ألاسلام.. . الدين الحق
د.عادل مرعي الراوي
بسم الله الرحممن الرحيم
1-النبوه والانبياء
ان الابحاث والدراسات الاجتماعيه والتاريخيه اثبتت ان الدين قد وجد منذ وجود الانسان . وان فكره الخالق والاعتقاد به تستند على احساس فطري عميق والى شعور صاف وشفاف في النفس الانسانيه . فا لتدين عنصر ضروري كامن في فطره الانسان , وفيه وحده يجد امكانيه تحقيق مطامحه العليا , كما يجد فيه الوجدان ضالته المنشوده لتحقيق عواطفه النبيله في الحياه . وهو عنصر ضروري لبناء وتكميل قوه الاراده الانسانيه , فيمدها باعظم الدوافع والبواعث وباكبر وسائل المقاومه لعوامل الياس والقنوط .
ان الايمان با لله هو الزاد الروحي الذي يتزود به الانسان في رحله الحياه , وان الانسان في كل مكان وزمان قد شعر بحافز يحفزه الى الاستنجاد بمن هو اسمى منه واقوى واعظم , مما يدل على ان الدين فطري فيه وان شعوره بوجود قوة خارجيه للخير والشر هو في الحقيقه اعتراف بوجود الله .
ان الانسان مخلوق وهب الوعي والعقل وبفضل ذكائه الاعلى اكتشف وسائل الاختراع للسيطره على الطبيعه التي خلقها الله له بغيه استعمارها وتحصيل معاشه وتامين مستقبله . ولكن وعي الانسان لا يقتصر على حاجاته الجسديه وحدها بل ينبسط الى ما وراء ذاته في الزمان والمكان . ذلك ان الانسان بعد ان يعي ذاته لم يستطع ان يمنع نفسه من التساؤل عن معنى وجوده ووجود العالم الذي من حوله . وهكذا استشعر بغريزته وجود قوى اعلى هي التي خلقته وخلقت العالم وهي التي تقوده الى مصير خفي . ( 1)
والقران الكريم حينما يؤكد على ان التدين فطره في النفس البشريه في قوله تعالى :(( فاقم وجهك للدين حنيفا فطره الله التي فطر الناس عليها ,لاتبديل لخلق الله ,ذلك الدين القيم ...)) ( 2 ) فانه يقرر حقيقه هذه الفطره الدينيه المركوزه في ضمائر الناس , ويصورها على هيئه (( ميثاق )) قديم انعقد بين الارواح الادميه وهي في الاصلاب , وبين بارئها القدير الخبير . وهو قائم على ايمان البشريه به عز وجل وافراده بالالوهيه والعباده دون سواه . ويتضح ذلك في قوله تبارك وتعالى : (( واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم ,واشهدهم على انفسهم الست بربكم , قالوا بلى .. شهدنا ... )) (3)
اما كيف اخذ الله من بني ادم من ضهورهم ذريتهم وكيف اشهدهم على انفسهم وكيف خاطبهم (( الست بربكم )) وكيف اجابوه (( بلى شهدنا )) , فانه من علم الغيب لا يعلمه الا هو سبحانه وتعالى , ولا يملك العقل البشري كيفيات فعل الله وما عليه سوى القبول بذلك وامتثاله , فالله عز وجل ليس كمثله شيء ولا يستبعد التفسير الذي اورده ابن كثير عن طائفه من السلف والخلف : ان المراد بالميثاق هو عهد الفطره .. أي ان الله تعالى انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبيه وحده واوجدهم شاهدين بذلك , قائلين به بلسان حالهم ( 4)
وعلى ضوء ماتقدم ندرك ان الايمان بالله فطره كامنه في كل قلب بشري , فلا حجه لهم في نقض (( الميثاق)) .. اما الرسالات فهي تذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الاولى , فقد اقتضت رحمه الله الا تكلهم الى فطرتهم هذه فقد تنحرف , ولا الى عقولهم فقد تضل ..ولئلا يكون للناس على الله حجه بعد الرسل . ففي الحديث النبوى الصحيح : (( ما من مولود يولد الا على الفطره فابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه )) (5 ) وفي حديث اخر : (( اني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم )) ( 6 )
فقد انحرف كثير من الناس عن فطرتهم وخاصة في المراحل الاولى من تطور البشريه العقلي والثقافي فعبدوا مايحيط بهم من ظاهرات طبيعيه كالنار والجبال والقمر والشمس والكواكب وحتى الحيوانات و بل الانسان نفسه صارت الهه. وفي كل مره نقب فيها الاثريون في الارض بحثا عن اثار حضاره ما , اكتشفوا في الشواهد الحفريه على ما كان للانسان من تصورات في بحثه عن الله . وقد تخيل الانسان الله في تلك الازمان في صور لاتحصى من العبادات حفرها في الحجر او على البرونز او الخشب . وهنا يرسل الله الرسل لكي يبصروا الناس بالمعنى الحقيقي للتعالى الالهى , وذلك بغرز الايمان في النفوس , لا بالظاهرات الطبيعيه , بل بالله الواحد الاحد
ان القصص التي قصها القران الكريم عن سيدنا ابراهيم , ونوح , وصالح , وهود وغيرهم المرسلين تصور الصراع العنيف بين دعوه هؤلاء الرسل الى عباده الاله الواحد , واصرار قومهم على ماوجدوا ابائهم واجدادهم عليه . اذا فليس بين القران الكريم وبين دراسه الاديان المقارنه خلاف من هذه الناحيه , على ان علم دراسه الاديان المقارنه لم يستطع ولن يستطيع من الناحيه العلميه ان ينفي ان الوحدانيه سبقت الشرك وتعدد الا لهه , وانها ليست من تصورات الانسان في الارض بل انزلت من السماء , ولكن سرعان ما راحت تفقد تدريجيا بعض نقاوتها وصفاءها بفعل عوامل الشرك المتعدده . ولم تظهر الوحدانيه في المخلفات الانسانيه جلية كما ظهرت اثار التعدد والشرك , لان الوحدانيه ايمان بالغيب وطاعات واعمال صارمه والعقل البدائي من طبعه الايمان بالمحسوس والمشاهد فلذلك طغت مظاهر الشرك والوثنيه طغيانا تاما لم يدع الفرصه لظهور الوحدانيه بنفس الصوره التي ظهرت بها اثار الشرك , يقول الله تبارك وتعالى (( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهو مشركون )) ويقول تعالى (( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )) . ومع هذا فان اثار الوحدانيه لاتزال ظاهرة في عقائد القبائل البدائيه المتاخره في افريقيا وغيرها من القارات وهذا دليل على سبق الوحدانيه رغم تاثرها بمظاهر الشرك الطاغيه . واذا كانت الدراسات المقارنه قد استطاعت وبحق ان تلقي بعض الضوء على كيفيه تطور فكره (( الاله الطبيعي المختلق )) في العقول , فانها لاتستطيع ان تنفي انه بجانب هذا الاله الطبيعي المختلق كان هناك اله واحد حقيقي امنت به القله على ايدي رسل الله الصادقين الذين ان شك الناس في معجزاتهم فلن يشكوا – عند دراسه سيرتهم – في صدقهم وايمانهم , وتضحياتهم الكبيره في سبيل تبليغ ما كلفوا به للناس . ويمكننا الافتراض وذلك لنلتقي مع اصحاب الديانات المقارنه ان الناس بعد ادم عليه السلام قد كفرت وضاع التوحيد , وساد الشرك , وتعددت الارباب بحيث بدى الامر وكانه لم يكن هنالك توحيد البته , مع انه سبق وان كان , الا ان معالمه طمست وضاعت , ثم راحت تتوالى الرسالات الالهيه والاديان السماويه . ( 7 ) يؤيد ذلك قوله تعالى : (( كان الناس امه واحده )) اى كانو على هدى جميعا على مله ادم فاختلفوا فعبدوا الا صنام (( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفو فيه ومااختلف فيه الا اللذين اوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ( 8 )
