إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

سسله رجال حول الرسول صلي الله عليه وسلم

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #31
    { عبدالله بن رواحة - يا نفس، الا تقتلي تموتي }

    عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مستخفيا من كفار قريش مع الوفد القادم من المدينة هناك عند مشترف مكة، يبايع اثني عشر نقيبا من الأنصار بيعة العقبة الأولى، كان هناك عبدالله بن رواحة واحدا من هؤلاء النقباء، حملة الاسلام الى المدينة، والذين مهدّت بيعتهم هذه للهجرة التي كانت بدورها منطلقا رائعا لدين الله، والاسلام..
    وعندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع في العام التالي ثلاثة وسبعين من الأنصار أهل المدينة بيعة العقبة الثانية، كان ابن رواحة الصحابي الجليل واحدا من النقباء المبايعين...
    وبعد هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة واستقرارهم بها، كان عبدالله بن رواحة من أكثر الأنصار عملا لنصرة الدين ودعم بنائه، وكان من أكثرهم يقظة لمكايد عبد الله بن أبيّ الذي كان أهل المدينة يتهيئون لتتويجه ملكا عليها قبل أن يهاجر الاسلام اليها، والذي لم تبارح حلقومه مرارة الفرصة الضائعة، فمضى يستعمل دهاءه في الكيد للاسلام. في حين مضى عبدالله بن رواحة يتعقب هذا الدهاء ببصيرةمنيرة، أفسدت على ابن أبيّ أكثر مناوراته، وشلّت حركة دهائه..!!
    وكان ابن رواحة رضي الله عنه، كاتبا في بيئة لا عهد لها بالكتابة الا يسيرا..
    وكان شاعرا، ينطلق الشعر من بين ثناياه عذبا قويا..
    ومنذ أسلامه ، وضع مقدرته الشعرية في خدمة الاسلام..
    وكان الرسول يحب شعره ويستزيده منه..
    جلس عليه السلام يوما مع أصحابه، وأقبل عبدالله بن رواحة، فسأله النبي:
    " كيف تقول الشعر اذا أردت أن نقول"..؟؟
    فأجاب عبدالله:" أنظر في ذاك ثم أقول"..
    ومضى على البديهة ينشد:
    يا هاشم الخير ان الله فضّلكم
    على البريّة فضلا ما له غير
    اني تفرّست فيك الخير أعرفه
    فراسة خالفتهم في الذي نظروا
    ولو سألت أو استنصرت بعضهمو
    في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا
    فثّبت الله ما آتاك من حسن
    تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
    فسرّ الرسول ورضي وقال له:
    "واياك، فثّبت الله"..
    وحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطوف بالبيت في عمرة القضاء
    كان ابن رواحة بين يديه ينشد من رجزه:
    يا ربّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا
    فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام ان لاقينا
    ان الذين قد بغوا علينا اذا أرادوا فتنة ألبنا
    وكان المسلمون يرددون أنشودته الجميلة..
    وحزن الشاعر المكثر، حين تنزل الآية الكريمة:
    ( والشعراء يتبعهم الغاوون)..
    ولكنه يستردّ غبطة نفسه حين تنزل آية أخرى:
    ( الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا..)
    وحين يضطر الاسلام لخوض القتال دفاعا عن نفسه، يحمل ابن رواحة سيفه في مشاهد بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر جاعلا شعاره دوما هذه الكلمات من شعره وقصيده:
    " يا نفس الا تقتلي تموتي"..
    وصائحا في المشركين في كل معركة وغزوة:
    خلوا بني الكفار عن سبيله
    خلوا، فكل الخير في رسوله
    وجاءت غزوة مؤتة..
    وكان عبدالله بن رواحة ثالث الأمراء، كما أسلفنا في الحديث عن زيد وجفعر..
    ووقف ابن رواحة رضي الله عنه والجيش يتأهب لمغادرة المدينة..
    وقف ينشد ويقول:
    لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع وتقذف الزبدا
    أو طعنة بيدي حرّان مجهرة بحربة تنفد الأحشاء والكبدا
    حتى يقال اذا مرّوا على جثثي يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا
    أجل تلك كانت أمنيته ولا شيء سواها.. ضربة سيف أ، طعنة رمح، تنقله الى عالم الشهداء والظافرين..!!
    وتحرّك الجيش الى مؤتة، وحين استشرف المسلمون عدوّهم حزروا جيش الروم بمائتي ألف مقاتل، اذ رأوا صفوفا لا آخر لها، وأعداد تفوق الحصر والحساب..!!
    ونظر المسلمون الى عددهم القليل، فوجموا.. وقال بعضهم:
    " فلنبعث الى رسول الله، نخبره بعدد عدوّنا، فامّا أن يمدّنا بالرجال، وأمّا أن يأمرنا بالزحف فنطيع"..
    بيد أن ابن رواحة نهض وسط صفوفهم كالنهار، وقال لهم:
    " يا قوم..
    انّا والله، ما نقاتل الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به..
    فانطلقوا.. فانما هي احدى الحسنيين، النصر أو الشهادة"...
    وهتف المسلمون الأقلون عددا، الأكثرون ايمانا،..
    هتفوا قائلين:
    "قد والله صدق ابن رواحة"..
    ومضى الجيش الى غايته، يلاقي بعدده القليل مائتي ألف، حشدهم الروم للقال الضاري الرهيب...
    والتقى الجيشان كما ذكرنا من قبل..
    وسقط الأمير الأول زيد بن حارثة شهيدا مجيدا..
    وتلاه الأمير الثاني جعفر بن عبد المطلب حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة..
    وتلاه ثالث الأمراء عبداله بن رواحة فحمل الراية من يمين جعفر.. وكان القتال قد بلغ ضراوته، وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام العرمرم اللجب، الذي حشده هرقل..
    وحين كان ابن رواحة يقاتل كجندي، كان يصول ويجول في غير تردد ولا مبالاة..
    أما الآن، وقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته، فقد بدا أمام ضراوة الروم، وكأنما مرّت به لمسة تردد وتهيّب، لكنه ما لبث أن استجاش كل قوى المخاطرة في نفسه وصاح..
    أقسمت يا نفس لتنزلنّه مالي أراك تكرهين الجنّة؟؟
    يا نفس الا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
    وما تمنّت فقد أعطيت ان تفعلي فعلهما هديت
    يعني بهذا صاحبيه الذين سبقاه الى الشهادة: زيدا وجعفر..
    "ان تفعلي فعلهما هديت.
    انطلق يعصف بالروم عصفا..
    ولو لا كتاب سبق بأن يكون موعده مع الجنة، لظلّ يضرب بسيفه حتى يفني الجموع المقاتلة.. لكن ساعة الرحيل قد دقّت معلنة بدء المسيرة الى الله، فصعد شهيدا..
    هوى جسده، فصعدت الى الرفيق الأعلى روحه المستبسلة الطاهرة..
    وتحققت أغلى أمانيه:
    حتى يقال اذا مرّوا على جدثي
    يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا

    نعم يا ابن رواحة..
    يا أرشد الله من غاز وقد رشدا..!!
    وبينما كان القتال يدور فوق أرض البلقاء بالشام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه في المدينة، يحادثهم ويحادثونه..
    وفجأة والحديث ماض في تهلل وطمأنينة، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسدل جفنيه قليلا.. ثم رفعهما لينطلق من عينيه بريق ساطع يبلله أسى وحنان..!!
    وطوفّت نظراته الآسية وجوه أصحابه وقال:
    "أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.
    ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..
    وصمت قليلا ثم استأنف كلماته قائلا:
    " ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..
    ثم صمت قليلا وتألقت عيناه بومض متهلل، مطمئن، مشتاق. ثم قال:
    " لقد رفعوا الى الجنة"..!!
    أيّة رحلة مجيدة كانت..
    وأي اتفاق سعيد كان..
    لقد خرجوا الى الغزو معا..
    وكانت خير تحيّة توجّه لذكراهم الخالدة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    " لقد رفعوا الى الجنة"..!!

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #32
      عمران بن حصين - شبيه الملائكة

      عام خيبر، أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..
      ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير، فعاهد نفسه ألا يستخدمها الا في كل عمل طيّب، وكريم..
      هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.
      وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني وحب الله وطاعته...
      وان معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي، ويبكي، ويقول:
      " يا ليتني كنت رمادا، تذروه الرياح"..!!
      ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد اسلامهم ذنوب..
      انما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر ادراكهم لعظمته وجلاله ، وبقدر ادراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، فمهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا، ويعبدوا..
      ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
      " يا رسول الله، مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى اذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا، وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا..؟؟"
      فأجابهم عليه السلام:
      " والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن ساعة.. وساعة.
      وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!
      وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به، ويستضيؤن بتقواه.
      قال الحسن البصري، وابن سيرين:
      " ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"
      كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل، استغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..
      أجل..
      صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة، يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم..
      ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريق علي وفريق معاوية، لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا ايّاهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضنا قضية الاسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:
      " لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحبّ اليّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم ، أخطأ أم أصاب"..
      وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:
      " الزم مسجدك..
      فان دخل عليك، فالزم بيتك..
      فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..
      وحقق ايمان عمران بن حصين أعظم نجاح، حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضجر منه ولا قال: أفّ..
      بل كان مثابرا على عبادته قائما، وقاعدا وراقدا..
      وكان اذا هوّن عليه اخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة، ابتسم لها وقال:
      " ان أحبّ الأشياء الى نفسي، أحبها الى الله"..!!
      وكانت وصيته لأهله واخوانه حين أدركه الموت:
      " اذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا"..
      أجل لينحروا ويطعموا، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا
      انما هو حفل زفاف عظيم، ومجيد، تزف فيه روح عالية راضية الى جنّة
      عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين...



      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #33
        { سعيد بن عامر - العظمة تحت الأسمال }


