إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

سسله رجال حول الرسول صلي الله عليه وسلم

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #16
    وحين كان الصدّيق يتأبط ذراع بلال منطلقا به الى الحرية قال له أمية:
    خذه، فواللات والعزى، لو أبيت الا أن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بها..
    وفطن أبو بكر لما في هذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل وكان حريّا بألا يجيبه..
    ولكن لأن فيها مساسا بكرامة هذا الذي قد صار أخا له، وندّا،أجاب أمية قائلا:
    والله لو أبيتم أنتم الا مائة أوقية لدفعتها..!!
    وانطلق بصاحبه الى رسول الله يبشره بتحريره.. وكان عيدا عظيما!
    وبعد هجرة الرسول والمسلمين الى المدينة، واستقرارهم بها، يشرّع الرسول للصلاة أذانها..
    فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم..؟ وتصدح عبر الأفق تكبيراته وتهليلاته..؟
    انه بلال.. الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب يهدّه ويشويه أن: "الله أحد..أحد".
    لقد وقع اختيار الرسول عليه اليوم ليكون أول مؤذن للاسلام.
    وبصوته النديّ الشجيّ مضى يملأ الأفئدة ايمانا، والأسماع روعة وهو ينادى:

    الله أكبر.. الله أكبر
    الله أكبر .. الله أكبر
    أشهد أن لااله الا الله
    أشهد أن لا اله الا الله
    أشهد أن محمدا رسول الله
    أشهد أن محمدا رسول الله
    حي على الصلاة
    حي على الصلاة
    حي على الفلاح
    حي على الفلاح
    الله أكبر.. الله أكبر
    لااله الا الله...
    ونشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم الى المدينة غازيا..
    وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية..وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الاسلام، غزوة بدر.. تلك الغزوة التي أمر الرسول عليه السلام أن يكون شعارها: "أحد..أحد".
    في هذه الغزوة ألقت قريش بأفلاذ أكبادها، وخرج أشرافها جميعا لمصارعهم..!!
    ولقد همّ بالنكوص عن الخروج "أمية بن خلف" .. هذا الذي كان سيدا لبلال، والذي كان يعذبه في وحشيّة قاتلة..
    همّ بالنكوص لولا أن ذهب اليه صديقه "عقبة بن أبي معيط" حين علم عن نبأ تخاذله وتقاعسه، حاملا في يمينه مجمرة حتى اذا واجهه وهو جالس وسط قومه، ألقى الجمرة بين يديه وقال له: يا أبا علي، استجمر بهبذ، فانما أنت من النساء..!!!
    وصاح به أمية قائلا: قبحك الله، وقبّح ما جئت به..
    ثم لم يجد بدّا من الخروج مع الغزاة فخرج..
    أيّة أسرار للقدر، يطويها وينشرها..؟
    لقد كان عقبة بن أبي معيط أكبر مشجع لأمية على تعذيب بلال، وغير بلال من المسلمين المستضعفين..
    واليوم هو نفسه الذي يغريه بالخروج الى غزوة بدر التي سيكون فيها مصرعه..!!
    كما سيكون فيها مصرع عقبة أيضا!
    لقد كان أمية من القاعدين عن الحرب.. ولولا تشهير عقبة به على هذا النحو الذي رأيناه لما خرج..!!
    ولكن الله بالغ أمره، فليخرج أمية فان بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما، جاء أوان تصفيته، فالديّان لا يموت، وكما تدينون تدانون..!!
    وان القدر ليحلو له أن يسخر بالجبارين.. فعقبة الذي كان أمية يصغي لتحريضه، ويسارع اى هواه في تعذيب المؤمنين الأبرياء، هو نفسه الذب سيقود أميّة الى مصرعه..
    وبيد من..؟
    بيد بلال نفسه.. وبلال وحده!!
    نفس اليد التي طوّقها أميّة بالسلاسل، وأوجع صاحبها ضربا، وعذابا..
    مع هذه اليد ذاتها، هي اليوم، وفي غزوة بدر، على موعد أجاد القدر توقيته، مع جلاد قريش الذي أذل المؤمنين بغيا وعدوا..
    ولقد حدث هذا تماما..
    وحين بدأ القتال بين الفريقين، وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم:" أحد.. أحد" انخلع قلب أمية، وجاءه النذير..
    ان الكلمة التي كان يرددها بالأمس عبد تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار دين بأسره وشعار الأمة الجديدة كلها..!!
    "أحد..أحد"؟؟!!
    أهكذا..؟ وبهذه السرعة.. وهذا النمو العظيم..؟؟
    وتلاحمت السيوف وحمي القتال..
    وبينما المعركة تقترب من نهايتها، لمح أمية بن خلف" عبد الرحمن بن عوف" صاحب رسول الله، فاحتمى به، وطلب اليه أن يكون أسيره رجاء أن يخلص بحياته..
    وقبل عبد الرحمن عرضه وأجاره، ثم سار به وسط العمعمة الى مكان السرى.
    وفي الطريق لمح بلال فصاح قائلا:
    "رأس الكفر أميّة بن خلف.. لا نجوت ان نجا".
    ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي لطالما أثقله الغرور والكبر، فصاح به عبد الرحمن بن عوف:
    "أي بلال.. انه أسيري".
    أسير والحرب مشبوبة دائرة..؟
    أسير وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين..؟
    لا.. ذلك في رأي بلال ضحك بالعقول وسخرية.. ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه الكفاية..
    سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها ليوم مثل هذا اليوم، وهذا المأزق، وهذا المصير..!!
    ورأى بلال أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين عبد الرحمن بن عوف، فصاح بأعلى صوته في المسلمين:
    "يا أنصار الله.. رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت ان نجا"...!
    وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر سيوفهم المنايا، وأحاطت بأمية وابنه ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف أن يصنع شيئا.. بل لم يستطع أن يحمي أذراعه التي بددها الزحتم.
    وألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة، ثم هرول عنه مسرعا وصوته النديّ يصيح:
    "أحد.. أحد.."
    لا أظن أن من حقنا أن نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل هذا المقام..
    فلو أن اللقاء بين بلال وأمية تمّ في ظروف أخرى، لجازنا أن نسال بلالا حق التسامح، وما كان لرجل في مثل ايمانه وتقاه أن يبخل به.
    لكن اللقاء الذي تم بينهما، كان في حرب، جاءها كل فريق ليفني غريمه..
    السيوف تتوهج.. والقتلى يسقطون.. والمنايا تتواثب، ثم يبصر بلال أمية الذي لم يترك في جسده موضع أنملة الا ويحمل آثار تعذيب.
    وأين يبصره وكيف..؟
    يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل ما يناله من رؤوس المسلمين، ولو أدرك رأس بلال ساعتئذ لطوّح به..
    في ظروف كهذه يلتقي الرجلان فيها، لا يكون من المنطق العادل في شيء أن نسأل بلالا: لماذا لم يصفح الصفح الجميل..؟؟
    وتمضي الأيام وتفتح مكة..
    ويدخلها الرسول شاكرا مكبرا على رأس عشرة آلاف من المسلمين..
    ويتوجه الى الكعبة رأسا.. هذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد أيام السنة من الأصنام..!!
    لقد جاء الحق وزهق الباطل..
    ومن اليوم لا عزى.. ولا لات.. ولا هبل.. لن يجني الانسان بعد اليوم هامته لحجر، ولا وثن.. ولن يعبد الناس ملء ضمائرهم الا الله الي ليس كمثله شيء، الواحد الأحد، الكبير المتعال..
    ويدخل الرسول الكعبة، مصطحبا معه بلال..!
    ولا يكاد يدخلها حتى يواجه تمثالا منحوتا، يمثل ابراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام، فيغضب الرسول ويقول:
    "قاتلهم الله..
    ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام.. ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين".
    ويأمر بلال أن يعلو ظهر المسجد، ويؤذن.
    ويؤذن بلال.. فيالروعة الزمان، واملكان، والمناسبة..!!
    كفت الحياة في مكة عن الحركة، ووقفت الألوف المسلمة كالنسمة الساكنة، تردد في خشوع وهمس كلمات الآذان ورء بلال.
    والمشركون في بيوتهم لا يكادون يصدقون:
    أهذا هو محمد وفقراؤه الذين أخرجوا بالأمس من هذا الديار..؟؟
    أهذا هو حقا، ومعه عشرة آلاف من المؤمنين..؟؟
    أهذا هو حقا الذي قاتلناه، وطاردنبه، وقتلنا أحب الناس اليه..؟
    أهذا هو حقا الذي كان يخاطبنا من لحظات ورقابنا بين يديه، ويقول لنا:
    "اذهبوا فأنتم الطلقاء"..!!
    ولكن ثلاثة من أشراف قريش، كانوا جلوسا بفناء الكعبة، وكأنما يلفحهم مشهد بلال وهو يدوس أصنامهم بقدميه، ويرسل من فوق ركامها المهيل صوته بالأذان المنتشر في آفاق مكة كلها كعبير الربيع..
    أما هؤلاء الثلاثة فهم، أبوسفيان بن حرب، وكان قد أسلم منذ ساعات، وعتّاب بن أسيد، والحارث بن هشام، وكانا لم يسلما بعد.
    قال عتاب وعينه على بلال وهو يصدح بأذانه:
    لقد أكرم الله اسيدا، ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث:
    أما والله لو أعلم أن محمدا محق لاتبعته..!!
    وعقب أبو سفيان الداهية على حديثهما قائلا:
    اني لا أقول شيئا، فلو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى!! وحين غادر النبي الكعبة رآهم، وقرأ وجوههم في لحظة، قال وعيناه تتألقان بنور الله، وفرحة النصر:
    قد علمت الذي قلتم..!!!
    ومضى يحدثهم بما قالوا..
    فصاح الحارث وعتاب:
    نشهد أنك رسول الله، والله ما سمعنا أحد فنقول أخبرك..!!
    واستقبلا بلال بقلوب جديدة..في أفئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول أول دخول مكة:
    " يامعشر قريش..
    ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء..
    الناس من آدم وآدم من تراب"..
    وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهد معه المشاهد كلها، يؤذن للصلاة، ويحيي ويحمي شعائر هذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات الى النور، ومن الرق الى الحريّة..
    وعلا شأن الاسلام، وعلا معه شأن المسلمين، وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يصفه بأنه:" رجل من أهل الجنة"..
    لكن بلالا بقي كما هو كريما متواضعا، لا يرى نفسه الا أنه:" الحبشي الذي كان بالأمس عبدا"..!!
    ذهب يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما:
    "أنا بلال، هذا أخي عبدان من الحبشة.. كنا ضالين فهدانا الله.. ومنا عبدين فأعتقنا الله.. ان تزوّجونا فالحمد لله.. وان تمنعونا فالله أكبر.."!!
    وذهب الرسول الى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا، ونهض بأمر المسلمين من بعده خليفته أبو بكر الصديق..
    وذهب بلال الى خليفة رسول الله يقول له:
    " يا خليفة رسول الله..
    اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل عمل لبمؤمن الجهاد في سبيل الله"..
    فقال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال..؟
    قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتىأموت..
    قال أبو بكر ومن يؤذن لنا؟
    قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع، اني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله.
    قال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال..
    قال بلال: ان كنت أعتقتني لأكون لك فليكن لك ما تريد. وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له..
    قالأبو بكر: بل أعتقتك لله يا بلال..
    ويختلف الرواة، فيروي بعضهم أنه سافر الى الشام حيث بقي فيها مجاهدا مرابطا.
    ويروي بعضهم الآخر، أنه قبل رجاء أبي بكر في أن يبقى معه بالمدينة، فلما قبض وولي عمر الخلافة استأذنه وخرج الى الشام.
    على أية حال، فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الاسلام، مصمما أن يلقى الله ورسوله وهو على خير عمل يحبانه.
    ولم يعد يصدح بالأذان بصوته الشجي الحفيّ المهيب، ذلك أنه لم ينطق في أذانه "أشهد أن محمدا رسول الله" حتى تجيش به الذمؤيات فيختفي صوته تحت وقع أساه، وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته.
    وكان آخر أذان له أيام زار أمير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون اليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة.
    ودعا أمير المؤمنين بلال، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها.
    وصعد بلال وأذن.. فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله وبلال يؤذن له.. بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا.. وكان عمر أشدهم بكاء..!!
    ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد.
    وتحت ثرى دمشق يثوي اليوم رفات رجل من أعظم رجال البشر صلابة في الوقوف الى جانب العقيدة والاقتناع...

