إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

نقد شبهة تناقض أقوال الشخصية في القصة ذاتها - ما رأيكم إخوتي

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • نقد شبهة تناقض أقوال الشخصية في القصة ذاتها - ما رأيكم إخوتي

    عرض الشبهة: [مع غض النظر عن الأخطاء اللغوية الكثيرة في النص ]

    وفى نفس القصة الواحدة نجد هنا اختلافا كبيرا فى نصوصها كما يلى:
    سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (8)
    سورة القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ (30)
    سورة طه (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14)
    وهنا نجد ان اقوال موسى لأهلة مختلفة عن بعضها البعض تماما فى نفس الموقف الواحد الغير متكرر... فهل قال موسى لأهلة ( ) (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (النمل7) آم قال لهم (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه 10) آم قال لهم (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ) (القصص 29) فغير اختلاف الكلام الواضح فإننا نجد فى الآية الأولى تاكيد بأنه سيأتيهم منها (سآتيكم منها) اما الايات الاخرى نرى انه غير متاكد ويدلل على هذا بقوله (لعلى) ".




    الجواب: قال ذلك كله.

    وحتى تكتمل صورة ما تريده الآيات الكريمة، يجب فهم سياق الآيات وفق مجريات أحداث القصة. فالقرآن الكريم يريد لنا أن نتخيل رحلة سيدنا موسى  مع أهله في الصحراء ليلاً، حيث الوحشة وظلمة الليل وبرده، وخوف سيدنا موسى  على أهله، وخشيته من التيه في الصحراء. ولا يمكن الحكم على الشيء بدقة، إلا بتصوره.
    فلما رأى سيدنا موسى  ناراً أنِس بها، وأراد الذهاب إليها ليأخذ جذوة منها.. وكان بين خيارين: إما يأخذ أهله، أو يتركهم في مكان أمين، ويذهب هو إلى مصدر النار.
    ترجَّح لديه الخيار الثاني؛ حمايةً لأهله. فبقيت العقبة الأخيرة، وهي إقناع أهله بالبقاء لوحدهم في ليل الصحراء الموحش.
    قرر سيدنا موسى  استعمال الأسلوب المتدرج الحكيم.. ليغالب نوازع الخوف عنده وعند أهله.. كما يلي:
    1. سار قليلاً معهم وقال: " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ " [القصص: 29].
    2. ثم سار قليلاً وقال: " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَىً " [طه: 9]. وكرر " امْكُثُوا " واستخدام فعل الترجي " لَّعَلِّي " مرتين، لما في ذلك تأثير على العقل الباطن (اللاواعي) لأهله، بحيث يبدو الأمر بالنسبة إليهم طبيعياً. وفي كل مرة، يذكر فوائد للنار يحتاجها هو وأهله.
    3. وبعد ذلك حسمَ موقفه، حين سار مع أهله قليلاً، وقال لهم: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " [النمل: 7]. وجمَعَ بين الفوائد المرجو للنار: الاستعلام، والهُدى في المسير، والتدفئة.
    وكان من نتيجة هذا الأسلوب الحكيم الحازم منه  أن وافق أهله، فتركهم وذهب إلى ما حسِبه مصدر النار.
    الموقف ذاك يحتاج تدرجاً حكيماً، في تعداد فوائد النار المرجوة، والاقتراب إلى أقرب (مسافة آمنة) مع أهله من مصدر النار، ولولا حكمته  وتدرُّجه لما تيسَّرت طمأنينة وموافقة أهله.
    Last edited by رحيم; 17-02-2006, 04:56 PM.
    شبهات حول القرآن الكريم

  • #2
    وهناك طريقة أخرى فى الرد بعد هذا الرد

    وهى طريقة أخونا eeww2000 فى موضوع الرد على شبهات النصارى الحاقدة

    وللأسف ليس عندى وقت لتجميع النصوص بعينها

    ولكن هناك عدة أقوال فى نفس الموقف فى الكتاب اللامقدس
    منها على سبيل المثال

    ماذا قال يسوع على الصليب؟؟
    "إيلى إيى لما سبقتنى"
    "إلوى إلوى لما شبقتنى"

    وماذا قال الآب عند تعميد يسوع
    "هذا هو إبنى الحبيب له فأسمعوا"
    "هذا هو إبنى الحبيب الذى سررت به"
    "أنت ابنى الحبيب الذى بك سررت "


    وهناك الكثير وأقوى من ذلك ولكن الذاكرة لا تسعفنى
    "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور"

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

      يستعمل النصارى هذه الشبهة تقليدًا لبعض المدارس الاستشراقية التي تزعم ان القرآن مكتوب بواسطة كتبة متعددين كان كل منهم يروي القصة بطريقته وأسلوبه لهذا وقعت هذه الاختلافات في القصص وألفاظها كما يزعمون .

      ولا يفيد في ردها التعرض لتناقضات الأناجيل في سرد وقائع حياة المسيح عليه السلام ، وهي كثيرة جدًا ، لأن هذه الأناجيل كتبت بأيدي كتبة مختلفين في أماكن وأزمان مختلفة وطبيعي أن يظهر فيها الاختلاف بل والتناقض كذلك ، وهذا ما لا ينكره النصارى حذاقهم وعوامهم . لكن المشكلة تقع إن كان هذا في القرآن الكريم الذي هو وحي منزل كلمةً كلمةً وحرفًا حرفًا ولا مجال فيه لاختلافات الكتبة في الرواية والسرد .

      فاختراع هذه الشبهات حول الاختلافات اللفظية هو عبارة عن رد فعل تجاه اتهامات المسلمين لكتب النصارى بالتعارض والتناقض ، وهم في هذا السبيل لا يجدون إلا إثارة الشبهات حول القصص القرآني كما ذكر الأخ رحيم حفظه الله .

      وهذه الشبهة حول قصة موسى عليه السلام كانت مطروحة في المنتدى القديم وكان عدد من الأفاضل قد قام بالرد عليها في موضعها هناك ، وبعض الردود كان قريبًا مما ذكره الأخ رحيم هنا .. والله أعلم .
      قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم )) مجموع الفتاوى (4/186-187) .

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        جزاكم الله خيراً إخوتي،،
        هم يؤمنون أن الإلهام إلى كتبة الأناجيل الأربعة كان بالمعنى وليس باللفظ، أليس كذلك ؟


        ولنعد إلى الشبهات ونقدها...

        المَوضع الثاني:

        " اقوال الله لموسى في نفس الموقف مختلفة تماما فكيف نادى الله موسى؟؟؟ هل (نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) [النمل: 8] آم (نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: 13] آم (نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [القصص: 30] ".

        الجواب:

        قال ذلك كله، وأخذ من الحوار ما يناسب سياق السورة، وهذا لا يعد تناقضاً، بل قمة البلاغة.
        والترتيب كما يلي:
        لما وصل سيدنا موسى  إلى ما ظن أنه مصدر النار، " نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " [النمل: 8] عندها تعجَّب وبحث عن مصدر الصوت: فـ " نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ". [القصص: 30] وزيادة لتثبيته وتأكيد أن ما سمعه حق لا أوهام، كُرِّر النداء مرة أخرى.. فنودي مرة ثالثة: " إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " [طه: 13].

        تكرار النداء إطناب مطلوب لتأكيد صحته، وإبعاداً لأي هاجس نفسي يشكك في مصدره، واسترعاءً لانتباهه فيكون في أقصى حالات الخشوع؛ لأهمية ما سيؤمَر به. فتكرر النداء تهيئة له ـ بنقله من جو (الخوف على أهله) إلى جو (سماع الوصايا الإلهية المباركة ووعيها) ـ وإزالةً للوحشة عنه، وزيادة في الأنس. [1]


        المَوضِع الثالث:

        قالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الأعراف 109). ولكنه يقول على لسان فرعون نفسه في نفس الموقف: قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الشعراء 34).

        الجواب:
        لا يوجد ما يمنع أن يقول كل منهم ذلك، بل في تكرار قول الملأ الحرفي لما قال فرعون دليل طاعتهم الشديدة له، حتى بألفاظه حرفياً. وهذا أبلغ في بيان عِظَم إيمان سحرة فرعون ـ رضي الله عنهم ـ، فمَن كان في مجتمعٍ يتصف بالولاء المطلق لفرعون، ما الذي دفعه إلى الإيمان بالله ، والاستشهاد في سبيله بلا نفع دنيوي ؟
        وفيه تبكيت للملأ بكونهم مجرد أبواق، مقلدين إمعات يكررون كلام فرعون بلا فكر وروية..
        وإشارة إلى صعوبة مهمة سيدنا موسى  وحاجته إلى وجود سيدنا هارون  وزيراً مسانداً له في دعوته لفرعون وملئه.