وتوجد في القران الكريم قصه تعكس لنا تجربه نبي الله ابراهيم الدينيه مع قومه الذين كانو يعبدون الكواكب , وهو يسعى الى توعيتهم كيف ان الانسان يستطيع ان يكتشف وجود الله من خلال تامل الكون : (( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ياقوم اني بريء مما تشركون . اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين )) . ( 9 )
هذه القصه تبرز ماللعقل الانساني وذكائه من دور يؤديانه في مجال الايمان وما للوعي من جهد شخصي يبذله بتخليص الاعتقاد الديني شيئا فشيئا من جميع الوسائط الماديه التي تزيف معناه . وهي تعبر كذلك عن مراحل المغامره الروحيه التي مرت بها الانسانيه في صراعها بين عباده الكواكب والشمس وبين الايمان بالله وتوحيده . وبفضل تعاقب ايات الوحي وتراكم التجربه الانسانيه على مر القرون وبفضل التطور الثقافي للبشريه اخذ الايمان بالله في بطىء ومشقه يحتل الصداره وقد تخلت (( الفيتشيه )) وتعدد الارباب عن مكانها لوحدانيه الديانات السماويه التي تجلت نهائيا في اخر دين سماوى ظهر على الارض , الا وهو الاسلام , الذي سجل في هذا الامر مرحله حاسمه فالغى البقايا التصويريه الموروثه عن المعتقدات الوثنيه البدائيه , وحطم الاصنام , وحرم تمثيل الله في اشكال ما هي الا نتاجا للخيال الساذج . وقد وجه الاذهان نحو فكره متعاليه عن اله واحد احد لا يشبهه شيء مما يمكن ان يخطر على بالنا ( 10 )
ولربما يقدم لنا (( الكتاب المقدس )) صوره واضحه عن كيفيه الصراع بين التوحيد والشرك والوثنيه . فبالرغم من توالي الانبياء داخل المجتمع الاسرائيلي نرى كيف كان يجنح اليهود نحو عباده بعل وعشتروت والكواكب واجناد السماء . وقد بذل اولئك الانبياء جهودا مظنيه لاعاده اليهود نحو عباده اله واحد , خالق السماوات والارض . ومع هذا فان التوحيد الذي استقر اخيرا وسط اليهود قبل بعثه عيسى عليه السلام لم يكن توحيدا خالصا ويكفي تصفح التوراة لكي نرى تلك الاوصاف المخجله التي يصف بها مدونوا التوراه رب العالمين من (( تعب )) و (( ندم )) و غيرها من الصفات اضافه الى التجسيد والتشبيه الذي الحقوه به . خذ مثلا هلاك قوم لوط في سفر التكوين , حيث يزعم مدونوا التوراه انه بينما كان ابراهيم عليه السلام في مظربه (( ظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمه وقت حر النهار )) مع رجلين فذبح لهم ابراهيم عجل طري طبخته زوجته وقدمه ابراهيم لهم مع خبز وزبد ولبن فاكلوا )) ( 11) ثم ظهر ليعقوب عند مخاضه يبوق ليلا فصارعه حتى طلوع الفجر ( 12 ) ثم رأه موسى مرتين رؤيا العين الاولى من قفا ( 13 ) والثانيه من امام مع سبعون شيخا من شيوخ اسرائيل (( فرأوا الله واكلوا وشربوا )) ( 14 )
ولم تختلف المسيحيه عن اليهوديه بل كانت اسوء منها في ذلك , فقد رفعوا المسيح الى مقام الالوهيه وانزلوا الله تعالى الى منزله البشر . وبذلك تبين لنا المسيحيه بصوره واضحه كيف كان يقوم البشر بتاليه الانبياء والصالحين وكيف يضيع التوحيد ويسود الشرك .
اما الاسلام فهو الدين الذي خلص من شوائب اى تشبيه فقد اعطى (( الالوهه )) حقها الكامل المطلق من التنزيه . فالله سبحانه وتعالى (( ليس كمثله شيء )) يقول الله وتعالى (( افمن يخلق كمن لا يخلق )) .
وهكذا شهدنا ظاهرتين كبيرتين اسهمتا في انضاج الوعي الديني لدى الانسان , والامر يتعلق هنا من جهه بحركه متصاعده تاتي من الانسان الذي تدفعه فطرته للبحث بعقله عن اكتشاف سبب كلي لوجوده ولوجود الكون والقوه التي فطرته , ويتعلق من جهه اخرى بحركه متعاليه تاتي من الله تعالى لترشد الوعي الانساني ولتلقن الانسان المعنى الالهى لحياته ولمصيره , والنظام الاخلاقي و الروحي الذي يترتب عليه . ووحي النبوه يتجلى حينئذ مثل انبثاق نور على العالم في ازمان مختلفه تكون فيها البشريه في اعمق ازماتها الروحيه والاجتماعيه بحيث تكون عاجزه عن الخروج من ازمتها بقدرتها الذاتيه الا بالنبوه ذاتها , فيهبط الوحي باراده الله ورحمه بها لينير لها الطريق ويحدد لها المعالم التي يمكن ان تعتقها مما هي فيه . (( ان الرساله ضروريه للعباد ولابد منها , وحاجتهم اليها – كما يقول ابن تيميه رحمه الله – فوق حاجتهم الى كل شيء , والرساله روح العالم ونوره وحياته و فأى صلاح للعالم اذا عدم الروح والحياة والنور ؟والدنيا مظلمه ملعونه الا ماطلعت عليه شمس الرساله و كذلك العبد مالم تشرق في قلبه شمس الرساله ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الاموات , قال الله تعالى : (( او من كان ميتا فاحييناه , وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ )) فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ضلمه الجهل فأحياه الله بروح الرساله ونور الايمان , وجعل له نورا يمشي به في الناس , واما الكافر فميت القلب في الظلمات )) . ( 15)
والبشريه بحاجه الى الرسل اكثر من حاجتهم الى الشمس والماء (( فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في امره ونهيه , وهم السفراء بينه وبين عباده)). (16)
والله تعالى يختار اناس للنبوه قبل ان يخلق الخلائق فيكونون فيما بعد مثالا مقبولين لدى البشر بما يضع فيهم من خصال حميده ومزايا , وبالفطره التي يفطرون عليها . فقد قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : (( اني عند الله خاتم النبيين وان ادم لمجندل في طينته )) ( 17 ) اما ارميا فقد اعتقد بنبوته قبل ان يولد : (( قبلما صورتك في البطن عرفتك , وقبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبيا للشعوب )) ( 18 ) وبما ان النبوه مقرره سلفا فقد وهب الله من اختاره للنبوه من الصفات مايجعله مقبولا من البشر , وهذا مابينه القران الكريم مخاطبا نبيه موسى : (( والقيت عليك محبه مني ولتصنع على عيني )) ( 19 ) وتكون مهمه النبي ايصال الوحي الى البشر , ذلك ان الله لايعطى وحيا خاصا لكل انسان بل يرسل وحيا عاما في كل فتره من الزمان وذلك اقرارا باجتماعيه الوجود الانساني , فالنبوه لاتكون ابدا حيث لايكون هناك كيان اجتماعي , حيث تصبح محور بنائه النظري والعقائدي . لذا فان النبوه مع كونها وحيا سماويا فان لها انبثاق محدد له ابعاده الاجتماعيه في التاريخ , وان دراسه تاريخ الرسالات تبرهن على تواتر هبوط الوحي بشكل خاص حين الشدائد والازمات الدينيه والاجتماعيه التي تعيشها الامم والشعوب والناتجه بشكل خاص عن انحراف الانسان عن فطرته وعن منهاج النبوات السابقه . لذلك تعمل النبوه على اعاده الانسان الى الطريق الموصل الى الله سبحانه وتعالى بعد انحرافه عنه نتيجه السقوط في براثن الشرك والوثنيه وتعدد الارباب .