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #17
      { عبد الرحمن بن عوف ما يبكيك ياأبا محمد }


      ذات يوم، والمدينة ساكنة هادئة، أخذ يقترب من مشارفها نقع كثيف، راح يتعالى ويتراكم حتى كاد يغطي الأفق.
      ودفعت الريح هذه الأمواج من الغبار المتصاعد من رمال الصحراء الناعمة، فاندفعت تقترب من أبواب المدينة، وتهبّ هبوبا قويا على مسالكها.
      وحسبها الناس عاصفة تكنس الرمال وتذروها، لكنهم سرعان ما سمعوا وراء ستار الغبار ضجة تنبئ عن قافلة كبيرة مديدة.
      ولم يمض وقت غير وجيز، حتى كانت سبعمائة راحلة موقرة الأحمال تزحم شوارع المدينة وترجّها رجّا، ونادى الناس بعضهم بعضا ليروا مشهدها الحافل، وليستبشروا ويفرحوا بما تحمله من خير ورزق..
      وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد ترتمت الى سمعها أصداء القافلة الزاحفة..
      سألت: ما هذا الذي يحدث في المدينة..؟
      وأجيبت: انها قافلة لعبدالرحمن بن عوف جاءت من الشام تحمل تجارة له..
      قالت أم المؤمنين:
      قافلة تحدث كل هذه الرّجّة..؟!
      أجل يا ام المؤمنين.. انها سبعمائة راحلة..!!
      وهزت أم المؤمنين رأسها، وأرسلت نظراتها الثاقبة بعيدا، كأنها تبحث عن ذكرى مشهد رأته، أو حديث سمعته..
      "أما اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
      رأيت عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا"..
      عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا..؟
      ولماذا لا يدخلها وثبا هرولة مع السابقين من أصحاب رسول الله..؟
      ونقل بعض أصحابه مقالة عائشة اليه، فتذكر أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أكثر من مرة، وبأكثر من صيغة.
      وقبل أن تفضّ مغاليق الأحمال من تجارته، حث خطاه الى بيت عائشة وقال لها: لقد ذكّرتيني بحديث لم أنسه..
      ثم قال:
      " أما اني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها، وأقتابها، وأحلاسها، في سبيل الله عز وجل"..
      ووزعت حمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها في نهرجان برّ عظيم..!!
      هذه الواقعة وحدها، تمثل الصورة الكاملة لحياة صاحب رسول الله عبدالرحمن بن عوف".
      فهو التاجر الناجح، أكثر ما يكون النجاح وأوفاه..
      وهو الثري، أكثر ما يكون الثراء وفرة وافراطا..
      وهو المؤمن الأريب، الذي يأبى أن تذهب حظوظه من الدين، ويرفض أن يتخلف به ثراؤه عن قافلة الايمان ومثوبة الجنة.. فهو رضي الله عنه يجود بثروته في سخاء وغبطة ضمير..!!
      متى وكيف دخل هذا العظيم الاسلام..؟
      لقد أسلم في وقت مبكر جدا..
      بل أسلم في الساعات الأولى للدعوة، وقبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ويتخذها مقرا لالتقائه بأصحابه المؤمنين..
      فهو أحد الثمانية الذن سبقوا الى الاسلام..
      عرض عليه أبوبكر الاسلام هو وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، فما غمّ عليهم الأمر ولا أبطأ بهم الشك، بل سارعوا مع الصدّيق الى رسول الله يبايعونه ويحملون لواءه.
      ومنذ أسلم الى أن لقي ربه في الخامسة والسبعين من عمره، وهو نموذج باهر للمؤمن العظيم، مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يضعه مع العشرة الذين بشّرهم بالجنة.. وجعل عمر رضي الله عنه يضعه مع أصحاب الشورى الستة الذين جعل الخلافة فيهم من بعده قائلا:" لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض".
      وفور اسلام عبدالرحمن بن عوف حمل حظه المناسب، ومن اضطهاد قريش وتحدّياتها..
      وحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة الى الحبشة هاجر ابن عوف ثم عاد الى مكة، ثم هاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية ثم هاجر الى المدينة.. وشهد بدرا، وأحدا، والمشاهد كلها..
      وكان محظوظا في التجارة الى حدّ أثار عجبه ودهشه فقال:
      " لقد رأيتني، لو رفعت حجرا، لوجدت تحت فضة وذهبا"..!!
      ولم تكن التجارة عند عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه شرها ولا احتكارا..
      بل لم تكن حرصا على جمع المال شغفا بالثراء..
      كلا..
      انما كانت عملا، وواجبا يزيدهما النجاح قربا من النفس، ومزيدا من السعي..
      وكان ابن عوف يحمل طبيعة جيّاشة، تجد راحتها في العمل الشريف حيث يكون..
      فهو اذا لم يكن في المسجد يصلي، ولا في الغزو يجاهد فهو في تجارته التي نمت نموا هائلا، حتى أخذت قوافله تفد على المدينة من مصر، ومن الشام، محملة بكل ما تحتاج اليه جزيرة العرب من كساء وطعام..
      ويدلّنا على طبيعته الجيّاشة هذه، مسلكه غداة هجر المسلمين الى المدينة..
      لقد جرى نهج الرسول يومئذ على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه، أحدهما مهاجر من مكة، والآخر أنصاري من المدينة.
      وكانت هذه المؤاخات تم على نسق يبهر الألباب، فالأنصاري من أهل المدينة يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك.. حتى فراشه، فاذا كان تزوجا باثنين طلق احداهما، ليتزوجها أخوه..!!
      ويومئذ آخى الرسول الكريم بين عبدالرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع..
      ولنصغ للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث:
      " .. وقال سعد لعبدالرحمن: أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه!!
      وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها، وتتزوجها..!
      فقال له عبدالرحمن بن عوف:
      بارك الله لك في أهلك ومال..
      دلوني على السوق..
      وخرج الى السوق، فاشترى.. وباع.. وربح"..!!
      وهكذا سارت حياته في المدينة، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، أداء كامل لحق الدين، وعمل الدنيا.. وتجارة رابحة ناجحة، لو رفع صاحبها على حد قوله حجرا من مكانه لوجد تحته فضة وذهبا..!!
      ومما جعل تجارته ناجحة مباركة، تحرّيه الحلال، ونأيه الشديد عن الحرام، بل عن الشبهات..
      كذلك مما زادها نجاخا وبركة أنها لم تكن لعبدالرحمن وحده.. بل كان لله فيها نصيب أوفى، يصل به أهله، واخوانه، ويجهّز به جيوش الاسلام..
      واذا كانت التجارة والثروات، انما تحصى بأعداد رصيدها وأرباحها فان ثروة عبدالرحمن بن عوف انما تعرف مقاديرها وأعدادها بما كان ينفق منها في سبيل الله رب العالمين..!!
      لقد سمع رسول الله يقول له يوما:
      " يا بن عوف انك من الأغنياء..
      وانك ستدخل الجنة حبوا..
      فأقرض الله يطلق لك قدميك"..
      ومن سمع هذا النصح من رسول الله، وهو يقرض ربه قرضا حسنا، فيضاعفه له أضعافا كثيرة.
      باع في يوم أرضا بأربعين ألف دينار، ثم فرّقها في أهله من بني زهرة، وعلى أمهات المؤمنين، وفقراء المسلمين.
      وقدّم يوما لجيوش الاسلام خمسمائة فرس، ويوما آخر الفا وخمسمائة راحلة.
      وعند موته، أوصى بخمسن ألف دينار في سبيل الله، وأ،صى لكل من بقي ممن شهدوا بدرا بأربعمائة دينار، حتى ان عثمان بن عفان رضي الله عنه، أخذ نصيبه من الوصية برغم ثرائه وقال:" ان مال عبدالرحمن حلال صفو، وان الطعمة منه عافية وبركة".
      كان ابن عوف سيّد ماله ولم يكن عبده..
      وآية ذلك أنه لم يكن يشقى بجمعه ولا باكتنازه..
      بل هو يجمعه هونا، ومن حلال.. ثم لا ينعم به وحده.. بل ينعم به معه أهله ورحمه واخوانه ومجتمعه كله.
      ولقد بلغ من سعة عطائه وعونه أنه كان يقال:
      " أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله.
      " ثلث يقرضهم..
      وثلث يقضي عنهم ديونهم..
      وثلث يصلهم ويعطيهم.."
      ولم يكن ثراؤه هذا ليبعث الارتياح لديه والغبطة في نفسه، لو لم يمكّنه من مناصرة دينه، ومعاونة اخوانه.
      أما بعد هذا، فقد كان دائم الوجل من هذا الثراء..
      جيء له يوما بطعام الافطار، وكان صائما..
      فلما وقعت عيناه عليه فقد شهيته وبكى وقال:
      " استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفّن في بردة ان غطت رأسه، بدت رجلاه، وان غطت رجلاه بدا رأسه.
      واستشهد حمزة وهو خير مني، فلم يوجد له ما يدفن فيه الا بردة.
      ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا منها ما أعطينا واني لأخشى أن نكون قد عجّلت لنا حسناتنا"..!!
      واجتمع يوما مع بعض أصحابه على طعام عنده.
      وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى وسألوه:
      ما يبكيك يا أبا محمد..؟؟
      قال:
      " لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير..
      ما أرانا أخرنا لم هو خير لنا"..!!
      كذلك لم يبتعث ثراؤه العريض ذرة واحدة من الصلف والكبر في نفسه..
      حتى لقد قيل عنه: انه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه، ما استطاع أ، يميزه من بينهم..!!
      لكن اذا كان هذا الغريب يعرف طرفا من جهاد ابن عوف وبلائه، فيعرف مثلا أنه أصيب يوم أحد بعشرين جراحة، وان احدى هذه الاصابات تركت عرجا دائما في احدى ساقيه.. كما سقطت يوم أحد بعض ثناياه. فتركت همّا واضحا في نطقه وحديثه..

