إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

الحقيقة الصارخة

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #31

    المطلب الرابع

    من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة

    مبدأ العدل

    مقدمة:
    عندما تختفي أنوار العدل عن البشر، يغشاهم الهرج والمرج، ويتفشى الظلم بينهم بشكلٍ فظيع، حيث تجد القويّ يفتك بالضعيف، والقادر يسلب حق العاجز، والغالب يُريق دم المغلوب، والراعي يهضم حق المرعى، والكبير يقهر الصّغير، ولا يخرجهم من هذا الوضع المشين، إلاّ "العدل" سعادتهم، وقاعدة أمنهم واستقرارهم.
    فما هو العدل وما أنواعه، وما ثمرته، وكيف طبقّه المسلمون في حياتهم ؟؟ أسئلة وتساؤلات تأتي الإجابة عنها في الفقرات الآتية:
    أولاً: مفهوم العدل:
    المراد بالعدل: إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، من غير تفرقة بين المستحقين.. ولأهمية العدل ومنزلته، بعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه، لنشره بين الأنام، قال تعالى:
    {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.
    والقسط :العدل،وهو قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح العباد والبلاد، به قامت السموات والأرض، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس ، وارتفع به التقاطع والتخالف.
    وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانبته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه ، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار.
    ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق.
    إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضاً بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق ، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير ، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران.
    ثانياً: أنواع العدل:
    يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة ، منها:
    أ ـ تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه : والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
    1. عدل في الدنيا: وهو يشمل الحياة البشرية كلها ، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.و معلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم، ومنع ضرره، ولولاهم، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار.
    وفي قصة ابني آدم عليه السلام وهما قابيل وهابيل التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض، ويؤكد على ضرورة العدل، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار.
    2.عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل، الذي يرد عليه ظلمه، ويؤاخذه بذنبه، كما أن من التزم العدل في الدنيا، يتشوق إلى الأجر العظيم، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك، يقول الله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }الأنبياء47 .
    وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات ولا في الأرض.
    والعدل يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8 والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع نفسه وغيره، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل، ليس له حدود، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن، فمن كان له حق لآخر، فلا يظلمه، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب، أو الوطن، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.
    ب ـ تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان: والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
    عدل فردي : وهو ما كان مظهراً للتوازن النفسي لدى الفرد، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث ـ العقل والغضب والشهوة ـ أمر راجع إلى الإنسان نفسه، إما لذاته، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه ، بأن يعدل في جسده وروحه ، وعقله وفكره، وأخذه وعطائه، وعمله ونشاطه ، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة.
    عدل جماعي: وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات.
    مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه، وفي حكمه وقضائه، وشهادته وأمانته، ومنعه وعطائه، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره.
    فالحاكم الأعلى أو الرّئيس ـ وهو إنسان فرد ـ يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة.
    والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين، بإعطاء كل ذي حق حقه، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه.
    والزوج كذلك عليه أن يعامل زوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع ، من النفقة والسكن، والمبيت والركوب، والطعام واللباس ونحوه.
    والأب مطالب بالعدل بين أبنائه، في التربية والتعليم، والصحة، والمنع والعطاء، وألاّ يفضل أحداً على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58 ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3 .
    ثالثاً:ثمرة العدل:
    إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة، نذكر منها ما يلي:
    أ ـ العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران و اتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالاطمئنان والثقة بين الناس،وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره ، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش ، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعرـ أي تفرق ـ الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة] أ.?.
    ب ـ أنه بغير العدل ، يتحيّن الناس الفرصة، للثورة على الحكومة الظالمة، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ،وكره من أساء إليها ، وليس هناك إساءة أشد من الظلم ، وأفدح من الجور، ولذلك تقوم الثورات كل حين، وتزداد الانتفاضات هنا وهناك ، لتقويض كابوس الظلم، ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا ،والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييز العنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها ، فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها.
    رابعاً:تطبيقات العدل في الإسلام:
    طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره ، بدءاً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الذي حكى عنه القرآن قوله:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110 فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريراً لأخذ حقوقهم من غير وجه حق، بل كان نموذجاً رائعاً في إقامة العدل، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله.
    خامساً: معالجة القانونيين المعاصرين لنظرية العدالة في الإسلام
    يفجع القارئ عندما يطالع ما كتبه رجال القانون المعاصرون عن العدالة الإسلامية كأصل من أصول القانون وما يعلمونه لأبنائنا في كليات الحقوق عنها..
    فهؤلاء العلماء يحسنون الكتابة عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني وحتى في القانون البريطاني رغم أنه ليس في هذه كلها "تنظير" للعدل أو إقامة للحكم ـ أو حتى القضاء عليه ـ ولكنهم عندما جوبهوا بالعدالة في الشريعة الإسلامية ولديهم شواهد القرآن وسوابق الخلافة.. أبلسوا أو قل أفلسوا وجاؤا بشيء يصور هذا الإفلاس.. فهم يضعون (الرأي) مقابلا (للعدالة).. في حين أن هذا شيء والعدالة شيء آخر تماما..
    وتتطلب معرفة أسباب ذلك كاتبا محققا يتفرغ لاستجلاء هذه النقطة، ولعلنا نسهم في هذا الشيء، ففي كتاب صدر في الثلاثينات باسم " فن القضاء" تولى ترجمته وعلق عليه الأستاذ محمد رشدي المستشار السابق بمحكمة استئناف مصر الأهلية نجد أول إشارة إلى (الرأي) كمقابل (للعدالة) عندما كان المؤلف يحاول أن يجد المقابل لها في الشريعة الإسلامية وخلال محاورة له مع زميل يبدأها بأن قال:
    أن للعدالة في القوانين الوضعية مصدرين وأن لعدالة كل مصدر اسما خاصا.
    المصدر الأول: القوانين والعدالة المستمدة منها يسمونه (justice)..
    والعدالة الأخرى: مصدرها القاضي نفسه ويسمونها (équité)..
    وقال إنه ليس هناك تسمية مقابلة لها في الشريعة الإسلامية فرد عليه زميله وقال :( قرأت في كتاب المبسوط للسرخسي في الجزء السادس عشر صفحة 169 أنه ذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت: بما في كتاب الله قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا لم تجد في كتاب الله قلت: أقضي بما يقضي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قلت أجتهد رأيي.
    فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)..
    ثم قال فلماذا لا يسمون كلمة (équité) اجتهاد الرأي.. واجتهاد الرأي يشترك فيه عقل القاضي وقلبه وإحساسه وضميره وفهمه وعلمه وتجاربه.
    فقلت وأنا كذلك قرأت في كتاب ضحى السلام في الجزء الأول صفحة 290 للأستاذ أحمد بك أمين تأييدا لهذا الرأي فقال: (وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة والمتتبع لما روي عن العصر الأول في (الرأي) يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم بما في الأمر من عدل وظلم وفسره ابن القيم "بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب".
    فقال محدثي : لقد اتفقنا هنا أيضا على أن نقول عن كلمة (équité) اجتهاد الرأي.
    قلت: وعلى هذا ماذا على وزير العدل لو سأل أحد قضاته بم تحكم ؟ فقال أحكم بالنصوص التشريعية.
    فقال فإن لم تجد.
    قال: اجتهد رأيي (équité)..
    ويا حبذا لو عدَّلت الوزارة نص المادة الثانية من مشروع تعديل القانون المدني التي نصها:
    ( فإذا لم يوجد نص تشريعي يحكم تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة équité)..فاستبدلت كلمة (قواعد العدالة) بكلمة (اجتهاد الرأي).
    ولعل هذا هو النص الأول لوضع كلمة (الرأي) أو (اجتهاد الرأي) في مقابل (العدالة) إذ أننا نجد المراجع التي تقدم لطلبة كليات الحقوق تذهب هذا المذهب فبعد أن تتحدث عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني تنتقل إلى الشريعة الإسلامية فتشير إشارة خاطفة إلى مَصْدَري التشريع القرآن والسنة ثم تنتقل إلى (الرأي) وهو عندها القياس في بعض الحالات والإجماع في حالات أخرى وتستطرد إلى المعتزلة وقد تعني بقضية (التحسين والتقبيح) على بعدها شيئا ما عن قضية العدالة المباشرة التي تصدى المعتزلة لها بشجاعة ووصلت فيها إلى مدى إلزام الله تعالى بها وينتقلون من هذا إلى (المصالح المرسلة) أو (الاستحسان) أو غيره من وسائل ابتغاء المصالح والمقاصد في الفقه الإسلامي.
    وعذر هؤلاء أنهم كفقهاء لم يجدوا من مصادر الشريعة الإسلامية كما وضعها السلف العدل. وإنما وجدوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولما كان لابد لهم أن يجدوا مجالاً للعدالة في الشريعة الإسلامية حتى تكون على قدم المساواة مع الإغريق والرومان فإنهم اعتبروا أن (الرأي) يحل هذا الإشكال وهي معالجة سقيمة ولكنها مألوفة في الكتابات الأكاديمية فقد أصبحت الجامعات قلاعا لحماية وإذاعة المذاهب المقررة وليس للتجديد والإبداع أو البحث عن الحقيقة ومن ثم فلم يجد رجال القانون أن واجبهم أن يستخرجوا من القرآن والحديث مبادئ العدالة التي كانت وراء كل تشريع أو في أصله وجوهره.