وهكذا نجد ان الاسلام يقدم في مجال علم الاديان مذهبا متماسكا يؤكد على ان فكره التوحيد الخالص قد ظهرت منذ ظهور الانسان , اى منذ ادم عليه السلام . وانه في الوقت الذي تؤكد فيه اليهوديه على خيريه بني اسرائيل على العالمين واقتصار الوحي على انبيائهم , وكذلك تنحو المسيحيه لنفس المنحى مع تاكيدها على انه لا خلاص خارج الكنيسه , وانه لانبي بعد عيسى الذي فدى البشريه على الصليب لكي يمحو خطاياها , نجد ان الاسلام يعلن بشكل واضح ان الله لم يخص برسالته امه من الامم لوحدها بل انه ارسل الى كل امه رسولا او نبي ليهديها , لانه هكذا تقتضي عدالته ولكي لايكون للناس على الله حجه من بعد الرسل . وان كل رسول من هؤلاء الرسل دعى امته الى عباده اله واحد : (( ولقد بعثنا في كل امه رسولا ان اعبدو الله واجتنبو الطاغوت )) ( 20 ) والامثله كثيره في القران الكريم على ذلك , فقد ارسل الله نوحا وهودا وصالحا وابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الانبياء الذين اخبرنا الله عنهم . ولقد حمل هؤلاء الانبياء والرسل جميعا دعوه واحده هي (( التوحيد )) : (( اعبدو الله مالكم من اله غيره )) يقول الله سبحانه وتعالى : (( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الا انا فاعبدون )) (21)
هؤلاء الرسل جميعا بعثوا بدين الاسلام . فالاسلام قديم قدم البشريه ذاتها وهو الدين الحقيقي الذي بعث به الله الرسل منذ ادم مرورا بنوح وابراهيم عليهما السلام حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي به اختتمت الرسالات كلها . وتوضح الايات القرانيه التاليه كون الاسلام دين جميع الرسل , فهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه : (( فان توليتم فما سالتكم من اجر ان اجري الا على الله وامرت ان اكون من المسلمين )) . (22) وقال الله عن ابراهيم : (( ماكان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) . (23) وقال يوسف الصديق : (( توفني مسلما والحقني بالصالحين )) . (24) وقال موسى : (( ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين )) . (25) وقال الله عن السحره : (( ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين )) (26) وعن فرعون : (( امنت انه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين )) ( 27) وقالت بلقيس : (( رب اني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان لله رب العالمين )) . ( 28) وقال في التوراه : (( يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار )).(29) وعيسى عليه السلام : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله ؟ قال الحواريون نحن انصار الله امنا بالله واشهد بانا مسلمون )) . (30)
وكل نبي من هؤلاء الانبياء جاء بكتاب لتكميل التعاليم السماويه السابقه عليه . وقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى ببعض هذه الكتب كصحف ابراهيم والتوراه, والزبور , والانجيل , وكان اخرها القران الكريم الذي انزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
وكلما نهض نبي لتبليغ الرساله , ايد رساله سابقه , مضيفا اليها توجيها وتوضيحا ومواءمة جديده . ولم يقتصر على تخليص العقيده من الفشاوات والبقايا الوثنيه التي علقت بها , ومن الاخطاء والتفسيرات الزائفه المتراكمه على مر الزمان , بل حرص عل جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه على مر الزمان , بل حرص على جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه في تلك الفتره , وذلك وفق ماهو موحى اليه . فهكذا كان عامل الرقي والكمال والصلاح يعمل عمله قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم , لذا لم يحفظ الله سبحانه وتعالى تعاليم هؤلاء الرسل بعد مضي زمانهم , لان الناس ماكانوا بحاجه الى تعليم ناقص سابق اذا جاءهم تعليم كامل جديد , حتى اوتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعليم الاسلام الناضج والشامل والصالح للبشريه جمعاء حتى يوم القيامه . وهكذا نسخت شرائع سائر الانبياء برساله محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لان اتباع التعليم الناقص ازاء الكامل امر يخالف العقل . وبذلك صار انه من اتبع محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع الرسل والانبياء جميعا , لان كل ماكان من الخير في تعاليم الانبياء الاقدمين يوجد اليوم في تعاليم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم , ومن اعرض عنه واتبع نبيا غيره , فقد حرم كثيرا من الخيرات التي اضيفت فيما بعد ولم تكن في التعاليم السابقه .
في الواقع ان الاسلام يعلن (( انه الحلقه الاخيره في سلسله الاديان التي ترتبط بوحدة الأيمان, ووحده الايمان تفرضها وحده المصدر بصوره قاطعه لاتقبل الجدل ولا التشكيك , ولايغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الانبياء الذين ارسلهم الله الى عباده . وربما يكون لعامل الزمن اثره الواضح في اختلاف التشريعات التي يفترض فيها ان تنسجم مع المستوى الفكري والمعاشي لمن تكون لهم , ولكن الايمان يبقى واحدا في اساسه . (( 31)) وثمه ايتين في القران الكريم تؤكدان هذه الحقيقه , حقيقه الايمان وتغير التشريعات . قال الله تعالى : (( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيمو الدين ولا تتفرقوا فيه )) . (32) وقال تعالى ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا )) (33) فالايه الاولى تعني : وحده الايمان في اسسه , والثانيه تعني متغيرات الشريعه , ومايعود الى الاعمال.
