المطلب الرابع
من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة
مبدأ العدل
مقدمة:
عندما تختفي أنوار العدل عن البشر، يغشاهم الهرج والمرج، ويتفشى الظلم بينهم بشكلٍ فظيع، حيث تجد القويّ يفتك بالضعيف، والقادر يسلب حق العاجز، والغالب يُريق دم المغلوب، والراعي يهضم حق المرعى، والكبير يقهر الصّغير، ولا يخرجهم من هذا الوضع المشين، إلاّ "العدل" سعادتهم، وقاعدة أمنهم واستقرارهم.
فما هو العدل وما أنواعه، وما ثمرته، وكيف طبقّه المسلمون في حياتهم ؟؟ أسئلة وتساؤلات تأتي الإجابة عنها في الفقرات الآتية:
أولاً: مفهوم العدل:
المراد بالعدل: إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، من غير تفرقة بين المستحقين.. ولأهمية العدل ومنزلته، بعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه، لنشره بين الأنام، قال تعالى:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.
والقسط :العدل،وهو قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح العباد والبلاد، به قامت السموات والأرض، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس ، وارتفع به التقاطع والتخالف.
وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانبته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه ، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار.
ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق.
إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضاً بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق ، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير ، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران.
ثانياً: أنواع العدل:
يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة ، منها:
أ ـ تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه : والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
1. عدل في الدنيا: وهو يشمل الحياة البشرية كلها ، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.و معلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم، ومنع ضرره، ولولاهم، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار.
وفي قصة ابني آدم عليه السلام وهما قابيل وهابيل التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض، ويؤكد على ضرورة العدل، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار.
2.عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل، الذي يرد عليه ظلمه، ويؤاخذه بذنبه، كما أن من التزم العدل في الدنيا، يتشوق إلى الأجر العظيم، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك، يقول الله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }الأنبياء47 .
وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات ولا في الأرض.
والعدل يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8 والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع نفسه وغيره، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل، ليس له حدود، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن، فمن كان له حق لآخر، فلا يظلمه، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب، أو الوطن، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.
ب ـ تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان: والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
1ـ عدل فردي : وهو ما كان مظهراً للتوازن النفسي لدى الفرد، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث ـ العقل والغضب والشهوة ـ أمر راجع إلى الإنسان نفسه، إما لذاته، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه ، بأن يعدل في جسده وروحه ، وعقله وفكره، وأخذه وعطائه، وعمله ونشاطه ، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة.
2ـ عدل جماعي: وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات.
مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه، وفي حكمه وقضائه، وشهادته وأمانته، ومنعه وعطائه، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره.
فالحاكم الأعلى أو الرّئيس ـ وهو إنسان فرد ـ يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة.
والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين، بإعطاء كل ذي حق حقه، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه.
والزوج كذلك عليه أن يعامل زوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع ، من النفقة والسكن، والمبيت والركوب، والطعام واللباس ونحوه.
والأب مطالب بالعدل بين أبنائه، في التربية والتعليم، والصحة، والمنع والعطاء، وألاّ يفضل أحداً على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58 ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3 .
ثالثاً:ثمرة العدل:
إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أ ـ العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران و اتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالاطمئنان والثقة بين الناس،وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره ، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش ، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعرـ أي تفرق ـ الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة] أ.?.
ب ـ أنه بغير العدل ، يتحيّن الناس الفرصة، للثورة على الحكومة الظالمة، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ،وكره من أساء إليها ، وليس هناك إساءة أشد من الظلم ، وأفدح من الجور، ولذلك تقوم الثورات كل حين، وتزداد الانتفاضات هنا وهناك ، لتقويض كابوس الظلم، ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا ،والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييز العنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها ، فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها.