    ونعتقد أن هذه الطريقة في معالجة العدل في الشريعة الإسلامية لم تعد كافية أو مقنعة. ولا هي تتفق مع اهتمام الشريعة الإسلامية بالعدل. إن لم نقل قيامها على العدل ولا هي مما يتناسب مع الخدمة المطلوبة لقضية العدل. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن رجال القانون لدينا يهربون من القضية بهذه الصورة من المعالجة لأن عرض القضية بهذه الصورة أمر مخجل.. ولا يجوز.

    هنـــــــــــــا

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #32

      الخطوط العريضة لنظرية العدل في الإسلام


      1ـ يشغل العدل في الإسلام منزلة الصدارة بحكم الطبيعة التعددية للإسلام التي يكون العدل فيها هو واسطة العقد. وقد ترادفت وتعددت الآيات التي تأمر به وتجعله معيار الإيمان ومقياس الثواب وتندد بالظلم بحيث لابد وأن يتكون فيمن يقرأ القرآن "حاسة" بالعدل.
      أعاد القرآن الكريم العدل إلى الله تعالى وجعله اسما من أسمائه وربط بينه وبين الحق – الذي هو أيضا اسم من أسمائه بحيث توجد بينهما علاقة تكاملية يكون الحق هو العدل مجردا والعدل هو الحق مطبقا وقد يكون الحق أوسع نطاقا، ولكن العدل حاكم على تطبيق الحق لأنه الحق مطبقا ولأن كافة الحقوق في الإسلام مضبوطة بحسن التطبيق – أي بالعدل – فإساءة استخدام فرد ما لحقه يهدر تصرفه ويخضعه لمقتضيات العدالة وليس هناك من حق طلق والحق المطلق هو الله تعالى.
      3ـ إن انبثاق العدل من الله تعالى والربط بينه وبين الحق يعطي العدل قداسة وأصالة تحول دون إغفاله أو إهماله أو تسخيره وكقاعدة عامة، ففي الإسلام الحق لا يخسر والباطل لا يكسب.
      4ـ تنتفي عن العدل الإسلامي بحكم انبثاقه عن الله تعالى النسبية، وإنما تكون النسبية في فهمه، وتكييفه و"الارتفاقات" للوصول إلى تحقيقه، فمثلا من العدل المساواة في الحقوق والواجبات، ولكن ليس من العدل المساواة ما بين من يعمل ومن لا يعمل وعندما تتعدد الاحتياجات كما هو الحال في العصر الحديث، فإن العدل يوجب ضرورة وفاء أجر العامل بهذه الاحتياجات، التي لم تكن موجودة قبلا ولم يكن بالتالي مجال للمطالبة بها وفي سبيل تحقيق العدل يجب التثبت تماما من الوقائع واستبعاد الحكم دونها ولكن إذا تثبت فيصبح التراخي في تطبيق ما يوجبه العدل ـ من عقوبة أو مكافأة ـ نوعا من الظلم.
      5ـ العدل هو أكبر مصدر للشريعة وقواعد الشريعة لأنه:
      أ. هو المعيار المهيئ للفصل بين الناس.
      ب . إيجاب القرآن للحكم به كمقياس وميزان.
      1ـ تحدد مفردات ومضمون ومفهوم العدل من الآيات القرآنية والأحاديث الثابتة التي لا تجافي هذه الآيات، وقد يضاف إليها استئناسا بعض سياسات الخلفاء الراشدين.
      وباستقصاء هذه الآيات والأحاديث يمكن استخلاص المقومات الآتية للعدل الإسلامي.
      (أ) لا تزر وازرة أخرى فلا يحاسب أو يكافأ شخص على ذنب أو فضيلة آخر وتنبني على هذا شخصية العقوبة والمكافأة.
      (ب) ليس للإنسان إلا ما سعى، فالعمل هو سبيل الاكتساب وقد يستثني الميراث والوصية وقد كان من مقتضيات ذلك تحريم الربا لأنه كسب دون عمل.
      (ج) لابد من التوازن ما بين العمل وثمرة هذا العمل ثوابا أو عقابا بحكم منطق الميزان وأن الغرم بالغنم وهذا هو الأساس في تقدير الثواب والعقاب كما في القصاص مثلا.
      (د) يطبق العدل على الجميع فلا يفلت أي واحد منه بحكم المنصب أو الجاه أو النسب "لو أن فاطمة بينت محمد سرقت لقطع محمد يدها".
      يضم إطار العدل الإسلامي كافة ما يصدر عن الفرد من أعمال ويعرض الإسلام الوسائل التي تحقق العدل في كل مجال.
      ففي المجال الاقتصادي تحريم الربا والاستغلال والاكتناز وإيجاب الزكاة والإنفاق والتكافل .
      وفي المجال السياسي إيجاب الشورى وتحريم الطغيان والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات.
      وفي المجال القضائي درأ الحدود بالشبهات وتعافيها بين الناس والنهي عن التجسس واستبعاد أي صور من الإكراه لأخذ اعترف من المتهم وفي الوقت نفسه الأخذ بإنكاره وتطبيق.
      وفي المجال الخاص عندما يظلم أحد الناس نفسه بارتكاب آثام أو ذنوب لا تطولها العقوبة، فإن الوسيلة هي التوبة والمقاصة. "إن الحسنات يذهبن السيئات".
      أعتقد أننا أثبتنا فيما قدمناه لنظرية العدل في الإسلام بعض المبادئ التي لا نرى خلافا عليها..
      1ـمن هذه المبادئ أن لإشارات إلى العدل والالتزام به وما يتبعها من نهي عن الظلم وصلت من كثرة العدد وإحكام الصياغة درجة غرسته عميقا في كافة مجالات الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا وكان عهد الرسول في المدينة وفترة الخلافة الراشدة أفضل مما صوره أفلاطون في جمهوريته تحقيقا للعدالة، وقلما يظهر في تاريخ البشرية ما يماثله.
      2ـإن القرآن الكريم اعتبر العدل تطبيقا للحق ونسب الحق إلى الله نفسه وقرر القرآن أن إقامة السموات أو الأرض وإنزال الرسل والأنبياء وما جاءوا به من الكتب إنما كان بالحق وللحق وبذلك أضفى عليه قداسة وأصالة يصبح من الصعب معها التلاعب به وتحول دون أن تذهب به النسبية المزعومة. وظهر هذا واضحا خلال الآيات التي استشهد بها وهي قليل من كثير لم يتيسر نقله. كما يثبته الكثير من التفاصيل العملية لمضمون العدل من الممارسات النبوية. وأنه نتيجة لذلك فإن العدل أصبح واسطة عقد المجتمع أيام الرسول والخلفاء الراشدين.
      مع هذا كله فقد شاهدت الأعوام التي تلت الأربعين عاما الذهبية التي تمثل حكم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلافة الراشدة تدهوراً خطيراً للعدل، وإهمالا له من مجالات الحياة.
      في المجال السياسي انتفت الشورى والبيعة أو أصبحتا شكليتين، وفي المجال الاقتصادي أهمل جباية الزكاة وصرفها إلى مستحقيها وأستأثر الحكام بالمال، وأثقلوا الناس بالضرائب والمكوس والمصادرات وأكل الأموال بالباطل، وفي الناحية الاجتماعية انحطت المرأة وفقدت حريتها وما أعطاها الإسلام من حقوق وعادت الحمية الجاهلية القديمة التي ندد بها الإسلام وحذر منها الخ. وسادت الأمية والخرافات وتخلفت الزراعة والصناعة وانحطت مستويات الحياة.
      3ـإن المفارقة المأساوية التي تحز في النفس هي : كيف يمكن لأمة لديها هذا التأصيل المحكم للعدالة والتركيز عليها في كتبها المقدسة ثم يكاد العدل أن ينتفي منها ويسود الظلم والجور.. هل نقول إننا وضعنا رأسمالنا كله في القرآن وأن هذا القرآن قد نبذناه جانباً وجعلناه ظهريا..
      هل نقول أن السعة التي تطور بها المجتمع الإسلامي وما جاءت به الفتوح من تغييرات جسيمة في بنية هذا المجتمع حالت دون تأصل القيم الإسلامية فيه..؟
      إن ما حدث في المجتمع الأوروبي هو نقيض ما حدث في المجتمع الإسلامي. فلا تملك أوروبا نظرية للعدالة ولا يمثل العدل قيمة حاكمة في حضارتها. ولا نجد في كتبها كلها عشر معشار ما نجده عن العدل في القرآن. والقيمة التي آمنت بها أوروبا ومارستها هي الحرية وهذه الحرية هي التي مكنت الملوك من حكم الجماهير والبابوات من التلاعب في روح المسيحية، ولكنها – أي الحرية – هي نفسها التي مكنت العمال من تكوين النقابات والكتاب من الدعوة الإنسانية وهي التي مكنت الفئات التي وقع عليها ظلم الحكام والأثرياء من العمل والتكتل.. لنيل العدالة في النهاية.
      4ـقد يظن البعض أن الإسلام لم يعن بالحرية إلى الدرجة الواجبة ومن هنا أوتى الإسلام. ولكن الحقيقة أن القرآن قرر أثمن وأهم حرية وهي حرية الفكر بصراحة ليس هناك ما يدانيها.( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وفي حديثنا عن "نظرية الحرية في الإسلام" قلنا : إن القيم الإسلامية تنبثق عن الحق ولكن هناك قيمة واحدة لا يمكن ربطها بالحق نفسه هي حرية الاعتقاد وإن هذا لا يعود إلى تعارض ما بين الحرية والحق ولكنه يعود إلى أن حرية الاعتقاد هي سبيل الاهتداء إلى الحق ومن ثم لا يكون للحق وصاية عليها أو مصادرة لها.
      5ـ وهذا الدفع يدرأ عن الإسلام تهمة عدم التقدير للحرية أما ما عدا حرية الفكر من حريات فقد أقامها الإسلام على العجل وهو وضع لا يمكن نقده لأن إطلاق حرية الاعتقاد مع إقامة الحريات العملية على العدل توجد توازنا في المجتمع وتحول دون تكرار مأساة سوء استخدام الحرية.
      وهكذا نجد أنفسنا دون إجابة عن المفارقة المأساوية : أن توجد هذه القيم الثمينة كلها في الإسلام ومع هذا يتدهور المجتمع الإسلامي ويسود فيه التخلف والظلم والاستغلال.
      6ـإن حل هذه المفارقة هو أن هذا المجتمع ليس إسلاميا حتى وإن كان يضم مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إن المجتمع كمجتمع إسلامي يفترض أن يقوم على المبادئ التي أقام الإسلام عليها المجتمع وأولها : الحرية في الاعتقاد والعدل في العمل. فإذا لم يتحقق هذا فليس هناك داع للقول بأنه مجتمع إسلامي. إنه مجتمع غير إسلامي يضم أفرادا مسلمين.وقد نستخلص من هذه الواقعة وما سبقها، أي أن المجتمع الأوروبي يحقق الأهداف الإسلامية دون أن يدري ودون أن يدّعي الإسلام وأن مجتمعنا نبذ الأهداف الإسلامية في الوقت الذي يتمسح بالإسلام، أن نقول إن المجتمع الأوروبي قد يكون أقرب إلى الإسلام من المجتمع العربي اليوم حتى وإن كان المجتمع الأوروبي يتوصل إلى العدالة عن طريق حرية الكفاح وليس عن طريق أصولية العدالة وهي إحدى الاختلافات ما بين الإسلام والحضارة الأوروبية.
      ويمكن أن نسير مع هذه الواقعة إلى نهايتها فنقول:
      إن المتجمع الأوروبي هو في الواقع تطبيق للأهداف الإسلامية، وأن انخذال المجتمعات العربية عنها هو في الواقع رفض لها. وأن الإسلام قد يعيش في أرض لا تحمل اسمه بل وترفع لواء الصليب أكثر مما يعيش في بلاد ترفع لواء الهلال. فليس المهم الشعارات والمظاهر ولكن العمل والتطبيق.إن إهمال إعمال العدل هو الذي سمح بوجود هذه المفارقة المأساوية، وإعمال العدل هو ـ وحده ـ الذي يخلصنا منها ويعيد إلى مجتمعنا إسلامه.

