إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

الاسلام الدين الحق 4

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • الاسلام الدين الحق 4

    4-- نبوءات تتحقق تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم .
    د. عادل مرعي الراوي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    انه لمن اصدق دلالات النبوه ان رجلا اميا يعيش بين اظهر قوم اميين , كان يعيش معيشتهم , مشغولا طوال يومه برزق نفسه وزوجته واولاده يعمل بالاجر راعيا حينا او تاجرا بالاجر حينا اخر , لاصله له بالعلم ولا العلماء, يقضي في هذا الحال اربعين سنه من عمره , ثم يطلع علينا بين عشيه وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به من قبل , فيكلمنا عن سالف القرون الاولى بمالم يجري على لسان احد . انه يخبرنا عن آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى والنبيين مفندا الكثير من روايات اليهود والنصارى او يصححها . والقران الذي جاء به لايقف عند هذا الحد بل يصف لنا بدء الخلق ونهايته , ويصف الجنه ونعيمها , والنار وعذابها كانما يراها راي العين , حتى انه ليحصي عده الابواب , وعده الملائكه الموكله بتلك الابواب . فمن اين له هذا العلم ومن اى مصدر استقاه ؟ فهل استقاها ودرسها على ايدي احد كما يود القول الجاحدون ؟ : (( وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست )) . (72) ولقد صدقوا فانه درسها , ولكن على يد الروح الامين : (( وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الامين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين )) . (73)
    الا ان الاعجب من هذا كله ان هذا القرآن الذي جاء به هذا النبي الكريم لم يكتفي بكشف ماجرى من احداث الماضي بل وبكشف حجب المستقبل . انها نبوءات منها ماتحقق في حياة المشركين ومنها ماتحقق في مستقبل الايام . ان هذه النبوءات التي اثبت الزمان صحتها لا يمكن ان تصدر من قبل انسان عادي مهما كان علمه ومهما كانت قدراته , انها لا بد ان تكون من لدن عليم حكيم وهنا سوف نسرد نوعين من بعض النبوءات القرانيه مع بيان شيء من ملابساتها التاريخيه , النوع الاول ما تحقق في حياة المشركين ومنها ما اثبت الزمان صحتها , وهاك امثله من النوع الاول على ذلك :
    النبوءه الاولى التي نوردها في هذا السياق والتي وردت في القران فهي غلبه الروم على الفرس . وقد جاء في اول سوره الروم قوله تعالى : ( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين )) . (74)
    كانت هزيمه الروم هائله ومذله فضاع من الروم كل ماملكوا من البلاد في شرق العاصمه وجنوبها , ولم تعد الرايه الصليبيه ترفرف على العراق والشام وفلسطين ومصر واسيا الصغرى , بل علتها رايه الفرس المجوسيه . وسدت الجيوش الفارسية كل الطرق المؤديه الى العاصمه وما يحيط بها في حصار اقتصادي قاس , وعم القحط وتفشت الامراض الوبائيه . وكان الشعب في العاصمه خائفا جائعا يترقب قدوم العدو , فكسدت التجاره , وتحولت معاهد العلم والثقافه الى ساحات موحشه . وسعى المجوس للقضاء على المسيحيه , فدمروا الكنائس واراقوا دماء الناس واقاموا بيوت عباده النار في كل مكان , وارغموا الناس على عباده الشمس والنار . وللتدليل على مدى فداحه هزيمه الروم نورد هنا الخطاب الذي وجهه كسرى الى هرقل :
    ((من لدن الاله كسرى , الذي هو اكبر الالهه , وملك الارض كلها , الى عبده اللئيم الغافل : هرقل : انك تقول : انك تثق في الهك ! فلماذا لا ينقذ الهك القدس من يدي ؟! )) . (75)
    وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسيه والروميه هذه الاحداث فقد سيطرت على مكه قضيه مماثله . فقد كان الفرس مجوسا من عبده الشمس والنار , وكان الروم مع كفرهم من اهل الكتاب . لذلك كان المسلمون مع الروم , وكان كفار مكه مع الفرس . فلما انتصر الفرس على الروم عام 616 م واستولوا على المناطق الشرقيه من دوله الروم , انتهزها المشركون فرصه للسخريه من المسلمين قائلين لهم من ان الروم اهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس , وانتم تزعمون انكم ستغلبوننا بالكتاب الذي انزل عليكم , فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم , فنزلت الايه : (( الم . غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ))
    لقد كان الاخبار بهذا النصر وبانه كائن في وقت معين امر خارج الضنون والتوقعات . ذلك ان دوله الروم , كما سبق وان بينا , قد بلغت من الضعف حدا ان غزيت في عقر دارها (( في ادنى الارض )) , فلم يكن احد يظن انها ستقوم لها قائمه , فضلا عن ان يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر (( في بضع سنين )) . ولذلك كذب به المشركين وتراهنوا على تكذيبه . على ان القران لم يكتفي بهذا الوعد بل عززه باخر , قال تعالى: (( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله )) اشاره الى ان اليوم الذي يكون فيه النصر هناك للروم على الفرس سيقع فيه هاهنا نصر للمسلمين على المشركين . واذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعدا عند الناس اشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين في يوم واحد ؟ لذلك اكد سبحانه وتعالى اعظم التاكيد بقوله : (( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون )) .
    ولقد صدق الله وعده , فتمت الغلبه للروم على الفرس باجماع المؤرخين في اقل من تسع سنين , وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوه بدر الكبرى , كما رواه الترمذي عن ابي سعيد ورواه الطبري عن ابن عباس وغيره . (76) وذلك تصديقا لايه سوره القمر المكيه : (( سيهزم الجمع ويولون الدبر )) (77) مع ان فكره التقاء الجمعين اى المسلمين والمشركين لم تكن وارده في مكه اصلا .
    وتعليقا على هذه النبوءه كتب المؤرخ المشهور (( جبن )) مبينا انه: (( في ذلك الوقت , حين تنبأ القران بهذه النوءة , لم تكن اى نبوءه ابعد منها وقوعا , لان السنين الاثنتي عشر الاولى من حكم هرقل كانت تؤذن بانتهاء الامبراطوريه الرومانيه )) . (78)
    واليك النبوءة الثانية في هذا السياق : لعل من اعجب العجب ان يضمن الله لنبيه حمايه شخصه ويعصمه من الناس الراغبين في قتله الذين كانوا يحيطون به من كل جانب وذلك في قوله تعالى : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك , وان لم تفعل فما بلغت رسالته , والله يعصمك من الناس)) . (79)
    وهذا وايم الله ضمان لايملكه بشر مهما بلغت الحراسات التي تحيط به . فكم من ملك اختطفته يد الغيله وهم في مواكبهم التي تحيط بها الجنود والاعوان ولكن انظر مدى ثقه الرسول بوعد ربه . فقد امر عليه الصلاه والسلام حراسه الذين كانوا يحرسونه في الليل بالانصراف قائلا لهم : (( ياايها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله )) .
    ( 80)
    وحقا لقد عصمه الله في مواطن كثيره كان فيها خطر الموت اقرب اليه من شراك نعله . وها هو ذا في ذات الرقاع ينزل تحت شجره ظليله ويعلق سيفه عليها , فيجيبئه رجل من المشركين فياخذ السيف فيخترطه ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : اتخافني ؟ فيقول : لا . فيقول الرجل : مايمنعك مني ؟ فيجيب : (( الله يمنعني منك . ضع السيف )) فلا يملك الرجل الا ان يضع سيفه . (81) وحسبك ان تعلم ان هذا الامن كان في الغزوه التي شرعت فيها صلاة الخوف .
