إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

قصص الانبياء

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #46
    وقوله : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض " أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ، ويعتنيان به ، مكنا له في أرض مصر " ولنعلمه من تأويل الأحاديث " أي فهمها ، وتعبير الرؤيا من ذلك " والله غالب على أمره " أي إذا أراد شيئاً فإنه يقيض له أسباباً وأموراً لا يهتدى إليها العباد ولهذا قال تعالى : " ولكن أكثر الناس لا يعلمون "

    " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد ، وهو حد الأربعين الذي يوحى الله فيه إلى عباده النبيين ، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين

    وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد : فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم الشعبي : هو الحلم وقال سعيد بن جبير : ثماني عشرة سنة وقال الضحاك : عشرون سنة ، وقال عكرمة : خمس وعشرون سنة وقال السدي : ثلاثون سنة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاتة وثلاثون سنة وقال الحسن : أربعون سنة ، ويشهد له قوله تعالى : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة "

    " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "

    يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه ، وهي في غاية الجمال والمال ، والمنصب والشباب ، وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه وتهيأت له وتصنعت ، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها ، وهي مع هذا كله امرأة الوزير قال ابن إسحاق : وبنت أخت الملك الريان ابن الوليد صاحب مصر

    وهذا كله من أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء ، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء ، فعصمه ربه عن الفحشاء ، وحماه عن مكر النساء ، فهو سيد السادة النجباء ، السبع الأتقياء ، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء ، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله "

    والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص ، فقال " معاذ الله إنه ربي " يعنى زوجها صاحب المنزل سيدي " أحسن مثواي " أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده " إنه لا يفلح الظالمون " وقد تكلمنا على قوله تعالى : " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " بما فيه كفاية ومقنع في التفسير

    وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقي من كتب أهل الكتاب ، فالإعراض عنه أولى بنا

    والذي يجب أن يعتقد : أن الله تعالى عصمه وبرأه ، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ، ولهذا قال تعالى : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين "

    " واستبقا الباب " أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها فاتبعته في أثره " وألفيا " أي وجدا " سيدها " أي زوجها " لدى الباب " فبدرته بالكلام وحرضته عليه " قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها ، فلهذا قال يوسف عليه السلام : " هي راودتني عن نفسي " احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة

    " وشهد شاهد من أهلها " قيل كان صغيراً في المهد قاله ابن عباس ، وروى عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك ، واختاره ابن جرير ، وروى فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس ، ووقفه غيره عنه

    وقيل كان رجلاً قريباً إلى وقطفير بعلها ، وقيل قريباً إليها ، وممن قال إنه كان رجلاً : ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم

    فقال : " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين " أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه " وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك ، وكذلك كان ولهذا قال تعالى : " فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " أي هذا الذي جرى من مكركن ، أنت راودتيه عن نفسه ، ثم اتهمتيه بالباطل

    ثم أضرب بعلها عن هذا صفحاً فقال : " يوسف أعرض عن هذا " أي لا تذكره لأحد ، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن ، وأمرها بالإستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه

    وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام ، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك ولهذا قال لها بعلها ، وعذرها من بعض الوجوه ، لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله ، إلا أنه عفيف نزيه برىء العرض سليم الناحية فقال : " استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "

    " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم "

    يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة ، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ، وحبها الشديد له ، وهو لا يساوي هذا ، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن : " إنا لنراها في ضلال مبين " أي في وضعها الشيء في غير محله

    " فلما سمعت بمكرهن " أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها ، والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها ، فأظهرن ذماً وهي معذورة في نفس الأمر ، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن ، وتبين أن هذا الفتي ليس كما حسبن ، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها ، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن ، وأحضرت جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين ، كالأترج ونحوه ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً ، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام ، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة ، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة

    " فلما رأينه أكبرنه " أي أعظمنه وأجللنه وهبنه ، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم ، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن ، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح " وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم "

    وقد جاء في حديث الإسراء : " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن " قال السهيلي وغيره من الأئمة : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام ، لأن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، فكان في غاية نهايات الحسن البشري ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ، ويوسف كان على النصف من حسن آدم ولم يكن بينهما أحسن منهما ، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام
    sigpic

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #47
      قال ابن مسعود : وكان وجه يوسف مثل البرق ، وكانت إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه الناس ولهذا لما قام عذرن امرأة العزيز في محبتها لهذا المعني المذكور ، وجرى لهن وعليهن ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين ، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته

      " قالت فذلكن الذي لمتنني فيه " ثم مدحته بالعفة التامة فقالت : " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " أي امتنع " ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين "

      وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته ، فأبي أشد الإباء ، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين : " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " يعنى إن وكلتني إلى نفسي ، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطتني بحولك وقوتك

      ولهذا قال تعالى : " فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم * ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "

      يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية ، وأحمد لأمرها ، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلماً وعدواناً

      وهذا مما قدر الله له ، ومن جملة ما عصمه به ، فإنه أبعد له عن معاشرتهن ومخالطتهم

      ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة ألا تجد !

      قال الله : " ودخل معه السجن فتيان " قيل : كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل بنوا والآخر خبازه ، يعنى الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقوله له الترك الجاشنكير واسمه فيما قيل مجلث وكان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما فلما رأيا يوسف في السجن أعجبتهما سمته وهديه ، ودله وطريقته ، وقوله وفعله ، وكثرة عبادته ربه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه

      قال أهل التفسير : رأيا في ليلة واحدة أما الساقي فرأى كأن ثلاثة قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب ، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل من السلة الأعلى

      فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا : " إنا نراك من المحسنين " فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما " قيل : معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول وقيل معناه أني أخبركم بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلواً وحامضاً ، كما قال عيسى : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "

      وقال لهما : إن هذا من تعليم الله إياى ، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام : إبراهيم الخليل ، وإسحاق ويعقوب " ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا " أي أن هدانا لهذا ، " وعلى الناس " أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز ، وفي جبلتهم مغروز ، " ولكن أكثر الناس لا يشكرون "

      ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل ، وصغر أمر الأوثان وحقرها ، وضعف أمرها فقال : " يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله " أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد ، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء " أمر أن لا تعبدوا إلا إياه " أي وحده لا شريك له و " ذلك الدين القيم " أي المستقيم والصراط القويم " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره

      وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال ، لأن نفوسهما معظمة له ، منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول ، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه

      ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال : " يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا " قالوا وهو الساقي " وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه " قالوا وهو الخباز " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " أي وقع هذا لا محالة ، ووحب كونه على كل حالة ولهذا جاء في الحديث : " الرؤيا على رجل طائر على ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت "

      وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا : لم نر شيئاً ، فقال لهما : " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "

      " وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين "

      يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي : " اذكرني عند ربك " يعنى اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب

      وقوله : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " أي فأنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد وهو الصواب ، وهو منصوص أهل الكتاب

      " فلبثت " يوسف " في السجن بضع سنين " والبضع : ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل إلى السبع ، وقيل إلى الخمس ، وقيل ما دون العشرة : حكاها الثعلبي ، ويقال بضع نسوة وبضعة رجال

      ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف وقال الله تعالى : " فلبث في السجن بضع سنين " وقال تعالى " في بضع سنين " وهذا رد لقوله

      قال الفراء : ويقال بضعة عشر وبعضة وعشرون إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ، وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر ، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين وفي الصحيح : " الإيمان بضع وستون شعبة " وفي رواية : " وسبعون شعبة ، وأعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "

      ومن قال إن الضمير في قوله : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله ، وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة

      والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه ، تفرد بإسناده إبراهيم ابن يزيد الخوري المكي وهو متروك

      ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ، ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى والله أعلم

      فأما قول ابن حبان في صحيحه عند ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث : أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي ، حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا خالد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها " اذكرني عند ربك " ما لبث في السجن ما لبث ، ورحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد ، إذ قال لقومه : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " ، قال : فما بعث الله نبياً بعده إلا في ثروة من قومه "

      فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم

      " وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين * وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون "

      هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الإحترام والإكرام ، وذلك أن ملك مصر ، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن فاران بن عمرو ابن عملاق بن لاوذ ابن سام بن نوح ، رأي هذه الرؤيا

      قال أهل الكتاب : رأى كأنه على حافة نهر ، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان ، فجعلن يرتعن في روضة هناك ، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر ، فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلنهن ، فاستيقظ مذعوراً ، ثم نام فرأي سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة ، وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن ، فاستيقظ مذعوراً

      فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها ، بل " قالوا أضغاث أحلام " أي أخلاط أحلام من الليل ، لعلها لا تعبير لها ، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك ولهذا قالوا : " وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " فعند ذلك تذكر الناجي منهما ، الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا ، وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ، ورأى عجز الناس عن تعبيرها ، تذكر أمر يوسف ، وما كان أوصاه به من التذكار

      ولهذا قال تعالى : " وقال الذي نجا منهما وادكر " أي تذكر " بعد أمة " أي بعد مدة من الزمان ، وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك : " وادكر بعد أمة " أي بعد نسيان وقرأها مجاهد : " بعد أمة " بإسكان الميم وهو النسيان أيضاً يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمهاً إذا نسى قال الشاعر :

      أمهت وكنت لا أنسى حديثاً كذلك الدهر يزرى بالعقول

      فقال لقومه وللملك : " أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون " أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال : " يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون "

      وعند أهل الكتاب : أن الملك لما ذكره له الساقي ، استدعاه إلى حضرته ، وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من فرى وهذيان

      فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ، ولا طلب الخروج سريعاً ، بل أجابهم إلى ما سألوه ، وعبر لهم ما كان من منام الملك ، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس " يعنى يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية " وفيه يعصرون " يعنى ما كانوا يعصرونه من الأقطاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها

      فعبر لهم وعلى الخير دلهم ، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في السبع الأول في سنبله ، إلا ما يرصد بسبب الأكل ، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية ، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل ، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم

      " وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم * قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم "

      لما أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام ، وتمام عقله ، ورأيه السديد وفهمه ، أمر بإحضاره إلى حضرته ، ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك ، أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلماً وعدواناً ، وأنه برىء الساحة مما نسبوه إليه بهتاناً " قال ارجع إلى ربك " يعني الملك " فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم " قيل معناه : إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي ، أي فمر الملك فليسألهن : كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي ؟ وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد ؟

      فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء "

      فعند ذلك " قالت امرأة العزيز " وهي زليخا " الآن حصحص الحق " أي ظهر وتبين ووضح ، والحق أحق أن يتبع " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " أي فيما يقوله ، ومنه أنه برىء وأنه لم يراودني ، وأنه حبس ظلماً وعدواناً ، وزوراً وبهتاناً

      وقوله : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " قيل إنه من كلام يوسف ، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب وقيل إنه من تمام كلام زليخا ، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر ، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة

      وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول

      " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم " قيل إنه من كلام يوسف ، وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم

      * * *
      sigpic

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #48
        " وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون "

        لما ظهر للملك براءة عرضه ، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه " قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي " أي أجعله من خاصتي ، ومن أكابر دولتي ، ومن أعيان حاشيتي ، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله " قال إنك اليوم لدينا مكين أمين " أي ذو مكانة وأمانة

        " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب ، لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه ، من الإحتياط لهم والرفق بهم ، وأخبر الملك أنه حفيظ ، أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه ، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء

        وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة

        وعند أهل الكتاب : أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جداً وسلطه على جميع أرض مصر ، وألبسه خاتمه ، وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ، ونودي بين يديه أنت رب ومسلط ، وقال له : لست أعظم منك إلا بالكرسي

        قالوا : وكان يوسف إذا ذاك ابن ثلاثين سنة ، وزوجه امرأة عظيمة الشأن ، وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف

        وقيل : إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء ، لأن زوجها كان لا يأتي النساء ، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين هما : أفرايم ومنسا قال : واستوثق ليوسف ملك مصر ، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء

        حكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة ، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة ، وفي كل ذلك يجاوبه بكل لغة منها ، فأعجبه ذلك مع حداثة سنة والله أعلم

        قال الله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء " أي بعد السجن والضيق والحصر ، صار مطلق الركاب

        بديار مصر ، " يتبوأ منها حيث يشاء " أي أين شاء حل منها مكرماً محسوداً معظماً

        " نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " من أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل

        ولهذا قال : " ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون "

        ويقال : إن قطفير زوج زليخا كان قد مات ، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا ، فكان وزير صدق

        وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم وقد قال بعضهم :

        وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غــايــة الحزن

        فلا تيأسن ، فالله ملك يوسفـا خزائنه بعد الخلاص من السجن

        " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون "

        يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاماً ، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد

        وكان يوسف عليه السلام إذا ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية ديناً ودنيا فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه ، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة ، فلهذا عرفهم وهم له منكرون

        وعند أهل الكتاب : أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم ، وأراد ألا يعرفوه فأغلظ لهم في القول ، وقال : أنتم جواسيس ، جئتم لنا لتأخذوا خير بلادي فقالوا : معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا ، ونحن بنو أب واحد من كنعان ، ونحن اثنا عشر رجلاً ذهب منا واحد ، وصغيرنا عند أبينا فقال : لا بد أن أستعلم أمركم وعندهم : أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم ، واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر وفي بعض هذا نظر

        قال تعالى : " ولما جهزهم بجهازهم " أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته ، من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه " قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم " وكان قد سألهم عن حالهم ، وكم هم ؟ فقالوا : كنا اثني عشر رجلاً ، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال : إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم

        " ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين " ؟ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم ، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال : " فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون " أي فلست أعطيكم ميرة ، ولا أقريكم بالكلية ، عكس ما أسدي إليهم أولاً

        فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب

        " قالوا سنراود عنه أباه " أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن ، " وإنا لفاعلون " أي وإنا لقادرون على تحصيله

        ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها " لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون " قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم ، وقيل خشي ألا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية ، وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضاً عن الميرة

        وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها ، وعند أهل الكتاب أنها كانت صرراً من ورق ، وما أشبه والله أعلم

        * * *

        " فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين * ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير * قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل * وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون * ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون "

        يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له : " منع منا الكيل " أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا ، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا

        " ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي " أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ؟ " ونمير أهلنا " أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم ، " ونحفظ أخانا ونزداد " بسببه " كيل بعير "

        قال الله تعالى : " ذلك كيل يسير " أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر

        وكان يعقوب عليه السلام أضن شيء بولده بنيامين ، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ، ويتعوض بسببه منه

        فلهذا قال : " لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به " فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل "

        أكد المواثيق وقرر العهود ، واحتاط لنفسه في ولده ، ولن يغني حذر من قدر ! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة ، لما بعث الولد العزيز ، ولكن الأقدار لها أحكام ، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم

        ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة من باب واحد ، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة وقيل : أراد ألا يصيبهم أحد بالعين ، وذلك لأنهم كانوا أشكالاً حسنة وصوراً بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك

        وقيل : أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبراً ليوسف أو يحدثون عنه بأثر قاله إبراهيم النخعي

        والأول أظهر ولهذا قال : " وما أغني عنكم من الله من شيء "

        وقال تعالى : " ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون "

        وعند أهل الكتاب : أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل ، وأخذوا الدراهم الأولى وعرضاً آخر

        " ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم * قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون * قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون "

        يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف ، وإيوائه إليه ، وإخباره له سراً عنهم بأنه أخوه ، وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه

        ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونها ، فأمر فتيانه بوضع سقايته ، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام ، عن غرة في متاع بنيامين ، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ، ووعدهم جعالة على رده ، حمل بعير ، وضمنه المنادي لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فذنبوه وهجنوه فيما قاله لهم : " قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين " يقولون : أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة

        " قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين " وهذه كانت شريعتهم : أن السارق يدفع إلى المسروق منه ولهذا قالوا : " كذلك نجزي الظالمين "

        قال الله تعالى : " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه " ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ، ثم قال الله تعالى : " كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر " إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء " أي في العلم : " وفوق كل ذي علم عليم "

        وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم ، وأتم رأياً وأقوى عزماً وحزماً ، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك ، من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه

        فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " يعنون يوسف ، قيل كما قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقاً كانت لإسحاق ، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت ، وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء وقيل غير ذلك فلهذا : " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه " وهي كلمته بعدها ، وقوله : " أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون " أجابهم سراً لا جهراً ، حلماً وكرماً وصفحاً وعفواً ، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا : " يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون " أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرىء ، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به ، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده

        وعند أهل الكتاب : أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلوا فيه ولم يفهموه جيداً

        " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين * ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون * قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم * وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "

        يقول تعالى مخبراً عنهم لما استيأسوا من أخذه منه : خلصوا يتناجون فيما بينهم ، قال كبيرهم وهو روبيل : " ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله " لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ؟ لقد أخلفتم عهده ، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله ، فلم يبق لي وجه أقابله به " فلن أبرح الأرض " أي لا أزال مقيماً هاهنا " حتى يأذن لي أبي " في القدوم عليه ، " أو يحكم الله لي " بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي " وهو خير الحاكمين "

        " ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق " أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر المشاهدة " وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " أي فإن هذا الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك " وإنا لصادقون "

        " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل " أي ليس الأمر كما ذكرتم ، لم يسرق ، فإنه ليس سجية له ولا خلقة وإنما " سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل "

        قال ابن إسحاق وغيره : لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتباً على صنيعهم في يوسف ، قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف : إن من جزاء السيئة السيئة بعدها !