      هنـــــــــــــا

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #33


        المطلب الخامس

        من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة

        مبدأ السيادة العليا Sovereignty

        ونظرية تقييد سلطة الحاكم

        الفرع الأول

        مسألة السيادة المدنية للشعب المسلم على دولته

        جاء في الموسوعة السياسية في تعريف كلمة "السيادة" Sovereignty أنّها السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة، وهي ميزة الدولة الأساسيّة الملازمة لها والتي تتميّز بها عن كلّ ما عداها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم، ومركز إصدار القوانين والتشريعات، والجهة الوحيدة المخوّلة بمهمّة حفظ النظام والأمن، وبالتالي المحتكرة الشرعيّة الوحيدة لوسائل القوّة ولِحقّ استخدامها لتطبيق القانون .
        وعلى الرغم من دخن العلاقة بين مسألتي السيادة, والسلطة، وعدم وضوح الفرق بينهما فلعلّه أن يكون من أفضل ما وجدت في هذا الباب ما ذكره الدكتور عصمت سيف الدولة، حيث يقول: "قد يعبر عن موضوع السيادة في بعض كتب فقه القانون بكلمة السلطة, قال: وهو تعبير غير دقيق؛ إذ السلطة هي استعمال السيادة وليست السيادة ذاتها، مثلها مثل حقّ الانتفاع, الذي هو حقّ استعمال لحقّ الملكيّة، وليس الملكيّة ذاتها.
        والفارق بينهما: أنّ السيادة لا تنتقل ولكنّ السلطة تنتقل. فبينما تبقى السيادة لصيقة بالشعب لا تفارقه، ولا تنتقل إلى غيره، قد يعهد الشعب بممارستها إلى من ينوب عنه فتصبح ممارستها "سلطة".
        والسيادة ـ بنظرنا ـ مسألة بدهيَّة تابعة في بداهتها لبداهة فكرتي الاجتماع السياسي والدولة وهي تمثل لب الشأن السياسي لأية جماعة فهي مما يلزم عن حتمية التشخيص والترميز الضروريَّيْن لتسيير حياة وتنظيم علاقات الجماعة، وبواسطتها تتشخّص الحكومة في صورة الشخص الاعتباري للمجموع وتضطلع بتنظيم علاقات الجماعة بالفرد، وعلاقات الدولة بغيرها من الجماعات المختلفة حولها، وبواسطة فكرة السيادة هذه تعتبر الدولة بمثابة "فرد" حر له شخصيته القانونية والدينية والمالية...الخ. وعلى هذه الحالة تتأسس أحكام ما يعرف بالقانون الدولي الذي تعتبر الدولة فيه بمثابة واحد من الجماعة الدولية.
        وقد أثيرت مشكلة السيادة في مقدمة ما أثير من المشاكل في أثناء محاولات التأصيل لعلوم الفقه السياسي المسلم في العصر الحديث.
        خصوصاً تلك المشكلة النظريّة التي تتعلّق بتحديد صاحب السيادة العمليّة على الدولة، ومع أنّها قضيّة مفصّلة من ذاتها وواضحة فقد أكثر الناس من القول فيها، وقد انحصر الكلام فيها بين رأيين: رأي يقول أصحابه أن صاحب السيادة هو الله. ورأي يرى أنَّ صاحبة السيادة هي الأمة.
        أما القائلون بسيادة الأمّة فكثير من العلماء المحدَثين، منهم الأستاذ المفتي: محمد بخيت المطيعي حيث يقول في كتابه "حقيقة الإسلام وأصول الحكم": إنّ كتب الكلام كلّها مطبقة على أنّ نصب الخليفة والإمام إنّما يكون بمبايعة أهل الحلّ والعقد، وأنّ الإمام إنّما هو وكيل الأمّة، وأنّهم هم الذين يولّونه ملك السلطة وأنّهم يملكون خلعه وعزله، وشرطوا لذلك شروطاً أخذوها من الأحاديث الصحيحة، وليس لهم مذهب سوى هذا المذهب.. أنّ مصدر قوّة الخليفة هو الأمّة، وأنّه إنّما يستمدّ سلطاته منها، وأنّ المسلمين هم أوّل أمّة قالت بأنّ الأمّة هي مصدر السلطات كلّها" [يراجع: محمد بخيت المطيعي، المفتي، حقيقة الإسلام وأصول الحكم، المطبعة السلفيّة، القاهرة (1344ﻫ) ص30.] .
        وإلى مثل ذلك ذهب السيد محمد رشيد رضا[محمد رشيد رضا، الخلافة، ص32.
        ] والأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف [عبد الوهاب خلاف، أصول الفقه، ص68.] كما ذهب إلى القول به الأستاذ عبّاس محمود العقّاد في كتابه "الديمقراطيّة في الإسلام[عبّاس محمود العقّاد، الديمقراطيّة في الإسلام، ص65.] وإلى اعتبار الحكم من المصالح العامّة التي تفوّض إلى نظر الأمّة ذهب الشيخ أحمد أبو الفتح في كتابه "المختارات الفتحيّة في تاريخ التشريع، وفي أصول الفقه".
        يقول د. عبد الحميد متولّي: "ودليلهم على ذلك كون الشورى هي دعامة الحكم في الإسلام، وأنّ ولاية الأمر إنما هي مسئولية، وأنّ استمداد الرئاسة العليا إنما يكون من البيعة العامة. كما يستدلون بحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة وبالأمر بطاعة أولى الأمر["{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}" (59) سورة النساء.] وهم –عندهم- جماعة العقد والحل، الذين هم ممثلو الأمة: وهم "الأمراء" (أي الولاة) والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة, فكون هؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا كل ذلك دليل على أنّ السيادة حق مكفول للأمة[يراجع: عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم، ص169. ]
        وقد تزعم الرأي الثاني القائل بنسبة السيادة لله وحده، العلامةُ أبو الأعلى المودودي (رحمه الله) وفحواه أنّ السيادة والحاكمية والتشريع في الدولة الإسلاميّة إنّما هي حق لله تعالى وحده، وأنّ الحكومة الإسلامية لا يمكن أن تكون ديمقراطية بالمعنى الغربي باعتبار أنّها (أي الديمقراطيّة) بهذا المعنى تدعوا إلى توسيد السيادة المطلقة للشعب على مقرراته التشريعية والسياسيّة على السواء، وهو يرى أنّها بذا تكون بعيدةً عن الفكر السياسي الإسلامي. كما أنها (الحكومة الإسلامية) غير ثيوقراطية بذات المعنى الغربي، الذي تتحكم فيه طائفة من السدنة برقاب النّاس دون وازع من دين صحيح أو حتى من خلق، وهو يرى أنّ الحكومة الإسلاميّة ذات طابع ثيوقراطيّ من جانب، وديمقراطيّ من جانب آخر، لكن كلا النوعين من طراز خاص[ينظر: أبو الأعلى المودودي، نظريّة الإسلام السياسيّة، ص32 وما بعدها.] ومع أنّ الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهور نظرية السيادة بوجه عام ونظرية أو مبدأ سيادة الأمة بوجه خاص ظروف خاصة بالمجتمع الغربي، الذي مثلت النظرية السيادية فيه حلقةً من حلقات الكفاح الملكي من أجل مواجهة نفوذ كل من البابا والإمبراطور.
        وقد كان هؤلاء الملوك حين كانوا يدّعون- قبل عصر الثورة الفرنسية- أنهم أصحاب السيادة كانوا يقيمون هذا الحق على أساس نظرية الحق أو التفويض "الإلهي" التي يقصد بها أن الملوك إنما استمدوا الحق في تلك السيادة (أو السلطة) من الله.
        فيما لجأ فلاسفة الثورة الفرنسية ورجالها حين أرادوا مواجهة هؤلاء الملوك إلى ذات المبدأ لكن ليس من جهة كون الله تعالى خص به الملوك وإنما من باب أنّه تعالى فيما احتفظ لنفسه بالسيادة العامة خص الشعوب بسيادة خاصة تقرر بها مصائرها فيما عرف بنظرية "سيادة الأمة" والتي استخدمت كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الملوك، وضد نظرية الحق الإلهي التي يستندون إليها.