    ومن اعظم الوقائع تصديقا لهذا الامر هو الموقف المدهش الذي وقفه النبي في غزوه حنين , فقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين , فطفق يركض ببغلته الى جهه العدو , فلما اقبل المشركون وغشوه لم يفر بل نزل عن بغلته كانما يعرض نفسه لنبالهم وهو يقول : (( انا النبي لا كذب , انا ابن عبد المطلب )) . (82)
    وهكذا حفظه الله ولم يقبضه اليه حتى بلغ الرساله وادى الامانه , وحتى انزل عليه قوله تعالى : (( اليوم اكملت لكم دينكم , واتممت عليكم نعمتي , ورضيت لكم الاسلا دينا )) . (83)
    وهاك نبوءه اخرى : منع المسلمون من دخول مكه عام الحديبيه , واشترطت عليهم قريش اذا جاءوها في العام المقبل ان يدخلوها عزلا من كل سلاح الا السيوف في القروب . فهل كان بامكان المسلمين ان يثقوا بوفاء المشركين في عقدهم , وقد بلوا منهم بنكث العهود وانتهاك شعائر الله ؟ وفي هذه الظروف القلقه يجيئهم وعد الله بالدخول والامن وقضاء الشعيره : (( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون )) . (84) فدخلوها امنين ومكثوا فيها ثلاثه ايام حتى اتموا عمرتهم وقضوا مناسكهم .
    ومثال اخر ماجاء في التحدي بهذا القران وتعجيز مشركي مكه والعالم من بعدهم على الاتيان . بمثله (( قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القران لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) (85) ولما لم يؤتوا بمثله تنازل لهم عن التحدي بجميع القران الى التحدي بعشر سور مثله , فقال في سوره هود : (( ام يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين )) . (86) فسكتوا سكوت العاجزين وهنا تحداهم ان ياتوا بسوره واحده من مثله , فقال في سوره البقره : (( وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسوره من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين . فان لم تفعلوا ولن تفعلوا افاتقوا النار التي وقودها الناس والحجاره اعدت للكافرين )) . (87)
    فانظر الى هذا الحكم المؤبد , هل يستطيع انسان ان يتفوه به وهو يعلم مدى فصاحه العرب وبلاغتهم ؟ الم يكن يخشى بهذا التحدى ان يثير حميتهم الادبيه فيهبوا لمناقسته متحدين بعضهم يكمل عمل بعض حتى يخرجوا كلاما ان لم يبزه فلا اقل ان يساميه ولو في بعض نواحيه ؟ ثم كيف طوعت له نفسه ان يصدر هذا الحكم ليس على اهل عصره فحسب بل وعلى الاجيال القادمه حتى يوم القيامه , بل وعلى الجن والانس ؟
    لقد كانت هوايه العرب في الجاهليه في لغتهم , وكان العربي يفتتن بها فينحت منها صورا بيانيه لاتقل جمالا عما ينحته اكابر الفنانين . فالشعر العربي كما يقول الاستاذ محمود شاكر : (( كان حين انزل على محمد صلى الله عليه وسلم نورا يضيء ظلمات الجاهليه , ويعكف اهله على بيانه عكوف الوثني للصنم , ويسجدون لاياته سجده خاشعه لم يسجدوا مثلها لاوثانهم قط , فقد كانوا عبده البيان , قبل ان يكونوا عبده الاوثان , وقد سمعنا من استخف منهم باوثانهم , ولم نسمع قط من استخف ببيانهم )) . (88) اذا انها مغامره لايجازف بها رجل دون ان يعرف قدر نفسه , وراكن الى تصاريف القضاء وخبر السماء , فلم يهم بمعارضته احد الاباء بالعجز والفشل على مر العصور والدهور .
    وهاك امثله من النوع الثاني التي اثبت الزمان صحتها :
    عندما بدا النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وقفت الجزيره العربيه كلها ضده , وكان على النبي مواجهه ثلاث قوى في وقت واحد : اولاها : قريش والقبائل المشركه كلها بعد ان اصبجوا اعداء حياته . وثانيهما : القارونيه اليهوديه وماتملكه من اموال طائله , وثالثهما : اولئلك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء على حركتهم من داخل معاقلهم . وكان على الرسول صلى الله عليه وسلم ان يجاهد على هذه الجبهات الثلاث . وقد وقف اما هذا الطاغوت المستشري وقفات رائعه لامثيل لها ,ولم يكن هنالك من يسانده في جهاده هذا سوى حفنه من المهاجرين والانصار .. وقد ظلت هذه الجماعه الصغيره من المسلمين متمسكه بدينها تجاهد وتكافح والاعداء يتربصون بهم من كل جانب وهم في اشد حالات العوز والفقر . وكان من اكثر المسلمين بؤسا وعوزا تلك الجماعه التي عاشت في المسجد النبوي , حيث لم تكن لديهم بيوت ياوون اليها , وكانوا ينامون على (( صفه )) في فناء المسجد , فاطلق عليهم : (( اهل الصفه )) . وقد بلغ عددهم في بعض الاحيان اربعمائه صحابي .
