إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

الاسلام ... الدين الحق - سلسلة مقالات رائعة

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • الاسلام ... الدين الحق - سلسلة مقالات رائعة

    ألاسلام.. . الدين الحق
    د.عادل مرعي الراوي
    بسم الله الرحممن الرحيم
    1-النبوه والانبياء
    ان الابحاث والدراسات الاجتماعيه والتاريخيه اثبتت ان الدين قد وجد منذ وجود الانسان . وان فكره الخالق والاعتقاد به تستند على احساس فطري عميق والى شعور صاف وشفاف في النفس الانسانيه . فا لتدين عنصر ضروري كامن في فطره الانسان , وفيه وحده يجد امكانيه تحقيق مطامحه العليا , كما يجد فيه الوجدان ضالته المنشوده لتحقيق عواطفه النبيله في الحياه . وهو عنصر ضروري لبناء وتكميل قوه الاراده الانسانيه , فيمدها باعظم الدوافع والبواعث وباكبر وسائل المقاومه لعوامل الياس والقنوط .
    ان الايمان با لله هو الزاد الروحي الذي يتزود به الانسان في رحله الحياه , وان الانسان في كل مكان وزمان قد شعر بحافز يحفزه الى الاستنجاد بمن هو اسمى منه واقوى واعظم , مما يدل على ان الدين فطري فيه وان شعوره بوجود قوة خارجيه للخير والشر هو في الحقيقه اعتراف بوجود الله .
    ان الانسان مخلوق وهب الوعي والعقل وبفضل ذكائه الاعلى اكتشف وسائل الاختراع للسيطره على الطبيعه التي خلقها الله له بغيه استعمارها وتحصيل معاشه وتامين مستقبله . ولكن وعي الانسان لا يقتصر على حاجاته الجسديه وحدها بل ينبسط الى ما وراء ذاته في الزمان والمكان . ذلك ان الانسان بعد ان يعي ذاته لم يستطع ان يمنع نفسه من التساؤل عن معنى وجوده ووجود العالم الذي من حوله . وهكذا استشعر بغريزته وجود قوى اعلى هي التي خلقته وخلقت العالم وهي التي تقوده الى مصير خفي . ( 1)
    والقران الكريم حينما يؤكد على ان التدين فطره في النفس البشريه في قوله تعالى :(( فاقم وجهك للدين حنيفا فطره الله التي فطر الناس عليها ,لاتبديل لخلق الله ,ذلك الدين القيم ...)) ( 2 ) فانه يقرر حقيقه هذه الفطره الدينيه المركوزه في ضمائر الناس , ويصورها على هيئه (( ميثاق )) قديم انعقد بين الارواح الادميه وهي في الاصلاب , وبين بارئها القدير الخبير . وهو قائم على ايمان البشريه به عز وجل وافراده بالالوهيه والعباده دون سواه . ويتضح ذلك في قوله تبارك وتعالى : (( واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم ,واشهدهم على انفسهم الست بربكم , قالوا بلى .. شهدنا ... )) (3)
    اما كيف اخذ الله من بني ادم من ضهورهم ذريتهم وكيف اشهدهم على انفسهم وكيف خاطبهم (( الست بربكم )) وكيف اجابوه (( بلى شهدنا )) , فانه من علم الغيب لا يعلمه الا هو سبحانه وتعالى , ولا يملك العقل البشري كيفيات فعل الله وما عليه سوى القبول بذلك وامتثاله , فالله عز وجل ليس كمثله شيء ولا يستبعد التفسير الذي اورده ابن كثير عن طائفه من السلف والخلف : ان المراد بالميثاق هو عهد الفطره .. أي ان الله تعالى انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبيه وحده واوجدهم شاهدين بذلك , قائلين به بلسان حالهم ( 4)
    وعلى ضوء ماتقدم ندرك ان الايمان بالله فطره كامنه في كل قلب بشري , فلا حجه لهم في نقض (( الميثاق)) .. اما الرسالات فهي تذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الاولى , فقد اقتضت رحمه الله الا تكلهم الى فطرتهم هذه فقد تنحرف , ولا الى عقولهم فقد تضل ..ولئلا يكون للناس على الله حجه بعد الرسل . ففي الحديث النبوى الصحيح : (( ما من مولود يولد الا على الفطره فابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه )) (5 ) وفي حديث اخر : (( اني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم )) ( 6 )
    فقد انحرف كثير من الناس عن فطرتهم وخاصة في المراحل الاولى من تطور البشريه العقلي والثقافي فعبدوا مايحيط بهم من ظاهرات طبيعيه كالنار والجبال والقمر والشمس والكواكب وحتى الحيوانات و بل الانسان نفسه صارت الهه. وفي كل مره نقب فيها الاثريون في الارض بحثا عن اثار حضاره ما , اكتشفوا في الشواهد الحفريه على ما كان للانسان من تصورات في بحثه عن الله . وقد تخيل الانسان الله في تلك الازمان في صور لاتحصى من العبادات حفرها في الحجر او على البرونز او الخشب . وهنا يرسل الله الرسل لكي يبصروا الناس بالمعنى الحقيقي للتعالى الالهى , وذلك بغرز الايمان في النفوس , لا بالظاهرات الطبيعيه , بل بالله الواحد الاحد
    ان القصص التي قصها القران الكريم عن سيدنا ابراهيم , ونوح , وصالح , وهود وغيرهم المرسلين تصور الصراع العنيف بين دعوه هؤلاء الرسل الى عباده الاله الواحد , واصرار قومهم على ماوجدوا ابائهم واجدادهم عليه . اذا فليس بين القران الكريم وبين دراسه الاديان المقارنه خلاف من هذه الناحيه , على ان علم دراسه الاديان المقارنه لم يستطع ولن يستطيع من الناحيه العلميه ان ينفي ان الوحدانيه سبقت الشرك وتعدد الا لهه , وانها ليست من تصورات الانسان في الارض بل انزلت من السماء , ولكن سرعان ما راحت تفقد تدريجيا بعض نقاوتها وصفاءها بفعل عوامل الشرك المتعدده . ولم تظهر الوحدانيه في المخلفات الانسانيه جلية كما ظهرت اثار التعدد والشرك , لان الوحدانيه ايمان بالغيب وطاعات واعمال صارمه والعقل البدائي من طبعه الايمان بالمحسوس والمشاهد فلذلك طغت مظاهر الشرك والوثنيه طغيانا تاما لم يدع الفرصه لظهور الوحدانيه بنفس الصوره التي ظهرت بها اثار الشرك , يقول الله تبارك وتعالى (( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهو مشركون )) ويقول تعالى (( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )) . ومع هذا فان اثار الوحدانيه لاتزال ظاهرة في عقائد القبائل البدائيه المتاخره في افريقيا وغيرها من القارات وهذا دليل على سبق الوحدانيه رغم تاثرها بمظاهر الشرك الطاغيه . واذا كانت الدراسات المقارنه قد استطاعت وبحق ان تلقي بعض الضوء على كيفيه تطور فكره (( الاله الطبيعي المختلق )) في العقول , فانها لاتستطيع ان تنفي انه بجانب هذا الاله الطبيعي المختلق كان هناك اله واحد حقيقي امنت به القله على ايدي رسل الله الصادقين الذين ان شك الناس في معجزاتهم فلن يشكوا – عند دراسه سيرتهم – في صدقهم وايمانهم , وتضحياتهم الكبيره في سبيل تبليغ ما كلفوا به للناس . ويمكننا الافتراض وذلك لنلتقي مع اصحاب الديانات المقارنه ان الناس بعد ادم عليه السلام قد كفرت وضاع التوحيد , وساد الشرك , وتعددت الارباب بحيث بدى الامر وكانه لم يكن هنالك توحيد البته , مع انه سبق وان كان , الا ان معالمه طمست وضاعت , ثم راحت تتوالى الرسالات الالهيه والاديان السماويه . ( 7 ) يؤيد ذلك قوله تعالى : (( كان الناس امه واحده )) اى كانو على هدى جميعا على مله ادم فاختلفوا فعبدوا الا صنام (( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفو فيه ومااختلف فيه الا اللذين اوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم ( 8 )
    وتوجد في القران الكريم قصه تعكس لنا تجربه نبي الله ابراهيم الدينيه مع قومه الذين كانو يعبدون الكواكب , وهو يسعى الى توعيتهم كيف ان الانسان يستطيع ان يكتشف وجود الله من خلال تامل الكون : (( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ياقوم اني بريء مما تشركون . اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين )) . ( 9 )
    هذه القصه تبرز ماللعقل الانساني وذكائه من دور يؤديانه في مجال الايمان وما للوعي من جهد شخصي يبذله بتخليص الاعتقاد الديني شيئا فشيئا من جميع الوسائط الماديه التي تزيف معناه . وهي تعبر كذلك عن مراحل المغامره الروحيه التي مرت بها الانسانيه في صراعها بين عباده الكواكب والشمس وبين الايمان بالله وتوحيده . وبفضل تعاقب ايات الوحي وتراكم التجربه الانسانيه على مر القرون وبفضل التطور الثقافي للبشريه اخذ الايمان بالله في بطىء ومشقه يحتل الصداره وقد تخلت (( الفيتشيه )) وتعدد الارباب عن مكانها لوحدانيه الديانات السماويه التي تجلت نهائيا في اخر دين سماوى ظهر على الارض , الا وهو الاسلام , الذي سجل في هذا الامر مرحله حاسمه فالغى البقايا التصويريه الموروثه عن المعتقدات الوثنيه البدائيه , وحطم الاصنام , وحرم تمثيل الله في اشكال ما هي الا نتاجا للخيال الساذج . وقد وجه الاذهان نحو فكره متعاليه عن اله واحد احد لا يشبهه شيء مما يمكن ان يخطر على بالنا ( 10 )
    ولربما يقدم لنا (( الكتاب المقدس )) صوره واضحه عن كيفيه الصراع بين التوحيد والشرك والوثنيه . فبالرغم من توالي الانبياء داخل المجتمع الاسرائيلي نرى كيف كان يجنح اليهود نحو عباده بعل وعشتروت والكواكب واجناد السماء . وقد بذل اولئك الانبياء جهودا مظنيه لاعاده اليهود نحو عباده اله واحد , خالق السماوات والارض . ومع هذا فان التوحيد الذي استقر اخيرا وسط اليهود قبل بعثه عيسى عليه السلام لم يكن توحيدا خالصا ويكفي تصفح التوراة لكي نرى تلك الاوصاف المخجله التي يصف بها مدونوا التوراه رب العالمين من (( تعب )) و (( ندم )) و غيرها من الصفات اضافه الى التجسيد والتشبيه الذي الحقوه به . خذ مثلا هلاك قوم لوط في سفر التكوين , حيث يزعم مدونوا التوراه انه بينما كان ابراهيم عليه السلام في مظربه (( ظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمه وقت حر النهار )) مع رجلين فذبح لهم ابراهيم عجل طري طبخته زوجته وقدمه ابراهيم لهم مع خبز وزبد ولبن فاكلوا )) ( 11) ثم ظهر ليعقوب عند مخاضه يبوق ليلا فصارعه حتى طلوع الفجر ( 12 ) ثم رأه موسى مرتين رؤيا العين الاولى من قفا ( 13 ) والثانيه من امام مع سبعون شيخا من شيوخ اسرائيل (( فرأوا الله واكلوا وشربوا )) ( 14 )
    ولم تختلف المسيحيه عن اليهوديه بل كانت اسوء منها في ذلك , فقد رفعوا المسيح الى مقام الالوهيه وانزلوا الله تعالى الى منزله البشر . وبذلك تبين لنا المسيحيه بصوره واضحه كيف كان يقوم البشر بتاليه الانبياء والصالحين وكيف يضيع التوحيد ويسود الشرك .
    اما الاسلام فهو الدين الذي خلص من شوائب اى تشبيه فقد اعطى (( الالوهه )) حقها الكامل المطلق من التنزيه . فالله سبحانه وتعالى (( ليس كمثله شيء )) يقول الله وتعالى (( افمن يخلق كمن لا يخلق )) .
    وهكذا شهدنا ظاهرتين كبيرتين اسهمتا في انضاج الوعي الديني لدى الانسان , والامر يتعلق هنا من جهه بحركه متصاعده تاتي من الانسان الذي تدفعه فطرته للبحث بعقله عن اكتشاف سبب كلي لوجوده ولوجود الكون والقوه التي فطرته , ويتعلق من جهه اخرى بحركه متعاليه تاتي من الله تعالى لترشد الوعي الانساني ولتلقن الانسان المعنى الالهى لحياته ولمصيره , والنظام الاخلاقي و الروحي الذي يترتب عليه . ووحي النبوه يتجلى حينئذ مثل انبثاق نور على العالم في ازمان مختلفه تكون فيها البشريه في اعمق ازماتها الروحيه والاجتماعيه بحيث تكون عاجزه عن الخروج من ازمتها بقدرتها الذاتيه الا بالنبوه ذاتها , فيهبط الوحي باراده الله ورحمه بها لينير لها الطريق ويحدد لها المعالم التي يمكن ان تعتقها مما هي فيه . (( ان الرساله ضروريه للعباد ولابد منها , وحاجتهم اليها – كما يقول ابن تيميه رحمه الله – فوق حاجتهم الى كل شيء , والرساله روح العالم ونوره وحياته و فأى صلاح للعالم اذا عدم الروح والحياة والنور ؟والدنيا مظلمه ملعونه الا ماطلعت عليه شمس الرساله و كذلك العبد مالم تشرق في قلبه شمس الرساله ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الاموات , قال الله تعالى : (( او من كان ميتا فاحييناه , وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ )) فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ضلمه الجهل فأحياه الله بروح الرساله ونور الايمان , وجعل له نورا يمشي به في الناس , واما الكافر فميت القلب في الظلمات )) . ( 15)
    والبشريه بحاجه الى الرسل اكثر من حاجتهم الى الشمس والماء (( فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في امره ونهيه , وهم السفراء بينه وبين عباده)). (16)
    والله تعالى يختار اناس للنبوه قبل ان يخلق الخلائق فيكونون فيما بعد مثالا مقبولين لدى البشر بما يضع فيهم من خصال حميده ومزايا , وبالفطره التي يفطرون عليها . فقد قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : (( اني عند الله خاتم النبيين وان ادم لمجندل في طينته )) ( 17 ) اما ارميا فقد اعتقد بنبوته قبل ان يولد : (( قبلما صورتك في البطن عرفتك , وقبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبيا للشعوب )) ( 18 ) وبما ان النبوه مقرره سلفا فقد وهب الله من اختاره للنبوه من الصفات مايجعله مقبولا من البشر , وهذا مابينه القران الكريم مخاطبا نبيه موسى : (( والقيت عليك محبه مني ولتصنع على عيني )) ( 19 ) وتكون مهمه النبي ايصال الوحي الى البشر , ذلك ان الله لايعطى وحيا خاصا لكل انسان بل يرسل وحيا عاما في كل فتره من الزمان وذلك اقرارا باجتماعيه الوجود الانساني , فالنبوه لاتكون ابدا حيث لايكون هناك كيان اجتماعي , حيث تصبح محور بنائه النظري والعقائدي . لذا فان النبوه مع كونها وحيا سماويا فان لها انبثاق محدد له ابعاده الاجتماعيه في التاريخ , وان دراسه تاريخ الرسالات تبرهن على تواتر هبوط الوحي بشكل خاص حين الشدائد والازمات الدينيه والاجتماعيه التي تعيشها الامم والشعوب والناتجه بشكل خاص عن انحراف الانسان عن فطرته وعن منهاج النبوات السابقه . لذلك تعمل النبوه على اعاده الانسان الى الطريق الموصل الى الله سبحانه وتعالى بعد انحرافه عنه نتيجه السقوط في براثن الشرك والوثنيه وتعدد الارباب .
    وهكذا نجد ان الاسلام يقدم في مجال علم الاديان مذهبا متماسكا يؤكد على ان فكره التوحيد الخالص قد ظهرت منذ ظهور الانسان , اى منذ ادم عليه السلام . وانه في الوقت الذي تؤكد فيه اليهوديه على خيريه بني اسرائيل على العالمين واقتصار الوحي على انبيائهم , وكذلك تنحو المسيحيه لنفس المنحى مع تاكيدها على انه لا خلاص خارج الكنيسه , وانه لانبي بعد عيسى الذي فدى البشريه على الصليب لكي يمحو خطاياها , نجد ان الاسلام يعلن بشكل واضح ان الله لم يخص برسالته امه من الامم لوحدها بل انه ارسل الى كل امه رسولا او نبي ليهديها , لانه هكذا تقتضي عدالته ولكي لايكون للناس على الله حجه من بعد الرسل . وان كل رسول من هؤلاء الرسل دعى امته الى عباده اله واحد : (( ولقد بعثنا في كل امه رسولا ان اعبدو الله واجتنبو الطاغوت )) ( 20 ) والامثله كثيره في القران الكريم على ذلك , فقد ارسل الله نوحا وهودا وصالحا وابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الانبياء الذين اخبرنا الله عنهم . ولقد حمل هؤلاء الانبياء والرسل جميعا دعوه واحده هي (( التوحيد )) : (( اعبدو الله مالكم من اله غيره )) يقول الله سبحانه وتعالى : (( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الا انا فاعبدون )) (21)
    هؤلاء الرسل جميعا بعثوا بدين الاسلام . فالاسلام قديم قدم البشريه ذاتها وهو الدين الحقيقي الذي بعث به الله الرسل منذ ادم مرورا بنوح وابراهيم عليهما السلام حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي به اختتمت الرسالات كلها . وتوضح الايات القرانيه التاليه كون الاسلام دين جميع الرسل , فهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه : (( فان توليتم فما سالتكم من اجر ان اجري الا على الله وامرت ان اكون من المسلمين )) . (22) وقال الله عن ابراهيم : (( ماكان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )) . (23) وقال يوسف الصديق : (( توفني مسلما والحقني بالصالحين )) . (24) وقال موسى : (( ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين )) . (25) وقال الله عن السحره : (( ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين )) (26) وعن فرعون : (( امنت انه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين )) ( 27) وقالت بلقيس : (( رب اني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان لله رب العالمين )) . ( 28) وقال في التوراه : (( يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار )).(29) وعيسى عليه السلام : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله ؟ قال الحواريون نحن انصار الله امنا بالله واشهد بانا مسلمون )) . (30)
    وكل نبي من هؤلاء الانبياء جاء بكتاب لتكميل التعاليم السماويه السابقه عليه . وقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى ببعض هذه الكتب كصحف ابراهيم والتوراه, والزبور , والانجيل , وكان اخرها القران الكريم الذي انزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
    وكلما نهض نبي لتبليغ الرساله , ايد رساله سابقه , مضيفا اليها توجيها وتوضيحا ومواءمة جديده . ولم يقتصر على تخليص العقيده من الفشاوات والبقايا الوثنيه التي علقت بها , ومن الاخطاء والتفسيرات الزائفه المتراكمه على مر الزمان , بل حرص عل جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه على مر الزمان , بل حرص على جعلها اكثر توافقا مع القضايا الانسانيه المطروحه في تلك الفتره , وذلك وفق ماهو موحى اليه . فهكذا كان عامل الرقي والكمال والصلاح يعمل عمله قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم , لذا لم يحفظ الله سبحانه وتعالى تعاليم هؤلاء الرسل بعد مضي زمانهم , لان الناس ماكانوا بحاجه الى تعليم ناقص سابق اذا جاءهم تعليم كامل جديد , حتى اوتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعليم الاسلام الناضج والشامل والصالح للبشريه جمعاء حتى يوم القيامه . وهكذا نسخت شرائع سائر الانبياء برساله محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لان اتباع التعليم الناقص ازاء الكامل امر يخالف العقل . وبذلك صار انه من اتبع محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع الرسل والانبياء جميعا , لان كل ماكان من الخير في تعاليم الانبياء الاقدمين يوجد اليوم في تعاليم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم , ومن اعرض عنه واتبع نبيا غيره , فقد حرم كثيرا من الخيرات التي اضيفت فيما بعد ولم تكن في التعاليم السابقه .

    في الواقع ان الاسلام يعلن (( انه الحلقه الاخيره في سلسله الاديان التي ترتبط بوحدة الأيمان, ووحده الايمان تفرضها وحده المصدر بصوره قاطعه لاتقبل الجدل ولا التشكيك , ولايغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الانبياء الذين ارسلهم الله الى عباده . وربما يكون لعامل الزمن اثره الواضح في اختلاف التشريعات التي يفترض فيها ان تنسجم مع المستوى الفكري والمعاشي لمن تكون لهم , ولكن الايمان يبقى واحدا في اساسه . (( 31)) وثمه ايتين في القران الكريم تؤكدان هذه الحقيقه , حقيقه الايمان وتغير التشريعات . قال الله تعالى : (( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيمو الدين ولا تتفرقوا فيه )) . (32) وقال تعالى ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا )) (33) فالايه الاولى تعني : وحده الايمان في اسسه , والثانيه تعني متغيرات الشريعه , ومايعود الى الاعمال.
    ومن هنا كان الاسلام يشمل على امتداد في المعتقد الديني , يعرض لقضيه البشريه, من نشاتها الى غايتها , في ايجاز واجمال .. وبالتالي كان المسلمون مطالبين بتصديق الانبياء والرسل جميعا . قال تعالى : (( قولوا امنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون )) . (34)
    وكما تبين فان الرسالات السابقه كلها كانت موجهه الى اقوام خاصه بعينها , ولم تكن اى منها موجهه الى الناس جميعا . غير ان هذا التوجيه قد بدا محدودا في رساله موسى , ثم فتحت ابوابه اكثر في رساله عيسى عليهما السلام , لتتهيأ الانسانيه لاستقبال رساله محمد صلى الله عليه وسلم . فلقد امر موسى عليه السلام بان يتجاوز محيط قبيلته من بني اسرائيل ليذهب الى فرعون (( اذهب الى فرعون انه طغى )) . (35) ذلك ان قوم موسى كانوا يعيشون في عبوديه فرعون في مصر . الا ان موسى احس انه بحاجه الى عون في تبليغ رسالته الى طاغيه مصر (( قال رب اشرح لى صدري ويسر لي امري واحلل عقده من لساني يفقهوا قولي . واجعل لى وزيرا من اهلي . هارون اخي اشدد به ازري )) . (36) وكان له مااراد (( قال قد اوتيت سؤالك ياموسى )) , (( اذهب انت واخوك باياتي ولا تنسيا في ذكري . اذهبا الى فرعون انه طغى )) . (37)
    موسى وهارون يحملون رساله الى من لاينتمون الى بني اسرائيل . الى طاغيه بصفته فرعونا حاكما في مصر والى طاغيين معنيين بالاسم هما قارون وهامان (( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وماكانوا سابقين )) . (38) وكانت تلك بدايه خروج الرساله الدينيه من الاطار القبلي الى شعب اخر , الى المصريين الذين كانت لهم الهتهم الخاصه , والتي كانت ترمز للبيئه الجغرافيه في وادي النيل . وكان فرعون فوقهم (( الها )) و (( وابن اله)) ومالكا وحيدا للارض وللناس وخالدا – وفق اساطيرهم – بعد الموت لايموت . فكانت رساله موسى واخيه موجهه الى المصريين عن طريق مخاطبه حاكمهم فرعون ورجاله . وقد افزعت رساله موسى فرعون واعتبرها تهديدا لملكه من قبل بني اسرائيل القاطنين في مصر (( ونادى فرعون في قومه قال ياقوم اليس لي ملك مصر )) . (39) وما ان رفض فرعون الاستجابه للرساله وبدات المطارده حتى طارد فرعون وجنده (( بني اسرائيل )) كلهم وليس موسى وهارون وحدهما : (( يابني اسرائيل قد انجيناكم من عدوكم )) . ( 40)
    وكما تبين اعلاه فان هذا الخروج بالدين من اطاره القبلي الى اطار شعب اخر ظل محدودا في وسيلته ومداه . ثم ان موسى لم يرسل الى شعب اخر مره ثانيه .
    ايا ماكان الامر فان رساله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هي التي تسمو بالدين فوق الانتماء القبلي والشعبي الى افاق اوسع وارحب , وبشر بانه يمهد لتقبل رساله عالميه هي الاسلام . فلقد عرفنا من القران الكريم , انه كان رسولا الى بني اسرائيل خاصه : (( ورسولا الى بني اسرائيل )) . (41) وهذا مايؤكد عليه الانجيل كذلك , حيث قال المسيح : (( لم ارسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضاله )) . (42) وقد بقى كذلك مابقي رسولا . ولكن رسالته اليهم كانت تتضمن اضافه الى التصديق بشريعه موسى , دعوه وبشرى بالخروج من مضيق علاقة الانتماء العرقي الى رحاب العالميه والاخوه في الدين . (( واذ قال عيسى ابن مريم يابني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراه مبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد )) . (43) فلما كذبوه حدث ذلك الامر الجليل , وسقطت علاقات الانتماء العرقي وسمت علاقه الانتماء الديني لتكون (( في الله )) وحده , وقد قصر علينا القران الكريم قصه تلك الطفره العظيمه في الايه 25 من سوره ال عمران : (( فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله , قال الحواريون نحن انصار الله , امنا به , واشهد بانا مسلمون )) . ومن العجيب ان المسيح نفسه لم يكن اسرائيليا الا عن طريق الام , مما يجعل الرساله الشامله للا نسانيه كلها في مرحله لاحقه امرا مترابطا مع ماسبقه من تحولات في طبيعه الرساله السماويه . والحق ان بني اسرائيل لم يروا في الوحي رساله وامانه بل رئوا فيه مصدرا للتميز والتفوق على سائر الشعوب والامم , فشوهوا بذلك الوجه الحقيقي للوحي , بسبب انانيتهم ومركزيتهم العرقيه الذاتيه . ومع ذلك فان اليهود لم يلتزموا بما فرضه الله عليهم , بل عصوا وتمردوا , وليس هنالك سفر واحد من اسفار انبياءهم قد خلا من وصف اليهود بالعصيان والتمرد ونقض العهد وصلابه الرقاب وحب المخالفه . وان السبب في تتابع الوحي لدى الاسرائيليين ولمده طويله راجع الى همجيه القبائل اليهوديه وعنادها وجنوح اليهود منذ ابتداء الوحي الى الوثنيه وعباده الهه اخرى . ومالرغم من هذا التعدد اللا مالوف في انبياء بني اسرائيل , والذي شكل ظاهره لا مثيل لها فات المرء يلحظ نبره اسى وحزن لعدم توبه هذا الشعب وسلوكه في طريق الرب , في اقوال الانبياء والمرسلين اليهم . وهكذا اصبحت النزعه اليهوديه بطباعها القومي المغلق تمثل مازقا لابد من تجاوزه فجاء المسيح بعد ان صارت الشريعه على ايدي الاحبار اليهود شكليه وبعيده عن جوهرها الحقيقي , وذلك تمهيدا للرساله العالميه , رساله الاسلام , التي بشر المسيح عن قدومها .
    ان مما يلفت النظر في الاسلام هو ان الخطاب القراني موجه للبشريه كلها , بينما كان الخطاب في التوراه, وكذلك فيما بلغنا الانجيل , موجها الى بني اسرائيل الذين انعم الله عليهم بالنبوه التي اضطلعوا في اداء رسالتها زمنا ثم فشلوا . ومع هذا اعتبروا انفسهم شعبا مختارا . ثم مثلت رساله محمد صلى الله عليه وسلم تحولا جذريا في الخطاب الالهي . لقد عاش محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع وثني قبلي , وكان ينتمي الى قبيله قريش . وكان محيطه العربي لايقل حرصا على الانساب مما فعل اليهود في التوراه . وان الغريب في هذه الحاله هو اننا لانجد في القران الكريم الا اشاره واحده الى قريش (( ايلافهم رحله الشتاء والصيف )) (44) ولا نجد ذكرا لغيرها من القبائل , لابل وللعرب عموما , الا تعابير مثل (( الاميين )) وانه (( ذكر لك ولقومك )) . وعن عربيه لغه القران . ان الخطاب القراني موجه دائما اما للانسان كفرد مسؤول عن نفسه (( ولا تزر وازره وزر اخرى )) (45) واما الناس عموما (( وما ارسلناك الا كافه للناس بشيرا ونذيرا )) (46)
    وهكذا فان الخطاب القراني يمثل تحولا في حياة البشريه , ويفتح عهدا جديدا من مجموعه مغلقه دمويا ( القبائل ) او ثقافيا ( الشعوب ) الى الانفتاح على وحده الشعور بوحده الانحدار (( من ذكر وانثى )) اى من اسره واحده (( الناس بنو ادم و ادم خلق من تراب )) (47) هذه الاسره الواحده , الاختلافات والخصوصيات فيها عوامل تحاب وتعارف لا تنافر (( ياايها الناس انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم , ان الله عليكم خبير )) . (48) ان القران الكريم سما بصفه عجيبه في المحيط الذي نزل فيه الى مالم نحققه حتى اليوم : وحده الا نسانيه . ان الروابط بين افراد الشعوب هو وهم الأنحدار من دم واحد , بينما الروابط بين افراد الشعوب هو ثقافي اساسا , فمهما اختلفت الروابط التي كانت تربط بين الناس دمويه كانت , حقيقه او وهما , لايهم او ثقافيةحضاريه فان الله تعالى يطلب من الناس كافه ان يجعلوا من اختلافاتهم وخضوضيتهم التي ميزهم بها عوامل تحاب وتعارف وتنافس في التقوى,اي في الخير والبر.

