إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

قصص الانبياء

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #76
    ذكر بناء قبة الزمان

    قال أهل الكتاب : وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة من خشب الشمشاز وجلود الأنعام وشعر الأنعام ، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ، ولها عشر سرادقات ، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعاً ، وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير ودمقس مصبغ ، وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زواية بابان وأبواب أخر كبيرة ، وستور من حرير مصبغ وغير دلك مما يطول ذكره ، وبعمل تابوت من خشب الشمشاز يكون بطوله ذراعين ونصفاً ، وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعاً ونصفاً ، ويكن مضبباً بذهب خالص من داخله وخارجه ، وله أربع حلق في أربع زواياه ، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب - يعنون صفة ملكين بأجنحة - وهما متقابلان صنعة رجل اسمه : بصليال

    وأمره أن يعمل مائدة من خشب الشمشاز طولها ذراعان وعرضها ذراعان ونصف ، لها ضباب ذهب وإكليل ذهب بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب ، وأربع حلق من نواحيها من ذهب ، مغرزة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهباً وأن يعمل صحافاً ومصافي وقصاعاً على المائدة ، ويصنع منارة من الذهب دلي فيها ست قصبات من ذهب ، من كل جانب ثلاثة ، على كل قصبة ثلاثة سرج ، وليكن في المنارة أربع قناديل ، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من ذهب صنع ذلك بصليال أيضاً ، وهو الذي عمل المذبح أيضاً

    ونصبت هذه القبة أول يوم من سنتهم ، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة ، وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى : " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين "



    وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولاً جداً ، وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة قربانهم ، وكيفيته وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدم على مجيئهم بيت المقدس ، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها ، ويتقربون عندها ، وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها ، وينزل عمود الغمام على بابها ، فيخرون عند ذلك سجداً لله عز وجل

    ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه ويناجيه ، ويأمره وينهاه ، وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله عز وجل إليه من الأوامر والنواهي

    وإذا تحاكموا إليه في شيء ليس عنده من الله فيه شيء ، يجيء إلى قبة الزمان ، ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبيين ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة

    وقد كان هذا مشروعاً لهم في زمانهم ، أعنى استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ ، في معبدهم وعند مصلاهم ، فأما في شريعتنا فلا ، بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها ، لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، للذي وكله على عمارته : ابن للناس ما يكنهم ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس ، وقال ابن عباس : لا تزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها

    وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه ، فهذه الأمة غير مشابهة من كل قبلهم من الأمم ، إذ جمع الله هممهم في صلاتهم على التوجه إليه والإقبال عليه ، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الإشتغال والتفكير في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة فلله الحمد والمنة

    وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه ، يصلون إليه وهي قبلتهم وكعبتهم ، وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام ، ومقدم القربان أخوه هارون عليه السلام

    فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمر بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم ، من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن

    وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون عليه السلام ، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه

    والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس ، نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة ، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صلى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، وكان يجعل الكعبة بين يديه ، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس فصلي إليه ستة عشر - وقيل سبعة عشر -شهراً

    ثم حولت القبلة إلى الكعبة وهي قبلة إبراهبم الخليل في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر وقبل الظهر ، كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى : " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام " الآيات
    sigpic

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #77
      قصة قارون مع موسى عليه السلام

      قال الله تعالى : " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون * تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين "

      قال الأعمش عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان قارون ابن عم موسى ، وكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وزاد فقال : هو قارون بن يصهب بن قاهث ، وموسى ابن عمران بن قاهث قال ابن جرير : وهذا قول أكثر أهل العلم ، أنه كان ابن عم موسى ، ورد قول ابن إسحاق أنه كان عم موسى قال قتادة : وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة ، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري ، فأهلكه البغي لكثرة ماله ، وقال شهر بن حوشب : زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه

      وقد ذكر الله تعالى كثر كنوزه ، حتى إن مفاتحه كان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد ، وقد قيل إنها كانت من الجلود وإنها كانت تحمل على ستين بغلاً فالله أعلم

      وقد وعظه النصحاء من قومه قائلين : " لا تفرح " أي لا تبطر بما أعطيت وتفخر على غيرك " إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة " يقولون : لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة ، فإنه خير وأبقى ، ومع هذا : " لا تنس نصيبك من الدنيا " أي وتناول منها بمالك ما أحل الله لك ، فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ، " وأحسن كما أحسن الله إليك " أي وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقهم وبارئهم إليك ، " ولا تبغ الفساد في الأرض " أي ولا تسئ إليهم ولا تفسهم فيهم ، فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك ويسلبك ما وهبك : " إن الله لا يحب المفسدين "

      فما كان جواب قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن " قال إنما أوتيته على علم عندي " يعنى أنا لا أحتاج إلى استماع ما ذكرتم ، ولا إلى ما إليه أشرتم ، فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه ، وأني أهل له ، ولولا أني حبيب إليه وحظي عنده لما أعطاني ما أعطاني

      قال الله تعالى رداً عليه فيما ذهب إليه : " أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فلو كان ما قال صحيحاً لم نعاقب أحداً ممن كان أكثر مالاً منه ، ولم يكن ماله دليلاً على محبتنا له واعتنائنا به ، كما قال تعالى : " وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا " وقال تعالى : " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله : " إنما أوتيته على علم عندي "

      وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء ، لو أنه كان يحفظ الإسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال ، فليس بصحيح ، لأن الكيمياء تخييل وصنعة ، ولا تحيل الحقائق ، ولا تشابه صنعة الخالق والإسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به ، وقارون كان كافراً في الباطن منافقاً في الظاهر ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على التقدير ، ولا يبقى بين الكلامين تلازم وقد وضحنا هذا في كتابنا التفسير ، ولله الحمد

      قال الله تعالى : " فخرج على قومه في زينته " ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم ، من ملابس ومراكب وخدم وحشم ، فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله ، وغبطوا بما عليه وله ، فلما سمع مقالتهم العلماء ، ذوو الفهم الصحيح الزهاد الأنباء ، قالوا لهم : " ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا " أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى قال الله تعالى : " ولا يلقاها إلا الصابرون " أي وما يلقى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية ، عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى الله قلبه وثبت فؤاده ، وأيد لبه وحقق مراده

      وما أحسن ما قال بعض السلف : إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات

      قال الله تعالى : " فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين "

      لما ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها ، وفخره على قومه بها قال : " فخسفنا به وبداره الأرض " كما روى البخاري من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلي يوم القيامة "

      ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد ، عن سالم ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وقد ذكر عن ابن عباس والسدي : أن قارون أعطى امرأة بغياً ما لا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملأ من الناس : إنك فعلت بي كذا وكذا ، فيقال إنها قالت له ذلك ، فأرعد من الفرق وصلى ركعتين ، ثم أقبل عليها فاستحلفها من ذلك على ذلك ، وما حملك عليه ، فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك واستغفرت الله وتابت إليه فعند ذلك خر موسى لله ساجداً ودعا الله على قارون فأوحى الله إليه : إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه ، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره ، فكان ذلك والله أعلم

      وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر بجحفله وبغاله وملابسه على مجلس موسى عليه السلام ، وهو يذكر قومه بأيام الله فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير منهم ينظرون إليه فدعاه موسى عليه السلام فقال له : ما حملك على هذا ؟ ققال : يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة ، فقد فضلت عليك بالمال ، ولئن شئت لتخرجن فلتدعون على ولأدعون عليك

      فخرج موسى وخرج قارون في قومه ، فقال له موسى : تدعو أو أدعو أنا ؟ قال : أدعو أنا ، فدعا قارون فلم يجب له في موسى ، فقال موسى : أدعو ؟ قال : نعم فقال موسى : اللهم مر الأرض فلتطعني اليوم ، فأوحى الله إليه : إني قد فعلت فقال موسى : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم ، ثم قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ، ثم إلى مناكبهم ثم قال : أقبلي بكنهوزهم وأموالهم ، فأقبلت بها حتى نظروا إليها ، ثم أشار موسى بيده فقال : اذهبوا بني لاوي ، فاستوت بهم الأرض

      وقد روى عن قتادة أنه قال : يخسف بهم كل يوم قامة إلى يوم القيامة ، وعن ابن عباس أنه قال : خسف بهم إلى الأرض السابعة وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ، أضربنا عنها صفحاً وتركناها قصداً

      وقوله تعالى : " فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين " لم يكن ناصر له من نفسه ولا من غيره كما قال : " فما له من قوة ولا ناصر "

      ولما حل به ما حل من الخسف وذهاب الأموال وخراب الدار ، وإهلاك النفس والأهل والعقار ، ندم من كان يتمني مثل ما أوتي ، وشكروا الله تعالى ، الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ، ولهذا قالوا : " لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون " وقد تكلمنا على لفظ : " ويكأن " في التفسير ، وقد قال قتادة ، ويكأن بمعنى ألم ترأن وهذا قول حسن من حيث المعنى والله أعلم

      ثم أخبر تعالى : أن " الدار الآخرة " وهي دار القرار ، وهي الدار التي يغبط من أعطيها ويعزى من حرمها إنما هي معدة " للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " فالعلو هو التكبر والفخر والأشر والبطر

      والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية ، من أخذ أموال الناس وإفساد معايشهم ، والإساءة إليهم وعدم النصح لهم

      ثم قال تعالى : " والعاقبة للمتقين "

      وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر ، لقوله : " فخسفنا به وبداره الأرض " فإن الدار ظاهرة في البنيان ، وقد تكون بعد ذلك في التيه ، وتكون الدار عبارة على المحلة التي تضرب فيها الخيام ، كما قال عنترة :

      يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمى صباحاً دار عبلة واسلمي

      والله أعلم

      وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن ، قال الله : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب "

      وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود : " وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين * فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "

      فالذي خسف به الأرض قارون كما تقدم ، والذي أغرق فرعون وهامان وجنودهما أنهم كانوا خاطئين

      وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد ، حدثنا كعب بن علقمة ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوماً فقال : " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " انفرد به أحمد رحمه الله
      sigpic

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #78
        باب ذكر فضائل موسى عليه السلام

        وشمائله وصفاته ووفاته

        قال الله تعالى :" واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا "

        وقال تعالى :" قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين "

        وتقدم في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا تفضلوني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش ، فلا أدري أصعق فأفاق قبلي ؟ أم جوزي بصعقة الطور ؟ "