        فقد استخدم مبدأ السيادة إذن كأحد معاول الهدم الرئيسة لمواجهة سلطة البابا الشمولية بحق الملوك الزمنيين، ثمّ أعيد طرحه ليكون مِعْول هدم لهذه الملكيات باعتبار أنّ التفويض الإلهي إنّما هو للأمة، وليس للملوك، وهو ما تأسست عليه الديمقراطيّات الحديثة.
        والحقيقة أنّه لا يصعب على الباحث أن يلحظ اتفاقاً بين الدّاعين إلى نظريّة السيادة[يراجع: عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم، ص183. عبد الهادي عباس، السيادة، ص15، وما بعدها. فتحي أحمد عبد الكريم، السيادة، ص165، وما بعدها.] سواء أكانت دعواهم لأجل توسيد السلطة المطلقة للكنيسة وللبابا، أو لإثبات حقّ للملوك أمام البابا والإمبراطور، أو حتّى لردّ هذا الحقّ، وصرفه عن الملوك إلى الأمّة، لا يصعب على الباحث أن يلحظ أنّ المسألة برمّتها لا تخرج عن حدود التفويض من صاحب السيادة الأصيل إلى آخرين، وأنّ النظريّة من مبدئها محكومة بأنّ الله تعالى هو السيّد المطلق.
        وهذا في الحقيقة يهدم أصل الحديث عندنا في المسألة من الأساس فإذا أردنا أن نفيد من هذه النظريّة –وهي مفيدة فعلاً- فلن يعجزنا أن نثبت أنّ لله تعالى سلطة السيادة بالأصالة، كما لن يُجهدنا أنّ نتعرّف على الذين فوّض الله تعالى لهم القيام على هذا الحقّ، إذ الكنيسة عندنا غير موجودة والمسجد مؤسسة مدنيّة بالأساس إذ الفرق بين الديني والمدني يتمثّل في السريّة والخصوصيّة ولا شيء من ذلك عندنا، والملوك عندنا غير مخوّلين بصلة خاصّة بالله تعالى؛ فيبقى أنّ الأمّة في مجملها هي صاحبة الخلافة عن الله، وهي النائبة عنه في القيام بالسيادة على الأرض، وعلى هذا من الأدلّة، وأقوال العالِمين-مع استغنائه بنفسه- ما هو ظاهر معروف فأيّ مشكلة في السيادة إذن؟
        ومع أنّ أستاذنا الدكتور عبد الحميد متولّي هاجم التناول المسلم لهذه النظريّة من الأساس واعتبرها غير ذات علاقة بنا، فإنّنا نثبت ما قد رأينا، وننقل عنه ما قد ذهب إليه بعض كبار رجال الدين المسيحي في أوربا في القرن السادس عشر ممّا يدعم وجهة نظرنا في إمكانية ويُسر الإفادة من هذا المبحث السياسي الغربي الجيّد.
        فقد نقل سيادته عنهم القول بأنّ السُّلطة تأتي من الله بطريق غير مباشر، ولكنها تأتي من الشعب بطريق مباشرة, إذ إن السلطة ولو أنّ أصلها من الله، لكنه لم يجعلها لفرد معين وإنما منحها لجمهور الشعب، فالحاكمون يستمدون سلطتهم من الشعب بطريق مباشر ويستمدونها من الله بطريق غير مباشر. ولذلك رأى الأستاذ الدكتور أنّ الأوفق أن يطلق على هذه النظرية: نظرية "الحق الإلهي غير المباشر في السيادة". ثم قال: "وهذه النظرية لا تتعارض مع الديمقراطية- في رأي العميد والفقيه الفرنسي دوجيه Duguit- وتعتبر الديمقراطية في هذه الحالة ناشئة بناء على إرادة الله أي أنها اختيار سماوي مقدس[يراجع د. عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم، ص165- 167.]
        وقد لجأ لنفس الطريقة المفكر المسلم الدكتور محمد عمارة حين أراد أن يقرر أنّ الشورى (الآليّة الديمقراطيّة) إنّما هي في الحقيقة خيار الإسلام السياسيّ فكما لا يسوغ أنْ يُتوصَّل لإرادة الله الدينية إلا بوسائل التوصُّل المعروفة، فإنه لا يسوغ التوصل لإرادة الله تعالى السياسية إلا بوساطة هذه الاختيارات المقدسة وعلى رأسها الشورى وآلياتها الممكنة، ومن ضمنها: "آلية الديمقراطية النيابية[يُراجع: محمد عمارة، فلسفة الحكم في دولة الخلافة، مقال منشور بموقع "بلاغ":
        http://www.balagh.com/mosoa/fekr/rz0q52bi.htm. وقد نقلنا النصّ عنه في الفصل الأوّل ص104.] فاعتبر أنّ الديمقراطيّة والشورى كلاهما خياراً سماويّاً. وهو ذات ما اعتمده قبله الشيخ رشيد رضا (رحمه الله)[ يُراجع: محمد رشيد رضا، الخلافة، ص38، وما بعدها.]
        وعلى العموم فالأمر قريب ولا حاجة للاختلاف في شأن تحكمه البداهات فمسألة السيادة ينبغي أن لا تتعارض فيها الآراء بين اختيارين كلاهما في نفسه صحيح وغير متقاطع مع الآخر فما يقابل القول بسيادة الله تعالى ليس القول بسيادة الأمة، وإنما يقابله القول بسيادة غيره من الآلهة، والأمّم لا تدّعي هذا لنفسها. غاية ما في الأمر أننا حين نتحدث عن سيادة أمة أو جماعة على نفسها فإننا لا نزيد على كوننا قررنا ما هو بدهي وثابت من أمر الله تعالى ومن أمر خلقه الذين جعل لهم حريتهم، واختيارهم، واستخلفهم في الأرض ليقيموا حياتهم، وليتعاونوا مع بعضهم، فهل إذا ما قرر الناس أن يضعوا أيديهم في أيدي بعضهم، وأن يتعاونوا في الخير فيما بينهم، يكونون بهذه الإرادة المعبرة عن سيادتهم على قرارهم وعلى اختياراتهم في حالة تقاطع مع سيادة الله تعالى على الكون؟
        البداهة إذن تقرر أنه إذا قصدنا بسيادة الأمة إسناد السيادة لشخص المجموع الاعتباري باعتبار أنه شخص حرٌّ له سيادته على نفسه ومسئوليته عن اختياراته فهو إسناد صحيح لا مراء فيه، والسيادة مسندة للأمة من هذه الجهة، وإن قصدنا بها حق الدولة في التعبير عن هذا المجموع والنيابة أو الوكالة عنه في اختياراته فالسيادة على هذا النحو ثابتة لهؤلاء الوكلاء أو للدولة التي يمثّلونها. وما لا يقبل عرضه هنا هو السؤال عن علة ما جاء على أصله، فإنّ السؤال عن حرية الحر في تصرفه مما يدخل في دائرة الممنوع أو غير المستساغ، وعليه يكون الخطأ ليس في تقرير المسألة السيادية بقدر ما هو في شغل الذهن بتعليل ما تظهر علته.
        ولنقتبس في النهاية تعبير سعادة الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولّي حين يقول: "والرأي عندي أنه إذا أريد إثارة هذه المشكلة فليكن لها الطابع أو المغزى السلبي الذي عرفت به نظرية السيادة بوجه عام (ونظرية سيادة الأمة بوجه خاص) لدى نشأتها في بداية العهد بها، فنقول: أن الدولة –في الإسلام- لا سيادة فيها على الأمة لفرد أو لطائفة أو لطبقة. فمثل هذا التعبير السلبي عن مبدأ سيادته الأمة يحقق لنا المزايا التي تنسب إليه, ويجنبنا ما قد سبق بيانه من المساوئ التي تؤخذ عليه[يراجع: عبد الحميد متولّي، مبادئ نظام الحكم، ص164. ولزيادة التفصيل يراجع له: "المفصل في القانون الدستوري" ج1 (طبعة1952) ص 358-368. ]
        إذن فالموقف الأسلم من نظرية السيادة ينبغي أن يكتفي بالجانب السلبي لتفسيرها بمعنى رفض قبول تفسيرها بمعنى التفويض الإلهي المطلق للحاكم، على الجماعة. وهو موضوع واجب تصوّر ملكيّة الأمة له لأنّه ما إلّا مجموع السيادات الفردية لمجموع أفرادها على أنفسهم، وهو أمر متصوّر بل يعارض إنكاره قانون التكليف الإسلامي، ويهدر فكرة المسئوليّة الشرعيّة للأفراد عن تصرّفاتهم، والتي لم يقل عاقل إنّها تخرج عن إطار السيادة الكونية لله الكبير.