        ===================
        [1] الإطناب في الكلام محمود في ذلك الموقف، وهو مطلوب بلاغةً؛ لإزالة الوَحشة. فسيدنا موسى  سار مسافة في الليل، وترك أهله لوحدهم، ولم يعهد مثل ذاك الموقف عند الطور..
        لأجل كل ذلك، الإكثار من الكلام المؤنِس مطلوب.
        كقوله تعالى في سورة طه: " وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17)قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18) ". " يعني: أي شيء الذي بيدك ؟ أو ما الذي بيدك ؟ وكان عالماً بما في يده، ولكن الحكمة في سؤاله؛ لإزالة الوحشة عن موسى، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً. كرجل دخل على ملك وهو خائف فسأله عن شيء، فتزول بعض الوحشة عنه بذلك، ويستأنس بسؤاله ". انظر: بحر العلوم، السمرقندي 2/392.
        شبهات حول القرآن الكريم

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #5
          بسم الله الرحمن الرحيم.

          جزاك الله خيراً اخي الحبيب رحيم. كما قلتَ فحوار موسى عليه السلام مع اهله كان فيه اخذ ورد وخوف وتشجع وإعادة للكلام.



          النقطة الثانية عن تكليم الله لموسى.

          لاحظت في القرآن الكريم ان الخطاب اذا سبقه ( أَنْ) فهو في الغالب يليه المضمون وليس الخطاب حرفياً .
          مثلاً

          الاعراف (50) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء
          اصحاب النار كل منهم ينادي بصيغته ولكن مضمون كلامهم ( أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء)


          القصص (7) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
          مضمون الوحي ( أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ...) فالله لم يكلم ام موسى تكليما.


          النحل (2) يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ
          المضمون هو : (أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ). وصيغ الرسالات تختلف باختلاف الكتب.


          مريم (11) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
          ونعلم ان زكريا كان صائماً عن الكلام لكن مضمون ايحائه لقومه (أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).

          الى آخره
          ************************************************** **********

          إذاً نلاحظ من اسلوب القرآن الكريم ان الخطاب اذا سبقته (أنْ) فهو غـــــالباً ما يشير الى المضمون وليس الخطاب حرفياً.

          مثل تكليم الله لموسى عليه السلام:
          (نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) [النمل: 8]
          (نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [القصص: 30] ".


          أما الخطاب حرفياً :
          (نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: 13]

          والله أعلم
          .

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #6
            الحمد لله رب العالمين ..

            اختلفت عبارة موسى عليه السلام لأهله بين سور: (طه) و(القصص) و(النمل).

            وأصل القول بالتدرج جائز ومعدود من طرق الجمع. لكن استخدامه هنا فى توجيه اختلاف العبارات الثلاثة فيه نظر؛ لأنه استلزم البدء بعبارتىّ (لعلى آتيكم) قبل عبارة (سآتيكم)، توهمًا لعدم الجزم فى الأوليين والجزم فى الثالثة. لكن عبارتىّ (لعلى آتيكم) هما أيضًا اللتان تبدآن بالأمر (امكثوا)، فيكون موسى عليه السلام بدأ بأمرهم أولاً وتركه ثانيـًا. ويكون عليه السلام أمر صراحة بالمكث مع عدم الجزم (لعلى)، وترك الأمر مع الجزم (سآتيكم). وهذا غير سديد؛ لأن البدء فى الإقناع يكون بالأدنى متجهـًا إلى الأعلى. والأمر الصريح بالمكث هو الأشق على الأهل، فيجب أن يكون فى النهاية لا فى البداية.

            والطريق المعتاد فى الجمع لا شىء عليه. قال موسى عليه السلام كلامه دون تكرار. وأصل كلامه يشمل جميع المعانى التى تفيدها الآيات الثلاث. ثم اختصت كل آية بما يخدم الغرض الذى سيقت لأجله القصة.

            وهذا القدر كافٍ فى رد هذه الشبهة وأمثالها. وأما الوقوف على النكت البلاغية الناتجة عن افتراق أغراض الآيات فى سورها، فهذا شىء زائد، لا تتوقف إجابة الشبهة عليه، وإيراده من المسلم يكون تبرعًا وزيادة. لكن هذا من حيث رد الشبهة، وأما من حيث مراعاة مقام الحوار والجدل، فالأولى إتباع القدر الكافى بالزائد، فيوقف صاحب الشبهة على شىء من النكت البلاغية الحاصلة من التفرق، ليعرف شيئـًا عن بلاغة القرآن العظيم.

            ولا يَرِد على هذا الطريق إلا ما حوى التناقض. وفى مسألتنا ليس هناك تناقض. ووجود الأمر بالمكث فى آية لا يعارض غيابه عن أخرى.

            ==================================================


            وأما ما زعمه صاحب الشبهة من تناقض بين الجزم (سآتيكم) وعدم الجزم (لعلى)، فلا يصح.

            أولاً: لأن قوله عليه السلام (سآتيكم) ليس جزمًا كما فهم، وكيف يجزم عليه السلام بما لا يملكه ؟ .. وكيف يستقيم الجزم مع (أو) ؟ وليس معنى ذلك أننا نقول بأنه شاك عليه السلام، كلا، وإنما هو قرر ما ينوى عمله.

            ثانيـًا: لأن قوله عليه السلام (لعلى) ليس شكـًا كما فهم صاحب الشبهة، لأن (لعل) فى اللغة تأتى للشك ولغيره. وكثيرًا ما تأتى فى القرآن بمعنى (كى) لتعلل سبب القيام بالفعل. قال الزجاجى: ( "لعل" لها ثلاثة أوجه: تكون شكا وإيجابا واستفهاما. فالشك قولك "لعل زيدا يقوم". والاستفهام قولك في الخطاب "لعل زيدا يقوم" كما تقول "أتظن زيدا يقوم" تواجه بذلك مَن تخاطب. والإيجاب قولك "لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا". ولها معنى رابع وهو الترجي)[حروف المعانى 1/30]. وقال ابن هشام: (و"لعل" للترجي، وهو طلب المحبوب المستقرب حصوله، كقولك "لعل زيدا هالك"، أو للتعليل كقوله تعالى "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر" أي: لكي يتذكر. نص على ذلك الأخفش)[شرح قطر الندى 1/149].

            فقوله عليه السلام: (امكثوا ... لعلى آتيكم) ليس شكـًا منه، وإنما يكمل تعليل أمره لأهله بالمكث، وإنما قلت (يكمل) لأنه بدأ التعليل بقوله (إنى آنست نارًا)، ولا تستقل رؤيته للنار كسبب وعلة لأمره لهم باللبث والانتظار، فاحتاج أن يصرح بعدها: (لعلى آتيكم).

            والخلاصة: أن (لعل) ليست هنا للشك بل للتعليل، و(سآتيكم) هناك ليست للجزم، كلاهما وهمان فى عقل صاحب الشبهة، والحق أن كلاهما يعبران عن نية موسى عليه السلام فى الذهاب بمفرده دون أهله. فلا تعارض بين الآيات وإنما تنويع فى المعنى.

            ==================================================


            وأما عن القدر الزائد، وهو الوقوف على النكت البلاغية الحاصلة من اختلاف ألفاظ الآيات، فبضاعتى منه قليلة فى هذه المسألة. وأعرض ما عنّ لى.

            المتأمل فى سورة طه يجدها تدور حول إبعاد الشقاوة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما تهدينا فاتحة السورة هذا المفتاح. (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). وسيقت قصة موسى بعد ذلك لتحقيق هذا الغرض: إيناس الحبيب المصطفى وتطمينه وإزالة الوحشة عنه. وذلك ببيان عناية الله برسله، ورعايته لهم. من أجل ذلك بدأت السورة بمخاطبة المصطفى عليه الصلاة والسلام بكل ود وحنو. وعندما ساقت (حديث) موسى ساقته هكذا: ( وهل أتاك حديث موسى) ! .. خطاب محب يؤنس حبيبه. ولذلك عرضت السورة لإطالة خطاب الله لموسى بما لا تجده فى سورة أخرى: (وما تلك بيمينك يا موسى)، هكذا يؤنس الله رسله يا محمد ! صلوات ربى وسلامه عليه، فلا تدخل القصة فى عرض معجزة العصا واليد البيضاء مباشرة، وإنما تمهد بهذا الخطاب المؤنس. وموسى عليه السلام لا يفلت فرصة الإيناس، فيطيل فى الجواب، ثم بلفتة ذكية يفتح بابًا للاستمرار بقوله: (ولى فيها مآرب أخرى) لعل الله يسأله عنها فيطول الأنس ! وكذلك لا تذكر سورة طه صراحة خوف موسى عليه السلام من العصا التى انقلبت حية. وإنما تذكره بتطمين عجيب وإيناس رحيب: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى). وكذلك تكرر فى السورة مناداة رب العالمين لموسى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى)، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى)، (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)، (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى). وتكرر الأمر بعدم الخوف: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ)، (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)، (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى)، وعندما قال موسى وهارون (رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ) من فرعون، قال تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى). فجو طرد الخوف وإبعاد الضرر والتطمين والإيناس فى حق المؤمنين هو السائد. وتتفرد القصة فى طه بذكر القاعدة التى يعيش فى رحابها كل مؤمن: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى). وتتفرد السورة بإيراد دعاء موسى مطولاً، وموسى يكثر الطلب ويعدد، يطلب الشرح والتيسير، ويطلب الوزير وشد الأزر. وربه يعطيه كل ما طلب. وكل ذلك يناسب جو الإيناس والرعاية غاية المناسبة. وحتى ذكر قصته فى صغره وانتقاله إلى بيت فرعون تختلف ألفاظه عن سورة القصص مثلاً، التى كان غرضها تبيين التدبير الإلهى بالرغم من أنوف الظالمين. فلا يدخل فى سورة طه عنصر انتقاله لبيت فرعون إلا أثناء القصة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى). بخلاف سياق سورة القصص الذى بدأ بذكر هذا العنصر أولاً، لكنه يأتى هنا فى طه لا على أنه من نفاذ كيد الله للظالمين ولكن على أنه منة بعد المنة. وإرجاع موسى لأمه فى سورة القصص يكون بلفظ (فَرَدَدْنَاهُ) تحقيقـًا للوعد (رادوه إليك)، أما فى طه فيختار اللفظ الأخف وطأة (فرجعناك). ولا ذكر فى طه لعنصر تقتيل أبناء بنى إسرائيل واستحياء نساءهم، لكنه مهم فى سورة القصص لبيان وطأة الظالمين. أما طه فتهدف إلى الإيناس التام. وتتفرد السورة فى أثناء القصة وما يمن به تعالى على رسوله : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي). وتأمل قوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي). هكذا يرعى الله رسله منذ البداية. وعنصر قتل موسى عليه السلام للقبطى الذى فصلته سورة القصص لتبيين توارد الأحداث وتشابكها، يُذكر فى طه فى كلمتين فقط، يتبعهما الرحمة الإلهية: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ).