ومن هنا كان الاسلام يشمل على امتداد في المعتقد الديني , يعرض لقضيه البشريه, من نشاتها الى غايتها , في ايجاز واجمال .. وبالتالي كان المسلمون مطالبين بتصديق الانبياء والرسل جميعا . قال تعالى : (( قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون )) . (34)
وكما تبين فان الرسالات السابقه كلها كانت موجهه الى اقوام خاصه بعينها , ولم تكن اى منها موجهه الى الناس جميعا . غير ان هذا التوجيه قد بدا محدودا في رساله موسى , ثم فتحت ابوابه اكثر في رساله عيسى عليهما السلام , لتتهيأ الانسانيه لاستقبال رساله محمد صلى الله عليه وسلم . فلقد امر موسى عليه السلام بان يتجاوز محيط قبيلته من بني اسرائيل ليذهب الى فرعون (( اذهب الى فرعون انه طغى )) . (35) ذلك ان قوم موسى كانوا يعيشون في عبوديه فرعون في مصر . الا ان موسى احس انه بحاجه الى عون في تبليغ رسالته الى طاغيه مصر (( قال رب اشرح لى صدري ويسر لي امري واحلل عقده من لساني يفقهوا قولي . واجعل لى وزيرا من اهلي . هارون اخي اشدد به ازري )) . (36) وكان له مااراد (( قال قد اوتيت سؤالك ياموسى )) , (( اذهب انت واخوك باياتي ولا تنسيا في ذكري . اذهبا الى فرعون انه طغى )) . (37)
موسى وهارون يحملون رساله الى من لاينتمون الى بني اسرائيل . الى طاغيه بصفته فرعونا حاكما في مصر والى طاغيين معنيين بالاسم هما قارون وهامان (( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وماكانوا سابقين )) . (38) وكانت تلك بدايه خروج الرساله الدينيه من الاطار القبلي الى شعب اخر , الى المصريين الذين كانت لهم الهتهم الخاصه , والتي كانت ترمز للبيئه الجغرافيه في وادي النيل . وكان فرعون فوقهم (( الها )) و (( وابن اله)) ومالكا وحيدا للارض وللناس وخالدا – وفق اساطيرهم – بعد الموت لايموت . فكانت رساله موسى واخيه موجهه الى المصريين عن طريق مخاطبه حاكمهم فرعون ورجاله . وقد افزعت رساله موسى فرعون واعتبرها تهديدا لملكه من قبل بني اسرائيل القاطنين في مصر (( ونادى فرعون في قومه قال ياقوم اليس لي ملك مصر )) . (39) وما ان رفض فرعون الاستجابه للرساله وبدات المطارده حتى طارد فرعون وجنده (( بني اسرائيل )) كلهم وليس موسى وهارون وحدهما : (( يابني اسرائيل قد انجيناكم من عدوكم )) . ( 40)
وكما تبين اعلاه فان هذا الخروج بالدين من اطاره القبلي الى اطار شعب اخر ظل محدودا في وسيلته ومداه . ثم ان موسى لم يرسل الى شعب اخر مره ثانيه .
ايا ماكان الامر فان رساله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هي التي تسمو بالدين فوق الانتماء القبلي والشعبي الى افاق اوسع وارحب , وبشر بانه يمهد لتقبل رساله عالميه هي الاسلام . فلقد عرفنا من القران الكريم , انه كان رسولا الى بني اسرائيل خاصه : (( ورسولا الى بني اسرائيل )) . (41) وهذا مايؤكد عليه الانجيل كذلك , حيث قال المسيح : (( لم ارسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضاله )) . (42) وقد بقى كذلك مابقي رسولا . ولكن رسالته اليهم كانت تتضمن اضافه الى التصديق بشريعه موسى , دعوه وبشرى بالخروج من مضيق علاقة الانتماء العرقي الى رحاب العالميه والاخوه في الدين . (( واذ قال عيسى ابن مريم يابني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراه مبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد )) . (43) فلما كذبوه حدث ذلك الامر الجليل , وسقطت علاقات الانتماء العرقي وسمت علاقه الانتماء الديني لتكون (( في الله )) وحده , وقد قصر علينا القران الكريم قصه تلك الطفره العظيمه في الايه 25 من سوره ال عمران : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله , قال الحواريون نحن انصار الله , امنا به , واشهد بانا مسلمون )) . ومن العجيب ان المسيح نفسه لم يكن اسرائيليا الا عن طريق الام , مما يجعل الرساله الشامله للا نسانيه كلها في مرحله لاحقه امرا مترابطا مع ماسبقه من تحولات في طبيعه الرساله السماويه . والحق ان بني اسرائيل لم يروا في الوحي رساله وامانه بل رئوا فيه مصدرا للتميز والتفوق على سائر الشعوب والامم , فشوهوا بذلك الوجه الحقيقي للوحي , بسبب انانيتهم ومركزيتهم العرقيه الذاتيه . ومع ذلك فان اليهود لم يلتزموا بما فرضه الله عليهم , بل عصوا وتمردوا , وليس هنالك سفر واحد من اسفار انبياءهم قد خلا من وصف اليهود بالعصيان والتمرد ونقض العهد وصلابه الرقاب وحب المخالفه . وان السبب في تتابع الوحي لدى الاسرائيليين ولمده طويله راجع الى همجيه القبائل اليهوديه وعنادها وجنوح اليهود منذ ابتداء الوحي الى الوثنيه وعباده الهه اخرى . ومالرغم من هذا التعدد اللا مالوف في انبياء بني اسرائيل , والذي شكل ظاهره لا مثيل لها فات المرء يلحظ نبره اسى وحزن لعدم توبه هذا الشعب وسلوكه في طريق الرب , في اقوال الانبياء والمرسلين اليهم . وهكذا اصبحت النزعه اليهوديه بطباعها القومي المغلق تمثل مازقا لابد من تجاوزه فجاء المسيح بعد ان صارت الشريعه على ايدي الاحبار اليهود شكليه وبعيده عن جوهرها الحقيقي , وذلك تمهيدا للرساله العالميه , رساله الاسلام , التي بشر المسيح عن قدومها .
ان مما يلفت النظر في الاسلام هو ان الخطاب القراني موجه للبشريه كلها , بينما كان الخطاب في التوراه, وكذلك فيما بلغنا الانجيل , موجها الى بني اسرائيل الذين انعم الله عليهم بالنبوه التي اضطلعوا في اداء رسالتها زمنا ثم فشلوا . ومع هذا اعتبروا انفسهم شعبا مختارا . ثم مثلت رساله محمد صلى الله عليه وسلم تحولا جذريا في الخطاب الالهي . لقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع وثني قبلي , وكان ينتمي الى قبيله قريش . وكان محيطه العربي لايقل حرصا على الانساب مما فعل اليهود في التوراه . وان الغريب في هذه الحاله هو اننا لانجد في القران الكريم الا اشاره واحده الى قريش (( ايلافهم رحله الشتاء والصيف )) (44) ولا نجد ذكرا لغيرها من القبائل , لابل وللعرب عموما , الا تعابير مثل (( الاميين )) وانه (( ذكر لك ولقومك )) . وعن عربيه لغه القران . ان الخطاب القراني موجه دائما اما للانسان كفرد مسؤول عن نفسه (( ولا تزر وازره وزر اخرى )) (45) واما الناس عموما (( وما ارسلناك الا كافه للناس بشيرا ونذيرا )) (46)
وهكذا فان الخطاب القراني يمثل تحولا في حياة البشريه , ويفتح عهدا جديدا من مجموعه مغلقه دمويا ( القبائل ) او ثقافيا ( الشعوب ) الى الانفتاح على وحده الشعور بوحده الانحدار (( من ذكر وانثى )) اى من اسره واحده (( الناس بنو ادم و ادم خلق من تراب )) (47) هذه الاسره الواحده , الاختلافات والخصوصيات فيها عوامل تحاب وتعارف لا تنافر (( ياايها الناس انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم , ان الله عليكم خبير )) . (48) ان القران الكريم سما بصفه عجيبه في المحيط الذي نزل فيه الى مالم نحققه حتى اليوم : وحده الا نسانيه . ان الروابط بين افراد الشعوب هو وهم الأنحدار من دم واحد , بينما الروابط بين افراد الشعوب هو ثقافي اساسا , فمهما اختلفت الروابط التي كانت تربط بين الناس دمويه كانت , حقيقه او وهما , لايهم او ثقافيةحضاريه فان الله تعالى يطلب من الناس كافه ان يجعلوا من اختلافاتهم وخضوضيتهم التي ميزهم بها عوامل تحاب وتعارف وتنافس في التقوى,اي في الخير والبر.
