين السَّلَف والخَلَف فيما يُسمَّى بقضية (آيات الصفات) و(أحاديث الصفات) مما يُثبت لله تعالى ما يُشبِّهه بالمخلوقات مثل الوجه واليدين والقدمين والأصابع والأنامل، والنزول والصعود، ونحوها. مع أن مثل هذه العبارات منتشرة في التوراة، وخصوصا سفر التكوين، وهم يأخذونها على ظاهرها، تشبيها للخالق بخلقه، وهو ما يرفضه العقل المسلم، باتفاق السلف والخلف. ويعتبره كفرا ومُروقا من الدين ولهذا يضلِّل الجميع (المشبِّهة، والمجسِّمة) بل يكفِّرونهم إذا لم يكن لهم تأويل تسيغه اللغة. فالله تعالى في الإسلام: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الاخلاص:4].
والمسلمون يقفون من هذه النصوص مواقف ثلاثة:
السكوت عنها، وتفويض علمها إلى الله تعالى.
إثباتها لله تعالى مع نفي التشبيه والتمثيل، فيقال: لله يد ليست كأيدينا، وعين ليست كأعيننا.
تأويلها على ما تقتضيه اللغة من المجاز والكناية وغيره، فيقال في قوله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}: كناية عن البخل، ونحو ذلك[2].
والقول بأن مشيئة الله في التعاليم الإسلامية، لا يحدُّها شيء، ولا أي معيار من معايرنا، بما في ذلك (المعقولية): قول مرفوض، فمشيئة الله تعالى وقُدرته وعلمه وحياته وسمعه وبصره، وكل صفاته لا يجوز أن تخرج عن حدود العقل.
ولكن أي عقل؟ نحن هنا نعني بالعقل: العقل المنطقي العام، لا العقل المُتحيِّز لثقافة معينة، أو المُتشبِّع بفكرة رسخت فيه عن طريق التقليد، أو عن طريق الظن والتخمين، فهذا ليس هو العقل الذي يحتكم إليه العالم المسلم، بل المراد هنا: العقل الحُر، الذي يبني مسلَّماته على أدلة قطعية، لا يتطرَّق إليها خلل منطقي، أو رِيبة في مُقدماتها. فهذا وحده هو الذي يعتمد عليه في ساحة العقائد، التي ترفض الظن في موضع اليقين، فقد عاب القرآن على المشركين بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [لنجم:28].
وقد صنَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابا نشر في عشرة مجلدات، لبيان قضية جوهرية واحدة، وهي: (درء تعارض العقل والنقل) وقد يذكر أحيانا تحت عنوان:(موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) وبيَّن في هذا الكتاب الكبير العميق: أن العقل المراد ليس هو العقل التابع لفلسفة اليونان، المسلِّم بكل مقولاتها، التي يعتبرها أصلا، وما عداها تبعا؛ بل المقصود العقل المجرَّد من ضغط المواريث والأهواء والتبعية لأفكار الآخرين.
وما قاله ابن تيمية مسلَّم ومقبول لدى علماء الإسلام بصفة عامة، من جميع المذهب والمدارس والاتجاهات.
والذي نقرِّره بوضوح: أن مشيئة الله وإرادته في التعاليم الإسلامية مُقيَّدة بحِكمته سبحانه، فلا تنفصل المشيئة بحال عن الحكمة، فلا يريد الله سبحانه شيئا يُخالف حكمته في خَلقه، أو حكمته في أمره، لأن من أسماء الله تعالى الثابتة له: الحكيم، وقد ورد في القرآن عشرات المرات، فهو حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع، لا يخلق شيئا باطلا، ولا يشرع شيئا عبثا.
ولذلك لا يشاء لخَلقه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم، ولا يشاء شرًّا مُطلقا لهم، بل يشاء من الشرِّ الجزئي ما هو من لوازم الخير. ولذا جاء في مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه: "الخير بين يديك، والشرُّ ليس إليك"[3].