  • #2
    الاسلام ... الدين الحق 2 بشارات الأنبياء ...

    2 - بشارات الأنبياء ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم

    د. عادل مرعي الراوي
    بما ان الرسالة الأسلامية هي اخر رسالة سماوية , وان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وألمرسلين, وانه مبعوث للناس كافة , فقد اخذ الله سبحانه وتعالى العهد على كل نبي ارسله, أن يؤمن به ويتبعه وينصره ان بعث وهو حي , كم اخذ العهد أيضا على الأنبياء ان يبشروا به قومهم , وينعتوه ببعض اوصافه , وامرهم ان يأخذوا عليهم العهد لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم احياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه(49) قال الله سبحابه وتعالى : (( واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم واخذتم على ذالكم اصري قالوا اقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين )) (50 )
    ولم تزل الأنبياء تبشر برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وتصفه لأممها ونأمرهم بأتباعه ونصرته اذا بعث , ويتبين ذالك بشكل واضح على لسان ابراهيم وعيسى عليهما السلام .
    عن ( العرباص بن سارية ) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اني عند الله لخاتم النبيين , وادم لمجندل في طينته . وسأخبركم بأول امري : انا دعوة ابراهيم , وبشارة عيسى , ورؤيا امي التي رات حين وضعتني , وقد خرج منها نور ساطع اضاءت منه قصور الشام )) . (51)
    فدعوة ابراهيم عليه السلام هي في قوله سبحانه وتعالى : (( ربنا وابعث فيهم رسولآ منهم يتلوا عليهم اياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم )) . (52)
    اما بشارة عيسى عليه السلام , فهي ما جاء في قوله سبحانه وتعالى : (( واذ فال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين لدي من التوراة ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد )) . (53)
    لقد تنبأ موسى عليه السلام بمبعث رسولنا الكريم محمد ضلى الله عليه وسلم قائلآ : (( جاء الرب من سيناء واشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران )). (54) ان هذه ابشارة لايمكن فهمها الا على ضوء ما جاء في القران الكريم , من قوله تعالى : (( والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين )) . (55)
    في هذه الآيات البينات يقسم الله سبحانه وتعالى ببقاع مباركة ظهر فيها الخير والبركة , (( فألتين وألزيتون )) كناية عن منبتها في الأرض المباركة فلسطين , وفيها مهجر ابراهيم و مولد عيسى عليهما السلام , (( وطور سينين )) , الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام في سيناء , (( والبلد الأمين )) , هي مكة المكرمة التي ولد فيها وبعث منها اشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم . وفيها الكعبة المشرفة التي اقام قواعدها ابراهيم واسماعيل عليهما السلام . والتطابق بين النص الذي جاء في التوراة وبين الآيات القرانية هو: سيناء مجاز عن الجبل الذي كلم اللة عليه موسى, وسعير مجاز عن الأرض المباركة التي ولد فيها عيسى المسيح , وفاران هي الأرض التي سكن فيها سيدنا وجد رسولنا الكريم , اسماعيل عليه السلام , كما اقرت بذالك (( التوراة )) .
    فقد جاء في التوراة انه عندما (( هربت )) هاجر من امام سيدتها سارة , ناداها(( ملاك الرب )) من السماء فقال لها : (( مالك يا هاجر؟ لاتخافي لأن قد سمع الله لصوت الغلام حيث هو . قومي وأحملي الغلام وشدي يدك لأني (( سأجعله امة عظيمة )) وفتح الله عينها فأبصرت ماء وسقت الغلام , فكبر(...) وسكن في برية فاران )) .(56)
    اي مكة حسب الرواية الأسلامية . كما يعترف مدوني التوراة ان الله تعالى قد وعد ابراهيم من انه سوف (( يبارك )) اسماعيل (( ويثمره )) ويجعل منه (( امة كبيرة )) . (57) وان هذه (( الأمة العظيمة )) التي وعد بها الله والتي تخرج من صلب اسماعيل , لن تكون مثل ممالك الفرس والرومان الوثنية , بل(( امة مباركة )) تكون فيها (( النبوة )) ويكون فيها (( الكتاب )) . وبعد هذا الوعد بمئات السنين يكرر موسى هذه البشرى بقوله : (( تلألأ من جبل فاران )) .
    ويورد لنا (( سفر حبقوق )) نبوءة مشابهة لنبوءة موسى عليه السلام , اذ يقول : (( الله جاء من تيمان , والقدوس من جبل فاران . سلاه , جلاله غطى السماوات , وألأرض امتلأت من تسبيحه , وكان لمعان كألنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته )) . (58)
    وهنا يتنبأ ((حبقوق)) عن مجيئ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم , ورسالته التي سوف تشمل الأرض كلها,وفي الوقت نفسه يبين سلسلة الرسول الكريم ويربطها بمنبت جده اسماعيل عليه السلام في ارض (( فاران )) , اي مكة .
    وهنالك نبوءة اخرى اشد وضوحا وردت في (( سفر حجي )) , نرى انها تبشر ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم . يقول ((حجي )) في هذا السفر :
    (( وأزلزل كل الأمم , ويأتي (( مشتهى )) كل الأمم , فأملأ هذا البيت مجدا , قال رب الجنود )) . (59)
    وقد علق على هذه النبوءة الكثير من الكتاب , ولكن نكتفي هنا بتعليق البروفسور (( عبد الأحد داود )) , اذي كان قسيسا وأسلم في اوائل القرن العشرين. يقول ( عبد الأحد ) : ان كلمة (( المشتهى )) الواردة في النص اعلاه , هي ترجمة لكلمة ((حمدا )) Himada , وان النص الأصلي بأللغة العبرية يقرأ على الأرجح هكذا : (( في يافو حمداث كول هاجويم Ve yavu himdath kol haggoyim , وألتي تعني حرفيا : (( وسوف يأتي حمدا لكل ألأمم )) . (60) اما النتيجة التي يصل اليها (( عبد الأحد)) في كتابه فهي قوله : (( ان الحقيقة الناصعة تبقى بأن كلمة (( احمد )) هي الصيغة العربية لكلمة ((حمدا )), وهذا التفسير لا مراء فيه)) . (61) وهي نفس الكلمة التي نطق بها السيد المسيح عيسى ابن مريم كما وردت في القران الكريم : (( ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد . )) وهي البشارة التي ضل فحواها في انجيل يوحنا رغم محاولت التلاعب بها وطمسها والتي تتحدث عن مجيئ ((برقليطس )) , اي (( احمد )) او محمد صلى الله عليه وسلم .
    ولكن وقبل الخوض في هذا الموضوع لأبد ان نبين من ان البشارة التي وردت في سفر ((حجي )) تشير الى ان (( الرسول القادم )) هو لكل الأمم , اي للبشرية جمعاء , بينما كان انبياء بني اسرائيل مرسلون الى قومهم خاصة , بما في ذالك عيسى علبه السلام , الذي اكد في الأنجيل , كما سبق وان بينا , انه لم يرسل الا الى (( الخراف الضالة من بني اسرائيل )) . وأن النص الموجود في اخر الأنجيل الذي جاء فيه من ان المسيح طلب من تلاميذه تبشير كل الأمم , انما هو نص (( مزيف )) ادخل على الأنجيل فيما بعد من قبل الكيسة لتبرير عملية ادخال الأقوام الوثنية في الديانة المسيحية . (62)
    وعلى هذا ألأساس يجب ان نقرأ نبوءة اشعيا حول عبد الله , الرسول المختار الذي بشر به العالم اجمع . لقد جاء على لسان اشعيا النص التالي : (( هو ذا عبدي الذي اعضده مختاري الذي سرت به نفسي . وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم . لا يصيح ولا يرفع و لا يسمع في الشارع صوته . قصبة مرضوضة لايقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ . الى الأمان يخرج الحق . لايكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته ... أنا الرب قد دعوتك بألبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم . لتفتح عيون ألعمى لتخرج من ألحبس ألمأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة ... غنوا للرب اغنية جديدة تسبيحة من أقصى ألأرض , أيها المنحدرون في البحر وملؤه وألجزائر وسكانها . لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار ... )) .(63) وقيدار هذا هو احد ابناء اسماعيل كما تقر بذالك التوراة .
    ويدعي المسيحيون ان النبوءة اعلاة تخص المسيح عليه السلام . ولكن اذا اراد هؤلاء المحاججة فعليهم ألأعتراف اولآ ان المسيح هو(( عبد الله وليس اله )) , لأن النص يشير صراحة الى ان ألرسول القادم هو عبد لله : (( هو ذا عبدي )) , كما أن الرسول ألمبشر به هو مبعوث للعالمين جميعا وليس لبني اسرائيل فقط . وعدا ذالك فأن المسيح عندما أراد أراد ألأستشهاد على صحة رسالته أختار مقطعا اخر من (( العهد القديم )) غير ألذي سقناه أعلاة . فحينما دفع اليه ((سفر اشعيا )) قرء في الموضع الذي كان مكتوبا فيه : (( روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر ألمساكين ارسلني لأشفي ألمنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بألأطلاق وللعمي بألبصر وأرسل المنسحقين في الحرية . وأكرز بسنة ألرب ألمقبولة )) . (64)
    كما ان المسيح نفسه , كما سبق وأن بينا , قد بشر في (( انجيل يوحبا )) برسول يأتي من بعده , وقد تكررت اشارات المسيح حول نفس المسألة في اناجيل اخرى وبصيغ مختلفة . وعدا ذالك فقد حذر المسيح بني اسرائيل من ان ألنبوة سوف تخرج منهم الى امة اخرى (( مثمرة )) تأخذ على عاتقها نشر ألرسالة بين الشعوب وألأمم .
    وقد شبه المسيح عليه السلام أليهود بشجرة التين التي لاتثمر , وحكى لهم مثلآ على ذالك قائلآ : (( كانت لواحد شجرة تين مغروسة في كرمة . فأتى يطلب منها ثمرا ولم يجد . فقال للكرام هو ذا ثلاث سنين اتي اطلب ثمرا في هذة ألتينة ولم أجد . أقطعها . لماذا تبطل ألأرض أيضا . فأجاب وقال له ياسيد اتركها هذه السنة أيضا حتى أنقب حولها وأضع زبلآ . فأن صنعت ثمرا والا فيما بعد تقطعها . )). (65)
    وألأمر واضح هنا , فشجرة التين ألتي لا تثمر هم بني اسرائيل , وألكرام هو المسيح , الذي حذرهم من انهم هالكون ان لم يقوموا بألأعمال الصالحات ويؤمنوا برسالته. و شجرة ألتين , كانت ترمز دائما الى بني اسرائي لدى أنبياء ألعهد ألقديم . وها هو أرميا يشكو منهم قائلآ : (( نزعا أنزعهم يقول ألرب . لا عنب في ألجفنة ولا تين في ألتينة وألورق ذبل ... )) . (66)
    وقد أورد محرر انجيل متي ألمثل ألذي ضربه لنا ألمسيح أعلاه بصيغة أخرى , اذ يقول أن ألمسيح : (( كان راجعا من ألمدينة فجاع . فنظر شجرة تين على الطريق وجاء اليها فلم يجد فيها شيئا الا ورقا فقط . فقال لها لايكن منك ثمرا بعد الى ألأبد . فيبست ألتينة في ألحال)) . (67)
    كما ان يحيى عليه ألسلام , قد حذر اليهود هو ألآخر , من ان شجرتهم سوف تقطع وتلقى في النار ان لم (( يصنعوا ثمارا تليق بألتوبة )) , مخاطبا الجموع التي خرجت الى وادي الأردن لتتعمد على يديه : (( يا اولاد ألأفاعي من أراكم أن تهربوا من ألغضب ألآتي . فأصنعوا ثمارا تليق بألتوبة . ولا تبتدئوا تقولوا في أنفسكم أن لنا ابراهيم أبا . لأني اقول لكم أن ألله قادرا أن يقيم من هذه ألحجارة أولادا لأبراهيم . وألآن قد وضعت ألفأس على أصل ألشجر , فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في ألنار )) . (68)
    ولعل ألمثل ألذي ساقه عيسى عليه ألسلام لبنى اسرائيل عن ألكرم وألعبيد خير مثال على خروج ألنبوة منهم الى غيرهم . فقد ورد في انجيل متي ان ألمسيح قال : (( اسمعوا مثلآ آخر. كان انسان رب بيت غرس كرما وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجا وسلمه الى كرامين وسافر .ولما اقترب وقت ألأثمار أرسل عبيده الى ألكرامين ليأخذ أثماره . فأخذ ألكرامين عبيده وجلدوا بعضا وقتلوا بعضا . ثم أرسل عبيدا آخرين أكثر من الأولين . ففعلوا بهم كذالك . فأخيرا أرسل اليهم ابنه قائلآ يهابون ابني . وأما الكرامين فلما رأوا ألأبن قالوا فيما بينهم هذا هو ألوارث . هلموا نقتله ونأخذ ميراثه . فأخذوه وأخرجوه خارج ألكرم وقتلوه . فمتى جاء صاحب ألكرم ماذا يفعل بأؤلئك ألكرامين .قالوا له . أولئك ألأردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم ألكرم الى الى كرامين آخرين يعطونه ألأثمار في أوقاتها . قال لهم يسوع أما قرأتم قط في ألكتب . ألحجر ألذي رفضه ألبنائون هو قد صار رأس ألزاوية . من قبل ألرب كان هذا وهو عجب في أعيننا . لذالك أقول لكم أن ملكوت ألله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره . ومن سقط على هذا ألحجر يترضرض ومن سقط هو عليه يسحقه )) . (69)
    ويلاحظ هنا أن أليهود هم ألذين أجابوا ألمسيح قائلين : (( أولئك ألأردياء يهلكهم هلاكا ويسلم ألكرم الى كرامين آخرين )) . أما في رواية (( لوقا )) فأن ألمسيح هو ألذي اجاب على ألسؤال ألذي طرحه بشأن ألكرامين وليس ألمستمعين له , قائلآ لهم: (( يأتي ويهلك هؤلاء ألكرامين ويعطي ألكرم لآخرين . فلما سمعوا قالوا حاشا )) . (70) وهذا رد صريح ونبوءة عظيمة لا ينكرها عاقل . فألكرم ألشريعة , وألكرامين هم أليهود وألعبيد هم ألأنبياء , وألأبن (مجازا ) هو ألمسيح عليه ألسلام , وألأمة ألأخرى ألتي يعطى لها ألملكوت هم ألعرب , وذالك مصداقا للوعد ألذي قطعه ألله لأبراهيم بأن يجعل من نسله أمة عظيمة كما جاء في ألتوراة .
    ان حديث المسيح عن ألحجر ألذي رفضه ألبناؤون وصار رأس ألزاويه , وألذي ورد في أحد ألمزامير ألمنسوبة الى ألنبي داود عليه ألسلام , يذكرنا بحديث للرسول محمد صلى ألله عليه وسلم , أورده أبو هريرة رضي ألله عنه , قال فيه : (( ان مثلي ومثل ألأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا , فأحسنه و أجمله , إلا موضع لبنة من زواياه . قجعل ألناس يطوفون به , ويعجبون له . ويقولون : هلا وضعت هذة أللبنة ؟ قال : فأنا أللبنة وأنا خاتم ألنبيين )) . (71)
    وتوجد في (( إنجيل يوحنا )) دلائل على أن أليهود كانوا ينتظرون ثلاثة أنبياء مبشر بهم . فقد جاء في ألأصحاح ألأول من هذا ألأنجيل , أن أليهود أرسلوا من أورشليم كهنة و لاويين ليسألوا يحيى من أنت ؟
    فأعترف ولم ينكر , وأقر أني لست ألمسيح .
    إذا, ماذا ؟إيليا أنت ؟ فقال :لست أنا
    ألنبي أنت ؟ فأجاب لا )) . (72)
    فقال له ألمرسلون ألفريسيون : (( فمابالك تعمد إن كنت لست ألمسيح ولا إيليا ولا ألنبي ؟ ))
    ويظهر من ألنص أعلاه أن يحيى عليه ألسلام قد أنكر أن يكون أحد ألثلاثة . وقال أني : (( صوت صارخ في ألبرية : قوموا طريق ألرب كما قال أشعيا ألنبي ))
    ويعتقد ألنصارى أن ألمسيح هو عيسى إبن مريم عليه ألسلام , وأما إيليا فهو يحيى عليه ألسلام , ذالك لأن مجيئ ألمسيح مشروط بمجيئ إيليا قبله كما هو معروف عند أهل ألكتاب . ومع أن يحيى أنكر أن يكون هو إيليا , نجد أن محرر (( إنجيل متي )) يسوق لنا رواية عن ألمسيح ييؤكد فيها على أن : ((يحيى قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا بكل ما أرادوا )) . (73)
    إن هذا ألتناقض في ألروايتين المنسوبتين ألى كل من يحيى وعيسى عليهما ألسلام ألواردتين في كل من (( إنجيل يوحنا )) و(( إنجيل متي )) أمر عجيب وغريب , فهل كان يحيى هو إيليا أم لا؟ .
    وينقل لنا (( جوستن ))(100-165) , وهو أحد آباء ألكنيسة , حوارا دار بينه وبين يهودي اسمه (( تريفون )) حول هذا ألموضوع . ويعيب (( تريفون )) على النصارى آيمانهم بعيسى مسيحا وربا , مبينا من أن أليهود لاينظرون آلى ألمسيح الذي انبأ عنه ((الكتاب المقدس)) الا كانسان يولد من بشر. وان ظهور المسيح لابد ان يسبقه ظهور إيليا الذي سيقوم بتمسيحه. (74)
    ويعقب جوستن على ذالك قائلا: لقد بين(( لوغوس الرب)) ,اي كلام الرب , على شفتي النبي زكريا من ان إيليا ياتي ((قبل مجئ يوم الرب العظيم المخوف )).(75) وان المسيح سوف ياتي مرتيين ,واحدة في اللآلام والذل وبهيئة متواضعه ,اما الثانيه ففي المجد بصفة قاض لكل الناس ... وان ظهور إيليا قبل ذالك اليوم العظيم المخوف ,يجب بألأحرى ان يفهم على ان ظهوره يكون بالكاد قبيل المجيئ الثاني للمسيح )).(76) ويضيف جوستن قائلا (( في الواقع , هكذا اوصانا ربنا ( يقصد المسيح )في تعاليمه عندما تحدث عن مجئ إايليا .فلذالك ان ظهور ذالك النبي لن يتم الا بالكاد قبيل الحلول المجيد للرب من السماء ,مثل حلوله الاول على الارض ,الذي سبقه ظهور يوحنا اخر انبيائكم ,الذي عمل فيه نفس الروح الذي كان في إيليا)).(77)
    ان النص اعلاه يزيد الموضوع التباسا وغموضا . فيحيى عليه السلام يعلن انه ليس إايليا والمسيح يقول كما ورد في الانجيل ان إيليا قد جاء ,وبعني بذالك يحيى , وجوستن يخبرنا بشكل ملتبس ان إيليا ياتي قبيل المجئ الثاني للمسيح ,((قبيل مجيئ يوم الرب العظيم المخوف )),اي قبل يوم القيامه على ما يبدو ,وقد جاء محمد صلا الله عليه وسلم ولن ياتي نبيي بعده . ولسوف يأتي عيسى مرة أخرى على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويقتل ألدجال .
    ومع هذا ,فاذا ما سايرنا النصارى في دعواهم من ان إايليا هو يوحنا ,فمن هوه النبي الثالث المنتظر ؟ اليس هوه نفس النبي الذي بشر به عيسى عليه السلام في انجيا يوحنا ؟.
    لقد جاء في انجيل يوحنا بصدد وصيه المسيح لتلاميذه اثناء توديعه لهم ما يلي :
    ((ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي .وانا اطلب من الاب فيعطيكم معزيا (برقليطس ) اخر ليمكث معكم الى الابد)).(78)
    ((الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي .والكلام الذي تسمعونه ليس لي ,بل للاب الذي ارسلني ,وبهذا كلمتكم وانا عندكم . واما المعزي ( البرقليطس )الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي ,فهوه يعلمكم كل شي , ويذكركم بكل ما قلته لكم )). (79)
    ((ومتى جاء المعزي ( البرقليطس ) الذي سارسله انا لكم روح الحق الذي من عند الاب ينبثق ,فهوه يشهد لي .وتشهدون انتم ايضا لانكم معي من الابتداء )).(80)
    إن لي إمور كثيرة أيضا لأقول لكم , ولكن لا تستطيعون أن تتحملوا ألآن . وأما متى جاء ذاك روح ألحق , فهو يرشدكم إلى جميع ألحق . لأنه لا يتكلم من نفسه . بل كل ما يسمع يتكلم به . ويخبركم بأمور آتية . ذاك يمجدني , لأنه يأخذ مما لي ويخبركم )) . (81)
    وكما يتبين فأن ألمسيح عليه ألسلام يخاطب ألبشرية كلها عبر تلاميذه , محددا ألمستقبل ألأنساني , معطيا إرشاداته وأوامره , ومبشرا بألرسول ألذي على ألأنسانية أن تتبعه بعد رحيله عن هذا ألعالم . هذا ألرسول ترجم اسمه في (( إنجل يوحنا )) إلى (( برقليطس )) . وإذا كان ألمسيح كما يتبين من ألنص أعلاه هو ((برقليطس )) , فأن (( ألبرقليطس ألقادم )) سيكون مبعوثا للبشرية كلها في كل زمان ومكان . وكما جاء في إنجيل يوحنا : (( وأنا أطلب من ألأب فيعطيكم معزيا (برقليطس) آخر ليمكث معكم إلى ألأبد . روح ألحق ..)) .
    وهنا نود ألقول لو أن عيسى إبن مريم قد جاء (( بكل ألحق )) لأنتفت ألحاجة أن يبعث ألله رسولا آخر . ولكن من نبوءة عيسى نعلم أن هذا ألنبي سوف يأتي ((بجميع ألحق )) . وما دام ألأمر كذالك فأنه سيكون لا ريب خاتم ألأنبياء وألمرسلين .
    إن هذا ألنبي ألآتي لن يكون من شيعة ألنصارى , وألدليل على ذالك ما قاله لتلاميذه بصريح ألعبارة : (( فهو يرشدكم إلى جميع ألحق لأنه لايتكلم من نفسه , بل كل ما يسمع يتكلم به )) . أي أن كلامه وحي من الله . بل زاد أيضا من أن هذا ألنبي ألمنتظر سيرشد إلى حقائق لم يبلغ عنها ألمسيح عليه ألسلام ذاته : (( فقال ويخبركم بأمور آتية)) . وهذا ما أخبر عنه ألقرآن ألمعجزة , فقد بلغ ألناس ما لم يبلغه نبي أو رسول من قبل , عن ألآيات ألكونية , وأشراط ألساعة , وألقيامة ويوم ألحشر وألجنة وألنار وما فيهما , وغير ذالك .
    إن هذا ألنبي ألذي بشر به ألمسيح سوف يخبر ألناس بحقيقة ألمسيح وحقيقة رسالته بعد أن تم تشويهها , ويتضح ذالك من قوله : (( ذاك يمجدني , لأنه يأخذ مما لي ويخبركم )). وقد شهد لعيسى عليه ألسلام كونه عبد الله ورسوله , وذكرهم بكل ما قاله عيسى لهم وألذي إندرس على أيدي ألأتباع ألمزيفين ألمشبعين بألروح ألهلنستية ألذين ألهوا ألمسيح وقاموا بتشويه تعاليمه ألنبيله . إن هذا ألرسول ألكريم هو ألذي وبخ من يدعون أنهم نصارى لجعلهم ألواحد ألأحد ثالوثا من ألأقانيم , كما وبخ أليهود على كفرهم برسالة عيسى وعلى إفتراءاتهم على طهارة مريم وعلى عذريتها عليها ألسلام .
    إذا إن ألمسيح عليه ألسلام قد صرح بوضوح من أن ألله سوف يرسل فيما بعد كائنا بشريا ليؤدي ألرسالة ألتي حددها في (( إنجيل يوحنا )) , وأن هذا ألكائن ألبشري هو نبي يوحى إليه شأنه شأن ألمسيح , لايتكلم من عند نفسه , بل بما يأمره به ألله . لذا فأن وجود كلمتي ((روح ألقدس )) في ألنص ألذي بين أيدينا أليوم قد يكون نابعا من إضافة لاحقة إرادية تهدف إلى تعديل ألمعنى ألأصلي لفقرة تتناقض , بأعلانها عن مجيئ نبي بعد ألمسيح , مع تعاليم ألكنيسة ألوليدة ألتي أرادت أن يكون ألمسيح هو خاتم ألأنبياء و ألمرسلين )) . (82)
    إن (( إنجيل يوحنا )) يسمي هذا(( ألنبي)) , وبشكل صريح , بأسم إغريقي هو ((برقليطس)), Parakletos وتعني هذه ألكلمة ((ألمحامي)) أو(( ألمدافع(( , إلا أن ألكنيسة تترجمها عادة ((بألمعزي)). ولم ترد هذةه ألكلمة في أي موضع من ما يسمى بألعهد ألجديد إلا في(( رسالة يوحنا )) ألأولى ولمرة واحدة .
    ومن ألغريب أن يعمد ألمختصون في ألكنيسة إلى ترجمة كلمة ((برقليطس)) ألى (( ألمعزي)) في (( إنجيل يوحنا )) , بينما نراهم يترجمون نفس ألكلمة في (( رسالة يوحنا ألأولى)) إلى (( ألشفيع)) . كما يعمد هؤلاء إلى إقران كلمة برقليطس ألواردة في إنجيل يوحنا بألروح ألقدس , بينما يقرنونها في(( رسالة يوحنا)) بألمسيح عليه ألسلام.
    يقول يوحنا في رسالته ألأولى : (( إن أخطأ أحد فله شفيع (برقليطس) عند ألأب , يسوع ألمسيح ألبار ... )) .(83) ويقول يوحنا في إنجيله : ((وأما ألمعزي (برقليطس) ألروح ألقدس ألذي سيرسله ألأب بأسمي , فهو يعلمكم كل شيئ . ويذكركم بكل ما قلته لكم )). (84)
    وهنا يثار تسائؤل عن مدى دقة ألترجمة من ناحية وعن مدى سلامة ألنص من ألتلاعب من ألناحية ألأخرى . فلماذا تترجم كلمة ((برقليطس)) في ألأنجيل إلى ((ألمعزي )) وفي رسالة يوحنا إلى (( ألشفيع )) ؟ ولماذا تقرن كلمة ((برقليطس )) في رسالة يوحنا بـألمسيح ولا تقرن نفس ألكلمة في ألأنجيل على ((نبي آخر)) يأتي بعد ألمسيح ؟
    وهنالك ملاحظة مهمة أخرى تستلفت ألأنتباه وهي ألتشابه بين كلمتي Parakletos ألتي تعني كما اسلفنا (( ألشفيع)) و Periklytos و ألتي تعني (( ألممجد )), وألتي تطابق كلمة (( أحمد )) أو ((محمد ))في أللغة ألعربية . وهنا يثار تساؤل آخر : ما هي ألكلمة ألأصلية ألتي نطق بها ألسيد ألمسيح بلغته ألآرامية حينما كان يخاطب قومه ؟ وهل تمت ترجمة ألكلمة بشكل دقيق ؟ ألايمكن أن يكون قد حدث خطأ أثناء ألنسخ فكتبت كلمة بدل ألكلمة ألأخرى, خاصة وأن هناك تشابها تاما في ألحروف ألساكنة بين ألكلمتين و أن ألخلاف هو في ألحروف ألمتحركة فقط ؟ . (85) لا بل ألا يمكن أن يكون هنالك تعمد مقصود بأستبدال ألكلمة ألأصلية ألتي كانت تعني (( أحمد )) Periklytos بألكلمة ألتي تعني (( ألمحامي )) أو(( ألمعزي )) Parakletos , خاصة بعد ظهور عدد من ألأنبياء ألكذبة ألذين أدعوا أنهم (( برقليطس )) ألذي بشر به ألمسيح , ثم أضيفت , على ألنص ألأصلي , كلمتي ((ألروح ألقدس )) حتى يبدو ألأمر وكأن ألسيح يتحدث عن قدوم هذه ألروح لا عن قدوم نبي مرسل في قادم ألأيام ؟ . ولو لم يكن يفهم في ألقرون ألثلاثة ألأولى بعد ألميلاد من أن (( برقليطس )) هو رسول منتظر لما جرئ كل من ((مونتانوس ))(177م) و ((ماني))(215-277م) أن يدعي ذالك .
    لقد إدعى ((مونتانوس)) من أنه هو ألبرقليطس ألذي بشر به عيسى عليه ألسلام , وقال لأتباعه من أن ألمسيح لم يظهر للناس كل شيئ . وأن ألمسيح أخبر تلاميذه من أن، هنالك ألشيء ألكثير ألذي يود أن يعلمه لهم ولكنهم لم يكونوا مهيئين لذالك بعد , و أن مهمه ((مونتانوس )) هي إكمال تلك ألتعاليم . كما زعم من أن ألمسيح أرسل على ألحواريين(( ألروح ألقدس )) في ((عيد ألفصح)) , كما وعدهم بأرسال ((برقليطس)) , وأن(( مونتانوس )) هو هذا ألرسول. (86)
    كما أعلن ((ماني )) هو ألآخر من انه هو (( برقليطس )) ألذي وعد ألمسيح بمجيئه . وهنالك (( مزمار )) ينسب إلى (( ماني )) يقول فيه :: (( أيها ألنائمون في نار جهنم لقد اشرق لكم نور معرفة برقليطس , وميض نور, فمن يرغب بألعلاج فليأتي إلى ألطبيب )) . (87) اي يأتي إلى (( ماني )) بأعتباره برقليطس ألذي يحمل ألخلاص لكل أولئك ألتائهون .
    إن ألأيمان بمجيئ (( برقليطس )) كان منتشرا كذالك ,على ألأقل, لدى قسم كبير من ألمؤمنين (( بألألفية )) , إذ أن ألعديد منهم كان يؤمن من أن المجيئ ألثاني للمسيح لأقامة مملكته ألألفية لا بد أن يكون مسبوقا بمجيئ ((برقليطس)) . (88)
    إن ألتنزيل ألقرآني ألقائل بأن عيسى إبن مريم بشر بني إسرائيل من أنه سوف يأتي من بعده نبي (( اسمه أحمد )) لهو واحد من أقوى ألبراهين على أن محمدا صلى ألله عليه وسلم كان حقا نبيا وأن ألقرآن وحي إلهي فعلآ , إذ لم يكن بوسع محمد أبدا أن يعرف أن كلمة ((برقليطس)) تعني أحمد إلا من خلال ألوحي وألتنزيل ألألهي . وفي الوقت ذاته فأن ألقرآن ألكريم يبين للنصارى من أن ، ألكلمة ألحقيقية هي (( أحمد )) وليست (( ألمعزي )) أو أي كلمة أخرى يمكن أن تحل محلها .
    ومما يعزز ماسبق ان بيناه في هذا الصدد هو ان اليهود انفسهم كانوا قبيل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ينتظرون مجيىء نبي في زمنهم ذاك وكانوا يخبرون العرب في المدينة بقرب بعثة نبي عطيم الشأن ينتظرونه وانه مذكور في كتبهم بنعته واوصافه .
    والحقيقة ان اليهود ظلوا منذ سقوط ((اورشليم)) ودمار هيكلهم على يد الرومان، ينتظرون نبيا مخلصا سوف يقوم بتدمير الدوله الرومانية مما ادى الى تكاثر الادب الرؤيوي . كما صاغ اليهود في تنبؤاتهم ((السابيلينية))المكتوبة بصيغة شعرية وباللغة الاغريقية صور لسقوط ((روما))المقبل. كما ان ادب ((معلمي الشريعة)) لم يخل من الهجوم على هذه المدينة .وكثيرا مانجد في الادب اليهودي الفكرة القائلة من انه سوف ياتي من الشرق ((الملك)) الذي يهزم روما وعلى يديه ينتصر اليهود , كما كان يشير الى ان المسيح سوف يظهر في القرن الخامس الميلادي.
    ولقد شاع بين اليهود في تلك الفترة نبوءة تقول: ((اذا شاهدتم الممالك تتقاتل فيما بينها فانظروا اين تكون خطوات المسيح.واعلموا ان هذا لابد ان يكون ، لانه حدث مثل هذا في زمن ابراهيم، فقد هاجمت الممالك آنذاك بعضها البعض الآخر فصار خلاص ابراهيم)) .(89)
    وكانت تدور آنذاك بالفعل معارك عنيفة بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية على اراضي العراق وسوريا وفلسطين تلك المعارك التي استمرت من دون توقف منذ ولادة محمد صلى الله عليه وسلم حتى هجرة المسلمين الى المدينة مما اضعف الطرفين وسمح للاسلام ان يمد جذوره في ارض الجزيرة العربية من دون تدخل خارجي يذكر.
    كما شاعت في تلك الفترة بين اليهود نبوءة اخرى تقول: ((افرحي ،ابتهجي ايتها القسطنطينية ،يامدينة القاتل آدوم (هذه الكلمة تعني روما والرومان )المشيدة على في ارض الرومان ،شعب آدوم الذين لديهم الجيوش الغفيرة ، فعليكم ايضا يحل العقاب . ينهبك البارثيين (الفرس) وكأس اللعنة يعلق فوقك فتثملين وتطرحين . فيغفر ذنبك ياجماعة صهيون ، فتتحررين من قبل المسيح وإليا الكاهن)) .(90)
    ولم تكن هذه ألنبوءات غريبة على يهود الجزيرة العربية الذين كانوا على اتصال مع اخوانهم اليهود في سوريا ، فقد كانوا على علم من ان رسولا كبيرا قد حان وقت مبعثه ، وكان اليهود في المدينة اذا مانشب بينهم وبين الاوس والخزرج نزاع هددوهم بقولهم:ان مبعوثا الآن قد اطل زمانه ، واننا سنتبعه فنقتلكم قتل عاد وارم .وقد اشار القران الكريم الى ذلك بقوله ((ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )) . (91)
    عن ابن عباس -رضي الله عنهما- : ((ان اليهود كانوا يستفتحون على الاوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ماكانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء : يامعشر اليهود اتقوا الله واسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن اهل شرك ، وتخبروننا انه مبعوث ، وتصفونه بصفاته، فقال لهم سلام بن مشكم- اخو بني النضير –ماجاءنا شيء نعرفه، وماهو بالذي كنا نذكره لكم , فأنزل الله عز وجل : (( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا , فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )) . (92) ولقد شهد على صدق نبوة محمد صى الله عليه وسلم عدد من علماء اليهود وآمنوا به كعبد الله بن سلام ، ومخيريق , وغيرهما ، كما آمن به عدد من النصارى كسلمان الفارسي وصهيب الرومي والنجاشي وورقة بن نوفل وغيرهم الكثير .
    وقد استشهد الله سبحانه وتعالى بعلماء اهل الكتاب على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة نبوته ، فقال تعالى : (( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)) . (93)
    وهذا من اعظم الادلة على صدقه ، صلى الله عليه وسلم ، فلو كان هذا الامر لاوجود له عندهم لما جرىء محمد على ان يحتج على دعوة بما يشهد ببطلانها ، ولكنه كان لايتكلم من عند نفسه بل انما هو وحي يوحى اليه .
    ولقد اوردت كتب السير ألكثير من شهادات اليهود من ان محمدا صلى الله عليه وسلم قد وردت اوصافه ونعته في كتبهم ولكنهم لم يؤمنوا به حسدا من عند انفسهم . ولقد ورد عن ابي هريرة –رضي الله عنه- انه قال : (( اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ((المدراس)) فقال: ((اخرجوا الي اعلمكم )) فقالو :عبدالله بن صوريا. فخلا به الرسول صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه . وبما انعم الله عليهم ، واطعمهم من المن والسلوى ، وظللهم من ألغمام ، اتعلم اني رسول الله ؟قال : اللهم نعم ، وان القوم ليعرفون مااعرف ، وان صفتك ونعتك لمبين في التوراة ، ولكن حسدوك .قال فما يمنعك انت؟قال: اكره خلاف قومي ، عسى ان يتبعوك ويسلموا فأسلم . وبذلك حق قول الله سبحانه وتعالى عليهم قوله : ((الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم الذين خسروا انفسهم فهم لايؤمنون)) . (94)
    اما النصارى فقد حملوا بشارات التوراة وكتب الانبياء التي بعدها على المسيح عليه السلام
    ، ولاريب ان بعضها صريح فيه وبعضها ممتنع حمله عليه اما البعض الاخرفمحتمل . اما بشارات المسيح بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهم أما حملوا بعضها على الحواريين او حروفها وطمسوا اثرها .
    كما حملوا بعضها على امر وهمي لاوجود له قرنوه بالروح القدس ، والذي هو عندهم احد ألأقانيم الثلاثة لله حسب زعمهم . ومن اجل ذلك وبخ الله تعالى اهل الكتاب جميعا لانهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، فقال تعالى : ((ان الذين يكتمون ماانزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب اؤلئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون )) (95)وقال تعالى : (( ان الذين يكتمون ماانزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا اولئك ما يأكلون في بطونهم الا النار ، ولايكلمهم الله يوم القيامة ،ولايزكيهم ولهم عذاب اليم)) (96)وقال تعالى : ((يااهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات الى النور بأذنه ويهديهم الى سراط مستقيم)) (97)
    ان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي اعظم حدث في تاريخ البشرية ، لان الله تعالى ختم بها الرسالات السماوية ، فلا نبي بعده ، وارسله بشيرا ونذيرا للناس كافة ، وخاطبه تعالى قائلا: ((ياايها النبي ان ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا الى الله بأذنه وسراجا منيرا)) . (98 )
    ((وماارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)) .(99) وامره ان يصدع في الناس بهذه الحقيقة : ((قل ياايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا )).(100) وارسله الى الجن كما ارسله الى الانس : ((قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرءانا عجبا .يهدي الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا احدا)) (101)
    انها رسالة لكل الازمنة والاجيال ، رسالة غير موقوتة بعصر معين او زمن معين مخصوص ، ينتهي اثرها انتهائه ، ولا بأمة معينة ، كما كان الشأن في الرسلات السابقة ، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء والمرسلين ، ورسالته هي الرسالة الدائمة حتى قيام الساعة ، ويطوى بساط هذا العالم .فهي تتضمن هداية الله الاخيرة للبشرية ، فليس بعد الاسلام شريعة ، ولابعد القران كتاب ، ولابعد محمد نبي، ولم يسبق لنبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم ان اعلن ان رسالته هي الخاتمة وان لانبي بعده .انها هداية رب العالمين لكل الناس اينما كانوا ورحمة من الله لعباده : ((وماارسلناك الا رحمة للعالمين )).(102)
    وقد لزم بذلك ان يتضمن هذا الدين مايكفل سعادة الانسان في الدنيا والاخرة وان تكون شريعته صالحة لكل زمان ومكان ، وان يكون ناسخا لم قبله من الاديان ، يستبقي منها مايصلح ، ويلفي ماسواه ، قال تعالى: ((وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )).(103) وقال الطبري: (( القرآن امين على الكتب المتقدمة قبله ،فما وافقة منها فهو حق ،وماخالفه منها فهو باطل )).(104) واخبر الله تعالى الناس كافة : ((ان الدين عند الله هو الاسلام )). (105)
    وحذرهم بقوله : ((ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين)).( 106)
    وبذلك لم يعد يحل لمن يسمع بمحمد صلى الله عليه وسلم ويعرف حقيقة دينه الا ان يكون تبعا له ، ففي الحديث الذي رواه ابو موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : ((والذي نفس محمد بيده لايسمع بي رجل من هذه الامة يهودي ولانصراني ثم لايؤمن بي الا دخل النار)) . (107)