    فعن ابي هريره رضي الله عنه , قال : (( رايت سبعين من اهل الصفه يصلون في ثوب , فمنهم من يبلغ ركبته , ومنهم من هو اسفل من ذلك , فاذا ركع احدهم قبض عليه , مخافه ان تبدو عورته . (89)
    وعن ابي هريره ايظا رضي الله عنه انه قال : (( لقد رايتني اصرع بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبين حجره عائشه رضي الله تعالى عنها , فيقول الناس : انه مجنون , ومابي جنون , مابي الا الجوع ! )) . ( 90)
    في هذه الاحوال البائسه , حيث كان المسلمون في اسوا احوالهم , جائعين , مكشوفين في عراء المدينه , يترقبون مخافه ان يتخطفهم الاعداء من كل جانب , نجد ان القران الكريم يبشرهم مره بعد اخرى : (( كتب الله لاغلبن انا ورسلي )) (91)
    (( يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم , والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون )) (92)
    وفي هذه الضروف القاسيه التي لاتطاق ولا تحتمل بشر الرسول الكريم المسلمين بالانتصارات التي سيحققونها على كل من بيزنطه وفارس . وكانت دهشتهم كبيرة, لأن التوازن العسكري مفقود بين الروم والمسلمين ناهيك
    عن قدرات فارس , وكان المسلمون في اشد الفترات حراجه . فقد كانوا يحفرون خندقا حول المدينه تجنبا للصدام المباشر مع تحالف المشركين . لذا كان التوازن بين قوه روما لوحدها وجيوشها الجراره التي تسيطر على كامل الشمال الافريقي وبلاد الشام , وبين جيش المسلمين في دوله المدينه , مفقودا بكل المقاييس العسكريه والمفاهيم العقليه . فروما كانت اقوى الامبراطوريات في العالم . وكانت دوله الاسلام في المدينه اضعف دوله في العالم من حيث العدد والعده والمال . وكان الصحابه يشكون للرسول صلى الله عليه وسلم الجوع ويحلمون برغيف الخبز قال عبد الله بن حواله : (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا اليه الفقر والعري وقله الشيىء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابشروا , فوالله لانا من كثره الشىء , اخوف عليكم من قلته . والله لايزال هذا الامر فيكم حتى تفتح لكم ارض فارس وارض الروم وارض حمير وحتى تكونوا اجنادا ثلاثه , جندا بالشام , وجندا بالعراق , وجندا باليمن , وحتى يعطى الرجل مائه دينار فيتسخطها . قال بن حواله : فقلت يارسول الله ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون ؟ . فقال رسول الله : والله ليفتحنها الله عليكم ويستخلفنكم الله فيها , حتى تظل العصابه منهم البيض قمصهم المحلقه اقفاؤهم قياما على الرجل الاسود منكم , ماامرهم فعلوا , وان بها اليوم رجالا لانتم اليوم احقر في اعينهم من القردان في اعجاز الابل . قال ابن حواله : فقلت فاخترلي يارسول الله ان ادركني ذلك . قال اختار لك الشام , فانها صفوه الله من بلاده واليها يجتبي صفوته من عباده . يااهل اليمن عليكم بالشام فان صفوه الله من الارض الشام . فمن ابى فليلحق بيمنه وليسق بغدره , وان الله قد تكفل لي بالشام واهله )) (93) هذه هي الحاله التي كان عليها العرب , فهم في نظر الروم (( احقر من القردان في اعجاز الابل )) ولهذا استغرب ابن حواله كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال له : (( ومن يستطيع الشام وبها الروم ذات القرون )) , اى القويه , سؤال يدل