        أيّنا سمع هذا الاسم، وأيّنا سمع به من قبل..؟
        أغلب الظن أن أكثرنا، ان لم نكن جميعا، لم نسمع به قط.. وكأني بكم اذ تطالعونه الآن تتسائلون: ومن يكون عامر هذا..؟؟
        أجل سنعلم من هذا السعيد..!!
        انه واحد من كبار الصحابة رضي الله عنهم، وان لم يكن لاسمه ذلك الرنين المألوف لأسماء كبار الصحابة.
        انه واحد من كبار الأتقياء الأخفياء..!!
        ولعل من نافلة القول وتكراره، أن ننوه بملازمته رسول الله في جميع مشاهده وغزواته.. فذلك كان نهج المسلمين جميعا. وما كان لمؤمن أن يتخلف عن رسول الله في سلم أو جهاد.
        أسلم سعيد قبيل فتح خيبر، ومنذ عانق الاسلام وبايع الرسول، أعطاهما كل حياته، ووجوده ومصيره.
        فالطاعة، والزهد، والسمو.. والاخبات، والورع، والترفع.
        كل الفضائل العظيمة وجدت في هذا الانسان الطيب الطاهر أخا وصديقا كبيرا..
        وحين نسعى للقاء عظمته ورؤيتها، علينا أن نكون من الفطنة بحيث لا نخدع عن هذه العظمة وندعها تفلت منا وتتنكر..
        فحين تقع العين على سعيد في الزحام، لن ترى شيئا يدعوها للتلبث والتأمل..
        ستجد العين واحدا من أفراد الكتيبة الانمية.. أشعث أغبر. . ليس في ملبسه، ولا في شكله الخارجي، ما يميزه عن فقراء المسلمين بشيء.!!
        فاذا جعلنا من ملبسه ومن شكله الخارجي دليلا على حقيقته، فلن نبصر شيئا، فان عظمة هذا الرجل أكثر أصالة من أن تتبدى في أيّ من مظاهر البذخ والزخرف.
        انها هناك كامنة مخبوءة وراء بساطته وأسماله.
        أتعرفون اللؤلؤ المخبوء في جوف الصدف..؟ انه شيء يشبه هذا..
        عندما عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام، تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه.
        وأسلوب عمر في اختيار ولاته ومعاونيه، أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر، والدقة، والأناة.. ذلك أنه كان يؤمن أن أي خطأ يرتكبه وال في أقصى الأرض سيسأل عنه الله اثنين: عمر أولا.. وصاحب الخطأ ثانيا..
        ومعاييره في تقييم الناس واختيار الولاة مرهفة، ومحيطة،وبصيرة، أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذا..
        والشام يومئذ حاضرة كبيرة، والحياة فيها قبل دخول الاسلام بقرون، تتقلب بين حضارات متساوقة.. وهي مركز هام لتجارة. ومرتع رحيب للنعمة.. وهي بهذا، ولهذا درء اغراء. ولا يصلح لها في رأي عمر الا قديس تفر كل شياطين الاغراء أمام عزوفه.. والا زاهد، عابد، قانت، أواب..
        وصاح عمر: قد وجدته، اليّ بسعيد بن عامر..!!
        وفيما بعد يجيء سعيد الى أمير المؤمنين ويعرض عليه ولاية حمص..
        ولكن سعيدا يعتذر ويقول: " لا تفتنّي يا أمير المؤمنين"..
        فيصيح به عمر:
        " والله لا أدعك.. أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي.. ثم تتركوني"..؟؟!!
        واقتنع سعيد في لحظة، فقد كانت كلمات عمر حريّة بهذا الاقناع.
        أجل. ليس من العدل أن يقلدوه أمانتهم وخلافتهم، ثم يتركوه وحيدا..واذا انفض عن مسؤولية الحكم أمثال سعيد بن عامر، فأنّى لعمر من يعينه على تبعات الحكم الثقال..؟؟
        خرج سعيد الى حمص ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وكانت عروسه منذ طفولتها فائقة الجمال والنضرة.. وزوّده عمر بقدر طيّب من المال.
        ولما استقرّا في حمص أرادت زوجته أن تستعمل حقها كزوجة في استثمار المال الذي زوده به عمر.. وأشارت عليه بأن يشتري ما يلزمهما من لباس لائق، ومتاع وأثاث.. ثم يدخر الباقي..
        وقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا..؟؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعط المال من يتجر لنا فيه وينمّيه..
        قالت: وان خسرت تجارته..؟
        قال سعيد: سأجعل ضمانا عليه..!!
        قالت: فنعم اذن..
        وخرج سعيد فاشترى بعض ضروريات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال في الفقراء والمحتاجين..
        ومرّت الأيام.. وبين الحين والحين تسأله زوجه عن تجارتهما وأيّان بلغت من الأرباح..
        ويجيبها سعيد: انها تجارة موفقة.. وان الأرباح تنمو وتزيد.
        وذات يوم سألته نفس السؤال أمام قريب له كان يعرف حقيقة الأمر فابتسم. ثم ضحك ضحكة أوحت الى روع الزوجة بالشك والريب، فألحت عليه أن يصارحها الحديث، فقال لها: لقد تصدق بماله جميعه من ذلك اليوم البعيد.
        فبكت زوجة سعيد، وآسفها أنها لم تذهب من هذا المال بطائل فلا هي ابتاعت لنفسها ما تريد، ولا المال بقي..
        ونظر اليها سعيد وقد زادتها دموعها الوديعة الآسية جمالا وروعة.
        وقبل أن ينال المشهد الفاتن من نفسه ضعفا، ألقى بصيرته نحو الجنة فرأى فيها أصحابه السابقين الراحلين فقال:
        " لقد كان لي أصحاب سبقوني الى الله... وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها"..!!
        واذ خشي أن تدل عليه بجمالها، وكأنه يوجه الحديث الى نفسه معها:
        " تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا.. فلأن أضحي بك من أجلهن، أحرى أولى من أن أضحي بهن من أجلك"..!!
        وأنهى حديثه كما بدأه، هادئا مبتسما راضيا..
        وسكنت زوجته، وأدركت أنه لا شيء أفضل لهما من السير في طريق سعيد، وحمل النفس على محاكاته في زهده وتقواه..!!
        كانت حمص أيامئذ، توصف بأنها الكوفة الثانية وسبب هذا الوصف، كثرة تمرّد أهلها واختلافهم على ولاتهم.
        ولما كانت الكوفة في العراق صاحبة السبق في هذا التمرد فقد أخذت حمص اسمها لما شابهتها...
        وعلى الرغم من ولع الحمصيين بالتمرّد كما ذكرنا، فقد هدى الله قلوبهم لعبده الصالح سعيد، فأحبوه وأطاعوه.
        ولقد سأله عمر يوما فقال: " ان أهل الشام يحبونك".
        فأجابه سعيد قائلا:" لأني أعاونهم وأواسيهم"..!
        بيد أن مهما يكن أهل حمص حب لسعيد، فلا مفر من أن يكون هناك بعض التذمر والشكوى.. على الأقل لتثبت حمص أنها لا تزال المنافس القوي لكوفة العراق...
        وتقدم البعض يشكون منه، وكانت شكوى مباركة، فقد كشفت عن جانب من عظمة الرجل، عجيب عجيب جدا..
        طلب عمر من الزمرة الشاكية أن تعدد نقاط شكواها، واحدة واحدة..
        فنهض المتحدث بلسان هذه المجموعة وقال: نشكو منه أربعا:
        " لا يخرج الينا حت يتعالى النهار..
        ولا يجيب أحدا بليل..
        وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما الينا ولا نراه،
        وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا، وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين"..
        وجلس الرجل:
        وأطرق عمر مليا، وابتهل الى الله همسا قال:
        " اللهم اني أعرفه من خير عبادك..
        اللهم لا تخيّب فيه فراستي"..
        ودعاه للدفاع عن نفسه، فقال سعيد:
        أما قولهم اني لا أخرج اليهم حتى يتعالى النهار..
        " فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب.. انه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه يختمر، ثم اخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج اليهم"..
        وتهلل وجه عمر وقال: الحمد للله.. والثانية..؟!
        وتابع سعيد حديثه:
        وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل..
        فوالله، لقد كنت أكره ذكر السبب.. اني جعلت النهار لهم،والليل لربي"..
        أما قولهم: ان لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما...
        " فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس بي ثياب أبدّلها، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر أن يجف بعد حين.. وفي آخر النهار أخرج اليهم ".
        وأما قولهم: ان الغشية تأخذني بين الحين والحين..
        " فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، وحملوه على جذعه، وهم يقولون له: أحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى..؟ فيجيبهم قائلا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة..
        فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته و أنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها، أرتجف خوفا من عذاب الله، ويغشاني الذي يغشاني"..
        وانتهت كلمات سعيد التي كانت تغادر شفتيه مبللة بدموعه الورعة الطاهرة..
        ولم يملك عمر نفسه ونشو ته، فصاح من فرط حبوره.
        " الحمد للله الذي لم يخيّب فراستي".!
        وعانق سعيدا، وقبّل جبهته المضيئة العالية...
        أي حظ من الهدى ناله هذا الطراز من الخلق..؟
        أي معلم كان رسول الله..؟
        اي نور نافذ، كان كتاب الله..؟؟
        وأي مدرسة ملهمة ومعلمة، كان الاسلام..؟؟
        ولكن، هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عددا كثيرا من هذا الطراز..؟؟
        انه لو حدث هذا، لما بقيت أرضا، انها تصير فردوسا..
        أجل تصير الفردوس الموعود..
        ولما كان الفردوس لم يأت زمانه بعد فان الذين يمرون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل.. قليلون دائما ونادرون..
        وسعيد بن عامر واحد منهم..
        كان عطاؤه وراتبه بحكم عمله ووظيفته، ولكنه كان يأخذ منه ما يكفيه وزوجه.. ثم يوزع باقيه على بيوت أخرى فقيرة...
        ولقد قيل له يوما:
        " توسّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك"..
        فأجاب قائلا:
        " ولماذا أهلي وأصهاري..؟
        لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة"..
        وطالما كان يقال له:
        " توسّع وأهل بيتك في النفقة وخذ من طيّبات الحياة"..
        ولكنه كان يجيب دائما، ويردد أبدا كلماته العظيمة هذه:
        " ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول، بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجمع الله عز وجل الناس للحساب، فيحيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحامائم، فيقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه.. فيقول الله: صدق عبادي.. فيدخلون الجنة قبل الناس"..
        وفي العام العشرين من الهجرة، لقي سعيد ربه أنقى ما يكون صفحة، وأتقى ما يكون قلبا، وأنضر ما يكون سيرة..
        لقد طال شوقه الى الرعيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده، وتتبع خطاه..
        أجل لقد طال شوقه الى رسوله ومعلمه.. والى رفاقه الأوّابين المتطهرين..
        واليوم يلاقيهم قرير العين، مطمئن النفس، خفيف الظهر..
        ليس معه ولا وراءه من أحمال الدنيا ومتاعها ما يثقل ظهره وكاهله،،
        ليس معه الا ورعه، وزهده، وتقاه، وعظمة نفسه وسلوكه..
        وفضائل تثقل الميزان، ولكنها لا تثقل الظهور..!!
        ومزايا هز بها صاحبها الدنيا، ولم يهزها غرور..!!

        سلام على سعيد بن عامر..
        سلام عليه في محياه، وأخراه..
        وسلام.. ثم سلام على سيرته وذكراه..
        وسلام على الكرام البررة.. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.




        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #34
          { صهيب بن سنان - ربح البيع يا أبا يحيى }

          ولد في أحضان النعيم..
          فقد اكن أبوه حاكم الأبلّة ووليا عليها لكسرى.. وكان من العرب الذين نزحوا الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل، وفي قصره القائم على شاطئ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، عاش الطفل ناعما سعيدا..
          وذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم.. وأسر المغيرون أعدادا كثيرة وسبوا ذلك الغلام " صهيب بن سنان"..
          ويقتنصه تجار الرقيق، وينتهي طوافه الى مكة، حيث بيع لعبد الله بن جدعان، بعد أن قضى طفولته وشبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم.
          ويعجب سيده بذكائه ونشاطه واخلاصه، فيعتقه ويحرره، ويهيء له فرصة الاتجار معه.
          وذات يوم.. ولندع صديقع عمار بن ياسر يحدثنا عن ذلك اليوم:
          " لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها..
          فقلت له: ماذا تريد..؟
          فأجابني وما تريد أنت..؟
          قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول.
          قال: وأنا اريد ذلك..
          فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الاسلام فأسلمنا.
          ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا..
          ثم خرجنا ونحن مستخفيان".!!
          عرف صهيب طريقع اذن الى دار الأرقم..
          عرف طريقه الى الهدى والنور، وأيضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم..
          فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطي عتبة.. بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..!
          عالم قديم بكل ما يمثله من دين وخلق، ونظام وحياة..
          وتخطي عتبة دار الأرقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني في حقيقة الأمر وواقعه عبور خضمّ من الأهوال، واسع، وعريض..
          واقتحام تلك العتبة، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسؤليات الجسام..!
          وبالنسبة للفقراء، والغرباء، والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.
          وان صاحبنا صهيبا لرجل غريب.. وصديقه الذي لقيه على باب الدار، عمّار بن ياسر رجل فقير.. فما بالهما يستقبلان الهول ويشمّران سواعدهما لملاقاته..؟؟
          انه نداء الايمان الذي لا يقاوم..
          وانها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يملؤ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا..
          وانها روعة الجديد المشرق. تبهر عقولا سئمت عفونة القديم، وضلاله وافلاسه..
          وانها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء.. وهداه يهدي اليه من ينيب...
          أخذ صهيب مكانه في قافلة المؤمنين..
          وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين..!!
          ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين..
          وانه ليتحدث صادقا عن ولائه العظيم لمسؤولياته كمسلم بايع الرسول، وسار تحت راية الاسلام فيقول:
          " لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط الا كنت حاضره..
          ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها..
          ولا يسر سرية قط. الا كنت حاضرها..
          ولا غزا غزاة قط، أوّل الزمان وآخره، الا منت فيها عن يمينه أ، شماله..
          وما خاف المسلمون أمامهم قط، الا كنت أمامهم..
          ولا خافوا وراءهم الا كنت وراءهم..
          وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين االعدوّ أبدا حتى لقي ربه"..!!
          هذه صورة باهرة، لايمان فذ وولاء عظيم..
          ولقد كان صهيب رضي الله عنه وعن اخوانه أجمعين، أهلا لهذا الايمان المتفوق من أول يوم استقبل فيه نور الله، ووضع يمينه في يكين الرسول..
          يومئذ أخذت علاقاته بالناس، وبالدنيا، بل وبنفسه، طابعا جديدا. يومئذ. امتشق نفسا صلبة، زاهدة متفانية. وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها. والأهوال فيروّعها.
          ولقد مضى يواجه تبعاته في اقدام وجسور.ز فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر.. منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم الى المغارم.. وعن شهوة الحياة، الى عشق الخطر وحب الموت..
          ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته، ففي ذلك اليوم تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته عليه تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكة.. تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشب جلالها تردد ولا نكوص.
          فعندما همّ الرسول بالهجرة، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة، هم الرسول.. وأبو بكر.. وصهيب..
          بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول..
          ووقع صهيب في بعض فخاخهم، فعوّق عن الهجرة بعض الوقت بينما كان الرسول وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله..
          وحاور صهيب وداور، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه، وامتطى ظهر ناقته، وانطلق بها الصحراء وثبا..
          بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوهخ.. ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا:
          " يا معشر قريش..
          لقد علمتم أني من أرماكم رجلا.. وأيم والله لا تصلون اليّ حتى ارمي كبل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا ان شئتم..
          وان شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشاني"..
          ولقد استاموا لأنفسهم، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له:
          أتيتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك..؟؟
          فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، وقفلوا الى مكة راجعين..
          والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك، وفي غير حذر، فلم يسألوه بيّنة.. بل ولم يستحلفوه على صدقه..!! وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من العظمة يستحقها كونه صادق وأمين..!!
          واستأنف صهيب هجرته وحيدا سعيدا، حتى أردك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء..
          كان الرسول حالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم صهيب ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهلاا:
          " ربح البيع أبا يحيى..!!
          ربح البيع أبا يحيى..!!
          وآنئذ نزلت الآية الكريمة:
          ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد)..
          أجل لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي أنفق شبابه في جمعها، ولم يحس قط أنه المغبون..
          فمال المال، وما الذهب وما الدنيا كلها، اذا بقي له ايمانه، واذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره ارادته..؟؟
          كان الرسول يحبه كثيرا.. وكان صهيب الى جانب ورعه وتقواه، خفيف الروح، حاضر النكتة..
          رآه الرسول يأكل رطبا، وكان باحدى عينيه رمد..
          فقال له الرسول ضاحكا:" أتأكل الرطب وفي عينيك رمد"..؟
          فأجاب قائلا:" وأي بأس..؟ اني آكله بعيني الآخرى"..!!
          وكان جوّادا معطاء.. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين محتاجا.. يغيث مكروبا.." ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".
          حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر فقال له: أراك تطعم كثيرا حتى انك لتسرف..؟
          فأجابه صهيب لقد سمعت رسول الله يقول:
          " خياركم من أطعم الطعام".
          ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فان اختيار عمر بن الخطاب اياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة..
          فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر..
          وعندما احس نهاية الأجل، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة قال:
          " وليصلّ بالناس صهيب"..
          لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد..
          وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، من يؤم المسلمين في الصلاة..؟
          ان عمر وخاصة في تلك الللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها الى الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار.. فاذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار..
          ولقد اختار عمر صهيبا..
          اختاره ليكون امام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد.. بأعباء مهمته..
          اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان..