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      جزاك الله خيرا اخي وشكرا على المقالات القيمة
      وتم دمج الموضوعين للفائدة

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        الاسلام الدين الحق 3

        - 3-صدق رساله محمد صلى الله عليه وسلم
        د. عادل مرعي الراوي
        بسم الله الرحمن الرحيم
        لقد ظهر الاسلام في فتره تاريخيه وصلت فيها البشريه الى درجه عاليه من الرقي والتقدم لم تبلغها في ايه مرحله من مراحلها السابقه , صاحبها حركه حضاريه وتجاريه نشطه وواسعه جاءت على اعقاب تشكيل الامبراطوريه العالميه التي ضمت العديد من البلدان والاقوام , تلك الامبراطوريات والامم التي وان كانت قد امتلكت بعض الخصائص الايجابيه في نظمها وقوانينها , الا انها في ذات الوقت امتلكت كل الجوانب السيئه . فلم يكن هنالك عدل على الارض , وكانت العبوديه منتشره , والظلم ضارب بجذوره في كل مكان , والشرك يعم زوايا الارض كلها , وقد عبر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن حال العالم انذاك في حديث له قال فيه : (( ان الله نظر الى اهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من اهل الكتاب )) ( 49) ان تلك البقايا من دون ريب كانوا اولئك النصارى الذين ظلو على التوحيد الذي جاء به عيسى ابن مريم عليه السلام واحتفظوا بامانه الوحي طوال تلك القرون الطويله رغم الضروف القاسيه والصعاب التي عانى منها اولئك الموحدون , وذلك لكي يكونوا حجه الله على عباده في الارض الذين انحرفوا عن جوهر الدين الذي جاء به المسيح . وخلاصه القول فانه البشريه كانت بحاجه الى رساله عالميه شامله لاتخص شعب واحد من الشعوب ولا امه واحده بعينها , بل للناس كافه , لافرق بين عربي واعجمي ولا بين ابيض واسود , رساله تقر التوحيد , وترفع الظلم , وتزيل التناحر الذي ساد بقاع الارض , وتحرر الانسان من اخيه الانسان وتنظم مختلف مجالات الحياة الاجتماعيه والاقتصاديه والعلاقات بين الامم , وقوانين الحرب والسلام . وتمهد لتطور حضاري عالمي لاحق وفق نظم ومعايير اخلاقيه توازن بين ماهو مادي وما هو روحي بحيث تصبح الحظاره في مسيرتها الصاعده مصدرا لسعاده الانسان لا وبالا عليه .
        واذا نظرنا الى جغرافيه العالم لوجدنا ان شبه الجزيره العربيه هي انسب ارض للرساله العالميه . فهي تقع بين اسيا وافريقيا واقرب ماتكون الى اوربا مما يساعد على انتشار الدين الجديد . وكانت تحيط ببلاد العرب انذاك امبراطوريتين عظيمتين هما الامبراطوريه البيزنطيه والامبراطوريه الفارسيه , الا انهما اخذتا تعانيان من الوهن والانحلال . وكان الترف ونمو الحضاره المختل قد افسد عليها عاداتها وخصالها . اما الامه العربيه فقد كانت بمناى عن تلك الاثار السيئه المنتشره في الامم الاخرى (( المتمدنه )) في القرن السادس الميلادي , وكان فيها من الصفات الانسانيه جميع ما يمكن ان يكون في امه من الامم لم تصدمها المدنيه بعواصفها . وكان العرب شجعانا , قائمين بالعهود , محبين للحريه , وكانوا مستعدين دائما للموت في سبيل اعراضهم وحريتهم , لذا لم يكونوا خاضعين لحكم اجنبي . ومامن شك فانه كانت لدى العرب الكثير من الجوانب السلبيه وخاصه عباده الاوثان والشرك بالله . وكانت القبائل العربيه متناحره فيما بينها في حروب طاحنه, ولم يكن هنالك اعتبار للنفس البشريه . وكان القتل والسلب مسأله اعتياديه لدى اولئك البدو الذين لايعرفون الضوابط والحدود . وكانت الحريه قد بلغت بهم حدا جعلهم لا يتقيدون بقاعده ولا بقانون , ولا الخضوع لاي حاكم مهما كان . ولكنهم رغم ذلك كانوا مؤهلين بشجاعتهم لان يقوموا باكبر الادوار التاريخيه اذا ماعني بهم وباصلاحهم رجل عبقري . فلمثل هذا الرجل كانت تحتاج اليه الرساله العالميه , وكان ذلك الرجل المختار محمد صلى الله عليه وسلم . لقد استطاع هذا الرجل الامي من خلال تعاليم ومبادىء الاسلام توحيد القبائل العربيه المتناحره , والتي لم يستطع احد ان يوحدها طوال التاريخ , واخراجها من الهمجيه ليجعل منها امه عظيمه ذات حضاره راقيه . وبعد ان كان العرب امه من اضعف الامم تحولوا بفضل الاسلام الى امه قهرت الامبراطوريات التي كانت سائده انذاك , واخذوا يعلمون الامم الشرف والمدنيه , ونشروا تعاليم الاسلام بسرعه مذهله في اصقاع الارض المختلفه .
        لقد احدث هذا الرجل ثوره في العالم وغير مجرى التاريخ البشري كله بفضل التعاليم والمبادىء التي اعلنها على الناس , فمن اين له هذه الامكانيات وهذا العلم ؟ فتراه قائدا محكنا وقاضيا ماهرا , ومقننا عظيما يدعو الى التمدن , وسياسيا ذو باع طويل . ورغم اشغاله كلها تراه يعبد ربه اناء الليل واطراف النهار , ويهتم بشؤون بيته ويخدم الفقراء واليتامى . وفي قمه مجده وانتصاراته ظل يعيش في بيته المتواضع مثلما يعيش فقراء المسلمين , ينام على الحصير ويبات الليل طاويا , لم تغره السلطه ولا الجاه ولا المال الوفير , ولم يغتر ولم يعلن نفسه فوق البشر بل ظل انسانا متواضعا لايحب الاطراء ولا المديح , مؤكدا في ذات الوقت ان كل مالديه من مواهب عظيمه ليست من عنده بل من عند الله رب العالمين .
        حتى اخر حياته لم يغير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من طبيعه حياته , وفي الوقت الذي دانت له الجزيره العربيه كلها بقي في حياته ومعيشته رجلا عاديا زاهدا في الدنيا ومغرياتها حتى لحق بالرفيق الاعلى . وقد روى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه دخل حجره النبي صلى الله عليه وسلم (( فاذا هو مظطجع على رمال حصير , بينه وبينه فراش , قد اثر بجنبه , متكئا على وساده حشوها ليف , قلت يارسول الله ادع الله فليوسع على امتك , فان فارس و الروم قد وسع عليهم , وهم لايعبدون الله . فقال : اوفي هذا انت ياابن الخطاب ؟ اولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياه الدنيا , وفي روايه , اما ترضى عن ان تكون لهم الدنيا , ولنا الاخره )) . (50)
        كما ورد عن عائشه رضي الله عنها انه (( كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاث اهله في شهرين وما توقد في ابيات الرسول صلى الله عليه وسلم نار , فسالها عروه بن الزبير , فما كانت معيشتكم ياخاله ؟ قالت الاسودان : التمر والماء . وقالت : وكان لنا جيران من الانصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها , جزاهم الله خيرا . (51) وفي حديث اخر : انها ذكرت (( ان ال محمد لم يشبعوا ثلاثه ايام من طعام بر , حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم )) . (52)
        وبعد الا يخجل اؤلئك اليهود والنصارى الذين يزعمون ان محمد كان نبيا كاذبا وانه استمد تعاليمه من اليهوديه والمسيحيه وهو الذي عرضت عليه مغريات الدنيا فرفضها مصرا على تاديه رساله ربه .
        عندما اعلن محمد صلى الله عليه وسلم رسالته لم يكن صدقه موضع شك لدى اهل مكه , ذلك لانهم كانوا على معرفه تامه بحياته الكامله , ولذلك لم يرميه احد بتهمه الكذب او الاحتيال , بل ذهبوا يدعون انه فقد صوابه , او انه شاعر او ساحر , او ان الجن استولت عليه , وما الى ذلك من الدعاوى التي تحفل بذكرها الكتب التاريخيه . الا ان هذه الكتب لم تشر الى ايه محاوله جرؤ صاحبها على النيل من صدقه وامانته , لا بل انه كان يسمى بالصادق الامين عندهم , ويسجل التاريخ انه ليس بمكه احد عنده شىء يخشى عليه الا وضعه عنده , لما يعلم من صدقه وامانته .
        وهذا النضر ابن الحارث وقد كان من اكبر المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم , وكان من كبار زعماء مكه , وقف يوما يخاطب جمعا من قريش , وقال لهم :
        (( يامعشر قريش , انه , والله قد نزل بكم امر مااتيتم له بحيله بعد , ولقد كان فيكم محمدا غلاما حدثا , ارضاكم فيكم واصدقكم حديثا , واعظمكم امانه , حتى اذا رايتم في صدغيه الشيب , وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر , لا والله , ما هو بساحر , لقد راينا السحره ونفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن , لا والله , ماهو بكاهن , قد راينا الكهنه وتخالجهم , وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر , لا والله , ماهو بشاعر ,قد راينا الشعر , وسمعنا اصنافه كلها , هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون , لا والله , ما هو بمجنون , لقد راينا الجنون , فما هو بخنقه , ولا وسوسته , ولا تخليطه . يامعشر قريش , فانظروا في شانكم , فانه والله لقد نزل بكم امر عظيم )) .
        (( وقد كان هذا النظر من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينصب له العداوه )) (53)
        ان القران الكريم يشير في ايات عديده من ان القران ليس من عمل محمد وانما موحى اليه , وانه قول رسول كريم , ذي قوه عند ذي العرش مكين , مطاع ثم امين , ذلكم هو جبريل عليه السلام , تلقاه من لندن حكيم عليم , ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم . وانه ما هو الا وحي يوحى ,: (( قل انما اتبع مايوحى الي من ربي . )) (54) وقوله تعالى : (( قل مايكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي , ان اتبع الا مايوحى الي )) (55) وقوله تعالى: (( سنقرئك فلا تنسى )) وغير ذلك من الايات العديده في القران الكريم التي تبين بشكل صريح في انه لا صنعه فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم , ولا لاحد من الخلق , وانما هو منزل من عند الله بلفضهه ومعناه .
        وهنا يثور سؤال منطقي وهو اى مصلحه لمحمد صلى الله عليه وسلم في ان ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا ؟ فمن المعروف ان الكثير من الادباء يسطون على نتاجات غيرهم فيسرقونها او يسرقون بعظها فينسبونها لانفسهم . اما ان احدا ينسب لغيرهه انفس اثار عمله واغلى ماتجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد . لو كان محمد صلى الله عليه وسلم مجرد رجل اصلاحي يريد ان يخرج المجتمع الانساني من هوه الرذيه والضلال فان مثل هذا الاصلاح لا يمكن ان يتم على قاعده من الكذب والتمويه , وهذا امر ياباه علينا الواقع التاريخي كل الاباء . ان من تتبع سيرته الشريفه قبل النبوه وبعدها يعرف مدى صدقه وامانته وحسن اخلاقه وحلو شمائله وطيب سجاياه , وهذا ماشهد ويشهد به اصدقاؤه واعداؤه الى يومنا هذا (56) (( قل لو شاء الله ماتلوته عليكم ولا ادراكم به, فقد لبثت فيكم عمرا من قبله, افلا تعقلون)) (57)
        لقد دافع الكاتب الغربي (ا. ج ليونارد ) عن صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في كتابه (( القيمه الاخلاقيه والروحيه للأسلام )) , قائلا : (( من البدايه يجب الاعتراف بان محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مشعوذا ولا دجالا متشردا وانما كان واحدا من اخلص بني البشر واصدقهم واسماهم نفسا على مر الزمان . انه ليس عظيما فحسب , لكنه من اعظم الرجال الذين انجبتهم الانسانيه في كل عصورها . تجلت عظمته كنبي بنفس عظمته كمواطن من بني قومه, وكذلك كرجل دوله مسؤول فهو المؤسس المادي والروحي الذي بنى دوله عظمى وامبراطوريه متراميه الاطراف , واكثر من ذلك , بنى دينا عظيما لا يزال . وهو الصادق , لانه صادق مع نفسه ومع امته وفوق كل ذلك مع ربه . فاذا اعترفنا بذلك , فاننا سندرك ان الاسلام دين الحقيقه والصدق العميق الذي يهدي من اختاروه الى صراط مستقيم ويخرجهم من ظلمات الجهاله الانسانيه الى عوالم النور والحقيقة)) . (58)
        لقد اخبر الانبياء السابقون ان المتنبىء الكذاب لايؤيد ولايتم امره بل مصيره الموت , كما جاء في سفر الثنية (( ...واما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاما لم اوصه ان يتكلم به او الذي يتكلم باسم الهه اخرى فيموت ذلك النبي . واذا قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصرفهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه )) (59)
        كما جاء في الانجيل ان المسيح عليه السلام قال لحوارييه : (( احترزوا من الانبياء الكذبه الذين ياتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفه . من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا او من الحسك تينا . هكذا كل شجره جيده تصنع اثمارا جيده . واما الشجره الرديئه فتصنع اثمارا رديه . لاتقدر شجره جيده ان تصنع اثمارا رديه ولا شجره رديه ان تضع اثمارا جيده . كل شجره لاتصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار . فاذا من ثمارهم تعرفونهم )) . (60)
        فتامل ايها القارىء هذه العلامه البينه التي يؤديها القران الكريم , في قوله تعالى : (( الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمه طيبه كشجره طيبه , اصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي اكلها كل حين )) . الى قوله عز وجل : (( ومثل كلمه خبيثه كشجره خبيثه , اجتثت من فوق الارض مالها من قرار )) . (61) وانظر بعين الاعتبار الانصاف ايها الكتابي في ثمار الشجره المحمدية, هل هي جيده ام رديئه ؟ فان كابرت قلت رديئه افختمك بقول المسيح : (( كل شجره رديئه تقطع وتلقى في النار )) . وشجره الاسلام ماقطعت بل نمت وبوركت وعلت الى ان وصلت الدرجه الدرجه القصوى , وعم ندائها الشرق والغرب , وانتشرت دعوتها في اقطار الارض جميعا . ( 62) بينما قطعت اشجار خبيثه كثيره قبل انبعاث الاسلام منها شجرتي . مونتا نوس montanus(في نهايه القرن الثاني ) (( وماني)) manes ( 216-276م ) اللذين ادعيا النبوه , وادعى كل منهما انه هو ( البرقليطس) الذي بشر به المسيح عليه السلام في انجيل يوحنا , فهلك الاول وقتل الثاني شر قتله وطوى الزمان اثارهم ولم تبق لهما بقيه .
        وقد ادعى النبوه في جزيره العرب اناس كان مصيرهم القتل والزوال من دون ان يتركوا من خلفهم اثرا , منهم مسيلمه الكذاب , وطليحه الاسدي , وسجاح, والاسود العنسي, ذلك لان الله لايرضى ان يتكلم احد باسمه زورا وبهتانا . ويتضح ذلك في قوله تعالى : (( لو تقول علينا بعض الاقاويل . لاخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من احد عنه حاجزين )) . (63) وان من دلائل الرساله ان يعصم الله ورسوله ويحفظه من الناس حتى يبلغ ماكلف به . قال الله تعالى مخاطبا رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )) . (64) وقد ايد الله محمدا ونصره نصرا عزيزا على المشركين والكفره , ثم اظهر من بعده امته على سائر الناس.
        ان حياه محمد صلى الله عليه وسلم معلومه منذ ميلاده الى ساعه وفاته للذين عاصروه وشهدوا عهده , وقد حفظها التاريخ منهم لمن بعدهم . ان جميع شؤونه واطوار حياته , من ولادته ورضاعته وطفولته الى ان صار يافعا كل ذلك ظاهر امره معلومه تفاصيله . ولقد اخبرنا التاريخ عن اشتغاله بالتجاره وعن كيفيه زواجه , وعلم الناس سجاياه وحسن خلقه ووفائه للناس قبل النبوه , وكيف ان قريش عرفت امانته لذلك حكموه فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الاسود في موضعه من الكعبه . ثم وقفوا على امره حين حبب الله اليه الخلوه فاعتزلهم في غار حراء , ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين , وحين بدا امر الاسلام يظهر للوجود اخذ يدعو الناس اليه ويبلغ ماانزل عليه وقد بين التاريخ كيف انهم كذبوه وحاربوه وبين مالقي صلى الله علي وسلم في نشر الاسلام من جهد وعناء , وما قابله به اهل الطائف حين دعاهم الى عباده الله وترك الاوثان , وكيف اخبر اهل مكه خبر اسراءه وعروجه الى السماء . ولم يخف عن التاريخ خبر هجرته من مكه الى المدينه , ولا الغزوات التي غزاها , والاسباب الباعثه عليها والعهود التي اقامها مع القبائل ومع اهل الكتاب من يهود ونصارى . كما حفظ لنا التاريخ مراسلته الى الملوك والامراء والحكام يدعوهم فيها الى دين الله , كما حفظ لنا جهاده في سبيل الحق ومابذله في تبليغ دعوه الاسلام الى الناس الى ان اكمل الله للا نسانيه دينها , وحج الرسول صلى الله عليه وسلم حجه الوداع وتوفاه الله اليه . وهكذا مامن شيىء في سيره الرسول ورسالته مااسدل الستار عليه او خفي عن الناس , وما من شيء يجهله التاريخ , فكل شيء واضح بين وضوح الشمس في وسط النهار .
        لاريب انه لا يوجد في الانبياء والرسل والمصلحين من يعرف الناس حياتة واحواله باكثر تفصيلا واشمل بيانا
        من سيره محمد صلى الله عليه وسلم واحواله . ولقد بين القاضي (( ريورند باسورث سمث )) ( عظو كليه التثليث في اكسفورد ) بعض جوانب الحقيقه , في محاضره له عن (( محمد والمحمديه )) عام 1874 في الجمعيه الملكيه البريطانيه قال فيها : (( كل مايقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته , ومما يؤسف له ان هذا يصح اطلاقه على الديانات الثلاث * وعلى اصحابها الذين نعدهم تاريخيين لاننا لانعلم لهم وصفا احسن من هذا الوصف , فاننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوه الاولين . فالذي نعلمه من شئون زرد شت وكونفوشيوس اقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط . والذي نعلمه عن موسى , وبوذا اقل مما نعلمهه عن امبرس ambras وقيصر . ولا نعلم من سيره عيسى الا شذرات تتناول شعبا قليله من شعب حياته المتنوعه والكثيره . ومن ذا الذي يستطيع ان يكشف لنا عن الستار عن شؤون ثلاثين عاما هي تمهيد واستعداد لثلاثه اعوام التي علم بها من حياته , وما الذي نعلمه عن ام المسيح وعن حياته في بيته , وعيشته العائليه , وما الذي نعلمه عن اصحابه الاولين , وحوارييه , وكيف كان يعاملهم , وكيف تدرجت رسالته الروحيه في الظهور , وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته , وكم وكم من اسئله تجيش في نفوسنا ولن يستطيع احد ان يجيب عليها الى يوم القيامه ؟!
        اما الاسلام فامره واضح كله , ليس فيه سر مكتوم عن احد , ولا غمه ينبهم امرها على التاريخ . ففي ايدي الناس تاريخه الصحيح , وهم يعلمون من امر محمد صلى الله عليه وسلم كالذي يعلمونه من امر لوثر وملتن . وانك لاتجد فيما كتبه عنه المؤرخون الاولون اساطير ولا اوهاما ولا مستحيلات واذا عرض لك طرف من ذلك امكنك تمييزه عن الحقائق التاريخيه الراهنه , فليس لاحد هنا ان يخدع نفسه او يخدع غيره , والامر كله واضح وضوح النهار , وكانه الشمس رأد الضحى يتبين تحت اشعه نورها كل شيء )) (65) ويضيف ((باسورث سميث )) قائلا: (( ترى الشمس هاهنا بيضاء تنير اشعتها كل شىء وتصل الى كل شيء . لاشك ان في الوجود شخصيات لانعلم عنها شيئا , ولانتبين حقيقتها ابدا , او تبقى منها امور مجهوله . بيد ان التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من نشاته الى شبابه , وعلاقته بالناس , وروابطه , وعاداته , ونعلم اول تفكيره , وتطوره وارتقاءه التدريجي ثم نزول الوحي العظيم عليه نوبه بعد نوبه , ونعلم تاريخه الداخلي بعد ظهور دعوته واعلان رسالته وان عندنا كتابه ( القران ) لامثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا وفي عدم التزام الترتيب في معانيه , وانه لم يستطع احد ان يشك في قيامه على اساس الصدق شكا يعتد به , فهو عندنا ممثل لروح عصره ومراه لبيئته , فهو لذلك بريء من كل تصنع او تكلف )) (66)
        ان اعظم الناس واجلهم اذا انقلب الى بيته كان فيه رجلا من الرجال وواحد كاحاد الناس , ولقد صدق ( فولتير) في قوله المشهور : (( ان الرجل لايكون عظيما في داخل بيته , ولا بطلا في اسرته )) وهو يريد بهذا ان عظمه المرء لايعترف بها من هو اقرب الناس اليه , لاطلاعه على دخيلته ومعرفته بسجاياه , ولكن هذا الحكم وان كان صحيحا فانه يشذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم . يقول (( باسورث سمث)) ان ماقيل عن العظماء في مباذلهم لايصح – على الاقل – في محمد رسول الاسلام , ويستشهد بقول كبن : (( لم يمتحن رسول من الرسل اصحابه كما امتحن محمد اصحابه , انه قبل ان يتقدم الى الناس جميعا , تقدم الى الذين عرفوه انسانا المعرفه الكامله فطلب من زوجته وغلامه واخيه واقرب اصدقائه اليه واحب خلانه ان يؤمنوا به نبيا مرسلا . فكل منهم صدق دعواه وامن بنبوته وان حليله المرء اكثر الناس علما بباطن امره ودخيله نفسه والصقهم به , فلا يوجد من هو اعرف منها بهفواته ونقائصه , اليس ان اول من امن بمحمد رسول الله زوجته الكريمه التي عاشرته خمسه عشر عاما , واطلعت على دخائله في جميع اموره واحاطت به علما ومعرفه , فلمى ادعى النبوه كانت اول من صدق في نبوته (67) ويقول جيبن : (( لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الاولين من بدايه امره كما نجح محمد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادىء ذي بدء – بصفته رسولا يوحى اليه – على الذين عرفوا ضعفه البشري وعرفوه اكثر مما يعرفه غيرهم , فعرض رسالته على زوجته وعبده العنيد وابن عمه وصديقه القديم الذي لم يتحول عنه , ولم يخذله و هؤلاء هم الذين سبقوا الناس الى الايمان بنبوته . ان نصيب الانبياء انقلب في حق محمد وتغير عما كان عليه فيمن مظى من الرسل , فلم يكن محمد غير محبوب الا من الذين لم يعرفوه ( 68)