د.عادل مرعي الراوي
بسم الله الرحممن الرحيم
1-النبوه والانبياء
ان الابحاث والدراسات الاجتماعيه والتاريخيه اثبتت ان الدين قد وجد منذ وجود الانسان . وان فكره الخالق والاعتقاد به تستند على احساس فطري عميق والى شعور صاف وشفاف في النفس الانسانيه . فا لتدين عنصر ضروري كامن في فطره الانسان , وفيه وحده يجد امكانيه تحقيق مطامحه العليا , كما يجد فيه الوجدان ضالته المنشوده لتحقيق عواطفه النبيله في الحياه . وهو عنصر ضروري لبناء وتكميل قوه الاراده الانسانيه , فيمدها باعظم الدوافع والبواعث وباكبر وسائل المقاومه لعوامل الياس والقنوط .
ان الايمان با لله هو الزاد الروحي الذي يتزود به الانسان في رحله الحياه , وان الانسان في كل مكان وزمان قد شعر بحافز يحفزه الى الاستنجاد بمن هو اسمى منه واقوى واعظم , مما يدل على ان الدين فطري فيه وان شعوره بوجود قوة خارجيه للخير والشر هو في الحقيقه اعتراف بوجود الله .
ان الانسان مخلوق وهب الوعي والعقل وبفضل ذكائه الاعلى اكتشف وسائل الاختراع للسيطره على الطبيعه التي خلقها الله له بغيه استعمارها وتحصيل معاشه وتامين مستقبله . ولكن وعي الانسان لا يقتصر على حاجاته الجسديه وحدها بل ينبسط الى ما وراء ذاته في الزمان والمكان . ذلك ان الانسان بعد ان يعي ذاته لم يستطع ان يمنع نفسه من التساؤل عن معنى وجوده ووجود العالم الذي من حوله . وهكذا استشعر بغريزته وجود قوى اعلى هي التي خلقته وخلقت العالم وهي التي تقوده الى مصير خفي . ( 1)
والقران الكريم حينما يؤكد على ان التدين فطره في النفس البشريه في قوله تعالى :(( فاقم وجهك للدين حنيفا فطره الله التي فطر الناس عليها ,لاتبديل لخلق الله ,ذلك الدين القيم ...)) ( 2 ) فانه يقرر حقيقه هذه الفطره الدينيه المركوزه في ضمائر الناس , ويصورها على هيئه (( ميثاق )) قديم انعقد بين الارواح الادميه وهي في الاصلاب , وبين بارئها القدير الخبير . وهو قائم على ايمان البشريه به عز وجل وافراده بالالوهيه والعباده دون سواه . ويتضح ذلك في قوله تبارك وتعالى : (( واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم ,واشهدهم على انفسهم الست بربكم , قالوا بلى .. شهدنا ... )) (3)
اما كيف اخذ الله من بني ادم من ضهورهم ذريتهم وكيف اشهدهم على انفسهم وكيف خاطبهم (( الست بربكم )) وكيف اجابوه (( بلى شهدنا )) , فانه من علم الغيب لا يعلمه الا هو سبحانه وتعالى , ولا يملك العقل البشري كيفيات فعل الله وما عليه سوى القبول بذلك وامتثاله , فالله عز وجل ليس كمثله شيء ولا يستبعد التفسير الذي اورده ابن كثير عن طائفه من السلف والخلف : ان المراد بالميثاق هو عهد الفطره .. أي ان الله تعالى انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبيه وحده واوجدهم شاهدين بذلك , قائلين به بلسان حالهم ( 4)
وعلى ضوء ماتقدم ندرك ان الايمان بالله فطره كامنه في كل قلب بشري , فلا حجه لهم في نقض (( الميثاق)) .. اما الرسالات فهي تذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الاولى , فقد اقتضت رحمه الله الا تكلهم الى فطرتهم هذه فقد تنحرف , ولا الى عقولهم فقد تضل ..ولئلا يكون للناس على الله حجه بعد الرسل . ففي الحديث النبوى الصحيح : (( ما من مولود يولد الا على الفطره فابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه )) (5 ) وفي حديث اخر : (( اني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم )) ( 6 )
فقد انحرف كثير من الناس عن فطرتهم وخاصة في المراحل الاولى من تطور البشريه العقلي والثقافي فعبدوا مايحيط بهم من ظاهرات طبيعيه كالنار والجبال والقمر والشمس والكواكب وحتى الحيوانات و بل الانسان نفسه صارت الهه. وفي كل مره نقب فيها الاثريون في الارض بحثا عن اثار حضاره ما , اكتشفوا في الشواهد الحفريه على ما كان للانسان من تصورات في بحثه عن الله . وقد تخيل الانسان الله في تلك الازمان في صور لاتحصى من العبادات حفرها في الحجر او على البرونز او الخشب . وهنا يرسل الله الرسل لكي يبصروا الناس بالمعنى الحقيقي للتعالى الالهى , وذلك بغرز الايمان في النفوس , لا بالظاهرات الطبيعيه , بل بالله الواحد الاحد
ان القصص التي قصها القران الكريم عن سيدنا ابراهيم , ونوح , وصالح , وهود وغيرهم المرسلين تصور الصراع العنيف بين دعوه هؤلاء الرسل الى عباده الاله الواحد , واصرار قومهم على ماوجدوا ابائهم واجدادهم عليه . اذا فليس بين القران الكريم وبين دراسه الاديان المقارنه خلاف من هذه الناحيه , على ان علم دراسه الاديان المقارنه لم يستطع ولن يستطيع من الناحيه العلميه ان ينفي ان الوحدانيه سبقت الشرك وتعدد الا لهه , وانها ليست من تصورات الانسان في الارض بل انزلت من السماء , ولكن سرعان ما راحت تفقد تدريجيا بعض نقاوتها وصفاءها بفعل عوامل الشرك المتعدده . ولم تظهر الوحدانيه في المخلفات الانسانيه جلية كما ظهرت اثار التعدد والشرك , لان الوحدانيه ايمان بالغيب وطاعات واعمال صارمه والعقل البدائي من طبعه الايمان بالمحسوس والمشاهد فلذلك طغت مظاهر الشرك والوثنيه طغيانا تاما لم يدع الفرصه لظهور الوحدانيه بنفس الصوره التي ظهرت بها اثار الشرك , يقول الله تبارك وتعالى (( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهو مشركون )) ويقول تعالى (( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )) . ومع هذا فان اثار الوحدانيه لاتزال ظاهرة في عقائد القبائل البدائيه المتاخره في افريقيا وغيرها من القارات وهذا دليل على سبق الوحدانيه رغم تاثرها بمظاهر الشرك الطاغيه . واذا كانت الدراسات المقارنه قد استطاعت وبحق ان تلقي بعض الضوء على كيفيه تطور فكره (( الاله الطبيعي المختلق )) في العقول , فانها لاتستطيع ان تنفي انه بجانب هذا الاله الطبيعي المختلق كان هناك اله واحد حقيقي امنت به القله على ايدي رسل الله الصادقين الذين ان شك الناس في معجزاتهم فلن يشكوا – عند دراسه سيرتهم – في صدقهم وايمانهم , وتضحياتهم الكبيره في سبيل تبليغ ما كلفوا به للناس . ويمكننا الافتراض وذلك لنلتقي مع اصحاب الديانات المقارنه ان الناس بعد ادم عليه السلام قد كفرت وضاع التوحيد , وساد الشرك , وتعددت الارباب بحيث بدى الامر وكانه لم يكن هنالك توحيد البته , مع انه سبق وان كان , الا ان معالمه طمست وضاعت , ثم راحت تتوالى الرسالات الالهيه والاديان السماويه . ( 7 ) يؤيد ذلك قوله تعالى : (( كان الناس امه واحده )) اى كانو على هدى جميعا على مله ادم فاختلفوا فعبدوا الا صنام (( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفو فيه ومااختلف فيه الا اللذين اوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ( 8 )