          :radia-ico

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #35
            { البراء بن مالك -الله والجنّة }

            هو ثاني أخوين عاشا في الله، وأعطيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا نما وأزهر مع الأيام..
            أما أولهما فهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه السلام.
            أخذته أمه أم سليم الى الرسول وعمره يوم ذاك عشر سنين وقالت:
            "يا رسول الله..
            هذا أنس غلامك يخدمك، فادع الله له"..
            فقبّله رسول الله بين عينيه ودعا له دعوة ظلت تحدو عمره الطويل نحو الخير والبركة..
            دعا له لرسول فقال:
            " اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له، وأدخله الجنة"..
            فعاش تسعا وتسعين سنة، ورزق من البنين والحفدة كثيرين، كما أعطاه الله فيما أعطاه من رزق، بستانا رحبا ممرعا، كان يحمل الفاكهة في العام مرتين..!!
            وثاني الأخوين، هو البراء بن مالك..
            عاش حياته العظيمة المقدامة، وشعاره:
            " الله، والجنة"..
            ومن كان يراه، وهو يقاتل في سبيل الله، كان يرى عجبا يفوق العجب..
            فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممن يبحثون عن النصر، وان يكن النصر آنئذ أجلّ غاية.. انما كان يبحث عن الشهادة..
            كانت كل أمانيه، أن يموت شهيدا، ويقضي نحبه فوق أرض معركة مجيدة من معارك الاسلام والحق..
            من أجل هذا، لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة..
            وذات يوم ذهب اخوانه يعودونه، فقرأ وجوههم ثم قال:
            " لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي..
            لا والله، لن يحرمني ربي الشهادة"..!!
            ولقد صدّق الله ظنه فيه، فلم يمت البراء على فراشه، بل مات شهيدا في معركة من أروع معارك الاسلام..!!
            ولقد كانت بطولة البراء يوم اليمامة خليقة به.. خليقة بالبطل الذي كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون قائدا أبدا، لأن جسارته واقدامه، وبحثه عن الموت.. كل هذا يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك..!!
            وقف البراء يوم اليمامة وجيوش الاسلام تحت امرة خالد تتهيأ للنزال، وقف يتلمظ مستبطئا تلك اللحظات التي تمرّ كأنها السنين، قبل أن يصدر القائد أمره بالزحف..
            وعيناه الثاقبتان تتحركان في سرعة ونفاذ فوق أرض المعركة كلها، كأنهما تبحثان عن أصلح مكان لمصرع البطل..!!
            أجل فما كان يشغله في دنياه كلها غير هذه الغاية..
            حصاد كثير يتساقط من المشركين دعاة الظلام والباطل بحدّ سيفه الماحق..
            ثم ضربة تواتيه في نهاية المعركة من يد مشركة، يميل على أثرها جسده الى الأرض ، على حين تأخذ روحه طريقها الى الملأ الأعلى في عرس الشهداء، وأعياد المباركين..!!
            ونادى خالد: الله أكبر، فانطلقت الصفوف المرصوصة الى مقاديرها، وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك..
            وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه.. وهم يتساقطون كأوراق الخريف تحت وميض بأسه..
            لم يكن جيش مسيلمة هزيلا، ولا قليلا.. بل كان أخطر جيوش الردة جميعا..
            وكان بأعداده، وعتاده، واستماتة مقاتليه، خطرا يفوق كل خطر..
            ولقد أجابوا على هجوم المسلمين شيء من الجزع. وانطلق زعماؤهم وخطباؤهم يلقون من فوق صهوات جيادهم كلمات التثبيت. ويذكرون بوعد الله..
            وكان البراء بن مالك جميل الصوت عاليه..
            وناداه القائد خالد تكلم يا براء..
            فصاح البراء بكلمات تناهت في الجزالة، والدّلالة، القوة..
            تلك هي:
            " يا أهل المدينة..
            لا مدينة لكم اليوم..
            انما هو الله والجنة"..
            كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله.
            أجل..
            انما هو الله، والجنة..!!
            وفي هذا الموطن، لا ينبغي أن تدور الخواطر حول شيء آخر..
            حتى المدينة، عاصمة الاسلام، والبلد الذي خلفوا فيه ديارهم ونساءهم وأولادهم، لا ينبغي أن يفكروا فيها، لأنهم اذا هزموا اليوم، فلن تكون هنالك مدينة..
            وسرت كلمات البراء مثل.. مثل ماذا..؟
            ان أي تشبيه سيكون ظلما لحقيقة أثرها وتأثيرها..
            فلنقل: سرت كلمات البراء وكفى..
            ومضى وقت وجيز عادت بعده المعركة الى نهجها الأول..
            المسلمون يتقدمون، يسبقهم نصر مؤزر.
            والمشركون يتسا قطون في حضيض هزيمة منكرة..
            والبراء هناك مع اخوانه يسيرون لراية محمد صلى الله عليه وسلم الى موعدها العظيم..
            واندفع المشركون الى وراء هاربين، واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها..
            وبردت المعركة في دماء المسلمين، وبدا أن في الامان تغير مصيرها بهذه الحيلة التي لجأ اليها أتباع مسيلمة وجيشه..
            وهنا علا البراء ربوة عالية وصاح:
            " يا معشر المسلمين..
            احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"..
            ألم أقل لكم انه لا يبحث عن النصر بل عن الشهادة..!!
            ولقد تصوّر في هذه الخطة خير ختام لحياته، وخير صورة لمماته..!!
            فهو حين يقذف به الى الحديقة، يفتح المسلمين بابها، وفي نفس الوقت كذلك تكون أبواب الجنة تأخذ زينتها وتتفتح لاستقبال عرس جديد ومجيد..!!
            ولم ينتظر البراء أن يحمله قومه ويقذفوا به، فاعتلى هو الجدار، وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب، واقتحمته جيوش الاسلام..
            ولكن حلم البراء لم يتحقق، فلا سيوف المشركين اغتالته، ولا هو لقي المصرع الذي كان يمني به نفسه..
            وصدق أبو بكر رضي الله عنه:
            " احرص على الموت..
            توهب لك الحياة"..!!
            صحيح أن جسد البطل تلقى يومئذ من سيوف المشركين بضعا وثمانين ضربة، أثخنته ببضع وثمانين جراحة، حتى لقد ظل بعد المعركة شهرا كاملا، يشرف خالد بن الوليد نفسه على تمريضه..
            ولكن كل هذا الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى..
            بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس.. فغدا تجيء معركة، ومعركة، ومعركة..
            ولقد تنبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مستجاب الدعوة..
            فليس عليه الا أن يدعو ربه دائما أن يرزقه الشهادة، ثم عليه ألا يعجل، فلكل أجل كتاب..!!
            ويبرأ البراء من جراحات يوم اليمامة..
            وينطلق مع جيوش الاسلام التي ذهبت تشيّع قوى الظلام الى مصارعها.. هناك حيث تقوم امبراطوريتان خرعتان فانيتان، الروم والفرس، تحتلان بجيوشهما الباغية بلاد الله، وتستعبدان عباده..
            ويضرب البراء بسيفه، ومكان كل ضربة يقوم جدار شاهق في بناء العالم الجديد الذي ينمو تحت راية الاسلام نموّا سريعا كالنهار المشرق..
            وفي احدى حروب العراق لجأ الفرس في قتالهم الى كل وحشية دنيئة يستطيعونها..
            فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محمأة بالنار، يلقونها من حصونهم، فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا..
            وكان البراء وأخوه أنس بن مالك قد وكل اليهما مع جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون..
            ولكن أحد هذه الكلاليب سقط فجأة، فتعلق بأنس ولم يستطع أنس فك السلسلة ليخلص نفسه، اذ كانت تتوهج لهبا ونارا..
            وأبصرالبراء المشهد واسرع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحمأة تصعد به على سطح جدار الحصن.. وقبض على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قصمها وقطعها.. ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما..!!
            لقد ذهب كل ما فيهما من لحم، وبقي هيكلهما العظمي مسمّرا محترقا..!!
            وقضى البطل فترة أخرى في علاج بطيء حتى بريء..
            أما آن لعاشق الموت أن يبلغ غايته..؟؟
            بلى آن..!!
            وهاهي ذي موقعة تجيء ليلاقي المسلمون فيها جيوش فارس
            ولتكون ل البراء عيدا أي عيد..
            احتشد أهل الأهواز، والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين..
            وكتب امير المؤمنين عمر بن الخطاب الى سعد بن أبي وقاص بالكوفة ليرسل الى الأهواز جيشا..
            وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى الأهواز جيشا، قائلا له في رسالته:
            " اجعل امير الجند سهيل بن عديّ..
            وليكن معه البراء بن مالك"..
            والتقى القادمون من الكوفة بالقادمين من البصرة ليواجهوا جيش الأهواز وجيش الفرس في معركة ضارية..
            كان الاخوان الباسلان بين الحنود المؤمنين.. أنس بن مالك، والبراء بن مالك..
            وبدأت الحرب بالمبارزة، فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس..
            ثم التحمت الجيوش، وراح القتلى يتساقطون من الفريقين كليهما في كثرة كاثرة..
            واقترب بعض الصحابة من البراء، والقتال دائر، ونادوه قائلين:
            " أتذكر يا براء قول الرسول عنك: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك..؟
            يا براء أقسم على ربك، ليهزمهم وينصرنا"..
            ورفع البراء ذراعيه الى السماء ضارعا داعيا:
            " اللهم امنحنا أكنافهم..
            اللهم اهزمهم..
            وانصرنا عليهم..
            وألحقني اليوم بنبيّك"..
            ألقى على جبين أخيه أنس الذي كان يقاتل قريب منه.. نظرة طويلة، كأنه يودّعه..
            وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم..
            ونصروا نصرا مبينا.
            ووسط شهداء المعركة، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة هانئة كضوء الفجر.. وتقبض يمناه على حفنة من تراب مضمّخة بدمه الطهور..
            لقد بلغ المسافر داره..
            وأنهى مع اخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم، ونودوا:
            ( أن تلكم الجنة، أورثتموها بما كنتم تعملون)....

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #36
              { أسيد بن حضير - بطل يوم السقيفة }