            ==================================================


            وأحسب أن الطرف الذى قدمنا كافيـًا فى بيان الجو العام لسورة طه وغرضها الرئيسى ، ولبيان خدمة قصة موسى هنا لهذا الغرض، وتساوقها مع ذلك الجو.

            فإذا علمنا ذلك، أدركنا لماذا لم غابت لفظة (تصطلون) عن سياق طه. إن اللفظة تستحضر برد موسى وأهله. وجو السورة يحاول طرد وإبعاد أى ضرر أو شقاء. قال الآلوسى: («لعلكم تصطلون» تستدفئون وتتسخنون بها، وفيه دليل على أنهم أصابهم برد)[روح المعاني 20/73]. فهذا البرد الذى استحضره الآلوسى من مجرد اللفظة يستحضره أيضًا أى قارئ يسمعها. وسياق (طه) أباها؛ لأنه سياق إيناس وتطمين وطرد للمخاوف والأضرار.

            ==================================================


            وإذا علمنا أن سياق سورة طه موغل فى نشر جو التطمين والإيناس، أدركنا لماذا عدلت طه عن عبارة (آتيكم منها بخبر) التى تكررت فى القصص والنمل، إلى (أجد على النار هدى). إنه عليه السلام لن يأتى بمجرد خبر، لكنه سيجد هدى ! ولا يفوتنا جرس اللفظة الرخيم، وظلال معانيها الندية. واللفظة تشيع فى السورة فى مواطن كثيرة: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)، (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)، (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى). والآية الأخيرة تقرر أن من اتبع الهدى (فلا يضل ولا يشقى)، فهذا نفى الشقاء عمن اتبع الهدى، فكيف بمن أُنزل عليه القرآن! (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). إن لفظة هدى فى قوله (أجد على النار هدى) تأتى ضمن منظومة مطردة فى السورة كلها، وليس الأمر مجرد اختيار فاصلة مناسبة.

            ==================================================


            كذلك فإن (الخبر) سيأتى فى القصص والنمل (منها) من النار. وهى كناية بالطبع والمقصود أن الخبر سيكون من القائمين عند النار. لكن عدل عن ذلك فنسب الخبر للنار لا للقاعدين، كأن الخبر الذى سيأتى به سيكون قطعة من النار نفسها ! .. وبالرغم من قوة المعنى، ومن أنه يتساوق مع (تصطلون) هناك فى المعنى وشدته، إلا أننا علمنا أنه ليس مساوقـًا للجو العام فى طه. (الكلام على خطاب المؤمنين ووصف حالهم). فإن كان موسى عليه السلام سيأتى بالخبر فى القصص والنمل (من) النار، فهو فى طه سيجد (على) النار هدى !

            ومن الملاحظ أن عبارة (إنى آنست نارًا) تتكرر بحروفها فى السياقات الثلاثة. وهذا ملمح نلاحظه فى كل القصص القرآنى تقريبًا، هناك دومًا روابط ثابتة تشد السياقات المختلفة الألفاظ بعضها إلى بعض. أمر آخر، وهو أن الدلائل تشير إلى أن مَن رأى النار هو موسى وحده عليه السلام دون أهله. فالسياقات تنسب له وحده دومـًا رؤية النار، كما أن أهله لو كانوا قد رأوا النار معه، لما كان هناك فائدة من إخباره لهم عن رؤيته. فعلى ذلك يكون أمره لهم بالمكوث، فضلاً عن تركه لهم، يكون محل غرابة منهم ولا بد، لأنهم لم يروا ما رأى. فجاءت (إنى آنست نارًا) فى كل السياقات ـ التى ذكرت هذا العنصر ـ لتزيل غرابة الأهل وتؤكد تفرد موسى برؤية النار.

            ==================================================


            وردت (آتيكم) فى كل السياقات: (لعلى آتيكم)، و(سآتيكم). لأن لفظة (آتيكم) بمفردها تفيد ذهاب موسى دون أهله. وهذا الأمر له أهمية الأمر السابق بل أشد. لم يذهب موسى للنار التى رآها بأهله، وإنما ذهب وحده، فمعنى (آتيكم) أى أذهب ثم آتيكم. فللتشديد على هذا الأمر تكرر فى السياقات الثلاثة بحرفه تنبيهـًا على أهميته.

            ==================================================


            الأمر (امكثوا) ورد فى طه والقصص، وغاب عن النمل. والأمر (امكثوا) مهم فى زيادة التشديد على أن أهل موسى لم يذهبوا معه للنار التى رآها. لكن يبقى السؤال: لماذا حسن إيرادها فى طه والقصص وحسن غيابها فى النمل ؟

            نحتاج للإجابة على هذا السؤال إلى ذكر (السباقات):
            طـــــه : (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً)
            القصص: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً)

            ونحتاج أيضـًا من القارئ ألا يقرأ قراءة صامتة، بل يرفع صوته بالقراءة. يقرأ الآيتين مرة كما هما، ويقرأهما مرة أخرى بحذف (امكثوا).

            نلاحظ أنه قبل كلام موسى لأهله فى طه: (إذ رأى نارًا فقال لأهله) فلو أتت بعدها مباشرة (إنى آنست نارًا) لكان تكرار النار قريب العهد. فورود (امكثوا) أطالت المهلة. وأما غيابها من النمل، فلأنه ليس فيها سبق ذكر للنار قبل كلام موسى لأهله:
            النمل: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا).

            ولا يفوتنا التوازى الحاصل بين وظيفة (امكثوا) ومعناها، فإن المكث هو اللبث والانتظار.

            ويؤكد ما قلنا، أن العبارة التى تلى عبارة (إنى آنست نارًا) تخلو دومًا من ذكر النار.
            طـــــه : (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ)
            القصص: (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ )
            النمـــل: (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ)

            مما يقوى القول بأن تكرار لفظة دون مهلة لم يكن مرادًا للقرآن أبدًا هنا.

            ==================================================


            قلنا إن (امكثوا) زيادة تشديد فى التنبيه على عدم ذهاب أهل موسى معه للنار. ومن ناحية أخرى فإن المكث لغة هو اللبث والانتظار، أى أن موسى يحتاج إلى وقت للذهاب والإتيان فامكثوا حتى آتيكم.

            فلما غابت (امكثوا) عن النمل، لاحظنا:
            - أن (آتيكم) تكررت مرتين.
            - وأن (لعلى) حل محلها (السين) فى (سآتيكم).

            فأما تكرار (آتيكم) فيزيد فى التشديد على ذهاب موسى وحده. وهذه الزيادة تعوض الزيادة التى غابت مع غياب (امكثوا).

            ولو حذفنا (لعلى) عن (آتيكم) دون زيادة (السين) لضعف معنى الاستقبال. ألا ترى عبارة (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) وعبارة (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، دائرة الاستقبال هنا ضعيفة جدًا، وهى مناسبة لأصحاب القولين، لأنهما يريدان سرعة الإتيان حتى كأنه كالحضور. لكن موسى عليه السلام ما أراد السرعة مطلقـًا، فأتت (لعلى) تعطى هذه الفسحة المستقبلية، وتعضد (امثكوا) التى تفيد بذاتها اللبث والانتظار، مما يعنى طول الوقت نسبيًا.