حتى إن طائفة المعتزلة من أوائل المتكلمين المسلمين: قالوا: إن فعل الصلاح والأصلح واجب على الله تعالى.
وأهل السنة لا يجرؤون على أن يقولوا: إن هناك شيئا واجبا على الله. وإن كان مُحقِّقوهم يقولون: إنه لا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لخَلقه، لأنه بَرٌّ كريم، ورحمان رحيم، لا يبخل عن خير لعباده، {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143].
الوقفة الثالثة مع البابا:
والوقفة الثالثة: لمناقشة ما نقله عالم الإسلاميات المستشرق الفرنسي (أرنالدز) عن ابن حزم[4] حيث أنه لم يُفهم حقَّ الفَهم، ولم يُوضع في موضعه الصحيح. فابن حزم يرفض مبدأ (الحسن والقبيح العقليين) الذي تبنَّاه المعتزلة، وينفي أن في الأشياء حُسنا ذاتيا اقتضى الأمر الشرعي بها، كما أن فيها قُبحا ذاتيا اقتضى نهي الشرع عنها. بل الحُسن والقُبح يأتي للأشياء من أمر الشرع بها، ونهيه عنها.
فالحَسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع. ولو أن الشرع جاءنا بعكس ما جاءنا به لكان هو المطلوب منا.
فلو أن الشرع أمرنا بالشرك وعبادة الأوثان، لكان ذلك عند ابن حزم حسنا، ما دام الله تعالى قد أمر به، ولو أنه نهانا عن التوحيد، لكان قبيحا، لأن الله نهانا عنه.
وذلك أن ابن حزم ظاهري النَّزعة، يُنكر التعليل للأحكام، ويرفض إثبات الحكمة لها، ولهذا ينفي القياس في الفقه ولا يُثبته.
ولكن مذهب ابن حزم وفقهه، لا يُوافق عليه جمهرة علماء الأمة الإسلامية، وليس هو الفكر الذي ساد المدارس الإسلامية، ووجَّه الثقافة الإسلامية، بل هو فكر مرفوض من معظم الطوائف الإسلامية.
وممَّن ردَّ على هذا المنطق الأعوج، والفهم الأعرج: شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، فضلا عن المعتزلة وسائر علماء الماتريدية.
حتى الذين يقولون من الأشاعرة: الحَسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع. لا يصلون إلى الحدِّ الذي وصل إليه ابن حزم.
ولن أجد أبلغ ولا أوضح من كلام شيخنا العلاَّمة الدكتور محمد عبد الله دراز في توضيح هذه القضية، إذ قال في كتابه (كلمات في مبادئ علم الأخلاق) وقد درَّسه لنا في تخصص التدريس بالأزهر، وذلك حين قرَّر أن الإسلام يرجع إلى العقل والفِطرة في الحُكم الخُلُقي أو الإلزام الخُلُقي قبل ورود الشرع، وفي أثناء نزول الشرع، وبعد انتهائه. ويُدلِّل على ذلك بالنصوص من القرآن والحديث، ثم يقول متسائلا: (وبعد فما لي أراك ها هنا في شيء من الدهشة والاضطراب، كأنك تخشى أن نكون في هذه القضية قد أقدمنا على أمر خطير؟ لعلك سمعتَ بعض أهل العلم يقولون: إن تحكيم العقول في حُسن الأفعال وقُبحها إنما هو مقالة أهل الاعتزال، وإن أهل السنة لا يرون للأفعال في نفسها حُسنا ولا قُبحا، وإنما الحَسَن ما أمر به الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع!
ألا فاعلم أنه ليس في الدنيا عاقل: أشعري ولا معتزلي ولا غيرهما، يُنكر ما منحه الله للإنسان من مَلَكَة التمييز بين الأفعال، والحُكم عليها بالحُسن أو القُبح، بمعنى أن بعضها يُعدُّ صفة كمال، وبعضها يُعدُّ صفة نقص، أو أن بعضها يقبله الطبع المستقيم، وبعضها يمجُّه الذوق السليم، أو أن بعضها يُمدح فاعله، وبعضها يُذمُّ مرتكبه ... فذلك كلُّه مما لا جدال فيه.