رابعاً:تطبيقات العدل في الإسلام:
طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره ، بدءاً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الذي حكى عنه القرآن قوله:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110 فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريراً لأخذ حقوقهم من غير وجه حق، بل كان نموذجاً رائعاً في إقامة العدل، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله.
خامساً: معالجة القانونيين المعاصرين لنظرية العدالة في الإسلام
يفجع القارئ عندما يطالع ما كتبه رجال القانون المعاصرون عن العدالة الإسلامية كأصل من أصول القانون وما يعلمونه لأبنائنا في كليات الحقوق عنها..
فهؤلاء العلماء يحسنون الكتابة عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني وحتى في القانون البريطاني رغم أنه ليس في هذه كلها "تنظير" للعدل أو إقامة للحكم ـ أو حتى القضاء عليه ـ ولكنهم عندما جوبهوا بالعدالة في الشريعة الإسلامية ولديهم شواهد القرآن وسوابق الخلافة.. أبلسوا أو قل أفلسوا وجاؤا بشيء يصور هذا الإفلاس.. فهم يضعون (الرأي) مقابلا (للعدالة).. في حين أن هذا شيء والعدالة شيء آخر تماما..
وتتطلب معرفة أسباب ذلك كاتبا محققا يتفرغ لاستجلاء هذه النقطة، ولعلنا نسهم في هذا الشيء، ففي كتاب صدر في الثلاثينات باسم " فن القضاء" تولى ترجمته وعلق عليه الأستاذ محمد رشدي المستشار السابق بمحكمة استئناف مصر الأهلية نجد أول إشارة إلى (الرأي) كمقابل (للعدالة) عندما كان المؤلف يحاول أن يجد المقابل لها في الشريعة الإسلامية وخلال محاورة له مع زميل يبدأها بأن قال:
أن للعدالة في القوانين الوضعية مصدرين وأن لعدالة كل مصدر اسما خاصا.
المصدر الأول: القوانين والعدالة المستمدة منها يسمونه (justice)..
والعدالة الأخرى: مصدرها القاضي نفسه ويسمونها (équité)..
وقال إنه ليس هناك تسمية مقابلة لها في الشريعة الإسلامية فرد عليه زميله وقال :( قرأت في كتاب المبسوط للسرخسي في الجزء السادس عشر صفحة 169 أنه ذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت: بما في كتاب الله قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا لم تجد في كتاب الله قلت: أقضي بما يقضي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قلت أجتهد رأيي.
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)..
ثم قال فلماذا لا يسمون كلمة (équité) اجتهاد الرأي.. واجتهاد الرأي يشترك فيه عقل القاضي وقلبه وإحساسه وضميره وفهمه وعلمه وتجاربه.
فقلت وأنا كذلك قرأت في كتاب ضحى السلام في الجزء الأول صفحة 290 للأستاذ أحمد بك أمين تأييدا لهذا الرأي فقال: (وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة والمتتبع لما روي عن العصر الأول في (الرأي) يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم بما في الأمر من عدل وظلم وفسره ابن القيم "بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب".
فقال محدثي : لقد اتفقنا هنا أيضا على أن نقول عن كلمة (équité) اجتهاد الرأي.
قلت: وعلى هذا ماذا على وزير العدل لو سأل أحد قضاته بم تحكم ؟ فقال أحكم بالنصوص التشريعية.
فقال فإن لم تجد.
قال: اجتهد رأيي (équité)..
ويا حبذا لو عدَّلت الوزارة نص المادة الثانية من مشروع تعديل القانون المدني التي نصها:
( فإذا لم يوجد نص تشريعي يحكم تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة équité)..فاستبدلت كلمة (قواعد العدالة) بكلمة (اجتهاد الرأي).