وتوجد في القران الكريم قصه تعكس لنا تجربه نبي الله ابراهيم الدينيه مع قومه الذين كانو يعبدون الكواكب , وهو يسعى الى توعيتهم كيف ان الانسان يستطيع ان يكتشف وجود الله من خلال تامل الكون : (( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ياقوم اني بريء مما تشركون . اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين )) . ( 9 )
هذه القصه تبرز ماللعقل الانساني وذكائه من دور يؤديانه في مجال الايمان وما للوعي من جهد شخصي يبذله بتخليص الاعتقاد الديني شيئا فشيئا من جميع الوسائط الماديه التي تزيف معناه . وهي تعبر كذلك عن مراحل المغامره الروحيه التي مرت بها الانسانيه في صراعها بين عباده الكواكب والشمس وبين الايمان بالله وتوحيده . وبفضل تعاقب ايات الوحي وتراكم التجربه الانسانيه على مر القرون وبفضل التطور الثقافي للبشريه اخذ الايمان بالله في بطىء ومشقه يحتل الصداره وقد تخلت (( الفيتشيه )) وتعدد الارباب عن مكانها لوحدانيه الديانات السماويه التي تجلت نهائيا في اخر دين سماوى ظهر على الارض , الا وهو الاسلام , الذي سجل في هذا الامر مرحله حاسمه فالغى البقايا التصويريه الموروثه عن المعتقدات الوثنيه البدائيه , وحطم الاصنام , وحرم تمثيل الله في اشكال ما هي الا نتاجا للخيال الساذج . وقد وجه الاذهان نحو فكره متعاليه عن اله واحد احد لا يشبهه شيء مما يمكن ان يخطر على بالنا ( 10 )
ولربما يقدم لنا (( الكتاب المقدس )) صوره واضحه عن كيفيه الصراع بين التوحيد والشرك والوثنيه . فبالرغم من توالي الانبياء داخل المجتمع الاسرائيلي نرى كيف كان يجنح اليهود نحو عباده بعل وعشتروت والكواكب واجناد السماء . وقد بذل اولئك الانبياء جهودا مظنيه لاعاده اليهود نحو عباده اله واحد , خالق السماوات والارض . ومع هذا فان التوحيد الذي استقر اخيرا وسط اليهود قبل بعثه عيسى عليه السلام لم يكن توحيدا خالصا ويكفي تصفح التوراة لكي نرى تلك الاوصاف المخجله التي يصف بها مدونوا التوراه رب العالمين من (( تعب )) و (( ندم )) و غيرها من الصفات اضافه الى التجسيد والتشبيه الذي الحقوه به . خذ مثلا هلاك قوم لوط في سفر التكوين , حيث يزعم مدونوا التوراه انه بينما كان ابراهيم عليه السلام في مظربه (( ظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمه وقت حر النهار )) مع رجلين فذبح لهم ابراهيم عجل طري طبخته زوجته وقدمه ابراهيم لهم مع خبز وزبد ولبن فاكلوا )) ( 11) ثم ظهر ليعقوب عند مخاضه يبوق ليلا فصارعه حتى طلوع الفجر ( 12 ) ثم رأه موسى مرتين رؤيا العين الاولى من قفا ( 13 ) والثانيه من امام مع سبعون شيخا من شيوخ اسرائيل (( فرأوا الله واكلوا وشربوا )) ( 14 )
ولم تختلف المسيحيه عن اليهوديه بل كانت اسوء منها في ذلك , فقد رفعوا المسيح الى مقام الالوهيه وانزلوا الله تعالى الى منزله البشر . وبذلك تبين لنا المسيحيه بصوره واضحه كيف كان يقوم البشر بتاليه الانبياء والصالحين وكيف يضيع التوحيد ويسود الشرك .
اما الاسلام فهو الدين الذي خلص من شوائب اى تشبيه فقد اعطى (( الالوهه )) حقها الكامل المطلق من التنزيه . فالله سبحانه وتعالى (( ليس كمثله شيء )) يقول الله وتعالى (( افمن يخلق كمن لا يخلق )) .
وهكذا شهدنا ظاهرتين كبيرتين اسهمتا في انضاج الوعي الديني لدى الانسان , والامر يتعلق هنا من جهه بحركه متصاعده تاتي من الانسان الذي تدفعه فطرته للبحث بعقله عن اكتشاف سبب كلي لوجوده ولوجود الكون والقوه التي فطرته , ويتعلق من جهه اخرى بحركه متعاليه تاتي من الله تعالى لترشد الوعي الانساني ولتلقن الانسان المعنى الالهى لحياته ولمصيره , والنظام الاخلاقي و الروحي الذي يترتب عليه . ووحي النبوه يتجلى حينئذ مثل انبثاق نور على العالم في ازمان مختلفه تكون فيها البشريه في اعمق ازماتها الروحيه والاجتماعيه بحيث تكون عاجزه عن الخروج من ازمتها بقدرتها الذاتيه الا بالنبوه ذاتها , فيهبط الوحي باراده الله ورحمه بها لينير لها الطريق ويحدد لها المعالم التي يمكن ان تعتقها مما هي فيه . (( ان الرساله ضروريه للعباد ولابد منها , وحاجتهم اليها – كما يقول ابن تيميه رحمه الله – فوق حاجتهم الى كل شيء , والرساله روح العالم ونوره وحياته و فأى صلاح للعالم اذا عدم الروح والحياة والنور ؟والدنيا مظلمه ملعونه الا ماطلعت عليه شمس الرساله و كذلك العبد مالم تشرق في قلبه شمس الرساله ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الاموات , قال الله تعالى : (( او من كان ميتا فاحييناه , وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ )) فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ضلمه الجهل فأحياه الله بروح الرساله ونور الايمان , وجعل له نورا يمشي به في الناس , واما الكافر فميت القلب في الظلمات )) . ( 15)
والبشريه بحاجه الى الرسل اكثر من حاجتهم الى الشمس والماء (( فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في امره ونهيه , وهم السفراء بينه وبين عباده)). (16)
والله تعالى يختار اناس للنبوه قبل ان يخلق الخلائق فيكونون فيما بعد مثالا مقبولين لدى البشر بما يضع فيهم من خصال حميده ومزايا , وبالفطره التي يفطرون عليها . فقد قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : (( اني عند الله خاتم النبيين وان ادم لمجندل في طينته )) ( 17 ) اما ارميا فقد اعتقد بنبوته قبل ان يولد : (( قبلما صورتك في البطن عرفتك , وقبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبيا للشعوب )) ( 18 ) وبما ان النبوه مقرره سلفا فقد وهب الله من اختاره للنبوه من الصفات مايجعله مقبولا من البشر , وهذا مابينه القران الكريم مخاطبا نبيه موسى : (( والقيت عليك محبه مني ولتصنع على عيني )) ( 19 ) وتكون مهمه النبي ايصال الوحي الى البشر , ذلك ان الله لايعطى وحيا خاصا لكل انسان بل يرسل وحيا عاما في كل فتره من الزمان وذلك اقرارا باجتماعيه الوجود الانساني , فالنبوه لاتكون ابدا حيث لايكون هناك كيان اجتماعي , حيث تصبح محور بنائه النظري والعقائدي . لذا فان النبوه مع كونها وحيا سماويا فان لها انبثاق محدد له ابعاده الاجتماعيه في التاريخ , وان دراسه تاريخ الرسالات تبرهن على تواتر هبوط الوحي بشكل خاص حين الشدائد والازمات الدينيه والاجتماعيه التي تعيشها الامم والشعوب والناتجه بشكل خاص عن انحراف الانسان عن فطرته وعن منهاج النبوات السابقه . لذلك تعمل النبوه على اعاده الانسان الى الطريق الموصل الى الله سبحانه وتعالى بعد انحرافه عنه نتيجه السقوط في براثن الشرك والوثنيه وتعدد الارباب .