        وقد قدمنا أنه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من باب الهضم والتواضع ، وإلا فهو - صلوات الله وسلامه عليه - خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، قطعاً جزماً لا يحتمل النقيض

        وقال تعالى :" إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط " إلى أن قال :" ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما "

        وقال تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها "

        قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن روح بن عبادة ، عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه " فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده ، إما برص ، وإما أدرة ، وإما آفة وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ، فخلا يوماً وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب ألحجر فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرأئيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله ، وبرأه الله مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه ، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فذلك قوله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها "

        وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق وهمام بن منبه عن أبي هريرة به وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ثمام عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه

        قال بعض السلف : كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله ، وطلب منه أن يكون معه وزيراً ، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبياً ، ؟ قال " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا "

        ثم قال البخاري : حدثنا أبو الوليد : حدثنا شعبة عن الأعمش قال : سمعت أبا وائل ، قال : سمعت عبد الله ، قال : قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قسماً ، فقال رجل : إن هذه القسكة ما أريد بها وجه الله ، فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبرته فغضب ، حتى رأيت الغضب في وجهه ، ثم قال : " يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به

        وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن حجاج ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان ، عن زيد بن أبي زائد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :" لا يبلغني أحد من أحد شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " قال : وأتي رسول الله مال فقسمه ، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا ، ثم أتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً وإني مررت بفلان وفلان

        وهما يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله وشق عليه ، ثم قال : " دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر "

        وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن أبي هاشم به وفي رواية للترمذي ولأبي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد به وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه

        وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الإسراء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى وهو قائم يصلى في قبره ، ورواه مسلم عن أنس

        وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر ليلة أسرى به بموسى في السماء السادسة ، فقال له جبريل : هذا موس ، فسلم عليه قال : " فسلمت عليه فقال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح ، فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخله من أمتي "

        وذكر إبراهيم في السماء السابعة ، وهذا هو المحفوظ

        وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة ، بتفضيل كلام الله - فقد ذكر غير واحد من الحفاظ : أن الذي عليه الجادة : أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة ، وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه أخر ما عليهم

        واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة - مر بموسى ، فقال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك ، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة ، وإن أمتك أضعف أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ، ويخفف عنه في كل مرة ، حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة وقال الله تعالى : هي خمس وهي خمسون أي بالمضاعفة ، فجزي الله عنا محمداً صلى الله عليه وسلم خيراً ، وجزي الله عنا موسى عليه السلام خيراً

        وقال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا حصين بن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال :" عرضت علي الأمم ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق ، فقيل هذا مومى في قومه "

        هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصراً

        وقد رواه الإمام أحمد مطولاً فقال : حدثنا شريح ، حدثنا هشام ، حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت ؟ إني ، ثم قلت : إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت قال ، وكيف فعلت ؟ قلت : استرقيت قال : وما حمللث على ذلك ؟ قال قلت : حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال : لا رقية إلا من عين أو حمة فقال سعيد - يعني ابن جبير- قد أحسن من أنهي إلى ماسع

        ثم قال : حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عرضت علي الأمم فرأيت الني ومعه الرهط ، والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع لي سواد عظيم فقلت : هذه أمتي ؟ فقيل : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فإذا سواد عظيم ، ثم قيل انظر إلى هذا الجانب ، فإذا سواد عظيم ، فقيل : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفأ يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب

        ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ، فخاض القوم في ذلك ، فقالوا : من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ؟ فقال بعضهم : لعلهم الذين صحبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال بعضهم : لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً قط ، وذكروا أشياء

        فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه ؟ فأخبروه بمقالتهم فقال : هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال : أنا منهم يا رسول الله ؟ قال : أنت منهم ثم قام آخر فقال : أنا منهم يا رسول الله ؟ فقال : سبقك بها عكاشة !

        وهذا الحديث له طرق كثيرة جداً وهو في الصحاح والحسان وغيرها وقد أوردناها في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها

        وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيراً ، وأثني عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مراراً ، وكررها كثيراً ، مطولة ومبسوطة ومختصرة ، وأثني عليه ثناء بليغاً

        وكثيراً ما يقرنه الله ويذكره ، ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ، كما قال في سورة البقرة : " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون "

        وقال تعالى : " الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام "

        وقال تعالى في سورة الأنعام : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون "

        فأثني الله تعالى على التوراة ، ثم مدح القرآن العظيم مدحاً عظيماً

        وقال تعالى في آخرها :" ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون "

        وقال تعالى في سورة المائدة :" إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " إلى أن قال :" وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه " الآية

        فجعل القرآن حاكماً على سائر الكتب غيره ،وجعله مصدقاً لها ومبيناً ما وقع فيها من التحريف والتبديل ، فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب ، فلم يقدروا على حفظها ولا على ضبطها وصونها ، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم ، ولسوء فهمهم وقصورهم في علومهم ، ورداءة قصودهم وخيانتهم لمعبودهم ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ، ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسوله - مالا يحد ولا يوصف -ومالا يوجد مثلة ولا يعرف

        وقال تعالى في سورة الأنبياء :" ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون "

        وقال الله تعالى في سورة القصص : " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * قل فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين "

        فأثني الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام

        وقالت الجن لقومهم :" إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى "

        وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله خبر ما رأى من أول الوحي وتلا عليه :" اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم " قال : سبوح سبوح ، هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران

        وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت شريعة عظيمة ، وأمته كانت أمة كثيرة ، ووجد فيها أنبياء وعلماء ، وعباد وزهاد وألباء وملوك وأمراء ، وسادات وكبراء ، لكهنم كانوا فبادوا ، وتبدلوا كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة وخنازير ، ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم ، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان
        sigpic

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #79
          ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام

          هو الخليل يوشع بن نون بن إفرائيم بن يونس بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، وأهل الكتاب يقولون : يوشع ابن عم هود

          وقد ذكره الله في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله : " وإذ قال موسى لفتاه " (الكهف) " فلما جاوزا قال لفتاه " وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبي كعب رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من أنه يوشع بن نون

          وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب ، فإن طائفة منهم وهم السامرة ، لا يقمرون بنبوة أحمد بعد موسى إلا يوشع بن نون ، لأنه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم من ربهم فعليهم لعائن الله المتابعة إلى يوم القيامة !

          وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق : من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع ، في آخر عمر موسى ، فكان موسى يلقي يوشع فيسأله ما أحدث الله إليه من الأوامر والنواهي ، حتى قال له : يا كليم الله إني كنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت ففي هذا نظر ، لأن موسى عليه السلام لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله إليه من جميع أحواله ، حتى توفاه الله عز وجل ، ولم يزل معززاً مكرماً مدللاً وجيهاً عند الله ، كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين مالك الموت ، ثم بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها ، قال ، ثم ماذا ؟ قال : الموت ، قال : فالآن يا رب ، وسأل الله أن يدنيه إلى البيت المقدس رمية بحجر ، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه

          فهذا الذي ذكر محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة : أن الوحي لم ينزل على موسى في كل حين يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى ، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان

          ولقد ذكروا في السفر الثالث : أن الله أمر موسى وهارون أن يعدا بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميراً وهو النقيب ، وماذاك إلا ليتأهبوا للقتال ، قتال الجبارين عند الخروج من التيه ، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة ولهذا قال بعضهم : إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت ، لأنه لم يعرفه في صورته تلك ، ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه ، ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام

          ولما جهز رسوا الله جيش أسامة ، توفي عليه الصلاة والسلام وأسامة مخيم بالجرف ، فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ثم لما لم شعث جزيرة العرب ، وما كان دهي من أمر أهلها ، وعاد الحق إلى نصابه ، جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفيرس ، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ، ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم ، وملكهم نواصي أعدائهم

          وهذكا موسى عليه السلام : كان الله دق أمره أن يجند بني إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى :" ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل " يقول لهم : لئن قمتم بما أوجبت عليكم ، ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفراً لما وقع عليكم من عقاب عليكم ، ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفراً لما وقع بما أوجبت عليكم ، ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة ، لأجعلن ثواب هذه مكفراً لما وقع عليكم من عقاب تلك ، كما قال تعالى لمن تخلف من الأعراب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن غزوة الحديبية :" قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما "

          وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل : " فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل " ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانها ، وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد

          والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ، ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعداً ، وأن يجعل على كل سبط نقيباً منهم السبط الأول : سبط روبيل لأنه بكر يعقوب ، وكان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفاً وخمسمائة ، ونقيبهم منهم وهو اليصور بن شديئور السبط الثاني : سبط شمعون : وكانوا تسعة وخمسين ألفاً وثلاثمائة ، ونقيبهم شلوميئيل ابن هوريشداي ، السبط الثالث : سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين ألفاً وستمائة ، ونقيبهم نحشون بن عمينا ذاب السبط الرابع : سبط أيساخر وكانوا أربعة وخمسين ألفاً وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوعر السبط الخامس : سبط يوسف عليه السلام وكانوا أربعين ألفاً وخمسمائة ، ونقيبهم يوشع بن نون السبط السادس : سبط ميشا ، وكانوا أحداً وثلاثين ألفاً ومائتين ونقيبهم جمليئيل بني فدهصور السبط السابع :سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفاً وأربعمائة ، ونقيبهم أبيدن بن جدعون السبط الثامن : سبط حاد ، وكانوا خمسة وأربعين ألفاً وستمائة وخمسين رجلاً ، ونقيبهم الياساف بن رعوئيل والسبط التاسع : سبط أشير ، وكانوا أحدا وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم فجعيئيل بن عكران السبط العاشر : سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفا وسبعمائة ، ونقيبهم أخيعزر ابن عمشداي السبط الحادي عشر : سبط نفتالي ، وكانوا ثلاثة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم الباب بن حيلون هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم

          وليس منهم بنو لاوي فقد أمر الله موسى ألا يعدهم معهم ، لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها وخزنها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا ، وهم سبط موس وهارون عليهما السلام ، وكانوا اثنين وعشرين ألفا ، من ابن شهر فما فوق ذلك ، وهم في أنفسهم قبائل من كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها ، وهم كلهم حولها ، ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها

          وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمائة ألف واحد وسبعون ألفاً وستمائة وستة وخمسون لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون فما فوق ذلك ، ممن حمل السلاح ، ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلاً ، سوى بني لاوي

          وفي هذا نظر ، فإن جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم ، لا تطابق الجملة التي ذكروها والله أعلم