على صعوبه الامر حتى مجرد التفكير في مثل هذا النجاح . ولولا انهم كانوا يدركون ان الرسول صلى الله عليه وسلم (( لاينطق عن الهوى . ان هو الا وحي يوحى )) لما صدقوا ماسمعوا . دوله المدينه المحاصره الجائعه الضعيفه التي يحيط بها اعدائها من كل جانب , ولا تمتلك الا سلاح الايمان ستغزوا بعد بضع سنين اكبر امبراطوريتين في التاريخ وتنتصر عليها . ولكن ماكان بشاره غير معقوله انجز بعد سنتين من وفاه الرسول صلى الله عليه وسلم . لقد دوخ رهبان الليل وفرسان النهار العالم بشجاعتهم وانتصاراتهم واخلاقهم ورحمتهم بالشعوب التي اصبحت جزءا من دوله الاسلام . لا يمكننا ان نفسر هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات الماديه ابدا , الا اذا سلمنا ان هذا الانسان لم يات باخبار الغيب هذه من عند نفسه , وانما كان رسول الله , يخبرنا بما يوحي اليه ربه , ولو كان انسانا عاديا لاستحال كل الاستحاله ان تصنع كلماته اقدار التاريخ .
    ونسوق هنا النبوءة الثانية , فقد جاء في بيان هذا الدين ان الله قد كتب له البقاء والخلود , وان القران قد ضمن الله حفظه وصيانته : (( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون )) . (94) ان هذه البشرى بل العهد الوثيق , صدر في مكه . نعرف ماامر الدعوه المحمديه في مكه : عشر سنوات كلها اعراض من قومه عن الاستماع لقرانه , وصد لغيرهم عن الاصغاء له , واضطهاد وتعذيب لتلك الفئه القليله التي امنت به , ثم مقاطعه له ولعشيرته ومحاصرتهم مده غير يسيره في شعب من شعاب مكه , وماتلى ذلك من مؤامرات سريه او علنيه على قتله او نفيه . واذا كان الوضع في مثل هذه الحلكه فكيف يجرىء احد ان يصدر حكما قاطعا في مثل هذه الضروف . فمن يتكفل لمحمد صلى الله عليه وسلم بعد موته ببقاء هذه الدعوه وحمايتها وسط امواج المستقبل العاتيه ؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك وهو يعلم من عبر الزمان مايفت في عضد ذلك اليقين ؟ فكم من مصلح ذهبت اصواته ادراج الرياح . وكم من نبي قتل . وكم من كتاب فقد او حرف .فلولا فضل الله ورحمته الموعود بها لما استطاع القران ان يقاوم تلك الحروب العنيفة التي اقيمت ولا تزال تقام عليه بين حين واخر. سل التاريخ : كم مره تسلط الفجار على المسلمين فاثخنوا فيهم القتل , واكرهوا امما منهم على الكفر واحرقوا الكتب , وهدموا المساجد , وصنعوا ماكان يكفي القليل منه لضياع هذا القران كلا او بعضا كما فعل بالكتب قبله , ولولا ان يد الله تحرسه لما بقي وسط هذه المعامع سليما رافعا راياته . وكم من القناطير المقنطره من الذهب والفضه انفق وينفق اعداء هذا الدين كل عام لمحو هذا القران وصد الناس عن الاسلام ثم لم يظفروا من وراء ذلك الا بما قال الله تعالى : (( ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله . فسينفقونها ثم تكون عليهم حسره , ثم يغلبون )) سوره الانفال (95)
    ذلك ان الذي يمسكه ان يزول هو الذي يمسك السماوات والارض ان تزولا . ذلك بان الله : (( هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليضهره على الدين كله ولو كره المشركون )) سوره الصف (96) وسوره التوبه (97) والله بالغ امره , ومتم نوره , فظهر وسيبقى ظاهرا لايضره من خالفه حتى ياتي امر الله . )) (98)
Working...
X