وأما الجدل الذي سمعتَ خبره بين الأشاعرة والمعتزلة كان في شأن آخر: وهو أن هذه الأحكام التي تُصدرها عقولنا، هل نجزم بمطابقتها للواقع وبأنها هي حُكم الله في نفس الأمر؟ وهل نعتقد أن الله كلَّفنا باتباعها، وسيحاسبنا عليها، ويجزينا بها مثوبة أو عقوبة، من قبل أن يُرسل بها رسولا من عنده، أو يُنزل إلينا بها كتابا نقرؤه؟ أم أننا ينبغي لنا ألا نتخذَّ أحكامنا مرآة صادقة لأحكام الله، ولا نجترئ على القول بأنها مقياس أمره ونهيه، إلا أن يبعث إلينا من عنده، من يُقرُّنا عليهما، ويُلزمنا بقضيتهما[5]؟) اهـ.
وهذا ما قرَّره العلاَّمة سعد الدين التفتازاني، المُتكلم الأُصولي البلاغي الشهير في كتابه (شرح المقاصد) أي مقاصد الطالبين في أصول الدين. قال رحمه الله:
(قد اشتهر أن الحُسن والقُبح عندنا شرعيان، وعند المعتزلة عقليان. وليس النزاع في الحُسن والقُبح بمعنى صفة الكمال والنقص، كالعلم والجهل. وبمعنى الملاءمة للغرض وعدمها، كالعدل والظلم. وبالجملة كل ما يستحقُّ المدح أو الذمَّ في نظر العقول، ومجاري العادات، فإن ذلك يُدرك بالعقل، وَرَدَ الشرع أم لا.
وإنما النزاع في الحُسن والقُبح عند الله تعالى، بمعنى استحقاق فاعله - في حُكم الله تعالى - المدح أو الذمَّ عاجلا، والثواب والعقاب آجلا.
ومبنى التعرُّض للثواب والعقاب على أن الكلام في أفعال العباد، فعندنا ذلك بمُجرَّد الشرع، بمعنى أن العقل لا يحكم بأن الفعل حَسَن أو قبيح في حُكم الله تعالى، بل ما ورد الأمر به فهو حَسَن، وما ورد النهي عنه فقبيح، من غير أن يكون للعقل جهة مُحسِّنة أو مُقبِّحة في ذاته، ولا بحسب جهاته واعتباراته. حتى لو أمر بما نهى عنه صار حَسَنا وبالعكس.
وعندهم للفعل جهة مُحسِّنة أو مُقبِّحة في حُكم الله تعالى، يُدركها العقل:
بالضرورة، كحُسن الصدق النافع، وقُبح الكذب الضار.
أو بالنظر، كحُسن الكذب النافع، وقُبح الصدق الضار.
أو بوُرود الشرع، كحُسن صوم يوم عرفة، وقُبح صوم يوم العيد.
فإن قيل فأي فرق بين المذهبين في هذا القسم؟
قلنا: الأمر والنهي عندنا من مُوجبات الحُسن والقُبح، بمعنى أن الفعل أُمر به فحُسن ونُهي عنه فقُبح. وعندهم من مقتضياته، بمعنى أنه حسُن فأُمر به، أو قبُح فنُهى عنه، فالأمر والنهي إذا ورد كشفا عن حُسن وقُبح سابقين حاصلين للفعل لذاته أو لجهاته)[6].
[1]- لأن معلمهم الأول: أرسطو، وهو مؤسس المدرسة المشائية اليونانية، وسمِّيت كذلك، لأنه كان يدرس طلابه وهو يمشي في الحديقة!
[2]- للمزيد راجع ما ذكرناه حول هذا الموضوع في كتابنا: (فصول في العقيدة بين السلف والخلف) طبعة مكتبة وهبة القاهرة.