          فكان بنو لاوي الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل ، وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل ، ورأس الميسرة بنو دان وبنو نفتالي يكونون ساقة وقرر موسى عليه السلام - بأمر الله تعالى له - الكهانة في بني هارون ، كما كانت لأبيهم من قبلهم ، وهم : ذناداب وهو بكره ، وأبيهو ، وألعازر ، ويثمر ، والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا :" فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " قاله الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس ، وقاله قتادة وعكرمة ، ورواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعاً

          وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان يوشع على مقدمته وذكر في مروره إليها قصة بلعام بن باعورا الذي قال تعالى فيه :" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون "

          وقد ذكرنا قصته في التفسير ، وأنه كان - فيما قاله ابن عباس وغيره - يعلم الاسم الأعظم ، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه - فامتنع عليهم ، ولما ألحوا عليه ركب حمارة له ، ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل ، فلما أشرف عليهم رضت به حمارته فضربها حتى قامت ، فسارت غير بعيد وربضت فضربها ضرباً أشد من الأول فقامت ثم ربضت ، فضربها فقالت له : يا بلعام أين تذهب ؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا ؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم ؟ فلم ينزل عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ، ويدعو على قوم نفسه ، فلاموه على ذلك فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا ، واندلع لسانه حق وقع على صدره ، فقال لقومه : قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة ، ولم يبق إلا المكر والحيلة

          ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم لعلهم يقعون في الزنى ، فإنه متى زنى رجل منهم كفيتوهم ، ففعلوا وزينوا نسائهم وبعثوهم إلى المعسكر ، فمرت امرأة منهم اسمها كسبتى برجل من عظماء بني إسرائيل : وهو زمرى بن شلوم يقال إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته ، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل ، فجعل يجوس فيهم ، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العيزار بن هارون ، أخذ حربته وكانت من حديد ، فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعاً فيها ، ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده ، وقد اعتمد على خاصرته وأسندها إلى لحيته ، ورفعهما نحو السماء وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفاً ، والمقلل يقول عشرين ألفاً ، وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون ، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللبة والذراع واللحى ، ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم

          وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح ، وقد ذكره غير واحد من علماء السلف ، لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية ، ولعله مراد ابن إسحاق ، ولكنه غير ما فهمه بعض الناقلين عنه ، وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم

          ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه ، فإن في هذا السياق ذكر حسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعله كان قاصداً بين المقدس ، كما صرح به السدى والله أعلم
          sigpic

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #80
            وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور : أن هارون توفى بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين ، وبعده موسى في التيه أيضاً ، كما قدمنا وأنه سأل ربه أن يقربه إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك

            فكأن الذي خرج بهم في التيه ، وقصد بهم بيت المقدس ، هو يوشع بن نون عليه السلام ، فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ ، أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن أسواراً وأعلاها قصوراً ، وأكثرها أهلا ، فحاصرها ستة أشهر ثم إنهم أحاطوا بها يوماً وضربوا بالقرون - يعني الأبواق - وكبروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسخ سورها وسقط وجبة واحدة ، فدخلوا وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم وقتلوا اثنى عشر ألفاً من الرجال والنساء ، وحاربوا ملوكاً كثيرة ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكاً من ملوك الشام

            وذكروا أنه انتهى محاصرته إلى يوم الجمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ، ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان ، قال ها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي ، فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عند الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كان الرابعة عشرة من الشهر الأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي سأذكره وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر ، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه والله أعلم

            قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر ، عن هشام ، وعن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري

            وفيه دلالة على أن الذي فيه بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام ، لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه : أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبي طالب صلاة العصر ، بعد ما فاتته بسبب نوم النبي (صلى الله عليه وسلم) على ركبته ، فسأله رسول الله أن يردها الله عليه حتى يصلي العصر فرجعت وقد صححه أحمد بن أبي صالح المصري ولكنه ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوافر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها والله أعلم

            وقال الإمام أحمد : حدثنا بعد الرزاق ، حدثنا عمر ، عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ، ولا آخر قد بنى بنياناً ولم يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها

            قال : فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئاً ، فحبست عليه حتى فتح الله عليه ، قال : فجمعوا ما غنموا ، فأتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه ، فقال : فيكم غلول ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول فليبايعني قبيلتك ، فبايعته قبيلته قال : فلصقت بيد رجلين - أو ثلاثة - فقال : فيكم الغلول أنتم غللتم

            قال : فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه بالمال وهو بالصعيد ، فأقبلت النار فأكلته ، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا "

            انفرد به مسلم من هذا الوجه وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة بن عبيد الله ابن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) نحوه قال : ورواه محمد بن عجلان عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)

            والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجداً أي ركعاً متواضعين شاكرين الله عز وجل على ما من به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم إياه ، وأن يقولوا حال دخولهم : ( حطة ) أي حط عنا خطايانا التي سلفت ، من نكولنا الذي تقدم منا

            ولهذا دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة يوم فتحها ، دخلها وهو راكب ناقته ، وهو متواضع حامد شاكر ، حتى إن عثنونه - طرف لحيته - ليمس مورك رحله ، مما يطأطئ رأسه خضعاناً لله عز وجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق ، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم لما دخلها اغتسل وصلى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر ، على المشهور من قول العلماء وقيل إنها صلاة الضحى ، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى

            وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولاً وفعلاً ، فدخلوا الباب يزحفون على أستاهم وهم يقولون : حبة في شعرة ، وفي رواية : حنطة في شعرة

            وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزءوا به ، كما قال تعالى حاكياً عنهم في سورة الأعراف وهي مكية :" وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون "

            وقال في سورة البقرة وهي مدنية : " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون "

            وقال الثوري عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :" وادخلوا الباب سجدا " قال : ركعاً من باب صغير رواه الحاكم و ابن جرير و وابن أبي حاتم ، وكذا روى العوفي عن ابن عباس ، وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء

            قال مجاهد والسدي والضحاك : والباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس

            قال ابن مسعود : فدخلوا مقنعى رءوسهم ضد ما أمروا به ، وهذا لا ينافي قول ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على أستاهم ، وهكذا في الحديث الذي سنورده بعد ، فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رءوسهم

            وقوله : " وقولوا حطة " الواو هنا حالية لا عاطفة ، أي ادخلوا سجداً في حال قولكم حطة قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع : أمروا أن يستغفروا

            قال البخاري : حدثنا محمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن ابن المبارك ، عن عمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : " قيل لبني إسرائيل :" ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم " فبدلوا ، فدلخوا يزحفون على أستاهم وقالوا حبة في شعرة " وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفاً

            وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " قال الله لبني إسرائيل :" ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم " فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا : حبة في شعرة "

            ورواه البخاري و مسلم و الترمذي من حديث عبد الرزاق ، وقال الترمذي : حسن صحيح

            وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم ، عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : " دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون : حنطة في شعيرة "

            وقال أسباط عن السدى عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله :" فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " قالوا : هطى سقانا أزمة مزيا فهي في العربية : حبة حنطة مثقوبة فيها شعرة سوداء

            وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة ، بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري ، عن عامر بن سعد ، ومن حديث مالك ، عن محمد بن المنكدر ، وسالم أبي النضر ، عن عامر بن سعد ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أنه قال : " إن هذا الوجع - أو السقم - رجز عذب به بعض الأمم قبلكم "

            وروى النسائي وابن أبي حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعيد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " الطاعون رجز عذب به من كان قبلكم " ، وقال الضحاك عن ابن عباس : الرجز العذاب ، وكذا قال مجاهد وأبو مالك والسدي والحسن وقتادة وقال أبو العالية : هو الغضب ، وقال الشعبي : الرجز إما الطاعون وإما البرد ، وقال سعيد بن جبير : هو الطاعون

            ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه ، وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه ، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة ، فكانت مدة حياته بعد موسى سبعاً وعشرين سنة
            sigpic

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #81
              ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام

              أما الخضر : فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللدني ، وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف ، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك ، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرح بذكر الخضر عليه السلام ، وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام ، الذي أنزلت عليه التوراة

              وقد اختلف في الخضر ، في اسمه ، ونسبه ، ونبوته ، وحياته إلى الآن - على أقوال - سأذكرها لك هنالك إن شاء الله وبحوله وقوته

              قال الحافظ ابن عساكر : يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه ، تم روى من طريق الدارقطني : حدثنا محمد بن الفتح القلانسي ، حدثنا العباس بن عبد الله الرومي ، حدثنا رواد ابن الجراح ، حدثنا مقاتل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الخضر ابن آدم لصلبه ، ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال وهذا منقطع وغريب

              وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني : سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا : إن أطول بني آدم عمراً الخضر ، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم

              قال : وذكر ابن إسحاق أن آدم عليهه السلام لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس ، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة ، وأن يدفنوه معهم في مكان عينه لهم فلما كان الطوفان حملوه معهم ، فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى فقالوا ك إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك وقال : إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر ، فهابوا المسير إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت ، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه ، وأنجز الله ما وعده ، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا

              وذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه : أن اسم الخضر بليا ويقال بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام

              وقال اسماعيل بن أبي أويس : اسم الخضر - فيما بلغنا والله أعلم - المعمر بن مالك بن عبد الله ابن نصر بن الأزد وقال غيره : هو خضرون بن عماييل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ويقال هو : أرميا بن حلقيا فالله أعلم

              وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جداً قال ابن الجوزي : رواه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة ، وهما ضعيفان

              وقيل : إنه ابن مالك وهو أخو إلياس ، قال السدي كما سيأتي وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه وقيل كان نبياً في زمن نشتاسب ابن بهراسب

              قال ابن جرير : والصحيح أنه كان متقدماً في زمن أفريدون ابن إثفيان حتى أدركه موسى عليه السلام

              وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال : الخضر أمه رومية وأبوه فارسي

              وقد ورد على أنه من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضاً

              قال أبو زرعة في دلائل النبوة حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ، حدثنا الوليد ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أنه ليلة أسرى به وجد رائحة طيبة ، فقال : يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة ؟ قال : هذه ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها

              وقال : وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشرف بني إسرائيل ، وكان ممره براهب في صومعته ، فتطلع عليه الراهب فعلمه الإسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الإسلام ، وأخذ عليها ألا تعلم أحداً ، وكان لا يقرب النساء ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها ألا تعلم أحداً ثم طلقها ، فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى

              فانطلق هارباً حتى أتى جزيرة في البحر ، فأقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر قال : قد رأيت الخضر ، قيل : ومن رآه معك ؟ قال فلان ، فسئل فكتم وكان من دينهم أنه من كذب قتل ، فقتل ، وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة قال : فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : تعس فرعون ، فأخبرت أباها ، وكان للمرأة ابنان وزوج ، فأرسل إليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما ، فأبيا ، فقال : إني قاتلكما ، فجعلهما في قبر واحد ، فقال : وما وجدت ريحا أطيب منهما ، وقد دخلت الجنة

              وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون ، وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجاً من كلام أبي بن كعب ، أو عبد الله بن عباس والله أعلم وقال بعضهم : كنيته أبو العباس ، والأشبه ، والله أعلم أن الخضر لقب غلب عليه

              قال البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن سعيد االأصبهاني ، حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ،

              عن همام ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : " إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتزمن خلفه خضراء "

              تفرد به البخاري ، وكدلك رواه عبد الرزاق عن معمر به

              ثم قال عبد الرزاق : الفروة : الحثسيش الأبيض وما أشبه ، يعني الهشيم اليابس وقال الخطابي : وقال أبو عمر : الفروة : الأرض التي لا نبات فيها وقال غيره : هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ، ومنه قيل : فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر ، كما قال الراعي :

              ولقد ترى الحبشي حول بيوتنا جذلا إذا ما نا يوماً مأكلا

              صعلا أصك كان فروة رأسه بذرت فأنبيت جانباه فلفلا

              قال الخطابي : ويقال : إنما سمى الخضر خضراً لحسنه وإشراق وجهه ، قلت : وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح ، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما ، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى ، بل لا يلتفت إلى ما عداه

              وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضاً من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأبلى : حدثنا عثمان وأبو جزى وهمام بن يحيى ، عن قتادة ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : " إنما سمى الخضر خضراً لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء " وهذا غريب من هذا الوجه

              وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال : إنما سمى الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله

              وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجعا يقصان الأثر ، وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر ، وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه ، فسلم موسى عليه السلام فكشف عن وجهه فرد ، وقال : إني بأرضك السلام ؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى قال : نبي بني إسرائيل ؟ قال : نعم فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه عنهما

              وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه : أحدها : قوله تعالى : " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما "

              الثاني : قول موسى له :" هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا "

              فلو كان ولياً وليس ببني لم يخاطبه بهذه المخاطبة ، ولم يرد على موسى هذا الرد ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه فلو كان غير نبي ، لم يكن معصوماً ، ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة ، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عنه ، ولو أنه يمضي حقباً من الزمان ، قيل ثمانين سنة ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه ، واتبعه في صورة مستفيد منه فدل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه ، وقد خص من العلوم اللدنية والأسرار النبوية بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم ، نبي بني إسرائيل الكريم وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر عليه السلام

              الثالث : أن الخضر أقدم على قتل الغلام ، وما ذلك إلا للوحي إليه من الملك العلام وهذا دليل مستقل على نبوته ، وبرهان ظاهر على عصمته ، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده ، لأن خاطره ليس بواجب العصمة ، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم ، علما منه بأنه إذا بللغ يكفر ، ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته ، صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته ، دل ذلك على نبوته ، وأنه مؤيد من الله بعصمته

              وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه ، وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضاً

              الرابع : أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلى ، قال بعد ذلك كله : " رحمة من ربك وما فعلته عن أمري " يعني ما فعلته من تلقاء نفسي ، بل أمر أمرت به وأوحى إلي فيه

              فدلت هذه الوجوه على نبوته ولا ينافي ذلك حصول ولايته ، بل ولا رسالته ، كما قاله آخرون وأما كونه ملكاً من الملائكة فقول غريب جداً ، وإذا ثبتت نبوته - كما ذكرناه ، لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر ، مستند يستندون إليه ، ولا معتمد يعتمدون عليه

              وأما الخلاف في وجوه إلى زماننا هذا ، فالجمهور على أنه باق إلى اليوم ، قيل لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة ، وقيل لأنه شرب من عين الحياة فحيى وذكروا أخباراً استشهدوا بها على بقائه إلى الآن وسنوردها مع غيرها إن شاء الله تعالى وبه الثقة

              وهذه وصيته لموسى حين : " قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة : قال البيهقي : أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو عبد الله الصفار ، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، حدثني أبو عبد الله الملطي قال : لما أرد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى : أوصني قال : كن نفاعاً ولا تكن ضراراً ، كن بشاشاً ولا تكن غضبان ، ارجع عن اللجاجة ولا تمشي في غير حاجة وفي رواية من طريق أخرى زيادة : ولا تضحك إلا من عجب

              وقال وهب بن منبه : قال الخضر : يا موسى إن الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها

              وقال بشر بن الحارث الحافي : قال موسى للخضر : أوصني فقال : يسر الله عليك طاعته

              وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوقاد - إلا أنه من الكذابين الكبار - قال : قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع ، قال الثوري ، قال مجالد ، قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدري ، قال عمر بن الخطاب ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " قال أخي موسى : يا رب وذكر كلمته - فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها ، فقال : السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام قال موسى : هو السلام وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين ، الذي لا أحصي نعمه ، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته

              ثم قال موسى : أريد أن توصينى بوصية ينفعني الله بها بعدك ، فقال الخضر : يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك واعزف عن الدنيا وانبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار ، وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم

              يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرغ له ، ولا تكن مكثاراً للعلم مهذاراً فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوئ السخفاء ولكن عليك بالاقتصاد ، فإن ذلك من التوفيق والسداد وأعرض عن الجهال وماطلهم ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلماً ، وجانبه حزماً ، فإن ما بقى من جهلة عليك وسبه إياك أكثر وأعظم

              يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلاً ، فإن الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف يا ابن عمران لا تفتحن باباً لا تدري ما غلقه ، ولا تغلقن باباً لا تدري ما فتحه يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نهمته ، ولا تنقضي منها رغبته ومن يحقر حاله ، ويتهم الله فيما قضي له كيف يكون زاهداً ؟ هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ؟ أو نفعه طلب العلم والجهل قد حواه ؟ لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على ديناه
              sigpic

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #82
                يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ، ولا تعلمه لتحدث به ، فيكون عليك بوارد ، ولغيرك نوره ، ياموسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك والعلم والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيراً فإنك لا بد عامل سوءاً ، قد وعظت إن حفظت

                قال : فتولي الخضر وبقى موسى محزونا مكروباً يبكي "

                لا يصح هذا الحديث ، وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصرى وقد كذبه غير واحد من الأئمة والعجب أن الحافظ ابن عساكر سكت عنه

                وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي ، حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي ، حدثنا بقية ابن الوليد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي أمامة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لأصحابه : " ألا أحدثكم عن الخضر ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال : تصدق علي بارك الله فيك ، فقال الخضر آمنت بالله ، ما شاء الله من أمر يكون ، ما عندي من شيء أعطيكه فقال المسكين : أسألك بوجه الله لما تصدقت علي ، فإني نظرت إلى السماء في وجهك ، ورجوت البركة عندك فقال الخضر : أمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه ، إلا أن تأخذني فتبيعني ، فقال المسكين : وهل يستقيم هذا ؟ قال : نعم ، الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم أما إني لا أخيبك بوجه ربي ، بعني



                قال : فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم ، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء ، فقال له : إنك إنما ابتعتني التماس خير فأوصني بعمل ، قال : أكره أن أشق عليك ، إنك شيخ كبير ضعيف قال : ليس تشق علي ، قال : فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة ، فقال : أحسنت وأجملت وألطفت ما لم أرك تطيقه ، ثم عرض للرجل سفر ، فقال : إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال : فأوصني بعمل ، قال : إني أكره أن أشق عليك قال : ليس تشق علي ، قال : فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك فمضى الرجل لسفره ، فرجع وقد شيد بناؤه

                فقال : أسألك بوجه الله ما سبيلك وما أمرك ؟ فقال : سألتني بوجه الله ، والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية ، سأخبرك من أنا ، أنا الخضر الذي سمعت به ، سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شيء أعطيه ، فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائل وهو يقدر وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع

                فقال الرجل : آمنت بالله ، شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم ! فقال : لا بأس أحسنت وأبقيت فقال الرجل : بأبي وأمي يا نبي الله ، احكم في أهلي ومالك بما أراك الله أو أخيرك فأخلي سبيلك ، فقال : أحب أن تخلي سبيلي ، فأعبد ربي ، فخلى سبيله فقال الخضر : الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها "

                وهذا الحديث رفعه خطأ والأشبه أن يكون موقوفاً ، وفي رجاله من لا يعرف فالله أعلم

                وقد رواه ابن الجوزي في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر من طريق عبد الوهاب بن الضحاك ، وهو متروك عن بقية

                وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناد إلى السدي : أن الخضر وإلياس كانا أخوين ، كان أبوهما ملكاً ، فقال إلياس لأبيه : إن أخي الخضر لا رغبة له في الملك ، فو أنك زوجته لعله يجىء منه ولد يكون الملك له ، فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر ، فقال لها الخضر : إنه لا حاجة لي في النساء ، فإن شئت أطلقت سراحك ، وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عز وجل وتكتمين على سري فقالت : نعم ، وأقامت معه سنة

                فلما مضت السنة دعاها الملك ، فقال : إنك شابة وابني شاب فأين الولد ؟ فقالت : إنما الولد من عند الله ، إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن ، فأمره أبوه فطلقها وزوجه بأخرى ثيباً قد ولد لها ، فلما زفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها ، فأجابت إلى الإقامة عنده فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد ، فقالت : إن ابنك لا حاجة له بالنساء ، فتطلبه أبوه فهرب ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه ، فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره ، فهرب من أجل ذلك ، وأطلق سراح الأخرى

                فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة ، فمر بها رجل يوماً فسمعته يقول : باسم الله فقالت له : أني لك هذا الاسم ؟ فقال : إني من أصحاب الخضر ، فتزوجته فولدت له أولاداً ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت فرعون ، فبينما هي يوماً تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت : باسم الله ، فقال ابنة فرعون : أبي ؟ فقالت : لا ، ربي وربك ورب أبيك الله فأعلمت أباها فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ، ثم أمر بها فألقيت فيها فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها ، فقالت لها ابن معها صغير : يا أمه اصبري فإنك على الحق فألقت نفسها في النار فماتت ، رحمها الله

                وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الأعمى نفيع - وهو كذاب وضاع - عن أنس بن مالك ، ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف - وهو كذاب أيضاً - عن أبيه عن جده : أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يدعو ويقول : " اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني ، وارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم إليه " فبعث إلى رسول (الله صلى الله عليه وسلم) أنس بن مالك فسلم عليه فرد عليه السلام وقال له :" إن الله فضلك على الأنبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور ، وفضل أمتك على أمم كما فضل يوم الجمعة على غيره " الحديث

                وهو مكذوب لا يصح سنداً ولا ممتناً ، فكيف لا يتمثل بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويجيء بنفسه مسلماً ومتعلماً ؟!