        ثم قال : " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا " يعنى يوسف وبنيامين وروبيل : " إنه هو العليم " أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة " الحكيم " فيما يقدره ويفعله ، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة

        " وتولى عنهم " أي أعرض عن بنيه : " وقال يا أسفى على يوسف " ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم ، وحرك ما كان كامناً كما قال بعضهم :

        نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

        وقال آخر :

        لقــد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك

        فقــال : أتبكي كل قبر رأيــــته لقبر ثوى بين اللوى فالدكـادك

        فقلت له : إن الأسى يبعث الأسى دعنـى فهـذا كلــه قبر مــــالك

        وقوله : " وابيضت عيناه من الحزن " أي من كثرة البكاء ، " فهو كظيم " أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف

        فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق " قالوا " له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه : " تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين "

        يقولون : لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك ، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك

        " قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " يقول لبنيه : لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه ، إنما أشكوه إلى الله عز وجل ، وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجاً ومخرجاً ، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال : " وأعلم من الله ما لا تعلمون "

        ثم قال لهم محرضاً على تطلب يوسف وأخيه ، وأن يبحثوا عن أمرهما : " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة ، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه ، وما يقدره من المخرج في المضايق ، إلا القوم الكافرون

        * * *
        sigpic

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #49
          فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين * قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين * اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين "

          يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ، ورغبتهم فيها لديه من الميرة ، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم : " فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر " أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال ، " وجئنا ببضاعة مزجاة " أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا قيل كانت دراهم رديئة ، وقيل قليلة ، وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك وعن ابن عباس : كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك

          " فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين " قيل بقولها ، قاله السدي ، وقيل برد أخينا إلينا ، قال ابن جريج وقال سفيان بن عيينة : إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير

          فلما رأى ما هم فيه من الحال ، وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال ، تعرف إليهم وعطف عليهم ، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم ، وقد حسر عن جبينه الشريف ، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون "

          " قالوا " وتعجبوا كل العجب ، وقد ترددوا إليه مراراً عديدة وهم لا يعرفون أنه هو " أإنك لأنت يوسف " ؟

          " قال أنا يوسف وهذا أخي " يعنى أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم ، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله " وهذا أخي " تأكيد لما قال ، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد ، وعملوا في أمرهما من الإحتيال ولهذا قال : " قد من الله علينا " أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا ، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا ، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا ، وصبرنا على ما كان منكم وطاعتنا وبرنا لأبينا ، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "

          " قالوا تالله لقد آثرك الله علينا " أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا ، " وإن كنا لخاطئين " أي فيما أسدينا إليك وها نحن بين يديك " قال لا تثريب عليكم اليوم " أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم زادهم على ذلك فقال : " يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ومن زعم أن الوقف على قوله : " لا تثريب عليكم " وابتدأ بقوله : " اليوم يغفر الله لكم " فقوله ضعيف والصحيح الأول

          ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ، وهو الذي يلى جسده ، فيضعوه على عيني أبيه ، فإنه يرجع إليه بصره بعد ما كان ذهب ، بإذن الله ، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات

          ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر ، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة ، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور

          " ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم * فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون * قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم "

          قال عبد الرزاق : أنبأنا إسرائيل ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، سمعت ابن عباس يقول : " ولما فصلت العير " قال : لما خرجت العير هاجت ريح ، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال : " إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون " قال : فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به

          وقال الحسن البصري وابن جريج المكي : كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً ، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة

          وقوله : " لولا أن تفندون " أي تقولون إنما قلت هذا من الفند ، وهو الخرف وكبر السن

          قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة " تفندون " تسفهون ، وقال مجاهد أيضاً والحسن : تهرمون

          " قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم " قال قتادة والسدي : قالوا له كلمة غليظة

          قال الله تعالى : " فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا " أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيراً بعد ما كان ضريراً وقال لبنيه عند ذلك : " ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون " أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف ، وسيقر عيني به ، وسيريني فيه ومنه ما يسرني

          فمنذ ذلك : " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين " طلبوا منه أن يستغفر لهم لله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه ، وما كانوا عزموا عليه ، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل ، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم ، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا ، وما عليه عولوا قائلاً : " سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم "

          قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم : أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير : حدثني أبو السائب : حدثنا ابن إدريس قال : سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال : كان عمر يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول : اللهم دعوتني فأجبت ، وأمرتني فأطعت ، وهذا السحر فاغفر لي قال : فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود ، فسأل عبد الله عن ذلك فقال : إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله : " سوف أستغفر لكم ربي " وقد قال تعالى : " والمستغفرين بالأسحار "

          وثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له " ؟ وقد ورد في حديث : " أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة "

          قال ابن جرير : حدثني المثني ، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي ، حدثنا الوليد ، أنبأنا ابن جريج ، عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سوف أستغفر لكم ربي " يقول : " حتى ليلة الجمعة ، وهو قول أخي يعقوب لبنيه "



          وهذا غريب من هذا الوجه ، وفي رفعه نظر ، والأشبه أن يكون موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما

          * * *

          " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم * رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين "

          هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة ، التي قيل : إنها ثمانون سنة ! وقيل : ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن ، وقيل : خمس وثلاثون سنة قاله قتادة وقال محمد بن إسحاق : ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة قال : وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة

          وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريباً ، فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة ، فيما قاله غير واحد ، فامتنع فكان في السجن بضع سنين ، وهي سبع عند عكرمة وغيره ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي ، جاء إخوته يتمارون في السنة الأولي وحدهم ، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين ، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهليهم أجمعين ، فجاءوا كلهم

          " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه " واجتمع بهما خصوصاً وحدهما دون إخوته ، " وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " قيل هذا من المقدم والمؤخر ، تقديره قال : ادخلوا مصر ، وآوي إليه أبويه ، وضعفه ابن جرير وهو معذور وقيل : بل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام ، ثم لما اقتربوا من باب مصر " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " قاله السدي ، ولو قيل : إن الأمر لا يحتاج إلى هذا أيضاً

          وعند أهل الكتاب : أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر - وهي أرض بلبيس - خرج يوسف لتلقيه ، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشراً بقدومه ، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر ، يكونون فيها ، ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم وقد ذكر جماعة من المفسرين ، أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب - وهو إسرائيل - أراد يوسف أن يخرج لتلقيه ، فركب معه الملك وجنوده ، خدمة ليوسف وتعظيماً لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك ، وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم

          وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم - فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود - ثلاثة وستين إنساناً

          وقال موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، عن عبد الله بن شداد : كانوا ثلاثة وثمانين إنساناً

          وقال أبو إسحاق عن مسروق : دخلو وهم ثلاثمائة وتسعون إنساناً

          قالوا : وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل ، وفي نص أهل الكتاب : أنهم كانوا سبعين نفساً وسموهم

          * * *

          قال الله تعالى : " ورفع أبويه على العرش " قيل : كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة وقال بعض المفسرين : أحياها الله تعالى وقال آخرون : بل كانت خالته ليا والخالة بمنزلة الأم

          وقال ابن جرير وآخرون : بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ ، فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم

          ورفعهما على العرش ، أي أجلسهما معه على سريره : " وخروا له سجدا " أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر ، تعظيماً وتكريماً وكان هذا مشروعاً لهم ، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا

          " وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " أي هذا تعبير ماكنت قصصته عليك : من رؤيتي الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر ، حين رأيتهم لي ساجدين ، و أمرتني بكتمانها ، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك " قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن " أي بعد الهم والضيق ، جعلني حاكماً نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت " وجاء بكم من البدو " أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخيل " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " أي فيما كان منهم من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره

          ثم قال : " إن ربي لطيف لما يشاء " أي إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه ، ويسرها وسهلها وجوه لا يهتدي إليها العباد ، بل يقدرها ويسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته أي بجميع " إنه هو العليم " بالأمور " الحكيم " في خلقه وشرعه وقدره

          وعند أهل الكتاب : أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده ، بأموالهم كلها ، من الذهب والفضة ، والعقار والأثاث ، وما يملكونه كله ، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ، ويكون خمس ما يستغلون من زروعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده

          وحكى الثعليب : أنه كان لايشبع في تلك السنين ، حتى لاينسى الجيعان ، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال : فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك قلت : وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لايشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب

          قال الشافعي : قال رجل من الأعراب لعمر بعدما ذهب عام الرمادة : لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة !

          ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت ، وشمله قد اجتمع ، وعرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار ، وأن كل شيء فيها ومن عليها فان ، وما بعد التمام إلا النقصان ، فنعد ذلك أثنى على ربه بما هو أهله ، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله ، وسأل منه - وهو خير المسئولين - أن يتوفاه ، أي حين يتوفاه على الإسلام ، وأن يلحقه بعباده الصالحين ، وهكذا كما يقال في الدعاء : اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين أي حين تتوفانا

          ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام ، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى ، و الرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين ، كما قال : اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثاً ثم قضى

          ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاء على الإسلام منجزاً في صحة بدنه وسلامته ، أن ذلك كان سائغاً في ملتهم وشرعتهم ، كما روي عن ابن عباس أنه قال : ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف

          فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء ، بالموت إلا عند الفتن ، كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد : " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " وفي الحديث الآخر : " ابن آدم الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام : " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " وتمنى الموت علي بن أبي طالب ، لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال ، وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح ، لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال

          فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، إما محسناً فلعله يزداد ، وإما مسيئاً فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " والمراد بالضر هاهنا : ما يخص العبد في بدنه ، من مرض ونحوه ، لا في دينه

          والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك ، إما عند احتضاره ، أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك

          وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب : أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ، ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق ، قال السدي : فصبره وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل عليه السلام

          وعند أهل الكتاب : أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ، ومع هذا قالوا : فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة

          هدا نص كتابهم وهو غلط : أما في النسخة أو منهم ، أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا ، فكيف يستعملون الطريقة ها هنا

          وقد قال تعالى في كتابه العزيز : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون "

          يوصي بنيه بالإخلاص ، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام

          وقد ذكر أهل الكتاب : أن أوصى بنيه واحداً واحداً ، وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب ، وهو عيسى ابن مريم والله أعلم