[3]- جزء من حديث رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (771)، وأحمد في المسند (803)، وأبو داود في الصلاة (744)، والترمذي في الصلاة (266)، والنسائي في الافتتاح (897)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (864)، عن علي، ونصه: "... والخير كله في يديك والشر ليس إليك ...".
ركَّز بابا الفاتيكان في محاضرته على قضية العقل وصلته بالإيمان، أو الإيمان وصلته بالعقل، واعتبر الديانة النصرانية ديانة قائمة على العقل! ولهذا رفضت العنف، بخلاف الإسلام، الذي اعتبر الجهاد فريضة. وهو يرى ذلك أمرا ضدَّ العقل، وهو ينافي (الطبيعة الإلهية)، التي تتنافى مع كل عمل يقوم على استخدام القوة مع الآخرين.
العقل بين القرآن والكتاب المقدس:
هل صحيح أن النصرانية تُعنى في عقائدها برعاية العقل، وترفض كل ما يخالفه؟
وهل صحيح أن الإسلام لا يُعنى بأمر العقل، ولا يبالي أن يناقضه في عقائده؟
الحقيقة: أن الردَّ على هذين السؤالين كليهما بالنفي. بل العكس هو الصحيح، بل الصواب الذي تثبتُهُ كلُّ البراهين من داخل الدينين ونصوصهما ومصادرهما، ومن خلال موقف كل منهما مع العقل والعلم في التاريخ.
مَن يقرأ الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد: فلا يكاد تمرُّ به هذه الكلمات: عقل يعقِل، وتفكَّر يتفكَّر، ونظر ينظُر، وكلمات: البُرهان والحجَّة والبيِّنة، والحِكمة والفقه، والعلم والتدبُّر، والألباب والنُّهي، وأمثالها.
وهذه الكلمات شائعة في القرآن الكريم في سُوره المكيَّة والمدنيَّة، وقد ألَّفتُ كتابا سميتُه: (العقل والعلم في القرآن الكريم)[1]، بيَّنتُ فيه موقف القرآن من العقل والعلم، وهو أمر في غاية الوضوح. وهو ما جعل كاتبا عربيا مدنيا كبيرا مثل الأستاذ عباس العقاد، يؤلِّف كتابا عنوانه: (التفكير فريضة إسلامية).
إن المحقِّقين من علماء الإسلام مثل: الباقلاني والإسفراييني والجُويني والغزالي والرَّازي والآمدي، وغيرهم: جعلوا العقل أساس النقل، ولو انتفى العقل لانهدم النقل. أي انتفى ثبوت الوحي والنبوة، لأن النبوة لم تثبُت إلا بالعقل، إذ يستحيل أن تثبُت بالنقل، وإلا لزم الدور.
ويُعبِّر الإمام الغزالي عن ذلك بأن العقل هو الذي يثبتُ النقل، وبعد ذلك (يعزل العقل نفسه) ليتلقَّى من الوحي الإلهي، قائلا لكلِّ ما يأمره به أو ينهاه عنه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة:285].
ويُقرِّر المحقِّقون من العلماء: أن إيمان المُقلد غير مقبول، ولا يُحقِّق له النجاة عند الله والخلاص في الآخرة، بل يجب أن يؤمن عن طريق الدليل، ولو كان إجماليا، وغير مُرتَّب ترتيبا منطقيا. قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64]، {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام:143]. كما قال صاحب الجوهرة في علم التوحيد:
إذ كلُ مَن قلَّد في التوحيد إيمانُه لم يخلُ من ترديد
وهذا بخلاف الإيمان في النصرانية، فهو قائم على الوُجدان لا على البُرهان، وعلى التسليم لا على التفكير، ولهذا شاع عندهم قولهم: آمن ثم اعلم! اعتقد وأنت أعمى! أغمض عينيك ثم اتبعني!