                وهم يذكرون في حيياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي إليهم ويسلم عليهم ، ويتعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم ، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله ، الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه ، حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل

                وقد قال الحافظ أبو الحسن بن البيهقي قائلاً : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا كامل بن طلحة ، حدثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس بن مالك قال : لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحدق به أصحابه ، فبكوا حوله واجتمعوا ، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكي ، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وعوضاً من كل فائت ، وخلفاً من كل هالك ، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا ، وقد نظر إليكم في البلاء فانظروا ، فإن المصاب من لم يجبر وانصرف

                فقال بعضهم لبعض : أتعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي : نعم ، هو أخو رسول الله الخضر عليه السلام

                وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن كامل بن طلحة به وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي

                ثم قال البيهقي : عباد بن عبد الصمد ضعيف ، فهذا منكر بمرة قلت : عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصر ، روى عن أنس نسخة ، قال ابن حبان و العقيلي : أكثرها موضوع ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث جدا منكره ، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه في فضائل علي ، وهو ضعيف غال في التشيع

                وقال الشافعي في مسنده : أنبأنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده عن علي بن الحسين قال : لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول : إن في الله عزاء من كل مصيبة ،و خلفاً من كل هالك ، ودركا من كل فائت ، فبالله فثقوا ،وإياه فارجعوا ، فإان المصاب من حرم الثواب قال علي بن الحسين أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر

                شيخ الشافعي القاسم العمري متروك قال أحمد بن حنبل و يحيى بن معين : يكذب زاد أحمد : ويضع الحديث ، ثم هو مرسل ومثله لا يعتد عليه هاهنا والله أعلم

                وقد روى من وجه آخر ضعيف ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه عن علي ولا يصح

                وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه ، عن محمد بن عجلان ، عن محمد بن المنكدر: أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفاً وهو يقول : لا تسبقنا يرحمك الله فانتظره حتي لحق بالصف فذكر دعاءه للميت : إن تعذبه فكثيراً عصاك ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك ولما دفن قال : طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطياً فقال عمر : خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو ؟ قال : فتوارى عنهم ، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر : هذا والله الخضر الذي حدثنا عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

                وهذا الأثر فيه مبهم ، وفيه انقطاع ولا يصح مثله

                وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري عن عبد الله بن المحرز ، عن يزيد بن الأصم ، عن علي بن أبي طالب قال : دخلت الطواف في بعض الليل ، فإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يمنعه سمع عن سمع ، ويا من تغلطه المسائل ، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا مسألة السائلين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال : فقتل أعد علي ما قلت ، فقال لي : أو سمعته ؟ قلت : نعم فقال لي : والذي نفس الخضر بيده - قال : وكان هو الخضر- لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم ، لغفرها الله له

                وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرز ، فإنه متروك الحديث ، ويزيد بن الأصم لم يدرك علياً ، ومثل هذا لا يصح والله أعلم

                وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي : حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا صالح بن أبي الأسود ، عن محفوظ بن عبد الله الحضرمي ، عن محمد بن يحيى قال : بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة ، إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويامن لا يغلطه السائلون ، ويامن لا يتبرم بإلحاح الملحين ارزقني برد عفوك وحلاة رحمتك قال : فقال له علي : عبد الله أعد دعاءك هذا ، قال : أوقد سمعته ؟ قال : نعم قال : فادع به في دبر كل صلاة ، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها ، وحصباء الأرض وترابها ، لغفر لك أسرع من طرفة عين

                وهذا أيضاً منقطع ، وفي إسناده من لا يعرف والله أعلم

                وقد رواه ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا : حدثنا يعقوب بن يوسف ، حدثنا مالك بن إسماعيل فذكره نحوه ثم قال : وهذا إسناد مجهول منقطع ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر

                وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : أنبأنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد ، أنبأنا أبو إسحاق المزكي ، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان ، أنبأنا عمرو بن عاصم ، حدثنا الحسن بن رزين عن ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عباس قال : - ولا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) - قال : يلتقي الخضر وإلياس كل الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات : باسم الله ما شاء الله ، لا يسوق الخير إلا الله ، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا الله

                قال وقال ابن عباس : من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات ، آمنه الله من الغرق والحرق والسرق قال : وأحسبه قال ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب

                قال الدارقطني في الأفراد : هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشيخ عنه يعني الحسن بن رزين هذا وقد روى عن محمد بن كثير العبدي أيضاً ، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي ، ليس بالمعروف

                وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي : مجهول وحديثه غير محفوظ وقال أبو الحسن بن المنادي : هو حديث واه بالحسن بن رزين وقد روى ابن عساكر نحوه من طريق علي بن الحسن الجهضمي - وهو كذاب - عن ضمرة بن حبيب المقدسي ، عن أبيه ، عن العلاء بن زياد القشيري ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعاً قال : يجتمع كل يوم عرفة بعرفات - جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر وذكر حديثاً طويلاً موضوعاً تركنا إيراده قصداً والله الحمد

                وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى الخشني ، عن ابن رواد قال : إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ، ويحجان في كل سنة ، ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما إلى مثلها من قابل

                وروى ابن عساكر : أو الوليد بن عبد الملك بن مروان - باني جامع دمشق - أحب أن يتعبد ليلة في المسجد ، فأمر القومة أن يخلوه له ففعلوا ، فلما كان من الليل جاء في باب الساعات فدخل الجامع ، فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء ، فقال للقوم : ألم آمركم أن تخلوه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلي هاهنا

                قال ابن عساكر أيضاً : أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل بن أحمد ، أنبأنا أبو بكر بن الطبري ، أنبأنا أبو الحسين بن الفضل ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب - هو ابن سفيان الفسوي - حدثني محمد بن عبد العزيز ، حدثنا ضمرة عن السرى بن يحيى ، عن رباح بن عبيدة ، قال : رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز معتمداً على يديه ، فقلت في نفسي : إن هذا الرجل حاف ، قال : فلما انصرف من الصلاة قلت : من الرجل الذي كان معتمداً على يدك آنفاً ؟ قال : وهل رأيته يا رباح ؟ قلت : نعم قال : ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً ، ذا أخي الخضر بشرني أني سألى وأعدل

                قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : الرملي مجروح عند العلماء وقد قدح أبو الحسن بن المنادي في ضمرة والسرى ورباح ثم أورد من طرق أخرى عن عمر بن عبد العزيز ، أنه اجتمع بالخضر ، وضعفهما كلها

                وروى ابن عساكر أيضاً أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم

                وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين ، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف الإسناد ، وقصارها أنها صحيحة إلا من ليس بمعصوم من صاحبي أو غيره ، لأنه يجوز عليه الخطأ والله أعلم

                وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن أبا سعيد قال : حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثا طويلاً كان الدجال وقال فيما يحدثنا : " يأتي الدجال - وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خيرهم - فيقول : أشهد أنك أنت الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحديثه فيقول الدجال : أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتثسكون في الأمر ؟ فيقولون : لا ، فيقتله ثم يحييه ، فيقول حين يحيا : والله ما كنت أشد بصيرة فيك مني الآن قال : فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه "

                قال معمر : بلغني أنه يحمل على تحقه صحيفة من نحاس ، وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به

                وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي عن مسلم : الصحيح أن يقال إن هذا الرجل الخضر ، وقول معمر وغيره : بلغني ليس فيه حجة وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث : فيأتي بشاب ممتلئ شباباً فيقتله ، وقوله الذي حدثنا عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يقتضي المشافهة ، بل يكفي التواتر

                وقد تصدي الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه : عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعة ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدهم ببيان أحوالهم وجهالة رجالها ، وقد أجاد في ذلك أحسن الانتقاد

                وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ، ومنه البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسن بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي ، وقد انتصر لذلك وألف فيه كتاباً أسماه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر فيحتج لهم بأشياء كثيرة : منها قوله : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " فالخضر إن كان بشراً فقد دخل في هذا العموم لا محالة ، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح ، والأصل عدمه حتى يثبت ، ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله

                ومنها أن الله تعالى قال : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
                sigpic

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #83
                  قال ابن عباس : ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق ، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ذكره البخاري عنه

                  فالخضر إن كان نبياً أو ولياً ، فقد دخل في هذا الميثاق ، فلو كان حياً في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه ، يؤمن بما أنزل الله عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ، لأنه إن كان ولياً فالصديق أفضل منه ، وإن كان نبياً فموسى أفضل منه

                  وقد روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا شريح بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أنبأنا مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ، وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة ، وقد دلت عليه هذه الأية الكريمة : أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكانوا كلهم أباعاً له ، وتحت أوامره وفي عموم شرعه كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع بهم ليلة الإسراء رفع فوقهم كلهم ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم ، فصلى بهم في محل ولا يتهم ودار إقامتهم فدل على أنه الإمام الأعظم ، والرسول الخاتم المبجل المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين

                  فإذا علم هذا - وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حياً لكان من جملة أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ، وممن يقتدي بشرعه لا يسمعه إلا ذلك

                  هذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة ، لا يخرج منها ولا يحيد عنها ، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل ، والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه ، أنه اجتمع برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في يوم واحد ، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد

                  وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عز وجل ، واستنصره واستفتحه على من كفره : " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض " وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام ، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له ، في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب

                  وببئر بدر إذ برد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد

                  فلو كان الخضر حياً ، لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته

                  قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراد الحنبلي : سئل بعض أصحابنا عن الخضر : هل مات ؟ فقال : نعم قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري قال : وكان يحتج بأنه لو كان حياً لجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