        هنـــــــــــــا

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #34

          الفرع الثاني

          أساس سلطان الحاكم في الدولة الإسلامية

          تمهيد :
          قبل أن نتعرض لأساس سلطان الحاكم في الدولة الإسلامية، ومشروعية السيادة فيها ، يتعين علينا أن نستعرض الأفكار الرئيسة التي اعتنقها المفكرون، والحكام في العصور المختلفة لتبرير مشروعية السيادة، وأساس سلطة الحاكم أو الحكام، وفي هذا الصدد نجد نظريات عديدة سنحاول أن نجتزئ منها ما يلي : ـ
          أولاً :نظرية الحق الإلهي المباشر: وتقضي هذه النظرية : بأن الدولة من خلق الله، فهو خالق كل شيء، وهو الذي يختار الملوك مباشرة لحكم الشعوب، وعلى الأفراد السمع والطاعة لأوامرهم، ولا يسأل الملوك عن أعمالهم أمام شعوبهم، وإنما يكون حسابهم عند الله .!!
          وقد سادت هذه النظرية قديماً، وتشبث بها الملوك والحكام، وسادت في فرنسا وإنجلترا حتى القرن السابع عشر الميلادي، وترتب عليها أن طغى الملوك وتجبروا، واستبدوا بالشعوب المستضعفة، مقررين أن سلطانهم مستمد من الله، ولا ينبغي لأحد أن يحاسبهم على أعمالهم .!!
          وإزاء ذلك، وبتطور الأفكار والثقافات، تحورت هذه النظرية إلى نظرية أخرى أسموها : ( نظرية الحق الإلهي غير المباشر )، ومؤداها: أن الله سبحانه لا يختار الحاكم، وإنما توجه العناية الإلهية الأشخاص إلى اختياره، فالأمة وإن كانت هي التي تختار الحاكم، إلا أنها مسوقة إلى هذا الاختيار بإرادة الله . !!
          على كل حال فقد اندثرت هذه النظريات الفقهية عن أصل السيادة في الدولة، لإمعانها في الخيال، وتجاهلها للواقع، وإتاحتها الفرصة لطغيان الحكام واستبدادهم .
          ثانياً : نظرية العقد الاجتماعي : وخلاصة هذه النظرية أن وجود الدولة ( السلطة)يرجع إلى الإرادة المشتركة لأفراد الجماعة، أي أن الأفراد اجتمعوا، واتفقوا على إنشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا فالدولة على هذا الأساس، قد وجدت نتيجة لعقد أبرمته الجماعة .
          وأهم من اعتنق هذه النظرية ثلاثة من الفقهاء، على خلاف بينهم في تفصيلاتها، وذلك ما سنحاول توضيحه فيما يلي :
          (أ) نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز :
          يرى هذا الفقيه : إن حالة الإنسان قبل نشوء الدولة كانت فوضى مبعثها الشر المتأصل في نفوس البشر، وكانت الغلبة للأقوياء، والحق يتبع القوة، وإزاء هذه الفوضى والبدائية، وعدم توافر الأمن والاستقرار للأفراد، فقد بحثوا عن وسيلة لحمايتهم، وكانت هذه الوسيلة هي اتفاقهم على اختيار شخص من بينهم يكون رئيساً عليهم، يتولى رعاية مصالحهم وحمايتهم .
          ويرى هوبز أن الحاكم لا يكون طرفاً في العقد، وإنما يعقده كل الأفراد عداه، ويتنازلون بمقتضى العقد للحاكم عن جميع حقوقهم بدون قيد أو شرط ، فسلطته مطلقة، ولا يسأل عما يفعل، وعلى الأفراد الخضوع والطاعة المطلقة له .
          ويلاحظ أن معنى هذه النظرية، هو تأييد الحاكم الاستبدادي والانطلاق من منطلق أن القوة فوق الحق ، وليس الحق فوق القوة، وهو ما كان يهدف إليه هوبز باعتباره متحمساً للنظام الملكي في بلاده (انجلترا).
          (ب) نظرية العقد الاجتماعي عند لوك :
          وإن كان لوك قد تابع سلفه هوبز في أن الجماعة كانت تحيا في فوضى، فإنه رأى أن الأفراد كانوا يتمتعون بحريتهم في ظل القانون الطبيعي، ولكن لغموض هذا القانون، ولتشابك المصالح ، رأوا أن يتركوا هذه الحرية المطلقة إلى نوع من النظام يقوم على أساسه التعاون بين الجماعة، ويخضعون لحاكم عادل، فاتفقوا على اختيار أحدهم لتولي أمورهم.
          ويختلف لوك عن هوبز، كذلك في أن الأفراد لا يتنازلون عن كل حقوقهم للحاكم ، وإنما يحتفظون بالحريات والحقوق الأساسية لهم، كذلك فإن الحاكم يكون طرفاً في العقد فإذا أخل في شروطه جاز عزله .
          (ج) نظرية العقد الاجتماعي عند روسو :
          يرى الفرنسي جان جاك روسو أن الإنسان كان يعيش قبل نشأة الدولة في حرية كاملة، ولكن نظراً لتعارض المصالح والميول والنزعات الشريرة، فقد اضطر الأفراد إلى البحث عن نظام يكفل لهم الأمن، ويحقق العدالة، فتعاقدوا على إنشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا، ويعتبر هذا العقد هو أساس نشأة الدولة، وسند السلطة معاً .
          ومؤدى العقد عند روسو أن الأفراد تنازلوا عن حرياتهم الطبيعية للجماعة مقابل الحصول على حريات مدنية جديدة يكفلها المجتمع لهم على أساس المساواة. وأن العقد قد تولد عنه إرادة عامة هي إرادة الجماعة، وهي مستقلة عن إرادة كل فرد على حدة، وهي مظهر لسيادة المجتمع، وتعبير عن هذه السيادة، ولا يجوز التنازل عنها .
          أما الحاكم طبقاً لنظرية روسو فهو ليس طرفاً في العقد، ولكنه وكيل عن الجماعة ( الأمة ) وفقاً لأرادتها، ولها حق عزله متى أرادت ذلك .
          كانت تلك هي خلاصة نظرية العقد الاجتماعي عند الفقهاء المذكورين، على ما أوضحنا من خلاف بينهم، غير أنهم يتفقون جميعاً على أساس واحد، وهو أن مصدر السيادة والسلطان في الدولة هو العقد .
          وقد تعرضت هذه النظرية بصورها المختلفة عند تقديرها إلى مطاعن عديدة ، ولكن أهم نقد وجه إليها، هو أنها تقوم على أساس افتراضي خيالي، لا أساس له من الواقع، إذ أن الأفراد لم يبرموا هذا العقد قط .!!
          ورغم ذلك فقد لاقت نظرية العقد الاجتماعي عند روسو حين نادى بها في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ترحيباً حاراً، ونجاحاً ملحوظاً، وكان لها تأثيرها على الثورة الفرنسية، وما أصدرته من الدساتير والتشريعات .
          ثالثاً:أساس شرعية السيادة والسلطات في الدولة الإسلامية :
          يرجع النظام السياسي للحكم في الدولة الإسلامية إلى أحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، بصفة أساسية، وهذان المصدران يتميزان بالمرونة التي تلاءم جميع الأزمان والمجتمعات، مع المحافظة على القواعد الكلية التي أوردها القرآن الكريم، وتولت شرحها وتوضيحها السنة النبوية المطهرة، والتي تتلخص في : العدل، والمساواة، والحرية، والشورى .