            فلما غابت (امكثوا) و(لعل) عن النمل قبل (آتيكم) أتت (السين) (سآتيكم) لتعوض وتعطى معنى الاستقبال مع فسحة فى الوقت؛ لأنها حرف تنفيس واستقبال كما يقول النحاة. قال ابن هشام: (ومعنى التنفيس التوسيع؛ فإن هذا الحرف ينقل الفعل عن الزمن الضيق وهو الحال إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال)[مغنى اللبيب 1/869]. وقال: ("السين" موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر)[1/870]. ولذلك قال الشوكانى: ("سآتيكم منها بخبر" السين تدل علي بُعد مسافة النار)[فتح القدير 4/126]. فتأمل كيف أحس الشوكانى من (السين) فى (سآتيكم) بمثل المعنى الذى نتج عن اجتماع (امكثوا) و(لعلى).

            ==================================================


            والله تعالى أعلى وأعلم، بغيبه وأحكم.

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #7
              هناك فرق بين مجرد الاختلاف وبين التناقض.

              فمجرد الاختلاف بالزيادة والنقص وتغير المعنى دون تناقضه .. كل ذلك لا عيب فيه. وإنما العيب فى التناقض مع عدم إمكان الجمع بين العبارتين المتناقضتين.

              وبالنسبة للأناجيل، فلا عيب فى أن يرووا القصة الواحدة بعبارات مختلفة بالزيادة والنقص وتغير المعنى دون تناقضه. لأن النصارى لا يؤمنون بأن كل لفظ اختاره الله دون الكاتب. وإنما لهم عدة نظريات فى تفسير الوحى، جلها ـ إن لم يكن كلها ـ تورد احتمال الخطأ والتناقض فى الكتاب المقدس. لكن يشيع بين النصارى القول بأن المعنى لله واللفظ للكاتب. ومنهم من يجعل الاختيار الكلى للكاتب، ومنهم من يجعل اختيار الكاتب محدودً باختيار الله. فتظهر شخصية الكاتب من ناحية، ويكتسب العصمة عن الخطأ من ناحية أخرى. فالظاهر ـ والله أعلم ـ أنه لا يضرهم وقوع الاختلاف فى ألفاظ العبارة المقولة الواحدة. اللهم إلا أن يبدأ الحوار فى معنى الوحى عندهم، وهذا أمر آخر.

              وأما التناقض والخطأ، فمرفوضان تمامـًا فى كتاب يُدعى له أنه من عند الله. ولا يهمنا بأى معنى يفسر النصارى الوحى. فلو تنزلنا معهم إلى أن المعنى لله واللفظ للكاتب، للزم حتمـًا إصابة المعنى وسلامته من الخطأ وعدم تناقضه، وإلا كان المعنى ليس من الله، لأن الله لا يقع منه الخطأ أو التناقض بحال، سبحانه وتعالى وعز وجل. ولو تنزلنا مع الآخرين القائلين بأن اختيار الكاتب محدود باختيار الله، فالأمر معهم أظهر، فالخطأ والتناقض ممتنع فى الأناجيل وغيرها إذا كانت من عند الله. ويكفى الخطأ الواحد أو التناقض الواحد لإبطال حجية الكتاب كله.

              والمقصود أن الجواب عن شبهة الاختلافات اللفظية فى القرآن، لا ينفع فى دفعها الاحتجاج بالاختلافات اللفظية للأناجيل وغيرها، لأن مصدر القرآن واحد، ومصادر الأناجيل متعددة. ومصدر حروف القرآن هو رب العزة، ومصدر حروف الأناجيل وغيرها للبشر دخل فيه واختيار.

              اللهم إلا أن نحتج عليهم باختلافات لفظية لقول واحد على لسان كاتب واحد. لا لنثبت خطأ كتبهم، كلا، فالاختلافات ليست عيبـًا كما قدمنا، ولكن لنلزمهم بقبول نفس الاختلافات فى العبارات القرآنية.

              والمقصود أيضـًا أن الاحتجاج على النصارى يكون بالأخطاء والمتناقضات الموجودة فى كتابهم، لا بمجرد اختلاف العبارات وتغير المعانى دون تعارض. ولا ينفع منهم ساعتها أن يحتجوا علينا بالاختلافات اللفظية فى العبارات القرآنية، لأن عبارات القرآن تخلو من الخطأ والتناقض بعكس عبارات الكتاب المقدس.

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #8
                فائدة مهمة



                قال د. عبد العظيم المطعنى فى كتابه (خصائص التعبير القرآنى): ( لماذا اختلفت أساليب الحكاية والمحكى عنه واحد ؟ ) [1/365].

                قال: (الجواب: أولاً: أن الاختلاف راجع فى الأغلب إلى اختلاف الأحوال. ففى كل عبارة جاءت على نهج معين رعاية ومناسبة لمقام الحديث. ويتصل بهذا المظهر من مظاهر التحدى حيث يكون المعنى الأصل واحدًا، وتحدث بتكراره زيادات ومعان ثانية لم يزدد بها إلا حلاوة وطلاوة، على خلاف المعهود فى بلاغة الناس، فإن التكرار فيه يعرضه للقوة والضعف والتهافت، وإن وُفِّق فى موضع خُذل وسقط فى موضع آخر.

                ثانيـًا: الفروق اللفظية التى يجىء عليها المكرر، عندما نبحث عن أسرارها، يتجلى لنا بوضوح: لماذا آثر القرآن لفظـًا على لفظ، وأسلوبـًا على أسلوب ؟ مما يؤدى فى النهاية إلى الإقرار اليقينى بإعجاز القرآن.

                ثالثـًا: يقول الإمام البقاعى فى تفسيره سورة البقرة: "إن المقصود من حكاية القصص فى القرآن إنما هى المعانى، فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميعها ولم يكن هناك تناقض. فإنها كانت حين وقوعها بأوفى المعانى، ثم إن الله تعالى يعبر لنا فى كل سورة بذكر القصة فيها بالألفاظ المناسبة للمعانى، ويطرح ما لا يقتضيه المقام).[خصائص التعبير 1/365، 366].

                المصدر: خصائص التعبير القرآنى وسماته البلاغية، تأليف د. عبد العظيم المطعنى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 1413هـ/ 1992م.

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #9
                  الموضع الثالث: مَن قال: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} فرعون أم الملأ ؟


                  قال ابن الزبير الثقفى (ت 708هـ) فى كتابه (مِلاك التأويل): (الآية السابعة عشرة قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ ... (113)}الأعراف. وقال فى الشعراء: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ ... (38)}. فى هذا أربع سؤالات: أولها قوله تعالى فى الأعراف: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ} وفى الشعراء: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ})[1/560].

                  وقال رحمه الله: (والجواب عن الأول: أنه لا توقف فى أن موسى عليه السلام خاطب فرعون وملأه، وأنه أُمر بخطابهم، وإليهم أُرسل. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (97)}هود. وأنه لما دعاهم لتصديقه والإيمان به جاوب فرعونُ وجاوب ملؤه بقول فرعون: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}، إنما قاله لملئه ولمن حضره، ثم قال ذلك ملؤه لحاضريهم وبعضهم لبعض.

                  وإذا وضح أن ذلك القول صدر من فرعون وقاله أيضـًا ملؤه، بقى السؤال عن وجه اختصاص كل سورة بما خصت به ؟

                  والجواب: أنه لما تقدم فى سورة الأعراف قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (103)}، فوقع ذكر الملأ مبعوثـًا إليهم مع فرعون، ناسب ذلك أن يُذكروا فى الجواب، حتى يكون فى قوة أن لو قيل: (بُعث إليهم وخوطبوا فقالوا)، ولم يكن ليناسب: (بُعث إليهم فقال فرعون).

                  ولما تقدم فى سورة الشعراء قوله: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ (16)}، ثم جرى ما بعد من المحاورة ومراجعة الكلام بين موسى عليه السلام وفرعون، ولم يقع الملأ هنا، ناسب ذلك قوله: (قال فرعون)؛ لأنه الذى راجع وخوطب. فجاء كل على ما يناسب.

                  فإن قيل: فقد قيل فى الأعراف: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (103)}، فقدم فرعون فهو أعمد من الملأ لأنهم أتباعه وآله، فلِم لم يبنِ الجواب على ذلك فيقال: (قال فرعون) ؟

                  فالجواب: أنه لو قيل: (قال فرعون) لبقى التشوف إلى تعريف قول الملأ وهم قد بُعث إليهم وخوطبوا، ولا بد من تعرف جوابهم، وبه يحصل تعرف جوابه هو؛ لأنه إله، وتابعوه إنما يتكلمون غالبـًا بما يريده ويصدر عنه ويبدأ به، وقد تبين ذلك فى سورة الشعراء، وأن فرعون خاطبهم، وذلك فى قوله تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ (34)} فجاوبوا، فحصل من جوابهم جوابه، ولو جاوب هو وسكت ملؤه لأمكن أن يكونوا قد استوضحوا الحق وخالفوا فرعون كما جرى للسحرة وقد كانوا ناصرين لفرعون ومَن معه. فجاء جواب الملأ منصوصًا، وحصل منه جواب متبوعهم، ولم يكن ليحصل من جوابه على انفراده، وحصلت مناسبة ما تقدم من قوله: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (103)}الأعراف.