                  نقله ابن الجوزي في العجالة

                  فإن قيل : فهل يقال إنه كان حاضراً في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه ؟ فالجواب : أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العموميات بمجرد التوهمات ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء ؟ وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته ؟ ثم لو كان باقياً بعده ، لكان تبليغه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة ، والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهود جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ، وتسديده العلماء والحكام ، وتقريره الأدلة والأحكام ، أفضل مما يقال عنه من كنونه في الأمصار ، وجوبه الفيافي والأقطار واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم ، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف فيه أحد بعد التفهيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

                  ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلى ليلة العشاء ثم قال : " أرأيتم ليلتكم هذه ؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد " وفي رواية " عين تطرف " قال ابن عمر : فوهل الناس من مقالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه ، أراد نخرام قرنه

                  قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سلمان بن أبي خيثمة ، أن عبد الله بن عمر قال : صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام فقال :" أرأيتم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد " ؟ وأخرجه البخاري و مسلم من حديث الزهري

                  وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي نضرة ، عن جابر ابن عبد الله قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل موته بقليل أو بشهر :" ما من نفس منفوسة - أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة - يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية "

                  وقال أحمد: حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال قبل أن يموت بشهر : " يسألونني عن الساعة وإنما علمها عند الله ، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة "

                  وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير : كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه

                  وقال الترمذي : حدثنا عباد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة "

                  وهذا أيضاً على شرط مسلم

                  قال ابن الجوزي: فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر

                  قالوا : فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع ، فلا إشكال ، وإن كان قد أدرك زمانه ، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة ، فيكون الآن مفقوداً لا موجوداً ، لأنه داخل في هذا العموم والأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم

                  وقد حكى الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتابه التعريف والأعلام عن البخاري وشيخه أبي بكر العربي : أنه أدرك حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولكن مات بعده لهذا الحديث

                  وفي كون البخاري رحمه الله يقول بهذا وأنه بقي إلى زمان النبي (صلى الله عليه وسلم) نظر

                  ورجح السهيلي بقاءه ، وحكاه عن الأكثرين

                  قال : وأما اجتماعه مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعزيته لأهل البيت بعده فمروي من طرق صحاح ، ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ، ولم يورد أسانيدها والله أعلم
                  sigpic

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #84
                    قصة إلياس عليه السلام

                    قال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات :" وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين "

                    قال علماء النسب هو : إلياس النشبي ، ويقال : ابن ياسين ابن فنحاص بن العيزار بن هارون وقيل : إلياس بن العازر بن العيزار ابن هارون بن عمران

                    قالوا وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا وقيل كانت امرأة اسمها بعل والله أعلم

                    والأول أصح ولهذا قال لهم :" ألا تتقون * أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين "

                    فكذبوا وخالفوه وأرادوا قتله فيقال : إنه هرب منهم واختفي عنهم ، قال أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار قال : وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عمثر سنين ، حتى أهلك الله الملك وولى غيره ، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام ، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم ، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم

                    وقال ابن أبي الدنيا : حدثني أبو محمد القاسم بن هشام ، حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال : أقام إلياس عليه السلام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة - أو قال أربعين ليلة - تأتيه الغربان برزقه

                    وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي : أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل وإسحاق ، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم إلياس النشبي بن العازر بن هارون ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام

                    هكذا قال : وفي هذا الترتيب نظر

                    وقال مكحول عن كعب : أربعة أنبياء أحياء : اثنان في الأرض إلياس والخضر ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى عليهم السلام

                    وقد قدمنا قوك من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس ، وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة

                    وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك ، وأن الذي يقوم عليه الدليل : أن الخضر مات ، وكذلك إلياس عليهما السلام

                    وما ذكره وهب بن منبه وغيره : أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه ، فجاءته دابة لونها لون النار فركبها ، وجعل الله له ريشاً وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكياً بشرياً سماوياً أرضياً ، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ، ففي هذا نظر وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب ، بل الظاهر أن صحتها بعيدة والله أعلم

                    فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني البخاري ، حدثنا عبد الله بن محمود : حدثنا عبدان بن سنان ، حدثني أحمد بن عبد الله البرقي ، حدثنا يزيد بن يزيد البلوي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن أنس بن مالك قال : كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر ، فنزلنا منزلاً فإذا رجل في الوادي يقول : اللهم اجعلني من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) المرحومة المغفورة المتاب لها قال : فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع ، فقال لي : من أنت ؟ فقلت : أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، قال : فأين هو ؟ قلت : هو ذا يسمع كلامك ، قال : فأته فأقرئه مني السلام ، وقل له : أخوك إلياس يقرئك السلام قال : فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبرته ، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم ، ثم قعدا يتحادثان فقال له : يا رسول الله إني ما آكل في السنة إلا يوماً ، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت قال : فنزلت عليهما مائدة من السماء ، عليها خبز وحوت وكرفس ، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر ، ثم وعده ورأيه مرة في السحاب نحو السماء

                    فقد كفانا البيهقي أمره ، وقال : هذا حديث ضعيف بمرة

                    والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين ، وهذا مما يستدرك به على المستدرك : فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضاً فقد تقدم في الصحيحن أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً في السماء - إلى أن قال - : ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن "

                    وفيه أنه لم يأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى كان هو الذي ذهب إليه ، وهذا لا يصح ، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء وفيه أنه يأكل في السنة مرة ، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب ، وفيما تقدم عن بعضهم : أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر

                    وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها

                    وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه ، كيف تكلم عليه ؟ فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة ، عن هانئ بن الحسن ، عن بقية ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن واثلة ، عن ابن الأسقع ، فذكر نحو هذا مطولاً وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وأنه بعث إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان ، قالا : فإذا هو أعلى جسماً منا بذراعين أو ثلاثة ، واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل ، وفيه أنه لما اجتمع به رسول الهل (صلى الله عليه وسلم) أكلا من طعام الجنة ، وقال : إن لي في كل أربعين يوماً أكلة ، وفي المائدة خبز من عنب وموز ورطب وبقل ، ما عدا الكراث وفيه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سأله عن الخضر فقال : عهدي به عام أول ، وقال لي : إنك ستلقاه قلي فأقرئه مني السلام

                    وهذا يدل على أن الخضر وإلياس ، بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة ، وهذا لا يسوغ شرعاً وهذا موضوع أيضاً

                    وقد أورد ابن عساكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العباد ، وكلها لا يفرح بها ، لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها ، ومن أحسنها ما قاله أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني بشر ابن معاذ : حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت قال : كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة ، فدخلت حائطاً أصلي فيه ركعتين فافتتحت :" حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول " فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء ، عليه مقطعات يمنية فقال لي : إذا قلت :" غافر الذنب " فقل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، وإذا قلت :" قابل التوب " فقل : يا قابل التوب تقبل توبتي ، وإذا قلت : " شديد العقاب " فقل : يا شديد العقاب لا تعاقبني ، وإذا قلت :" ذي الطول " فقل : يا ذا الطول تطول على برحمة ، فالتفت فإذا لا أحد وخرجت فسألت : مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية ؟ فقالوا : ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس

                    وقوله تعالى :" فكذبوه فإنهم لمحضرون " أي للعذاب ، أما في الدنيا والآخرة ، أو في الآخرة والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون وقوله :" إلا عباد الله المخلصين " أي إلى من آمن منهم وقوله :" وتركنا عليه في الآخرين " أي أبقينا بعده ذكراً حسناً له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ، ولهذا قال :" سلام على إل ياسين " أي سلام على إلياس والعرب تحلق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا : إسماعيل وإسماعين ، وإسرائيل وإسرائين ، وإلياس وإلياسين ، وقد قرئ : سلام على آل ياسين ، أي على آل محمد ، وقرأ ابن مسعود وغيره : سلام على إدراسين ، ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم ، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق والصحيح أنه غيره كما تقدم والله أعلم
                    sigpic

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #85
                      باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل

                      بعد موسى عليه السلام

                      ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان عليهما السلام

                      قال ابن جرير في تاريخه : لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع : كالب بو يوفنا ، يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام وهو زوج اخته مريم ، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله ، وهما يوشع وكالب ، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد :" ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين "

                      قال ابن جرير : ثم من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل ابن بوذي وهو الذي دعا الله فأحيا الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت
                      sigpic

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #86
                        قصة حزقيل

                        قال الله تعالى :" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون "

                        قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه : إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي ، وهو ابن العجوز ، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا

                        " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " قال ابن إسحاق : فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض فقال لهم الله : موتوا ، فماتوا جميعاً فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ، فمضت عليهم دهور طويلة فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً فقيل له : أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر ؟ فقال : نعم فأمر أن يدعوا تلك العظام أن تكتسي لحماً وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له وبذلك ، فقال القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد

                        وقال أسباط عن السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله :" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " قالوا : كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون ، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم ، فوقع في قابل ، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح ، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه ، فأوحى الله إليه ، تريد أن أريك كيف أحييهم ؟ قال : نعم ، وإنما كان تفكيره أنه تعجب من قدرة الله عليهم ، فقيل له : ناد ، فنادي : يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض ، حتى كانت أجساداً من عظام ، ثم أوحى الله إليه أن ناد : يا أيتها العظام عن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ، فاكتست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها ثم قيل له : ناد فنادى : يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا

                        قال أسباط : فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا : سبحانك الله وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى ، سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلا عدا رسماً ، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم

                        وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف ، وعنه ثمانية آلاف ، وعن أبي صالح تسعة آلاف ، وعن ابن عباس أيضاً كانوا أربعين ألفاً ، وعن سعيد بن عبد العزيز كانوا من أهل أذرعات

                        وقال ابن جريج عن عطاء : هذا مثل يعني أنه سيق مثلاً مبيناً أنه لن يغني حذر من قدر وقول الجمهور أقوى من هذا وقع

                        وقد روى الإمام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس ، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء وقع بالشام فذكر الحديث يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ، فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً ببعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول " إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " فحمد الله عمر ثم انصرف

                        وقال الإمام : حدثنا حجاك ويزيد المفتي قالا : حدثنا ابن أبي ذؤيب عن الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه قال : فرجع عمر من الشام

                        وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه

                        قال محمد بن إسحاق : ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل ثم إن الله قبضه إليه ، فلما قبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم وعظمت فيهم الأحداث وعدوا الأوثان وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل فبعث الله إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران

                        قلت : وقد قدمنا قصة إلياس تبعاً لقصة الخضر لأنهما يقرنان في الذكر غالباً ، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك والله أعلم

                        قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال : ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام
                        sigpic

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #87
                          قصة اليسع عليه السلام

                          وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سووة الأنعام في قوله :" وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين " وقال تعالى في سورة صلى الله عليه وسلم :" واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار " قال ابن إسحاق : حدثنا بشر أبو حذيفة ، أنبأنا سعيد ، عن قتادة عن الحسن ، قال : كان بعد إلياس اليسع عليهما السلام ، فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى الله مستمسكاً بمنهاج الياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه ، ثم خلف فيهم الخلوف وعظمت فيهم الأحداث والخطايا وكثرت الجبابرة وقتلوا الأنبياء ، وكان فيهم ملك عنيد طاغ ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمي ذا الكفل

                          قال محمد بن إسحاق : هو اليسع بن أخطوب

                          وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه : اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ويقال هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام ، ويقال كان مستخفياً معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك ثم ذهب معه إليها فلما رفع إلياس خلفه اليسع في قومه ونبأه الله بعده

                          ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه ، عن وهب ابن منبه ، قال وقال غيره : وكان الأسباط ببانياش

                          ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء

                          قلت : قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام لأنه قد قيل إنه ابن أيوب فالله تعالى أعلم

                          فصل :

                          قال ابن جرير وغيره : ثم مرج أمر نبي إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الأنبياء ، وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكاً جبارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم ، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضاً ، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان فيه قبة الزمان ، كما تقدم ذكره ، فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون

                          فلما كان في بعض حروبهم من أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهوروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم ، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمداً

                          وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبياً من الأنبياء يقال له شمويل ، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً ليقاتلوا معه الأعداء ، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه

                          قال ابن جرير : فكان من وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عز وجل شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة ، ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذي ملكوا عليهم وسماهم واحداً واحداً تركنا ذكرهم قصداً
                          sigpic

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #88
                            قصة شمويل عليه السلام وفيها بدء أمر داود عليه السلام

                            هو ثمويل - ويقال أشمويل - بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو ابن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصاً بن عزريا

                            قال مقاتل : وهو من ورثة هارون وقال مجاهد : هو أشمويل ابن هلفاقا ، ولم يرفع في نسبة أكثر من هذا والله أعام

                            حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس ، من الصحابة والثعلبي وغيرهم : أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل ، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وسبوا من أبنائم جمعاً كثيراً وانقطعت النبوة من بسط لاوى ولم يبق فيم إلا امرأة حبلى ، فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولداً ذكراً ، فولدت غلاماً فسمته أشمويل ، ومعناه بالعبرانية إسماعيل ، أي سمع الله دعائي

                            فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته فكان عنده فلما بلغ أشده بينها هو ذات ليلة نائم إذأ صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعوراً ، فظنه الشيخ يدعوه فسأله : أدعوتني ؟ فكره أن يفزعه فقال : نعم نم فنام

                            ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه ، فجاءه فقال : إن ربك قد بعثك إلى قومك فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه

                            قال الله تعالى في كتابه العزيز :" ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم * وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين "

                            قال أكثر المفسدين : كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل وقيل شمعون وقيل هما واحد وقيل يوشع ، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه : أن بين موت يوشع وبعثه شمويل أربعمائة سنة وستين سنة فالله أعلم

                            والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الأعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الأعداء فقال لهم :" هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله " أي وأي شيء يمنعنا من القتال " وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا " ويقولون نحن محروبون موتورون ، فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم

                            قال تعالى :" فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين " كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل الباقون رجعوا ونكلوا عن القتال

                            " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " قال الثعلبي : وهو طالوت بن قيش ابن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل

                            قال عكرمة والسدي : كان سقاء ! وقال وهب بن منبه : كان دباغاً وقيل غير ذلك والله أعلم

                            ولهذا " قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال " ولقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى وأن الملك كان في سبط يهوذا ، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه فكيف يكون مثل هذا ملكاً

                            " قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم " قيل : كان الله قد أوحى إلى شمويل أن بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا إذا حضر عندك يفوز هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ولما حضر عند شمويل فاز ذلك القرن فدهنه منه وعينه للملك عليهم وقال لهم :" إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم " قيل في أمر الحروب وقيل بل مطلقاً " والجسم " قيل الطول وقيل الجمال ، والظاهر من السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام " والله يؤتي ملكه من يشاء " فله الحكم وله الخلق والأمر " والله واسع عليم "

                            " وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين " وهذا أيضاً من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم ، وفهرهم الأعداء عليه ، وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه " فيه سكينة من ربكم " قيل طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء ، وقيل السكينة مثل الريح الخجوج وقيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون " قيل كان فيه رضاض الألوح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه " تحمله الملائكة " أي تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عياناً ليكون آية لله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ولهذا قال :" إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين وقيل : إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة وقيل كان فيه التوراة أيضاً فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان البوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم ، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم ، فأخذهم داء في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما ، فيقال إن الملائكة ساقتها حتى جاءوا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم النبي بذلك ، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة ، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم من الآية والله أعلم ، وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم

                            " فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده "

                            قال ابن عباس وكثير من المفسرين : هذا النهر هو نهر الأردن ، وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له ، عن أمر الله له اختباراً وامتحاناً : أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبني في هذه الغزوة ، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة بيده

                            قال الله تعالى :" فشربوا منه إلا قليلا منهم "

                            قال السدي : كان الجيش ثمانين ألفاً فشرب منه ستة وسبعون ألفاً ، فبقي معه أربعة آلاف كذا قال

                            وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : كنا أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) نتحدث أن عدة أصحاب بدر عدة أصحاب طالت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة مؤمن وقول السدي إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً فيه نظر ، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتله يبلغون ثمانين ألفاً والله أعلم

                            قال الله تعالى :" فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثرة عدد عدوهم " قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " يعني ثبتهم الشجعان منهم والفرسان أهل الإيمان والإيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان

                            " ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق ، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحومة الوغي والدعاء إلى النزال فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه ، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا وأنالهم ما إليهم فيه رغبوا

                            ولهذا قال :" فهزموهم بإذن الله " أي بحول الله وقوته لا بحولهم ، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم ، مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم ، كما قال الله تعالى :" ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون "

                            وقوله تعالى :" وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء " فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام وأنه قتله قتلاً أذل به جنده وكسر جيشه ، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة ويأسر الأبطال والشجعان والأقران ، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان ويدال لأولياء الله على أعدائه ، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه

                            وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكراً ، كان سمع طالوت مالك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول : من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي ، وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رمياً عظيماً ، فبينما هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت فأخذه ثم حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك ، فأخذ الثلاثة في خلاته فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلى نفسه فتقدم إليه داود فقال له : ارجع فإني أكره قتلك فقال : لكني أحب قتلك وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعهما في القذافة ثم أدارها فصارت الثلاثة حجراً واحداً ثم رمى بها جالوت ففلق رأسه وفر جيشه مهزوماً ، فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته وأجرى حكمه في ملكه وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت ، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك بنو إسرائيل وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت ، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك ولم يصل إليه ، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل ، ثم حصل له تابوت وندم وإقلاع عما سلف منه ، وجعل يكثر من البكاء ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة : أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالم يسأل عن أمره وهل له من توبة ، فقيل له : وهل أبقيت عالماً ؟! حتى دل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام قالوا : فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال : أقامت القيامة ؟ فقالت : لا ، ولكن هذا طالوت يسألك : هل له من توبة ؟ فقال : نعم ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل ثم عاد ميتاً

                            فترك الملك لداود عليه السلام وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا قالوا : فذلك قوله :" وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء "

                            هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده وفي بعض هذا نظر ونكارة والله أعلم

                            وقال محمد بن إسحاق : النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضاً

                            وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر شمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور ، وهذا أنسب ولعله إنما في النوم لا أنه قام من القبر حياً ، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي ، وتلك المرأة لم تكن نبية والله أعلم قال ابن جرير : وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون سنة فالله أعلم
                            sigpic

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #89
                              قصة داود عليه السلام

                              وما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته وأعلامه

                              هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن مسلمون بات نحشون بن عوينادب بن إرم بن حصرون بن فرص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس

                              قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه : كان داود عليه السلام قصيراً أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه

                              تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر ، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم ، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام ، وجمع الله له بين الملك والنبوة ، بين خير الدنيا والآخرة ، وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتعا في داود هذا

                              وهذا ؟ قال تعالى :" وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين " أي لولا إقامة الملوك حكاماً على الناس ، لأكل قوي الناس ضعيفهم ولهذا جاء في بعض الأمثلة السلطان ظل الله في أرضه وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان : إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن

                              وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له : اخرج إلي وأخرج إليك ، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت

                              قال وهب بن منبه : فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر ، وخلعوا طالوت وولوا عليم داود وقيل إن ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضم إنه ولاه قبل الوقعة

                              قال ابن جرير : والذي عليه الجمهور أنه إنما ولى ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم ، وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز : أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية فالله أعلم

                              وقال تعالى :" ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير " وقال تعالى :" وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون "

                              أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال :" وقدر في السرد " أي لا تدق المسماء فيفلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجالهد وقتادة والحكم وعكرمة

                              قال الحسن البصري وقتادة و والأعمش : كان الله قد ألان له الحديث حتى كان يتفله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة قال قتادة : فكان أول من عمر الدروع من زرد وإنما كان قبل ذلك من صفائح قال ابن شوذب : كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم

                              وقد ثبت في الحديد أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده

                              وقال تعالى :" واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب "

                              قال ابن عباس ومجاهد : الأيد القوة في الطاعة يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح

                              قال قتادة : أعطي قوة في العبادة وفقها في إسلام قال : وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر

                              وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" أحب الصلاة إلي صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى "

                              وقوله :" إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب " كما قال :" يا جبال أوبي معه والطير " أي سبحي معه قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق " أي عند آخر النهار وأوله ، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحد بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشياً ، صلوات الله وسلامه عليه