          وذكروا : أنه لما مات يعقوب بكي عليه أهل مصر سبعين يوماً ، وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوماً ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله ، فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها ، فلما وصلوا حبرون ودفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي ، وعملوا له عزاء سبعة أيام

          قالوا : ثم رجعوا إلى بلادهم ، وعزى إخوة يوسف يوسف في أبيهم ، وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم ، فأقاموا ببلاد مصر

          ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة ، فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه ، فحنطوه ووضعوه في تابوت ، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام ، فدفنه عند آبائه كما سيأتي قالوا : فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين

          هذا نصهم وفيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضاً ، وقال مبارك ابن فضالة عن الحسن : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة وقال غيره : أوصى إلى أخيه يهوذا ، صلوات الله عليه وسلامه

          * *
          sigpic

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #50
            قصة أيوب عليه السلام

            قال ابن إسحاق : كان رجلاً من الروم وهو أيوب بن موص بن رازح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل

            وقال غيره : هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب ، وقيل غيره ذلك في نسبه

            وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام ، وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه

            والمشهور الأول ، لأنه من ذرية إبراهيم ، كما قررنا عند قوله تعالى : " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون " الآيات ، من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام

            وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى : " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب " الآية

            فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق وامرأته قيل : اسمها ليا بنت يعقوب ، وقيل رحمة بنت أفراثيم ، وقيل ليا بنت منسا بن يعقوب وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا

            ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان

            قال الله تعالى : " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " وقال تعالى في سورة ص : " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب "

            وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ، ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل ، ثم إسحاق ، ثم يعقوب ، ثم يوسف ، ثم لوط ، ثم هود ، ثم صالح ، ثم موسى وهارون ، ثم إلياس ، ثم اليسع ، ثم عرف بن سويلخ بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب ، ثم يونس بن متى من بني يعقوب ، ثم أيوب بن زراح ابن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم وفي بعض هذا الترتيب نظر : فإن هوداً وصالحاً : المشهود أنهما بعد نوح وقبل إبراهيم والله أعلم

            * * *

            قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم : كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه ، من الأنعام والعبيد والمواشي ، والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران ، وحكى ابن عساكر : أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير

            فسلب منه ذلك جميعه ، وابتلى في جسده بأنواع من البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه ، يذكر الله عز وجل بهما وهو في ذلك صابر محتسب ذاكر الله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه

            وطال مرضه حتى عافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس ، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها ، وانقطع عنه الناس ، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته ، كانت ترعى له حقه ، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه ، وتعينه على قضاء حاجته ، وتقوم بمصلحته ، وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر ، لتطعمه وتقوم بأوده ، رضي الله عنها وأرضاها ، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد ، وما يختص بها من المصيبة بالزوج ، وضيق ذات اليد وخدمة الناس ، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون

            وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " وقال : " يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه "

            ولم يزد هذا كل أيوب عليه السلام إلا صبراً واحتساباً وحمداً وشكراً حتى إن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ، ويضرب المثل أيضاً بما حصل له من أنواع البلايا

            وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل ، في كيفية ذهاب ماله وولده ، وبلائه في جسده والله أعلم بصحته

            وعن مجاهد أنه قال : كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري

            وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال : فزعم وهب أنه ابتلي ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص وقال أنس : ابتلي سبع سنين وأشهراً ، وألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتي فرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه وقال حميد : مكث في بلواه ثماني عشرة سنة وقال السدي : تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب ، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته ، فلما طال عليها ، قالت : يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك ، فقال : قد عشت سبعين سنة صحيحاً ، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا الكلام ، وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام

            ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها ، لعلمهم أنها امرأة أيوب ، خوفاً أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته ، فلما لم تجد أحداً يستخدمها ، عمدت فباعت لبعض بنات الأشراف إحدي ضفيرتيها بطعام طيب كثير ، فأتت به أيوب ، فقال : من أين لك هذا ؟ وأنكره ، فقالت : خدمت به أناساً فلما كان الغد لم تجد أحداً فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به ، فأنكره وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها ، فلما رأى رأسها محلوقاً قال في دعائه : " ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين "

            وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا جرير بن حازم ، عن عبد الله ابن عبيد بن عمير قال : كان لأيوب أخوان ، فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه ، فقاما من بعيد ، فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا ، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع مثله من شيء قط ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني ، فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصاً قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال : اللهم بعزتك وخر ساجداً ، فقال اللهم : بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني ، فما رفع رأسه حتى كشف عنه

            وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني نافع بن يزيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد ، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين قال صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به ، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب : لا أدرى ما تقول ؟ غير أنا الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان ، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق

            قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قفاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه : أن " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " فاستبطأته فتلقته تنظر ، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء ، وهو أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذا كان صحيحاً قال : فإني أنا هو ، قال : وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله سحابتين ، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض"

            هذا لفظ ابن جرير ، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن حمد بن الحسن بن قتيبة ، عن حرملة ، عن ابن وهب به وهذا غريب رفعه جداً ، والأشبه أن يكون موقوفاً

            وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أنبأنا على بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية ، فجاءت امرأته فلم تعرفه ، فقالت : يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ها هنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب ، وجعلت تكلمه ساعة ، فقال : ويحك أنا أيوب ! قالت : أتسخر منى يا عبد الله ؟ فقال : ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي

            قال ابن عباس : ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ، ومثلهم معهم

            وقال وهب بن منبه : أوحي الله إليه : قد رددرت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ، فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب من صحابتك قرباناً ، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم
            sigpic

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #51
              وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما عافي الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب ، فجعل يأخذ منه بيده ويجعل في ثوبه قال : فقيل له : يا أيوب أما تشبع ؟ قال : يارب ومن يشبع من رحمتك ؟ "

              وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي داود الطيالسي ، وعبد الصمد عن همام ، عن قتادة به ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي ، عن إسحاق بن راهويه ، عن عبد الصمد به ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب ، وهو على شرط الصحيح والله أعلم

              وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب ، فجعل يقبضها في ثوبه ، فقيل : يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال : أي رب من يستغني عن ذلك ! هذا موقوف ، وقد روى عن أبي هريرة من وجه مرفوعاً

              وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثى في ثوبه فناداه ربه عز وجل : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى يارب ، ولكن لا غني لي عن بركتك " رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به

              وقوله : " اركض برجلك " أي اضرب الأرض برجلك ، فامتثل ما أمر به ، فأنبع الله عيناً باردة الماء ، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها ، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذي ، والسقم والمرض الذي كان في جسده ظاهراً وباطناً ، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة ، وجمالاً تاماً ومالاً كثيراً ، حتى صب له من المال صباً ، مطراً عظيماً جراداً من ذهب

              وأخلف الله له أهله ، كما قال تعالى : " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " فقيل : أحياهم الله بأعيانهم ، وقيل : آجره فيمن سلف ، وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة ، وقوله : " رحمة من عندنا " أي رفعنا عنه شدته ، وكشفنا ما به من ضر ، رحمة منا به ورأفة وإحساناً " وذكرى للعابدين " أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده ، فله أسوة بنبي الله أيوب ، حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حق فرج الله عنه

              ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال : هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع وقال الضحاك عن ابن عباس : رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرين ولداً ذكراً

              وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم

              وقوله : " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام ، فيما كان من خلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها ، وقيل لأنه عارضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان ، فحلف ليضربنها مائة سوط ، فلما عافاه الله عز وجل أفتاه أن يأخذ ضغثاً وهو كالعثكال الذي يجمع الشماريخ ، فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ، ويكون هذا منزلاً منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث

              وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ، ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة ، المكابدة الصديقة البارة الراشدة ، رضي الله عنها

              ولهذا عقب الله الرخصة وعللها بقوله : " إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الأيمان والنذور ، وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الأيمان ، وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب وسنذكر طرفاً من ذلك في كتاب الأحكام ، عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى

              وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ : أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثاً وتسعين سنة ، وقيل إنه عاش أكثر من ذلك

              وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه : أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الأغنياء ، وبيوسف عليه السلام على الأرقاء ، وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء

              * * *

              وأنه أوصى إلى ولده حومل وقال بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب ، وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم

              ومات ابنه هذا وكان نبياً فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمساً وسبعين

              ولنذكر ها هنا قصة ذي الكفل ، إذ قال بعضهم : إنه ابن أيوب عليهما السلام وهذه هي

              * *
              sigpic

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #52
                باب ذكر أمم أهلكوا بعامة

                وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى : " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى " الآية

                كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الأعرابي عن ابن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء أو من الأرض ، بعدما أنزل التوراة على وجه الأرض ، غير القرية التي مسخوا قردة ألم تر أن الله تعالى يقول : " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى "

                ورفعه البزار في رواية له ، والأشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام

                فمنهم :
                sigpic

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #53
                  أصحاب الرس



                  قال الله تعالى في سورة الفرقان : " وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا "

                  وقال تعالى في سورة ق : " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد "

                  وهذا السياق والذي قبله ، يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا ، وهو الهلاك

                  وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج ، لأن أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضاً

                  وروى ابن جرير قال : قال ابن عباس : أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود

                  وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر في أول تاريخه ، عند ذكر بناء دمشق ، عن تاريخ أبي القاسم عبدالله بن عبدالله بن جرداد وغيره ، أن أصحاب الرس كانوا بحضور ، فبعث الله اليه نبياً يقال له حنظلة بن صفوان ، فكذبوه وقتلوه ، فصال عاد بن عوص بن إرم ابن سام بن نوح وولده من الرس فنزل الأحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها ، وفشوا مع ذلك في الأرض كلها ، حتى نزل جبرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وبني مدينتها ، وسماها جبرون ، وهي إرم ذأت العماد ، وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق ، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد ، إلى عاد ، يعنى أولاد عاد بالأحقاف فكذبوه فأهلكهم الله عز وجل

                  فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم

                  وروى ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي عاصم ، عن أبيه عن شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الرس بئر بأذربيجان وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال : الرس بئر رسوا فيها نبيهم ، أي دفنوه فيها

                  قال ابن جريج : قال عكرمة : أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس وقال قتادة : فلج من قرى اليمامة

                  قلت : فإن كانوا أصحاب يس كما زعمه عكرمة ، فقد أهلكوا بعامة ، قال الله تعالى في قصتهم : " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " وستأتي قصتهم بعد هؤلاء

                  وإن كانوا غيرهم ، وهو الظاهر ، فقد أهلكوا أيضاً وتبروا وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير

                  وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاش : أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعاً ، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجداً عظيماً ، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال : إني لم أمت ، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ، ففرحوا أشد الفرح ، وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه ، وأخبرهم أنه لا يموت أبداً ، فصدق به أكثرهم ، وافتتنوا به وعبدوه ، فبعث الله فيهم نبياً ، فأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن عبادته ، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له

                  قال السهيلي ، وكان يوحي إليه في النوم ، وكان اسمه حنظلة بن صفوان ، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر ، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ، ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم ، وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة ، وبعد الاجتماع بالفرقة ، وهلكوا عن آخرهم ، وسكن في مساكنهم الجن والوحوش ، فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسود وصوت الضباع

                  فأما ما رواه - أعني ابن جرير - عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول الناس يدخلون الجنة يوم القيامة العبد الأسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود ، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم ، قال : فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاماً وشراباً ، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلى إليه طعامه وشرابه ، ثم يردها كما كانت

                  قال : فكان كذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع ، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها ، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام ، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر ، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع ثم إنه ذهب إلى الحفيرة ، إلى موضعها الذي كانت فيه ، يلتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء ، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه

                  قال : فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ، فيقولون له ما ندري ؟ حتى قبض الله النبي عليه السلام وهب الأسود من نومته بعد ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة "

                  فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم

                  ثم قد رده ابن جرير نفسه ، وقال : لايجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن ، قال : لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم

                  ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود وهو ضعيف ، لما تقدم ، ولما ذكر في قصة أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة ، إن لم يتوبوا ، ولم يذكر هلاكهم ، وقد صرح بهذا أصحاب الرس والله تعالى أعلم
                  sigpic

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #54
                    قصة قوم يس

                    وهم أصحاب القرية أصحاب يس قال الله تعالى : " واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون * وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون "

                    اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب ابن منبه ، وكذا روى عن بريدة بن الخصيب وعكرمة قتادة والزهري وغيرهم قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا : وكان لهم ملك اسمه انطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم : صادوق ومصدوق وشلوم ، فكذبهم

                    وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عز وجل ، وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من المسيح وكذا قال ابن جرير ، عن وهب ، عن ابن سليمان ، عن شعيب الجبائي : كان اسم المرسلين الأولين : شمعون ، ويوحنا ، واسم الثالث بولس ، والقرية أنطاكية

                    وهذا القول ضعيف جداً ، لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدني الأربع التي تكون فيها بتاركة النصاري وهن : أنطاكية ، والقدس ، والإسكندرية ، ورومية ، ثم بعدها القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا ، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين : " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديماً فكذبوهم وأهلكهم الله ، ثم عمرت بعد ذلك ، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم ، فلا يمنع هذا والله أعلم

                    فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله

                    * * *

                    قال الله تعالى : " واضرب لهم مثلا " يعنى لقومك يا محمد " أصحاب القرية " يعني المدينة " إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " أي أيدناهما بثالث في الرسالة ، " فقالوا إنا إليكم مرسلون " فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم ، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم ، يستبعدون أن يبعث الله نبياً بشرياً فأجابو بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنها وانتقم منا أشد الإنتقام " وما علينا إلا البلاغ المبين " أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء " قالوا إنا تطيرنا بكم " أي تشاءمنا بما جئنمونا به " لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " قيل بالمقال ، وقيل بالفعال ، ويؤيد الأول قوله : " وليمسنكم منا عذاب أليم " توعدم بالقتل والإهانة

                    " قالوا طائركم معكم " أي مردود عليكم " أإن ذكرتم " أي بسبب أنا ذكرنا بالهدى ودعوناكم إليه ، توعدتمونا بالقتل والإهانة " بل أنتم قوم مسرفون " أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه

                    وقوله تعالى : " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " يعنى لنصرة الرسل وإظهار الإيمان بهم " قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون " أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة

                    ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة " إني إذا لفي ضلال مبين " أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه سواه

                    ثم قال مخاطباً للرسل : " إني آمنت بربكم فاسمعون " قيل : فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم ، وقيل معناه : فاستمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة فعند ذلك قتلوه ، قيل رجماً ، وقيل عضاً ، وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه

                    وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال : وطئوه بأرجلهم ، حتى أخرجوا قصبته

                    وقد روى الثوري عن عاصم الأحول ، عن أبي مجلز : كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري ثم قيل : كان نجاراً ، وقيل حياكاً ، وقيل إسكافاً ، وقيل قصاراً ، وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم

                    وعن ابن عباس : كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام ، وكان كثير الصدقة فقتله قومه ، ولهذا قال تعالى : " قيل ادخل الجنة " يعنى لما قتله قومه أدخله الله الجنة ، فلما رأى فيها من النضرة والسرور " قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " يعنى ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي

                    قال ابن عباس : نصح قومه في حياته بقوله : " يا قوم اتبعوا المرسلين " وبعد مماته في قوله : " يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة : لا يلقى المؤمن إلا ناصحاً ، لا يلقى غاشاً ، لما عاين من عاين من كرامة الله " يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه !

                    قال قتادة : فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله : " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون "

                    وقوله تعالى : " وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " أي

                    وما احتجنا في الإنتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم

                    هدا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال مجاهد وقتادة : وما أنزل عليهم جنداً ، أي رسالة أخرى قال ابن جرير: والأول أولى

                    قلت : وأقوى ، ولهذا قال : " وما كنا منزلين " أي وما كنا نحتاج في الإنتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون "

                    قال المفسرون : بعث الله إليه جبريل عليه السلام ، فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون ، أي قد أخمدت أصواتهم ، وسكنت حركاتهم ، ولم يبق منهم عين تطرف

                    وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية ، لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم ، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح

                    فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر ، عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السبق ثلاثة : فالسابق إلى موسى : يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى : صاحب يس ، والسابق إلى محمد : علي بن أبي طالب " فإنه حديث لا يثبت ، لأن حسيناً هذا متروك شيعي من الغلاة ، وتفرد بهذا مما يدل على ضغفه بالكلية والله أعلم

                    * *
                    sigpic

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #55
                      قصة يونس عليه السلام

                      قال الله تعالى في سورة يونس : " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين "

                      وقال تعالى في سورة الأنبياء : " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين "

                      وقال تعالى في سورة الصافات : " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين "

                      وقال تعالى في سورة القلم : " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين "

                      قال أهل التفسير : بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوي من أرض الموصل ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم ، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم ، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث

                      قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف : فلما خرج من بين ظهرانيهم ، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة ، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم ، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، ثم عجوا إلى الله عز وجل ، وصرخوا وتضرعوا إليه ، وتمسكنوا لديه ، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات ، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي فرغت الإبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ، وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة

                      فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته ، عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم سببه ، ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم

                      ولهذا قال تعالى : " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها " أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكاملها ، فدل على أنه لم يقع ذلك ، بل كما قال تعالى : " وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون " وقوله : " إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين " أي آمنوا بكاملهم

                      وقد اختلف المفسرون : هل ينفعهم هذا الإيمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الأخروى كما أنقذهم من العذاب الدنيوي ؟ على قولين :

                      الأظهر من السياق : نعم والله أعلم كما قال تعالى : " لما آمنوا " وقال تعالى : " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين " وهذا المتاع إلى حين لاينفي أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي والله أعلم

                      وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة : فعن مكحول عشرة آلاف وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية : حدثني أبي بن كعب ، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " قال : " يزيدون عشرين ألفاً " فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب

                      وعن ابن عباس : كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً ، وعنه : وبضعة وثلاثين ألفاً وعنه وبضعة وأربعين ألفاً وقال سعيد بن جبير : كانوا مائة ألف وسبعين ألفاً

                      واختلفوا : هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده ؟ أو هما أمتان ؟ على ثلاثة أقوال : هي مبسوطة في التفسير

                      * * *

                      والمقصود عليه السلام لما ذهب مغاضباً بسبب قومه ، ركب سفينة في البحر فلجت بهم ، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها ، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون

                      قالوا : فاشتوروا فيها بينهم على أن يقترعوا ، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه

                      فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به ، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضاً ، فشمر ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً ، لما يريده الله به من الأمر العظيم

                      قال الله تعالى : " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم " وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عز وجل حوتاً عظيماً من البحر الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى ألا يأكل له لحماً ولايهشم له عظماً فليس لك برزق ، فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه

                      قالوا : ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات ، فحرك جوارحه فتحركت ، فإذا هو حي فخر لله ساجداً وقال : يارب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يعبدك أحد في مثله

                      وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه ، فقال مجاهد عن الشعبي : التقمه ضحى ولفظه عشية ، وقال قتادة : فمكث فيه ثلاثاً ، وقال جعفر الصادق : سبعة أيام ويشهد له شعر أمية ابن أبي الصلت :

                      وأنت بفضل منك نجيت يونساً وقد بات في أضعاف حوت لياليا

                      وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك : مكث في جوفة أربعين يوماً والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه

                      والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ، ويقتحم به لجج الموج الأجاجي ، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن ، وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ، ورب السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى ، فعند ذلك وهنالك ، قال ما قال بلسان الحال والمقال ، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى ، ويكشف الضر والبلوى ، سمع الأصوات وإن ضعفت ، وعالم الخفيات وإن دقت ، ومجيب الدعوات وإن عظمت ، حيث قال في كتابه المبين ، المنزل على رسوله الأمين ، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين : " وذا النون إذ ذهب " أي إلى أهله " مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " " فظن أن لن نقدر عليه " أن نضيق عليه وقيل معناه : نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة ، قدر وقدر كما قال الشاعر :

                      فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ، ما تقدر يكن ، فلك الأمر

                      " فنادى في الظلمات " قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك : ظلمة الحوت ، وظملة البحر ، وظلمة الليل

                      وقال سالم بن أبي الجعد : ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر

                      وقوله تعالى : " فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "

                      قيل معنا فلولا أنه سبح الله هنالك ، وقال ما قال من التهليل والتسبيح ، والإعتراف لله بالخضوع ، والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة ، ولبعث من جوف ذلك الحوت وهذا معنى ما روى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه

                      وقيل معناه : " فلولا أنه كان " من قل أخذ الحوت له " من المسبحين " أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراً قاله الضحاك ابن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير

                      ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " يا غلام إني معلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة "

                      وروى ابن جرير في تفسيره ، والبزار في مسنده من حديث محمد بن إسحاق ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أرأد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت : أن أخذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً فلما انتهى به إلى أسفل البحر يونس حساً ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت : إن هذا تسبيح دواب البحر قال : فسبح وهو في بطن الحوت ، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة ! قال : ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا : العبد الصالح ، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال : نعم قال ؟ فشفعوا له عند ذلك ، فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله : " وهو سقيم " "

                      هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً ثم قال البزار : لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد كذا قال

                      وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب ، حدثنا عمى ، حدثني أبو صخر ، أن يزيد الرقاشي قال : سمعت أنس بن مالك ، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهي في بطن الحوت كال : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش ، فقالت الملائكة : يارب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال : أما تعرفون ذاك ؟ فقالوا : لا يارب ومن هو ؟ قال : عبدي يونس قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة ؟ قالوا : يا ربنا أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال : بلى فأمر الحوت فطرحه في العراء "

                      ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به

                      زاد ابن أبي حاتم : قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث ، أنه سمع أبا هريرة يقول : طرح بالعراء ، وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا : يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال : شجرة الدباء ، قال أبو هريرة : وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض ، أو قال : هشاش الأرض ، قال : فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت

                      وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعره

                      فأنبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله أصبح ضاويا

                      وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ، ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم ، كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم

                      وقد قال الله تعالى : " فنبذناه " أي ألقيناه " بالعراء " وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار ، بل هو عار منها ، " وهو سقيم " أي ضعيف البدن قال ابن مسعود : كهيئة الفرخ ليس عليه ريش ، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد : كهيئة الصبي حين يولد وهو المنفوش ليس عليه شيء

                      " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين " قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد ابن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاووس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد : هو القرع

                      قال بعض العلماء : في إنبات القرع عليه حكم جمة ، منها أن ورقه في غاية النعومة ، وكثير وظليل ، ولا يقربه ذباب ، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره ، نياً ومطبوخاً ، ويقشره وببزره أيضاً وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك

                      وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية ، وتأتيه بكرة وعشية وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال الله تعالى : " فاستجبنا له ونجيناه من الغم " أي الكرب والضيق الذي كان فيه " وكذلك ننجي المؤمنين " أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا

                      قال ابن جرير : حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا يحيى بن صالح ، حدثنا أبو يحيى ابن عبد الرحمن ، حدثني بشر بن منصور ، عن على بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبي وقاص - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اسم الله الذي إذا دعى به أجاب ، وإذا سئال به أعطى دعوة يونس بن متى قال : فقلت : يا رسول الله هي يونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال : هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ، ألم تسمع قول الله تعالى : " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " فهو شرط من الله لمن دعاه به"

                      وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد ، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب - يعني ابن سعد - عن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دعا بدعاء يونس استجيب له " قال أبو سعيد الأشج : يريد به : " وكذلك ننجي المؤمنين " وهذان طريقان عن سعد

                      وثالث أحسن منهما : وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن عمير ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدثني والدي محمد ، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقاص رضي الله عنه - قال : مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه ، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام ، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت : يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء ؟ قال : لا وما ذاك ؟ قلت : لا ، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه فلأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام قال : فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه ، فقال : مامنعك ألا تكون رددت على أخيك السلام ؟ قال : ما فعلت قال سعد : قلت : بلى ، حتى حلف وحلفت قال : ثم إن عثمان ذكر فقال : بلى ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، إنك مررت بي آنفاً ، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة ، قال سعد : فأنا أنبئك بها ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته ، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض ، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من هذا ؟ أبو إسحاق ؟ " قال : قلت : نعم يا رسول الله ، قال : " مه " ؟ قلت : لا والله ، الا أنك ذكرت لنا أول دعوة ، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك ، قال : " نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فانه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له "

                      ورواه الترمذي و النسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به

                      * * *
                      sigpic

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #56
                        ذكر فضل يونس عليه السلام

                        قال الله تعالى : " وإن يونس لمن المرسلين " وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام ، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام

                        وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى "

                        ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به

                        وقال البخاري أيضاً : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ، ونسبه إلى أبيه "

                        ورواه أحمد و مسلم و أبو داود من حديث شعبة به ، قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه : لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث ، وهذا أحدها

                        وقد رواه الإمام أحمد عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يونس بن مهران ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى " تفرد به أحمد

                        وراه الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي يحيى العتاب ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أن رسول الله عليه وسلم قال : " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه

                        وقال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن سعد ابن إبراهيم ، سمعت حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وكذا رواه مسلم من حديث شعبة

                        وفي البخاري و مسلم من حديث عبد الله بن الفضل ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال : لا والذي اصطفى موسى على العالمين

                        قال البخاري في آخره : " و لا أقول : إن أحداً أفضل من يونس بن متى " وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى : " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس

                        والقول الآخر : لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الأحاديث : " لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى "

                        وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين
                        sigpic

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #57
                          ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم نشأته حتى الرسالة

                          وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، قال تعالى : " واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا "

                          وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات الذي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان

                          قال الله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم" طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون * إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون "

                          يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا ، فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق ، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له

                          " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا " أي تجبر وعتا وطغى وبغى ، وآثر الحياة الدنيا ، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى وجعل أهلها شيعاً ، أي قسم رعيته إلى أقسام ، وفرق وأنواع ، يستضعف طائفة منهم ، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها وأدناها ومع هذا " يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين "

                          وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام ، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه ، وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر ، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم ، ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده ، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل ، حذراً من وجود هذا الغلام ولن يغني حذر من قدر !

                          وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة : أن فرعون رأى في منامه ، كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت المقدس ، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل فلما استيقظ هاله ذلك ، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة ، وسألهم عن ذلك ، فقالوا : هذا غلام يولد من هؤلاء ، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه ، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان

                          ولهذا قال الله تعالى : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض " وهم بنو إسرائيل ، " ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " أي الذين يئول ملك مصر وبلادها إليهم : " ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " أي سنجعل الضعيف قوياً والمقهور قاهراً والذليل عزيزاً ، وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل ، كما قال تعالى : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " الآية وقال تعالى : " فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل " وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله

                          * * *

                          والمقصود أن فرعون احترز كل الإحتراز ألا يوجد موسى ، حتى جعل رجالاً وقوابل يدورون على الحبالي ، ويعلمون ميقات وضعهن ، فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته

                          وعند أهل الكتاب : أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان ، لتضعف شوكة بني إسرائيل ، فلا يقاوموهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم

                          وهذا فيه نظر ، بل هو باطل وإنما هذا في الأمر يقتل الولدان بعد بعثة موسى ، كما قال تعالى : " فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم " ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى : " أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا "

                          فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولاً ، حذراً من وجود موسى

                          هذا ، والقدر يقول : يا أيهذا الملك الجبار ، المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه ، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ، ولا تخالف أقداره ، إن هذا المولود الذي تحترز منه ، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى ، لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ، ولا يغذي إلا بطعامك وشرابك في منزلك ، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتفداه ، ولا تطلع على سر معناه ، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه ، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين ، وتكذيبك ما أوحي إليه ، لتعلم أنت وسائر الخلق ، أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد ، وأنه هو القوي الشديد ، ذو البأس العظيم ، والحول والقوة ، والمشيئة التي لا مرد لها !