        وقد اعترف الدكتور ((ليتز)) بصحه رساله نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قائلا : (( اني لاجرؤ بكل ادب ان اقول : ان الله الذي هو مصدر ينابيع الخير والبركات كلها , لو كان يوحي الى عباده فدين محمد هو دين الوحي , ولو كانت ايات الايثار , والامانه , والاعتقاد الراسخ القوي ,ووسائل التمييز بين الخير والشر , ودفع الباطل هي الشاهد على الالهام , فرساله محمد هي هذا الالهام )) . (69)
        ومااصدق ماقاله البروفيسور باسورث سميث :
        (( عندما القي نظره على اجماليه استعرض فيها صفاته وبطولاته ماكان منها في بدء نبوته , وماحدث منها فيما بعد , وعندما ارى اصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياه , وكم من البطولات المعجزه احدثوا – اجده اقدس الناس , والاعلاهم مرتبه , حتى ان الانسانيه لم تعرف له مثيلا )) (70)
        (( لقد ادعى محمد لنفسه في اخر حياته نفس ماادعاه في بدايه رسالته . واني لاجدني مدفوعا الى الاعتقاد بان كلا من الفلسفه العليا و المسيحيه الصادقه سوف تضطران , يوما ما , الى التسليم بانه كان نبيا ... نبيا صادقا من عند الله )) (71)

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #5
          الاسلام الدين الحق 4

          4-- نبوءات تتحقق تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم .
          د. عادل مرعي الراوي
          بسم الله الرحمن الرحيم
          انه لمن اصدق دلالات النبوه ان رجلا اميا يعيش بين اظهر قوم اميين , كان يعيش معيشتهم , مشغولا طوال يومه برزق نفسه وزوجته واولاده يعمل بالاجر راعيا حينا او تاجرا بالاجر حينا اخر , لاصله له بالعلم ولا العلماء, يقضي في هذا الحال اربعين سنه من عمره , ثم يطلع علينا بين عشيه وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به من قبل , فيكلمنا عن سالف القرون الاولى بمالم يجري على لسان احد . انه يخبرنا عن آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى والنبيين مفندا الكثير من روايات اليهود والنصارى او يصححها . والقران الذي جاء به لايقف عند هذا الحد بل يصف لنا بدء الخلق ونهايته , ويصف الجنه ونعيمها , والنار وعذابها كانما يراها راي العين , حتى انه ليحصي عده الابواب , وعده الملائكه الموكله بتلك الابواب . فمن اين له هذا العلم ومن اى مصدر استقاه ؟ فهل استقاها ودرسها على ايدي احد كما يود القول الجاحدون ؟ : (( وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست )) . (72) ولقد صدقوا فانه درسها , ولكن على يد الروح الامين : (( وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الامين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين )) . (73)
          الا ان الاعجب من هذا كله ان هذا القرآن الذي جاء به هذا النبي الكريم لم يكتفي بكشف ماجرى من احداث الماضي بل وبكشف حجب المستقبل . انها نبوءات منها ماتحقق في حياة المشركين ومنها ماتحقق في مستقبل الايام . ان هذه النبوءات التي اثبت الزمان صحتها لا يمكن ان تصدر من قبل انسان عادي مهما كان علمه ومهما كانت قدراته , انها لا بد ان تكون من لدن عليم حكيم وهنا سوف نسرد نوعين من بعض النبوءات القرانيه مع بيان شيء من ملابساتها التاريخيه , النوع الاول ما تحقق في حياة المشركين ومنها ما اثبت الزمان صحتها , وهاك امثله من النوع الاول على ذلك :
          النبوءه الاولى التي نوردها في هذا السياق والتي وردت في القران فهي غلبه الروم على الفرس . وقد جاء في اول سوره الروم قوله تعالى : ( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين )) . (74)
          كانت هزيمه الروم هائله ومذله فضاع من الروم كل ماملكوا من البلاد في شرق العاصمه وجنوبها , ولم تعد الرايه الصليبيه ترفرف على العراق والشام وفلسطين ومصر واسيا الصغرى , بل علتها رايه الفرس المجوسيه . وسدت الجيوش الفارسية كل الطرق المؤديه الى العاصمه وما يحيط بها في حصار اقتصادي قاس , وعم القحط وتفشت الامراض الوبائيه . وكان الشعب في العاصمه خائفا جائعا يترقب قدوم العدو , فكسدت التجاره , وتحولت معاهد العلم والثقافه الى ساحات موحشه . وسعى المجوس للقضاء على المسيحيه , فدمروا الكنائس واراقوا دماء الناس واقاموا بيوت عباده النار في كل مكان , وارغموا الناس على عباده الشمس والنار . وللتدليل على مدى فداحه هزيمه الروم نورد هنا الخطاب الذي وجهه كسرى الى هرقل :
          ((من لدن الاله كسرى , الذي هو اكبر الالهه , وملك الارض كلها , الى عبده اللئيم الغافل : هرقل : انك تقول : انك تثق في الهك ! فلماذا لا ينقذ الهك القدس من يدي ؟! )) . (75)
          وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسيه والروميه هذه الاحداث فقد سيطرت على مكه قضيه مماثله . فقد كان الفرس مجوسا من عبده الشمس والنار , وكان الروم مع كفرهم من اهل الكتاب . لذلك كان المسلمون مع الروم , وكان كفار مكه مع الفرس . فلما انتصر الفرس على الروم عام 616 م واستولوا على المناطق الشرقيه من دوله الروم , انتهزها المشركون فرصه للسخريه من المسلمين قائلين لهم من ان الروم اهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس , وانتم تزعمون انكم ستغلبوننا بالكتاب الذي انزل عليكم , فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم , فنزلت الايه : (( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ))
          لقد كان الاخبار بهذا النصر وبانه كائن في وقت معين امر خارج الضنون والتوقعات . ذلك ان دوله الروم , كما سبق وان بينا , قد بلغت من الضعف حدا ان غزيت في عقر دارها (( في ادنى الارض )) , فلم يكن احد يظن انها ستقوم لها قائمه , فضلا عن ان يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر (( في بضع سنين )) . ولذلك كذب به المشركين وتراهنوا على تكذيبه . على ان القران لم يكتفي بهذا الوعد بل عززه باخر , قال تعالى: (( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله )) اشاره الى ان اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين . واذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعدا عند الناس اشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد ؟ لذلك اكد سبحانه وتعالى اعظم التاكيد بقوله : (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون )) .
          ولقد صدق الله وعده , فتمت الغلبه للروم على الفرس باجماع المؤرخين في اقل من تسع سنين , وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوه بدر الكبرى , كما رواه الترمذي عن ابي سعيد ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره . (76) وذلك تصديقا لايه سوره القمر المكيه : (( سيهزم الجمع ويولون الدبر )) (77) مع ان فكره التقاء الجمعين اى المسلمين والمشركين لم تكن وارده في مكه اصلا .
          وتعليقا على هذه النبوءه كتب المؤرخ المشهور (( جبن )) مبينا انه: (( في ذلك الوقت , حين تنبأ القران بهذه النوءة , لم تكن اى نبوءه ابعد منها وقوعا , لان السنين الاثنتي عشر الاولى من حكم هرقل كانت تؤذن بانتهاء الامبراطوريه الرومانيه )) . (78)
          واليك النبوءة الثانية في هذا السياق : لعل من اعجب العجب ان يضمن الله لنبيه حمايه شخصه ويعصمه من الناس الراغبين في قتله الذين كانوا يحيطون به من كل جانب وذلك في قوله تعالى : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك , وان لم تفعل فما بلغت رسالته , والله يعصمك من الناس)) . (79)
          وهذا وايم الله ضمان لايملكه بشر مهما بلغت الحراسات التي تحيط به . فكم من ملك اختطفته يد الغيله وهم في مواكبهم التي تحيط بها الجنود والاعوان ولكن انظر مدى ثقه الرسول بوعد ربه . فقد امر عليه الصلاه والسلام حراسه الذين كانوا يحرسونه في الليل بالانصراف قائلا لهم : (( ياايها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله )) .
          ( 80)
          وحقا لقد عصمه الله في مواطن كثيره كان فيها خطر الموت اقرب اليه من شراك نعله . وها هو ذا في ذات الرقاع ينزل تحت شجره ظليله ويعلق سيفه عليها , فيجيبئه رجل من المشركين فياخذ السيف فيخترطه ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : اتخافني ؟ فيقول : لا . فيقول الرجل : مايمنعك مني ؟ فيجيب : (( الله يمنعني منك . ضع السيف )) فلا يملك الرجل الا ان يضع سيفه . (81) وحسبك ان تعلم ان هذا الامن كان في الغزوه التي شرعت فيها صلاة الخوف .
          ومن اعظم الوقائع تصديقا لهذا الامر هو الموقف المدهش الذي وقفه النبي في غزوه حنين , فقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين , فطفق يركض ببغلته الى جهه العدو , فلما اقبل المشركون وغشوه لم يفر بل نزل عن بغلته كانما يعرض نفسه لنبالهم وهو يقول : (( انا النبي لا كذب , انا ابن عبد المطلب )) . (82)
          وهكذا حفظه الله ولم يقبضه اليه حتى بلغ الرساله وادى الامانه , وحتى انزل عليه قوله تعالى : (( اليوم اكملت لكم دينكم , واتممت عليكم نعمتي , ورضيت لكم الاسلا دينا )) . (83)
          وهاك نبوءه اخرى : منع المسلمون من دخول مكه عام الحديبيه , واشترطت عليهم قريش اذا جاءوها في العام المقبل ان يدخلوها عزلا من كل سلاح الا السيوف في القروب . فهل كان بامكان المسلمين ان يثقوا بوفاء المشركين في عقدهم , وقد بلوا منهم بنكث العهود وانتهاك شعائر الله ؟ وفي هذه الظروف القلقه يجيئهم وعد الله بالدخول والامن وقضاء الشعيره : (( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون )) . (84) فدخلوها امنين ومكثوا فيها ثلاثه ايام حتى اتموا عمرتهم وقضوا مناسكهم .
          ومثال اخر ماجاء في التحدي بهذا القران وتعجيز مشركي مكه والعالم من بعدهم على الاتيان . بمثله (( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) (85) ولما لم يؤتوا بمثله تنازل لهم عن التحدي بجميع القران الى التحدي بعشر سور مثله , فقال في سوره هود : (( ام يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين )) . (86) فسكتوا سكوت العاجزين وهنا تحداهم ان ياتوا بسوره واحده من مثله , فقال في سوره البقره : (( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسوره من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين . فان لم تفعلوا ولن تفعلوا افاتقوا النار التي وقودها الناس والحجاره اعدت للكافرين )) . (87)
          فانظر الى هذا الحكم المؤبد , هل يستطيع انسان ان يتفوه به وهو يعلم مدى فصاحه العرب وبلاغتهم ؟ الم يكن يخشى بهذا التحدى ان يثير حميتهم الادبيه فيهبوا لمناقسته متحدين بعضهم يكمل عمل بعض حتى يخرجوا كلاما ان لم يبزه فلا اقل ان يساميه ولو في بعض نواحيه ؟ ثم كيف طوعت له نفسه ان يصدر هذا الحكم ليس على اهل عصره فحسب بل وعلى الاجيال القادمه حتى يوم القيامه , بل وعلى الجن والانس ؟
          لقد كانت هوايه العرب في الجاهليه في لغتهم , وكان العربي يفتتن بها فينحت منها صورا بيانيه لاتقل جمالا عما ينحته اكابر الفنانين . فالشعر العربي كما يقول الاستاذ محمود شاكر : (( كان حين انزل على محمد صلى الله عليه وسلم نورا يضيء ظلمات الجاهليه , ويعكف اهله على بيانه عكوف الوثني للصنم , ويسجدون لاياته سجده خاشعه لم يسجدوا مثلها لاوثانهم قط , فقد كانوا عبده البيان , قبل ان يكونوا عبده الاوثان , وقد سمعنا من استخف منهم باوثانهم , ولم نسمع قط من استخف ببيانهم )) . (88) اذا انها مغامره لايجازف بها رجل دون ان يعرف قدر نفسه , وراكن الى تصاريف القضاء وخبر السماء , فلم يهم بمعارضته احد الاباء بالعجز والفشل على مر العصور والدهور .
          وهاك امثله من النوع الثاني التي اثبت الزمان صحتها :
          عندما بدا النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وقفت الجزيره العربيه كلها ضده , وكان على النبي مواجهه ثلاث قوى في وقت واحد : اولاها : قريش والقبائل المشركه كلها بعد ان اصبجوا اعداء حياته . وثانيهما : القارونيه اليهوديه وماتملكه من اموال طائله , وثالثهما : اولئلك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء على حركتهم من داخل معاقلهم . وكان على الرسول صلى الله عليه وسلم ان يجاهد على هذه الجبهات الثلاث . وقد وقف اما هذا الطاغوت المستشري وقفات رائعه لامثيل لها ,ولم يكن هنالك من يسانده في جهاده هذا سوى حفنه من المهاجرين والانصار .. وقد ظلت هذه الجماعه الصغيره من المسلمين متمسكه بدينها تجاهد وتكافح والاعداء يتربصون بهم من كل جانب وهم في اشد حالات العوز والفقر . وكان من اكثر المسلمين بؤسا وعوزا تلك الجماعه التي عاشت في المسجد النبوي , حيث لم تكن لديهم بيوت ياوون اليها , وكانوا ينامون على (( صفه )) في فناء المسجد , فاطلق عليهم : (( اهل الصفه )) . وقد بلغ عددهم في بعض الاحيان اربعمائه صحابي .
          فعن ابي هريره رضي الله عنه , قال : (( رايت سبعين من اهل الصفه يصلون في ثوب , فمنهم من يبلغ ركبته , ومنهم من هو اسفل من ذلك , فاذا ركع احدهم قبض عليه , مخافه ان تبدو عورته . (89)
          وعن ابي هريره ايظا رضي الله عنه انه قال : (( لقد رايتني اصرع بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبين حجره عائشه رضي الله تعالى عنها , فيقول الناس : انه مجنون , ومابي جنون , مابي الا الجوع ! )) . ( 90)
          في هذه الاحوال البائسه , حيث كان المسلمون في اسوا احوالهم , جائعين , مكشوفين في عراء المدينه , يترقبون مخافه ان يتخطفهم الاعداء من كل جانب , نجد ان القران الكريم يبشرهم مره بعد اخرى : (( كتب الله لاغلبن انا ورسلي )) (91)
          (( يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم , والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون )) (92)
          وفي هذه الضروف القاسيه التي لاتطاق ولا تحتمل بشر الرسول الكريم المسلمين بالانتصارات التي سيحققونها على كل من بيزنطه وفارس . وكانت دهشتهم كبيرة, لأن التوازن العسكري مفقود بين الروم والمسلمين ناهيك
          عن قدرات فارس , وكان المسلمون في اشد الفترات حراجه . فقد كانوا يحفرون خندقا حول المدينه تجنبا للصدام المباشر مع تحالف المشركين . لذا كان التوازن بين قوه روما لوحدها وجيوشها الجراره التي تسيطر على كامل الشمال الافريقي وبلاد الشام , وبين جيش المسلمين في دوله المدينه , مفقودا بكل المقاييس العسكريه والمفاهيم العقليه . فروما كانت اقوى الامبراطوريات في العالم . وكانت دوله الاسلام في المدينه اضعف دوله في العالم من حيث العدد والعده والمال . وكان الصحابه يشكون للرسول صلى الله عليه وسلم الجوع ويحلمون برغيف الخبز قال عبد الله بن حواله : (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا اليه الفقر والعري وقله الشيىء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابشروا , فوالله لانا من كثره الشىء , اخوف عليكم من قلته . والله لايزال هذا الامر فيكم حتى تفتح لكم ارض فارس وارض الروم وارض حمير وحتى تكونوا اجنادا ثلاثه , جندا بالشام , وجندا بالعراق , وجندا باليمن , وحتى يعطى الرجل مائه دينار فيتسخطها . قال بن حواله : فقلت يارسول الله ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون ؟ . فقال رسول الله : والله ليفتحنها الله عليكم ويستخلفنكم الله فيها , حتى تظل العصابه منهم البيض قمصهم المحلقه اقفاؤهم قياما على الرجل الاسود منكم , ماامرهم فعلوا , وان بها اليوم رجالا لانتم اليوم احقر في اعينهم من القردان في اعجاز الابل . قال ابن حواله : فقلت فاخترلي يارسول الله ان ادركني ذلك . قال اختار لك الشام , فانها صفوه الله من بلاده واليها يجتبي صفوته من عباده . يااهل اليمن عليكم بالشام فان صفوه الله من الارض الشام . فمن ابى فليلحق بيمنه وليسق بغدره , وان الله قد تكفل لي بالشام واهله )) (93) هذه هي الحاله التي كان عليها العرب , فهم في نظر الروم (( احقر من القردان في اعجاز الابل )) ولهذا استغرب ابن حواله كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال له : (( ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون )) , اى القويه , سؤال يدل على صعوبه الامر حتى مجرد التفكير في مثل هذا النجاح . ولولا انهم كانوا يدركون ان الرسول صلى الله عليه وسلم (( لاينطق عن الهوى . ان هو الا وحي يوحى )) لما صدقوا ماسمعوا . دوله المدينه المحاصره الجائعه الضعيفه التي يحيط بها اعدائها من كل جانب , ولا تمتلك الا سلاح الايمان ستغزوا بعد بضع سنين اكبر امبراطوريتين في التاريخ وتنتصر عليها . ولكن ماكان بشاره غير معقوله انجز بعد سنتين من وفاه الرسول صلى الله عليه وسلم . لقد دوخ رهبان الليل وفرسان النهار العالم بشجاعتهم وانتصاراتهم واخلاقهم ورحمتهم بالشعوب التي اصبحت جزءا من دوله الاسلام . لا يمكننا ان نفسر هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات الماديه ابدا , الا اذا سلمنا ان هذا الانسان لم يات باخبار الغيب هذه من عند نفسه , وانما كان رسول الله , يخبرنا بما يوحي اليه ربه , ولو كان انسانا عاديا لاستحال كل الاستحاله ان تصنع كلماته اقدار التاريخ .
          ونسوق هنا النبوءة الثانية , فقد جاء في بيان هذا الدين ان الله قد كتب له البقاء والخلود , وان القران قد ضمن الله حفظه وصيانته : (( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون )) . (94) ان هذه البشرى بل العهد الوثيق , صدر في مكه . نعرف ماامر الدعوه المحمديه في مكه : عشر سنوات كلها اعراض من قومه عن الاستماع لقرانه , وصد لغيرهم عن الاصغاء له , واضطهاد وتعذيب لتلك الفئه القليله التي امنت به , ثم مقاطعه له ولعشيرته ومحاصرتهم مده غير يسيره في شعب من شعاب مكه , وماتلى ذلك من مؤامرات سريه او علنيه على قتله او نفيه . واذا كان الوضع في مثل هذه الحلكه فكيف يجرىء احد ان يصدر حكما قاطعا في مثل هذه الضروف . فمن يتكفل لمحمد صلى الله عليه وسلم بعد موته ببقاء هذه الدعوه وحمايتها وسط امواج المستقبل العاتيه ؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك وهو يعلم من عبر الزمان مايفت في عضد ذلك اليقين ؟ فكم من مصلح ذهبت اصواته ادراج الرياح . وكم من نبي قتل . وكم من كتاب فقد او حرف .فلولا فضل الله ورحمته الموعود بها لما استطاع القران ان يقاوم تلك الحروب العنيفة التي اقيمت ولا تزال تقام عليه بين حين واخر. سل التاريخ : كم مره تسلط الفجار على المسلمين فاثخنوا فيهم القتل , واكرهوا امما منهم على الكفر واحرقوا الكتب , وهدموا المساجد , وصنعوا ماكان يكفي القليل منه لضياع هذا القران كلا او بعضا كما فعل بالكتب قبله , ولولا ان يد الله تحرسه لما بقي وسط هذه المعامع سليما رافعا راياته . وكم من القناطير المقنطره من الذهب والفضه انفق وينفق اعداء هذا الدين كل عام لمحو هذا القران وصد الناس عن الاسلام ثم لم يظفروا من وراء ذلك الا بما قال الله تعالى : (( ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله . فسينفقونها ثم تكون عليهم حسره , ثم يغلبون )) سوره الانفال (95)
          ذلك ان الذي يمسكه ان يزول هو الذي يمسك السماوات والارض ان تزولا . ذلك بان الله : (( هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليضهره على الدين كله ولو كره المشركون )) سوره الصف (96) وسوره التوبه (97) والله بالغ امره , ومتم نوره , فظهر وسيبقى ظاهرا لايضره من خالفه حتى ياتي امر الله . )) (98)