                  فإن قلت: فقد ورد فى الشعراء جوابُ فرعون دون جواب ملئه ؟

                  فالجواب: أنه قد جاوبوا بعد. وذلك أنه لما خاطب فرعونُ ملأه الأقربين، وألقى إليهم ما اعتقده بضلاله فى أمر نبى الله موسى عليه السلام، واستشارهم بقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)}، وجاوبوه بموافقته العائدة على جميعهم بالخسران المبي، بيّن ذلك قوله تعالى مخبرًا عنهم: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ (34)}، وهذا يوضح أن جوابهم فى الأعراف مبنى على استطلاع ما عنده، وسماع ذلك منه، كما وضح هنا. ثم روعى تناسب النظم والتقابل كما تقدم.

                  فقد تبين أن الوارد فى سورة الشعراء لم يكن ليناسب المتقدم فى سورة الأعراف، ولا الوارد فى سورة الأعراف ليناسب ما تقدم فى سورة الشعراء بوجه، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}النساء)[2/561-563].

                  المصدر: مِلاك التأويل القاطع بذوى الإلحاد والتعطيل فى توجيه المتشابه اللفظ من آى التنزيل، لابن الزبير الثقفى الغرناطى، تحقيق سعيد الفلاح، دار الغرب الإسلامى، بيروت، ط 1، 1403هـ/ 1983م.

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #10
                    جزاك الله خيراً أخي الفاضل..

                    شكراً لك أخي القدس 2004 وأحبك الذي أحببتني فيه..


                    ما تكرمتَ ببيانه فيه نظَر، فالقرآن الكريم تعبير عن القصة بلغة ربانية إلهية

                    تأمَّل كلام الدكتور دراز في كتابه النبأ العظيم ( ص90-92)
                    " والقرآن الكريم لم يبتكر شيئاً جديداً في ألفاظ اللغة، ولا في أوضاعها وتراكيبها، ولكن الأمر أمر حسن الاختيار في تلك الألفاظ والأوضاع أيها أحق بأن يسلك في تأدية الغرض.
                    ذلك أن الغرض الواحد يؤدى على طرائق شتى، يتفاوت حظها في الحسن والقبول: "ففي اللغة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وفيها العبارة والإشارة، والفحوى والإيماء، وفيها الخبر والإنشاء، وفيها الجمل الاسمية والفعلية، وفيها النفي والإثبات، وفيها الحقيقة والمجاز، وفيها الإطناب والإيجاز، وفيها الذكر والحذف، وفيها التعريف والتنكير، وفيها التقديم والتأخير، وهلم جراً ... ومن كل هذه المسالك ينفذ الناس إلى أغراضهم غير ناكبين بوضع منها عن أوضاع اللغة جملة، بل هم في شعابها يتفرقون، وعند حدودها يلتقون.
                    بيد أنه ليس شيء من هذه المسالك بالذي يجمل في كل موطن، وليس شيء منها بالذي يقبح في كل موطن، إذن لهان الأمر على طالبه، ولأصبحت البلاغة في لسان الناس طعماً واحداً، كلا، فرب كلمة تراها في موطن ما كالخرزة الضائعة، ثم تراها بعينها في موضع آخر كالدرة اللامعة، فالشأن إذن في اختيار هذه الطرق أيها أحق بان يسلك في غرض غرض، وأيها أقرب توصيلاً إلى مقصد مقصد..
                    والقرآن الكريم هو القمة في حسن هذا الاختيار، سواء في ذلك الألفاظ المفردة، باعتبارها اللبنات التي تصاغ منها الجملة، ويتكون الأسلوب، أو طريقة تركيب الألفاظ وصياغة العبارة، "فهو يتخير أشرف المواد وأمسها رحماً بالمعنى المراد، ويضع كل مثقل ذرة في موضعها الذي هو أحق به ".

                    وكي يتبين لك ما أريد انظر نقدي لهذه الشبهة، بخاصة ما تحته سطر:

                    خامساً: تناقضات مزعومة في قصة سيدنا لوط :

                    ما كان جواب قومه ؟ " جواب قوم لوط في سورة الأعراف (7/82) مختلف عن سورة العنكبوت (29/29) ففى سورة الاعراف(وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ {82} فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ {83} وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ {84} وجاء فى سورة العنكبوت(وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ {28} أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{29} ".

                    الجواب:

                    في البداية يجب بيان أن القرآن الكريم يقص ما يجري في قصص السابقين بلغة معجزة وأسلوب فريد، ناقلاً مكنونات الأشخاص بأبرع مما يستطيعون وصفه هم ذاتهم.
                    مثلاً: لو كان القرآن الكريم نقَلَ حرفيا كلام النملة، في قوله تعالى على لسانها: " يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " [النمل: 18] لكان ما في الآية الكريمة من إعجاز بياني [1] أو علمي [2] يجب أن يُنسَبَ إلى النملة، وهذا لا يقول به أحد.
                    ومثله نقلُ القرآن الكريم عن الأنبياء الكرام وأتباعهم، والشيطان وأوليائه.. فما في القرآن الكريم من كلام منسوب إلى أولئك، ما هو إلا تعبير بياني، عن أحوالهم وما يختلج صدورهم من أحاسيس، وما يصدر عنهم من مواقف، بأفصح الكلام وأعذب النظم.


                    كما أن ما كان جواباً أمام جماعة ونادٍ من قوم سيدنا لوط ، لا يشترط بالضرورة أن يكون جواباً أمام جماعات وأندية الأخرى. وجاء التعبير كأنه جوابهم كلهم؛ لأنهم يوافقونهم، في الكفر والخُلُق والموقف من الدعوة، فعاقر ناقة صالح  واحد، ولكنهم كلهم اشتركوا في عقرها: " فَعَقَرُوْهَا " [الشمس: 14] لموافقتهم على ذلك..
                    وسياق الآيتين الكريمتين يُبين موقفين مختلفين، كل موقف منها في مجلس:
                    المجلس الأول: تحدثت عنه سورة الأعراف، عندما قال لهم فيه: " إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(81) " فكانت نتيجة ذلك الحوار: " وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82) ".
                    المجلس الثاني: تحدثت عنه سورة العنكبوت، عندما قال لهم فيه: ".. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ(28)أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ.. ". فكانت النتيجة: " فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(29) ".
                    والنبي ـ أي نبي ـ لا يحاور قومه مرة واحدة فقط، بل مرات ومرات.. في مجالس متفرقة، وبألفاظ مختلفة في كل مرة دفعاً للسأم، وزيادة في التشويق، وتبليغاً لمعانٍ جديدة، وبلاغاً لأكبر عدد من المخاطَبين..



                    ==========================
                    أخي متعلم...

                    ما تكرمتَ ببيانه كان ما ذكرتُه في أحد أندية الحوار الديني قبل حوالي سنة، وأثبتهُّ في أصل الرسالة، ولكن الدكتور المشرف اعترض بأن ( سآتيكم ) ظن راجح، بينما (لعلي) تردُّد بين مرين متساويين.
                    أي: ترجَّح ل موسى عليه السلام الذهاب [ فقال (سآتيكم) وكان أقرب إلى الجزم بنسبة تزيد عن 50% .
                    بينما لعلي أقرب إلى 50% فما دون.

                    على كل حال، وجدت في أرشيف رسالتي (قبل تعديلات المشرف ) الرد التالي.


                    الجواب: قال ذلك كله.
                    وحتى تكتمل صورة ما تريده الآيات الكريمة، ينبغي فهم سياق الآيات وفق مجريات أحداث القصة. فالقرآن الكريم يريد لنا أن نتخيل رحلة سيدنا موسى  مع أهله في الصحراء ليلاً، حيث الوحشة وظلمة الليل وبرده، وخوف سيدنا موسى  على أهله، وخشيته من التيه في الصحراء..
                    فلما رأى سيدنا موسى  ناراً، أنِس بها، وأراد الذهاب إليها ليأخذ جذوة منها.. وكان بين خيارين: إما أن يأخذ أهله، أو يتركهم في مكان أمين ويذهب هو إلى مصدر النار.
                    ترجَّح لديه الخيار الثاني؛ حمايةً لأهله من المجهول. فبقيت العقبة الأخيرة، وهي إقناع أهله بالبقاء لوحدهم في ليل الصحراء الموحش.
                    قرر سيدنا موسى  استعمال الأسلوب المتدرج الحكيم.. ليغالب نوازع الخوف عنده وعند أهله.. كما يلي:
                    1. سار مع أهله قليلاً وقال لأهله: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " [النمل: 7]. لم يقل لهم: " امكثوا " في البداية، بل اقتصر حديثه معهم عن فائدة النار التي يريد الحصول على شهاب منها.. فلو قال ذلك مباشرة، لكان الرفض القاطع من أهله؛ خوفاً ووحشةً.
                    2. ثم سار قليلاً معهم وقال: " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ " [القصص: 29].
                    3. ثم سار قليلاً وقال " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَىً " [طه: 9]. وكرر " امْكُثُوا " مرتين، لما في ذلك تأثير على العقل اللاواعي لأهله، بحيث يبدو الأمر بالنسبة إليهم طبيعياً، معززاً ذلك بأعظم فائدة مرجوة من تلك النار ـ في ذلك الظرف ـ فائدة الهداية.. وكان من نتيجة هذا الأسلوب الحكيم منه  أن وافق أهله، فتركهم وذهب إلى ما ظن انه مصدر النار.
                    فالموقف ذاك يحتاج تدرجاً حكيماً، في تعداد فوائد النار المرجوة، والاقتراب إلى أقرب (مسافة آمنة) مع أهله من مصدر النار، ولولاه لما وافق أهله.
                    وقد اختار من كل موقف من مواقف القصة، ما يناسب سياق آياتها.
                    =================