وهكذا نجد ان الاسلام يقدم في مجال علم الاديان مذهبا متماسكا يؤكد على ان فكره التوحيد الخالص قد ظهرت منذ ظهور الانسان , اى منذ ادم عليه السلام . وانه في الوقت الذي تؤكد فيه اليهوديه على خيريه بني اسرائيل على العالمين واقتصار الوحي على انبيائهم , وكذلك تنحو المسيحيه لنفس المنحى مع تاكيدها على انه لا خلاص خارج الكنيسه , وانه لانبي بعد عيسى الذي فدى البشريه على الصليب لكي يمحو خطاياها , نجد ان الاسلام يعلن بشكل واضح ان الله لم يخص برسالته امه من الامم لوحدها بل انه ارسل الى كل امه رسولا او نبي ليهديها , لانه هكذا تقتضي عدالته ولكي لايكون للناس على الله حجه من بعد الرسل . وان كل رسول من هؤلاء الرسل دعى امته الى عباده اله واحد : (( ولقد بعثنا في كل امه رسولا ان اعبدو الله واجتنبو الطاغوت )) ( 20 ) والامثله كثيره في القران الكريم على ذلك , فقد ارسل الله نوحا وهودا وصالحا وابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الانبياء الذين اخبرنا الله عنهم . ولقد حمل هؤلاء الانبياء والرسل جميعا دعوه واحده هي (( التوحيد )) : (( اعبدو الله مالكم من اله غيره )) يقول الله سبحانه وتعالى : (( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الا انا فاعبدون )) (21)
هؤلاء الرسل جميعا بعثوا بدين الاسلام . فالاسلام قديم قدم البشريه ذاتها وهو الدين الحقيقي الذي بعث به الله الرسل منذ ادم مرورا بنوح وابراهيم عليهما السلام حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي به اختتمت الرسالات كلها . وتوضح الايات القرانيه التاليه كون الاسلام دين جميع الرسل , فهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه : (( فان توليتم فما سالتكم من اجر ان اجري الا على الله وامرت ان اكون من المسلمين )) . (22) وقال الله عن ابراهيم : (( ماكان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) . (23) وقال يوسف الصديق : (( توفني مسلما والحقني بالصالحين )) . (24) وقال موسى : (( ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين )) . (25) وقال الله عن السحره : (( ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين )) (26) وعن فرعون : (( امنت انه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين )) ( 27) وقالت بلقيس : (( رب اني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان لله رب العالمين )) . ( 28) وقال في التوراه : (( يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار )).(29) وعيسى عليه السلام : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله ؟ قال الحواريون نحن انصار الله امنا بالله واشهد بانا مسلمون )) . (30)
وكل نبي من هؤلاء الانبياء جاء بكتاب لتكميل التعاليم السماويه السابقه عليه . وقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى ببعض هذه الكتب كصحف ابراهيم والتوراه, والزبور , والانجيل , وكان اخرها القران الكريم الذي انزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
وكلما نهض نبي لتبليغ الرساله , ايد رساله سابقه , مضيفا اليها توجيها وتوضيحا ومواءمة جديده . ولم يقتصر على تخليص العقيده من الفشاوات والبقايا الوثنيه التي علقت بها , ومن الاخطاء والتفسيرات الزائفه المتراكمه على مر الزمان , بل حرص عل جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه على مر الزمان , بل حرص على جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه في تلك الفتره , وذلك وفق ماهو موحى اليه . فهكذا كان عامل الرقي والكمال والصلاح يعمل عمله قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم , لذا لم يحفظ الله سبحانه وتعالى تعاليم هؤلاء الرسل بعد مضي زمانهم , لان الناس ماكانوا بحاجه الى تعليم ناقص سابق اذا جاءهم تعليم كامل جديد , حتى اوتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعليم الاسلام الناضج والشامل والصالح للبشريه جمعاء حتى يوم القيامه . وهكذا نسخت شرائع سائر الانبياء برساله محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لان اتباع التعليم الناقص ازاء الكامل امر يخالف العقل . وبذلك صار انه من اتبع محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع الرسل والانبياء جميعا , لان كل ماكان من الخير في تعاليم الانبياء الاقدمين يوجد اليوم في تعاليم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم , ومن اعرض عنه واتبع نبيا غيره , فقد حرم كثيرا من الخيرات التي اضيفت فيما بعد ولم تكن في التعاليم السابقه .
في الواقع ان الاسلام يعلن (( انه الحلقه الاخيره في سلسله الاديان التي ترتبط بوحدة الأيمان, ووحده الايمان تفرضها وحده المصدر بصوره قاطعه لاتقبل الجدل ولا التشكيك , ولايغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الانبياء الذين ارسلهم الله الى عباده . وربما يكون لعامل الزمن اثره الواضح في اختلاف التشريعات التي يفترض فيها ان تنسجم مع المستوى الفكري والمعاشي لمن تكون لهم , ولكن الايمان يبقى واحدا في اساسه . (( 31)) وثمه ايتين في القران الكريم تؤكدان هذه الحقيقه , حقيقه الايمان وتغير التشريعات . قال الله تعالى : (( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيمو الدين ولا تتفرقوا فيه )) . (32) وقال تعالى ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا )) (33) فالايه الاولى تعني : وحده الايمان في اسسه , والثانيه تعني متغيرات الشريعه , ومايعود الى الاعمال.