              ورث المكارم كابرا عن كابر..
              فأبوه خضير الكتائب كان زعيم الأوس، وكان واحدا من كبار أشراف العرب في الجاهلية، ومقاتليهم الأشداء..
              وفيه يقول الشاعر:
              لو أن المنايا حدن عن ذي مهابة
              لهبن خضيرا يوم غلّق واقما
              يطوف به، حتى اذا الليل جنّه
              تبوأ منه مقعدا متناغما
              وورث أسيد عن أبيه مكانته، وشجاعته وجوده، فكان قبل أن يسلم، واحدا من زعماء المدينة وأشراف العرب، ورماتها الأفذاذ..
              فلما اصطفاه الاسلام، وهدي الى صراط العزيز الحميد، تناهى عزه.
              وتسامى شرفه، يوم أخذ مكانه، وأخذ واحدا من انصار الله وأنصار رسوله، ومن السابقين الى الاسلام العظيم..
              ولقد كان اسلامه يوم أسلم سريعا، وحاسما وشريفا..
              فعندما أرسل الرسول عليه السلام مصعب بن عمير الى المدينة ليعلم ويفقه المسلمين من الأنصار الذين بايعوا النبي عليه السلام عل الاسلام بيعة العقبة الأولى، وليدعو غيرهم الى دين الله.
              يومئذ، جلس أسيد بن خضير، وسعد بن معاذ، وكانا زعيمي قومهما، يتشاوران في أمر هذا الغريب الذي جاء من مكة يسفّه دينهما، ويدعو اى دين جديد لا يعرفونه..
              وقال سعد لأسيد:" انطلق الى هذا الرجل فازجره"..
              وحمل أسيد حربته، وأغذ السير الى حيث كان مصعب في ضيافة أسعد بن زرارة من زعماء المدينة الذين سبقوا الى الاسلام.
              وعند مجلس مصعب وأسعد بن زرارة رأى أسيد جمهرة من الناس تصغي في اهتمام للكلمات الرشيدة التي يدعوهم بها الى الله، مصعب بن عمير..
              وفجأهم أسيد بغضبه وثورته..
              وقال له مصعب:
              " هل لك في أن تجلس فتسمع.. فان رضيت أمرنا قبلته، ون كرهته، كففنا عنك ما تكره"..؟؟
              كان أسيد رجلا.. وكان مستنير العقل ذكيّ القلب حتى لقبه أهل المدينة بالكامل.. وهو لقب كان يحمله أبوه من قبله..
              فلما رأى مصعبا يحتكم به الى المنطق والعقل، غرس حربته في الأرض، وقال لمصعب:
              لقد أنصفت: هات ما عندك..
              وراح مصعب يقرأ عليه من القرآن، ويفسّر له دعوة الدين الجديد. الدين الحق الذي أمر محمد عليه الصلاة والسلام بتبليغه ونشر رايته.
              ويقول الذين حضروا هذا المجلس:
              " والله لقد عرفنا في وجه أسيد الاسلام قبل أن يتكلم..
              عرفناه في اشراقه وتسهّله"..!!
              لم يكد مصعب ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد مبهورا:
              " ما أحسن هذا الكلام وأجمله..
              كيف تصنعون اذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين".؟
              قال له مصعب:
              " تطهر بدنك، وثوبك، وتشهد شهادة الحق، ثم تصلي"..
              ان شخصية أسيد شخصية مستقيمة قوية مستقيمة وناصعة، وهي اذ تعرف طريقها ، لا تتردد لحظة أمام ارادتها الحازمة..
              ومن ثمّ، قام أسيد في غير ارجاء ولا ابطاء ليستقبل الدين الذي انفتح له قلبه، وأشرقت به روحه، فاغتسل وتطهر، ثم سجد لله رب العالمين، معلنا اسلامه، مودّعا أيام وثنيّته، وجاهليته..!!
              كان على أسيد أن يعود لسعد بن معاذ، لينقل اليه أخبار المهمة التي كلفه بها.. مهمة زجر مصعب بن عمير واخراجه..
              وعاد الى سعد..
              وما كاد يقترب من مجلسه، حتى قال سعد لمن حوله:
              " أقسم لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به".!!
              أجل..
              لقد ذهب بوجه طافح بالمرارة، والغضب والتحدي..
              وعاد بوجه تغشاه السكينة والرحمة والنور..!!
              وقرر أسيد أن يستخدم ذكاءه قليلا..
              انه يعرف أن سعد بن معاذ مثله تماما في صفاء جوهره ومضاء عزمه، وسلامة تفكيره وتقديره..
              ويعلم أنه ليس بينه وبين الاسلام سوى أن يسمع ما سمع هو من كلام الله، الذي يحسن ترتيله وتفسيره سفير الرسول اليهم مصعب بن عمير..
              لكنه لو قال لسعد: اني أسلمت، فقم وأسلم، لكانت مجابهة غير مأمونة العاقبة..
              اذن فعليه أن يثير حميّة سعد بطريقة تدفعه الى مجلس مصعب حتى يسمع ويرى..
              فكيف السبيل لهذا..؟
              كان مصعب كما ذكرنا من قبل ينزل ضيفا على أسعد بن زرارة..
              وأسعد بن زرارة هو ابن خالة سعد بن معاذ..
              هنالك قال أسيد لسعد:
              " لقد حدّثت أن بين الحارثة قد خرجوا الى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وهم يعلمون أنه ابن خالتك"..
              وقام سعد، تقوده الحميّة والغضب، وأخذ الحربة، وسار مسرعا الى حيث أسعد ومصعب، ومن معهما من المسلمين..
              ولما اقترب من المجلس لم يجد ضوضاء ولا لغطا، وانما هي السكينة تغشى جماعة يتوسطهم مصعب بن عمير، يتلو آيات الله في خشوع، وهم يصغون اليه في اهتمام عظيم..
              هنالك أدرك الحيلة التي نسجها له أسيد لكي يحمله على السعي الى هذا المجلس، والقاء السمع لما يقوله سفير الاسلام مصعب بن عمير.
              ولقد صدقت فراسة أسيد في صاحبه، فما كاد سعد يسمع حتى شرح الله صدره للاسلام، وأخذ مكانه في سرعة الضوء بين المؤمنين السابقين..!!
              كان أسيد يحمل في قلبه ايمانا وثيقا ومضيئا..
              وكان ايمانه يفيء عليه من الأناة والحلم وسلامة التقدير ما يجعله أهلا للثقة دوما..
              وفي غزوة بني المصطلق تحركت مغايظ عبدالله بن أبيّ فقال لمن حوله من أهل المدينة:
              " لقد أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم..
              أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا الى غير دياركم..
              أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل"..
              سمع الصحابي الجليل زيد بن الأرقم هذه الكلمات، بل هذه السموم المنافقة المسعورة، فكان حقا عليه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم..
              وتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا، وقابله أسيد فقال له النبي عليه السلام:
              أوما بلغك ما قال صاحبكم..؟؟
              قال أسيد:
              وأيّ صاحب يا رسول الله..؟؟
              قال الرسول:
              عبدالله بن أبيّ!!
              قال أسيد:
              وماذا قال..؟؟
              قال الرسول:
              زعم انه ان رجع الى المدينة لخرجنّ الأعز منها الأذل.
              قال أسيد:
              فأنت والله، يا رسول الله، تخرجه منها ان شاء الله.. هو والله الذليل، وأنت العزيز..
              ثم قال أسيد:
              " يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وان قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه على المدينة ملكا، فهو يرى أن الاسلام قد سلبه ملكا"..
              بهذا التفكير الهادئ العميق المتزن الواضح، كان أسيد دائما يعالج القضايا ببديهة حاضرة وثاقبة..
              وفي يوم السقيفة، اثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعلن فريق من الأنصار، وعلى رأسهم سعد بن عبادة أحقيتهم بالخلافة، وطال الحوار، واحتدمت المناقشة، كان موقف أسيد، وهو كما عرفنا زعيم أنصاري كبير، كان موقفه فعالا في حسم الموقف، وكانت كلماته كفلق الصبح في تحديد اتجاهه..
              وقف أسيد فقال مخاطبا فريق الأنصار من قومه:
              " تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين..
              فخليفته اذن ينبغي أن يكون من المهاجرين..
              ولقد كنا أنصار رسول الله..
              وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته"..
              وكانت كلماته، بردا، وسلاما..
              ولقد عاش أسيد بن خضير رضي الله عنه عابدا، قانتا، باذلا روحه وماله في سبيل الخير، جاعلا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار نصب عينيه :
              " اصبروا.. حتى تلقوني على الحوض"..
              ولقد كان لدينه وخلقه موضع تكريم الصدّيق و حبّه، كذلك كانت له نفس المكانة والمنزلة في قلب أمير المؤمنين عمر، وفي أفئدة الصحابة جميعا.
              وكان الاستماع لصوته وهو يرتل القرآن احدى المغانم الكبرى التي يحرص الأصحاب عليها..
              ذلك الصوت الخاشع الباهر المنير الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن الملائكة دنت من صاحبه ذات ليلة لسماعه..
              وفي شهر شعبان عام عشرين للهجرة، مات أسيد..
              وأبى أمير المؤمنين عمر الا أن يحمل نعشه فوق كتفه..
              وتحت ثرى البقيع وارى الأصحاب جثمان مؤمن عظيم..
              وعادوا الى المدينة وهم يستذكرون مناقبه ويرددون قول الرسول الكريم عنه:
              " نعم الرجل.. أسيد بن حضير"..




              :radia-ico

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #37
                { سعد بن معاذ - هنيئا لك يا أبا عمرو }

                في العام الواحد والثلاثين من عمره، أسلم..
                وفي السابع والثلاثين مات شهيدا..
                وبين يوم اسلامه، ويوم وفاته، قضى سعد بن معاذ رضي الله عنه أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله..
                انظروا..
                أترون هذا الرجل الوسيم، الجليل، الفارع الطول، المشرق الوجه، الجسيم، الجزل.؟؟

                انه هو..
                يقطع الأرض وثبا وركضا الى دار أسعد بن زرارة ليرى هذا الرجل الوافد من مكة مصعب بن عمير الذي بعث به محمدا عليه الصلاة والسلام الى المدينة يبشّر فيها بالتوحيد والاسلام..
                أجل.. هو ذاهب الى هناك ليدفع بهذا الغريب خارج حدود المدينة، حاملا معه دينه.. وتاركا للمدينة دينها..!!
                ولكنه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار ابن خالته أسيد بن زرارة، حتى ينتعش فؤاده بنسمات حلوة هبّت عليه هبوب العافية..
                ولا يكاد يبلغ الجالسين، ويأخذ مكانه بينهم، ملقيا سمعه لكلمات مصعب حتى تكون هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه..

                وفي احدى مفاجآت القدر الباهرة المذهلة، يلقي زعيم الأنصار حربته بعيدا، ويبسط يمينه مبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                وباسلام سعد بن معاذ تشرق في المدينة شمس جديدة، ستدور في فلكها قلوب كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين..!!
                أسلم سعد.. وحمل تبعات اسلامه في بطولة وعظمة..
                وعندما هاجر رسول الله وصحبه الى المدينة كانت دور بني عبد الأشهل قبيلة سعد مفتحة الأبواب للمهاجرين، وكانت أموالهم كلها تحت تصرّفهم في غير منّ، ولا أذى.. ولا حساب..!!
                وتجيء غزوة بدر..
                ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين والأنصار، ليشاورهم في الأمر.
                وييمّم وجهه الكريم شطر الأنصار ويقول:
                " أشيروا عليّ أيها الناس.."
                ونهض سعد بن معاذ قائما كالعلم.. يقول:
                " يا رسول الله..
                لقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا..
                فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك..
                ووالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا..
                انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء..
                ولعلّ الله يريك ما تقرّ به عينك...
                فسر بنا على بركة الله"...
                أهلت كلمات سعد كالبشريات، وتألق وجه الرسول رضا وسعادة وغبطة، فقال للمسلمين:
                " سيروا وأبشروا، فان الله وعدني احدى الطائفتين.. والله لكأني أنظر الى مصرع القوم"..
                وفي غزوة أحد، وعندما تشتت المسلمون تحت وقع المباغتة الداهمة التي فاجأهم بها جيش المشركين، لم تكن العين لتخطئ مكان سعد بن معاذ..
                لقد سمّر قدميه في الأرض بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذود عنه ويدافع في استبسال هو له أهل وبه جدير..
                وجاءت غزوة الخندق، لتتجلى رجولة سعد وبطولته تجليا باهرا ومجيدا..
                وغزوة الخندق هذه، آية بينة على المكايدة المريرة الغادرة التي كان المسلمون يطاردون بها في غير هوادة، من خصوم لا يعرفون في خصومتهم عدلا ولا ذمّة..
                فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحيون بالمدينة في سلام يعبدون ربهم، ويتواصون بطاعته، ويرجون أن تكف قريش عن اغارتها وحروبها، اذا فريق من زعماء اليهود يخرجون خلسة الى مكة محرّضين قريشا على رسول الله، وباذلين لها الوعود والعهود أن يقفوا بجانب القرشيين اذا هم خرجوا لقتال المسلمين..
                واتفقوا مع المشركين فعلا، ووضعوا معا خطة القتال والغزو..
                وفي طريقهم وهم راجعون الى المدينة حرّضوا قبيلة من أكبر قبائل العرب، هي قبيلة غطفان واتفقوا مع زعمائها على الانضمام لجيش قريش..
                وضعت خطة الحرب، ووظعت أدوارها.. فقريش وغطفان يهاجمان المدينة بجيش عرمرم كبير..
                واليهود يقومون بدور تخريبي داخل المدينة وحولها في الوقت الذي يباغتها فيه الجيش المهاجم..
                ولما علم النبي عليه الصلاة والسلام بالمؤامرة الغادرة راح يعدّ لها العدّة.. فأمر بحفر خندق حول المدينة ليعوق زحف المهاجمين.
                وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة الى كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة، ليتبيّنا حقيقة موقف هؤلاء من الحرب المرتقبة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يهود بني قريظة عهود ومواثيق..
                فلما التقى مبعوثا الرسول بزعيم بني قريظة فوجئا يقول لكم:
                " ليس بيننا وبين محمد عهد ولا عقد"..!!
                عز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتعرض أهل المدينة لهذا الغزو المدمدم والحصار المنهك، ففكر في أن يعزل غطفان عن قريش، فينقض الجيش المهاجم بنصف عدده، ونصف قوته، وراح بالفعل يفاوض زعماء غطفان على أن ينفضوا أيديهم عن هذه الحرب، ولهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة، ورضي قادة غطفان، ولم يبق الا أن يسجل الاتفاق في وثيقة ممهورة..
                وعند هذا المدى من المحاولة، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لم ير من حقه أن ينفرد بالأمر، فدعا اليه أصحابه رضي الله عنهم ليشاورهم..
                واهتم عليه الصلاة والسلام اهتماما خاصا برأي سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.. فهما زعيما المدينة، وهما بهذا أصحاب حق أول في مناقشة هذا الأمر، واختيار موقف تجاهه..
                قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما حديث التفاوض الذي جرى بينه وبين زعماء غطفان.. وأنبأهما أنه انما لجأ الى هذه المحاولة، رغبة منه في أن يبعد عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير، والحصار الرهيب..
                وتقدم السعدان الى رسول الله بهذا السؤال:
                " يا رسول الله..
                أهذا رأي تختاره، أم وحي أمرك الله به"؟؟
                قال الرسول:
                " بل أمر أختاره لكم..
                والله ما أصنع ذلك الا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم الى أمر ما"..
                وأحسّ سعد بن معاذ أن أقدارهم كرجال ومؤمنين تواجه امتحانا، أي امتحان..
                هنالك قال:
                " يا رسول الله..
                قد كنا وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة، الا قرى، أي كرما وضيفة، أو بيعا..
                أفحين أكرمنا الله بالاسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا..؟؟
                والله ما لنا بهذا من حاجة..
                ووالله لا نعطيهم الا السيف.. حتى يحكم الله بيننا وبينهم"..!!
                وعلى الفور عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه، وأنبأ زعماء غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة، وأنه أقرّ رأيهم والتزم به..
                وبعد أيام شهدت المدينة حصارا رهيبا..
                والحق أنه حصار اختارته هي لنفسها أكثر مما كان مفروضا عليها، وذلك بسبب الخندق الذي حفر حولها ليكون جنّة لها ووقاية..
                ولبس المسلمون لباس الحرب.
                وخرج سعد بن معاذ حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ويقول:
                لبث قليلا يشهد الهيجا الجمل ما أجمل الموت اذا حان الأجل
                وفي احدى الجولات تلقت ذراع سعد سهما وبيلا، قذفه به أحد المشركين..
                وتفجّر الدم من وريده وأسعف سريعا اسعافا مؤقتا يرقأ به دمه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل الى المسجد، وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائما أثناء تمريضه..
                وحمل المسلمون فتاهم البطل الى مكانه في مسجد الرسول..
                ورفع سعد بصره الى السماء وقال:
                " اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها... فانه لا قوم أحب اليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه..
                وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة..
                ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"..!
                لك الله يا سعد بن معاذ..!
                فمن ذا الذي يستطيع أن يقول مثل هذا القول، في مثل هذا الموقف سواك..؟؟
                ولقد استجاب الله دعاءه..
                فكانت اصابته هذه طريقه الى الشهادة، اذ لقي ربه بعد شهر، متأثرا بجراحه..
                ولكنه لم يمت حتى شفي صدرا من بني قريظة..
                ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة، ودبّ في صفوف جيشها الهلع، حمل الجميع متاعهم وسلاحهم، وعادوا مخذولين الى مكة..
                ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترك بني قريظة، يفرضون على المدينة غدرهم كما شاؤوا، أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه..
                هنالك أمر أصحابه بالسير الى بني قريظة.
                وهناك حاصروهم خمسة وعشرين يوما..
                ولما رأى هؤلاء ألا منجى لهم من المسلمين، استسلموا، وتقدموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجاء أجابهم اليه، وهو أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.. وكان سعد حليفهم في الجاهلية..
                أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه من جاؤوا بسعد بن معاذ
                من مخيمه الذي كان يمرّض فيه بالمسجد..
                جاء محمولا على دابة، وقد نال منه الاعياء والمرض..
                وقال له الرسول:
                " يا سعد احكم في بني قريظة".
                وراح سعد يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق والتي كادت للمدينة تهلك فيها بأهلها..
                وقال سعد:
                " اني أرى أن يقتل مقاتلوهم..
                وتسبى ذراريهم..
                وتقسّم أموالهم.."
                وهكذا لم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة..
                كان جرح سعد يزداد خطرا كل يوم، بل كل ساعة..
                وذات يوم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادته، فألفاه يعيش في لحظات الوداع فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسه ووضعه في حجره، وابتهل الى الله قائلا:
                " اللهم ان سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدّق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحا"..!
                وهطلت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودّعة بردا وسلاما..
                فحاول في جهد، وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة وقال:
                " السلام عليك يا رسول الله..
                أما اني لأشهد أنك رسول الله"..
                وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال:
                " هنيئا لك يا أبا عمرو".

                يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:
                "كنت ممن حفروا لسعد قبره"
                وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب، شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا الى اللحد"..
                وكان مصاب المسلمين في سعد عظيما
                .. ولكن عزاءهم كان جليلا،
                حين سمعوا رسولهم الكريم يقول:
                " لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"..



                يتبع ,,,

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #38
                  { عبدالله بن عباس - حبر هذه الأمة }


                  يشبه ابن عباس، عبدالله بن الزبير في أنه أدرك الرسول وعاصره وهو غلام، ومات الرسول قبل أن يبلغ ابن عباس سنّ الرجولة.
                  لكنه هو الآخر تلقى في حداثته كل خامات الرجولة، ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يؤثره، ويزكيه، ويعلّمه الحكمة الخالصة.
                  وبقوة ايمانه، وقوة خلقه، وغزارة علمه، تبوأ ابن عباس رضي الله عنه مكانا عاليا بين الرجال حول الرسول.
                  هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
                  ولقبه الحبر.. حبر هذه الأمة، هيأه لهذا اللقب، ولهذه المنزلة استنارة عقله وذكاء قلبه، واتساع معارفه.
                  لقد عرف ابن عباس طريق حياته في أوليات أيامه وازداد بها معرفة عندما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام يدنيه منه وهو طفل ويربّت على كتفه وهو يقول:
                  " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
                  ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس.. وآنئذ أدرك ابن عباس أنه خلق للعلم، والمعرفة.
                  وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعا قويا.
                  فعلى الرغم من أنه لم يكن قد جاوز الثالثة عشرة من عمره يوم مات رسول الله، فانه لم يصنع من طفولته الواعية يوما دون أن يشهد مجالس الرسول ويحفظ عنه ما يقول..
                  وبعد ذهاب الرسول الى الرفيق الأعلى حرص ابن عباس على أن يتعلم من أصحاب الرسول السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول نفسه..
                  هنالك، جعل من نفسه علامة استفهام دائمة.. فلا يسمع أن فلانا يعرف حكمة، أو يحفظ حديثا، الا سارع اليه وتعلم منه..
                  وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع.. فهو لا يغنى بجمع المعرفة فحسب، بل ويغنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها..
                  يقول عن نفسه:
                  " ان كنت لأسأل عن الأمر الواحد، ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
                  ويعطينا صورة لحرصه على ادراكه الحقيقة والمعرفة فيقول:
                  " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار:
                  هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله، فانهم اليوم كثير.
                  فقال: يا عجبا لك يا بن عباس!! أترى الناس يفتقرون اليك، وفيهم من أصحاب رسول الله من ترى..؟؟

                  فترك ذلك ، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله.. فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي اليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك..؟؟ هلا أرسلت اليّ فآتيك..؟؟ فأقول لا، أنت أحق بأن أسعى اليك، فأسأله عنه الحديث وأتعلم منه"..!!
                  هكذا راح فتانا العظيم يسأل، ويسأل، ويسأل.. ثم يفحص الاجابة مع نفسه، ويناقشها بعقل جريء.
                  وهو في كل يوم، تنمو معارفه، وتنمو حكمته، حتى توفرت له في شبابه الغضّ حكمة الشيوخ وأناتهم، وحصافتهم، وحتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحرص على مشورته في كل أمر كبير.. وكان يلقبه بفتى الكهول..!!
                  سئل ابن عباس يوما:" أنّى أصبت هذا العلم"..؟
                  فأجاب:
                  " بلسان سؤول..
                  وقلب عقول"..
                  فبلسانه المتسائل دوما، وبعقله الفاحص أبدا، ثم بتواضعه ودماثة خلقه، صار ابن عباس" حبر هذه الأمة..
                  ويصفه سعد بن أبي وقاص بهذه الكلمات:
                  " ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس..
                  ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله"..
                  وتحدث عنه عبيد بن عتبة فقال:
                  " ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس..
                  ولا رأيت أحدا، أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه..
                  ولا أفقه في رأي منه..
                  ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن، ولا بحساب وفريضة منه..
                  ولقد كان يجلس يوما للفقه.. ويوما للتأويل.. يوما للمغازي.. ويوما للشعر.. ويوم لأيام العرب وأخبارها..
                  وما رأيت عالما جلس اليه الا خضع له، ولا سائلا الا وجد عنده علما"..!!
                  ووصفه مسلم من أهل البصرة، وكان ابن عباس قد عمل واليا عليها للامام عليّ ابن أبي طالب، فقال:
                  " انه آخذ بثلاث، تارك لثلاث..
                  آخذ بقلوب الرجال اذا حدّث..
                  وبحسن الاستماع اذا حدّث..
                  وبأيسر الأمرين اذا خولف..
                  وتارك المراء..
                  ومصادقة اللئام..
                  وما يعتذر منه"..!!
                  وكان تنوّع ثقافته، وشمول معرفته ما يبهر الألباب.. فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم.. في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه.. وفي التاريخ.. وفي لغة العرب وآدابهم، ومن ثمّ فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة، يأتيه الناس أفواجا من أقطار الاسلام، ليسمعوا منه، وليتفقهوا على يديه..
                  حدّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال:
                  " لقد رأيت من ابن عباس مجلسا، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به الفخر..
                  رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب..

                  فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، فتوضأ وجلس وقال: أخرج اليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله..فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سالوا عن شيء الا اخبرهم وزاد..
                  ثم قال لهم: اخوانكم.. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.
                  ثم قال لي: أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام..
                  فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء الا أخبرهم وزادهم..
                  ثم قال: اخوانكم.. فخرجوا..
                  ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم..
                  ثم قال لي: ادع من يريد أن يسال عن العربية، والشعر..
                  فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم"!!
                  وكان ابن عباس يمتلك الى جانب ذاكرته القوية، بل الخارقة، ذكاء نافذا، وفطنة بالغة..
                  كانت حجته كضوء الشمس ألقا، ووضوحا، وبهجة.. وهو في حواره ومنطقه، لا يترك خصمه مفعما بالاقتناع وحسب، بل ومفعما بالغبطة من روعة المنطق وفطنة الحوار..
                  ومع غزارة علمه، ونفاذ حجته، لم يكن يرى في الحوار والمناقشة معركة ذكاء، يزهو فيها بعلمه، ثم بانتصاره على خصمه.. بل كان يراها سبيلا قويما لرؤية الصواب ومعرفته..
                  ولطالما روّع الخوارج بمنطقه الصارم العادل..
                  بعث به الامام عليّ رضي الله عنه ذات يوم الى طائفة كبيرة منهم فدار بينه وبينهم حوار رائع وجّه فيه الحديث وساق الحجة بشكل يبهر الألباب..
                  ومن ذلك الحوار الطويل نكتفي بهذه الفقرة..
                  سألهم ابن عباس:
                  " ماذا تنقمون من عليّ..؟"
                  قالوا:
                  " ننتقم منه ثلاثا:
                  أولاهنّ: أنه حكّم الرجال في دين الله، والله يقول ان الحكم الا لله..
                  والثانية: أنه قاتل، ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا، فقد حلّت أموالهم، وان كانوا مؤمنين فقد حرّمت عليه دماؤهم..!!
                  والثالثة: رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، استجابة لأعدائه، فان لم يكن امير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.."
                  وأخذ ابن عباس يفنّد أهواءهم فقال:
                  " أما قولكم: انه حكّم الرجال في دين الله، فأيّ بأس..؟
                  ان الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم..
                  فنبؤني بالله: أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم..؟؟!!
                  وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم.. واستأنف حبر الأمة حديثه:
                  " وأما قولكم: انه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم..؟؟
                  وهنا كست وجوههم صفرة الخحل، وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم..
                  وانتقل ابن عباس الى الثالثة:
                  " وأما قولكم: انه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، حتى يتم التحكيم، فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية، اذ راح يملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش، فقال للكاتب: اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك..
                  فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله.. فقال لهم الرسول: والله اني لرسول الله وان كذبتم.. ثم قال لكاتب الصحيفة: أكتب ما يشاءون: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله"..!!
                  واستمرّ الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز.. وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا، معلنين اقتناعهم، ومعلنين خروجهم من خصومة الامام عليّ..!!
                  ولم يكن ابن عباس يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب. بل كان يمتلك معها ثروة أكبر، من أخلاق العلم وأخلاق العلماء.
                  فهو في جوده وسخائه امام وعلم..
                  انه ليفيض على الناس من ماله.. بنفس السماح الذي يفيض به عليهم من علمه..!!
                  ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون:
                  " ما رأينا بيتا أكثر طعاما، ولا شرابا، ولا فاكهة، ولا علما من بيت ابن عباس"..!!
                  وهو طاهر القلب، نقيّ النفس، لا يحمل لأحد ضغنا ولا غلا.
                  وهوايته التي لا يشبع منها، هي تمنّيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من الناس..
                  يقول عن نفسه:
                  " اني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم..
                  واني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط، فأفرح به وأدعو له.. ومالي عنده قضيّة..!!
                  واني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، ومالي بتلك الأرض سائمة..!!"
                  وهو عابد قانت أوّاب.. يقوم من الليل، ويصوم من الأيام، ولا تخطئ العين مجرى الدموع تحت خديّه، اذ كان كثير البكاء كلما صلى.. وكلما قرأ القرآن..