ولعل هذا هو النص الأول لوضع كلمة (الرأي) أو (اجتهاد الرأي) في مقابل (العدالة) إذ أننا نجد المراجع التي تقدم لطلبة كليات الحقوق تذهب هذا المذهب فبعد أن تتحدث عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني تنتقل إلى الشريعة الإسلامية فتشير إشارة خاطفة إلى مَصْدَري التشريع القرآن والسنة ثم تنتقل إلى (الرأي) وهو عندها القياس في بعض الحالات والإجماع في حالات أخرى وتستطرد إلى المعتزلة وقد تعني بقضية (التحسين والتقبيح) على بعدها شيئا ما عن قضية العدالة المباشرة التي تصدى المعتزلة لها بشجاعة ووصلت فيها إلى مدى إلزام الله تعالى بها وينتقلون من هذا إلى (المصالح المرسلة) أو (الاستحسان) أو غيره من وسائل ابتغاء المصالح والمقاصد في الفقه الإسلامي.
وعذر هؤلاء أنهم كفقهاء لم يجدوا من مصادر الشريعة الإسلامية كما وضعها السلف العدل. وإنما وجدوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولما كان لابد لهم أن يجدوا مجالاً للعدالة في الشريعة الإسلامية حتى تكون على قدم المساواة مع الإغريق والرومان فإنهم اعتبروا أن (الرأي) يحل هذا الإشكال وهي معالجة سقيمة ولكنها مألوفة في الكتابات الأكاديمية فقد أصبحت الجامعات قلاعا لحماية وإذاعة المذاهب المقررة وليس للتجديد والإبداع أو البحث عن الحقيقة ومن ثم فلم يجد رجال القانون أن واجبهم أن يستخرجوا من القرآن والحديث مبادئ العدالة التي كانت وراء كل تشريع أو في أصله وجوهره.
ونعتقد أن هذه الطريقة في معالجة العدل في الشريعة الإسلامية لم تعد كافية أو مقنعة. ولا هي تتفق مع اهتمام الشريعة الإسلامية بالعدل. إن لم نقل قيامها على العدل ولا هي مما يتناسب مع الخدمة المطلوبة لقضية العدل. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن رجال القانون لدينا يهربون من القضية بهذه الصورة من المعالجة لأن عرض القضية بهذه الصورة أمر مخجل.. ولا يجوز.
مقدمة:
عندما تختفي أنوار العدل عن البشر، يغشاهم الهرج والمرج، ويتفشى الظلم بينهم بشكلٍ فظيع، حيث تجد القويّ يفتك بالضعيف، والقادر يسلب حق العاجز، والغالب يُريق دم المغلوب، والراعي يهضم حق المرعى، والكبير يقهر الصّغير، ولا يخرجهم من هذا الوضع المشين، إلاّ "العدل" سعادتهم، وقاعدة أمنهم واستقرارهم.
فما هو العدل وما أنواعه، وما ثمرته، وكيف طبقّه المسلمون في حياتهم ؟؟ أسئلة وتساؤلات تأتي الإجابة عنها في الفقرات الآتية:
أولاً: مفهوم العدل:
المراد بالعدل: إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، من غير تفرقة بين المستحقين.. ولأهمية العدل ومنزلته، بعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه، لنشره بين الأنام، قال تعالى:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.
والقسط :العدل،وهو قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح العباد والبلاد، به قامت السموات والأرض، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس ، وارتفع به التقاطع والتخالف.
وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانبته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه ، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار.
ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق.
إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضاً بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق ، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير ، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران.
ثانياً: أنواع العدل:
يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة ، منها:
أ ـ تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه : والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
1. عدل في الدنيا: وهو يشمل الحياة البشرية كلها ، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.و معلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم، ومنع ضرره، ولولاهم، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار.
وفي قصة ابني آدم عليه السلام وهما قابيل وهابيل التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض، ويؤكد على ضرورة العدل، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار.
2.عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل، الذي يرد عليه ظلمه، ويؤاخذه بذنبه، كما أن من التزم العدل في الدنيا، يتشوق إلى الأجر العظيم، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك، يقول الله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }الأنبياء47 .
وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات ولا في الأرض.
والعدل يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8 والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع نفسه وغيره، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل، ليس له حدود، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن، فمن كان له حق لآخر، فلا يظلمه، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب، أو الوطن، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.