الإمام محمد عبده يردُّ على فرح أنطون:
وقد ثارت قضية مُشابهة من بعض الوجوه، لقضية البابا في عصر الشيخ الإمام محمد عبده، أثارها الكاتب اللبناني فرح أنطون في (مجلة الجامعة)، التي كان يُصدرها، وزعم فيها أن النصرانية بما فيها من التسامح تتََّسع للعلم والفلسفة بما لا يتَّسع له صدر الإسلام، الذي يجمع بين السُلطتين الرُّوحية والزمنية في صورة قيادة واحدة.
وردَّ عليه الأستاذ الإمام بمقالات علمية فكرية موضوعية موفَّقة، بقلمه البليغ، وبعقله الكبير، وبثقافته الرَّحبة، فأبطل حُجَّته، وأسقط دعواه[2]، وبيَّن بما لا يَدَع مجالا للشك: أن الإسلام بأصوله القطعية هو الذي يتَّسع حقًّا للعلوم والفلسفات، وهو الذي أقام العلم والمدنية، ووسِع الفلسفة، ولم يعرف تاريخه صراعا بين العلم والدين، كما عرَفته أوربا المسيحية. وقد صدر بعد ذلك في كتاب بعنوان: (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) نشرته (المنار) وطبع عدة مرات، بتعليق تلميذه العلامة محمد رشيد رضا.
ولا بأس هنا أن نقتبس بعض ما قاله الشيخ الإمام رحمه الله، وهو يتحدث عن أصول الإسلام، قال:
الأصل الأول للإسلام: النظر العقلي لتحصيل الإيمان:
(فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي. والنظر عنده: هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك معه على سبيل الحُجَّة وقاضاك إلى العقل، ومَن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟
بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحقِّ، ثم لم يصل إليه ومات طالبًا غير واقف عند الظنِّ، فهو ناج. فأي سَعة لا ينظر إليها الحَرج أكمل من هذه السعة؟
الأصل الثاني للإسلام: تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض:
أُسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدِّم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق أهل المِلَّة الإسلامية إلا قليلاً ممَّن لا يُنظَرُ إليه: على أنه إذا تعارض العقل والنقل[3]، أُخِذَ بما دلَّ عليه العقل، وبقي في النقل طريقان:
طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه.
والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة[4]، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، مُهِّدَتْ بين يدي العقل كل سبيل، وأُزِيلَتْ من سبيله جميع العقبات، واتَّسع له المجال إلى غير حدٍّ، فماذا عساه يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟ وأي فضاء يسَع أهل النظر وطلاب العلوم إن لم يسَعهم هذا الفضاء؟ إن لم يكن في هذا مُتَّسع لهم فلا وسعتهم أرض بجبالها ووهادها، ولا سماء بأجرامها وأبعادها!!
أصل ثالث من أصول الأحكام في الإسلام: البعد عن التكفير:
هلاَّ ذهبت من هذين الأصلين إلى ما اشتهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم، وهو: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر.
فهل رأيت تسامحًا مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحُمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟ إذا بلغ به الحمق هذا المبلغ، كان الأجدر به أن يذوق حُكم محكمة التفتيش البابويَّة، ويُؤخذ بيديه ورجليه فيُلقى في النار.
أصل رابع في الإسلام: الاعتبار بسنن الله في الخلق:
يتبع ذلك الأصل الأول في الاعتقاد - وهو أن لا يعول بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل، وأن لا ينظر إلى العجائب والغرائب وخوارق العادات - أصل آخر وضع لتقويم ملكات الأنفس القائمة على طريق الإسلام وإصلاح أعمالها في معاشها ومعادها، ذلك هو أصل: العبرة بسُنة الله فيمَن مضى ومَن حضر من البشر، وفي آثار سيرهم فيهم.