                              وقال الأوزاعي : حدثني عبد الله بن عامر قال : أعطي داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط ، حتى إن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشاً وجوعاً وحتى إن الأنهار لتقف ! وقال وهب ابن منبه : كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئة الرقص ، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله ، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعاً وقال أبو عوانة الأسفراييني : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا محمد ابن منصور الطوسي سمعت صبيحاً أبا تراب رحمه الله قال أبو عوانة : حدثني أبو العباس المدني ، حدثنا بن محمد بن صالح العدوي ، حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر ، عن مالك ، قال : كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى وهذا غريب

                              وقال عبد الرزاق عن ابن جريج ، سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال : وما بأس بذلك ؟ سمعت عبيد بن عمر يقول : كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي

                              وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال :" لقد أوتي أبي موسى من مزامير آل داود "

                              وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه

                              وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا حمادة بن سلمة ، عن محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" لقد أعطي أبو موسى من مزامير داود " على شرط مسلم

                              وقد روينا عن أب عثمان النهدي أنه قال : لقد سمعت البربط والمزمار ، فما سمعت صوتاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري

                              وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا عمر ، عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" خفف على داود القراءة ، فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه "

                              وكذلك رواه البخاري منفرداً به عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق به ولفظه :" خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يديه "

                              ثم قال البخاري : ورواه موسى بن عقبة ، عن صفوان ، هو ابن سدليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)

                              وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، ومن طرق أبي عاصم عن أبي بكر السبري ، عن صفوان بن سليم به

                              والمراد بالقرآن ها هنا الزبور ألذي أنزله الله عليه وأوحاه إليه ، وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظاً فإنه كان ملكاً له أتباع ، فكان يقرأ ألزبور بمقدار ما تسرج الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع ، صلوات الله وسلامه عليه

                              وقد قال الله تعالى :" وآتينا داود زبورا " والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان ، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه

                              وقوله :" وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " أي أعطيناه ملكأ عظيماً وحكماً نافذاً

                              روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما إلى الليل ، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعى ، فلما أصبح قال له داود : إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة ، فما خبرك فيما ادعيته على هذا ؟ قال : والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه ، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بني إسرائيل جداً وخضعوا له خضوعاً عظيماً قال ابن عباس : وهو قوله تعالى :" وشددنا ملكه " وقوله تعالى :" وآتيناه الحكمة " أي النبوة " وفصل الخطاب " قال شريح والعشبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم : فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك : البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقال مجاهد : والسدي : هو إصابة القضاء وفهمه وقال مجاهد : وهو الفصل في الكلام وفي الحكم واختاره ابن جرير

                              وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى أنه قول : أما بعد

                              وقال وهب بن منبه : لم كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس ، وكانت من ذهب ، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقاً نالها والآخر لا يصل إليها فلم تزل كذلك حتى أودع رجلاً لؤلؤة فجحدها منه وأخذ عكازاً وأودعها فيه ، فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعى فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة ، وقال : اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بني إسرائيل ثم رفعت سريعاً من بينهم

                              ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب به بمعناه

                              " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب "

                              وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاء واقتصاراً على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

                              وقد اختلف الأئمة في سجدة ً : هل هي من عزائم السجود أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود ؟ على قولين
                              sigpic

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #90
                                قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام ، قال سألت مجاهداً في سجدة صلى الله عليه وسلم فقال : سألت ابن عباس من أين سجدت ؟ قال : أو ما تقرأ :" ومن ذريته داود وسليمان " " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " فكان داود ممن أمر نبيكم (صلى الله عليه وسلم) أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

                                وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل - هو ابن علية - عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : في السجود في ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسجد فيها

                                وكذا رواه البخاري وأبو داود و الترمذي و النسائي من حديث أيوب وقال الترمذي : حسن صحيح وقال النسائي أخبرني إبراهيم ابن الحسن المقسمي ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن عمر ابن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سجد في ص وقال : سجدها داود توبة ونسجدها شكراً تفرد به أحمد ورجاله ثقات

                                وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عياض بن عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال :" إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزنتم " فنزل وسجد تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح

                                وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد ، حدثنا بكر ، هو ابن عمر ، وأبو الصديق الناجي ، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً قال فقصها على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فلم يزل يسجد بها بعد ، تفرد به أحمد

                                وروى الترمذي و ابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : قال لي ابن جريج : حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال : يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة ، فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي ، فسمعتها تقول وهي ساجدة : اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها عندك ذهراً وضع عني بها وزراً ، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود

                                قال ابن عباس : فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه

                                وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام ، مكث ساجداً أربعين يوماً وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع ، لكنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك الرواية

                                قال الله تعالى :" فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " أي إن له يوم القيامة لزلفى ، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها ، كما ثبت في حديث :" المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين ، الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا "

                                وقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا فضيل عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل ، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر "

                                وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغر به ، وقال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه

                                وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الله بن أبي زياد ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر بن سليمان ، سمعت مالك بن دينار في قوله :" وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " قال : يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله : يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا ، فيقول : وكيف وقد سلبته فيقول : إني أرده عليك اليوم قال : فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان

                                " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " هذا خطاب من الله تعالى مع داود ، والمراد ولاة الأمور وحكام الناس ، وأمرهم بالعدل بغير ذلك ، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل ، وكثرة العبادة ، وأنواع القربات ، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً كما قال تعالى :" اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور "

                                قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ، حدثنا صالح المري ، عن أبي عمران الجولي ، عن أبي الجلد ، قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال : يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لأصل إلى شكرك إلا بنعمتك ؟ قال : فأتاه الوحي : أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ قال : بلى يا رب قال : فإني أرضى بذلك منك

                                وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا محمد بن يونس القرشي ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثني عبد الله بن لاحق ، عن ابن شهاب قال : قال داود : الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ، فأوحى الله إليه : إنك أتعبت الحفظة يا داود !

                                ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد ، عن الثوري مثله

                                وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري ، عن رجل ، عن وهب ابن منبه قال : إن في حكمة آل داود : حق على العقل ألا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذي يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب ، وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه ، وحق على العاقل ألا يظعن إلا في إحدي ثلاث : زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ، ولذة في غير محرم

                                وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن ابن مهدي عن سفيان ، عن أبيه الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره ورواه أيضاً عن على بن الجعد ، عن عمر بن الهيثم الرقاشي عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه فذكره ، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته قاله ابن عساكر

                                وقال عبد الرزاق : أنبأنا بشر بن رافع ، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له : أبو عبد الله ، قال : سمعت وهب بن منبه ، فذكر مثله ، وقد أورد الحافظ بن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله : كن لليتيم كالأب الرحيم ، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد

                                وروى بسند غريب مرفوعا قال داود : يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها

                                وعن داود عليه السلام أنه قال : مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت وقال أيضاً : ما أقبح الفقر بعد الغني وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدي وقال :أنظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت

                                وقال : لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فإنا ذلك عداوة بينك وبينه

                                وقال محمد بن سعد : أنبأنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني هشام بن سعيد ، عن عمر مولي عفرة ، قال : قالت يهود ، لما رأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتزوج النساء ! انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ولا والله ماله همة إلا إلى النساء : حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا : لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيى بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه فقال :" أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " يعني بالناس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " يعني ما آتي الله سليمان بن داود كانت له ألف امرأة سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية ، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن امرأة أرويا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد (صلى الله عليه وسلم) وقد ذكر الكلبي نحو هذا وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية

                                وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي ، عن أبي هريرة الحمصي عن صدقة الدمشق ، أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام فقال : لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزوناً ، إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواماً قواماً وكان شجاعاً لا يفر إذا لاقى ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" أفضل الصيام صيام داود " وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها ، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء ويصرف بصوته المهموم والمحموم

                                وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ، ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام

                                وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم ، فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر ، ويأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ، وكان أينما أدركه الليل صف بين قدميه وقام يصلي حتى يصبح ، وكان رامياً لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم

                                وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران ، فإنها كانت تصوم يوماً وتفطر يومين

                                وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد (صلى الله عليه وسلم) فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول : إن ذلك صوم الدهر وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر ، عن فرج بن فضالة ، عن أبي هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعاً في صوم داود



                                ذكر كمية حياته وكيفية وفاته

                                قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلاً يزهر فقال : أي رب من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود قال : أي رب كم عمره ؟ قال : ستون عاماً قال : أي رب زد في عمره قال : لا ، إلا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاماً فلما انقضى عمر آد جاءه ملك الموت فقال : بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة

                                رواه أحمد عن ابن عباس ، و الترمذي وصححه عن أبي هريرة ، وابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم : على شرط مسلم وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم

                                قال ابن جرير ، وقد زعم أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين سنة قلت : هذا غلط مردود عليهم ، قالوا ؟ وكانت مدة ملكه أربعين سنة ،وهذا قد نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولم لا ما يقتضيه

                                وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا قبيصة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال : فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ، والله لنفضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود : من أنت ؟ فقال : أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب ، فقال داود : أنت والله إذن ملك الموت مرحباً بأمر الله : ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على داود ، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض ، فقال سليمان للطير : اقبضي جناحاً قال أبو هريرة : فطفق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرينا كيف فعلت الطير ، وقبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية

                                انفرد بإخراجه الإمام أحمد وإسناده جيد قوي رجاله ثقات ، ومعنى قوله : وغلبت عليه يومئذ المضرحية ، أي وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقوع الطوال الأجنحة واحدها مضرحي ، قال الجوهري : هو الصقر الطويل الجناح

                                وقال السدي عن أبي مالك ، عن ابن مالك ، عن ابن عباس قال مات داود عليه السلام فجاء وكان بسبت ، وكانت الطير تظله وقال السدي أيضا ، عن أبي مالك وعن سعيد بن جبير قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة

                                وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن ألحسن ، قال : مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة وقال أبو السكن الهجري : مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه ابن عساكر

                                وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له : دعني أنزل أو أصعد ، فقال : يا نبي الله قد نفدت السنون والشهور والآرثار والأرزاق ، قال : فخر ساجداً على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد

                                وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا وافر بن سليمان ، عن أبي سلمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال :وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود قال : فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر ، فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس ، فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه ، حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم ، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحي الريح ففعلت فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح ، فكان ذلك أول ما رأواه من ملك سليمان

                                وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع ، حدثني الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن حميد ، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ، ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة"

                                هذا حديث غريب وفي رفعه نظر ، والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في الحديث والله أعلم
                                sigpic

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X