          ومن المعلوم أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة، ويعتمد عليها نظام الحكم فيها، قد وردت من عند الله تعالى، في نصوص القرآن الكريم، وفي أقوال وأفعال وتقارير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم(أي السنة النبوية ).
          وفيما يتعلق بوضع الحاكم في الدولة الإسلامية، فإنه يتبدى لنا بإمعان النظر أن الدولة الإسلامية قد رأسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أول ما بدأت، ولم يكن أحد من الخلق هو الذي اختاره لهذه المهمة، ولكن الله عز وجل هو الذي اصطفاه، وحمله أمانة القيام بشئون الدين والدنيا في الدولة الوليدة ، فهو عبد الله ورسوله الذي عهد إليه بهذا الأمر، ولكنه لم يكن عهداً مطلقاً، بل تولاه عليه الصلاة والسلام في نطاق أحكام الرسالة، ونصوص القرآن الكريم ومبادئه التي أنزلها المولى جل علاه لخيرية البشر في كل زمان ومكان وعلى أي حال فقد كان هذا الأساس مقتصراً على وضع الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، وفي عهده، أما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد جرى العمل على نحو آخر.
          لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائد والمعلم، ترك الأمر كله للمسلمين فيما يتعلق باختيار خلف له، وكان أن اهتدوا بهدي الله إلى الطريقة المثلى في اختيار الإمام أو الخليفة .
          ويركز نظام الحكم في الإسلام على أساس فكرة الإمامة، وقد كانت مسألة الإمامة مثار جدل وخلاف شديدين بين المسلمين، ولكن حاصل ما انتهى إليه رأي المجتهدين ( عدا الشيعة ) أن ثبوت الإمامة ( الخلافة ) يكون بالاتفاق والاختيار، أو بالنص والتعيين ..
          ويقصد بقيام الإمامة على النص، أن يكون التعيين من عند الله، وإذا لم يتحقق ذلك، ولم يقم الدليل على وجود هذا الأسلوب ، فلم يبقى إلا اختيار الإمام بواسطة الأمة .
          ومعنى ذلك أن الأمة هي التي تقوم باختيار من يتولى أمورها، ويتم الاختيار بطريقة البيعة الصحيحة الشرعية .
          ويتولى هذه البيعة جماعة من المسلمين ( هم ممثلي الأمة ) يطلق عليهم ( أهل الحل والعقد )، ويسميهم ( الماوردي ) في كتابه:(الأحكام السلطانية )، أهل الاختيار .
          ويقول الماوردي عن أهل الاختيار، أن الشروط المعتبرة فيه ، شروط ثلاثة هي : ـ
          أولاً :ـ العدالة الجامعة لشروطها( الاستقامة، والأمانة، والورع، والتقوى، والأخلاق الفاضلة).
          ثانياً : ـ العلم الذي يتوصل به إلى معرفة مستحق الإمامة، على الشروط المعتبرة فيها ( والتي اتفق عليها العلماء) .
          ثالثاً : ـ الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح للإمامة، ولتدبير المصالح ( مصالح الأمة ) أقوي وأعرف .
          اختيار الحاكم :
          ويقوم أهل الحل والعقد كنواب عن الأمة، باختيار الإمام من المسلمين، الذين تتوافر فيهم شروط الصلاحية للمنصب، وأهمها : الكفاية الجسدية، والعلمية، والعدالة، والنزاهة، والتقوى، والأخلاق الصالحة بوجه عام، والقدرة على تحمل أعباء المنصب .
          ويرى بعض الفقهاء : أن أهل الحل والعقد هم الذين يترك إليهم بالفعل الإضطلاع بمسؤولية اختيار الخليفة أو الإمامة، ويجبون العقد معه ، وهم مسئولين عن إنقاذه .
          وهم يفعلون ذلك نيابة عن الأمة كلها، فيما هو حق أصلي لها، باعتبارهم ممثليها أو نوابها .
          ويرى فريق آخر من الفقهاء ( ونحن نتفق معهم فيما يذهبون إليه ) أن اختيار أهل الحل والعقد للحاكم لا ينعقد به الإمامة، وإنما نومن الترشيح للمنصب، وبجب أن يستكمل بالبيعة العامة، أي بموافقة الأغلبية من الأمة على المرشح لهذا المنصب .
          وهذا التفسير هو ما يتفق مع إجازة الاختيار بعدد قليل أو بواحد، وإجازة العهد إلى واحد، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالنسبة لعمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، وكما جرت السوابق بالنسبة للخلفاء الراشدين، والخلفاء من بعدهم، حين كان يجرى الاختيار من أهل الاختيار أياً كان عددهم، ثم تحصل البيعة العامة من سائر المسلمين .
          ومتى تم اختيار الخليفة على هذا الأساس وبالشروط المطلوبة فيه، تعين على أفراد الأمة الدخول في طاعته، وإذا حاد عن جادة الصواب، فمن حقهم عزله .
          التكييف القانوني للإمامة :
          القد قرر علماء الفقه الإسلامي بعد بحوث مستفيضة أن الإمامة تعتبر عقداً بين الأمة والحاكم، وقد تناول الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري ( رحمه الله ) بحث هذا العقد في مؤلفه القيم عن ( الخلافة) وانتهى إلى القول بأنه عقد حقيقي، مستوف لجميع الشروط القانونية، وأنه مبني على الرضا والقبول، وأن الغاية من هذا العقد أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته، فالإمامة ما هي إلا عقد طرفاه الأمة والإمام .
          ويضيف الدكتور السنهوري أن علماء الإسلام ومفكريه أدركوا جوهر نظرية روسو ( العقد الاجتماعي ) .
          وإذا كان روسو يعتبر في نظر الأوربيين أباً للديمقراطية الحديثة، وملهماً للثورة الفرنسية، فإن فقهاء المسلمين قد وصلوا إلى نظرية العقد الاجتماعي قبل أن تعرفها أوربا بقرون عديدة .

          نقول : إذا كان روسو قد أقام نظريته على أساس فرضي خيالي، لم يثبت وجوده، فإن فقهاء الإسلام حين تكلموا عن نظرية العقد، قد تكلموا عن نظرية لها ماضي تاريخي واقعي ثابت، من تجارب الأمة الإسلامية منذ عهدها الذهبي في زمن الخلفاء الراشدين .
          وحاصل الأمر أن السيادة في الدولة الإسلامية تستند إلى إرادة الأمة، والتي تعمل في نطاق الشريعة الغراء، وتعتبر السيادة مشروعة ومبررة طالما كانت في نطاقها الشرعي.

