الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله
اما بعد..
قال الإمام النووي في المجموع (( 1 / 40, 41 )) فصل في النهي الأكيد والوعيد الشديد لمن يؤذي أو ينتقص الفقهاء والمتفقهين, والحث على إكرامهم وتعظيم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. قال الله تعالى ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات مغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله عز وجل قال من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب, وروى الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنها إنهما قالا : إن لم تكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي, وفي كلام الشافعي : الفقهاء العاملون, وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل, وقال ابن عساكر رحمه الله تعالى أعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة, وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة, وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب, ( فليحذر الذين يخالون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) أ هـفي هذا الموضوع نرد علي الشبهات التي اثارها الطاعنون في ابي حنيفة_رحمه الله_الشبهة الاولي: عدم تخريج البخاري ومسلم وباقي الستة له:-
قال بعضهم إن الإمام أبا حنيفة لم يخّرج له البخاري ومسلم وباقي السنن – عدا الترمذي في العلل والنسائي في حديث واحد – فهذا دليل على عدم اعتبارهم له, أو كونه ليس من علماء الحديث .
نقول أنّ علماء الحديث قد خرجوا لمن خشَوا فوات حديثه إذا تركوا روايته, ولم يرووا أو لم يكثروا عمن له تلامذة يروون حديثه ويتناقلونه, ثم إنّ الإمام كان جلُّ انصرافه لفهم الحديث ومعرفة دلالته, ومعرفة ناسخه من منسوخه ومطلقه ومقيده وعامه ومخصوصه, لا إلي رواية الحديث والتحديث به فقط, وقد قال الإمام الكوثري في تعليقه على كتاب (( شروط الأئمة الخمسة / للحافظ محمد بن موسى الحازمي ص: 60 وما بعدها )) : ومما يلفت إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا شيئاً من حديث الإمام أبي حنيفة, مع أنهما أدركا صغار أصحابه وأخذا عنهم, ولم يخرّجا أيضاً من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقيا بعض أصحابه, ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلاّ حديثين : أحدهما تعليقاً والأخر بواسطة, مع أنه أدركه ولازمه ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئاً مه أنه لازمه ونسج على منواله, ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثاً, ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي – وهو من أصح الطرق – إلا أربعة أحاديث, وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً, مع أنه جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه, وعُدَّ من وراة القديم .
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع, لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً, وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها, لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء .
ومن ظن أن ذلك كان لتحاميهم عن أحاديثهم, أو بعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة, كقول الثوري في أبي حنيفة وقول ابن معين في الشافعي, وقول الكرابيسي في أحمد وقول الذهلي في البخاري ونحوها, فقد حمّلهم شططاً, وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكاد ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً, كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً, بالنظر إلي طرق سماع الكتابين من عصور, دون طرق الإجازات, فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإجازة, كما لا يخفى على من عني بهذا الشأن .
وما قاله ابن خلدون في مقدمة تاريخه من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط الصحة لم يصح عنده إلاّ سبعة عشر حديثاً فهفوة مكشوفة, لا يجوز لأحد أن يغتّر بها, لأن رواياته على تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسب, بل أحاديثه في سبعة عشر سفراً, يسمى كل منها بمسند أبي حنيفة, خرجها جماعة من الحفاظ وأهل العلم بالحديث بأسانيدهم إليه, ما بين مقل منهم ومكثر, حسبما بلغهم من أحاديثه, وقلما يوجد بين تلك الأسفار سفر أصغر من سنن الشافعي رواية الطحاوي, ولا من مسند الشافعي برواية أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي .
وقد خدم أهل العلم تلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً وتخريجاً وقراءة وسماعاً ورواية, فهذا الشيخ محدَّث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي صاحب كتاب الممتعة في السيرة وغيرها يروى تلك المسانيد السبعة عشر عن شيوخ له, ما بين قراءة وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلي مخرجيها في كتبهم, في كتابه (( عقود الجمان )). وكذا يرويها بطرقٍ محدَّث البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في (( الفهرست الأوسط )) عن شيوخ له, سماعاً وقراءة مشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلي مخرجيها, وهما كانا زيني القطرين في القرن العشرين, وكذلك حملة الرواية إلي قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة .
ولإشباع ذلك كله مقام أخر, إنما ذكرنا هذا عرضاً إزالة لما عسى أن يعلق بأذهان بعضهم من كلام ابن خلدون, وما تلك الأسانيد والكتب عن متناول أهل العلم ببعيد, وإن كنا في عصر تقاصرت فيه الهمم عن التوسع في علم الرواية, وكتاب (( عقود الجواهر المنفية )) للحافظ المرتضى الزبيدي شذرة من أحاديث الإمام, وللحافظ محمد بن عابد السندي كتاب (( المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة )) في أربع مجلدات أكثر فيه جداً من ذكر المتابعات والشواهد, ورفع المرسل ووصل المنقطع, وبيان مخّرجي الأحاديث, والكلام في مسائل الخلاف, ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة السنة فقد ظن باطلاً! وقد جمع الحافظ العلامة قاسم بن قُطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات, وهو ممن أقرّ له الحافظ ابن حجر وغيره بالحفظ والإتقان, والله أعلم .
ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل مشتغل بالحديث أهلاً للكلام في الرجال, فإن فيهم حملة لألفاظ الحديث الشريف دون تحقيق معانيه ومعرفة دلالاته ومراميه, وأمثال هؤلاء لا يبالي بمدحهم ولا بقدحهم .
وقال الحافظ الذهبي في رسالته (( بيان زغل العلم )) : وأما المحدثون فغالبهم لا يفهمون, ولا همة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به, بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة, وإنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ, وتكثير العدد من الأجزاء والرواية, فأيّ شيء ينفع السماع على جهلة المشيخة, الذين ينامون والصبيان يلعبون, والشيبة يتحدثون ويمزحون, وكثير منهم ينعسون ويكابرون, والقارئ يصحَّف وإتقانه في تكثير ( أو كما قال ), والرضع يتصاعقون, بالله خلونا ضحكة لأولي العقول . أ هـ
وقال ابن الجوزي في كتابه (( تلبيس إبليس ص: 111, 113 )) : وأعلم أن عموم المحدثين حملوا ما يتعلق بصفات الباري سبحانه على مقتضى الحس, فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء, فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم, وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم, ويكثر السماع ولا يفهم ما حصّل, ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة, فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكافية عن فروض الأعيان, وإيثار ما ليس بمهم على المهم .
وقال الخطيب البغدادي في كتابه (( الفقيه والمتفقه ج:2 ص:81, 84 )) وأكثر من كتبة الحديث في هذا الزمان بعيد عن حفظه, خال عن معرفة فقهه, لا يفرقون بين معلَّل وصحيح, ولا يميزون بين معدل من الرواة ومجروح, ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم رسمه, ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه, مع أنهم قد أذهبوا في كتبه أعمارهم, وبعدت في الرحلة لسماعه أسفارهم, كل ذلك لقلّة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه, وعدم فقههم بما كتبوه وسمعوه, ومنعم نفوسهم عن محاضرة الفقهاء, وذمهم مستعملي القياس من العلماء, لسماعهم الأحاديث التي تعلَّق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه والتحذير منه, وأنهم لم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه, بـل سبق إلي نفوسهم محظور على عمومه, ثمّ قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم, وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم, فنقضوا بذلك ما أصَّلوه, واستحلوا ما كانوا حرموه, وحق لمن كانت هذه حاله أن يطلق فيه لقول, ويشنَّع عليه بضروب التشنيع ..يتبع باذن الله..
اما بعد..