                    وبعد إضافة ما تكرم به الإخوة سيكون كما يلي، فأرجو بيان ردكم:


                    الجواب: قال ذلك كله.
                    وكلام سينا موسى  مع أهله يشمل جميع المعاني التي تفيدها الآيات الثلاث، ثم اختصت كل آية بما يخدم الغرض الذي سيقت لأجله القصة.
                    وحتى تكتمل صورة ما تريده الآيات الكريمة، ينبغي فهم سياق الآيات وفق مجريات أحداث القصة. فالقرآن الكريم يريد لنا أن نتخيل رحلة سيدنا موسى  مع أهله في الصحراء ليلاً، حيث الوحشة وظلمة الليل وبرده، وخوف سيدنا موسى  على أهله، وخشيته من التيه في الصحراء..
                    فلما رأى سيدنا موسى  ناراً، أنِس بها، وأراد الذهاب إليها ليأخذ جذوة منها.. وكان بين خيارين: إما أن يأخذ أهله، أو يتركهم في مكان أمين ويذهب هو إلى مصدر النار.
                    ترجَّح لديه الخيار الثاني؛ حمايةً لأهله من المجهول. فبقيت العقبة الأخيرة، وهي إقناع أهله بالبقاء لوحدهم في ليل الصحراء الموحش.
                    قرر سيدنا موسى  استعمال الأسلوب المتدرج الحكيم.. ليغالب نوازع الخوف عنده وعند أهله.. كما يلي:
                    1. سار مع أهله قليلاً وقال لأهله: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " [النمل: 7]. لم يقل لهم: " امكثوا " في البداية، بل اقتصر حديثه معهم عن فائدة النار التي يريد الحصول على شهاب منها.. فلو قال ذلك مباشرة، لكان الرفض القاطع من أهله؛ خوفاً ووحشةً.
                    ولما كانت النار بعيدة في تلك المرحلة من السَّير، استعمل سين التسويف " سآتيكم "، فالسين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر.[3]
                    2. ثم سار قليلاً معهم وقال: " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ " [القصص: 29].
                    3. ثم سار قليلاً وقال " امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَىً " [طه: 9]. وكرر " امْكُثُوا " مرتين، لما في ذلك تأثير على العقل اللاواعي لأهله، بحيث يبدو الأمر بالنسبة إليهم طبيعياً، معززاً ذلك بأعظم فائدة مرجوة من تلك النار ـ في ذلك الظرف ـ فائدة الهداية.. وكان من نتيجة هذا الأسلوب الحكيم منه  أن وافق أهله، فتركهم وذهب إلى ما ظن انه مصدر النار.
                    فالموقف ذاك يحتاج تدرجاً حكيماً، في تعداد فوائد النار المرجوة، والاقتراب إلى أقرب (مسافة آمنة) مع أهله من مصدر النار، ولولاه لما وافق أهله.
                    وقد اختار من كل موقف من مواقف القصة، ما يناسب سياق آياتها. [4]




                    ---------------------
                    [1] قال السيوطي في الإتقان، ص587 (النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب): " جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسًا من الكلام‏:‏ نادت، وكنَّت، ونبَّهت، وسمعت، وأمرت، وقصَّت، وحذَّرت، وخصَّت، وعمَّت، وأشارت، وعذرت‏.‏ فالنداء: يَا. والكناية‏:‏ أيّ. والتنبيه: هَا. والتسمية: النَّمْلُ. والأمر: ادْخُلُوا. والقصص: مَسَاكِنَكُمْ. والتحذير: لَا يَحْطِمَنَّكُمْ. والتخصيص: سُلَيْمَانُ. والتعميم: وَجُنُودُهُ. والإشارة: وَهُمْ. والعذر: لَا يَشْعُرُونَ [وفي ذلك تأدب مع مقام النبوة؛ لأنه تنزيه لسليمان  وجنوده عن إرادة الفساد]. فأدت خمسة حقوق‏:‏ حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان "‏.‏
                    [2] عبّرت النملة عن قتل النمل دهساً: بالتحطيم (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ)، والتحطيم يُقال للشيء الذي يتكسر تكسيراً ـ لا ذوباناً ولا هرساً ولا تمزيقاً ـ إن تعرَّضَ للضغط (من أقدام الجنود). فالنملة تنتمي إلى رتبة من الحشرات تسمى (غشائية الأجنحة)، وهذه الرتبة يتكون جسم أفرادها من مادة (السليكون)، وهو العنصر الأساس للألواح الزجاجية. انظر: مقال بعنوان: من أسرار مجتمع النمل، إعداد: اللؤلؤ المنثور، مجلة آيات، عدد3، سنة1، شباط 2004م، عمّان.
                    [4] انظر: مغني اللبيب، ابن هشام 1/252 (الباب السابع)، وقال الشوكاني في فتح القدير: " سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَر ": " السين تدلّ على بُعد مسافة النار ".
                    [5] ذُكِرَت كلمة (تصطلون) ـ أي: تستدفئون ـ في سياق القصص والنمل، ولم تذكَر في سياق طه؛ لأن غرَض سورة طه مِن بدايتها الحديث عن الاطمئنان من الخوف، والسلامة من الشقاء. قال تعالى: " طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى(2) ". وتكرر ما اشتق من الجذر خوف فيها سبع مرات في الآيات (21 و45 و46 و67 و68 و77 و112) والآيات الكريمة كلها في سياق قصة سيدنا موسى  عدا الأولى والأخيرة.
                    في المقابل: انفردت بذكر الهدى، وقد تكرر ما اشتق من الجذر (هدي) عشرة مرات، في الآيات (10 و47 و50 و79 و82 و122 و123 (مرتين) و128 و135)، والآيات الأربع الأولى منها في سياق قصة سيدنا موسى .
                    ومَن يتأمل سياق القصة في السوَر الكريمة، يجد مزيداً من ذلك.
                    شبهات حول القرآن الكريم

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #11
                      مع حسن عرضك أخى الحبيب (رحيم) ما زلت لا أرى طريق التدرج كوسيلة للجمع.

                      أولاً: التدرج معناه التسليم بوجود تعارض بين الآيات فاحتجنا إلى القول بالتدرج كطريق للجمع. والتدرج فى ذلك يشبه طريق النسخ تقريبـًا لو تأملت. ومعلوم أننا عند الجمع بين النصوص نراعى الترتيب، والأولى دومـًا اعتبار نفس الآيات تعبر عن قول واحد، لأن هذا هو الأصل فى الحياة وأحداثها، فلا يصار إلى غير طريق الجمع التقليدى إلا بدليل أو لوجود مانع كالتعارض الظاهر. ولا أرى دليلاً على القول بالتدرج، ولا مانعـًا من تعارض أو غيره.

                      ثانيـًا: التعارض المظنون بين (لعلى آتيكم) و( سآتيكم) لا يوجد إلا عند من ألزم نفسه بأن معنى (لعل) فى اللغة لا تحمل إلا على الشك، وقد نقلت عن أهل اللغة والنحو أنها تأتى بمعنى الشك وغيره، وفى كلامهم وغيره نصوص لا تحتمل مجىء (لعل) بمعنى الشك أبدًا. فلم يبق إلا زعم الجزم فى (سآتيكم)، وقد بينا أنه عليه السلام لا يستطيع الجزم بالحصول على ما يريد وهو لا يملكه، والتركيب فى العربية لا يفيد الجزم المزعوم. والجزم قدر زائد على الكلام العادى الذى يفيد النية، كما أن الشك قدر أقل عن الكلام العادى. فإذا انتفى التعارض، لم تعد بنا حاجة إلى القول بالتدرج لأنه خلاف الأصل، ولا دليل عليه.

                      ثالثـًا: حاولت مثلك تقليب القول بالتدرج وإعادة ترتيب الآيات، بالرغم من عدم حاجتنا للقول به، ولكن قد يحتمل الأمر أكثر من احتمال. ولكن كلما حاولت إعادة الترتيب وجد عوائق تحول دون القول بالتدرج. ومن العوائق التى تقف أمام ترتيب الأخير ما يلى:

                      منها: أن تكرار (امكثوا) معناه عدم استجابة الأهل للأمر الأول.