          هنـــــــــــــا

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #35
            الفرع الثالث

            نظرية تقييد سلطة الحاكم


            جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف،
            وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها وجعلتهم مسئولين عن عدوانهم وأخطائهم.
            وتقوم النظرية على ثلاثة مبادئ أساسية:
            أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم.
            ثانيها: مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه.
            ثالثها: تخويل الأمة حق عزل الحاكم.
            المبدأ الأول
            وضع حدود لسلطة الحاكم
            كانت سلطة الحاكم قبل الشريعة الإسلامية سلطة مطلقة لا حدود لها ولا قيد عليها وكانت علاقة الحاكمين بالمحكومين قائمة على القوة البحتة، ومن القوة كان الحاكم يستمد سلطانه، وعلى مقدار قوته كانت سلطته، فكلما كان قوياً امتد سلطانه لكل شيء ، وإن ضعف انكمشت سلطته وأصابها القصور والوهن.
            وكان الناس يدينون للحاكم بالطاعة لا لأنه يحكمهم، بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادراً على أن يسوق الناس بعصاه أو يغريهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين، فإذا ضعف الحاكم واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه فإنه يستطيع تبعاً لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية،وكانت الرعية تعتبر خدماً وعبيداً لصاحب السلطان سواء أورث سلطانه أم اكتسبه.
            ولما كان الحاكم يستمد سلطته من قوته لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود موسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاك أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أ, رقيب....
            وجاءت الشريعة فاستبدلت لهذه الأوضاع الباليه أوضاعاً جديدة تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية، فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدوداً ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً وكان من حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شئونها..
            وقد بينت الشريعة مهمة الحاكم بياناً شافياً وحددت حقوقه وواجباته تحديداً دقيقاً، فمهمة الحاكم في الشريعة أن يخلف رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا [ الأحكام السلطانية للماوردي ص 3]. ويسمى الحاكم في اصطلاح الفقهاء الإمام.
            والإمامة أو الخلافة كما يرى الفقهاء عقد لا ينعقد إلا بالرضا والاختيار وبموجب هذا العقد يلزم الإمام أي الحاكم أن يشرف على الشئون العامة للأمة في الداخل والخارج.بما يحقق مصلحتها، بشرط أن يكون ذلك كله في حدود ما أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل التزام الإمام للأمة بهذا الالتزام تلتزم له الأمة على لسان ممثليها الذين اختاروه إماما أن تسمع له وتطيع أمره ما لم يتغير حاله فيصبح فاسقاً أو يعجز عن مباشرة عمله، فإذا تغير حاله انعزل بفسقه أو عجزه.
            وقد حدد صاحب الأحكام السلطانية واجبات الإمام بأنها حفظ الدين وتوفير الأمن والنظام وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام وحفظ الثغور والجهاد والإشراف على الموظفين العموميين الذين يتولون كل هذه المهام.
            فسلطة الحاكم في الشريعة الإسلامية ليست مطلقة، وليس له أن يفعل ما يشاء، ويدع ما يشاء، وإنما هو فرد من الأمة اختير لقيادتها وعليه للأمة التزامات وله على الأمة حقوق، وله من السلطة ما يستطيع أن يؤدي به التزاماته ويستوفي به حقوقه، وهو في أداء وجباته واستيفاء حقوقه مقيد بأن لا يخرج على نصوص الشريعة أو روحها، وذلك طبقاً لقوله تعالى : [ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] المائدة:44ـ 45
            وقوله تعالى:[ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ] المائدة:49
            وقوله تعالى: [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ] الجاثية: 18
            وإذا كان الإمام أي الحاكم مقيداً بأن يتبع الشريعة وأن يحكم طبقاً لنصوصها فمعنى ذلك أ سلطته مقيدة بنصوص الشريعة فما أباحته له فقد امتد سلطانه إليه،وما حرمته عليه فلا سلطان له عليه.
            والشريعة لا تبيح للحاكم إلا ما تبيحه لكل فرد، ولا تحرم عليه إلا ما حرمته على كل فرد.

            المبدأ الثاني
            مسئولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه
            وبعد أن بينت الشريعة واجبات الإمام أي الحاكم وحقوقه وحددت سلطته على الوجه السابق جعلته مسئولاً عن كل عمل يتجاوز به سلطاته سواء أتعمد هذا العمل أم وقع العمل نتيجة إهماله.
            ولم تكن الشريعة في تقرير مسئولية الحكام عن تصرفاتهم إلا متمشية مع منطق الأشياء فقد بينت للحاكم حقه ووجباته وألزمته بأن لا يخرج عن أحكام الشريعة، وجعلته كأي فرد عادي فلم تميزه على غيره بأي حال فكان من الطبيعي تحقيقاً للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق أن يُسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعمد هذا العمل أم وقع منه نتيجة إهماله.
            ففي جريمة كبرى كجريمة الزنا مثلاً، يشترط القانون الجنائي في الإسلام أن يؤتى بأربعة شهداء إلى الحاكم، وإن لم يؤت بهم فالحكم هو في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور4
            والسؤال الآن ما الحكم لو أن أمير المؤمنين نفسه هو الذي رأى رجلاً وامرأة على فاحشة؟.
            اقرأ الحكم في الإسلام:
            ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، روي عنه أنه كان يمر ليلاً ـ على عادته ـ ليتفقد أحوال رعيته، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة،وعرفهما، فسكت ولم يعقب وجمع الناس في اليوم الثاني وخطب فيهم قائلاً: " أيها الناس ما قولكم في رجل وامرأة رآهما أمير المؤمنين على فاحشة؟.. فرد عليه عليّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ: يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء، أو يجلد حد القذف، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور4 ولم يملك أمير المؤمنين إلاّ أن يمسك عن ذكر أسماء الجناة، حيث أدرك أنه لا يستطيع أن يأتي بباقي نصاب الشهادة وأنه لا فرق في هذا بينه وبين سائر المسلمين.
            وهذا هو عليّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ الخليفة الرابع ، افتقد درعه ـ يوما من الأيام ـ فوجدها عند رجل يهودي، فاختصمه إلى شريح القاضي ، فقال عليّ مدعياً: الدّرع درعي، ولم أبع ولم أهب، وسأل شريح النصراني في ذلك فقال: ما الدّرع إلاّ درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذبٍ. فالتفت القاضي إلى أمير المؤمنين عليّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اليهودي صاحب اليد على الدّرع، وله بذلك حقٌ ظاهر عليها، فهل لديك بيّنة على خلاف ذلك تؤيد ما تقول؟ فقال أمير المؤمنين أصاب شريح ، مالي بيّنة، وقضى شريحٌ بالدرع للنصراني ، وأخذ اليهودي الدّرع وانصرف بضع خطوات ،ثم عاد فقال أمّا أني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه ، فيقضي لي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، الدّرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق. فقال علي: أمّا و قد أسلمت فهي لك.
            وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة ، التي تدلّ على تطبيق العدل في الإسلام في أعلى درجاته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8.


            المبدأ الثالث
            تخويل الأمة حق عزل الحاكم.
            بينا فيما سبق أن الإمامة تنعقد بناء على عقد يختار فيه الشعب الإمام أي الحاكم ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شئون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة وينبني على هذا المنطق أن الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه هو أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختاراً نحّاه الشعب واختار غيره.
            وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الصريح، جاء به القرآن وأمر به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعمل به الخلفاء الراشدون من بعده، فالله جلّ شأنه يأمر بطاعة أولي الأمر في حدود ما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول عز شأنه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] النساء: 59
            والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)..ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إنما الطاعة في المعروف)..ويقول في ولاة الأمور: ( من أمركم منهم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة).
            وبعد موت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختار المسلمون أبا بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُخليفة عليهم فكانت أول خطبة يقولها تطبيقاً دقيقاً لهذه النصوص حيث قال: ( أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ) ..
            وولي عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُأمر المسلمين بعد أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ فكان حريصاً على إظهار معاني هذه النصوص وتثبيتها في الأذهان، خطب يوما فقال: ( لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه)..
            فقال طلحة: وما عليك لو قلت وإن تعوج عزلوه..
            قال عمر : لا ..القتل أنكل لمن بعده.
            وإليكم مثالاً لمساواة الحاكم أمام القانون في الإسلام.
            هذه هي مبادئ الشريعة جاءت بها في وقت كانت فيه سلطة الحاكمين على المحكومين سلطة مطلقة، فلم تكن الشريعة حين قررت هذه المبادئ تأتي بما يلائم الجماعة ويصلح لحالها وإنما جاءت بالمبادئ لأنها ضرورية للشريعة الكاملة الدائمة من ناحية، ولترفع بها مستوى الجماعة وتدفعهم نحو الرقي من ناحية أخرى..
            فالمبادئ إذن شرعت للتكميل والتوجيه..وهذه هي النصوص التي تقوم عليها المبادئ جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة بحيث تنطبق في كل زمان ومكان ولا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات..
            وقد سبقت الشريعة الإسلامية بمبادئها كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة الحكام، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة علة الحكام، وأول قانون وضعي اعترف بعد الشريعة بسلطان الأمة علة الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر بعد أن قررت الشريعة نظريتها بأحد عشر قرناً، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية.
            إن الشريعة الإسلامية تجعل الحد بين الحاكمين والمحكومين محوره وأساسه هو مراقبة الله سبحانه وتعالى عليهم والذي هو واضع والمبادئ ويبقى التقنين على عباده..