      عندئذ لا غير، يستطيع هذا الغريب أن يعرف أن هذا الرجل الفارع القامة، المضيء الوجه، الرقيق البشرة، الأعرج، الأهتم من جراء اصابته يوم أحد هو عبدالرحمن بن عوف..!!

      رضي الله عنه وأرضاه..
      لقد عوّدتنا طبائع البشر أن الثراء ينادي السلطة...
      أي أن الأثرياء يحبون دائما أن يكون لهم نفوذ يحمي ثراءهم ويضاعفه، ويشبع شهوة الصلف والاستعلاء والأنانية التي يثيرها الثراء عادة..
      فاذا رأينا عبدالرحمن بن عوف في ثرائه العريض هذا، رأينا انسانا عجبا يقهر طبائع البشر في هذا المجال ويتخطاها الى سموّ فريد..!
      حدث ذلك عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجود بروحه الطاهرة، ويختار ستة رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليختاروا من بينهم الخليفة الجديد..
      كانت الأصابع تومئ نحو ابن عوف وتشير..
      ولقد فاتحه بعض الصحابة في أنه أحق الستة بالخلافة، فقال:
      " والله، لأن تؤخذ مدية، فتوضع في حلقي، ثم ينفذ بها الى الجانب الآخر أحب اليّ من ذلك"..!!
      وهكذا لم يكد الستة المختارون يعقدون اجتماعهم ليختاروا أحدهم خليفة بعد الفاروق عمر حتى أنبأ اخوانه الخمسة الآخرين أنه متنازل عن الحق الذي أضفاه عمر عليه حين جعله أحد الستة الذين يختار الخليفة منهم.. وأنّ عليهم أن يجروا عملية الاختيار بينهم وحدهم أي بين الخمسة الآخرين..
      وسرعان ما أحله هذا الزهد في المنصب مكان الحكم بين الخمسة الأجلاء، فرضوا أن يختار هو الخليفة من بينهم، وقال الامام علي:
      " لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض"..
      واختار ابن عوف عثمان بن عفان للخلافة، فأمضى الباقون اختياره.
      هذه حقيقة رجل ثري في الاسلام..
      فهل رأيتم ما صنع الاسلام به حتى رفعه فوق الثرى بكل مغرياته ومضلاته، وكيف صاغه في أحسن تقويم..؟؟
      وها هو ذا في العام الثاني والثلاثين للهجرة، يجود بأنفاسه..
      وتريد أم المؤمنين عائشة أن تخصّه بشرف لم تختصّ به سواه، فتعرض عليه وهو على فراش الموت أن يدفن في حجرتها الى جوار الرسول وأبي بكر وعمر..
      ولكنه مسلم أحسن الاسلام تأديبه، فيستحي أن يرفع نفسه الى هذا الجوار...!!
      ثم انه على موعد سابق وعهد وثيق مع عثمان بن مظعون، اذ تواثقا ذات يوم: أيهما مات بعد الآخر يدفن الى جوار صاحبه..
      وبينما كانت روحه تتهيأ لرحلتها الجديدة كانت عيناه تفيضان من الدمع ولسانه يتمتم ويقول:
      " اني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال"..
      ولكن سكينة الله سرعان ما تغشته، فكست وجهه غلالة رقيقة من الغبطة المشرقة المتهللة المطمئنة..
      وأرهفت أذناه للسمع.. كما لو كان هناك صوت عذب يقترب منهما..
      لعله آنئذ، كان يسمع صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم له منذ عهد بعيد:
      " عبدالرحمن بن عوف في الجنة"..
      ولعله كان يسمع أيضا وعد الله في كتابه..
      ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى، لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #18
        ( أبو عبيدة بن الجرّاح - أمين هذه الأمة )

        من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه:
        " ان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟
        من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا اعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟
        من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟
        من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟
        أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:
        " لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله ، وأمين رسوله"..؟؟
        انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..
        أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام ، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.
        عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ينفق حياته في سبيل الله ، كان مدركا تمام الادراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث ، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..
        ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله اياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..
        ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه،وأهداه اليه، فقال عليه الصلاة والسلام:

        " أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح".
        ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. ففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك ، على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..
        ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..
        وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق..
        وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!!
        وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله ، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي ، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صواب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول:
        " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..؟
        ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخانا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية..
        وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصدسق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:
        " لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت : اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..
        فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..
        ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."!!
        وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..
        فاذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تمر ، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الماء .. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..
        لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم الا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!
        لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...
        ويوم جاء وفد نجلان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والاسلام، قال لهم رسول الله:
        " لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!!
        وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..
        يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
        " ما أحببت الامارة قط ، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..
        فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!
        ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..
        انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..
        ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..
        وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..
        ولقد سار تحت راية الاسلام ، جنديّا، كأنه بفضله وباقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وباخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..
        وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الاسلام في احدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..
        لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..
        وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!
        ويسأله خالد:
        " يرحمك الله يا أبا عبيدة. ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟
        فيجيبه أمين الأمة:
        " اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!!
        ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..
        فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..
        وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..
        فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأناته..
        " يا أيها الناس..
        اني مسلم من قريش..
        وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ
        حيّاك الله يا أبا عبيدة..
        وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك..
        مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر.
        الدين: الاسلام..
        والقبيلة: قريش.
        هذه لا غير هويته..
        أما هو كأمير الأمراء ، وقائد لأكثر جيوش الاسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا..
        أما هو كحاكم لبلاد الشام،أمره مطاع ومشيئته نافذة..
        كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!
        ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه:
        أين أخي..؟
        فيقولون من..؟
        فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.
        ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله..
        ويسأله عمر وهو يبتسم:
        " ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟
        فيجيبه أبو عبيدة:
        " يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!
        وذات يوم ، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤون عالمه المسلم الواسع ، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة..
        وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..
        وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام..
        ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..
        وأعاد مقالته عنه:
        " لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..
        ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان..
        وهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة..
        وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..
        فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه..
        ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..!!

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #19
          (جعفر بن أبي طالب - أشبهت خلقي، وخلقي)


          انظروا جلال شبابه..
          انظروا نضارة اهابه..
          انظروا أناته وحلمه، حدبه، وبرّه، تواضعه وتقاه..
          انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف.. وجوده الذي لايخاف الفقر..
          انظروا طهره وعفته..
          انظروا صدقه وأمانته...
          انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن، والفضيلة، والعظمة، ثم لا تعجبوا، فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خلقا، وخلقا..
          أنتم أمام من كنّاه الرسول ب أبي المساكين..
          أنت تجاه من لقبه الرسول ب ذي الجناحين..
          أنتم تلقاء طائر الجنة الغريد، جعفر بن أبي طالب..!! عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم اسهام في صوغ ضمير الحياة..!!
          أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلما، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين..
          وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميس..
          وحملا نصيبهما من الأذى ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة..
          فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة الى الحبشة، خرج جعفر وزوجه حيث لبيا بها سنين عددا، رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة محمد، وعبد الله، وعوف...
          وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدث اللبق، الموفق باسم الاسلام ورسوله..
          ذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم، بذكاء القلب، واشراق العقل، وفطنة النفس، وفصاحة اللسان..
          ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد.. أروع أيامه وأمجاده وأخلدها..
          فان يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي بالحيشة، لن يقلّ روعة ولا بهاء، ولا مجدا..
          لقد كان يوما فذّا، ومشهدا عجبا...
          وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها، ولم يذهب من غيظها، ولم يقلل كم أحقادها، هجرة المسلمين الى الحبشة، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم، ويتكاثر طمعهم.. وحتى اذا لم تواتيهم فرصة التكاثر والقوّة، فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. يظلوا هناك في مهاجرهم أملا رحبا تهتز له نفس الرسول، وينشرح له صدر الاسلام..
          هنالك قرر ساداتها ارسال مبعوثين الى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة، ويحملان رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا اليها لائذين ومستجيرين...
          وكان هذان المبعوثان: عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وكانا لم يسلما بعد...
          كان النجاشي الذي كان يجلس أيامئذ على عرش الحبشة، رجلا يحمل ايمانا مستنيرا.. وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية، بعيدة عن الانحراف، نائية عن التعصب والانغلاق...
          وكان ذكره يسبقه.. وسيرته العادلة، تنشر عبيرها في كل مكان تبلغه..
          من أجل هذا، اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه..
          ومن أجل هذا، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحمّلت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة، وكبار رجال الكنيسة هناك، وأوصى زعماء قريش مبعوثيهاألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا، وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما، ليكونوا لهم عونا عند النجاشي.
          وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها اليهم.. ثم أرسلا للنجاشي هداياه..
          ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها.


          وفي وقار مهيب، وتواضع جليل، جلس النجاشي على كرسيه العالي، تحفّ به الأساقفة ورجال الحاشية، وجلس أمامه في البهو الفسيح، المسلمون المهاجرون، تغشاهم سكينة الله، وتظلهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردّداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذا الاجتماع الحاشد الكبير:
          " أيها الملك.. انه قد ضوى لك الى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، أعمامهم، وعشائرهم، لتردّهم اليهم"...
          وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقيا عليهم سؤاله:
          " ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا"..؟؟
          ونهض جعفر قائما.. ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها ابّان تشاورهم، وقبل مجيئهم الى هذا الاجتماع..
          نهض جعفر في تؤدة وجلال، وألقى نظرات محبّة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال:


          " يا أيها الملك..
          كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا الى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان..
          وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء..
          ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءه من ربه، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فغدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا الى عبادة الأوثان، والى ما كنّا عليه من الخبائث..
          فلما قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك"...
          ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر، فملأت نفس النجاشي احساسا وروعة، والتفت الى جعفر وساله:
          " هل معك مما أنزل على رسولكم شيء"..؟
          قال جعفر: نعم..
          قال النجاشي: فاقرأه علي..
          ومضى حعفر يتلو لآيات من سورة مريم، في أداء عذب، وخشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعا..
          ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة، التفت الى مبعوثي قريش، وقال:
          " ان هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة..
          انطلقا فلا والله، لا أسلمهم اليكما"..!!
          انفضّ الجميع، وقد نصر الله عباده وآزرهم، في حين رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة..

          لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة، لا يتجرّع الهزيمة، ولا يذعن لليأس..
          وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه الى نزلهما، حتى ذهب يفكّر ويدبّر، وقال لزميله:
          " والله لأرجعنّ للنجاشي غدا، ولآتينّه عنهم بما يستأصل خضراءهم"..
          وأجابه صاحبه: " لا تفعل، فان لهم أرحاما، وان كانوا قد خالفونا"..
          قال عمرو: " والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، كبقية العباد"..
          هذه اذن هي المكيدة الجديدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم الى الزاوية الحادة، ويضعهم بين شقّي الرحى، فان هم قالوا عيسى عبد من عباد الله، حرّكوا ضدهم مضان وشكوك الملك والأساقفة.. وان هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم...!!
          وفي الغداة أغدا السير الى مقابلة الملك، وقال له عمرو:

          " أيها الملك: انهم ليقولون في عيسى قولا عظيما".
          واضطرب الأساقفة..
          واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة..
          ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح..
          وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون..
          ثم اتفقوا على أن يقولوا الحق الذي سمعوه من نبيهم عليه الصلاة والسلام، لايحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكن..!!
          وانعقد الاجتماع من جديد، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر:
          "ماذا تقولون في عيسى"..؟؟
          ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال:
          " نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه"..
          فهتف النجاشي مصدّقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه..
          لكنّ صفوف الأساقفة ضجّت بما يشبه النكير..
          ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين:
          " اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبّكم أو آذاكم، فعليه غرم ما يفعل"..
          ثم التفت صوب حاشيته، وقال وسبّابته تشير الى مبعوثي قريش:
          " ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها...
          فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه"...!!
          وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث وليّا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائدين اليها...
          !!
          وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها كما قالوا:" بخير دار.. مع خير جار.." حتى يأذن الله لهم بالعودة الى رسولهم واخوانهم وديارهم...
          كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين..
          وأفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمه غبطة، وسعادة وبشرا..
          وعانقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
          " لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر..".
          وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الى مكة، حيث اعتمروا عمرة القضاء، وعادوا الى المدينة، وقد امتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من انباء اخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر، وأحد.. وغيرهما من المشاهد والمغازي.. وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبرار..
          وطار فؤداه شوقا الى الجنة، وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..!!
          وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها، تتحرّك راياتها في الأفق متأهبة للزحف، وللمسير..
          ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر، فامّا أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله، واما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله..
          وتقدّم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا..
          كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة.. بل ولا حربا صغيرة، انما هي حرب لم يخض الاسلام منها من قبل.. حرب مع جيوش امبراطورية عريضة باذخة، تملك من العتاد والأعداد، والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به، ومع هذا طار شوقا اليها، وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه..
          وخرج الجيش وخرج جعفر معه..
          والتقى الجمعان في يوم رهيب..
          وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل، فانه على العكس، أخذته نشوة عارمة اذا احسّ في أنفه المؤمن العزيز، واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..!!
          وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة، حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها في اقدام خارق.. اقدام رجل لا يبحث عن النصر، بل عن الشهادة...
          وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم، ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل.. وراح يصوب سيفه ويسدده الى نحور أعدائه كنقمة القدر.. ولمح واحدا من الأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها، فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس، فبسط نحوها سيفه، وعقرها..!!
          وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالاعثار، وصوته يتعالى بهذا الزجر المتوهج:
          يا حبّذا الجنة واقترابها طيّبة، وبارد شرابها
          والروم روم، قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
          عليّ اذا لاقيتها ضرابها
          وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل، وكانه جيش لجب..
          وأحاطوا به في اصرار مجنون على قتله.. وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة..
          وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله.. وضربوها هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه..
          في هذه اللحظة تركّزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حيّ..
          وحين تكّومت جثته الطاهرة، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، ونادت خفقاتها عبدالله بن رواحة فشق الصفوف كالسهم نحوها، واخذها في قوة، ومضى بها الى مصير عظيم..!!
          وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر..!!
          وهكذا لقي الكبير المتعال، مضمّخا بفدائيته، مدثرا ببطولاته..
          وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى..
          وقام الى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فشمّمهم، وقبّلهم، وذرفت عيناه..
          ثم عاد الى مجلسه، وأصحابه حافون به. ووقف شاعرالاسلام حسّان بن ثابت يرثي جعفر ورفاقه:

          غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
          الى الموت ميمون النقيبة أزهر
          أغرّ كضوء البدر من آل هاشم
          أبيّ اذا سيم الظلامة مجسر
          فطاعن حتى مال غير موسد
          لمعترك فيه القنا يتكسّر
          فصار مع المستشهدين ثوابه
          جنان، ومتلف الحدائق أخضر
          وكنّا نرى في جعفر من محمد
          وفاء وأمرا حازما حين يأمر
          فما زال في الاسلام من آل هاشم
          دعائم عز لا يزلن ومفخر

          وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل :

          وجدا على النفر الذين تتابعوا
          يوما بمؤتة، أسندوا لم ينقلوا
          صلى الاله عليهم من فتية
          وسقى عظامهم الغمام المسبل
          صبروا بمؤتة للاله نفوسهم
          حذر الردى، ومخافة أن ينكلوا
          اذ يهتدون بجعفر ولواؤه
          قدّام أولهم، فنعم الأول
          حتى تفرّجت الصفوف وجعفر
          حيث التقى وعث الصفوف مجدّل
          فتغير القمر المنير لفقده
          والشمس قد كسفت، وكادت تأفل

          وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم، فقد كان جعفر رضي الله عنه أبا المساكين..
          يقول أبو هريرة:
          " كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب"...
          أجل كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلما جاء أجله أبى الا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحيته..
          يقول عبدالله بن عمر:
          " كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة"..!!
          بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح..؟؟!!
          ومع هذا، فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟
          أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد الى جوار الله الأعلى الرحيم، حيث نزل في رحابه مكانا عليّا..
          انه هنالك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح..
          وان شئتم، فاسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
          " لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم"...!!!

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #20
            ( زيد بن الخطاب - صقر يوم اليمامة )

            جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، وحوله جماعة من المسلمين وبينما الحديث يجري، أطرق الرسول لحظات، ثم وجّه الحديث لمن حوله قائلا:
            " ان فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد"..
            وظل الخوف بل لرعب من الفتنة في الدين، يراود ويلحّ على جميع الذين شهدوا هذا المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... كل منهم يحاذر ويخشى أن يكون هو الذي يتربّص به سوء المنقلب وسوء الختام..
            ولكن جميع الذين وجّه اليهم الحديث يومئذ ختم لهم بخير، وقضوا نحبهم شهداء في سبيل الله. وما بقي منهم حيّا سوى أبي هريرة والرّجّال ابن عنفوة.
            ولقد ظلّ أبو هريرة ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة. ولم يرقأ له جفن، وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب الحظ التعس. فارتدّ الرّجّال عن الاسلام ولحق بمسيلمة الكذاب، وشهد له بالنبوّة.
            هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء المنقلب وسوء المصير..
            والرّجّال بن عنفوة هذا، ذهب ذات يوم الى الرسول مبايعا ومسلما، ولما تلقّى منه الاسلام عاد الى قومه.. ولم يرجع الى المدينة الا اثر وفاة الرسول واختيار الصدّيق خليفة على المسملين.. ونقل الى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الدّيق أن يكون مبعوثه اليهم يثبّتهم على الاسلام، فأذن له الخليفة..
            وتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة.. ولما رأى كثرتهم الهائلة ظنّ أنهم الغالبون، فحدّثته نفسه الغتدرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية، فترك الاسلام، وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود.
            وكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته.
            ذلك، لأنه استغلّ اسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول ، وحفظه لآيات كثيرة من القرآن ، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين .. استغلّ ذلك كله استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوّته الكاذبة.
            لقد سار بين الناس يقول لهم : انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" انه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر".. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة..!!
            ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وبسبب استغلاله الماكر لعلاقاته السابقة بالاسلام وبالرسول.
            وكانت أنباء الرّجّال تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الخطر الذي يضلّ الناس ضلالا بعيدا، والذي يوسّع بضلاله دائرة الحرب التي سيضطر المسلمون أن يخوضوها.
            وكان أكثر المسلمين تغيّظا، وتحرّقا للقاء الرّجّال صحابي جليل تتألق ذكراه في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطّاب..!!

            زيد بن الخطّاب..؟
            لا بد أنكم عرفتموه..
            انه أخو عمر بن الخطّاب..
            أجل أخوه الأكبر، والأسبق..
            جاء الحياة قبل عمر، فكان أكبر منه سنا..
            وسبقه الى الاسلام.. كما سبقه الى الشهادة في سبيل الله..
            وكان زيد بطلا باهر البطولة.. وكان العمل الصامت. الممعن في الصمت جوهر بطولته.
            وكان ايمانه بالله وبرسوله وبدينه ايمانا وثيقا، ولم يتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزوة.
            وفي كل مشهد لم يكن يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن الشهادة..!
            يوم أحد ، حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين والمؤمنين. راح زيد بن الخطاب يضرب ويضرب..
            وأبصره أخوه عمر بن الخطّاب، وقد سقط درعه عنه، وأصبح أدنى منالا للأعداء ، فصاح به عمر.
            " خذ درعي يا زيد فقاتل بها"..
            فأجابه زيد:
            " اني أريد من الشهادة ما تريد يا عمر"..!!!
            وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة، واستبسال عظيم.