                      ومنها: أن مجىء آية طه فى نهاية المطاف مشكل؛ لأن ظلال الآية رخيمة لمناسبة سياق طه، فيظهر فيها نوع لين فى المعنى إذا قورنت بما قبلها، ومعلوم أن النهاية يجب أن تكون حاسمة قوية. وقد ظهر اللين فى التعبير عن جزء النار بلفظة (قبس) فى مقابل (شهاب قبس) فى النمل و(جذوة من النار) فى القصص. كذلك ظهر اللين فى غياب (تصطلون) من طه، والمفروض أن تجمع نهاية المطاف كل المعانى وأقواها لمناسبة حسم الأمر.

                      ومنها: أن ترتيبك استلزم أن تعلل غياب (امثكوا) من النمل بعدم مواجهته عليه السلام للأهل صراحة بأمر ذهابه وحده. وهذا لا يستقيم؛ لأن (امثكوا) وإن غابت، فقد حل ما يحل محلها، وهى (السين) فى (سآتيكم) التى تفيد شيئـًا من التأخير، فعلام سيتأخر عليه السلام إن لم يكونوا معه ؟ وتكرار (آتيكم) عوضت أيضـًا لأنها أكدت أمر ذهابه وحده. مع العلم أن أمر ذهابه وحده قرره صراحة عليه السلام بقوله (آتيكم) ولو لم يزده، لأن معناها (أذهب وآتيكم)، ولو كانوا معه لما صح قوله (آتيكم). فتبين أن تعليل غياب (امثكوا) من النمل لا يستقيم.

                      وبالجملة، فعند التأمل فى أى ترتيب تختاره، ستجده نوع تحكم، يمكن لأى معترض القول بخلافه.

                      رابعـًا: المقدمة الإنشائية (فالقرآن الكريم يريد لنا أن نتخيل رحلة سيدنا موسى ? مع أهله في الصحراء ليلاً، حيث الوحشة وظلمة الليل وبرده، وخوف سيدنا موسى ? على أهله، وخشيته من التيه في الصحراء) هذه المقدمة لا تنطبق على كل السياقات وبخاصة سياق طه، الذى أوغل فى الإيناس حتى رفض ذكر خوفه عليه السلام من العصا التى تحولت إلى حية، وحتى رفض (تصطلون) التى تستحضر معاناة البرد، وحتى رفض كل ما يمت للشقاء بصلة، فلا ينطبق عليه أنه يستحضر لنا الوحشة والظلمة والبرد والخوف.

                      خامسـًا: لم تنفرد طه عن القصص والنمل بلفظة الهدى ومشتقاتها. بل لم يزد نصيبها عن (10) فى مقابل (11) للنمل، و(12) للقصص. على أن العبرة ليست بمجرد ورود اللفظة أو مشتقاتها، وإنما الفارق يحصل بافتراق المعانى التى سيقت اللفظة لتقريرها، والإيحاءات التى تشيعها. والخصائص الأسلوبية لكل سورة لا تستلزم تفرد السورة بكل واحدة من خصائصها، وإنما التميز يحصل بالصورة الكلية، وإن اشتركت بعض خصائصها مع بعض خصائص سورة أخرى. وهذا كما أن لون عين إنسان تتشابه مع لون عين آخر، مع بعد الفارق بين الشكلين فى الصورة الكلية.

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #12



                        الاخوة الافاضل
                        السلام عليكم و رحمة الله
                        اشكر الاخ كاتب الشبهة و الاخ ابو حبيبة و ارجو ان اكون عند حسن ظنه
                        و تحية خاصة للدكتور هشام و اخبره انى ادرك تماما ما يهدف اليه .
                        و تحية خاصة اخرى الى الاستاذ متعلم و لعل ما كتبته فى ردى يحوز اعجابه و له كل التقدير و الاحترام.

                        هذه الشبهة لها رد قديم عندى فعلا احتفظ به لانه الرد الوحيد الذى اعترف فيه محاورى النصرانى و اقتنع ببطلان شبهته التى وضعها . و سارفق النص الاصلى للحوار فى هذه الشبهة و ساضع ملخص الرد هنا :

                        ملخص الرد:

                        لم اجد اى اختلاف فى الايات الثلاث التى ذكرتها و لا يوجد اى تناقض بين النصوص الثلاثة .

                        تلاحظ ان الايات الثلاثة بها حرف لعل و حتى لو اتى فى اماكن مختلفة و لكنه يفيد التمنى فى الايات الثلاث فلا تناقض هنا ايضا .


                        و لا يوجد اختلاف او تناقض كل اية تذكر جزء من الحوار و اختلاف الجزء المروى من الحوار مرتبط بموقعه من الايات و مناسبة السورة نفسها الخلاصة لا يوجد اى تناقض او اختلاف .

                        و اليك اولا ما وجدته فى كتاب البرهان فى توجيه متشابه القران للكرمانى المتوفى 505 هجرية و يتحدث عن نفس الايات التى ذكرتها و يقول بالحرف بعد ذكر الايات الثلاث

                        هذه الايات تشمل على ذكر رؤية موسى للنار و امره اهله بالمكث و اخباره انه آنس نارا و اطماعهم ان ياتيهم بنار يصطلون بها او بخبر يهتدون به الى الطريق التى ضلوا عنها .
                        و فى النمل نقص ذكر رؤية النار و امر اهله بالمكث اكتفاء بما تقدم و زاد فى القصص سير موسى باهله الى مصر لان الشىء قد يجمل و يفصل و العكس .
                        و فى طه قال او اجد على النار هدى اى اجد من يخبرنى بالطريق فيهدينى اليه .
                        و كرر لعلى فى القصص لفظا و فيهما معنى لان او فى قوله او اجد على النار نائب عن لعلى و كلمة ساتيكم تتضمن معنى لعلى . انتهى الاقتباس

                        و المعنى باختصار ان ساتيكم تعنى لعلى اتيكم و كما ذكر الكرمانى المعنى فى الثلاث ايات هو كالتالى
                        موسى عليه السلام راى النار عن بعد امر اهله بالمكث
                        امله او طمعه فى الحصول على احد يدله على الطريق او يحصل على جذوة من النار

                        و هذه هى القصة و هى الموجودة فى الايات الثلاث بلا اى تناقض .
                        و كما تلاحظ حرف او موجود فى الايات الثلاث و حرف لعل كذلك و موسى عليه السلام يتمنى احد امرين الهدى اى من يدله على الطريق او جذوة نار يستخدمها للتدفئة .
                        و اليك المكتوب فى الكشاف للزمخشرى الجزء الثالث صفحة 338
                        فان قلت سآتيكم منها بخبر و لعلى آتيكم منها بخبر كالمتدافعين لان احدهما ترج و الاخرى تيقن قلت اى الزمخشرى قد يقول الراجى اذا قوى رجاؤه سافعل كذا و سيكون مع تجويزه الخيبة .
                        و لم جاء باو بدل الواو قلت بنى الرجاء على انه ان لم يظفر بحاجته جميعا لم يعدم واحدة منها اما هداية الطريق و اما اقتباس النار ثقة بالله تعالى انه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده و ما ادراه حين قال ذلك انه ظافر على النار بحاجتيه جميعا و هما العزان عز الدنيا و عز الاخرة .
                        و المعنى باختصار من يتمنى امنية عزيزة ممكن ان يقول سافعل كذا على سبيل التمنى
                        و ابو حيان التوحيدى فى البحر المحيط الجزءالسابع صفحة53 يقول
                        كان الطريق قد اشتبه على موسى والوقت بارد و السير ليلا فتشوقت نفسه اذ راى النار وقال ساتيكم بخبر اى من شخص بجوار النار يدله على الطريق و ان لم يكن هناك من يخبره على الاقل يستصحب ما تدفؤون به اى ان موسى عليه السلام ليس محتاج الى الشيئين معا الخبر ان وجد من يرشده او يصطلى بجذوة من النار.
                        و اتى بسين الاستقبال اما لان المسافة بعيدة او انه قد يبطىء فى العودة لانه لا يعرف ما سوف يجده و لكن يعرف ما يتمنى ان يجده .
                        اما عن جذوة النار نعود الى كتاب الكرمانى و ننقل منه بالحرف
                        عندنا ثلاث كلمات جذوة نار شهاب قبس وقبس و الجذوة من النار خشبة فى راسها قبس له شهاب فهى فى السور الثلاث عبارة عن معبر واحد انتهى الاقتباس الكرمانى صفحة 174 .

                        موسى وجد النار و امر اهله بالتوقف و ذهب يتمنى شيئين ان يجد بجوار النار من يدله و يهديه الى الطريق او يجد جذوة من النار يعود بها الى اهله للتدفئة و كلا من الامرين على سبيل التمنى من موسى عليه السلام .
                        و اليك هذا الاسلوب الرياضى المبتكر مع الاحتفاظ بكافة الحقوق لتوضيح الامر لمن لم يفهم بعد.