قال الإمام النووي في المجموع (( 1 / 40, 41 )) فصل في النهي الأكيد والوعيد الشديد لمن يؤذي أو ينتقص الفقهاء والمتفقهين, والحث على إكرامهم وتعظيم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. قال الله تعالى ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب .. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات مغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله عز وجل قال من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب, وروى الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنها إنهما قالا : إن لم تكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي, وفي كلام الشافعي : الفقهاء العاملون, وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من آذى فقيهاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله عز وجل, وقال ابن عساكر رحمه الله تعالى أعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة, وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة, وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب, ( فليحذر الذين يخالون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) أ هـفي هذا الموضوع نرد علي الشبهات التي اثارها الطاعنون في ابي حنيفة_رحمه الله_الشبهة الاولي: عدم تخريج البخاري ومسلم وباقي الستة له:-
قال بعضهم إن الإمام أبا حنيفة لم يخّرج له البخاري ومسلم وباقي السنن – عدا الترمذي في العلل والنسائي في حديث واحد – فهذا دليل على عدم اعتبارهم له, أو كونه ليس من علماء الحديث .
نقول أنّ علماء الحديث قد خرجوا لمن خشَوا فوات حديثه إذا تركوا روايته, ولم يرووا أو لم يكثروا عمن له تلامذة يروون حديثه ويتناقلونه, ثم إنّ الإمام كان جلُّ انصرافه لفهم الحديث ومعرفة دلالته, ومعرفة ناسخه من منسوخه ومطلقه ومقيده وعامه ومخصوصه, لا إلي رواية الحديث والتحديث به فقط, وقد قال الإمام الكوثري في تعليقه على كتاب (( شروط الأئمة الخمسة / للحافظ محمد بن موسى الحازمي ص: 60 وما بعدها )) : ومما يلفت إليه النظر أن الشيخين لم يخرجا شيئاً من حديث الإمام أبي حنيفة, مع أنهما أدركا صغار أصحابه وأخذا عنهم, ولم يخرّجا أيضاً من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقيا بعض أصحابه, ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلاّ حديثين : أحدهما تعليقاً والأخر بواسطة, مع أنه أدركه ولازمه ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئاً مه أنه لازمه ونسج على منواله, ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثاً, ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطريق الشافعي – وهو من أصح الطرق – إلا أربعة أحاديث, وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثاً, مع أنه جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه, وعُدَّ من وراة القديم .
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع, لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقاً وغرباً, وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها, لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء .
ومن ظن أن ذلك كان لتحاميهم عن أحاديثهم, أو بعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة, كقول الثوري في أبي حنيفة وقول ابن معين في الشافعي, وقول الكرابيسي في أحمد وقول الذهلي في البخاري ونحوها, فقد حمّلهم شططاً, وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكاد ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعاً, كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعاً, بالنظر إلي طرق سماع الكتابين من عصور, دون طرق الإجازات, فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإجازة, كما لا يخفى على من عني بهذا الشأن .
وما قاله ابن خلدون في مقدمة تاريخه من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط الصحة لم يصح عنده إلاّ سبعة عشر حديثاً فهفوة مكشوفة, لا يجوز لأحد أن يغتّر بها, لأن رواياته على تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثاً فحسب, بل أحاديثه في سبعة عشر سفراً, يسمى كل منها بمسند أبي حنيفة, خرجها جماعة من الحفاظ وأهل العلم بالحديث بأسانيدهم إليه, ما بين مقل منهم ومكثر, حسبما بلغهم من أحاديثه, وقلما يوجد بين تلك الأسفار سفر أصغر من سنن الشافعي رواية الطحاوي, ولا من مسند الشافعي برواية أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي .
وقد خدم أهل العلم تلك المسانيد جمعاً وتلخيصاً وتخريجاً وقراءة وسماعاً ورواية, فهذا الشيخ محدَّث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي صاحب كتاب الممتعة في السيرة وغيرها يروى تلك المسانيد السبعة عشر عن شيوخ له, ما بين قراءة وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلي مخرجيها في كتبهم, في كتابه (( عقود الجمان )). وكذا يرويها بطرقٍ محدَّث البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في (( الفهرست الأوسط )) عن شيوخ له, سماعاً وقراءة مشافهة وكتابة بأسانيدهم كذلك إلي مخرجيها, وهما كانا زيني القطرين في القرن العشرين, وكذلك حملة الرواية إلي قرننا هذا ممن لهم عناية بالسنة .
ولإشباع ذلك كله مقام أخر, إنما ذكرنا هذا عرضاً إزالة لما عسى أن يعلق بأذهان بعضهم من كلام ابن خلدون, وما تلك الأسانيد والكتب عن متناول أهل العلم ببعيد, وإن كنا في عصر تقاصرت فيه الهمم عن التوسع في علم الرواية, وكتاب (( عقود الجواهر المنفية )) للحافظ المرتضى الزبيدي شذرة من أحاديث الإمام, وللحافظ محمد بن عابد السندي كتاب (( المواهب اللطيفة على مسند أبي حنيفة )) في أربع مجلدات أكثر فيه جداً من ذكر المتابعات والشواهد, ورفع المرسل ووصل المنقطع, وبيان مخّرجي الأحاديث, والكلام في مسائل الخلاف, ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة السنة فقد ظن باطلاً! وقد جمع الحافظ العلامة قاسم بن قُطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات, وهو ممن أقرّ له الحافظ ابن حجر وغيره بالحفظ والإتقان, والله أعلم .
ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل مشتغل بالحديث أهلاً للكلام في الرجال, فإن فيهم حملة لألفاظ الحديث الشريف دون تحقيق معانيه ومعرفة دلالاته ومراميه, وأمثال هؤلاء لا يبالي بمدحهم ولا بقدحهم .
وقال الحافظ الذهبي في رسالته (( بيان زغل العلم )) : وأما المحدثون فغالبهم لا يفهمون, ولا همة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به, بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة, وإنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ, وتكثير العدد من الأجزاء والرواية, فأيّ شيء ينفع السماع على جهلة المشيخة, الذين ينامون والصبيان يلعبون, والشيبة يتحدثون ويمزحون, وكثير منهم ينعسون ويكابرون, والقارئ يصحَّف وإتقانه في تكثير ( أو كما قال ), والرضع يتصاعقون, بالله خلونا ضحكة لأولي العقول . أ هـ
وقال ابن الجوزي في كتابه (( تلبيس إبليس ص: 111, 113 )) : وأعلم أن عموم المحدثين حملوا ما يتعلق بصفات الباري سبحانه على مقتضى الحس, فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء, فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم, وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم, ويكثر السماع ولا يفهم ما حصّل, ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة, فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكافية عن فروض الأعيان, وإيثار ما ليس بمهم على المهم .
وقال الخطيب البغدادي في كتابه (( الفقيه والمتفقه ج:2 ص:81, 84 )) وأكثر من كتبة الحديث في هذا الزمان بعيد عن حفظه, خال عن معرفة فقهه, لا يفرقون بين معلَّل وصحيح, ولا يميزون بين معدل من الرواة ومجروح, ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم رسمه, ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه, مع أنهم قد أذهبوا في كتبه أعمارهم, وبعدت في الرحلة لسماعه أسفارهم, كل ذلك لقلّة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه, وعدم فقههم بما كتبوه وسمعوه, ومنعم نفوسهم عن محاضرة الفقهاء, وذمهم مستعملي القياس من العلماء, لسماعهم الأحاديث التي تعلَّق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه والتحذير منه, وأنهم لم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه, بـل سبق إلي نفوسهم محظور على عمومه, ثمّ قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم, وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم, فنقضوا بذلك ما أصَّلوه, واستحلوا ما كانوا حرموه, وحق لمن كانت هذه حاله أن يطلق فيه لقول, ويشنَّع عليه بضروب التشنيع ..يتبع باذن الله..

îن îëéىهْ نçمùهْ?