            قلنا انه رضي الله عنه، كان يتحرّق شوقا للقاء الرّجّال متمنيّا أن يكون الاجهاز على حياته الخبيثة من حظه وحده.. فالرّجّال في رأي زيد، لم يكن مرتدّا فحسب.. بل كان كذّابا منافقا، وصوليا.
            لم يرتدّ عن اقتناع.. بل عن وصولية حقيرة، ونفاق بغيض هزيل.
            وزيد في بغضه النفاق والكذب، كأخيه عمر تماما..!
            كلاهما لا يثير اشمئزازه، ولا يستجس بغضاءه، مثل النفاق الذي تزجيه النفعيّة الهابطة، والأغراض الدنيئة.
            ومن أجل تلك الأغراض المنحطّة، لعب الرّجّال دوره الآثم، فأربى عدد الملتفين حول مسيلمة ارباء فاحشا ، وهو بهذا يقدّم بيديه الى الموت والهلاك أعدادا كثيرة ستلاقي حتفها في معارك الردّة..
            أضلّها أولا، وأهلكها أخيرا.. وفي سبيل ماذا..؟ في سبيل أطماع لئيمة زيّنتها له نفسه، وزخرفها له هواه ، ولقد أعدّ زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة بمحق هذه الفتنة، لا في شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر منه خطرا، وأشدّ جرما الرّجّال بن عنفوة.
            وبدأ يوم اليمامة مكفهرّا شاحبا.
            وجمع خالد بن الوليد جيش الاسلام ، ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش الى من..؟؟
            الى زيد بن الخطّاب.
            وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا..
            ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين، وسقط منهم شهداء كثيرون.
            ورأى زيد مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة المسلمين ، فعلا ربوة هناك، وصاح في اخوانه :
            " أيها الناس.. عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما.. والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي"..!!
            ونزل من فوق الربوة، عاضّا على أضراسه، زامّا شفتيه لا يحرّك لسانه بهمس.
            وتذكّر مصير المعركة لديه في مصير الرّجّال، فراح يخترق الخضمّ المقتتل كالسهم، باحثا عن الرّجّال حتى أبصره..
            وهناك راح يأتيه من يمين ، ومن شمال ، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه ، غاص زيد وراءه حتى يدفع الموج الى السطح من جديد، فيقترب منه زيد ويبسط اليه سيفه، ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرّجّال مرّة أخرى، فيتبعه زيد ويغوص وراءه كي لا يفلت..
            وأخيرا يمسك بخناقه، ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا، وكذبا، وخسّة..
            وبسقوط الأكذوبة ، أخذ عالمها كله يتساقط ، فدبّ الرعب في نفس مسيلمة في روع المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار مقتل الرّجّال فيه كالنار في يوم عاصف..
            لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم، وبأنه هو والرّجّال بن عنفوة، والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم..!!
            وها هو ذا الرّجّال قد سقط صريعا.. اذن فنبوّة مسيلمة كلها كاذبة..
            وغدا سيقط المحكم ، وبعد غد مسيلمة..!!
            هكذا احدثت ضربة زيد بن الخطاب كل هذا المدار في صفوف مسيلمة..
            أما المسلمون ، فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم كالجبال، ونهض جريحهم من جديد، حاملا سيفه، وغير عابئ بجراحه..
            حتى الذين كانوا على شفا الموت، لا يصلهم بالحياة سوى بقية من رمق غارب، مسّ النبأ أسماعهم كالحلم الجميل، فودّوا لو أنّ بهم قوّة يعودون بها الى الحياة ليقاتلو، وليشهدوا النصر في روعة ختامه..
            ولكن أنّى لهم هذا، وقد تفتحت أبواب الجنّة لاستقبالهم وانهم الآن ليسمعون أسماءهم وهم ينادون للمثول..؟؟!!
            رفع زيد بن الخطاب ذراعيه الى السماء مبتهلا لربّه، شاكرا نعمته..
            ثم عاد الى سيفه والى صمته، فلقد أقسم بالله من لحظات ألا يتكلم حتى يتم النصر أو ينال الشهادة..
            ولقد أخذت المعركة تمضي لا لحرب المسلمين.. وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع..
            هنالك وقد رأى زيد رياح النور مقبلة، لم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا الختام ، فتمنّى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا..
            وهبّت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا،وعزمه اصرارا..
            وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم..
            وسقط البطل شهيدا..
            بل قولوا: صعد شهيدا..
            صعد عظيما، ممجّدا، سعيدا..
            وعاد جيش الاسلام الى المدينة ظافرا..
            وبينما كان عمر، يستقبل مع الخليفة أبي بكر أولئك العائدين الظافرين، راح يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد..
            وكان زيد طويل بائن الطول، ومن ثمّ كان تعرّف العين عليه أمرا ميسورا..
            ولكن قبل أن يجهد بصره، اقترب اليه من المسلمين العائدين من عزّاه في زيد..
            وقال عمر:
            " رحم الله زيدا..
            سبقني الى الحسنيين..
            أسلم قبلي..
            واستشهد قبلي".

            وعلى كثرة الانتصارات التي راح الاسلام يظفر بها وينعم ، فان زيدا لم يغب عن خاطر أخيه الفاروق لحظة..
            ودائما كان يقول:
            " ما هبّت الصبا، الا وجدت منها ريح زيد".
            أجل..
            ان الصبا لتحمل ريح زيد، وعبير شمائله المتفوقة..
            ولكن ، اذا اذن أمير المؤمنين ، أضفت لعبارته الجليلة هذه ، كلمات تكتمل معها جوانب الاطار.
            تلك هي:
            " .. وما هبّت رياح النصر على الاسلام منذ يوم اليمامة الا وجد الاسلام فيها ريح زيد.. وبلاء زيد.. وبطولة زيد.. وعظمة زيد..!!"

            بورك آل الخطّاب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم..
            بوركوا يوم أسلموا.. وبوركوا أيام جاهدوا، واستشهدوا.. وبوركوا يوم يبعثون..

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #21
              { خبيب بن عديّ - بطل.. فوق الصليب..!! }

              والآن..
              افسحوا الطريق لهذا البطل يا رجال..
              وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان..
              تعالوا، خفافا وثقالا..
              تعاولوا مسرعين، وخاشعين..
              وأقبلوا، لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..!!
              تقولون: أوكل هذا الذي قصصت علينا من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟
              أجل كانت دروسا..
              وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير..
              ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية..
              أستاذ لوفاتكم مشهده ، فقد فاتكم خير كثير، جدّ كثير..
              الينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد..
              الينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد..
              وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور، وظننتم بالأديان والايمان ظنّ السّوء..
              تعالوا بغروركم..!
              تعالوا وانظروا أية عزة ، وأية منعة ، وأي ثبات ، وأيّ مضاء.. وأي فداء، وأي ولاء..
              وبكلمة واحدة، أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الايمان بالحق على ذويه المخلصين..!!
              أترون هذا الجثمان المصلوب..؟؟
              انه موضوع درسنا اليوم ، يا كلّ بني الانسان...!
              هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع ، وهو الدرس ، وهو الاستاذ..
              اسمه خبيب بن عديّ.
              احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا.
              واحفظوه وانشدوه، فانه شرف لكل انسان.. من كل دين، ومن كل مذهب، ومن كل جنس، وفي كل زمان..!!
              انه من أوس المدينة وأنصارها.
              تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر اليهم، وآمن بالله رب العالمين.
              كان عذب الروح ، شفاف النفس ، وثيق الايمان ، ريّان الضمير.
              كان كما وصفه حسّان بن ثابت:
              صقرا توسّط في الأنصار منصبه
              سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب
              ولما رفعت غزوة بدر أعلامها، كان هناك جنديا باسلا ، ومقاتلا مقداما.
              وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقه ابّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.
              وبعد انتهاء المعركة ، وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم ، وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..!!
              وعاد المسلمون من بدر الى المدينة ، يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد..
              وكان خبيب عابدا ، وناسكا ، يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين ، وشوق العابدين..
              هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل، ويصوم النهار، ويقدّس لله رب العالمين..
              وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش، ويتبيّن ما ترمى اليه من تحرّكاتها، واستعدادها لغزو جديد.. فاختار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت.
              وانطلق الركب الى غايته حتى اذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة، نمي خبرهم الى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا اليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم، وراحوا يتعقبونهم، ويقتفون آثارهم..
              وكادوا يزيغون عنهم، لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة، ثم صاح في الذين معه:
              " انه نوى يثرب، فلنتبعه حتى يدلنا عليهم"..
              وساروا مع النوى المبثوث على الأرض ، حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون..
              وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون ، فدعا أصحابه الى صعود قمة عالية على رأس جبل..
              واقترب الرماة المائة، وأحاطوا بهم عند سفح الجبل وأحكموا حولهم الحصار..
              ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء.
              والتفت العشرة الى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.
              وانتظروا بما يأمر..
              فاذا هو يقول:" أما أنا ، فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك..
              اللهم أخبر عنا نبيك"..
              وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد، وأصيب معه سبعة واستشهدوا..
              ونادوا الباقين ، أنّ لهم العهد والميثاق اذا هم نزلوا.
              فنزل الثلاثة : خباب بن عديّ وصاحباه..
              واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم، وضربوهما بها..
              ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر، فقرر أن يموت حيث مات عاصم واخوانه..
              واستشهد حيث أراد..
              وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا، وأبرّهم عهدا، وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..!!
              وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما، ولكنه كان شديد الاحكام.
              وقادهما الرماة البغاة الى مكة، حيث باعوهما لمشركيها..
              ودوّى في الآذان اسم خبيب..
              وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر، تذكّروا ذلك الاسم جيّدا، وحرّك في صدورهم الأحقاد.
              وسارعوا الى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.
              وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم، ليس منه وحده ، بل ومن جميع المسلمين..!!
              وضع قوم أخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا..
              أسلم خبيب قلبه ، وأمره ، ومصيره لله رب العالمين.
              وأقبل على نسكه ثابت النفس ، رابط الجأش ، معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر، ويلاشي الهول.
              كان الله معه.. وكان هو مع الله..
              كانت يد الله عليه، يكاد يجد برد أناملها في صدره..!
              دخلت عليه يوما احدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره ، فغادرت مكانها مسرعة الى الناس تناديهم لكي يبصروا عجبا..
              " والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه..
              وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة..
              ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا"..!!
              أجل آتاه الله عبده الصالح ، كما آتى من قبل مريم بنت عمران ، يوم كانت:
              ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا..
              قال يا مريم أنّى لك هذا
              قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب)..
              وحمل المشركون الى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه.
              ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه ، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه ، وأنزل عليه سكينته ورحمته.
              وراحوا يساومونه على ايمانه ، ويلوحون له بالنجاة اذا ما هو كفر لمحمد، ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..!!
              أجل ، كان ايمان خبيب كالشمس قوة ، وبعدا، ونارا ونورا..
              كان يضيء كل من التمس منه الضوء ، ويدفئ كل من التمس منه الدفء ، أما الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه..
              واذا يئسوا مما يرجون ، قادوا البطل الى مصيره ، وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..
              وما ان بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين ، وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه واعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه..
              وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام واخبات...
              وتدفقت في روحه حلاوة الايمان، فودّ لو يظل يصلي ، ويصلي ويصلي..
              ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم:
              " والله لاتحسبوا أن بي جزعا من الموت "
              ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال :
              " اللهم احصهم عددا.. واقتلهم بددا"..
              ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد :
              ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
              وذلك في ذات الاله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع
              ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..
              ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوا فوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم.
              وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود امام البطل المصلوب..!!
              لم يغمض عينيه ، ولم تزا ل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.
              وبدأت الرماح تطعن جسده الطاهر ، والسيوف تنهش لحمه.
              وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له :
              " أتحب أن محمدا مكانك ، وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟
              وهنا لا غير انتفض خبيب كالاعصار وصاح، في قاتليه :
              " والله ما أحبّ أني في اهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة"..
              نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله..! نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان ، وكان لم يسلم بعد ، يضرب كفا بكف ويقول مشدوها:" والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..!!
              كانت كلمات خبيب هذه ايذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها، فتناوشه في جنون ووحشية..
              وقريبا من المشهد كانت تحوم طيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة..
              ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت، وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى.
              وفجأة طارت تشق الفضاء ، وتمضي بعيدا.. بعيدا..
              لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب، فخذلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..!!
              مضت جماعة الطير الى رحاب الفضاء متعففة منصفة.
              وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية..
              وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف..!!
              كان خبيب عندما رفعوه الى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا ، قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل الى ربه العظيم قائلا :
              " اللهم انا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا"..
              واستجاب الله دعاءه..
              فبينما الرسول في المدينة اذ غمره احساس وثيق بأن أصحابه في محنة..
              وتراءى له جثمان أحدهم معلقا..
              ومن فوره دعا المقداد بن عمرو، والزبير بن العوّام..
              فركبا فرسيهما ، ومضيا يقطعان الأرض وثبا.
              وجمعهما الله بالمكان المنشود ، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب ، حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الرطيب.
              ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.
              ولعل ذلك أحرى به وأجدر، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ ، وفي ضمير الحياة ، بطلا.. فوق الصليب..!!!