            هنـــــــــــــا

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #36

              الفصل الثامن

              ماذا عن تطبيق الشريعة الإسلامية

              الآن، وليس قبل الآن

              مع إننا لم نتصور تطبيقاً للشريعة إلا بعد تعديلات جذرية في مضمون وشكل الشريعة نفسها، وفى رؤية العقيدة أيضاً، وفى نشر هذه الرؤية الجديدة وتعميقها حتى تشمل أغلبية المواطنين، إلا أن هناك عقبات ومحاذير خارج إطار هذين ـ أي العقيدة والشريعة ـ يتعين علينا أن نحسب حسابها وأن يكون لدينا حلولاً لما تثيره من مشكلات وإجابات لما ستطرحه من تساؤلات.
              من هذه العقبات والمحاذير:عدم تهيؤ المجتمع لتقبل الشريعة الآن..
              هناك من يقول بمجرد أن يقرأ هذا العنوان إن تطبيق الشريعة مطلب شعبي وإن الشعب يطالب به من زمن وأنه مهيّأ لذلك من الآن، وإن الحكومات هي السبب في تأخيره، وليس أدلّ على ذلك من تقنين الشريعة في قوانين سنة 1987 وكان يمكن أن تعرض على مجلس الشعب وقتئذ وكان فيه مائة نائب معارض كلهم يناصرون الشريعة ولكن رئيسه العنيد رفعت المحجوب الذي كان أحد أقطاب الناصرية، احتفظ بها في درج مكتبه وأغلق عليها وقُتِلَ والمفتاح معه.
              ففي الحقيقة أن المجتمع المصريـ وهو ما ينطبق بصفة عامة على المجتمعات العربية الأخرى ـ تعرّض لمجموعة من التجارب السياسية والنظرية دون سابق استعداد أو دراسة أو اتفاق،فظهرت الأفكار اليسارية المصرية التي درست دراسات غربية وضاقت بوجوه النقص في الرأسمالية، ولكنها نقلتها كما عرضها ماركس ولينين، ومعظمها تبع الاتحاد السوفياتي، وقامت فيما بينهم منازعات وشقاقات مذهبية فرّقت شملهم، فضلاً عن أن ما قدّموه كان غريباً كل الغرابة على الأذن العربية، والقلب العربي فلم يظفروا إلا بأعداد قليلة من الناس ولكنهم وهم يسيطرون على الإعلام، استطاعوا أن يؤثّروا على مجموعات من الناس وعلى قدر من الرأي العام.
              وبالطبع فإن الفكر الإسلامي كان أسبق الجميع، واكتسب الشارع المصري بفضل عبقرية ونبوغ حسن البنا وموهبته الفريدة في تنظيم الإخوان المسلمين وكان يرجى منها خيراً كثيراً، ولكن الإخوان خسروا مرشدهم عام 1949، ثم توالت الأحداث وقامت حركة 23 يوليو وحدث الصدام بينها وبين الإخوان، فصمت الإخوان حينا وحُظِرَ نشاطهم العلني بينما ظهرت الجماعات الإسلامية الشاردة التي كوّنت فكرها في سجون عبد الناصر وكردّ لتعذيبه المقيت. وككل الهيئات المتحمسة، دون دراسة عميقة، فقد ضلّلتها الشعارات والتصوّرات وألجأها حظر الحكومات لأن تلوذ بأسلوب العمل السرّي وانساقت في منزلقاته فأضاعت على نفسها ثلاثين عاماً قبل أن تتبيّن خطأ وضلال دعاوي"الحاكمية الإلهية".
              وقبيل ذلك، سقط نظام عبد الناصر مع هزيمة 67المروّعة وسقطت شعارات القومية العربية والناصرية المزعومة، وسمح المجال بقدر من الحرّية وللأخذ بالانفتاح الاقتصادي، فظهرت الرأسمالية المتطفّلة والسماسرة والانتهازيون الذين كوّنوا ثروات طائلة بوضع اليد على أراض "المدن الجديدة" أو بالعمولات أو بالغشّ والتزييف.
              وتقبّل المجتمع المصري ذلك لأنه سمح لنفسه بفترة "استرخاء" بعد الحكم الحديدي الصارم لناصر، وتخبّط المجتمع المصري ما بين اقتصاد منفتح دون ضابط أثمر طبقة ثرية متخمة بثروات التطفّل والفساد الاقتصادي وبين نظام سياسييتشبّث بالسلطة ويتمسّك بتراث عبد الناصر في الحزب الواحد والاستئثار بالسلطة وتقييد المعارضة وتزييف الانتخابات.
              نتيجة لهذه التراكمات المتوالية التي كانت كلها تجارب فاشلة،فَقَدَ المجتمع ثقته في الجميع تقريباً، واستسلم واستسلمت المجموعات ذات المستوى الاقتصادي المرتفع للاسترخاء البرجوازي وانساقت وراء نزعة الاستهلاك والاستمتاع بما تقدمه "الفضائيات" من برامج تصل بعضها إلى إباحية الجنس الصريح وما تقدّمه "المول" والسوبر ماركت من سلع مبهرة بينما كان على الأغلبية أن تكدح حتى يمكن أن تكفل لنفسها بقاء وأصبحت تلهث وراء لقمة العيش.
              من هنا نعرف أن المجتمع المصري لم يعد واثقاً، كما كان في الأوّل، في التوجّه الإسلامي وإن ظل موجوداً بل وأكثرها شيوعاً، ولكن على غير وضوح وتذبذب ما بين الاتجاهات الانفعالية المتحمسة وما بين الاتجاهات السلفية المحافظة وأن بقية فئات المجتمع لا تتحمس لدعوة تطبيق الشريعة، أو حتى لتقبلها، وقد تعارضها، وأصبح يغلب عليها الإحباط.
              المجتمع المصري اليوم غير مهيّأ للتطبيق السليم للشريعة، فمعظم ذوي الاتجاهات الإسلامية هم من السلفيين، وفكرتهم عن الشريعة لا تصلح، وهم يظنّون مع هذا أنهم هم الذين يمثّلون الإسلام ويقاومون كل اتجاه للتجديد أو الإصلاح، أما بقية شرائح المجتمع فهي تتوزّع ما بين طبقه "الأثرياء الجدد" ومن حولهم، وقد كوّنوا لأنفسهم طوال العشرين عاماً الماضية، وجوداً وكيانا وهيمنة على الصحافة والإعلام، وما بين فلول الناصرية واليسارية والقومية ممن يعوّضون فشل نظرياتهم بالتعصّب والادّعاءات..
              لهذا سيكون على الشريعة أن تسير طويلاً في دعوتها قبل أن تصل إلى مجموعات لها ثقل تؤمن بها. وأن تواجه صعوبات وعراقيل معارضة لأن هذه المهمّةهي في حقيقتها تجاوز الأطر السلفية إلى فهم جديد للعقيدة والشريعة، ومنظومة المعرفة الإسلامية، وليست هذه بالمهمة الهيّنة أو السريعة.
              فإذا أريد تطبيق الشريعة فلابدّ أولاً من تقديم الصورة السليمة لها والتي تختلف جذريا عما يقدمه الفقه السلفي بقدر ما تختلف عما تقدمه الانبعاثات الجهادية، ثم عليها بعد ذلك أن تسير طويلاً على طريق الدعاة لتكسب لفكرتها عن الشريعة جمهوراً له وزن وثقل ويعتدّ به كمّاً ونوعاً، وكما هو معروف فإن هذا ليس بالأمر الهين أو الذي يمكن إنجازه في وقت قصير.
              فلابد من إيجاد دولة الإسلام أولاً في نفس كل فرد لتوجد بعد ذلك على أرض الواقع..وهذا ما فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مدى ثلاثة عشر عاماً هي عمر الدعوة في مكة.
              الخوف دولياً ومحليا من الدولة الدينية
              والدعوة إلى إقامة دولة مدنية
              الخوف يوجد ـ ليس فحسب ـ على المستوى القومي، بل على المستوى الدولي خوف من إقامة دولة دينية في بلد مثل مصر أو سوريا أو العراق. وقد تقبّل المجتمع الأوروبي على مضض دولات دينية مثل إسرائيل وإيران والسعودية، وكان هناك في كل حالة من هذه الحالات ما يشفع لها أو يتقبلها قبول الأمر الواقع، ويغلب أن لو قامت في مصر دولة دينية، أن لا تتقبّل القوى الخارجية ذلك، وستكيد لها بحيث لا يستقرّ أمرها.
              والحقيقة أن تطبيق الشريعة يمكن أن لا يؤدّي إلى إقامة الدولة الدينية، لأن الشريعة هي مجموعة الأحكام التي يقتضيها العدل ويسعى الشعب لتطبيقها بالوسائل المتاحة داخل النظام وفي الدولة المدنية.
              ولكن هذه الحقيقة انسحقت تماماً تحت ضغط الفكرة المتأصلة لدى الجماعات الإسلامية عن أن الشريعة تساوي الدولة..وهذا خطأ جسيم بحيث أصبح هذا الخطأ هو الأمر المسلّم به من الجميع، أي من الجماعات الإسلامية وغيرهم.
              ويتطلّب اقتلاع فكرة "الدولة الدينية" من الأذهان جهداً جباراً ومتّصلاً يقوم على مبدأين، أوّلهما أن تطبيق الشريعة في حدّ ذاته لا يعنى الدولة الدينية كما أشرنا، والمبدأ الثاني أن الدولة الدينية ليست من الإسلام أصلاً.

              هذا والله ولي التوفيق
              زهدي جمال الدين..
              مصر الحزينة في ذكر الثورة الثانية 2013

              هنـــــــــــــا

              îن îëéىهْ نçمùهْ?

              Working...
              X