في هذا يُصرِّح الكتاب أن لله في الأُمم والأكوان سُننًا لا تتبدَّل، والسُّنن: الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلى حَسَبِهَا تكون الآثار. وهي التي تسمى شرائع أو نواميس ويُعبَّر عنها بالقوانين، ما لنا ولاختلاف العبارات؟ والذي ينادي به الكُتَّاب، أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وعلى مَن يطلب السعادة في هذا الاجتماع: أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يردَّ إليها أعماله، ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه. فإن غفل عن ذلك غافل، فلا ينتظرنَّ إلا الشقاء، وإن ارتفع إلى الصالحين نسبُه، أو اتصلَّ بالمُقربين سببُه. فمهما بحث الناظر وفكَّر وكشف وقرَّر، أتى لنا بأحكام تلك السُّنن، فهو يجري مع طبيعة الدين، وطبيعة الدين لا تتجافى عنه، ولا تنفر منه، فَلِمَ لا يعظم تسامحها معه؟)[5] اهـ.
وذكر الأستاذ الإمام أصلين آخرين من أصول الإسلام، هما: الأول: نفي السلطة الكهنوتية المتحكمة في ضمائر الناس. والآخر: الجمع بين الدين والدنيا.
[1]- نشر مكتبة وهبة في مصر، ومؤسسة الرسالة في بيروت، وطبع عدة مرات.
[2] - كما ردَّ على رينان في محاضرته في السوربون عن (الإسلام والعلم)، وأن الإسلام لا يشجع الجهود العلمية! الخ. كما ردَّ على المستشرق الفرنسي (هانوتو) بمقالاته الشهيرة. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
[3]- يعني إذا تعارض الدليل العقلي القطعي مع ظاهر النقل غير القطعي الثبوت والدلالة – كما صرَّح به العنوان - يؤخذ بالدليل العقلي القطعي إلخ، وخرج بالقطعي: النظريات العقلية غير القطعية، كأكثر نظريات الفلاسفة والمتكلمين، فهذه لا تُقدَّم على ظاهر النقل الصحيح، وإن لم يكن قطعي الدلالة. (فإن قيل): وما تقولون في تعارض الدليلين القطعيين من العقل والشرع، وأيهما تقدمون؟ ما يقوله علماء الإسلام كافة: إن القطعيين لا يتعارضان، وإن صحيح المنقول في الإسلام موافق دائما لصريح المعقول، ففرض التعارض بينهما باطل.
[4]- خرج بهذا القيد: تأويلات الباطنية وغُلاة الصوفية وأمثالهم، والتأويل طريق الخَلَف، والتفويض طريق السَّلَف، ولكن لا كما قال الأستاذ، بل مذهبهم إمرار النصوص على ظاهرها بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، فنقول: استوى على العرش، لا كاستوائنا، كما أن علمه ليس كعلمنا، وكذا قُدرته إلخ. رشيد رضا. وأقول: التفويض هو مذهب أكثر السلف، والإثبات مع نفي التشبيه هو مذهب كثيرين أيضا، وهو الذي اختاره ابن تيمية.
[5]- الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للإمام محمد عبده صـ51 - 55 طبعة دار المنار الثامنة 1373هـ.
وقبل ذلك تحدَّث الإمام محمد عبده عن أصول النصرانية، وهل تتَّسع للعلم أو تضيق به؟ مُحتكما إلى مصادر النصرانية وأقوال رجالها، فذكر ستة أصول: الخوارق، السلطة الكهنوتية، ترك الدنيا، الإيمان بغير المعقول، الكتب المقدسة تحتوي علوم الدين والدنيا معا، التفريق بين المسيحين وغيرهم حتى الأقربين.
وسنكتفي بالاقتباس من كلام الإمام هنا: ما قاله في الأصلين: الأول والرابع. قال رحمه الله:
الأصل الأول للنصرانية: الخوارق:
(أول أصل قام عليه الدين المسيحي، وأقوى عماد له هو: خوارق العادات. تقرأ الأناجيل فلا تجد للمسيح عليه السلام دليلا على صدقه إلا ما كان يصنع من الخوارق، وعددها في الإناجيل يطول شرحه. ثم إنه جعل ذلك دليلا على صحَّة الدين لمَن يأتي بعده، فجعل لأصحابه ذلك كما تراه في الإصحاح العاشر من إنجيل متَّى وغيره، إذا تتبعت جميع ما قال الأولون من أهل هذا الدين تجد خوارق العادات من أظهر الآيات، على صحة الاعتقادات، ولا يخفى أن خارق العادة هو الأمر الذي يصدر مخالفا لشرائع الكون ونواميسه، فإذا ساغ أن يكون ذلك لكل من علا كعبه في الدين لم يبق عند صاحب الدين ناموس يُعرف له حكم مخصوص.