                  فاذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد، وذكر الموت، والبعث علا نشيجه ونحيبه.
                  وهو الى جانب هذا شجاع، أمين، حصيف.. ولقد كان له في الخلاف بين عليّ ومعاوية آراء تدلّ على امتداد فطنته، وسعة حيلته.
                  وهو يؤثر السلام على الحرب.. والرفق على العنف.. والمنطق على القسر..
                  عندما همّ الحسين رضي الله عنه بالخروج الى العراق ليقاتل زيادا، ويزيد، تعلق ابن عباس به واستمات في محاولة منعه.. فلما بلغه فيما بعد نبأ استشهاده، أقضّه الحزن عليه، ولزم داره.
                  وفي كل خلاف ينشب بين مسلم ومسلم، لم تكن تجد ابن عباس الا حاملا راية السلم، والتفاهم واللين..
                  صحيح أنه خاض المعركة مع الامام عليّ ضد معاوية. ولكنه فعل ذلك لأن المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة انشقاق رهيبة، تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.
                  وعاش ابن عباس يملأ دنياه علما وحكمة، وينشر بين الناس عبيره وتقواه..
                  وفي عامه الحادي والسبعين، دعي للقاء ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف مشهدا حافلا لمؤمن يزف الى الجنان.
                  وبينما كان جثمانه يأخذ مستقره الآمن في قبره، كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الله الحق:
                  ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)







                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #39
                    { سالم مولى أبي حذيفة - بل نعم حامل القرآن }

                    أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما، فقال:
                    " خذوا القرآن من أربعة:
                    عبدالله بن مسعود..
                    وسالم مولى أبي حذيفة..
                    وأبيّ بن كعب..
                    ومعاذ بن جبل.."
                    ولقد التقينا من قبل بابن مسعود، وأبيّ،ومعاذ..
                    فمن هذا الصحابي الرابع الذي جعله الرسول حجّة في تعليم القرآن ومرجعا..؟؟
                    انه سالم ، مولى أبي حذيفة..
                    كان عبدا رقيقا، رفع الاسلام من شأنه حتى جعل منه ابنا لواحد من كبار المسلمين كان قبل اسلامه شريفا من أشراف قريش، وزعيما من زعمائها..
                    ولما أبطل الاسلام عادة التبني، صار أخا ورفيقا، ومولى للذي كان يتبناه وهو الصحابي الجليل: أبو حذيفة بن عتبة..
                    وبفضل من الله ونعمة على سالم بلغ بين المسلمين شأوا رفيعا وعاليا، أهّلته له فضائل روحه، وسلوكه وتقواه.. وعرف الصحابي الجليل بهذه التسمية: سالم مولى أبي حذيفة.
                    ذلك أنه كان رقيقا وأعتق..
                    وآمن بالله ايمانا مبكرا..
                    وأخذ مكانه بين السابقين الأولين..
                    وكان حذيفة بن عتبة، قد باكر هو الآخر وسارع الى الاسلام تاركا أباه عتبة بن ربيعة يجتر مغايظه وهموهه التي عكّرت صفو حياته، بسبب اسلام ابنه الذي كان وجيها في قومه، وكان أبوه يعدّه للزعامة في قريش..
                    وتبنى أبو حذيفة سالما بعد عتقه، وصار يدعى بسالم بن أبي حذيفة..
                    وراح الاثنان يعبدان ربهما في اخبات، وخشوع.. ويصبران أعظم الصبر على أذى قريش وكيدها..
                    وذات يوم نزلت آية القرآن التي تبطل عادة التبني..
                    وعاد كل متبني ليحمل اسم أبيه الحقيقي الذي ولده وأنجبه..
                    فزيد بن حارثة مثل، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، وعرف بين المسلمين بزيد بن محمد، عاد يحمل اسم أبيه حارثة فصار زيد بن جارثة ولكنّ سالما لم يكن يعرف له أب، فوالى أبا حذيفة، وصار يدعى سالم مولى أبي حذيفة..
                    ولعل الاسلام حين أبطل عادة التبني، انما أراد أن يقول للمسلمين لا تلتمسوا رحما، ولا قربى، ولا صلة تؤكدون بها اخاءكم، أكبر ولا أقوى من الاسلام نفسه.. والعقيدة التي يجعلكم بها اخوانا..!!
                    ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدا..
                    فلم يكن شيء أحب الى أحدهم بعد الله ورسوله، من اخوانهم في الله وفي الاسلام..
                    ولقد رأينا كيف استقبل الأنصار اخوانهم المهاجرين، فشاطروهم أموالهم، ومساكنهم، وكل ما يملكون..!!
                    وهذا هو الذي رأينا يحدث بين أبي حذيفة الشريف في قريش، مع سالم الذي كان عبدا رقيقا، لا يعرف أبوه..
                    لقد ظلا الى آخر لحظة من حياتهما أكثر من اخوين شقيقين حتى عند الموت ماتا معا.. الروح مع الروح.. والجسد الى جوار الجسد..!!
                    تلك عظمة الاسلام الفريدة..
                    بل تلك واحدة من عظائمه ومزاياه..!!
                    لقد آمن سالم ايمان الصادقين..
                    وسلك طريقه الى الله سلوك الأبرار المتقين..
                    فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أي اعتبار..
                    لقد ارتفع بتقواه واخلاصه الى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الاسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم...
                    أساس تلخصه الآية الجليلة:
                    " ان أكرمكم عند الله أتقاكم"..!!
                    والحديث الشريف:
                    " ليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى"..
                    و" ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل الا بالتقوى"..
                    في هذا المجتمع الجديد الراشد، وجد أبو حذيفة شرفا لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا..
                    بل ووجد شرفا لأسرته، أن يزوج سالما ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة..!!
                    وفي هذا المجتمع الجديد، والرشيد، الذي هدّم الطبقية الظالمة، وأبطل التمايز الكاذب، وجد سالم بسبب صدقه، وايمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصف الأول دائما..!!
                    أجل.. لقد كان امام للمهاجرين من مكة الى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء..
                    وكان حجة في كتاب الله، حتى أمر النبي المسلمين أن يتعلموا منه..!!
                    وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عليه السلام يقول له:
                    " الحمد لله، الذي جعل في أمتي مثلك"..!!
                    وحتى كان اخوانه المؤمنين يسمونه:
                    " سالم من الصالحين"..!!
                    ان قصة سالم كقصة بلال وكقصة عشرات العبيد، والفقراء الذين نفض عنهم عوادي الرق والضعف، وجعلهم في مجتمع الهدى والرشاد أئمة، وزعماء وقادة..
                    كان سالم ملتقى لكل فضائل الاسلام الرشيد..
                    كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان ايمانه العميق الصادق ينسقها أجمل تنسيق.
                    وكان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا..
                    انه لا يعرف الصمت تجاه كلمة يرى من واجبه أن يقولها..
                    ولا يخون الحياة بالسكوت عن خطأ يؤدها..
                    بعد أن فتحت مكة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السرايا الى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه عليه السلام، انما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين..
                    وكان على رأس احدى هذه السرايا خالد بن الوليد..
                    وحين بلغ خالد وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيوف، ويرق الدماء..
                    هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها، اعتذر الى ربه طويلا، وهو يقول:
                    " اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد"..!!
                    والتي ظل أمير المؤمنين عمر يذكرها له ويأخذها عليه، ويقول:
                    " ان في سيف خالد رهقا"..
                    وكان يصحب خالد في هذه السرية سالم مولى أبي حذيفة مع غيره من الأصحاب..
                    ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكبت..
                    وخالد البطل القائد، والبطل الصنديد في الجاهلية، والاسلام، ينصت مرة ويدافع عن نفسه مرة ثانية ويشتد في القول مرة ثالثة وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيّب أو مداراة..
                    لم يكن سالم آنئذ ينظر الى خالد كشريف من أشراف مكة.. بينما هو من كان بالأمس القريب رقيقا.
                    لا.. فقد سوّى الاسلام بينهما..!!
                    ولم يكن ينظر اليه كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..
                    ولم يكن يصدر في معارضته خالدا عن غرض، أو سهوه، بل هي النصيحة التي قدّس الاسلام حقها، والتي طالما سمع نبيه عليه الصلاة والسلام يجعلها قوام الدين كله حين يقول:
                    " الدين النصيحة..
                    الدين النصيحة..
                    الدين النصيحة".
                    ولقد سأل الرسول عليه السلام، عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد..
                    سأل عليه السلام قائلا:
                    " هل أنكر عليه أحد"..؟؟
                    ما أجله سؤالا، وما أروعه..؟؟!!
                    وسكن غضبه عليه السلام حين قالوا له:
                    " نعم.. راجعه سالم وعارضه"..
                    وعاش سالم مع رسوله والمؤمنين..
                    لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن عبادة..
                    وكان اخاؤه مع أبي حذيفة يزداد مع الأيام تفانيا وتماسكا..
                    وانتقل الرسول الى الرفيق الأعلى..
                    وواجهت خلافة أبي كبر رضي الله عنه مؤامرات المرتدّين..
                    وجاء يوم اليمامة..
                    وكانت حربا رهبة، لم يبتل الاسلام بمثلها..
                    وخرج المسلمون للقتال..
                    وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..
                    وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم.. وأحسّ كل مؤمن أن المعركة معركته، والمسؤولية مسؤوليته..
                    وجمعهم خالد بن الوليد من جديد..
                    وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة..
                    وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة..
                    وقذفا نفسيهما في الخضمّ الرّهيب..!!
                    كان أبو حذيفة ينادي:
                    " يا أهل القرآن..
                    زينوا القرآن بأعمالكم".
                    وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.
                    وكان سالم يصيح:
                    " بئس حامل القرآن أنا..
                    لو هوجم المسلمون من قبلي"..!!
                    حاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..!!
                    وكان سيفه صوّال جوّال في أعناق المرتدين، الذين هبوا ليعيدوا جاهلية قريش.. ويطفؤا نور الاسلام..
                    وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب...
                    ولما رأى يمناه تبتر، التقط الراية بيسراه وراح يلوّح بها الى أعلى وهو يصيح تاليا الآية الكريمة:
                    ( وكأيّ من نبي قاتل معه ربيّون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)...
                    ألا أعظم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعارا له..!!
                    وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل.. ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب واندحار جيش مسيلمة وانتصار المسلمين..
                    وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالما في النزع الأخير..
                    وسألهم:
                    ما فعل أبو حذيفة..؟؟
                    قالوا: استشهد..
                    قال: فأضجعوني الى جواره..
                    قالوا: انه الى جوارك يا سالم.. لقد استشهد في نفس المكان..!!
                    وابتسم ابتسامته الأخيرة..
                    ولم يعد يتكلم..!!
                    لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..!!
                    معا أسلما..
                    ومعا عاشا..
                    ومعا استشهدا..
                    يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..!!
                    وذهب الى الله، المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يموت:
                    " لو كان سالم حيّا، لوليته الأمر من بعدي"..!!
                    *******



                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #40
                      { الزبير بن العوّام - حواريّ رسول الله }


                      لا يجيء ذكر طلحة الا ويذكر الزبير معه..
                      ولا يجيء ذكر الزبير الا ويذكر طلحة معه..
                      فحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة، آخى بين طلحة والزبير.
                      وطالما كان عليه السلام يتحدث عنهما معا.. مثل قوله:
                      " طلحة والزبير جاراي في الجنة".
                      وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب.
                      أما طلحة، فيجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب.
                      وأما الزبير، فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاّب كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم..
                      وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة..
                      فالتماثل بينهما كبير، في النشأة، في الثراء، في السخاء، في قوة الدين، في روعة الشجاعة، وكلاهما من المسلمين المبكرين باسلامهم...
                      ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجتة. ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل اليهم عمر اختيار الخليفة من بعده.
                      وحتى مصيرهما كان كامل التماثل.. بل كان مصيرا واحدا.
                      ولقد أسلم الزبير، اسلاما مبكرا، اذ كان واحدا من السبعة الأوائل الذين سارعوا الى الاسلام، وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم..
                      وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة.. وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا..
                      ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه. حتى ان المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الاسلام كان سيف الزبير.
                      ففي الأيام الأولى للاسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل.. فما كان من الزبير الا أن استلّ سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، على حداثة سنه كالاعصار..!
                      ذهب أولا يتبيّن الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفربهم أو يظفروا به..
                      وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به....؟ فأنهى اليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب.
                      وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها.
                      وكان الذي تولى تعذيبه عمه.. كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه وهو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب".
                      فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غضّ العظام.. يجيب عمه في تحدّ رهيب:
                      " لا..
                      والله لا أعود لكفر أبدا"...
                      ويهاجر الزبير الى الحبشة، الهجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة.
                      وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده..!!
                      ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنها فيقول:
                      " صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي.
                      فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط.
                      فقال لي: أما والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفي سبيل الله"..
                      وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكةو ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع الى المدينة واستئناف القتال..
                      وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها، وما هي الا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها، وأسرعت خطاها الى مكة..!!
                      ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح هو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه.. ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها، وسيف يتوهج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو..!!
                      وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله.
                      وكان يقول:
                      " ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد...
                      واني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون".!
                      وهكذا سمى ولده، عبدالله بن الزبير تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش.
                      وسمى ولده المنذر، تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو.
                      وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو.
                      وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب.
                      وسمّى جعفر، تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب.
                      وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير.
                      وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد..
                      وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء. راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء.
                      ولقد قيل في تاريخه:
                      " انه ما ولي امارة فط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو في سبيل الله".
                      وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل في في اعتماده التام على نفسه، وفي ثقته التامة بها.
                      فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف، لرأيته يقاتل وحده في لمعركة.. وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده.
                      وكان فضيلته كمقاتل، تتمثل في الثبات، وقوة الأعصاب..
                      رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد مثّل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر الا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه..!!
                      وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي ابن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله:
                      " والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم"..
                      ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن..
                      وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما انزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!
                      ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوازن وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!!
                      ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما..
                      وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول:
                      " ان لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ن العوّام"..
                      ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبيّ، والجوّاد السخيّ، والبائع نفسه وماله لله رب العالمين:
                      ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:
                      أقام على عهد النبي وهديه
                      حواريّه والقول بالفعل يعدل
                      أقام على منهاجه وطريقه
                      يوالي وليّ الحق، والحق أعدل
                      هو الفارس المشهور والبطل الذي
                      يصول، اذا ما كان يوم محجّل
                      له من رسول الله قربى قريبة
                      ومن نصرة الاسلام مجد موثّق
                      فكم كربة ذهبّ الزبير بسيفه
                      عن المصطفى، والله يعطي ويجزل
                      وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رهان..!!
                      فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الاسلام حتى مات مدينا..!!
                      وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته..
                      حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له:
                      " اذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي"..
                      وسأل عبدالله: أي مولى تعني..؟
                      فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير"..
                      يقول عبدالله فيما بعد:
                      " فوالله ما وقعت في كربة من دينه الا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".
                      وفي يوم الجمل، على النحو الذي ذكرنا في حديثنا السالف عن حياة سيدنا طلحة كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره..
                      فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال، وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي..
                      وذهب القاتل الى الامام علي يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه، بعد اقتراف جريمته..
                      لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلا:
                      " بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار"..
                      وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الامام وأمعن بالبكاء وهو يقول:
                      " سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله"..!!
                      أهناك تحيّة نوجهها للزبير في ختام حديثنا عنه، أجمل وأجزل من كلمات الامام..؟؟
                      سلام على الزبير في مماته بعد محياه..
                      سلام، ثم سلام، على حواري رسول الله...