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #6
            جزاك الله خيرا على سلسلة المقالات الرائعة

            ما رايك بجمعها في موضوع واحد ؟

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #7
              اخي العزيز مجاهد في الله السلام عليكم
              فكرتك حول جمع المقالات معا فكرة جيدة وجزاك الله خير الجزاء

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #8
                تم جمع المقالات ونقلها لقسم الرد على الاسئلة حول الأسلام

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #9
                  بسم الله الرحمان الرحيم
                  5- الرد على بعض شبهات الغربيين
                  دز عادل مرعي الراوي
                  لقد اشار البعض الى احتمال وجود تاثيرات كتابيه في البيئه العربيه من قبل اليهود والنصارى القاطنين في بعض مناطق الجزيره العربيه . الا ان الوقائع لاتدل على ذلك , ولا يوجد دليل واحد يثبت ان هنالك ايه صلات فعليه بين محمد صلى الله عليه وسلم مع تلك القله القليله من النصارى القاطنين في مكه . كما كان اولئك النصارى لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب بل ان لغتهم الاجنبيه كانت حاجزا طبيعيا امام الرسول صلى الله عليه وسلم . اما عن ذلك الحداد الرومي الذي زعموا انه يملي عليه بكره واصيلا فلم يكن (( لاهوتيا)) مسيحيا بل كان عامي الفؤاد لايعلم الكتاب الا اماني , ولم تكن معارفه الدينيه ذات شان يذكر ولو كان غير ذلك لسمعنا عنه الكثير . كما كان اعجمي اللسان لايفهم من كلامه الشيء الكثير الا بصعوبه , وصدق الله تعالى اذ يقول : (( لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين )) . (99)
                  كما اشار البعض الى ورقه بن نوفل باعتباره من العلماء بالنصرانيه ومن اقارب السيده خديجه رضي الله عنها الذي لقيه محمد صلى الله عليه وسلم عقب اخباره خديجه بما راه في غار حراء , وقد انطلقت خديجه به الى ورقه وكان شيخا كبيرا قد عمي , فقالت له خديجه ياابن عم اسمع من ابن اخيك : فقال له ورقه : يا ابن اخي ماذا ترى , فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر ماراى , فقال له ورقه : هذا الناموس – اى امين الوحي – الذي نزل الله على موسى . ولم ليبث ورقه ان توفي (100)
                  والسؤال الذي يتبادر الى الذهن بهذا الخصوص , لماذا لم نسمع عن ورقه قبل هذه الحادثة اذا كان لديه مثل هذا العلم ؟ ولم لم ينشر ورقه علومه هذه بين الناس قبل الرساله المحمديه ؟ ولم يلقنه لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فهل هناك من يقدم لغيره ثمره فكره وجهد عمله؟ ومن السخافه ان يتصور البعض وكان مكه تكتظ باليهود والنصارى لان ذلك عم تثيته ايه وثائق عدى اوهام بعض المستشرقين التي لا سند لها سوى اهوائهم المفرضه .
                  مامن شك انه كان هنالك يهود يسكنون المدينه , وكذلك نفر اخر يسكنون فدك ووادي القرى وتيماء , وقد اكتسب هؤلاء اليهود جميع التقاليد والاخلاق والاسماء واللهجات العربيه . وقد ظهر منهم شعراء وخطباء باللغه العربيه . وكان الى جانب هؤلاء نصارى جاءتهم النصرانيه من بلاد الشام وشبه جزيره سيناء . وكان من اشهر القبائل التي دخلتها النصرانيه بني تغلب وطي وبعض عرب الحجاز . وقد اثرت النصرانيه في البيئه العربيه واوجدت بعض الافكار التي لها علاقه بالنصرانيه مثل الرهبنه وفكره اتخاذ الله للبنين والبنات والتي وقف منها الاسلام موقف ا لمحارب باعتبارها شركا وانتقاصا من وحدانيه الله .ويعترف (( جورج سيل )) مترجم القران بما كانت عليه حال المسيحيين في الحجاز من السوء والضلاله فيقول : (( من المحقق ان ما الم بالكنيسه الشرقيه من الاضطهاد واختلال الاحوال في صدر المائه الثالثه للميلاد قد اضطر كثيرين من نصاراها ان يلجأوا الى بلاد العرب طلبا للحريه وكان معظمهم يعاقبه؟ فلذا كان معظم نصارى العرب من هذه الفرقه . ويقول الكاتب انه قد انتشرت بين نصارى العرب الكثير من البدع , فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون ان النفس تموت مع الجسد وتنشر معه في اليوم الاخر وقبل ان اوريجانوس ** هو الذي دس فيهم هذا المذهب , وكم من بدعه انتشرت في جزيره العرب حتى لانقول نشات فيها ؟ فمن ذلك بدعه كان اصحابها يقولون بالوهيه العذراء مريم ويعبدونها كانما هي الله ويقربون لها اقراصا مضفوره يقال لها كليرس وبها سمي اصحاب هذه البدعه كليريين ... وفضلا عن ذلك فقد اجتمع ايظا في جزيره العرب عدد وافر من الفرق المختلفه الاسماء لجاوا اليها هربا من اضطهاد القياصره .. )) (101)
                  ولما كان هكذا حال النصرانيه في بلاد العرب فقد رغب بعض المرتابون ان يدعي ان الذي علم محمد حقائق الدين راهب اسمه (( بحيرا)) من اتباع اريوس لقيه النبي في طفولته في بصرى الشام خلال رحلته مع عمه ابي طالب . وكل الذي صح في امر هذا الرجل هو ان محمدا صلى الله عليه وسلم لقيه وهو ابن تسع سنين وقيل ابن اثنتي عشره مره واحده , وكان معه عمه ابو طالب وقال هذا الراهب لعمه , سيكون لابن اخيك هذا شان عظيم , واوصى ابو طالب ان يحذر عليه من اليهود (102) ولم يذهب محمد صلى الله عليه وسلم الى الشام بعدها الا مره واحده في تجاره لخديجه وهو شاب وكان بصحبه ميسره غلام خديجه ولم يتجاوز في هذه المرحله كذلك بصرى الشام , وهنا يمكننا ان نسال اصحاب هذه العقول هل كانت هذه الرحله القصيره كافيه لان يتلقى محمد صلى الله عليه وسلم العلوم من النصارى ؟ وهل كان لدى هؤلاء شيء من علم يقدمونه له ؟ لذا لم يكن من بد ان يسقه القران تلك الاحلام الطائشه جميعا وبلهجه قاطعه حاسمه : (( وما كان هذا القران ان يفترى من دون الله , ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل الكتاب , لاريب فيه من رب العالمين )) . (103)
                  لقد كان يهود الجزيره ونصاراها يعيشون مثل عيشه العرب ويفكرون مثل تفكيرهم , ولم يكونوا ارقى منهم مستوى , ولا افضل ثقافه . واذا قرانا الشعر العربي الذي خلفه اليهود في العصر الجاهلي او في صدر الاسلام , نرى انه شقيق الشعر العربي الذي قاله العرب , في الفاضه ومعانيه , وهذا دليل على ان القوم – من عرب ويهود ونصارى – كانوا على صعيد فكري واحد وان تمسك اليهود والنصارى بدينهم . لم يكن ذلك التمسك قويا على ايه حال , ولم تكن معرفتهم بدينهم سوى معرفه ضحله والا ظهر ذلك في اشعارهم واقوالهم وحكمهم (104) وقد قام (( الاباء اليسوعيين )) في بدايه هذا القرن بابحاث مهمه في هذا الموضوع , كان الهدف منها معرفه مدى مساهمه (( شعراء النصرانيه في الجاهليه )) وكانت الحصيله النهائيه لتلك الابحاث محصول ادبي كبير ليس للنصرانيه فيه من شيء الا العنوان المذكور , مما شكل مفاجئه ذات مغزى , وهي انه برهن على عكس ماكان يريده مؤلفوه . وقد اعترف (( الاب لامانس )) بعدم وجود تاثير للمسيحيه على العرب انذاك ,وقد عزا ذالك الى (( بعد معتنقيها العرب عن الرعاية المناسبة للكنيسة)) .((105)) وعدا ذالك لو ان التعاليم اليهودية والمسيحية كانت قد تغلغلت حقا في الثقافه والبيئه العربيه الجاهليه لوجدنا ترجمه عربيه للكتاب المقدس تعود الى ذالك العهد. وهنالك امر مؤكد فيما يتعلق بالأنجيل وهو انه جتى القرن الرابع الهجري لم تكن قد وضعت له ترجمة عربية حتى ان الغزالي اضطر ان يلجا الى مخطوط قبطي لكي يحرر كتابه (( الرد على من ادعى الوهيه المسيح بصريح الانجيل )) .وقد اعترف الاب روبرت شدياق , الذي ترجم (( رد الغزالي )) الى الفرنسيه , من ان اول نص مسيحي مترجم الى العربيه كان مخطوطا في مكتبه القديس بطرسسبرج حوالي عام 1060 بيد رجل يدعى (( ابن العسال )) . (106)
                  وهكذا فاذا لم تكن توجد ترجمه عربيه للانجيل في عصر الغزالي فهل يعقل ان توجد مثل هذه الترجمه في العصر الجاهلي ؟ بالطبع لا . وحتى بالنسبه للتوراه فانه ليس هناك دليل واحد على وجود ترجمه لها في ذلك العصر ويفهم من الايات القرانيه على عكس ذلك .ان القران الكريم يذكر لنا صدى مادار من المجادله بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبين بعض احبار اليهود , ويقول مخاطبا هؤلاء : (( قل فأتوا بألتوراه فاتلوها ان كنتم صادقين )) (107)
                  افليس هذا دليلا على انه لا يوجد من يقرا العبريه من العرب من ناحيه , وعلى انه لم تكن توجد من ناحيه اخرى ترجمه عربيه للتوراه ؟
                  ان اول ترجمه (( للعهد القديم )) الى اللغه العربيه جرت بعد انتشار الاسلام في العصر العباسي الاول , ولا توجد قرائن عن وجود ترجمه عربيه لما يسمى بالعهد القديم قبل ظهور الاسلام . وقد قامت الحاجه الى هذه الترجمه العربيه نتيجه الى توسع رقعه الدوله الاسلاميه التي ضمنت الكثير من الاقوام التي تدين باليهوديه والمسيحيه التي راحت تستخدم اللغه العربيه في حياتها اليوميه . وقد قام عالم يهودي اسمه (( سعديه بن يوسف )) (892-942) بادل محاوله بترجمه (( العهد القديم )) الى اللغه العربيه ولكن باحرف عبريه , ثم قام بعده (( يافث بن علي )) وهو يهودي من القرائين بترجمه الى العربيه في القرن العاشر للميلاد , وبعدها قام (( ابو سعيد ابو البركات )) بترجمه الى العربيه في القرن الثالث عشر للميلاد , وتوجد الان اجزاء من هذه الترجمات تعود الى القرن السادس عشر في متحف لينينفراد . الا ان هذه الترجمات العربيه المذكوره كانت تختلف فيما بينها اختلافا بينا , وذلك حسب الاصل المترجمه منه , ان كان النص عبريا او يونانيا او سامرائيا او سريانيا او قبطيا او لاتينيا . لذا فان مثل هذه الترجمات غير ذات قيمه في الدراسات النقديه للتوراه وترجمتها . (108) ولم تكن هنالك ترجمات حديثه معتبره للكتب المقدس لدى اليهود والنصارى الا في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين قام بها رجال دين كاثوليك وبرتستانت , هذا مع العلم انه حتى هذه الترجمات لاتزال بعيده عن الكمال وهناك فروق اسايه بين النصين الكاثوليكي والبروتستانتي .
                  ان القران الكريم الذي يعتبر وثيقة لاتقبل الجدل عن العصر الجاهلي والذي تؤيدة الرواية الشفهية لايشير وكذالك الرواية الشفهية باي شكل من الأشكال الى وجود(( فكرة توحيدية)) منتشرة في العصر الجاهلي,بل العكس انها تؤكد على عدم وجود اي تاثير ديني(( توحيدي)) كتابي في البيئة العربية انذاك. ويبين الله سبحانه وتعالى جوهر رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم,قائلآ,: ((ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) .(109) مؤكدا بهذا على ان الرسول الكريم محمد صلى اللة عليه وسلم هو معلم الوحدانية الأول والوحيد لأمة العرب. كما يبين اللة سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على ان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله وان الرسول ليست لديه اية فكرة مسبقة عن ذالك,اذ يقول سبحانه في كتابه الكريم : (( تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا , فاصبر ان العاقبة للمتقين )).(110) وقوله في سورة يوسف التي هي اكثر سور القران شبها بالتوراة (( نحن نقص عليك احسن القصص بم اوحينا اليك هذا القران وان كنت كن قبله لمن الغافلين )),(111) يؤكد نفس الطابع التاريخي السابق ,اي تاكيدخلو البيئة العربية من اي تاريخ توحيديقبل الأسلام, وعدم وجود اي تاثير يهودي مسيحي في الحياة اجاهلية . وهنالك ايات كثيرة تشير الى هذا المعنى وتبين ان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله , ومن بين ذالك قوله تعالى :(( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك , اذا لأرتاب المبطلون )) ,سورة العنكبوت. (112) (( وما كنت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم )),سورة ال عمران(113). (( ذالك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ اجمعوا امرهم وهم يمكرون )) , سورة يوسف (114). (( وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين )), سورة القصص (115) . (( وكذالك اوحينا البك روحا من امرنا, ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان)).(116) (( وما كان لي من علم بألملأ الأعلى اذ يختصمون )) .(117) (( وما كان هذا القران ان يفترى من من الله واكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب , لا ريب فيه من رب العالمين )) .(118) (( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به ,فقد لبثت فيكم عمرا من قبله افلا تعقلون )) .(119)
                  وبعد كل هذه التأكيدات على صحة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وعلى انه لاعلم له الا ما علمه الله ,يقسم الله سبحانه وتعالى على ات محمدا نبي مرسل من عندة : (( فلأقسم بما تبصرون , وما لا تبصرون , انه لقول رسول كريم )) , وانه (( تنزيل من رب العالمين, ولو تقول علينا بعض الأقاويل , لأخذنا منه باليمين , ثم لقطعنا منه الوتين ,فما منكم من احد حاجزين , وانه لتذكرة للمتقين )) . (120)
                  وبعد كل هذا فأنه من البلاهة تماما ان يتصور البعض وكأن محمدا صلى الله عليه وسلم ( ألأمي) وهو جالس في مكتبة في مكة , مملوءة بألمخطوطات المدونة بأللغات العبرية واليونانية وألآرامية والقبطية واللاتينية ,كما يجلس الباحث في عصرنا هذا وهو عاكف طوال يومه على دراسة المخطوطات ( القانونية ) و ( غير القانونية ) ألعائدة لمختلف الفرق والنحل اليهودية والمسيحية ,بهدف صياغة نظامه الديني والأخلاقي ,فتأتي حصيلة دراسته اجمل وأرقى من (الكتاب المقدس) الذي يعج بالتناقضات والمغالطات الشنيعة , التي ادخلها البشر , من دون ان يقع صلى الله عليه وسلم ولو بغلطة واحدة من اغاليطهم الكثيرة , لابل يرد عليها ويقوم بتصحيحها ويضيف اليها تفاصيل ومعلومات جديدة لا يعلمها احد من خلق الله الا هو .
                  ولنفترض ان محمدا صلى الله عليه وسلم قد اتصل فعلا بألمسيحية وحصل على كل ما يريد فهل كان سيجد نموذجا دينيا او اخلاقيا صالحا يمكن نقله لكي يبني عليه نظامه الديني الأصلاحي؟ بالطبع لا. وهذا ما يعترف به حتى الكتاب الغربيين انفسهم . وفي هذا الخصوص كتب (( ج لاسال )) مبينا في كتابه (( ملاحظات عن الأسلام )) : (( اذا ما قرأنا التاريخ الكنسي بعناية , فسنرى ان العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته , بسبب اطماع رجال الدين والأنشقاق بنهم , والخلاف على اتفه المسائل والمشاجرات التي لا تنتهي والتي كان الأنقسام يتزايد بشأنها. وكان المسيحيون في تحفزهم لأرضاء شهواتهم وأستخدام كل انواع الخبث والحقد والقسوة قد انتهوا الى طرد المسيحية ذاتها من الوجود , بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها , وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت بل و ثبتت اغلب انواع الخرافات و الفساد... ))
                  كما كتب (( تايلور)) في كتابه(( المسيحية القديمة)) قائلا : (( ان ما قابله محمد واتباعه في كل اتجاه , لم يكن الا خرافات منفرة و وثنية منحطة ومخجلة , ومذاهب كنسية مغرورة وطقوسا دينية منحلة وصبيانية )) . ويصف تايلور (( (( Canon Taylorحالة المسيحية في تلك الفترة قائلا : (( كان ائمة اللاهوت في افريقيا والشام قد استبدلوا بديانة المسيح هقائد ميتافيزيقية عويصة : ذالك انهم حاولوا ان يحاربوا ما ساد في هذا العصر من فساد بتوضيح فضل العزوبة في السماء وسمو البكورية الى مرتبة الملائكة – فكان اعتزال العالم هو الطريق الى القداسة , وألقذارة صفة لظاهرة الرهبنة – وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة, كما كانت الطبقات العليا مخنثة يعيش فيها الفساد , واطبقات الوسطى مرهقة بالضرائب , ولم يكن للعبيد امل في حاضرهم ولا مستقبلهم . فأزال الأسلام بعون الله , هذة المجموعة من الفساد واخرافات , لقد كان ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية بأعتبارها رأس التقوى . ولقد بين اضول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته , كما بين ان الله رحيم عادل يدعو الناس الى الأمتثال لأمرة والأيمان به وتفويض الأمر اليه . واعلن ان المرء مسؤول , وان هناك حياة اخرة ويوما للحساب , واعد للأشرار عقابا اليما وفرض الصلاة والزكاة واصوم وفعل الخير , ونبذ الفضائل الكاذبة والجدل الديني والترهات والنزعات اللأخلاقية الضالة وسفسطة المتنازعين في الدين , واحل الشجاعة محل الرهبنة , ومنح العبد رجاء , والأنسانية اخاء , ووهب الناس ادراكا للحقائق الأساسية , التي تقوم عليها الطبيعة البشرية )) . ( 121)
                  وهكذا نجد ان النصرانية قد تم افسادها نتيجة الهلنسة المستمرة , وحينما ظهر الأسلام كان النزاع بين مختلف المذاهب والنحل المسيحية على اشده , وكان رجال الدين يتنازعون فيما بينهم على اشد مسائل الدين ابهاما واكثرها غموضا . وقد مل الناس ذالك الجدل العقيم على تلك الأمور التي لا يفهمونها , فوجدوا في الأسلام ملاذا وحلآ في تلك الحقيقة البسيطة الواضحة , حقيقة وحدانية الله عبر الأيمان ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوتة . وقد عبر عن هذه الحقيقة كيتاني Caetani)) قائلآ : (( من ان انتشار الأسلام بين نصارى الكنائس الشرقية
                  انما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهيلينيه الى اللاهوت المسيحي . اما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة فقد كانت اثقافة الهيلينية وبالآ عليه من الوجهه الدينية . لأنها احالت تعاليم المسيح البسيطة السامية الى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة , مليئة بألشكوك والشبهات , فأدى ذالك الى خلق شعور من اليأس بل زعزع اصول العقيدة الدينية ذاتها , فلما اهلت اخر الأمر انباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء العربية لم تعد تلك المسيحية الشرقية التي اختلطت بألغش والزيف وتمزقت بفعل الأنقسامات الداخلية وتزعزعت قواعدها الأساسية , واستولى على رجالها اليأس وألقنوط من مثل هذا الريب , ولم تعد المسيحية بعد ذالك قادرة على مقاومة اغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباتة كل الشكوك التافهه , وقدم مزايا مادية جليلة الى جانب مبادئة الواضحة البسيطة التي لاتقبل الجدل , وحين ذاك ترك الشرق المسيح وارتمى في احضان نبي بلاد العرب .)) (122)
                  وفي الواقع لم يترك الشرق المسيح بل اعاده الأسلام الى المسيح , المسيح التاريخي , وعرفه بحقيقته , وحقيقة تعاليمه التي طمسها الغالين فيه وذالك من خلال الأيمان ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا ما سنوضحه في الصفحات التالية