                        سنرمز الى عثور موسى عليه السلام على شخص يخبره بالرمز خ
                        و سنرمز الى الحصول على جذوة نار بالرمز ن .
                        و حرف س يرمز الى حرف سين الاستقبال و لعل ترمز الى نفسها و حرف او يرمز الى نفسه ايضا .
                        اليك الثلاث الايات و الله المستعان و له المثل الاعلى :

                        س خ __او __لعل ن
                        لعل خ __او _____ن
                        لعل ن __او ____ خ

                        و السابق لا يحتاج الى شرح كما ترى س خ هى نفسها لعل ن و لعل خ تعادل ن و لعل ن تعادل خ .
                        الخلاصة ان موسى عليه السلام كان يتمنى ان يجد خبر او يحصل على جذوة و السين هنا تعادل لعل كما قال الزمشخرى و ابو حيان التوحيدى و لهما القول الفصل فى الامور اللغوية و البلاغية .

                        و نقطة اخرى هى كلمة ساتيكم ماذا الذى جعلك تقول انها للتوكيد هل حرف السين هو الذى يفيد التوكيد لا اعتقد ذلك حرف السين يفيد امكانية حدوث هذا الفعل فى المستقبل القريب و لكن على قدر علمى لا يفيد التوكيد و عندى اكثر من كتاب فى هذا الموضوع بحثت فى كتاب مغنى البيب لابن هشام و كتاب معجم حروف المعانى لم اجد ما يفيد ان حرف السين تفيد التوكيد بل هى تفيد الاستقبال .
                        و حينما قال ابن نوح ساوى الى جبل ليس فى ذلك اى تاكيد بل ان ظاهر النص يقول انه لم يصل الى الجبل فى واقع الامر بل حال بينهما الموج قبل ان يصل هذا الابن الى الجبل الذى قال انه سياوى اليه .
                        و اذا قلت انا مثلا سارد على موضوع نيومان هل حرف السين هنا يفيد التوكيد لا اظن ذلك و ممكن ان يحدث وممكن الا يحدث .
                        و اعتقد انك تطرفت جدا حينما اعتبرت كلمة اتيكم بمفردها تعنى التاكيد و انا لا اوافقك هنا ايضا طبعا من البديهى ان الفعل اذا كان منسوبا الى الله سبحانه و تعالى فهو فعل مؤكد لان الله سبحانه و تعالى هو الفاعل و اذا اضيف حرف السين للاستقبال مثل قوله مثلا سنريهم اياتنا الفعل فعلا مؤكد و لكن لان الله عز وجل هو الفاعل.


                        هذا هو الرد القديم و الذى اعترف فيه المحاور النصرانى ولم يكابر كالعادة و النص مرفق باذن الله الذى هو سبحانه من وراء القصد ...........

                        و الحمد لله رب العالمين

















                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #13
                          عندى مشكلة لتحميل الملف ساضعه عندما اجد وقت باذن الله
                          تحية للجميع

                          و الله من وراء القصد

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #14
                            جُزيت خيرًا أستاذنا الكريم على الفوائد والشرح.

                            فائدة: صاحب تفسير (البحر المحيط) هو أبو حيان الأندلسى (654 - 745 هـ)، وهو صاحب (ارتشاف الضرب) و(شرح التسهيل). قال عنه الذهبى فى (معجم المحدثين 1/267): (محمد بن يوسف بن علي بن حيان الإمام العلامة ذو الفنون حجة العرب أبو حيان الأندلسي الجياني ثم الغرناطي الشافعي عالم الديار المصرية وصاحب التصانيف البديعة).

                            أما أبو حيان التوحيدى (312 ـ 414 هـ) صاحب (البصائر والذخائر) و(مثالب الوزيرين)، فهو على بن محمد بن العباس البغدادى. قال عنه الذهبى فى (سير أعلام النبلاء 17/119): (الضال الملحد ... وقال أبو الفرج ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري. وأشدهم على الإسلام أبو حيان؛ لأنهما صرحا وهو مجمج ولم يصرح).

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #15
                              أكرمكم الله إخوتي بخير الدارَين، وأقرَّ أعينكم بما تحبون وهيأ لكم ما لا يخطر على قلبكم...
                              يجب هنا الاعتراف بذهولي عن مبدأ رئيس من مبادئ المناظرة وهو عدم التسليم للخصم، وأن السكوت عن أخطائه يقتضي بالضرورة الموافقة عليها.

                              ما رأيكم بهذا ؟
                              =================

                              الجواب:
                              لا يُسلَّم له بأن " السين " تفيد التأكيد، و " لعل " تفيد الظن دائماً.
                              فـ " لعل " قد تفيد معنى " كي "، [1] والسين قد تفيد الظن. [2]
                              وبهذا يكونان متقاربين في المعنى المستفاد.
                              والجمع بين الآيات الكريم كما يلي:
                              " كان الطريق قد اشتبه عليه، والوقت بارد، والسير في ليل، فتشوقت نفسه ـ إذ رأى النار ـ إلى زوال ما لحق به من إضلال الطريق، وشدة البرد. فقال: " سَآتِيْكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ " : أي من مُوقدها بخبر، يدل على الطريق. " أَوْ آتِيْكُمْ بِشِهَابِ قَبَسٍ " : أي إن لم يكن هناك من يخبر، فإني أستصحب ما تدفئون به منها.
                              وهذا الترديد بـ " أو " ظاهر؛ لأنه كان مطلوبه أولاً أن يلقى على النار من يخبره بالطريق، فإنه مسافر ليس بمقيم. فإن لم يكن أحد، فهو مقيم، فيحتاجون لدفع ضرر البرد، وهو أن يأتيهم بما يصطلون، فليس محتاجاً للشيئين معاً، بل لأحدهما: " الخبر " إن وجد من يخبره فيرحل، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام.
                              فمقصوده إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، وهو معنى قوله: " لَعَلِّيْ آتِيْكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدَ عَلَى النَّارِ هُدَىً ".
                              وجاء هنا : " سَآتِيْكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ "، وهو خبر، وفي طه: " لَعَلِّيْ آتِيْكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ "، وفي القصص : " لَعَلِّيْ آتِيْكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ " وهو ترجٍ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر، ولكن الرجاء إذا قويَ، جاز للراجي أن يخبر بذلك، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع.
                              وأتى بسين الاستقبال، إما لأن المسافة كانت بعيدة، وإما لأنه قد يمكن أن يبطىء، لما قدَّرَ أنه قد يعرض له ما يبطئه. والشهاب: الشعلة، والقبس: النار المقبوسة ـ (فعل) بمعنى (مفعول) ـ، وهو القطعة من النار في عود أو غيره ". [3]

                              كما أن الهدف الرئيس من حكاية القصص في القرآن الكريم: المعاني، فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميع المعنى ـ أو بعضه ـ ولم يكن هناك مناقضة.. ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة فيها، بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني، ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام. [4]
                              وإن أمكن الجمع ـ كما سبق بيانه في خاتمة مبحث التناقض في الفصل الأول ـ فلا تستقيم دعاوى التناقض والمخالفة.
                              فعند إمكانية التوفيق، ينتفي التناقض، وعدمُها يُثبِتُهُ. [5]
                              وذلك مثل حديث القرآن الكريم عن القِرى الذي أعده سيدنا إبراهيم  لضيفه المكرمين، ففي سورة هود قال تعالى: " فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69) "، وقال في سورة الذاريات: " فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ(26) ".
                              " جاء بعجل حنيذ: أي مشوي على حجارة محمَّاة في أخدود وفوقه حجارة محمَّاة؛ ليشتد نضجه، فكان بعد الشيِّ يقطر دسمه؛ لأنه سمين ". [6]
                              فلا عاقل يقول بتناقض الآيتين الكريمتين.

                              =================
                              [1] قال ابن فارس في كتاب الصاحبي في فقه اللغة، ص 42: " لَعَلَّ: تكون استفهاماً وَشَكّاً. وتكون بمعنى خليق..
                              وتكون بمعنى: " كي ". قال الله جلّ ثناؤه: " وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [النحل: 15] يريد: لكي تهتدوا ".
                              [2] قال الزمخشري في الكشاف 5/58: " فان قلت: " سَآتِيْكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ " و" لَعَلِّيْ آتِيْكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ " كالمتدافعين؛ لأن إحداهما ترجٍّ، والأخرى تيقُّن. قلت: قد يقول الراجي إذا قويَ رجاؤه: " سأفعل كذا، وسيكون "، مع تجويزه الخيبة ".
                              [3] البحر المحيط، أبو حيان 8/446.
                              [4] انظر: نظم الدرر، البقاعي 1/68 عند تفسير قوله تعالى: " وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .. " [البقرة: 35].
                              [5] الكليات، الكفوي، ص 306.
                              [6] نظم الدرر، البقاعي 4/177.
                              شبهات حول القرآن الكريم

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?

                              Working...
                              X