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #41
                        عمرو بن العاص - محرّر مصر من الرومان

                        كانوا ثلاثة في قريش، اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنف مقاومتهم دعوته وايذائهم أصحابه..

                        وراح الرسول يدعو عليهم، ويبتهل الى ربه الكريم أن ينزل بهم عقابه..

                        واذ هو يدعو ويدعو، تنزل الوحي على قلبه بهذه الآية الكريمة..

                        ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فانهم ظالمون)..

                        وفهم الرسول من الآية أنها أمر له بالكف عن الدعاء عليهم، وترك أمرهم الى الله وحده..

                        فامّا أن يظلوا على ظلمهم، فيحلّ بهم عذابه..

                        أو يتوب عليهم فيتوبوا، وتدركهم رحمته..

                        كان عمرو بن العاص أحد هؤلاء الثلاثة..
                        ولقد اختار الله لهم طريق التوبة والرحمة وهداهم الى الاسلام..

                        وتحول عمرو بن العاص الى مسلم مناضل. والى قائد من قادة الاسلام البواسل..

                        وعلى الرغم من بعض مواقف عمرو التي لا نستطيع أن نقتنع بوجهة نظره فيها، فان دوره كصحابيّ جليل بذل وأعطى، ونافح وكافح، سيظل يفتح على محيّاه أعيننا وقلوبنا..

                        وهنا في مصر بالذات، سيظل الذين يرون الاسلام دينا قيما مجيدا..

                        ويرون في رسوله رحمة مهداة، ونعمة موجاة، ورسول صدق عظيم، دعا الى الله على بصيرة، وألهم الحياة كثيرا من رشدها وتقاها..

                        سيظل الذين يحملون هذا الايمان مشحوذي الولاء للرجل الذي جعلته الأقدار سببا، وأي سبب، لاهداء الاسلام الى مصر، واهداء مصر الى الاسلام.. فنعمت الهداية ونعم مهديها..

                        ذلكم هو: عمرو بن العاص رضي الله عنه..

                        ولقد تعوّد المؤرخون أن ينعتوا عمرا ب فاتح مصر..

                        بيد أنا نرى في هذا الوصف تجوزا وتجاوزا، ولعل أحق النعوت بعمرو أن ندعوه ب محرر مصر..

                        فالاسلام لم يكن يفتح البلاد بالمفهوم الحديث للفتح، انما كان يحررها من تسلط امبراطوريتين سامتا العباد والبلاد سوء العذاب، تانك هما:

                        امبراطورية الفرس.ز وامبراطورية الروم..

                        ومصر بالذات، يوم أهلت عليها طلائع الاسلام كانت نهبا للرومان وكان أهلها يقاومون دون جدوى..

                        ولما دوّت فوق مشارف بلادهم صيحات الكتائب المؤمنة أن:

                        " الله أكبر..

                        الله أكبر"..

                        سارعوا جميعا في زحام مجيد صوب الفجر الوافد وعانقوه، واجدين فيه خلاصهم من قيصر ومن الرومان..

                        فعمرو بن العاص ورجاله، لم يفتحوا مصر اذن.. انما فتحوا الطريق أمام مصر لتصل بالحق مصايرها.. وتربط بالعدل مقاديرها.. وتجد نفسها وحقيقتها في ضوء كلمات الله، ومبادئ الاسلام..

                        ولقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة، ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان الين يحتلون البلاد ويسرقون أرزاق أهلها..

                        من أجل ذلك نجده يتحدث الى زعماء النصارى يومئذ وكبار أشاقفتهم، فيقول:

                        "... ان الله بعث محمدا بالحق وأمره به..

                        وانه عليه الصلاة والسلام، قد أدّى رسالته، ومضى بعد أن تركنا على الواضحة أي الطريق الواضح المستقيم..

                        وكان مما أمرنا به الاعذار الى الناس، فنحن ندعوكم الى الاسلام..

                        فمن أجابنا، فهو منا، له ما لنا وعليه ما علينا..

                        ومن لم يجبنا الى الاسلام، عرضنا عليه الجزية أي الضرائب وبذلنا له الحماية والمنعة..

                        ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا، وأوصانا بأهلها خيرا فقال:" ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لهم ذمّة ورحما"..

                        فان أجبتمونا الى ما ندعوكم اليه كانت لكم ذمة الى ذمة"...

                        وفرغ عمرو من كلماته، فصاح بعض الأساقفة والرهبان قائلا:

                        " ان الرحم التي أوصاكم بها نبيّكم، لهي قرابة بعيدة، لا يصل مثلها الا الأنبياء"..!!

                        وكانت هذه بداية طيبة للتفاهم المرجو بين عمرو أقباط مصر.. وان يكن قادة الرومان قد حاولوا العمل لاحباطها..




                        **




                        وعمرو بن العاص لم يكن من السابقين الى الاسلام، فقد أسلم مع خالد بن الوليد قبيل فتح مكة بقليل..
                        ومن عجب أن اسلامه بدأ على يد النجاشي بالحبشة وذلك أن النجاشي يعرف عمرا ويحترمه بسبب تردده الكثير على الحبشة والهدايا الجزيلة التي كان يحملها للنجاشي، وفي زيارته الأخيرة لتلك البلاد جاء ذكر لرسول الذي يهتف بالتوحيد وبمكارم الأخلاق في جزيرة العرب..

                        وسأل عاهل الحبشة عمرا، كيف لم يؤمن به ويتبعه، وهو رسول من الله حقا..؟؟

                        وسأل عمرو النجاشي قائلا:

                        " أهو كذلك؟؟"

                        وأجابه النجاشي:

                        " نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فانه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه"..؟!

                        وركب عمرو ثبج البحر من فوره، عائدا الى بلاده، وميمّما وجهه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين..

                        وفي الطريق المقضية الى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادما من مكة ساعيا الى الرسول ليبايعه على الاسلام..

                        ولك يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه:

                        " لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها"..

                        وتقدم خالد فبايع..

                        ثم تقدم عمرو فقال:

                        " اني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي"..

                        فأجابه الرسول عليه السلام قائلا:

                        " يا عمرو..

                        بايع، فان الاسلام يجبّ ما كان قبله"..

                        وبايع عمرو ووضع دهاءه وشجاعته في خدمة الدين الجديد.

                        وعندما انتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، كان عمرو واليا على عمان..

                        وفي خلافة عمر أبلى بلاءه المشهود في حروب الشام، ثم في تحرير مصر من حكم الرومان.




                        **




                        وياليت عمرو بن العاص كان قد قاوم نفسه في حب الامارة..

                        اذن لكان قد تفوّق كثيرا على بعض المواقف التي ورّطه فيها الحب.

                        على أن حب عمرو الامارة، كان الى حد ما، تعبيرا تلقائيا عن طبيعته الجياشة بالمواهب..

                        بل ان شكله الخارجي، وطريقته في المشي وفي الحديث، كانت تومي الى أنه خلق للامارة..!! حتى لقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رآه ذات يوم مقبلا، فابتسم لمشيته وقال:

                        " ما ينبغي لأبي عبدالله أن يمشي على الأرض الا أميرا"..!

                        والحق أن أبا عبدالله لم يبخس نفسه هذا الحق..

                        وحتى حين كانت الأحداث الخطيرة تجتاح المسلمين.. كان عمرو يتعامل مع هذه الأحداث بأسلوب أمير، أمير معه من الذكاء والدهاء، والمقدرة ما يجعله واثقا بنفسه معتزا بتفوقه..!!

                        ولكن معه كذلك من الأمانة ما جعل عمر بن الخطاب وهو الصارم في اختيار ولاته، واليا على فلسطين والأردن، ثم على مصر طوال حياة أمير المؤمنين عمر...

                        حين علم أمير المؤمنين عمر أن عمرا قد جاوز في رخاء معيشته الحد الذي كان أمير المؤمنين يطلب من ولاته أن يقفوا عنده، ليظلوا دائما في مستوى، أو على الأقل قريبين من مستوى عامة الناس..

                        نقول: لو علم الخليفة عن عمرو كثرة رخائه، لم يعزله، انما أرسل اليه محمد بن مسلمة وأمره أن يقاسم عمرا جميع أمواله وأشيائه، فيبقي له نصفها ويحمل معه الى بيت المال بالمدينة نصفها الآخر.

                        ولو قد علم أمير المؤمنين أن حب عمرو للامارة، يحمله على التفريط في مسؤولياته، لما احتمل ضميره الرشيد ابقاءه في الولاية لحظة.




                        **




                        وكان عمرو رضي الله عنه حادّ الذكاء، قوي البديهة عميق الرؤية..

                        حتى لقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، كلما رأى انسانا عاجز الحيلة، صكّ كفيّه عجبا وقال:

                        " سبحان الله..!!

                        ان خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص اله واحد!!

                        كما كان بالغ الجرأة مقداما

                        ولقد كان يمزج جرأته بدهائه في بعض المواطن، فيظن به الجبن أو الهلع.. بيد أنها سعة الحيلة، كان عمرو يجيد استعمالها في حذق هائل ليخرج نفسه من المآزق المهلكة..!!

                        ولقد كام أمير المؤمنين عمر يعرف مواهبه هذه ويقدرها قدرها، من أجل ذلك عندما أرسله الى الشام قبل مجيئه الى مصر، قيل لأمير المؤمنين: ان على رأس جيوش الروم بالشام أرطبونا أي قائدا وأميرا من الشجعان الدهاة، فكان جواب عمر:

                        " لقد رمينا أرطبون الروم، بأرطبون العرب، فلننظر عمّ تنفرج الأمور"..!!

                        ولقد انفرجت عن غلبة ساحقة لأرطبون العرب، وداهيتهم الخطير عمرو ابن العاص، على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا الى مصر، التي سيلحقه بها عمرو بعد قليل، ليرفع فوق ربوعها الآمنة راية الاسلام.




                        **




                        وما أكثر المواقف التي تألق فيها ذكاء عمرو ودهاؤه.

                        وان كنا لا نحسب منها بحال موقفه من أبي موسى الأشعري في واقعة التحكيم حين اتفقا على أن يخلع كل منهما عليا ومعاوية، ليرجع الأمر شورى بين المسلمين، فأنفذ أبو موسى الاتفاق، وقعد عن انفاذه عمرو.

                        واذا اردنا أن نشهد صورة لدهائه، وحذق بديهته، ففي موقفه من قائد حصن بابليون أثناء حربه مع الرومان في مصر وفي رواية تاريخية أخرى أنها الواقعة التي سنذكرها وقعت في اليرموك مع أرطبون الروم..

                        اذ دعاه الأرطبون والقائد ليحادثه، وكان قد أعطى أمرا لبعض رجاله بالقاء صخرة فوقه اثر انصرافه من الحصن، وأعدّ كل شيء ليكون قتل عمرو أمرا محتوما..

                        ودخل عمرو على القائد، لا يريبه شيء، وانفض لقاؤهما، وبينما هو في الطريق الى خارج الحصن، لمح فوق أسواره حركة مريبة حركت فيه حاسة الحذر بشدّة.

                        وعلى الفور تصرّف بشكل باهر.

                        لقد عاد الى قائد الحصن في خطوات آمنة مطمئنة وئيدة ومشاعر متهللة واثقة، كأن لم يفرّعه شيء قط، ولم يثر شكوكه أمر!!