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #22
                { خالد بن سعيد - فدائيّ، من الرعيل الأول }

                في بيت وارف النعمة، مزهو بالسيادة، ولأب له في قريش صدارة وزعامة ، ولد خالد بن سعيد بن العاص ، وان شئتم مزيدا من نسبه فقولوا: ابن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف..
                ويوم بدأت خيوط النور تسري في أنحاء مكة على استحياء، هامسة بأن محمدا الأمين يتحدث عن وحي جاءه في غار حراء، وعن رسالة تلقاها من الله ليبلغها الى عباده ، كان قلب خالد يلقي للنور الهامس سمعه وهو شهيد..!!
                وطارت نفسه فرحا ، كأنما كان وهذه الرسالة على موعد.. وأخذ يتابع خيوط النور في سيرها ومسراها.. وكلما سمع ملأ من قومه يتحدثون عن الدين الجديد، جلس اليهم وأصغى في حبور مكتوم ، وبين الحين والحين يطعّم الحديث بكلمة منه، أو كلمات تدفعه في طريق الذيوع، والتأثير، والإيحاء..!
                كان الذي يراه أنئذ ، يبصر شابا هادئ السمت ، ذكيّ الصمت ، بينما هو في باطنه وداخله ، مهرجان حافل بالحركة والفرح.. فيه طبول تدق.. ورايات ترتفع.. وأبواق تدوّي.. وأناشيد تصلي.. وأغاريد تسبّح..
                عيد بكل جمال العيد ، وبهجة العيد وحماسة العيد، وضجة العيد..!!!
                وكان الغناء يطوي علىهذا العيد الكبير صدره، ويكتم سرّه ، فان أباه لو علم أنه يحمل في سريرته كل هذه الحفاوة بدعوة محمد ، لأزهق حياته قربانا لآلهة عبد مناف..!!
                ولكن أنفسنا الباطنة حين تفعم بأمر ، ويبلغ منها حدّ الامتلاء فانها لا تملك لافاضته دفعا..
                وذات يوم..
                ولكن لا.. فان النهار لم يطلع بعد ، وخالد ما زال في نومه اليقظان ، يعالج رؤيا شديدة الوطأة ، حادة التأثير ، نفاذة العبير..
                نقول اذن : ذات ليلة ، رأى خالد بن سعيد في نومه أنه واقف على شفير نار عظيمة ، وأبوه من ورائه يدفعه بكلتا يديه ، ويريد أن يطرحه فيها ، ثم رأى رسول الله يقبل عليه ، ويجذبه بيمينه المباركة من ازاره فيأخذه بعيدا عن النار واللهب..
                ويصحو من نومه مزوّدا بخطة العمل في يومه الجديد ، فيسارع من فوره الى دار أبي بكر ، ويقصّ عليه الرؤيا.. وما كانت الرؤيا بحاجة الى تعبير..
                وقال له أبو بكر:
                " انه الخير أريد لك.. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه ، فان الااسلام حاجزك عن النار".
                وينطلق خالد باحثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يهتدي الى مكانه فيلقاه ، ويسأل النبي عن دعوته ، فيجيبه عليه السلام:
                " تؤمن بالله وحده ، ولا تشرك به شيئا..
                وتؤمن بمحمد عبده ورسوله.. وتخلع عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تضر ولا تنفع"..
                ويبسط خالد يمينه ، فتلقاها يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفاوة، ويقول خالد:
                " اني أشهد أن لا اله الا الله...
                وأشهد أن محمدا رسول الله"..!!
                وتنطلق أغاريد نفسه وأناشيدها..
                ينطلق المهرجان كله الذي كان في باطنه.. ويبلغ النبأ أباه.
                يوم أسلم سعيد ، لم يكن قد سبقه الى الاسلام سوى اربعة أو خمسة ، فهو اذن من الخمسة الأوائل المبكرين الى الاسلام.
                وحين يباكر بالاسلام واحد من ولد سعيد بن العاص ، فان ذلك في رأي سعيد ، عمل يعرّضه للسخرية والهوان من قريش ، ويهز الأرض تحت زعامته.
                وهكذا دعا اليه خالد ، وقال له :" أصحيح أنك اتبعت محمدا وأنت تسمعه يسب آلهتنا"..؟؟
                قال خالد: " انه والله لصادق..
                ولقد آمنت به واتبعته"..
                هنالك انهال عليه أبوه ضربا ، ثم زجّ به في غرفة مظلمة من داره، حيث صار حبيسها ، ثم راح يضنيه ويرهقه جوعا وظنكا..
                وخالد يصرخ فيهم من وراء الباب المغلق عليه :
                " والله انه لصادق، واني به لمؤمن".
                وبدا لسعيد أن ما أنزل بولده من ضرر لا يكفي ، فخرج به الى رمضاء مكة، حيث دسّه بين حجارتها الثقيلة الفادحة الملتهبة ثلاثة أيام لا يواريه فيها ظل..!!
                ولا يبلل شفتيه قطرة ماء..!!
                ويئس الوالد من ولده ، فعاد به الى داره ، وراح يغريه ، ويرهبه.. يعده ، ويتوعّده.. وخالد صامد كالحق ، يقول لأبيه :
                " لن أدع الاسلام لشيء، وسأحيا به وأموت عليه"..
                وصاح سعيد:
                " اذن فاذهب عني ، فواللات لأمنعنّك القوت"..
                وأجابه خالد:
                ".. والله خير الرازقين"..!!
                وغادر الدار التي تعجّ بالرغد ، من مطعم وملبس وراحة..
                غادرها الى الخصاصة والحرمان..
                ولكن أي بأس..؟؟
                أليس ايمانه معه..؟؟
                ألم يحتفظ بكل سيادة ضميره ، وبكل حقه في مصيره..؟؟
                ما الجوع اذن ، وما الحرمان ، وما العذاب..؟؟
                واذا وجد انسان نفسه مع حق عظيم كهذا الحق الذي يدعو اليه محمد رسول الله ، فهل بقي في العالم كله شيء ثمين لم يمتلكه من ربح نفسه في صفقة ، الله صاحبها وواهبها...؟؟
                وهكذا راح خالد بن سعيد يقهر العذاب بالتضحية ، ويتفوق على الحرمان بالايمان..
                وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المؤمنين بالهجرة الثانية الى الحبشة ، كان خالد بن سعيد، ممن شدّوا رحالهم اليها..
                ويمكث خالد هناك الى ما شاء الله ان يمكث ، ثم يعود مع اخوانه راجعين الى بلادهم ، سنة سبع ، فيجدون المسلمين قد فرغوا لتوهم من فتح خيبر..
                ويقيم خالد بالمدينة وسط المجتمع المسلم الجديد الذي كان أحد الخمسة الأوائل الذين شهدوا ميلاده ، وأسسوا بناءه ، ولا يغزو النبي غزوة ، ولا يشهد مشهدا ، الا وخالد بن سعيد من السابقين..
                وكان خالد بسبقه الى الاسلام ، وباستقامة ضميره ونهجه موضع الحب والتكريم..
                كان يحترم اقتناعه فلا يزيفه ولا يضعه موضع المساومة.
                قبل وفاة الرسول جعله عليه السلام واليا على اليمن..
                ولما ترامت اليه أنباء استخلاف أبي بكر ، ومبايعته غادر عمله قادما الى المدينة..
                وكانه يعرف لأبي بكر الفضل الذي لا يطاول..
                بيد أنه كان يرى أن أحق المسلمين بالخلافة واحد من بين هاشم :
                العباس مثلا ، أو عليّ ابن أبي طالب..
                ووقف الى جانب اقتناعه فلم يبايع أبا بكر..
                وظل أبو بكر على حبه له ، وتقديره اياه لا يكرهه على أن يبايع ، ولا يكرهه لأنه لم يبايع ، ولا يأتي ذكره بين المسلمين الا أطراه الخليفة العظيم ، وأثنى عليه بما هو أهله..
                ثم تغيّر اقتناع خالد بن سعيد ، فاذا هو يشق الصفوف في المسجد يوما وأبو بكر فوق المنبر ، فيبايعه بيعة صادقة وثقى..
                ويسيّر أبا بكر جيوشه الى الشام ، ويعقد لخالد بن سعيد لواء، فيصير أحد أمراء الجيش..
                ولكن يحدث قبل أن تتحرك القوات من المدينة أن يعارض عمر في امارة خالد بن سعيد ، ويظل يلح على الخليفة أن يغيّر قراره بشأن امارة خالد..
                ويبلغ النبأ خالد ، فلا يزيد على قول :
                " والله ما سرّتنا ولايتكم، ولا ساءنا عزلكم"..!!
                ويخفّ الصدّيق رضي الله عنه الى دار خالد معتذرا له ، ومفسرا له موقفه الجديد ، ويسأله مع من من القوّاد والأمراء يجب أن يكون : مع عمرو بن العاص وهو ابن عمه ، أم مع شرحبيل بن حسنة؟
                فيجيب خالد اجابة تنمّ على عظمة نفسه وتقاها:
                " ابن عمّي أحبّ اليّ في قرابته ، وشرحبيل أحبّ في أحبّ اليّ في دينه"..
                ثم اختار أن يكون جنديا في كتيبة شرحبيل بن حسنة..
                ودعا ابو بكر شرحبيل اليه قبل أن يتحرّك الجيش ، وقال له :
                " انظر خالد بن سعيد ، فاعرف له من الحق عليك ، مثل ما كنت تحبّ أن يعرف من الحق لك ، لو كنت مكانه ، وكن مكانك..
                انك لتعرف مكانته في الاسلام..
                وتعلم أن رسول الله توفى وهو له وال..
                ولقد كنت وليه ثم رأيت غير ذلك..
                وعسى أن يكون ذلك خيرا له في دينه ، فما أغبط أحد بالامارة..!!
                وقد خيّرته في أمراء الجند فاختارك على ابن عمّه..
                فاذا نزل بك أمر تحتاج فيه الى رأي التقي الناصح ، فليكن أول من تبدأ به : أبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل.. وليكن خالد بن سعيد ثالثا ، فانك تجد عندهم نصحا وخيرا..
                واياك واستبداد الرأي دونهم ، أو اخفاءه عنهم"..
                وفي موقعه مرج الصفر بأرض الشام ، حيث كانت المعارك تدور بين المسلمين والروم ، رهيبة ضارية ، كان في مقدمة الذين وقع أجرهم على الله ، شهيد جليل ، قطع طريق حياته منذ شبابه الباكر حتى لحظة استشهاده في مسيرة صادقة مؤمنة شجاعة..
                ورآه المسلمون وهم يفحصون شهداء المعركة ، كما كان دائما ، هادئ ، ذكي الصمت ، قوي التصميم ، فقالوا :

                " اللهم ارض عن خالد بن سعيد"..!!