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #10
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عادل مرعي الراوي مشاهدة المشاركة
                    4-- نبوءات تتحقق تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم .
                    د. عادل مرعي الراوي
                    بسم الله الرحمن الرحيم
                    انه لمن اصدق دلالات النبوه ان رجلا اميا يعيش بين اظهر قوم اميين , كان يعيش معيشتهم , مشغولا طوال يومه برزق نفسه وزوجته واولاده يعمل بالاجر راعيا حينا او تاجرا بالاجر حينا اخر , لاصله له بالعلم ولا العلماء, يقضي في هذا الحال اربعين سنه من عمره , ثم يطلع علينا بين عشيه وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به من قبل , فيكلمنا عن سالف القرون الاولى بمالم يجري على لسان احد . انه يخبرنا عن آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى والنبيين مفندا الكثير من روايات اليهود والنصارى او يصححها . والقران الذي جاء به لايقف عند هذا الحد بل يصف لنا بدء الخلق ونهايته , ويصف الجنه ونعيمها , والنار وعذابها كانما يراها راي العين , حتى انه ليحصي عده الابواب , وعده الملائكه الموكله بتلك الابواب . فمن اين له هذا العلم ومن اى مصدر استقاه ؟ فهل استقاها ودرسها على ايدي احد كما يود القول الجاحدون ؟ : (( وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست )) . (72) ولقد صدقوا فانه درسها , ولكن على يد الروح الامين : (( وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الامين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين )) . (73)
                    الا ان الاعجب من هذا كله ان هذا القرآن الذي جاء به هذا النبي الكريم لم يكتفي بكشف ماجرى من احداث الماضي بل وبكشف حجب المستقبل . انها نبوءات منها ماتحقق في حياة المشركين ومنها ماتحقق في مستقبل الايام . ان هذه النبوءات التي اثبت الزمان صحتها لا يمكن ان تصدر من قبل انسان عادي مهما كان علمه ومهما كانت قدراته , انها لا بد ان تكون من لدن عليم حكيم وهنا سوف نسرد نوعين من بعض النبوءات القرانيه مع بيان شيء من ملابساتها التاريخيه , النوع الاول ما تحقق في حياة المشركين ومنها ما اثبت الزمان صحتها , وهاك امثله من النوع الاول على ذلك :
                    النبوءه الاولى التي نوردها في هذا السياق والتي وردت في القران فهي غلبه الروم على الفرس . وقد جاء في اول سوره الروم قوله تعالى : ( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين )) . (74)
                    كانت هزيمه الروم هائله ومذله فضاع من الروم كل ماملكوا من البلاد في شرق العاصمه وجنوبها , ولم تعد الرايه الصليبيه ترفرف على العراق والشام وفلسطين ومصر واسيا الصغرى , بل علتها رايه الفرس المجوسيه . وسدت الجيوش الفارسية كل الطرق المؤديه الى العاصمه وما يحيط بها في حصار اقتصادي قاس , وعم القحط وتفشت الامراض الوبائيه . وكان الشعب في العاصمه خائفا جائعا يترقب قدوم العدو , فكسدت التجاره , وتحولت معاهد العلم والثقافه الى ساحات موحشه . وسعى المجوس للقضاء على المسيحيه , فدمروا الكنائس واراقوا دماء الناس واقاموا بيوت عباده النار في كل مكان , وارغموا الناس على عباده الشمس والنار . وللتدليل على مدى فداحه هزيمه الروم نورد هنا الخطاب الذي وجهه كسرى الى هرقل :
                    ((من لدن الاله كسرى , الذي هو اكبر الالهه , وملك الارض كلها , الى عبده اللئيم الغافل : هرقل : انك تقول : انك تثق في الهك ! فلماذا لا ينقذ الهك القدس من يدي ؟! )) . (75)
                    وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسيه والروميه هذه الاحداث فقد سيطرت على مكه قضيه مماثله . فقد كان الفرس مجوسا من عبده الشمس والنار , وكان الروم مع كفرهم من اهل الكتاب . لذلك كان المسلمون مع الروم , وكان كفار مكه مع الفرس . فلما انتصر الفرس على الروم عام 616 م واستولوا على المناطق الشرقيه من دوله الروم , انتهزها المشركون فرصه للسخريه من المسلمين قائلين لهم من ان الروم اهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس , وانتم تزعمون انكم ستغلبوننا بالكتاب الذي انزل عليكم , فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم , فنزلت الايه : (( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ))
                    لقد كان الاخبار بهذا النصر وبانه كائن في وقت معين امر خارج الضنون والتوقعات . ذلك ان دوله الروم , كما سبق وان بينا , قد بلغت من الضعف حدا ان غزيت في عقر دارها (( في ادنى الارض )) , فلم يكن احد يظن انها ستقوم لها قائمه , فضلا عن ان يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر (( في بضع سنين )) . ولذلك كذب به المشركين وتراهنوا على تكذيبه . على ان القران لم يكتفي بهذا الوعد بل عززه باخر , قال تعالى: (( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله )) اشاره الى ان اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين . واذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعدا عند الناس اشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد ؟ لذلك اكد سبحانه وتعالى اعظم التاكيد بقوله : (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون )) .
                    ولقد صدق الله وعده , فتمت الغلبه للروم على الفرس باجماع المؤرخين في اقل من تسع سنين , وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوه بدر الكبرى , كما رواه الترمذي عن ابي سعيد ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره . (76) وذلك تصديقا لايه سوره القمر المكيه : (( سيهزم الجمع ويولون الدبر )) (77) مع ان فكره التقاء الجمعين اى المسلمين والمشركين لم تكن وارده في مكه اصلا .
                    وتعليقا على هذه النبوءه كتب المؤرخ المشهور (( جبن )) مبينا انه: (( في ذلك الوقت , حين تنبأ القران بهذه النوءة , لم تكن اى نبوءه ابعد منها وقوعا , لان السنين الاثنتي عشر الاولى من حكم هرقل كانت تؤذن بانتهاء الامبراطوريه الرومانيه )) . (78)
                    واليك النبوءة الثانية في هذا السياق : لعل من اعجب العجب ان يضمن الله لنبيه حمايه شخصه ويعصمه من الناس الراغبين في قتله الذين كانوا يحيطون به من كل جانب وذلك في قوله تعالى : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك , وان لم تفعل فما بلغت رسالته , والله يعصمك من الناس)) . (79)
                    وهذا وايم الله ضمان لايملكه بشر مهما بلغت الحراسات التي تحيط به . فكم من ملك اختطفته يد الغيله وهم في مواكبهم التي تحيط بها الجنود والاعوان ولكن انظر مدى ثقه الرسول بوعد ربه . فقد امر عليه الصلاه والسلام حراسه الذين كانوا يحرسونه في الليل بالانصراف قائلا لهم : (( ياايها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله )) .
                    ( 80)
                    وحقا لقد عصمه الله في مواطن كثيره كان فيها خطر الموت اقرب اليه من شراك نعله . وها هو ذا في ذات الرقاع ينزل تحت شجره ظليله ويعلق سيفه عليها , فيجيبئه رجل من المشركين فياخذ السيف فيخترطه ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : اتخافني ؟ فيقول : لا . فيقول الرجل : مايمنعك مني ؟ فيجيب : (( الله يمنعني منك . ضع السيف )) فلا يملك الرجل الا ان يضع سيفه . (81) وحسبك ان تعلم ان هذا الامن كان في الغزوه التي شرعت فيها صلاة الخوف .
                    ومن اعظم الوقائع تصديقا لهذا الامر هو الموقف المدهش الذي وقفه النبي في غزوه حنين , فقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين , فطفق يركض ببغلته الى جهه العدو , فلما اقبل المشركون وغشوه لم يفر بل نزل عن بغلته كانما يعرض نفسه لنبالهم وهو يقول : (( انا النبي لا كذب , انا ابن عبد المطلب )) . (82)
                    وهكذا حفظه الله ولم يقبضه اليه حتى بلغ الرساله وادى الامانه , وحتى انزل عليه قوله تعالى : (( اليوم اكملت لكم دينكم , واتممت عليكم نعمتي , ورضيت لكم الاسلا دينا )) . (83)
                    وهاك نبوءه اخرى : منع المسلمون من دخول مكه عام الحديبيه , واشترطت عليهم قريش اذا جاءوها في العام المقبل ان يدخلوها عزلا من كل سلاح الا السيوف في القروب . فهل كان بامكان المسلمين ان يثقوا بوفاء المشركين في عقدهم , وقد بلوا منهم بنكث العهود وانتهاك شعائر الله ؟ وفي هذه الظروف القلقه يجيئهم وعد الله بالدخول والامن وقضاء الشعيره : (( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون )) . (84) فدخلوها امنين ومكثوا فيها ثلاثه ايام حتى اتموا عمرتهم وقضوا مناسكهم .
                    ومثال اخر ماجاء في التحدي بهذا القران وتعجيز مشركي مكه والعالم من بعدهم على الاتيان . بمثله (( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) (85) ولما لم يؤتوا بمثله تنازل لهم عن التحدي بجميع القران الى التحدي بعشر سور مثله , فقال في سوره هود : (( ام يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين )) . (86) فسكتوا سكوت العاجزين وهنا تحداهم ان ياتوا بسوره واحده من مثله , فقال في سوره البقره : (( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسوره من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين . فان لم تفعلوا ولن تفعلوا افاتقوا النار التي وقودها الناس والحجاره اعدت للكافرين )) . (87)
                    فانظر الى هذا الحكم المؤبد , هل يستطيع انسان ان يتفوه به وهو يعلم مدى فصاحه العرب وبلاغتهم ؟ الم يكن يخشى بهذا التحدى ان يثير حميتهم الادبيه فيهبوا لمناقسته متحدين بعضهم يكمل عمل بعض حتى يخرجوا كلاما ان لم يبزه فلا اقل ان يساميه ولو في بعض نواحيه ؟ ثم كيف طوعت له نفسه ان يصدر هذا الحكم ليس على اهل عصره فحسب بل وعلى الاجيال القادمه حتى يوم القيامه , بل وعلى الجن والانس ؟
                    لقد كانت هوايه العرب في الجاهليه في لغتهم , وكان العربي يفتتن بها فينحت منها صورا بيانيه لاتقل جمالا عما ينحته اكابر الفنانين . فالشعر العربي كما يقول الاستاذ محمود شاكر : (( كان حين انزل على محمد صلى الله عليه وسلم نورا يضيء ظلمات الجاهليه , ويعكف اهله على بيانه عكوف الوثني للصنم , ويسجدون لاياته سجده خاشعه لم يسجدوا مثلها لاوثانهم قط , فقد كانوا عبده البيان , قبل ان يكونوا عبده الاوثان , وقد سمعنا من استخف منهم باوثانهم , ولم نسمع قط من استخف ببيانهم )) . (88) اذا انها مغامره لايجازف بها رجل دون ان يعرف قدر نفسه , وراكن الى تصاريف القضاء وخبر السماء , فلم يهم بمعارضته احد الاباء بالعجز والفشل على مر العصور والدهور .
                    وهاك امثله من النوع الثاني التي اثبت الزمان صحتها :
                    عندما بدا النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وقفت الجزيره العربيه كلها ضده , وكان على النبي مواجهه ثلاث قوى في وقت واحد : اولاها : قريش والقبائل المشركه كلها بعد ان اصبجوا اعداء حياته . وثانيهما : القارونيه اليهوديه وماتملكه من اموال طائله , وثالثهما : اولئلك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء على حركتهم من داخل معاقلهم . وكان على الرسول صلى الله عليه وسلم ان يجاهد على هذه الجبهات الثلاث . وقد وقف اما هذا الطاغوت المستشري وقفات رائعه لامثيل لها ,ولم يكن هنالك من يسانده في جهاده هذا سوى حفنه من المهاجرين والانصار .. وقد ظلت هذه الجماعه الصغيره من المسلمين متمسكه بدينها تجاهد وتكافح والاعداء يتربصون بهم من كل جانب وهم في اشد حالات العوز والفقر . وكان من اكثر المسلمين بؤسا وعوزا تلك الجماعه التي عاشت في المسجد النبوي , حيث لم تكن لديهم بيوت ياوون اليها , وكانوا ينامون على (( صفه )) في فناء المسجد , فاطلق عليهم : (( اهل الصفه )) . وقد بلغ عددهم في بعض الاحيان اربعمائه صحابي .
                    فعن ابي هريره رضي الله عنه , قال : (( رايت سبعين من اهل الصفه يصلون في ثوب , فمنهم من يبلغ ركبته , ومنهم من هو اسفل من ذلك , فاذا ركع احدهم قبض عليه , مخافه ان تبدو عورته . (89)
                    وعن ابي هريره ايظا رضي الله عنه انه قال : (( لقد رايتني اصرع بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبين حجره عائشه رضي الله تعالى عنها , فيقول الناس : انه مجنون , ومابي جنون , مابي الا الجوع ! )) . ( 90)
                    في هذه الاحوال البائسه , حيث كان المسلمون في اسوا احوالهم , جائعين , مكشوفين في عراء المدينه , يترقبون مخافه ان يتخطفهم الاعداء من كل جانب , نجد ان القران الكريم يبشرهم مره بعد اخرى : (( كتب الله لاغلبن انا ورسلي )) (91)
                    (( يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم , والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون )) (92)
                    وفي هذه الضروف القاسيه التي لاتطاق ولا تحتمل بشر الرسول الكريم المسلمين بالانتصارات التي سيحققونها على كل من بيزنطه وفارس . وكانت دهشتهم كبيرة, لأن التوازن العسكري مفقود بين الروم والمسلمين ناهيك
                    عن قدرات فارس , وكان المسلمون في اشد الفترات حراجه . فقد كانوا يحفرون خندقا حول المدينه تجنبا للصدام المباشر مع تحالف المشركين . لذا كان التوازن بين قوه روما لوحدها وجيوشها الجراره التي تسيطر على كامل الشمال الافريقي وبلاد الشام , وبين جيش المسلمين في دوله المدينه , مفقودا بكل المقاييس العسكريه والمفاهيم العقليه . فروما كانت اقوى الامبراطوريات في العالم . وكانت دوله الاسلام في المدينه اضعف دوله في العالم من حيث العدد والعده والمال . وكان الصحابه يشكون للرسول صلى الله عليه وسلم الجوع ويحلمون برغيف الخبز قال عبد الله بن حواله : (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا اليه الفقر والعري وقله الشيىء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابشروا , فوالله لانا من كثره الشىء , اخوف عليكم من قلته . والله لايزال هذا الامر فيكم حتى تفتح لكم ارض فارس وارض الروم وارض حمير وحتى تكونوا اجنادا ثلاثه , جندا بالشام , وجندا بالعراق , وجندا باليمن , وحتى يعطى الرجل مائه دينار فيتسخطها . قال بن حواله : فقلت يارسول الله ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون ؟ . فقال رسول الله : والله ليفتحنها الله عليكم ويستخلفنكم الله فيها , حتى تظل العصابه منهم البيض قمصهم المحلقه اقفاؤهم قياما على الرجل الاسود منكم , ماامرهم فعلوا , وان بها اليوم رجالا لانتم اليوم احقر في اعينهم من القردان في اعجاز الابل . قال ابن حواله : فقلت فاخترلي يارسول الله ان ادركني ذلك . قال اختار لك الشام , فانها صفوه الله من بلاده واليها يجتبي صفوته من عباده . يااهل اليمن عليكم بالشام فان صفوه الله من الارض الشام . فمن ابى فليلحق بيمنه وليسق بغدره , وان الله قد تكفل لي بالشام واهله )) (93) هذه هي الحاله التي كان عليها العرب , فهم في نظر الروم (( احقر من القردان في اعجاز الابل )) ولهذا استغرب ابن حواله كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال له : (( ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون )) , اى القويه , سؤال يدل على صعوبه الامر حتى مجرد التفكير في مثل هذا النجاح . ولولا انهم كانوا يدركون ان الرسول صلى الله عليه وسلم (( لاينطق عن الهوى . ان هو الا وحي يوحى )) لما صدقوا ماسمعوا . دوله المدينه المحاصره الجائعه الضعيفه التي يحيط بها اعدائها من كل جانب , ولا تمتلك الا سلاح الايمان ستغزوا بعد بضع سنين اكبر امبراطوريتين في التاريخ وتنتصر عليها . ولكن ماكان بشاره غير معقوله انجز بعد سنتين من وفاه الرسول صلى الله عليه وسلم . لقد دوخ رهبان الليل وفرسان النهار العالم بشجاعتهم وانتصاراتهم واخلاقهم ورحمتهم بالشعوب التي اصبحت جزءا من دوله الاسلام . لا يمكننا ان نفسر هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات الماديه ابدا , الا اذا سلمنا ان هذا الانسان لم يات باخبار الغيب هذه من عند نفسه , وانما كان رسول الله , يخبرنا بما يوحي اليه ربه , ولو كان انسانا عاديا لاستحال كل الاستحاله ان تصنع كلماته اقدار التاريخ .
                    ونسوق هنا النبوءة الثانية , فقد جاء في بيان هذا الدين ان الله قد كتب له البقاء والخلود , وان القران قد ضمن الله حفظه وصيانته : (( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون )) . (94) ان هذه البشرى بل العهد الوثيق , صدر في مكه . نعرف ماامر الدعوه المحمديه في مكه : عشر سنوات كلها اعراض من قومه عن الاستماع لقرانه , وصد لغيرهم عن الاصغاء له , واضطهاد وتعذيب لتلك الفئه القليله التي امنت به , ثم مقاطعه له ولعشيرته ومحاصرتهم مده غير يسيره في شعب من شعاب مكه , وماتلى ذلك من مؤامرات سريه او علنيه على قتله او نفيه . واذا كان الوضع في مثل هذه الحلكه فكيف يجرىء احد ان يصدر حكما قاطعا في مثل هذه الضروف . فمن يتكفل لمحمد صلى الله عليه وسلم بعد موته ببقاء هذه الدعوه وحمايتها وسط امواج المستقبل العاتيه ؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك وهو يعلم من عبر الزمان مايفت في عضد ذلك اليقين ؟ فكم من مصلح ذهبت اصواته ادراج الرياح . وكم من نبي قتل . وكم من كتاب فقد او حرف .فلولا فضل الله ورحمته الموعود بها لما استطاع القران ان يقاوم تلك الحروب العنيفة التي اقيمت ولا تزال تقام عليه بين حين واخر. سل التاريخ : كم مره تسلط الفجار على المسلمين فاثخنوا فيهم القتل , واكرهوا امما منهم على الكفر واحرقوا الكتب , وهدموا المساجد , وصنعوا ماكان يكفي القليل منه لضياع هذا القران كلا او بعضا كما فعل بالكتب قبله , ولولا ان يد الله تحرسه لما بقي وسط هذه المعامع سليما رافعا راياته . وكم من القناطير المقنطره من الذهب والفضه انفق وينفق اعداء هذا الدين كل عام لمحو هذا القران وصد الناس عن الاسلام ثم لم يظفروا من وراء ذلك الا بما قال الله تعالى : (( ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله . فسينفقونها ثم تكون عليهم حسره , ثم يغلبون )) سوره الانفال (95)
                    ذلك ان الذي يمسكه ان يزول هو الذي يمسك السماوات والارض ان تزولا . ذلك بان الله : (( هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليضهره على الدين كله ولو كره المشركون )) سوره الصف (96) وسوره التوبه (97) والله بالغ امره , ومتم نوره , فظهر وسيبقى ظاهرا لايضره من خالفه حتى ياتي امر الله . )) (98)