                        ودخل على القائد وقال له:

                        لقد بادرني خاطر أردت أن أطلعك عليه.. ان معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين الى الاسلام، لا يقطع أمير المؤمنين أمرا دونمشورتهم، ولا يرسل جيشا من جيوش الاسلام الا جعلهم على رأس مقاتلته وجنوده، وقد رأيت أن آتيك بهم، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة..

                        وأدرك قائد الروم أن عمرا بسذاجة قد منحه فرصة العمر..!!

                        فليوافقه اذن على رأيه، حتى اذا عاد ومعه هذا العدد من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم وقوادهم، أجهز عليهم جميعا، بدلا من أن يجهز على عمرو وحده..

                        وبطريقة غير منظورة أعطى أمره بارجاء الخطة التي كانت معدّة لاغتيال عمرو..

                        ودّع عمرو بحفاوة، وصافحه بحرارة،

                        وابتسم داهية العرب، وهو يغادر الحصن..



                        وفي الصباح عاد عمرو على رأس جيشه الى الحصن، ممتطيا صهوة فرسه، التي راحت تقهقه في صهيل شامت وساخر.

                        أجل فهي الأخرى كانت تعرف من دهاء صاحبها الشيء الكثير..!!




                        **




                        وفي السنة الثالثة والأربعين من الهجرة أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر، حيث كان واليا عليها..

                        وراح يستعرض حياته في لحظات الرحيل فقال:

                        ".. كنت أول أمري كافرا.. وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار..

                        ثم بايعت رسول الله، فما كان في الناس أحد أحب اليّ منه، ولا أجلّ في عيني منه.. ولو سئلت أن أنعته ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه اجلالا له.. فلو متّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة..

                        ثم بليت بعد ذلك بالسلطان، وبأشياء لاأدري أهي لي أم عليّ"..




                        **




                        ثم رفع بصره الى السماء في ضراعة، مناجيا ربه الرحيم العظيم قائلا:

                        " اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر،

                        والا تدركني رحمتك أكن من الهالكين"!!

                        وظل في ضراعاته، وابتهالاته حتى صعدت الى الله روحه. وكانت آخر كلماته لا اله الا الله..



                        وتحت ثرى مصر، التي عرّفها عمرو طريق الاسلام، ثوى رفاته..

                        وفوق أرضها الصلبة، لا يزال مجلسه حيث كان يعلم، ويقضي ويحكم.. قائما عبر القرون تحت سقف مسجده العتيق جامع عمرو، أول ميجد في مصر يذكر فيه اسم الله الواحد الأحد، وأعلنت بين أرجائه ومن فوق منبره كلمات الله، ومبادئ الاسلام



                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #42
                          أبو ذر الغفاري
                          رضي الله عنه


                          ماأقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء "
                          " أصدق لهجة من أبي ذر000
                          حديث شريف


                          هو جندب بن جنادة من غفار ، قبيلة لها باع طويل في قطع الطريق ، فأهلها
                          مضرب الأمثال في السطو غير المشروع ، انهم حلفاء الليل ، والويل لمن يقع
                          في أيدي أحد من غفار000ولكن شاء المولى أن ينير لهذه القبيلة دربها بدأ
                          من أبي ذر -رضي الله عنه- ، فهو ذو بصيرة ، و ممن يتألهون في الجاهلية
                          ويتمردون على عبادة الأصنام ، ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم ، فما
                          أن سمع عن الدين الجديد حتى شد الرحال الى مكة000



                          اسلامه
                          ودخل أبو ذر -رضي الله عنه- مكة متنكرا ، يتسمع الى أخبار أهلها والدين الجديد ، حتى وجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صباح أحد الأيام جالسا ، فاقترب منه وقال نعمت صباحا يا أخا العرب )000فأجاب الرسول وعليك السلام يا أخاه )000قال أبوذر أنشدني مما تقول )000فأجاب الرسول ما هو بشعر فأنشدك ، ولكنه قرآن كريم )000قال أبوذر اقرأ علي )000فقرأ عليه وهو يصغي، ولم يمض غير وقت قليل حتى هتف أبو ذر أشهد أن لا اله الا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )000

                          وسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن أنت يا أخا العرب )000فأجابه أبوذر من غفار )000 وتألقت ابتسامة واسعة على فم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، واكتسى وجهه بالدهشة والعجب ، وضحك أبو ذر فهو يعرف سر العجب في وجه الرسول الكريم ، فهو من قبيلة غفار000أفيجيء منهم اليوم من يسلم ؟!000 وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ان الله يهدي من يشاء )000أسلم أبو ذر من فوره ، وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس ، فقد أسلم في الساعات الأولى للاسلام000


                          تمرده على الباطل
                          وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يحمل طبيعة متمردة ، فتوجه للرسول -صلى الله عليه وسلم- فور اسلامه بسؤال يا رسول الله ، بم تأمرني ؟)000فأجابه الرسول ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري )000فقال أبو ذر والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد )000هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته أشهد أن لا اله الا الله000وأشهد أن محمدا رسول الله )000كانت هذه الصيحة أول صيحة تهز قريشا ، من رجل غريب ليس له في مكة نسبا ولا حمى ، فأحاط به الكافرون وضربوه حتى صرعوه ، وأنقذه العباس عم النبي بالحيلة فقد حذر الكافرين من قبيلته اذا علمت ، فقد تقطع عليهم طريق تجارتهم ، لذا تركه المشركين ، ولا يكاد يمضي يوما آخر حتى يرى أبو ذر -رضي الله عنه- امرأتين تطوفان بالصنمين ( أساف ونائلة ) وتدعوانهما ، فيقف مسفها مهينا للصنمين ، فتصرخ المرأتان ، ويهرول الرجال اليهما ، فيضربونه حتى يفقد وعيه ، ثم يفيق ليصيح -رضي الله عنه- مرة أخرى أشهد أن لا اله الا الله000وأشهد أن محمدا رسول الله )000


                          اسلام غفار
                          ويعود -رضي الله عنه- الى قبيلته ، فيحدثهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الدين الجديد ، وما يدعو له من مكارم الأخلاق ، فيدخل قومه بالاسلام ، ثم يتوجه الى قبيلة ( أسلم ) فيرشدها الى الحق وتسلم ، ومضت الأيام وهاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى المدينة ، واذا بموكب كبير يقبل على المدينة مكبرا ، فاذا هو أبو ذر -رضي الله عنه- أقبل ومعه قبيلتي غفار و أسلم ، فازداد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عجبا ودهشة ، و نظر اليهم وقال غفار غفر الله لها000وأسلم سالمها الله )000وأبو ذر كان له تحية مباركة من الرسول الكريم حيث قال ماأقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء ،أصدق لهجة من أبي ذر )000


                          غزوة تبوك
                          وفي غزوة تبوك سنة 9 هجري ، كانت أيام عسرة وقيظ ، خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحبه ، وكلما مشوا ازدادوا تعبا ومشقة ، فتلفت الرسول الكريم فلم يجد أبا ذر فسأل عنه ، فأجابوه لقد تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره )000فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوه ، فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه )000وفي الغداة ، وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا ، فأبصر أحدهم رجل يمشي وحده ، فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقال الرسول كن أبا ذر )000وأخذ الرجل بالاقتراب فاذا هو أبو ذر -رضي الله عنه- يمشي صوب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فلم يكد يراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى قال يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده )000


                          وصية الرسول له
                          ألقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أبا ذر في يوم سؤال يا أبا ذر ، كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء )000فأجاب قائلا اذا والذي بعثك بالحق ، لأضربن بسيفي )000فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( أفلا أدلك على خير من ذلك ؟000اصبر حتى تلقاني )000وحفظ أبو ذر وصية الرسول الغالية فلن يحمل السيف بوجوه الأمراء الذين يثرون من مال الأمة ، وانما سيحمل في الحق لسانه البتار000


                          جهاده بلسانه
                          ومضى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده عهد أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ، في تفوق كامل على مغريات الحياة وفتنتها ، وجاء عصر عثمان -رضي الله عنه- وبدأ يظهر التطلع الى مفاتن الدنيا ومغرياتها ، و تصبح السلطة وسيلة للسيطرة والثراء والترف ، رأى أبو ذر ذلك فمد يده الى سيفه ليواجه المجتمع الجديد ، لكن سرعان ما فطن الى وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ "000فكان لابد هنا من الكلمة الصادقة الأمينة ، فليس هناك أصدق من أبي ذر لهجة ، وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة معترضا على ضلالها ، وأصبح الراية التي يلتف حولها الجماهير والكادحين ، وذاع صيته وهتافه يردده الناس أجمعين بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة )000
                          وبدأ أبو ذر بالشام ، أكبر المعاقل سيطرة ورهبة ، هناك حيث معاوية بن أبي سفيان وجد أبو ذر -رضي الله عنه- فقر وضيق في جانب ، وقصور وضياع في الجانب الآخر ، فصاح بأعلى صوته عجبت لمن لا يجد القوت في بيته ، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه )000ثم ذكر وصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوضع الأناة مكان الانقلاب ، فيعود الى منطق الاقناع والحجة ، ويعلم الناس بأنهم جميعا سواسية كأسنان المشط ، جميعا شركاء بالرزق ، الى أن وقف أمام معاوية يسائله كما أخبره الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غير خوف ولا مداراة ، ويصيح به وبمن معه أفأنتم الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم ؟؟)000ويجيب عنهم نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن ، وشهدتم مع الرسول المشاهد)، ويعود بالسؤال أولا تجدون في كتاب الله هذه الآية :"000

                          والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم000يوم يحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جباههم ، وجنوبهم ، وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم ، فذوقوا ما كنتم تكنزون "000
                          فيقول معاويةلقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب )000فيصيح أبو ذر لا000بل أنزلت لنا ولهم )000 ويستشعر معاوية الخطر من أبي ذر فيرسل الى الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ان أبا ذر قد أفسد الناس بالشام )000فيكتب عثمان الى أبي ذر يستدعيه ، فيودع الشام ويعود الى المدينة ، ويقول للخليفة بعد حوار طويل لا حاجة لي في دنياكم )000وطلب الاذن بالخروج الى ( الربذة )000وهناك طالبه البعض برفع راية الثورة ضد الخليفة ولكنه زجرهم قائلا والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة ، أو جبل، لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرا لي )000
                          فأبو ذر لا يريد الدنيا ، بل لا يتمنى الامارة لأصحاب رسول الله ليظلوا روادا للهدى 000لقيه يوما أبو موسى الأشعري ففتح له ذراعيه يريد ضمه فقال له أبو ذر لست أخيك ، انما كنت أخيك قبل أن تكون واليا وأميرا )000كما لقيه يوما أبو هريرة واحتضنه مرحبا ، فأزاحه عنه وقال اليك عني ، ألست الذي وليت الامارة ، فتطاولت في البنيان ، واتخذت لك ماشية وزرعا )000وعرضت عليه امارة العراق فقال لا والله000لن تميلوا علي بدنياكم أبدا )000


                          اقتدائه بالرسول
                          عاش أبو ذر -رضي الله عنه- مقتديا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو يقول أوصاني خليلي بسبع ، أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن أنظر الى من هو دوني ولا أنظر الى من هو فوقي ، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا ، وأمرني أن أصل الرحم ، وأمرني أن أقول الحق ولو كان مرا ، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم ، وأمرني أن أكثر من : لاحول ولا قوة الا بالله )000وعاش على هذه الوصية ، ويقول الامام علي - رضي الله عنه - لم يبق اليوم أحد لايبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر )000
                          وكان يقول أبو ذر لمانعيه عن الفتوى والذي نفسي بيده ، لو وضعتم السيف فوق عنقي ، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تحتزوا لأنفذتها )000ورآه صاحبه يوما يرتدي جلبابا قديما فقال له أليس لك ثوب غير هذا ؟000لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين ؟)000فأجابه أبو ذريا بن أخي ، لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني )000قال له والله انك لمحتاج اليهما )000فأجاب أبو ذر اللهم غفرا انك لمعظم للدنيا ، ألست ترى علي هذه البردة ، ولي أخرى لصلاة الجمعة، ولي عنزة أحلبها، وأتان أركبها، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟)000


                          وفاته
                          في ( الربذة ) جاءت سكرات الموت لأبي ذر الغفاري ، وبجواره زوجته تبكي ، فيسألها فيم البكاء والموت حق ؟)000فتجيبه بأنها تبكي لأنك تموت ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا !)000فيبتسم ويطمئنها ويقول لها لا تبكي ، فاني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده عصابة من المؤمنين )000وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، ولم يبق منهم غيري ، وهأنذا بالفلاة أموت ، فراقبي الطريق فستطلع علينا عصابة من المؤمنين ، فاني والله ما كذبت ولا كذبت )000وفاضت روحه الى الله ، وصدق000فهذه جماعة مؤمنة تأتي وعلى رأسها عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما أن يرى وجه أبي ذر حتى تفيض عيناه بالدمع ويقول صدق رسول الله ، تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك )000وبدأ يقص على صحبه قصة هذه العبارة التي قيلت في غزوة تبوك كما سبق ذكره000


                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #43
                            وهكذا
                            عشنا مع عبق السيرة العطرة
                            لأصحاب خير الأنام النبي الرسول محمد
                            صلى الله عليه وسلم وكيف كان ولاؤهم وثباتهم
                            وإخلاصهم لله ولرسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام
                            ورضي الله على صحابته أجمعين

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?

                            Working...
                            X