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #23
                  { ثابت بن قيس - خطيب رسول الله }

                  كان حسّان بن ثابت شاعر رسول الله والاسلام..
                  وكان ثابت خطيب رسول الله والاسلام..
                  وكانت الكلمات تخرج من فمه قوية ، صادعة ، جامعة رائعة..

                  وفي عام الوفود ، وفد على المدينة وفد بني تميم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

                  " جئنا نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا"..
                  فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم:
                  " قد أذنت لخطيبكم، فليقل"..
                  وقام خطيبهم عطارد بن حاجب ووقف يزهو بمفاخر قومه..
                  ولما آذن بانتهاءخطبته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: قم فأجبه..
                  ونهض ثابت فقال:
                  " الحمد لله ، الذي في السموات والأرض خلقه ، قضى فيهنّ أمره ، ووسع كرسيّه علمه ، ولم يك شيء قط الا من فضله..
                  ثم كان من قدرته أن جعلنا أئمة . واصطفى من خير خلقه رسولا.. أكرمهم نسبا. وأصدقهم حديثا . وأفضلهم حسبا ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين..
                  ثم دعا الناس الى الايمان به ، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه.. أكرم الناس أحسابا ، وخيرهم فعالا..
                  ثم كنا نحن الأنصار أول الخلق اجابة..
                  فنحن أنصار الله ، ووزراء رسوله"..
                  شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد ، والمشاهد بعدها.
                  وكانت فدائيته من طراز عجيب.. جد عجيب..!!
                  في حروب الردّة ، كان في الطليعة دائما ، يحمل راية الأنصار ، ويضرب بسيف لا يكبو ، ولا ينبو..
                  وفي موقعة اليمامة ، التي سبق الحديث عنها أكثر من مرة ، رأى ثابت وقع الهجوم الخاطف الذي شنّه جيش مسيلمة الكذاب على المسلمين أول المعركة ، فصاح بصوته النذير الجهير:
                  " والله، ما هذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
                  ثم ذهب بغير بعيد ، وعاد وقد تحنّط ، ولبس اكفانه، وصاح مرة أخرى:
                  " اني أبرأ اليك مما جاء به هؤلاء..
                  يعني جيش مسيلمة..
                  وأعتذر اليك مما صاع هؤلاء..
                  يعني تراخي المسلمين في القتال"..
                  وانضم اليه سالم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحمل راية المهاجرين..
                  وحفر الاثنان لنفسيهما حفرة عميقة ثم نزلا فيها قائمين ، وأهالا الرمال عليهما حتى غطت وسط كل منهما..
                  وهكذا وقفا..طودين شامخين ، نصف كل منهما غائص في الرمال مثبت في أعماق الحفرة.. في حين نصفهما الأعلى، صدرهما وجبهتهما وذراعهما يستقبلان جيوش الوثنية والكذب..
                  وراحا يضربان بسيفهما كل من يقترب منهما من جيش مسيلمة حتى استشهدا في مكانهما، ومالت شمس كل منهما للغروب..!!
                  وكان مشهدهما رضي الله عنهما هذا أعظم صيحة أسهمت في ردّ المسلمين الى مواقعهم ، حيث جعلوا من جيش مسيلمة الكذاب ترابا تطؤه الأقدام..!!
                  وثابت بن قيس.. هذا الذي تفوّق خطيبا ، وتفوّق محاربا كان يحمل نفسا أوابة ، وقلبا خاشعا مخبتا ، وكان من أكثر المسلمين وجلا من الله ، وحياء منه..
                  لما نزلت الآية الكريمة:
                  ( ان الله لا يحب كل مختال فخور)..
                  أغلق ثابت باب داره ، وجلس يبكي..وطال مكثه على هذه الحال ، حتى بلغ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، فدعاه وسأله.
                  فقال ثابت:
                  " يا رسول الله ، اني أحب الثوب الجميل ، والنعل الجميل، وقد خشيت أن أكون بهذا من المختالين"..
                  فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك راضيا:
                  " انك لست منهم..
                  بل تعيش بخير..
                  وتموت بخير..
                  وتدخل الجنة".
                  ولما نزل قول الله تعالى:
                  ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي..
                  ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)..
                  أغلق ثابت عليه داره ، وطفق يبكي..
                  وافتقده الرسول فسأل عنه ، ثم أرسل من يدعوه...
                  وجاء ثابت..
                  وسأله الرسول عن سببب غيابه ، فأجابه:
                  " اني امرؤ جهير الصوت..
                  وقد كنت أرفع صوتي فوق صوتك يا رسول الله..
                  واذن فقد حبط عملي، وأنا من أهل النار"..!!
                  وأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام:
                  " انك لست منهم..
                  بل تعيش حميدا..
                  وتقتل شهيدا..
                  ويدخلك الله الجنة".

                  بقي في قصة ثابت واقعة ، قد لا يستريح اليها أولئك الذين حصروا تفكيرهم وشعورهم ورؤاهم داخل عالمهم الماديّ الضيّق الذي يلمسونه، أو يبصرونه، أو يشمّونه..!
                  ومع هذا ، فالواقعة صحيحة ، وتفسيرها مبين وميّسر لكل من يستخدم مع البصر ، البصيرة..
                  بعد أن استشهد ثابت في المعركة ، مرّ به واحد من المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالاسلام ورأى على جثمان ثابت درعه الثمينة، فظن أن من حقه أن يأخذها لنفسه، فأخذها..
                  ولندع راوي الواقعة يرويها بنفسه:
                  ".. وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه.
                  فقال له: اني أوصيك بوصية، فاياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه.
                  اني لما استشهدت بالأمس ، مرّ بي رجل من المسلمين.
                  فأخذ درعي..
                  وان منزله في أقصى الناس ، وفرسه يستنّ في طوله ، أي في لجامه وشكيمته.
                  وقد كفأ على الدرع برمة ، وفوق البرمة رحل..
                  فأت خالدا ، فمره أن يبعث فيأخذها..
                  فاذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر ، فقل له: ان
                  عليّ من الدين كذا كذا..
                  فليقم بسداده..
                  فلما استيقظ الرجل من نومه ، أتى خالد بن الوليد ، فقصّ عليه رؤياه..
                  فأرسل خالد من يأتي بالدرع ، فوجدها كما وصف ثابت تماما..
                  ولما رجع المسلمون الى المدينة ، قصّ المسلم على الخليفة الرؤيا، فأنجز وصيّة ثابت..
                  وليس في الاسلام وصيّة ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو ، سوى وصيّة ثابت بن قيس..
                  حقا ان الانسان لسرّ كبير..
                  ( ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).


                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #24
                    { أبو جابر عبدالله بن عمرو بن حرام - ظليل الملائكة }

                    عندما كان الأنصار السبعون يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية ، كان عبدالله بن عمرو بن حرام ، أبو جابر بن عبدالله أحد هؤلاء الأنصار..
                    ولما اختار الرسول صلى الله عليه وسلم منهم نقباء ، كان عبدالله بن عمرو أحد هؤلاء النقباء.. جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا على قومه من بني سلمة..
                    ولما عاد الى المدينة وضع نفسه ، وماله ، وأهله في خدمة الاسلام..
                    وبعد هجرة الرسول الى المدينة ، كان أبو جابر قد وجد كل حظوظه السعيدة في مصاحبة النبي عليه السلام ليله ونهاره..
                    وفي غزوة بدر خرج مجاهدا ، وقاتل قتال الأبطال..
                    وفي غزوة أحد تراءى له مصرعه قبل أن يخرج المسلمون للغزو..
                    وغمره احساس صادق بأنه لن يعود ، فكاد قلبه يطير من الفرح!!
                    ودعا اليه ولد جابر بن عبدالله الصحابي الجليل، وقال له:
                    " اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة..
                    بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين..
                    واني والله ، لا أدع أحدا بعدي أحبّ اليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                    وان عليّ دينا ، فاقض عني ديني ، واستوص باخوتك خيرا"..
                    وفي صبيحة اليوم التالي ، خرج المسلمون للقاء قريش..
                    قريش التي جاءت في جيش لجب تغزو مدينتهم الآمنة..
                    ودارت معركة رهيبة ، أدرك المسلمون في بدايتها نصرا سريعا ، كان يمكن أن يكون نصرا حاسما ، لولا أن الرماة الذين امرهم الرسول عليه السلام بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرتها أبدا أغراهم هذا النصر الخاطف على القرشيين ، فتركوا مواقعهم فوق الجبل ، وشغلوا بجمع غنائم الجيش المنهزم..
                    هذا الجيش الذي جمع فلوله سريعا حين رأى ظهر المسلمين قد انكشف تماما ، ثم فاجأهم بهجوم خاطف من وراء ، فتحوّل نصر المسلمين الى هزيمة..
                    في هذا القتال المرير ، قاتل عبدالله بن عمرو قتال مودّع شهيد..
                    ولما ذهب المسلمون بعد نهاية القتال ينظرون شهدائهم.. ذهب جابر ابن عبداله يبحث عن أبيه ، حتى ألفاه بين الشهداء ، وقد مثّل به المشركون ، كما مثلوا يغيره من الأبطال..
                    ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيد الاسلام عبدالله بن عمرو بن حرام ، ومرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكونه ، فقال:
                    " ابكوه..
                    أو ،لا تبكوه..
                    فان الملائكة لتظلله بأجنحتها"..!!
                    كان ايمان أبو جابر متألقا ووثيقا..
                    وكان حبّه بالموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه..
                    ولقد أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيما بعد نبأ عظيم ، يصوّر شغفه بالشهادة..
                    قال عليه السلام لولده جابر يوما:
                    " يا جابر..
                    ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب..
                    ولقد كلّم كفاحا _أي مواجهة_
                    فقال له: يا عبدي، سلني أعطك..
                    فقال: يا رب ، أسألك أن تردّني الى الدنيا، لأقتل في سبيلك ثانية..
                    قال له الله:
                    انه قد سبق القول مني: أنهم اليها لا يرجعون.
                    قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة..
                    فأنزل الله تعالى:

                    (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)".
                    وعندما كان المسلمون يتعرفون على شهدائهم الأبرار ، بعد فراغ القتال في أحد..
                    وعندما تعرف أهل عبدالله بن عمرو على جثمانه ، حملته زوجته على ناقتها وحملت معه أخاها الذي استشهد أيضا ، وهمّت بهما راجعة الى المدينة لتدفنهما هناك ، وكذلك فعل بعض المسلمين بشهدائهم..
                    بيد أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لحق بهم وناداهم بأمر رسول الله أن:
                    " أن ادفنوا القتلى في مصارعهم"..
                    فعاد كل منهم بشهيده..
                    ووقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يشرف على دفن أصحابه الشهداء ، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وبذلوا أرواحهم الغالية قربانا متواضعا لله ولرسوله.
                    ولما جاء دور عبدالله بن حرام ليدفن ، نادى رسول الله صلى اله عليه وسلم:
                    " ادفنوا عبدالله بن عمرو ، وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فانهما كانا في الدنيا متحابين، متصافين"..