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #11
                      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عادل مرعي الراوي مشاهدة المشاركة
                      بسم الله الرحمان الرحيم
                      5- الرد على بعض شبهات الغربيين
                      دز عادل مرعي الراوي
                      لقد اشار البعض الى احتمال وجود تاثيرات كتابيه في البيئه العربيه من قبل اليهود والنصارى القاطنين في بعض مناطق الجزيره العربيه . الا ان الوقائع لاتدل على ذلك , ولا يوجد دليل واحد يثبت ان هنالك ايه صلات فعليه بين محمد صلى الله عليه وسلم مع تلك القله القليله من النصارى القاطنين في مكه . كما كان اولئك النصارى لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب بل ان لغتهم الاجنبيه كانت حاجزا طبيعيا امام الرسول صلى الله عليه وسلم . اما عن ذلك الحداد الرومي الذي زعموا انه يملي عليه بكره واصيلا فلم يكن (( لاهوتيا)) مسيحيا بل كان عامي الفؤاد لايعلم الكتاب الا اماني , ولم تكن معارفه الدينيه ذات شان يذكر ولو كان غير ذلك لسمعنا عنه الكثير . كما كان اعجمي اللسان لايفهم من كلامه الشيء الكثير الا بصعوبه , وصدق الله تعالى القائل : (( لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين )) . (99)
                      كما اشار البعض الى ورقه بن نوفل باعتباره من العلماء بالنصرانيه ومن اقارب السيده خديجه رضي الله عنها الذي لقيه محمد صلى الله عليه وسلم عقب اخباره خديجه بما راه في غار حراء , وقد انطلقت خديجه به الى ورقه وكان شيخا كبيرا قد عمي , فقالت له خديجه ياابن عم اسمع من ابن اخيك : فقال له ورقه : يا ابن اخي ماذا ترى , فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر ماراى , فقال له ورقه : هذا الناموس – اى امين الوحي – الذي نزل الله على موسى . ولم ليبث ورقه ان توفي (100)
                      والسؤال الذي يتبادر الى الذهن بهذا الخصوص , لماذا لم نسمع عن ورقه قبل هذه الحادثة اذا كان لديه مثل هذا العلم ؟ ولم لم ينشر ورقه علومه هذه بين الناس قبل الرساله المحمديه ؟ ولم يلقنه لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فهل هناك من يقدم لغيره ثمره فكره وجهد عمله؟ ومن السخافه ان يتصور البعض وكان مكه تكتظ باليهود والنصارى لان ذلك لم تثيته ايه وثائق عدى اوهام بعض المستشرقين التي لا سند لها سوى اهوائهم المفرضه .
                      مامن شك انه كان هنالك يهود يسكنون المدينه , وكذلك نفر اخر يسكنون فدك ووادي القرى وتيماء , وقد اكتسب هؤلاء اليهود جميع التقاليد والاخلاق والاسماء واللهجات العربيه . وقد ظهر منهم شعراء وخطباء باللغه العربيه . وكان الى جانب هؤلاء نصارى جاءتهم النصرانيه من بلاد الشام وشبه جزيره سيناء . وكان من اشهر القبائل التي دخلتها النصرانيه بني تغلب وطي وبعض عرب الحجاز . وقد اثرت النصرانيه في البيئه العربيه واوجدت بعض الافكار التي لها علاقه بالنصرانيه مثل الرهبنه وفكره اتخاذ الله للبنين والبنات والتي وقف منها الاسلام موقف ا لمحارب باعتبارها شركا وانتقاصا من وحدانيه الله .ويعترف (( جورج سيل )) مترجم القران بما كانت عليه حال المسيحيين في الحجاز من السوء والضلاله فيقول : (( من المحقق ان ما الم بالكنيسه الشرقيه من الاضطهاد واختلال الاحوال في صدر المائه الثالثه للميلاد قد اضطر كثيرين من نصاراها ان يلجأوا الى بلاد العرب طلبا للحريه وكان معظمهم يعاقبه؟ فلذا كان معظم نصارى العرب من هذه الفرقه . ويقول الكاتب انه قد انتشرت بين نصارى العرب الكثير من البدع , فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون ان النفس تموت مع الجسد وتنشر معه في اليوم الاخر وقيل ان اوريجانوس ** هو الذي دس فيهم هذا المذهب , وكم من بدعه انتشرت في جزيره العرب حتى لانقول نشات فيها ؟ فمن ذلك بدعه كان اصحابها يقولون بالوهيه العذراء مريم ويعبدونها كانما هي الله ويقربون لها اقراصا مضفوره يقال لها كليرس وبها سمي اصحاب هذه البدعه كليريين ... وفضلا عن ذلك فقد اجتمع ايظا في جزيره العرب عدد وافر من الفرق المختلفه الاسماء لجاوا اليها هربا من اضطهاد القياصره .. )) (101)
                      ولما كان هكذا حال النصرانيه في بلاد العرب فقد رغب بعض المرتابون ان يدعي ان الذي علم محمد حقائق الدين راهب اسمه (( بحيرا)) من اتباع اريوس لقيه النبي في طفولته في بصرى الشام خلال رحلته مع عمه ابي طالب . وكل الذي صح في امر هذا الرجل هو ان محمدا صلى الله عليه وسلم لقيه وهو ابن تسع سنين وقيل ابن اثنتي عشره مره واحده , وكان معه عمه ابو طالب وقال هذا الراهب لعمه , سيكون لابن اخيك هذا شان عظيم , واوصى ابو طالب ان يحذر عليه من اليهود (102) ولم يذهب محمد صلى الله عليه وسلم الى الشام بعدها الا مره واحده في تجاره لخديجه وهو شاب وكان بصحبه ميسره غلام خديجه ولم يتجاوز في هذه المرحله كذلك بصرى الشام , وهنا يمكننا ان نسال اصحاب هذه العقول هل كانت هذه الرحله القصيره كافيه لان يتلقى محمد صلى الله عليه وسلم العلوم من النصارى ؟ وهل كان لدى هؤلاء شيء من علم يقدمونه له ؟ ذلك انه حتى الأريوسيون منهم تختلف عقئدهمعن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم , لذا لم يكن من بد ان يسقه القران تلك الاحلام الطائشه جميعا وبلهجه قاطعه حاسمه : (( وما كان هذا القران ان يفترى من دون الله , ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل الكتاب , لاريب فيه من رب العالمين )) . (103)
                      لقد كان يهود الجزيره ونصاراها يعيشون مثل عيشه العرب ويفكرون مثل تفكيرهم , ولم يكونوا ارقى منهم مستوى , ولا افضل ثقافه . واذا قرانا الشعر العربي الذي خلفه اليهود في العصر الجاهلي او في صدر الاسلام , نرى انه شقيق الشعر العربي الذي قاله العرب , في الفاضه ومعانيه , وهذا دليل على ان القوم – من عرب ويهود ونصارى – كانوا على صعيد فكري واحد وان تمسك اليهود والنصارى بدينهم . لم يكن ذلك التمسك قويا على ايه حال , ولم تكن معرفتهم بدينهم سوى معرفه ضحله والا ظهر ذلك في اشعارهم واقوالهم وحكمهم (104) وقد قام (( الاباء اليسوعيين )) في بدايه القرن العشرين بابحاث مهمه في هذا الموضوع , كان الهدف منها معرفه مدى مساهمه (( شعراء النصرانيه في الجاهليه )) وكانت الحصيله النهائيه لتلك الابحاث محصول ادبي كبير ليس للنصرانيه فيه من شيء الا العنوان المذكور , مما شكل مفاجئه ذات مغزى , وهي انه برهن على عكس ماكان يريده مؤلفوه . وقد اعترف (( الاب لامانس )) بعدم وجود تاثير للمسيحيه على العرب انذاك ,وقد عزا ذالك الى (( بعد معتنقيها العرب عن الرعاية المناسبة للكنيسة)) .((105)) وعدا ذالك لو ان التعاليم اليهودية والمسيحية كانت قد تغلغلت حقا في الثقافه والبيئه العربيه الجاهليه لوجدنا ترجمه عربيه للكتاب المقدس تعود الى ذالك العهد. وهنالك امر مؤكد فيما يتعلق بالأنجيل وهو انه جتى القرن الرابع الهجري لم تكن قد وضعت له ترجمة عربية حتى ان الغزالي اضطر ان يلجا الى مخطوط قبطي لكي يحرر كتابه (( الرد على من ادعى الوهيه المسيح بصريح الانجيل )) .وقد اعترف الاب روبرت شدياق , الذي ترجم (( رد الغزالي )) الى الفرنسيه , من ان اول نص مسيحي مترجم الى العربيه كان مخطوطا في مكتبه القديس بطرسسبرج حوالي عام 1060 بيد رجل يدعى (( ابن العسال )) . (106)
                      وهكذا فاذا لم تكن توجد ترجمه عربيه للانجيل في عصر الغزالي فهل يعقل ان توجد مثل هذه الترجمه في العصر الجاهلي ؟ بالطبع لا . وحتى بالنسبه للتوراه فانه ليس هناك دليل واحد على وجود ترجمه لها في ذلك العصر ويفهم من الايات القرانيه على عكس ذلك .ان القران الكريم يذكر لنا صدى مادار من المجادله بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبين بعض احبار اليهود , ويقول مخاطبا هؤلاء : (( قل فأتوا بألتوراه فاتلوها ان كنتم صادقين )) (107)
                      افليس هذا دليلا على انه لا يوجد من يقرا العبريه من العرب من ناحيه , وعلى انه لم تكن توجد من ناحيه اخرى ترجمه عربيه للتوراه ؟
                      ان اول ترجمه (( للعهد القديم )) الى اللغه العربيه جرت بعد انتشار الاسلام في العصر العباسي الاول , ولا توجد قرائن عن وجود ترجمه عربيه لما يسمى بالعهد القديم قبل ظهور الاسلام . وقد قامت الحاجه الى هذه الترجمه العربيه نتيجه الى توسع رقعه الدوله الاسلاميه التي ضمنت الكثير من الاقوام التي تدين باليهوديه والمسيحيه التي راحت تستخدم اللغه العربيه في حياتها اليوميه . وقد قام عالم يهودي اسمه (( سعديه بن يوسف )) (892-942) باول محاوله لترجمه (( العهد القديم )) الى اللغه العربيه ولكن باحرف عبريه , ثم قام بعده (( يافث بن علي )) وهو يهودي من القرائين بترجمه الى العربيه في القرن العاشر للميلاد , وبعدها قام (( ابو سعيد ابو البركات )) بترجمه الى العربيه في القرن الثالث عشر للميلاد , وتوجد الان اجزاء من هذه الترجمات تعود الى القرن السادس عشر في متحف لينينفراد . الا ان هذه الترجمات العربيه المذكوره كانت تختلف فيما بينها اختلافا بينا , وذلك حسب الاصل المترجمه منه , ان كان النص عبريا او يونانيا او سامرائيا او سريانيا او قبطيا او لاتينيا . لذا فان مثل هذه الترجمات غير ذات قيمه في الدراسات النقديه للتوراه وترجمتها . (108) ولم تكن هنالك ترجمات حديثه معتبره للكتب المقدس لدى اليهود والنصارى الا في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين قام بها رجال دين كاثوليك وبرتستانت , هذا مع العلم انه حتى هذه الترجمات لاتزال بعيده عن الكمال وهناك فروق اسايه بين النصين الكاثوليكي والبروتستانتي .
                      ان القران الكريم الذي يعتبر وثيقة لاتقبل الجدل عن العصر الجاهلي والذي تؤيدة الرواية الشفهية لايشير وكذالك الرواية الشفهية باي شكل من الأشكال الى وجود(( فكرة توحيدية)) منتشرة في العصر الجاهلي,بل العكس انها تؤكد على عدم وجود اي تاثير ديني(( توحيدي)) كتابي في البيئة العربية انذاك. ويبين الله سبحانه وتعالى جوهر رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم,في قوله: ((ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) .(109) مؤكدا بهذا على ان الرسول الكريم محمد صلى اللة عليه وسلم هو معلم الوحدانية الأول والوحيد لأمة العرب. كما يبين اللة سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على ان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله وان الرسول ليست لديه اية فكرة مسبقة عن ذالك,اذ يقول سبحانه في كتابه الكريم : (( تلك من انباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا , فاصبر ان العاقبة للمتقين )).(110) وقوله في سورة يوسف التي هي اكثر سور القران شبها بالتوراة (( نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القران وان كنت كن قبله لمن الغافلين )),(111) يؤكد نفس الطابع التاريخي السابق ,اي تاكيدخلو البيئة العربية من اي تاريخ توحيدي قبل الأسلام, وعدم وجود اي تاثير يهودي مسيحي في الحياة الجاهلية . وهنالك ايات كثيرة تشير الى هذا المعنى وتبين ان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله , ومن بين ذالك قوله تعالى :(( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك , اذا لأرتاب المبطلون )) ,سورة العنكبوت. (112) (( وما كنت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم )),سورة ال عمران(113). (( ذالك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ اجمعوا امرهم وهم يمكرون )) , سورة يوسف (114). (( وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين )), سورة القصص (115) . (( وكذالك اوحينا البك روحا من امرنا, ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان)).(116) (( وما كان لي من علم بألملأ الأعلى اذ يختصمون )) .(117) (( وما كان هذا القران ان يفترى من د ون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب , لا ريب فيه من رب العالمين )) .(118) (( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به ,فقد لبثت فيكم عمرا من قبله افلا تعقلون )) .(119)
                      وبعد كل هذه التأكيدات على صحة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وعلى انه لاعلم له الا ما علمه الله ,يقسم الله سبحانه وتعالى على ات محمدا نبي مرسل من عندة : (( فلأقسم بما تبصرون , وما لا تبصرون , انه لقول رسول كريم )) , وانه (( تنزيل من رب العالمين, ولو تقول علينا بعض الأقاويل , لأخذنا منه باليمين , ثم لقطعنا منه الوتين ,فما منكم من احد حاجزين , وانه لتذكرة للمتقين )) . (120)
                      وبعد كل هذا فأنه من البلاهة تماما ان يتصور البعض وكأن محمدا صلى الله عليه وسلم ( ألأمي) وهو جالس في مكتبة في مكة , مملوءة بألمخطوطات المدونة بأللغات العبرية واليونانية وألآرامية والقبطية واللاتينية ,كما يجلس الباحث في عصرنا الحاضر وهو عاكف طوال يومه على دراسة المخطوطات ( القانونية ) و ( غير القانونية ) ألعائدة لمختلف الفرق والنحل اليهودية والمسيحية ,بهدف صياغة نظامه الديني والأخلاقي ,فتأتي حصيلة دراسته اجمل وأرقى من (الكتاب المقدس) الذي يعج بالتناقضات والمغالطات الشنيعة , التي ادخلها البشر , من دون ان يقع صلى الله عليه وسلم ولو بغلطة واحدة من اغاليطهم الكثيرة , لابل يرد عليها ويقوم بتصحيحها ويضيف اليها تفاصيل ومعلومات جديدة لا يعلمها احد من خلق الله الا هو .
                      ولنفترض ان محمدا صلى الله عليه وسلم قد اتصل فعلا بألمسيحية وحصل على كل ما يريد فهل كان سيجد نموذجا دينيا او اخلاقيا صالحا يمكن نقله لكي يبني عليه نظامه الديني الأصلاحي؟ بالطبع لا. وهذا ما يعترف به حتى الكتاب الغربيين انفسهم . وفي هذا الخصوص كتب (( ج لاسال )) مبينا في كتابه (( ملاحظات عن الأسلام )) : (( اذا ما قرأنا التاريخ الكنسي بعناية , فسنرى ان العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته , بسبب اطماع رجال الدين والأنشقاق بنهم , والخلاف على اتفه المسائل والمشاجرات التي لا تنتهي والتي كان الأنقسام يتزايد بشأنها. وكان المسيحيون في تحفزهم لأرضاء شهواتهم وأستخدام كل انواع الخبث والحقد والقسوة قد انتهوا الى طرد المسيحية ذاتها من الوجود , بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها , وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت بل و ثبتت اغلب انواع الخرافات و الفساد... ))
                      كما كتب (( تايلور)) في كتابه(( المسيحية القديمة)) قائلا : (( ان ما قابله محمد واتباعه في كل اتجاه , لم يكن الا خرافات منفرة و وثنية منحطة ومخجلة , ومذاهب كنسية مغرورة وطقوسا دينية منحلة وصبيانية )) . ويصف تايلور (( (( Canon Taylorحالة المسيحية في تلك الفترة قائلا : (( كان ائمة اللاهوت في افريقيا والشام قد استبدلوا بديانة المسيح عقائد ميتافيزيقية عويصة : ذالك انهم حاولوا ان يحاربوا ما ساد في هذا العصر من فساد بتوضيح فضل العزوبة في السماء وسمو البكورية الى مرتبة الملائكة – فكان اعتزال العالم هو الطريق الى القداسة , وألقذارة صفة لظاهرة الرهبنة – وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة, كما كانت الطبقات العليا مخنثة يعيش فيها الفساد , والطبقات الوسطى مرهقة بالضرائب , ولم يكن للعبيد امل في حاضرهم ولا مستقبلهم . فأزال الأسلام بعون الله , هذة المجموعة من الفساد والخرافات , لقد كان ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة وحجة قوية ضد تمجيد الرهبانية بأعتبارها رأس التقوى . ولقد بين اضول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته , كما بين ان الله رحيم عادل يدعو الناس الى الأمتثال لأمرة والأيمان به وتفويض الأمر اليه . واعلن ان المرء مسؤول , وان هناك حياة اخرة ويوما للحساب , واعد للأشرار عقابا اليما وفرض الصلاة والزكاة والصوم وفعل الخير , ونبذ الفضائل الكاذبة والجدل الديني والترهات والنزعات اللأخلاقية الضالة وسفسطة المتنازعين في الدين , واحل الشجاعة محل الرهبنة , ومنح العبد رجاء , والأنسانية اخاء , ووهب الناس ادراكا للحقائق الأساسية , التي تقوم عليها الطبيعة البشرية )) . ( 121)
                      وهكذا نجد ان النصرانية قد تم افسادها نتيجة الهلنسة المستمرة , وحينما ظهر الأسلام كان النزاع بين مختلف المذاهب والنحل المسيحية على اشده , وكان رجال الدين يتنازعون فيما بينهم على اشد مسائل الدين ابهاما واكثرها غموضا . وقد مل الناس ذالك الجدل العقيم على تلك الأمور التي لا يفهمونها , فوجدوا في الأسلام ملاذا وحلآ في تلك الحقيقة البسيطة الواضحة , حقيقة وحدانية الله عبر الأيمان ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوتة . وقد عبر عن هذه الحقيقة كيتاني Caetani)) قائلآ : (( من ان انتشار الأسلام بين نصارى الكنائس الشرقية
                      انما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهيلينيه الى اللاهوت المسيحي . اما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة فقد كانت اثقافة الهيلينية وبالآ عليه من الوجهه الدينية . لأنها احالت تعاليم المسيح البسيطة السامية الى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة , مليئة بألشكوك والشبهات , فأدى ذالك الى خلق شعور من اليأس بل زعزع اصول العقيدة الدينية ذاتها , فلما اهلت اخر الأمر انباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء العربية لم تعد تلك المسيحية الشرقية التي اختلطت بألغش والزيف وتمزقت بفعل الأنقسامات الداخلية وتزعزعت قواعدها الأساسية , واستولى على رجالها اليأس وألقنوط من مثل هذا الريب , ولم تعد المسيحية بعد ذالك قادرة على مقاومة اغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباتة كل الشكوك التافهه , وقدم مزايا مادية جليلة الى جانب مبادئة الواضحة البسيطة التي لاتقبل الجدل , وحين ذاك ترك الشرق المسيح وارتمى في احضان نبي بلاد العرب .)) (122)
                      وفي الواقع لم يترك الشرق المسيح بل اعاده الأسلام الى المسيح , المسيح التاريخي , وعرفه بحقيقته , وحقيقة تعاليمه التي طمسها الغالين فيه وذالك من خلال الأيمان ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا ما سنوضحه في الصفحات التالية

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #12
                        6- تحريف ألمسيحية
                        تعتبر "عقيدة الالة المصلوب " , التي صاغها بولس, وتطورت على ايدي اللاهوتيين المسيحيين ,ومن ثمة اقرتها الكنيسة , انتصارا للوثنية في العالم الروماني – الاغريقي على ديانة انبياء بني اسرائيل التوحيدية التي تحرم التماثيل وألايقونات , فبالنسبة لهذه الديانة لايمكن تصور الله تعالى, ناهيك لانسان ان يراه , ذلك لان الله تعالى لا شبيه له . اما بالنسبة للاغريق فألأمر كان على النقيض من ذلك تماما لأن " اختراع ألآلهة" أو انصاف الآلهة أو أبناء ألآلهة وألأشخاص ألمؤلهين وعبادتهم فقد كان مألوفا لديهم . وفي مثل هذا المناخ ألفكري الوثني لم يكن من ألصعب على ألهلنستيين أن يجعلوا من عيسى ألمسيح عليه ألسلام معبودا مؤلها .
                        لقد أدى ألخلط في عقلية الجماهير عند اليهود بين شخصية المسيح ألذي وعد به بني اسرائيل وبين شخصية ألرسول ألمنتضر, ألذي بشر به ألأنبياء والمبعوث للبشرية جمعاء, الى نتائج وخيمة , ذلك لأنهم اظافوا الى رسالة ألمسيح كل ما يخص الرسول ألخاتم , فجعلوا من المسيح فارسا ما ان يظهر حتى يقيم مملكته على ألأرض , والتي هي مملكة اليهود , حسب اعتقادهم , وبذلك تخضع شعوب الأرض كلها لسلطانهم . وهكذا اختلطت لدى بولس شخصية المسيح وشخصية النبي الخاتم الموعود, فغذاها بالتراث الهلنستي الوثني , فصارت شخصية اسطورية , هي شخصية المخلص المنتضر الذي فدى البشرية كلها بواسطة موته على الصليب فخلصها من اوزار الخطيئة الأولية الموروثة ثم ارتفع " وجلس عن يمين الله " . وكانت تلك المقدمة الاولى للادعاء بالوهية المسيح التي وطدتها الكنيسة وسط الشعوب الهلنستية

                        لقد نظر اولئك الهلنستيون الى المسيح على شاكلة آلهتهم التي تموت وتحيى من طراز" ديونيسيوس " و "هيراكلس ", وغيرهم , فقد كان ذلك التصور مستساغا لدى تلك الشعوب المستعبدة والتواقة الى التحرر من سيطرة روما . وفي مثل هذه البيئة الثقافية والعقلية السائدة بين الناس لم يجد دعاة المسيحية صعوبة في انتشارها بعدما نزعت منها كل العناصر التوحيدية الأصيلة وألبست بدلا منها لبوسا مستمدة من أللاهوت الوثني والفلسفة ألاغريقية , وبذلك افرغت رسالة عيسى من محتواها الحقيقي وركزت الدعوة الجديدة فقط على مغزى موت المسيح الخلاصي, المزعوم , على الصليب , مع عدم ألاكتراث برسالته وتعاليمه الحقيقية على الأرض .
                        ان طقوس الآلهة ألمخلصين ألوثنية بأسرارها ومسيراتها الصاخبة وما كان يصاحبها من وجد وهياج في دراما " موت ألالهة ألمخلصين " لابد وان اثرت في اذهان الناس الذين اعتنقوا المسيحية، فمع هذا الموروث الديني والنفسي دخلت الى الدين الجديد اساطير تلك العبادات الوثنية الخفية (السرانية)التي كانت ملازمة لهم منذ الطفولة وحاضرة دائما في حياتهم ومتخمرة في اذهانهم . فليس من الغريب اذن ان يقوم الهلنستيون الذين لم تكن لديهم اية فكرة عما جرى في فلسطين البعيدة بصياغة رؤاهم الخاصة عن "المخلص" أي المسيح ، مازجين في ذلك بين "التقاليد اليهودية" والتقاليد الهنلستية.وفي هذا السياق كتب اللغوي واليسوعي البروفسور "هوغو راهنر" Hugo Rahnerمبينا في كتابه " الاساطير الاغريقية والمسيحية "،من انه :"من المستحيل في مثل هذه الظروف ان تضل التعاليم المتعلقة بالمسيح "اليهودي"المولود في فلسطين من دون ان تتغير في جوهرها وصفاتها ".ويضيف راهنر :"ان شلال التدين الاغريقي المتدفق الى الكنيسة حول بساطتها الانجيلية الاولية في صيغة اسرار صوفية مقدسة".
                        فمنذ ألبداية تنازع ألمسيحية تراث مزدوج احدهما توحيدي اسرائيلي , وألثاني اغريقي وثني , ثم سرعان ما طغى ألتراث ألاغريقي على ألأصل ألتوحيدي , وعتم عليه ثم طمسه . ولاشك أن رفض أليهود لرسالة المسيح عليه السلام ساهم بشكل فعال في الوصول الى هذه ألنتيجة ألمحزنة .
                        في الواقع ان الديانة الجديدة ما ان خرجت من فلسطين حتى راحت تتمثل ماحولها من لباب العقائد الوثنية وذلك بفعل "المؤمنين الجدد"الذين راحوا يتدفقون عليها من مختلف الشعوب ، ذلك ان المسيحية على الصورة التي رسمها لها عيسى عليه السلام والتي سار عليها الحواريون من بعده لم تكن لتجد سبيلا الى الحياة خارج اوساط النصارى المنحدرين من بني اسرائيل .فلم تكن مقبولة في صفاتها الاصلية لدى اؤلئك الهلنستيون ، الذين سرعان ما راحوا يطبعونها بطابعهم الثقافي الوثني فتحولت بذلك تدريجيا الى ديانة اخرى تختلف اختلافا جذريا عما كانت علية في زمن الحواريين .
                        يقول أندريه نايتون , وهو يتحدث عن الاصول الوثنية للمسيحية : " لم يعد يكفي دارس تاريخ ألأديان أن يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الوثنية والمسيحية , بل ينبغي عليه القول : إننا لا نستطيع ان نفهم مسيحيتنا حق الفهم إذا لم نعرف جذورها الوثنية , فقد كان للوثنية قسط وافر في تطور الدين المسيحي , وهو قسط غير مباشر ولا منظور , وإذا صح ان لليهودية تأثيرا على المسيحية وكانت اساسا جوهريا للنظرة المسيحية فإن علينا ان ننبه إلى ان اليهودية نفسها أصيبت بالتأثيرات الوثنية من فارس وبابل وخضعت لنفوذهما عندما كان اليهود في المنفى . غير ان هناك تأثيرا خاصا مباشرا اصاب المسيحية , وهو جوهر موضوعنا . لقد كان للوثنية اليونانية والفارسية هيمنة على المسيحية , وكذلك للوثنية في عموم الشرق . هكذا تألف دين جديد لملم أشتاته من هنا وهناك , وكان كمن يصب خمرا عتيقا في جرار جديدة "
                        وكان مؤرخ ألأديان آرنست رينان قد قال : " إن الدراسات التاريخية للمسيحية وأصولها تثبت أن كل ما ليس له أصل في ألانجيل مقتبس من اسرار ألوثنية " . ونحن لانبالغ إذا قلنا أن ما يعرف بالأسرارالدينية في المسيحية مستوحى من الأديان الوثنية القديمة . "
                        وينبغي لنا ألآن أن نوضح ألسبل ألتي سلكتها ألمسيحية والتي اتاحت للوثنية بأن تساهم تلك المساهمة الكبيرة في تأسيس أركانها . ومنذ البداية يجدر بنا ان نبين : " أن معظم ألذين آمنوا بالمسيحية منذ بدايتها لم يكونوا يهودا بل كانوا عبدة أصنام . ولا بد من ألاشارة أيضا إلى أن هؤلاء ألمؤمنين شهدوا فترة عصيبة محتدمة تساعد على تلفيقات كثيرة . ومما لا شك فيه أن هذه ألمسيحية وضعت ألمؤمنين بها على دروب ألوثنية ألقديمة . ولعل اهم هذه ألدروب الوثنية يتمثل بالاهتمام بالخلاص عن طريق مخلص أو وسيط . اما الذين لفقوا عقيدة الخلاص فليسوا أولئك الكتاب أو واضعي ألنظريات ألدينية والآراء المجردة المعقدة بل هم سواد الناس من اصحاب الفطنة المتوقدة والمفاهيم البسيطة الساذجة التي كانت توحد بعفوية وصدق غريزي بين مجمل التيارات الدينية في تلك الأيام . إن الخيال الشعبي هو الذي اقام هذا الصرح. اما العلم الديني فقد جارى وداهن وغير اركان الدين وعقائده . "
                        ويصف المؤرخ الفرنسي "شارل جنيبر" جانبا من عملية التحول هذه قائلا :"انها كانت في الغالب تسير على اسلوب "الابدال "اي تحول لصالحها الاساطير والخرافات السائدة معتمدة على عبادة القديسين ،تلك العبادة التي يسرت كثيرا من مهمتها التبشيرية ، فتقيم ثماثيل قديسيها محل الشخصيات الالهية الصغيرة التي اعتادها الفلاحون واحبوها حبا جما ، لاعتقادهم بانها تؤدي لهم الكثير من الخدمات اليومية التي يطلبونها منها ،وهكذا بدت القرى وكانها اخذة باهداب المسيحية".
                        ويتحدث "شارل جنيبر " عن دور جمهور "المؤمنين البسطاء" في هذه العملية وكيف قد " نزع ايمانهم الفطري الدافق في قوة لاتقهر الى طلب الاضافات والاعلاء والى التهويل في تصوير الموضوعات وتنميتها من حيث الكم ، ولم يكونوا يقدرون على الخلاص من ايحاءات الوسط الذي يعيشون فيه ، ولا على التخلي في حياتهم عن تراثهم العتيق ، ولما كانت سائر اوجه معيشتهم لاتزال مشبعة بالوثنية فقد طلبوا الاضافات والاعلاء من الوثنية ومن تقاليد الاجداد، ومن الطقوس القديمة البالغة القدم حتى لكانها جزء لايتجزا من مجتمعهم ومن المعتقدات والخرافات التي لازمتهم في كل زمان ،فلم يعودوا يميزون بينها وبين تفكيرهم الديني الخاص ، وارداة مذاهبهم التاليفية في آن واحد : ان يكون عيسى هو الله وان يكون الله واحد .. ثم هي قد اقامت بعبادتها لمريم العذراء حقيقة جديدة مكنتها من الايمان الى جانب عبادات القديسين ..."
                        وفي مثل هذه الاحوال وجد علماء اللاهوت انفسهم في مازق من جراء ذلك "الحماس الايماني" ،فارادوا الخروج من ذلك بوضع الحلول الوسط اللازمة لتطويع المعتقدات وتطويرها في الاتجاه المناسب ويتحدث "شارل جنيبر" عن دور الرهبان فيقول :-" كانت تقواهم الملتهبة من ناحية اخرى ترحب ترحيبا تلقائيا- وهي الباحثة دائما عن وسائل تجنب الخطيئة – بالاضافات المترتبة على ايمان البسطاء ،تلك الاضافات التي يجدون فيها السلوى والنشاط المتجدد ، بل احيانا التاييد والتشجيع والعاطفة المكملة لتطلعاتهم ". ويضيف المؤلف قائلا:-" فاليهم – اي الى هؤلاء الرهبان – كانت تنتهي رغبات وايحاءات الايمان الشعبي وبينهم كانت هذه الرغبات والايحاءات تتخذ سبيل الوضوح والانتظام ، لتفرض نفسها اخيرا على علماء اللاهوت الذين لم يكن لهم بد من تقبلها ومن التوفيق قدر المستطاع بينها وبين المسيحية ".
                        وهكذا سرعان ما اصبحت المسيحية منفصلة عن اليهودية وصارت دينا مستقلا له عقائده ومراسمه وتنظيماته التي لم تنشا بفعل قوة ذاتية مفطورة فيها بل تكونت بفضل نوع من التلفيق بين عبادات شرقية مختلفة من يهودية واديان ذات "اسرار" مع الفكر اليوناني , : " وكما يقول أندريه نايتون : " ان المسيحية بوجهها العام تبدو تلفيقية وثنية , وإنها برغم تنقيحها تبقى تلفيقية " .
                        ويمكننا الاشارة الى العديد من المؤثرات الوثنية الأساسية التي ساهمت في تشكيل المسيحية , منها التأثير الايراني الذي جاء من الديانة ألمزدكية , والتأثير الفرعوني , وخاصة أسرار إيزيس , والتأثير اليوناني وخاصة الأورفية ودينانة ديونسيوس وأسرارها , والفيثاغورية . ثم هناك الافلاطونية : " التي يعترف بتأثيرها آباء ألكنيسة انفسهم مثل القديس أوغسطين . والمعروف أن ألافلاطونية هي جوهر الميتافيزيقيا اليونانية المصرية التي إزدهرت في ألاسكندرية , ثم صارت جوهر الميتافيزيقيا المسيحية . بعد ذلك نجد الغنوصية الملفقة أصًًٍٍٍٍََََِِِِِِلاًًًًًََ . وقد كانت الغنوصية هي التي أدخلت إلى المسيحية كثيراًٍ من ألأديان الوثنية الشرقية . وهنا لابد من القول – على عكس ما يشاع أو ما يكتبه بعض الكتاب المسيحيين – أن الغنوصية ليست تيارا مسيحيا مهرطقا , فهي أقدم من المسيحية , وليست بالتالي تيارا منها , أو هرطقة .بل إن العكس صحيح , فإنجيل يوحنا أصلا هو نقل للفكر ألغنوصي , بل هو نقل للفكر ألغنوصي , بل هو غنوصية ذات وجه مزدكي إيراني , خاصة حين يتحدث عن صراع نور الكلمة مع الظلمات , أو صراع الحق مع الكذب . ثم إن بولص نفسه إستعار وإستخدم الكثير من أللغة الغنوصية , وإن كان قد صاغها بطريقة مغايرة ."
                        ولم تكن الاساطير الدينية الوثنية لوحدها قد اثرت على صياغى العقيدة المسيحية بل ان الفلسفة الاغريقية ذاتها قد اثرت على تلك الصياغة . لقد حاول لاهوتي الكنيسة بالاستناد على الفلسفة ألاجابة على الكثير من التساؤلات التي كانت تشغل بال الداعين الى الديانة الجديدة. لذا لم يكن غريبا ان يقوم العديد من اباء الكنيسة بتمجيد الفلسفة الاغريقية ، ولقد كتب "جوستين "Jstinus الملقب بالشهيد (100-165 م) من " ان الفلسفة هي حسنة من دون شك وعظيمة جدا وقيمة في عيب الرب ،لانها وحدها تقود الى الله ، وان اؤلئك الذين تعمقوا في الفلسفة بكل اذهانهم هم قديسون حقا "ًََ وقد سار على خطى "جوستين" عدد كبير من لاهوتي الكنيسة الذين اثروا بشكل كبير على صياغة العقيدة المسيحية الذين اعتبروا ان الفلسفة هي :"التهيئة الاولية الى الايمان المسيحي ...ومعلمة تقود الى الانجيل ".
                        وتؤكد المصادر المسيحية ذاتها من ان اباء الكنيسة ولاهوتيها كانوا مشبعين بآداب وفلسفة الثقافة الاغريقية ، وانهم كانوا يلجؤون الى الاستفادة من الفكر الهيليني لايصال تعاليم المسيحية الى "المؤمنين الجدد" المتبنين لنماذج وقيم الادب الكلاسيكي . لذا فقد كان المسيحي المتعلم ينتمي الى عالمين ورث التقاليد الثقافية لكليهما .وقد كان من الصعوبة بمكان توضيح لغة وافكار " الكتاب المقدس" - الموجه الى " بيئة موحدة " - ، لاناس يفكرون وفق معايير مختلفة والذين كانوا يعتبرون ان كل مالا يتفق مع المقاييس الهلنستية ماهو الا فكر بربري .لذا فقد كان الجهد الذهني الاساسي لما يسمى
                        بالفترة "الباترستية " مخصصا لكيفية تبني تعاليم " الكتاب المقدس " وفقا لظروف وحاجات الثقافة الوثنية . ويرى المؤرخ الكنسي " كريستوفر دافسون " :" من ان النجاح الجوهري للعصر الباترستي كان جمع الديانة الشرقية والثقافة الغربية ، أو ايضا , وبتعبير ادق ، ربط التقاليد الروحية لاسرائيل والكنيسة المسيحية مع التقاليد الذهنية والفنية الهلنستية والاجتماعية الرومانية ، وان هذه " الجميعة " ظلت اساس الثقافة الغربية ولم تخضع للتدمير ابدا ".
                        ولقد شكل مبدا اللوغوس ، اي الكلمة ،جسرا بين الديانة المسيحية والفلسفة الاغريقية ، ويقول أدولف هنرك Adolf Hanrak :"حول هذا الموضوع ، في كتابه "جوهر المسيحية " ، :" إن اعطم حدث في تاريخ المذاهب المسيحية عامة قد جرى في بداية القرن الثاني في اليوم الذي صاغ فيه الاعتذاريون المسيحيون معادلة : ان الكلمة Logos هي المسيح " ، ويرى هنرك ان هذا " الغزو للعناصر الاغريقية لتعاليم المسيح كان بداية للهلنسة التي جرت في الفكر المسيحي ، وان العقيدة المسيحة بكل مبادئها تشبه بناء شيد على ارضية الانجيل تحت تاثير الالهام الاغريقي ".
                        ان الخلط بين مايسمى بالتقاليد الروحية لاسرائيل والثقافة الهلنتستية وبين تعاليم المسيح واللاهوت الوثني ادى الى تحريف الديانة التي جاء بها المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام . لقد شوهت رسالة عيسى الحقيقية وحلت محلها رسالة اخرى ترسخت فيها العقائد الوثنية السائدة آنذاك . ومن الغريب ان تنبثق من ديانة توحيدية سماوية عبادة وثنية عن اله او نصف اله استمده لاهوتي الكنيسة من " زمرة المؤلهين " في الديانات الهلنستية " السرانية "
                        لقد كتب " ول دورانت " في كتابه " قيصر والمسيح " مبينا " ان المسيحية لم تقضي على الوثنية بل تبنتها , ذلك ان العقل اليوناني المحتضر قد عاد الى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها , واصبحت اللغة اليونانية التي ضلت قرونا عدة صاحبة السلطان على السياسة - اداة الادب والطقوس المسيحية , وانتقلت طقوس اليونان الخفية الى طقوس القداس الخفية الرهيبة , وساعدت عدة مظاهر اخرى من الثقافة اليونانية على احداث هذه النتيجة المتناقضة الأطراف , وجاءت من مصر آراء الثالوث المقدس ... ومنها جاءت عبادة ام الطفل وألاتصال الصوفي بالله , ذلك الاتصال الذي اوجد الافلاطونية الحديثة , والاادرية وطمس معالم العقيدة المسيحية . و قصارى القول ان المسيحية كانت آخر شيئ عظيم ابتدعه العالم الوثني " .
                        ان الحديث عن انتصار الكنيسة على الوثنية انما هو حديث عن انتصار زائف , لأن ذلك الانتصار المزعوم ما كان له ان يتحقق لو لم تتخلى الكنيسة عن الايمان الحقيقي الذي عرفه ودعى اليه الحواريين . وكما يقول " شارل جنيبر" : " الواقع ان المسيحيين كانوا قد دفعوا ثمن الانتصار , دفعوه غاليا , بحيث نستطيع القول في شيئ من الجزم بان مؤمني عصر الحواريين لم يكونوا لينظروا الى هذا الانتصار لو قدروا على ذلك على انه كذلك... " ذلك لان : " الحقيقة الثابتة التي لا جدال فيها هي ان الكنيسة لم تتمكن من الانتصار خلال القرن الرابع الا بفضل انهزام ألايمان الأول الذي يمكن ان نسميه ايمان ) الحواريين) الاثني عشر. "
                        لذلك لم يكن غريبا ان يكتب المؤرخ ادوارد جيبون قائلا : " اتمنى لو ان اوروبا ظلت وثنية ولم تدخلها المسيحية لان المسيحية نوع من الوثنية , وان المسيحيين حين حولوا هؤلاء البربرمن قبائل التيتون والجرمان والوندال والقوط الى المسيحية انما نقلوهم من وثنية الى اخرى " . كما كتب المؤرخ البولوني تدئوش جيلينسكي Tadeusz Zielinski في كتابه " الهيلينية واليهودية " , مبينا من : " ان صورة المسيح هي اقرب للهلنستية من اليهودية " وأضاف : " ان ألعهد القديم لمسيحيتنا هي ديانة ألهيلينيين " . كما بين في كتابه " ديانات ألاغريق القديمة " حقيقة مهمة وهي : " ان الديانة ألاغريقية لم تختفي ابدا من وعي العالم المسيحي , وان جذورها المتغلغلة ( في أعماقه ) لا تزال تعيش فيه الى اليوم , وستضل تعيش فيه مادامت المسيحية في الوجود " .
                        ويخلص المؤلف الفرنسي " شارل جينيبر" الى ما مفاده : " ان الغربيين لم يفهموا العقائد المسيحية في العصور القديمة قط , كما لم يصلوا الى ادراكها في العصور اللاحقة , وأن الديانة التي انشؤوها على اساس منها بأجتهادهم ألخاص كانت ديانة مختلفة تمام اللاختلاف في روحها وجوهرها عن المسيحية الشرقية . ديانة مختلفة نبعت قبل كل سيئ من رصيدهم ألفكري والروحي , متمشية مع عواطفهم ونزعاتهم , وان صبت في قوالب تعبيرية لا توافقها تمام الموافقة .
                        والخلاصة ان الغربيين لم يكونوا مسيحيين في يوم من ألأيام "