ب ـ تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان: والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
1ـ عدل فردي : وهو ما كان مظهراً للتوازن النفسي لدى الفرد، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث ـ العقل والغضب والشهوة ـ أمر راجع إلى الإنسان نفسه، إما لذاته، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه ، بأن يعدل في جسده وروحه ، وعقله وفكره، وأخذه وعطائه، وعمله ونشاطه ، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة.
2ـ عدل جماعي: وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات.
مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه، وفي حكمه وقضائه، وشهادته وأمانته، ومنعه وعطائه، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره.
فالحاكم الأعلى أو الرّئيس ـ وهو إنسان فرد ـ يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة.
والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين، بإعطاء كل ذي حق حقه، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه.
والزوج كذلك عليه أن يعامل زوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع ، من النفقة والسكن، والمبيت والركوب، والطعام واللباس ونحوه.
والأب مطالب بالعدل بين أبنائه، في التربية والتعليم، والصحة، والمنع والعطاء، وألاّ يفضل أحداً على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58 ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3 .
ثالثاً:ثمرة العدل:
إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أ ـ العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران و اتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالاطمئنان والثقة بين الناس،وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره ، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش ، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعرـ أي تفرق ـ الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة] أ.?.
ب ـ أنه بغير العدل ، يتحيّن الناس الفرصة، للثورة على الحكومة الظالمة، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ،وكره من أساء إليها ، وليس هناك إساءة أشد من الظلم ، وأفدح من الجور، ولذلك تقوم الثورات كل حين، وتزداد الانتفاضات هنا وهناك ، لتقويض كابوس الظلم، ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا ،والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييز العنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها ، فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها.
رابعاً:تطبيقات العدل في الإسلام:
طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره ، بدءاً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الذي حكى عنه القرآن قوله:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110 فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريراً لأخذ حقوقهم من غير وجه حق، بل كان نموذجاً رائعاً في إقامة العدل، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله.
خامساً: معالجة القانونيين المعاصرين لنظرية العدالة في الإسلام
يفجع القارئ عندما يطالع ما كتبه رجال القانون المعاصرون عن العدالة الإسلامية كأصل من أصول القانون وما يعلمونه لأبنائنا في كليات الحقوق عنها..
فهؤلاء العلماء يحسنون الكتابة عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني وحتى في القانون البريطاني رغم أنه ليس في هذه كلها "تنظير" للعدل أو إقامة للحكم ـ أو حتى القضاء عليه ـ ولكنهم عندما جوبهوا بالعدالة في الشريعة الإسلامية ولديهم شواهد القرآن وسوابق الخلافة.. أبلسوا أو قل أفلسوا وجاؤا بشيء يصور هذا الإفلاس.. فهم يضعون (الرأي) مقابلا (للعدالة).. في حين أن هذا شيء والعدالة شيء آخر تماما..
وتتطلب معرفة أسباب ذلك كاتبا محققا يتفرغ لاستجلاء هذه النقطة، ولعلنا نسهم في هذا الشيء، ففي كتاب صدر في الثلاثينات باسم " فن القضاء" تولى ترجمته وعلق عليه الأستاذ محمد رشدي المستشار السابق بمحكمة استئناف مصر الأهلية نجد أول إشارة إلى (الرأي) كمقابل (للعدالة) عندما كان المؤلف يحاول أن يجد المقابل لها في الشريعة الإسلامية وخلال محاورة له مع زميل يبدأها بأن قال:
أن للعدالة في القوانين الوضعية مصدرين وأن لعدالة كل مصدر اسما خاصا.
المصدر الأول: القوانين والعدالة المستمدة منها يسمونه (justice)..
والعدالة الأخرى: مصدرها القاضي نفسه ويسمونها (équité)..