ومن هنا كان الاسلام يشمل على امتداد في المعتقد الديني , يعرض لقضيه البشريه, من نشاتها الى غايتها , في ايجاز واجمال .. وبالتالي كان المسلمون مطالبين بتصديق الانبياء والرسل جميعا . قال تعالى : (( قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون )) . (34)
وكما تبين فان الرسالات السابقه كلها كانت موجهه الى اقوام خاصه بعينها , ولم تكن اى منها موجهه الى الناس جميعا . غير ان هذا التوجيه قد بدا محدودا في رساله موسى , ثم فتحت ابوابه اكثر في رساله عيسى عليهما السلام , لتتهيأ الانسانيه لاستقبال رساله محمد صلى الله عليه وسلم . فلقد امر موسى عليه السلام بان يتجاوز محيط قبيلته من بني اسرائيل ليذهب الى فرعون (( اذهب الى فرعون انه طغى )) . (35) ذلك ان قوم موسى كانوا يعيشون في عبوديه فرعون في مصر . الا ان موسى احس انه بحاجه الى عون في تبليغ رسالته الى طاغيه مصر (( قال رب اشرح لى صدري ويسر لي امري واحلل عقده من لساني يفقهوا قولي . واجعل لى وزيرا من اهلي . هارون اخي اشدد به ازري )) . (36) وكان له مااراد (( قال قد اوتيت سؤالك ياموسى )) , (( اذهب انت واخوك باياتي ولا تنسيا في ذكري . اذهبا الى فرعون انه طغى )) . (37)
موسى وهارون يحملون رساله الى من لاينتمون الى بني اسرائيل . الى طاغيه بصفته فرعونا حاكما في مصر والى طاغيين معنيين بالاسم هما قارون وهامان (( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وماكانوا سابقين )) . (38) وكانت تلك بدايه خروج الرساله الدينيه من الاطار القبلي الى شعب اخر , الى المصريين الذين كانت لهم الهتهم الخاصه , والتي كانت ترمز للبيئه الجغرافيه في وادي النيل . وكان فرعون فوقهم (( الها )) و (( وابن اله)) ومالكا وحيدا للارض وللناس وخالدا – وفق اساطيرهم – بعد الموت لايموت . فكانت رساله موسى واخيه موجهه الى المصريين عن طريق مخاطبه حاكمهم فرعون ورجاله . وقد افزعت رساله موسى فرعون واعتبرها تهديدا لملكه من قبل بني اسرائيل القاطنين في مصر (( ونادى فرعون في قومه قال ياقوم اليس لي ملك مصر )) . (39) وما ان رفض فرعون الاستجابه للرساله وبدات المطارده حتى طارد فرعون وجنده (( بني اسرائيل )) كلهم وليس موسى وهارون وحدهما : (( يابني اسرائيل قد انجيناكم من عدوكم )) . ( 40)
وكما تبين اعلاه فان هذا الخروج بالدين من اطاره القبلي الى اطار شعب اخر ظل محدودا في وسيلته ومداه . ثم ان موسى لم يرسل الى شعب اخر مره ثانيه .
ايا ماكان الامر فان رساله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هي التي تسمو بالدين فوق الانتماء القبلي والشعبي الى افاق اوسع وارحب , وبشر بانه يمهد لتقبل رساله عالميه هي الاسلام . فلقد عرفنا من القران الكريم , انه كان رسولا الى بني اسرائيل خاصه : (( ورسولا الى بني اسرائيل )) . (41) وهذا مايؤكد عليه الانجيل كذلك , حيث قال المسيح : (( لم ارسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضاله )) . (42) وقد بقى كذلك مابقي رسولا . ولكن رسالته اليهم كانت تتضمن اضافه الى التصديق بشريعه موسى , دعوه وبشرى بالخروج من مضيق علاقة الانتماء العرقي الى رحاب العالميه والاخوه في الدين . (( واذ قال عيسى ابن مريم يابني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراه مبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد )) . (43) فلما كذبوه حدث ذلك الامر الجليل , وسقطت علاقات الانتماء العرقي وسمت علاقه الانتماء الديني لتكون (( في الله )) وحده , وقد قصر علينا القران الكريم قصه تلك الطفره العظيمه في الايه 25 من سوره ال عمران : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله , قال الحواريون نحن انصار الله , امنا به , واشهد بانا مسلمون )) . ومن العجيب ان المسيح نفسه لم يكن اسرائيليا الا عن طريق الام , مما يجعل الرساله الشامله للا نسانيه كلها في مرحله لاحقه امرا مترابطا مع ماسبقه من تحولات في طبيعه الرساله السماويه . والحق ان بني اسرائيل لم يروا في الوحي رساله وامانه بل رئوا فيه مصدرا للتميز والتفوق على سائر الشعوب والامم , فشوهوا بذلك الوجه الحقيقي للوحي , بسبب انانيتهم ومركزيتهم العرقيه الذاتيه . ومع ذلك فان اليهود لم يلتزموا بما فرضه الله عليهم , بل عصوا وتمردوا , وليس هنالك سفر واحد من اسفار انبياءهم قد خلا من وصف اليهود بالعصيان والتمرد ونقض العهد وصلابه الرقاب وحب المخالفه . وان السبب في تتابع الوحي لدى الاسرائيليين ولمده طويله راجع الى همجيه القبائل اليهوديه وعنادها وجنوح اليهود منذ ابتداء الوحي الى الوثنيه وعباده الهه اخرى . ومالرغم من هذا التعدد اللا مالوف في انبياء بني اسرائيل , والذي شكل ظاهره لا مثيل لها فات المرء يلحظ نبره اسى وحزن لعدم توبه هذا الشعب وسلوكه في طريق الرب , في اقوال الانبياء والمرسلين اليهم . وهكذا اصبحت النزعه اليهوديه بطباعها القومي المغلق تمثل مازقا لابد من تجاوزه فجاء المسيح بعد ان صارت الشريعه على ايدي الاحبار اليهود شكليه وبعيده عن جوهرها الحقيقي , وذلك تمهيدا للرساله العالميه , رساله الاسلام , التي بشر المسيح عن قدومها .
ان مما يلفت النظر في الاسلام هو ان الخطاب القراني موجه للبشريه كلها , بينما كان الخطاب في التوراه, وكذلك فيما بلغنا الانجيل , موجها الى بني اسرائيل الذين انعم الله عليهم بالنبوه التي اضطلعوا في اداء رسالتها زمنا ثم فشلوا . ومع هذا اعتبروا انفسهم شعبا مختارا . ثم مثلت رساله محمد صلى الله عليه وسلم تحولا جذريا في الخطاب الالهي . لقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع وثني قبلي , وكان ينتمي الى قبيله قريش . وكان محيطه العربي لايقل حرصا على الانساب مما فعل اليهود في التوراه . وان الغريب في هذه الحاله هو اننا لانجد في القران الكريم الا اشاره واحده الى قريش (( ايلافهم رحله الشتاء والصيف )) (44) ولا نجد ذكرا لغيرها من القبائل , لابل وللعرب عموما , الا تعابير مثل (( الاميين )) وانه (( ذكر لك ولقومك )) . وعن عربيه لغه القران . ان الخطاب القراني موجه دائما اما للانسان كفرد مسؤول عن نفسه (( ولا تزر وازره وزر اخرى )) (45) واما الناس عموما (( وما ارسلناك الا كافه للناس بشيرا ونذيرا )) (46)
وهكذا فان الخطاب القراني يمثل تحولا في حياة البشريه , ويفتح عهدا جديدا من مجموعه مغلقه دمويا ( القبائل ) او ثقافيا ( الشعوب ) الى الانفتاح على وحده الشعور بوحده الانحدار (( من ذكر وانثى )) اى من اسره واحده (( الناس بنو ادم و ادم خلق من تراب )) (47) هذه الاسره الواحده , الاختلافات والخصوصيات فيها عوامل تحاب وتعارف لا تنافر (( ياايها الناس انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم , ان الله عليكم خبير )) . (48) ان القران الكريم سما بصفه عجيبه في المحيط الذي نزل فيه الى مالم نحققه حتى اليوم : وحده الا نسانيه . ان الروابط بين افراد الشعوب هو وهم الأنحدار من دم واحد , بينما الروابط بين افراد الشعوب هو ثقافي اساسا , فمهما اختلفت الروابط التي كانت تربط بين الناس دمويه كانت , حقيقه او وهما , لايهم او ثقافيةحضاريه فان الله تعالى يطلب من الناس كافه ان يجعلوا من اختلافاتهم وخضوضيتهم التي ميزهم بها عوامل تحاب وتعارف وتنافس في التقوى,اي في الخير والبر.

îن îëéىهْ نçمùهْ?