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #13
                          7- عيسى عبد ألله

                          7- عيسى عبد ألله
                          ألقرآن ألكريم يصحح عقيدة النصارى بشأن ألمسيح
                          إن اغلب الناس لايعلمون ألكثير عن الحقيقة التاريخية , وهي ان عيسى عليه السلام لم يؤسس المسيحية التي نراها اليوم , وان مفاهيم الالوهية التي اسبغها عليه " آباء الكنيسة " لم تكن معروفة بين النصارى الأوائل من اتباع عيسى . وان الهدف الأول لرسالة عيسى كان اصلاح ألديانة اليهودية وتنقيتها من الشوائب الوثنية التي لحقت بها ومن ألاضافات التي ادخلها البشر عليها . كما ان اغلب الناس لا يعلمون ان هنالك فرق كبير بين مسيحية بولس وديانة عيسى عليه السلام ولا ألفارق بين شخصية ألمسيح ألتي تخيلها بولس وبين ألشخصية ألحقيقية ألتاريخية لعيسى عليه السلام , ولا الفرق بين ما يسمى بالعهد ألجديد وبين انجيل عيسى الحقيقي ألذي اندرس وضاع أثره , وأن قرارات ألمجامع ألمسكونية آلكنسية تتعارض مع جوهر رسالة ألمسيح ابن مريم عليه السلام .
                          ولو تمعن هؤلاء ألناس. قليلا في " ألكتاب ألمقدس " لأدركوا أنه من بين سبعة وعشرون سفرا , ألتي تشكل بمجموعها "العهد الجديد " , توجد اربعة فقط منها تنسب الى ألسيد ألمسيح , وأن هذه ألأسفار ألأربعة كتبت بعد رفع ألمسيح بوقت طويل , وان مدونيها لم يكونوا شهود عيان ولم يأخذوا معلوماتهم عن ألمسيح مباشرة , لابل أنهم اشخاص مجهولي ألهوية ولا علاقة لهم بالحواريين ألذين ينسبون اليهم تلك ألأسفار. ويضاف الى ذلك فاننا نجد في تلك ألأناجيل ألأربعة مبثوثة عقيدة بولس ألذي يزعم من أن عيسى " بموته على ألصليب " أصبح منقذا للبشرية من الخطيئة ألأولية ألموروثة عن آدم .
                          ومع ذلك تصر ألكنيسة ألمسيحية على أن " ألعهد ألجديد " كله كلام موحى به من الله , وهذا غير صحيح , قال ألله تعالى : " ويقولون هو من عند ألله وما هو من عند ألله " . وهذا ما أثبته ألعلم ألمعاصر بعد دراسات جدية استمرت لأكثر من قرنين من ألزمان , ومع ذلك فان غالبية ألمسيحيين لا تزال أسيرة ألتقاليد ألتي نشأت عليها , وبذلك ينطبق عليهم قولة سبحانه وتعالى : " بل قالوا انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مهتدون " .
                          ويشير القرآن ألكريم بشكل لا لبس فيه الى حصول تحريف في " ألكتاب ألمقدس " , يقول ألله تعالى : " فويل للذين يكتبون ألكتاب بأيديهم ثم يقولون هومن عند ألله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " .
                          كما تبين السنة النبوية ان "اهل الكتاب" قد بدلوا وغيروا في كتاب الله، ويتضح ذلك في قول الرسول محمد صلى اله عليه وسلم:"ا ن اهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بايديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ". ويقصد هنا باهل الكتاب اليهود والنصارى،والكتاب بشقيه التوارة وكتب الانبياء والانجيل . ولذلك جاء الاسلام لتصحيح كل الاغلاط والتجاوزات التي ارتكبت ذلك لان البشرية لايمكن ان تمضي في سيرها وهي تحمل كتب سماوية قد حرفت واختلط فيها كلام البشر مع الوحي، لذلك فان الاسلام يهدف من بين مايهدف الى تاكيد ماتبقى من الوحي الصحيح في الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى ،ويتضح ذلك في قوله تعالى :"وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ". فما بين يدي القران الكريم هو ماتبقى في الكتاب المقدس من الوحي الصحيح الذي يبينه ويصدقه القران ،اما هيمنته على الكتاب فلانه يغربل منه الحق والباطل ويبين الصحيح من الزيف . وقد قال ابن كثير في تفسير هذه الاية :"...هذا الكتاب العظيم الذي انزله آخر الكتب وخاتمها واشملها واعظمها واكملها حيث جمع فيه محاسن ماقبله ،وزاده من الكمالات ماليس في غيره ،فلهذا جعله الله شاهدا وامينا وحاكما عليها كلها ،وتكفل الله حفظه بنفسه الكريمة ،فقال تعالى :"انا نحن نزلنا الذكروانا له لحافظون ". وقال الطبري :"القران امين على الكتب المتقدمة قبله ،فما وافقه منها فهو حق ،وماخالفه منها فهو باطل ".
                          وقد تكرر هذا المعنى ايضا في آيات عديدة ،كما في قوله تعالى :"نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وانزل التوراة والانجيل" أي بعد ان انزل سبحانه وتعالى التوراة والانجيل اتبعها بالكتاب - القرآن - الذي من "وظائفه" تصديق ماتبقى بين يديه من الوحي الصحيح ،لا بل ويتجاوز ذلك الى تفصيله :"وتفصيل الكتاب لاريب فيه عن رب العالمين".
                          وزيادة في الايضاح فان القرآن الكريم يبين نقاط الخلاف في العقيدة بين اليهود والنصارى :"ان هذاالقرآن يقص على بني اسرائيل اكثر الذي هم فيه يختلفون ". والاشارة الى بني اسرائيل في الاية تشمل اليهود والنصارى معا لان كلاهما يؤمنان "بالعهد الديم"بوضعه الحالي رغم الاختلاط فيه بين الوحي وكلام البش ، وبسبب هذا الاختلاط فان القرآن الكريم يهدف من ضمن امور عديدة اخرى لبيان الحق من الباطل فيما يختلف فيه اليهود والنصارى . كما ان اليهود كذبوا المسيح عليه السلام واردوا صلبه .واما قوله تعالى " اكثر" وليس "كل" فمعناه ان بعض الامور ومنها الغيبية لن تتضح الا في الآخرة . وقوله تعالى في نفس السياق :"وماانزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون".
                          ويتفق الاسلام مع نتائج الدراسات المعاصرة من ان الانحراف عن جوهر رسالة عيسى عليه السلام قد حصل بعد رحيله وانه لم يكن يعلم شيئا عن المسيحية التى نشأت فيما بعد باسمه ،وهذا ما توضحه الآيات التالية :"واذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله قال سبحانك مايكون لي ان اقول ماليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم مافي نفسي ولااعلم مافي نفسك انك انت علام العيوب .ماقلت لهم الا ماأمرتني به ان اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم وانت على كل شيء شهيد."
                          إذا فان ألمسيح عليه ألسلام لم يقل لبني إسرائيل إني إله , بل قال لهم : " أن إعبدوا ألله ربي وربكم " , أي دعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة , وبهذا أرسل الله سبحانه وتعالى جميع رسله , قال تعالى : " وما ا رسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون " وقال تعالى : " ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن إعبدوا ألله وإجتنبوا ألطاغوت " . فكل ما سوى ألله سبحانه وتعالى مخلوق وخاضع لله وعبدا له , وهذا اول ما نطق به عيسى عليه ألسلام وهو في ألمهد : "إني عبد ألله " . وقال ألله تعالى حكاية عما أمر به عيسى بني إسرائيل : " ... وقال ألمسيح يا بني إسرائيل إعبدوا ألله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم ألله عليه ألجنة و مأواه ألنار وما للظالمين من أنصار "
                          فعيسى عليه ألسلام أمر بني إسرائيل بعبادة ألله وحده ألذي هو ربه وربهم , ونهاهم عن ألشرك , ولم يفرق بينه وبينهم في ألعبودية لله وحده , وهذا ما لا تزال آثاره حتى في ألأناجيل نفسها رغم ما جرى عليها من حذف وتغيير وتبديل . وقد ورد في إنجيل يوحنا ان ألمسيح توجه الى ألله متضرعا وهو يقول : " أنت ألاله ألحقيقي وحدك " . كما جاء في إنجيل مرقص ان عيسى عليه ألسلام خاطب أليهود قائلا : " ان أول ألوصايا هي إسمع يا إسرائيل ألرب إلهنا رب واحد " وجاء في إنجيل متي أن ألمسيح قال للشيطان ألذي أراد أن يجربه في ألبرية : "إذهب يا شيطان لأنه مكتوب : للرب إلهك تسجد , وإياه وحده تعبد " . كما ورد في ألأناجيل أن ألمسيح كان يصلي لله كثيرا. وهذا كله يدلل على أن عيسى لم يكن سوى عبدا لله شأنه شأن ألناس ألآخرين سوى أنه يوحى إليه , وهذا ما توضحه هذه ألآيات , قال الله تعالى : " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله , ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون " . وقال الله تعالى حكاية عما قاله عيسى لبني إسرائيل: " قال إني عبدألله آتاني ألكتب وجعلني نبيا " وهكذا فان أول شيئ نطق به عيسى عليه السلام إقراره بالعبودية لله , وبذلك نزه ربه وبرأه عن ألولد , وقوله " آتاني الكتاب " أي ألانجيل , "وجعلني نبيا " يوحي إلي ما يشاء " وجعلني مباركا اينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " .
                          وهكذا نجد أن ألاسلام يؤكد على طبيعة عيسى ألبشرية وعلى كونه , عليه ألسلام , بشرا مرسلا , ذلك ان النتيجة ألطبيعية لتأليه ألمسيح وتجاهل تعاليمه ألحقيقية معناه إفراغ رسالته ألنبوية من دون أي مغزى عملي , لذا أعاد القرآن إلى عيسى عليه السلام إنسانيته وركز على مهمته ألنبوية, وبعبارة أخرى فقد أكد ألقرآن على شخصية عيسى ألمسيح ألتاريخية ومفندا ألصورة ألاسطورية ألتي حاكها حوله ألمسيحيون ألهلنستيون ألذين لم يروه ولم يأخذوا تعاليمهم عنه , وذلك بدءا من بولس الذي صاغ فكرة ألكفارة , مرورا بيوحنا أللاهوتي ألذي دس في ألانجيل مفهوم أللوغوس , أي ألكلمة , الذي تجسد وصارألمسيح , حسب زعمه , حتى آباء ألكنيسة ألذين ساهموا بخلق إسطورة ألمسيح ألاله ألتي تم تثبيتها في مجمع نيقية عام 325 ميلادي . وألآية ألتالية , مثلا, تنهي ألمسيحيين عن ألغلوا في ألدين , أي رفع ألمسيح إلى درجة آلالوهية من خلال إبتداعهم لما يسمونه بالثالوث ألمقدس , والدعوة إلى عقائد لم يقلها ولم يؤمن بها عيسى ابن مريم عليه ألسلام , قال الله تعالى : " يا اهل ألكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ألله إلا ألحق إنما ألمسيح عيسى إبن مريم رسول ألله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة إنتهوا خير لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ألسماوات وألأرض وكفى بالله وكيلا . "
                          وقد فند ألقرآن ألكريم ألعناصر ألمكونة للعقيدة ألمسيحية عنصرا بعد ألآخر , وحسم ألموقف من دعواهم ببنوة ألمسيح لله وكون ألله إتخذ ولدا , وهو ألعنصر ألأول في ثالوثهم ألذي إبتدعوه , وذلك في قوله سبحانه وتعالى : " وقالوا إتخذ ألرحمان ولدا . لقد جئتم شيئا إدا . تكاد ألسماوات يتفطرن منه وتنشق ألأرض وتخر ألجبال هدا . أن دعوا للرحمان ولدا. وماينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا . "
                          ثم جاء إلى ألعنصر ألثاني في ثالوثهم فحكم بكفر من يقول أن الله هو ألمسيح إبن مريم , قال الله تعالى : " لقد كفر ألذين قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ألمسيح إبن مريم وأمه ومن في ألأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيئ قدير " . وفي ألآية ألتالية تبيان لحقيقة رسالة ألمسيح و تفنيد لما جرى على هذه ألرسالة من تحريف وتبديل , قال الله تعالى : " لقد كفر ألذين قالوا إن الله هو ألسيح إبن مريم , وقال المسيح يا بني إسرائيل إعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ألجنة و مأواه ألنار وما للظالمين من أنصار" .
                          ثم أتى على جوهر عقيدة ألتثليث ألمسيحية فنسفه نسفا وكفر من يؤمن به , وقرر أن ألمسيح ما هو إلا رسول شأنه شأن ألرسل ألآخرين من قبله , يخضع لله بصفة ألعبودية , وامه صديقة , كانا يأكلان ألطعام شأنهم في ذلك شأن ألبشر ألآخرين , أي كانا محتاجين للقوت , وما يترتب على ذلك من عمليات هضم وأيض لاحالته الى ما به قوام ألجسم وألحياة , ومن ثم ألتخلص من فضلاته . وإن هذه ألحاجة وهذا ألنقص يكفي للبرهنة على أنه لم يكن إله , ولا يمكن أن يكون هو وأمه إلهان , بل بشرا مما خلق ألله , قال تعالى في سورة ألمائدة : " لقد كفر ألذين قالوا إن الله ثلاث ثلاثة وما من اله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم . ما المسيح عيسى إبن مريم إلا رسول قد خلت من بعده ألرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم إنظر أنا يؤفكون . قل أتعبدون من دون الله ما لايملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم , قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قدضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ألسبيل " .
                          وإن ألقوم ألذين قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا عن سواء ألسبيل هم نفس أولئك ألذين قاموا منذ ألبداية بتحريف رسالة ألمسيح وعملوا على صياغتها وفقا لأهواءهم ورغباتهم . لذا فقد بين ألاسلام للمسيحيين ولغيرهم حقيقة ألمسيح وجوهر رسالته التي بعث بها .
                          من ما تقدم يتضح ان الاسلام يؤكد على ان المسيح عليه السلام رسول من رسل الله وقد ارسل الى بني اسرائيل خاصة ،وانه بشر شانه شان الرسل الاخرين ،وان صياغة مجمع نيقية وغيرها من المجامع التي اله فيها الاساقفة والمطارنة المسيح وساووه فيها مع الله في الجوهر انما هي الكفر بعينه وان القائل بها كافر خارج من دائرة الايمان .
                          وبعد ان كشف القرآن الكريم اغاليط النصارى في شان المسيح وغلوهم فيه وابتعادهم عن التوحيد وحقيقة الدين الله ،وبعد ان دعاهم الى الرجوع الى الدين الحق وذلك باتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ،سلك معهم سبيلا اخر فامر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بان يتقدم اليهم بثقة واطمئنان ويدعوهم الى المباهلة .وهي ان يجتمعوا جميعا كل مع ماعته على صعيد واحد ويستمطر الكل لعنة الله على الكاذب من الفريقين .قال تعالى :"ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون .الحق من ربك فلا تكن من الممترين .فمن حاجك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين".
                          وقد روي بشان المباهلة ان رسولنا الكريم صلى اله عليه وسلم لما اورد الدلائل لنصارى نجران على عبودية عيسى لله وانه لايعدوا كونه من البشر اصروا على ضلالهم وهنا تحداهم الرسول بثقة واطمئنان فقال لهم صلاة الله عليه وسلامه ان الله امرني ان لم تقبلوا الحجة ان اباهلكم :فقالوا بل نرجع فننظر في امرنا ثم ناتيك .والقصة معروفة ،المهم فيها ان نصارى نجران خافوا المباهلة فاذعنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا له الجزية .
                          ان هذه الواقعة تدلل على ان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان صادقا وواثقا من نفسه ومن نصر الله سبحانه وتعالى له ،ولو لم يكن نبيا صادقا قد جاء بالحق لما باهلهم لانه لو باهل ولم ينزل العذاب لظهر كذبه ،ومعلوم انه اعقل الناس لذا فانه من غير المعقول ان يقوم بعمل لايليق به يفضي الى ظهور كذبه ،فلما اصر على المباهلة واستعد لها،تبين لكل ذي عقل سليم ان اصراره هذا يدلل على انه واثق من النصر ،لانه صادق في دعوته .كما ان هذا الواقعة تدلل من الناحية الاخرى ضعف ايمان نصارى نجران واهتزاز عقيدتهم وشكوكهم فيها اذ لو كانوا واثقين من صحتها لما تراجعوا خوفا وهلعا ،وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى :" وان الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ". فهم في شك من كتابهم المقدس الذي جعلهم في حالة من الريبة وعدم الاطمئنان نتيجة ماادخلوا عليه من تصورات وثنية لايقبلها العقل السليم وبعيدة كل البعد عن تعاليم عيسى عليه السلام .
                          وهكذا تحدى القرآن الكرم\يم المشركين ان ياتوا بمثله لا بل باية واحدة منه وهم ارباب البيان فعجزوا ، وعجز العالم كله بانسه وجنه على الاتيان بذلك ،وتحدى نصارى نجران الغالين في شأن المسيح بالمباهلة الهينة السهلة على من هو صادق في دعواه وفي صحة عقيدته ،فلم يقدروا عليها .ثم تحدى المسيحية عبر تاريخها في كل ما قصه في شأن عيسى ابن مريم عليه السلام في اياته النافذة القوية ،وخاطبهم سبحانه وتعالى في سورة آل عمران :" ان هذا لهو القصص الحق وما من اله الا الله وان الله لهو العزيز الحكيم ...فان تولوا فان الله عليم بالمفسدين ".
                          وعن الاعجاز القرآني في الرد على اباطيل النصارى بخصوص المسيح عليه السلام كتب البروفيسور "جفري بارنيدر "Geoffery Parrinder في كتابه "عيسى في القرآن " مايلي :" ان المعاني العميقة والهامة التي يتضمنها القرآن غير معروفة لدى عامة المسيحية ،كما ان شهادة القران بالتوحيد وشهادته بكون عيسى ومريم مجرد بشر لاغير ، هذه الشهادة كانت تصحيحا مهما اشد ماكانت الكنيسة بحاجة اليه ، غير انها تجاهلته ، وعلى المسيحية ان تعيد صياغة مصطلحاتها من نوع :ابن الله ،والثالوث، والخلاص، والنظر اليها من منظار جديد كما يجب اعادة البحث في مفاهيم النبوة والوحي على ضوء التنزيل الالهي كما نزل على محمد في القرآن الذي لاريب فيه ، لان المثل الذي اعطاه الاسلام لاهل الكتاب يفرض علينا الخجل من انفسنا ".
                          والحقيقة ان الكثير من المختصين بالكتاب المقدس توصلوا الى نفس ماجاء بالقرآن الكريم من انكار لالوهية المسيح ،وقد دعا هؤلاء الى التخلص من الاساطير التي وضعها غلاة المسيحيين الهلنستيين حول شخصية هذا الرسول الكريم والعودة الى البساطة العقدية لرسالة عيسى عليه السلام باعتباره انسانا ورسولا الى بني اسرائيل . وقد اكد البروفسور "روبرت فونك" Robert Funk قائلا :" يجب علينا البدء بانزال عيسى منزلته الحقيقية لانه هو نفسه طلب ذلك وهو يستحق ماطلب ، وهذ دين له في اعناقنا ، اننا ان انزلنا عيسى منزلته الحقيقية فسيصبح متاحا لنا بصفته المؤسس الحقيقي للنصرانية ،وفي منزلته الجديدة ،الحقيقية ، سيكف عن كونه معبودا ميثولوجيا في اساطير الالهة التي تهبط الى الارض ثم تعود الى السماء تموت ثم تحيا ، وعند اذن فقط تصبح بعثته ذات معنى ، بامكاننا البدء بحطيم هذه الايقونة ، عيسى الاله ، ونعيدها الى ماكانت عليه في الاصل ، ليعود عيسى نفسه كما كان :محطما للاصنام وللايقونات "
                          "لقد قام المعجبون بعيسى في القرون الاولى باعطائه صفة "كريستوس " وحددوا له المهام المفترض ان يقوم بها حسب ضنهم ، كانقاذ البشرية من ربقة الخطيئة ،مع ان عيسى كان ادرى منهم بهدف بعثته فهو لم يتجرأ على الالوهية وانما اختاره الله للبعثة ،ولم يكن يدعي شيئا ليس له ،انما اصطفاه الله لهدف محدد ،ولذلك لايهمني ماقال بطرس وبونس عنه (...) فما يهمني فقط الدعوة الالهية التي استجاب لها ، والخطة الالهية التي خضع لها وانقاد اليها "

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?

                          Working...
                          X