زاد الإنجيل على هذا أن الإيمان ولو كان مثل حبة خردل كاف في خرق نواميس الكون، كما قال في الإصحاح السابع عشر من متَّى (10): (فالحق أقول لكم: لو كان لكم إيمان مثل حبَّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير مُمكن لديكم)، وفي الحادي عشر من مُرقص (23): (لأني الحق أقول لكم: إن مَن قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر. ولا يشكُّ في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له (24) لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم).
فكل بحث يُؤدِّي إلى أن للكون شرائع ثابتة وأن للعلل أو الشرائط أو الأسباب أو الموانع أحكاما في معلولاتها أو ما شرطت فيه أو ما تسبَّب عنها، أو ما استحال وجوده لوجودها كان مُضادًّا لهذا الأصل في أي زمن. وقد كان كل علم من علوم الأكوان لا بدَّ فيه من هذا البحث، فكل علم مُضادٌّ لهذا الأصل، ثم إن صاحب الاعتقاد بهذا الأصل لا يحتاج إلى البحث في الأسباب والمُسببات، لأن اعتقاده في الشيء أن يكون وإرادته لأن يكون كافيان في حصوله، فهو في غنى عن العلم، والعلم عدو لما يعتقد. فما أصعب احتماله إذا جاء يزاحمه في سلطانه.
الأصل الرابع للنصرانية: سلطة الرؤساء الدينيين:
وبعد هذا الأصل أصل آخر، وهو: السلطة الدينية التي مُنحت للرؤساء على المرءوسين في عقائدهم، وما تُكنُّه ضمائرهم. وقد أحكم هذه السلطة ما ورد (16:19) من إنجيل متَّى: (أُعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه في الأرض يكون مربوطا في السموات، وكل ما تحلُّه على الأرض يكون محلولا في السموات)، وفي (18:18) منه: (الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلُّونه على الأرض يكون محلولا في السماء).
فإذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص: إنه ليس بمسيحي صار كذلك. وإذا قال: إنه مسيحي فاز بها. فليس المُعتقد حُرًّا في اعتقاده، يتصرَّف في معارفه كما يُرشد عقله، بل عينا قلبه مشدودة بشفتي رئيسه. فإذا اهتزت نفسه إلى بحث وقفها القابض على تلك السلطة. وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم، فقد جرت عليه النصرانية خمسة عشر قرنا طوالا)[1] اهـ.
أثر الأصول المسيحية في الحياة العلمية والفكرية:
ولم يكتفِ الإمام محمد عبده ببيان الأصول النظرية لكل من الدينين: الإسلام والنصرانية، بل ذكر ما أنتجته هذه الأصول في الواقع التاريخي، مُستشهدا بالوقائع الثابتة والمعروفة من تاريخ الديانتين، وتاريخ الأُمتين: الإسلامية والمسيحية، وخصوصا تاريخ أوربة، التي بلغت اليوم من الرُّقي العلمي ما بلغت، ويحاول بعضهم أن ينسب هذا إلى المسيحية.
هذا وكل الدارسين المُحققين يعلمون: أن المسيحية وتعاليمها المثالية في واد، والحضارة الأوربية أو الغربية في واد آخر، وشتَّان ما بينهما.
ولهذا قلت في بعض ما كتبت: إنها ليست حضارة المسيح ابن مريم، وإنما هي حضارة المسيح الدجال.
وأحيل القارئ الكريم إلى (الملاحق) في آخر الكتاب، ليقرأ عن (مقاومة النصرانية للعلم في التاريخ[2].
îن îëéىهْ نçمùهْ?