                          وقد ذكر غير واحد من المفسرين : أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل ، بسبب قتل ولدانهم الذكور ، وخشي أن تتفاني الكبار مع قتل الصغار ، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً فدكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء ، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم ، فضاقت أمه به ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت ، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتاً ، فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل ، فكانت ترضعه ، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر ، وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به

                          قال الله تعالى : " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون "

                          هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى : " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها " الآية وليس هو بوحى نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول ، كما حكاه أبوه الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة

                          قال السهيلي : واسم أم موسى أيارخا وقيل ، أياذخت المقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه ، وألقى في خلدها وروعها ألا تخافي ولا تحزني ، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك ، وإن الله سيجعله نبياً مرسلاً ، يعلى كلمته في الدنيا والآخرة ، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون " فالتقطه آل فرعون " قال الله تعالى : " ليكون لهم عدوا وحزنا " قال بعضهم : هذه ( لام ) العاقبة ، وهو ظاهر إن كان متعلقاً بقوله : " فالتقطه " وأما إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام ، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً ، وصارت اللام معللة كغيرها والله أعلم ويقوى هذا التقدير الثاني قوله : " إن فرعون وهامان " وهو الوزير السوء " وجنودهما " التابعين لهما " كانوا خاطئين " أي كانوا على خلاف الصواب ، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة

                          وذكر المفسرون : أن الجواري التقطنة من البحر في تابوت مغلق عليه ، فلم يتجاسرن على فتحه ، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد ، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف ، وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى وقيل بل كانت عمته ، حكاه السهيلي فالله أعلم

                          وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران ، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة

                          فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب ، ورأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية ، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً فلما جاء فرعون قال : ما هذا ؟ وأمر بذبحه ، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت : " قرة عين لي ولك " فقال لها فرعون : أما لك فنعم وأما لي فلا ، أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق !

                          وقولها : " عسى أن ينفعنا " قد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به ، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه " أو نتخذه ولدا " وذلك أنهما تبنياه ، لأنه لم يكن يولد لهما ولد قال الله تعالى : " وهم لا يشعرون " أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم ، أن قيضهم لالتقاطه ، من النقمة العظيمة لفرعون وجنوده ؟

                          وعند أهل الكتاب أن التي التقطت موسى دربته ابنة فرعون وليس لامرأته ذكر بالكلية وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل

                          وقال الله تعالى : " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون
                          sigpic

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #58
                            قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم : " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا مكن موسى " إن كادت لتبدي به " أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة " لولا أن ربطنا على قلبها " أي صبرناها وثبتناها " لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته " وهي ابنته الكبيرة : " قصيه " أي اتبعي أثره ، واطلبي لي خبره " فبصرت به عن جنب " قال مجاهد : عن بعد وقال قتادة : جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده ولهذا قال : " وهم لا يشعرون " وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً ، فحاروا في أمره ، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل ، كما قال تعالى : " وحرمنا عليه المراضع من قبل " فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق ، لعلهم يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والنساء إلى السوق عكوف عليه إذ بصرت به أخته ، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت : " هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " ؟ قال ابن عباس : لما قالت ذلك ، قالوا لها : ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه ؟ فقالت : رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته

                            فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم ، فأخذته أمه ، فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً ، وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك ، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها ، وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلاً وأولاداً ، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ، ورتبت لها رواتب ، وأجرت عليها النفقات والكساوى والهبات ، فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها

                            قال الله تعالى : " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق " أي كما وعدها برده ورسالته ، فهذا رده ، وهو دليل على صدق البشارة برسالته " ولكن أكثرهم لا يعلمون "

                            وقد امتن على موسى بهذا ليلة كلمه ، فقال له فيما قال : " ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني " وذلك أنه كان يراه أحد إلا أحبه " ولتصنع على عيني " قال قتادة وغير واحد من السلف : أي تطعم وترفه وتعذي بأطيب المآكل ، وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني ، وذلك كله بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك ولك ، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري " إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا " وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان

                            " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين "

                            لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها ، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى ، وهو احتكام الخلق والخلق ، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين ، آتاه الله حكماً وعلماً ، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال : " إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين "

                            ثم شرع في ذكر سبب خروجه * من بلاد مصر ، وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك ، حتى كمل الأجل وانقضى الأمد ، وكان ما كان من كلام الله له ، وإكرامه بما أكرمه به ، كما سيأتي

                            قال تعالى : " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي : وذلك نصف النهار ، وعن ابن عباس : بين العشائين

                            " فوجد فيها رجلين يقتتلان " أي يتضاربان ويتهارشان " هذا من شيعته " أي إسرائيلي " وهذا من عدوه " أي قبطي قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق

                            " فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " وذلك أن موسى عليه السلام ، كانت له بديار مصر صولة ، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته ، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة ، وارتفعت رءوسهم بسبب أنهم أرضعوه ، وهم أخواله - أي من الرضاعة - فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى " فوكزه " قال مجاهد : أي طعنه بجمع كفه ، وقال قتادة : بعصاً كانت معه ، " فقضى عليه " أي فمات منها

                            وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ، ولم يرد موسى قتله بالكلية ، وإنما أراد زجره وردعه ، ومع هذا " قال " موسى : " هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي " أي من العز والجاه " فلن أكون ظهيرا للمجرمين "

                            " فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين * فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين * وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين "

                            يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً - أي من فرعون وملئه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره ، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل ، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ، ويترتب على ذلك أمر عظيم

                            فصار يسيرفي المدينة في صبيحة ذلك اليوم " خائفا يترقب " أي يتلفت ، فبينما هو كذلك ، إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه ، أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قتله ، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخامته ، قال له : " إنك لغوي مبين " ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي ، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي ، فيردعه عنه ويخلصه منه ، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين "

                            قال بعضهم : إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما صنع موسى بالأمس ، وكأنه لما رأى موسى مقبلاً إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه ، لما عنفه قبل ذلك بقوله : " إنك لغوي مبين " فقال ما قال لموسى ، وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس فذهب القبطي فاستعدي فرعون على موسى وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه ويحتمل أن قائل هذه هو القبطي ، وأنه لما رآه مقبلاً إليه خافه ، ورأى من سجيته انتصاراً جديداً للإسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة : إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس ، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم

                            والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه ، وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب " وجاء رجل من أقصى المدينة " ساعياً إليه مشفقاً عليه فقال : " يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج " أي من هذه البلدة " إني لك من الناصحين " أي فيما أقوله لك
                            sigpic

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #59
                              خروج موسى من مصر إلى مدين

                              قال الله تعالى : " فخرج منها خائفا يترقب " أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه ، قائلاً : " رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير "

                              يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب ، أي يتلفت ، وخشية أن يدركه أحد من قوم فرعون ، وهو لا يدري أين يتوجه ، ولا إلى أين يذهب ، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها

                              " ولما توجه تلقاء مدين " أي اتجه له طريق يذهب فيه ، " قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود وكذا وقع ، فقد أوصلته إلى مقصود وأي مقصود

                              " ولما ورد ماء مدين " وكانت بئراً يسقون منها ، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة ، وهم قوم شعيب عليه السلام ، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء

                              ولما ورد الماء المذكور " وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان " أي تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس

                              وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات ، وهذا أيضاً من الغلط ، ولعلهن كن سبعاً ، ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن ، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظاً ، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين " قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير " أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء ، لضعفنا ، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى : " فسقى لهما "

                              قال المفسرون : وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة ، فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس ، فلما كان ذلك اليوم ، جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده ، ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان قال أمير المؤمنين عمر : وكان لا يرفعه إلا عشرة ، وإنما استقى ذنوباً واحداً فكفاهما

                              ثم تولى إلى الضل ، قالوا : وكان ظل شجرة من السمر وروى ابن جرير عن ابن مسعود ، أنه رآها خضراء ترف " فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير "

                              قال ابن عباس : سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافياً فسقطت نعلاً قدميه من الحفاء وجلس في الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع ، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة

                              قال عطاء بن السائب لما قال : " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " أسمع المرأة

                              " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين * قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل "

                              لما جلس موسى عليه السلام في الظل وقال : " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " سمعته المرأتان فيما قيل ، فذهبتا إلى أبيهما فيقال : إنه استنكر سرعة رجوعهما ، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما ، أن تذهب إليه فتدعوه : " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء " أي مشي الحرائر ، " قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة وهذا من تمام حيائها وصيانتها : " فلما جاءه وقص عليه القصص " وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فراراً من فرعونها " قال " له ذلك الشيخ : " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم

                              وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو ؟ فقيل هو شعيب عليه السلام وهذا هو المشهور عند كثيرين ، وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس ، وجاء مصرحاً به في حديث ، ولكن في إسناده نظر

                              وصرح طائفة بأن شعيباً عليه السلام عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه ، حتى أدركه موسى عليه السلام هذا ، وتزوج بابنته

                              وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري : أن صاحب موسى عليه السلام هذا ، اسمه شعيب ، وكان سيد الماء ، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين وقيل : إنه ابن أخي شعيب ، وقيل : ابن عمه ، وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب ، وقيل : رجل اسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب : يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها

                              وقال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله : اسمه يثرون زاد أبو عبيدة : وهو ابن أخي شعيب وزاد ابن عباس : صاحب مدين

                              والمقصود : أنه لما أضافه وأكرم مثواه ، وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا ، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها : " يا أبت استأجره " أي لرعي غنمك ، ثم مدحته بأنه قوي أمين

                              قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد : لما قالت ذلك ، قال لها أبوها : وما علمك بهذا ؟ فقال : إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة ، وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال : كوني من ورائي ، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق

                              قال ابن مسعود : أفرس الناس ثلاثة : صاحب يوسف حين قال لامرأته : " أكرمي مثواه " وصاحبة موسى حين قالت : " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب

                              " قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين "

                              استدل بهذه جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك ، أن يصح ، لقوله : " إحدى ابنتي هاتين "

                              وفي هذا نظر ، لأن هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم

                              واستدل أصحاب أحمد على صحة الإستئجار بالطعمة والكسوة ، كما جرت به العادة ، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه مترجماً عليه في كتابه : باب استئجار الأجير على طعام بطنه حدثنا محمد بن المصفى الحمصي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن مسلمة بن على ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن الحارث بن يزيد ، عن على بن رباح قال : سمعت عتبة ابن الندر يقول : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ : " طسم " حتى إذا بلغ قصة موسى ، قال : " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين - أو عشر سنين - على عفة فرجه وطعام بطنه "

                              وهذا الحديث من هذا الوجه لا يصح ، لأن مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده ، ولكن قد روى من وجه آخر ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر ، حدثني أبي لهيعة ح وحدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن علي بن رباح اللخمي قال : سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن موسى عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه "

                              ثم قال تعالى : " ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل " يقول : إن موسى قال لصهره : الأمر على ما قلت ، فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع وشاهد ، ووكيل علي وعليك ، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة

                              قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا مروان بن شجاع ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : سألني يهودي من أهل الحيرة : أي الأجلين قضي موسى ؟ فقلت : لا أدرى حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما ، أن رسول الله إذا قال فعل

                              تفرد به البخاري من هذا الوجه ، وقد رواه النسائي في حديث الفتون ، كما سيأتي من

                              طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير به

                              وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي ، وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سألت جبريل أي الأجلين قضي موسى ؟ قال : أتمهما وأكلهما "

                              وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي ، عن سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن أعين ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره

                              وقد رواه سنيد عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مرسلاً

                              أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل ، فسأل إسرافيل الرب عز وجل فقال : أبرها وأوفاهما

                              وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرج مرسلاً

                              ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أوفاهما وأتمهما

                              وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني ، وهو ضعيف ، عن أبيه عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أوفاهما وأبرهما قال : وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقال الصغرى منهما

                              وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن على بن رباح ، عن عتبة بن الندر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " فلما وفي الأجل قيل : يا رسول الله أي الأجلين ؟ ،قال : أبرهما وأوفاهما

                              فلما أراد فراق شعيب - سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت غنمه ، من قالب لون من ولد ذلك العام ، وكانت غنمه سوداء حساناً ، فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها ثم وضعها في أدني الحوض ، ثم أوردها فسقاها ، ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض ، فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة ، قال : فأتأمت وألبنت ووضعت كلها في قوالب ألوان ، إلا شاة أو شاتين ، ليس فيها فشوش ، ولا ضبوب ، ولا عزوز ، ولا ثعول ، ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية "

                              قال ابن لهيعة : الفشوش : واسعة الشخب ، والضبوب : طويلة الضرع تجره والعزوز : ضيقة الشخب والثعول : الصغيرة الضرع كالحلمتين ، والكموش : التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره

                              وفي صحة رفع هذا الحديث نظر وقد يكون موقوفاً كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، حدثنا أنس بن مالك قال : لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما ، قال له صاحبه : كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها ، فعمد موسى فوضع حبالاً على الماء فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقاً إلا شاءة واحدة ، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام وهذا إسناد جيد رجاله ثقات والله أعلم

                              وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقاً ، ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم

                              * * *

                              قال الله : " فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين "

                              تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما ، وقد يؤخذ هذا من قوله : " فلما قضى موسى الأجل " وعن مجاهد : أنه أكمل عشراً وعشراً بعدها

                              وقوله : " وسار بأهله " أي من عند صهره ، زاعماً - فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم - أنه اشتاق إلى أهله ، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه

                              قالوا : واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة ، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف ، وجعل يورى زناده فلا يورى شيئاً ، واشتد الظلام والبرد

                              فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه فـ " قال لأهله امكثوا إني آنست نارا " وكأنه والله أعلم رآها دونهم ، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة ، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد : " لعلي آتيكم منها بخبر " أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق : " أو جذوة من النار لعلكم تصطلون " فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة ، لقوله في الآية الأخرى : " وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق ، وجمع الكل في سورة النمل في قوله : " إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون " وقد أتاهم بخبر وأي خبر ، ووجد عندها هدي وأي هدي ، واقتبس منها نوراً وأي نور ؟ !
                              sigpic

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #60
                                إرسال موسى لفرعون وقومه

                                قال الله تعالى : " فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين "

                                وقال في النمل : " فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين " أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد " يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم "

                                وقال في سورة طه : " فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى "

                                قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف : لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها ، وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج وكل ما لتلك النار في اضطرام ، وكل ما لخضرة تلك الضجرة في ازدياد فوقف متعجباً وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه ، كما قال تعالى : " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين " وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة ، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب ، فناداه ربه بالواد المقدس طوي ، فأمر أولاً بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة

                                وعند أهل الكتاب : أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور ، مهابة له وخوفاً على بصره

                                ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلاً له : " إني أنا الله رب العالمين " " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له

                                ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار ، و إنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها : " لتجزى كل نفس بما تسعى " أي من خير وشر ، وحضه وحثه على العمل لها ، ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصي مولاه واتبع هواه ، ثم قال مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شيء ، والذي يقول للشيء كن فيكون : " وما تلك بيمينك يا موسى " أي أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها ؟ أي بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها ،

                                " قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى "

                                وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول لشيء كن فيكون ، وأنه الفعال بالإختيار

                                وعند أهل الكتاب : أنه سأل برهاناً صادقاً على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر ، فقال له الرب عز وجل : ما هذه التي في يدك ؟ قال : عصاي ، قال : ألقها إلى الأرض " فألقاها فإذا هي حية تسعى " فهرب موسى من قدامها فأمر الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها ، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده

                                وقد قال الله تعالى في الآية الآخرى : " وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب " أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك ، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان ، وهو ضرب من الحيات يقال له : الجان والجنان ، وهو لطيف ولكن سريع الإضطراب والحركة جداً ، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام : " ولى مدبرا " أي هارباً منها ، لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك " ولم يعقب " أي ولم يلتفت ، فناداه ربه قائلاً له : " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين "

                                فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها " قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى " فيقال إنه هابها شديداً ، فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها وعند أهل الكتاب : أمسك بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين ، فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين !

                                ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه ، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء ، أي من غير برص ولا بهق ، ولهذا قال : " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب " قيل معناه : إذا حفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك

                                وهذا وإن كان خاصاً به ، إلا أن بركة الإيمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الإقتداء بالأنبياء

                                وقال في سورة النمل : " وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين " أي هاتان الآيتان وهما : العصا واليد ، هما البرهانان المشار إليهما في قوله : " فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين " ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان ، حيث قال تعالى : " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا "

                                وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله : " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه

                                وهذه التسع الآيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية ، والعشر من كلماته الشرعية ، وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة ، فظن أن هذه هي هذه ، كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل

                                * * *

                                والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون : " قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون "

                                يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام ، في جوابه لربه عز وجل ، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فراراً من سطوته وظلمه ، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا : " قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون " أي أجعله معي معيناً وردءاً ووزيراً يساعدني ، ويعينني على أداء رسالتك إليهم فإنه أفصح مني لساناً وأبلغ بياناً

                                قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله : " سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا " أي برهاناً " فلا يصلون إليكما " أي فلا ينالون منكما مكروهاً بسبب قيامكما بآياتنا ، وقيل ببركة آياتنا " أنتما ومن اتبعكما الغالبون "

                                وقال في سورة طه : " اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي " قيل إنه أصابه في لسانه لثغة ، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه ، والتي كان فرعون أراد اختبار عقله ، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله ، فخافت عليه آسية وقالت : إنه طفل ، فاختبره بوضع ثمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ الثمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة ، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ، ولم يسأل زوالها بالكلية

                                قال الحسن البصري : والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ، ولهذا بقيت في لسانه بقية

                                ولهذا قال فرعون ، قبحه الله ، فيما زعم أنه يعيب به الكليم : " ولا يكاد يبين " أي يفصح عن مراده ، ويعبر عما في ضميره وفؤاده

                                ثم قال موسى عليه السلام : " واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد أوتيت سؤلك يا موسى "

                                أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت ، وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل ، حين شفع أن يوحى الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم ، قال الله تعالى : " وكان عند الله وجيها " وقال تعالى : " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا "

                                وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج : أي أخ أمن على أخيه ؟ فسكت القوم ، فقالت عائشة لمن حول هودجها : هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه قال الله تعالى : " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا "

                                * * *
                                sigpic

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X