وقال إنه ليس هناك تسمية مقابلة لها في الشريعة الإسلامية فرد عليه زميله وقال :( قرأت في كتاب المبسوط للسرخسي في الجزء السادس عشر صفحة 169 أنه ذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت: بما في كتاب الله قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا لم تجد في كتاب الله قلت: أقضي بما يقضي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قلت أجتهد رأيي.
فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)..
ثم قال فلماذا لا يسمون كلمة (équité) اجتهاد الرأي.. واجتهاد الرأي يشترك فيه عقل القاضي وقلبه وإحساسه وضميره وفهمه وعلمه وتجاربه.
فقلت وأنا كذلك قرأت في كتاب ضحى السلام في الجزء الأول صفحة 290 للأستاذ أحمد بك أمين تأييدا لهذا الرأي فقال: (وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة والمتتبع لما روي عن العصر الأول في (الرأي) يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم بما في الأمر من عدل وظلم وفسره ابن القيم "بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب".
فقال محدثي : لقد اتفقنا هنا أيضا على أن نقول عن كلمة (équité) اجتهاد الرأي.
قلت: وعلى هذا ماذا على وزير العدل لو سأل أحد قضاته بم تحكم ؟ فقال أحكم بالنصوص التشريعية.
فقال فإن لم تجد.
قال: اجتهد رأيي (équité)..
ويا حبذا لو عدَّلت الوزارة نص المادة الثانية من مشروع تعديل القانون المدني التي نصها:
( فإذا لم يوجد نص تشريعي يحكم تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة équité)..فاستبدلت كلمة (قواعد العدالة) بكلمة (اجتهاد الرأي).
ولعل هذا هو النص الأول لوضع كلمة (الرأي) أو (اجتهاد الرأي) في مقابل (العدالة) إذ أننا نجد المراجع التي تقدم لطلبة كليات الحقوق تذهب هذا المذهب فبعد أن تتحدث عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني تنتقل إلى الشريعة الإسلامية فتشير إشارة خاطفة إلى مَصْدَري التشريع القرآن والسنة ثم تنتقل إلى (الرأي) وهو عندها القياس في بعض الحالات والإجماع في حالات أخرى وتستطرد إلى المعتزلة وقد تعني بقضية (التحسين والتقبيح) على بعدها شيئا ما عن قضية العدالة المباشرة التي تصدى المعتزلة لها بشجاعة ووصلت فيها إلى مدى إلزام الله تعالى بها وينتقلون من هذا إلى (المصالح المرسلة) أو (الاستحسان) أو غيره من وسائل ابتغاء المصالح والمقاصد في الفقه الإسلامي.
وعذر هؤلاء أنهم كفقهاء لم يجدوا من مصادر الشريعة الإسلامية كما وضعها السلف العدل. وإنما وجدوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولما كان لابد لهم أن يجدوا مجالاً للعدالة في الشريعة الإسلامية حتى تكون على قدم المساواة مع الإغريق والرومان فإنهم اعتبروا أن (الرأي) يحل هذا الإشكال وهي معالجة سقيمة ولكنها مألوفة في الكتابات الأكاديمية فقد أصبحت الجامعات قلاعا لحماية وإذاعة المذاهب المقررة وليس للتجديد والإبداع أو البحث عن الحقيقة ومن ثم فلم يجد رجال القانون أن واجبهم أن يستخرجوا من القرآن والحديث مبادئ العدالة التي كانت وراء كل تشريع أو في أصله وجوهره.
ونعتقد أن هذه الطريقة في معالجة العدل في الشريعة الإسلامية لم تعد كافية أو مقنعة. ولا هي تتفق مع اهتمام الشريعة الإسلامية بالعدل. إن لم نقل قيامها على العدل ولا هي مما يتناسب مع الخدمة المطلوبة لقضية العدل. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن رجال القانون لدينا يهربون من القضية بهذه الصورة من المعالجة لأن عرض القضية بهذه الصورة أمر مخجل.. ولا يجوز.


îن îëéىهْ نçمùهْ?