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #25
                      { عمرو بن الجموح - أريد أن أخطر بعرجتي في الجنة }

                      انه صهر عبدالله بن حرام ، اذ كان زوجا لأخته هند بن عمرو..
                      وكان ابن الجموح واحدا من زعماء المدينة ، وسيدا من سادات بني سلمة..
                      سبقه الى الاسلام ابنه معاذ بن عمرو الذي كان أحد الأنصار السبعين ، أصحاب البيعة الثانية..
                      وكان معاذ بن عمرو وصديقه معاذ بن جبل يدعوان للاسلام بين أهل المدينة في حماسة الشباب المؤمن الجريء..
                      وكان من عادة الناس هناك أن يتخذ الأشراف من بيوتهم أصناما رمزية غير تلك الأصنام الكبيرة المنصوبة في محافلهاؤر، والتي تؤمّها جموع الناس..
                      وعمرو بن الجموح مع صديقه معاذ بن جبل على أن يجعلا من صنم عمرو بن جموح سخرية ولعبا..
                      فكانا يدلجان عليه ليلا ، ثم يحملانه ويطرحانه في حفرة يطرح الناس فيه فضلاتهم..
                      ويصيح عمرو فلا يجد منافا في مكانه ، ويبحث عنه حتى يجده طريح تلك الحفرة.. فيثور ويقول:
                      ويلكم من عدا على آلهتنا الليلة..!؟
                      ثم يغسله ويطهره ويطيّبه..
                      فاذا جاء ليل جديد ، صنع المعاذان معاذ بن عمرو ومعاذ بن جبل بالصنم مثل ما يفعلان به كل ليلة.
                      حتى اذا سئم عمرو جاء بسيفه ووضعه في عنق مناف وقال له: ان كان فيك خير فدافع عن نفسك..!!
                      فلما اصبح فلم يجده مكانه.. بل وجده في الحفرة ذاتها طريحا، بيد أن هذه المرة لم يكن في حفرته وحيدا ، بل كان مشدودا مع كلب ميت في حبل وثيق.
                      واذا هو في غضبه ، وأسفه ودهشه ، اقترب منه بعض أشراف المدينة الذين كانوا قد سبقوا الى الاسلام.. وراحوا ، وهم يشيرون بأصابعهم الى الصنم المنكّس المقرون بكلب ميت ، يخاطبون في عمرو بن الجموح عقله وقلبه ورشده، محدثينه عن الاله الحق ، العلي الأعلى ، الذي ليس كمثله شيء.
                      وعن محمد الصادق الأمين ، الذي جاء الحياة ليعطي لا ليأخذ.. ليهدي ، لا ليضل..
                      وعن الاسلام ، الذي جاء يحرر البشر من الأعلال ، جميع الأغلال ، وجاء يحيى فيهم روح الله وينشر في قلوبهم نوره.
                      وفي لحظات وجد عمرو نفسه ومصيره..
                      وفي لحظات ذهب فطهر ثوبه، وبدنه.. ثم تطيّب وتأنق ، وتألق ، وذهب عالي الجبهة مشرق النفس ، ليبايع خاتم المرسلين ، وليأخذ مكانه مع المؤمنين.
                      قد يسأل سائل نفسه ، كيف كان رجال من أمثال عمرو بن الجموح.. وهم زعماء قومهم وأشراف.. كيف كانوا يؤمنون بأصنام هازلة كل هذا الايمان..؟
                      وكيف لم تعصمهم عقولهم عن مثل هذا الهراء.. وكيف نعدّهم اليوم ، حتى مع اسلامهم وتضحياتهم ، من عظماء الرجال..؟
                      ومثل هذا السؤال يبدو ايراده سهلا في أيامنا هذه حيث لا نجد طفلا يسيغ عقله أن ينصب في بيته خشبة ثم يعبدها..
                      لكن في أيام خلت، كانت عواطف البشر تتسع لمثل هذا الصنيع دون أن يكون لذكائهم ونبوغهم حيلة تجاه تلك التقاليد..!!
                      وحسبنا لهذا مثلا أثينا..

                      أثينا في عصر باركليز وفيثاغورس وسقراط..
                      أثينا التي كانت قد بلغت رقيّا فكريا يبهر الألباب ، كان أهلها جميعا : فلاسفة ، وحكاما ، وجماهير يؤمنون بأصنام منحوتة تناهي في البلاهة والسخرية!!
                      ذلك أن الوجدان الديني في تلك العصور البعيدة ، لم يكن يسير في خط مواز للتفوق العقلي...
                      أسلم عمرو بن الجموح قلبه ، وحياته لله رب العالمين ، وعلى الرغم من أنه كان مفطورا على الجود والسخاء ، فان الاسلام زاد جوده مضاء ، فوضع كل ماله في خدمة دينه واخوانه..
                      سأل الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة من بني سلمة قبيلة عمرو بن الجموح فقال:
                      من سيّدكم يا بني سلمة..؟
                      قالوا: الجدّ بن قيس، على بخل فيه..
                      فقال عليه الصلاة والسلام:
                      وأي داء أدوى من البخل!!
                      بل سيّدكم الجعد الأبيض، عمرو بن الجموح..
                      فكانت هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكريما لابن الجموح ، أي تكريم..!
                      وفي هذا قال شاعر الأنصار:

                      فسوّد عمرو بن الجموح لجوده
                      وحق لعمرو بالنّدى أن يسوّدا
                      اذا جاءه السؤال أذهب ماله
                      وقال: خذوه ، انه عائد غدا
                      وبمثل ما كان عمرو بن الجموح يجود بماله في سبيل الله ، أراد أن يجود بروحه وبحياته..
                      ولكن كيف السبيل؟؟
                      ان في ساقه عرجا يجعله غير صالح للاشتراك في قتال.
                      وانه له أربعة أولاد ، كلهم مسلمون ، وكلهم رجال كالأسود ، كانوا يخرجون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزو ، ويثابرون على فريضة الجهاد..
                      ولقد حاول عمرو أن يخرج في غزوة بدر فتوسّل أبناؤه الى النبي صلى الله عليه وسلم كي يقنعه بعدم الخروج ، أو يأمره به اذا هو لم يقتنع..
                      وفعلا ، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الاسلام يعفيه من الجهاد كفريضة ، وذلك لعجزه الماثل في عرجه الشديد..
                      بيد أنه راح يلحّ ويرجو.. فأمره الرسول بالبقاء في المدينة.
                      وجاءت غزوة أحد فذهب عمرو الى النبي صلى الله عليه وسلم يتوسل اليه أن يأذن له وقال له :
                      " يا رسول الله انّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك الى الجهاد..
                      ووالله اني لأرجو أن، أخطر بعرجتي هذه في الجنة"..
                      وأمام اصراره العظيم أذن له النبي عليه السلام بالخروج ، فأخذ سلاحه ، وانطلق يخطر في حبور وغبطة ، ودعا ربه بصوت ضارع :
                      " اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني الى أهلي".
                      والتقى الجمعان يوم أحد..
                      وانطلق عمرو بن الجموح وأبناؤه الأربعة يضربون بسيوفهم جيوش الشرك والظلام..
                      كان عمرو بن الجموح يخطر وسط المعمعة الصاخبة، ومع كل خطرة يقطف سيفه رأسا من رؤوس الوثنية..
                      كان يضرب الضربة بيمينه ، ثم يلتفت حواليه في الأفق الأعلى ، كأنه يتعجل قدوم الملاك الذي سيقبض روحه ، ثم يصحبها الى الجنة..
                      أجل.. فلقد سأل ربه الشهادة ، وهو واثق أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب له..
                      وهو مغرم بأن يخطر بساقه العرجاء في الجنة ليعلم أهلها أن محمدا رسول اله صلى الله عليه وسلم ، يعرف كيف يختار الأصحاب ، وكيف يربّي الرجال..!!
                      وجاء ما كان ينتظر.
                      ضربةسيف أومضت ، معلنة ساعة الزفاف..
                      زفاف شهيد مجيد الى جنات الخلد ، وفردوس الرحمن..!!
                      واذ كان المسلمون يدفنون شهداءهم قال الرسول عليه الصلاة والسلام أمره الذي سمعناه من قبل:

                      " انظروا، فاجعلوا عبدالله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فانهما كانا في الدنيا متحابين متصافيين"..!!
                      ودفن الحبيبان الشهيدان الصديقان في قبر واحد ، تحت ثرى الأرض التي تلقت جثمانيهما الطاهرين ، بعد أن شهدت بطولتهما الخارقة.
                      وبعد مضي ست وأربعين سنة على دفنهما ، نزل سيل شديد غطّى أرض القبور ، بسبب عين من الماء أجراها هناك معاوية ، فسارع المسلمون الى نقل رفات الشهداء ، فاذا هم كما وصفهم الذين اشتركوا في نقل رفاتهم :
                      " ليّنة أجسادهم..
                      تتثنى أطرافهم"..!
                      وكان جابر بن عبدالله لا يزال حيا ، فذهب مع أهله لينقل رفات أبيه عبدالله بن عمرو بن حرام ، ورفات زوج عمته عمرو بن الجموح..
                      فوجدهما في قبرهما ، كأنهما نائمان.. لم تأكل الأرض منهما شيئا ، ولم تفارق شفاههما بسمة الرضا والغبطة التي كانت يوم دعيا للقاء الله..
                      أتعجبون..؟
                      كلا ، لا تعجبوا..
                      فان الأرواح الكبيرة ، التقية ، النقية ، التي سيطرت
                      على مصيرها.. تترك في الأجساد التي كانت موئلا لها ، قدرا من المناعة
                      يدرأ عنها عوامل التحلل ، وسطوة التراب..


                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #26
                        { أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ }

                        جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين..
                        وجاء دور عبدالله بن عمر ، فأعطاه عمر نصيبه.
                        ثم جاء دور أسامة بن زيد ، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبدالله..
                        وإذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم ، وبلائهم في الاسلام ، فقد خشي عبدالله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته ، وبجهاده ، وبزهده ، وبورعه ، أن يكون عند الله من السابقين..
                        هنالك سأل أباه قائلا:" لقد فضّلت عليّ أسامة ، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟
                        فأجابه عمر:
                        " ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك..
                        وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك"..!
                        فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر ، وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟
                        انه أسامة بن زيد.
                        كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ..
                        أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله ، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول:
                        " أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه"..
                        وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي..
                        أسامة هذا ابنه..
                        وأمه هي أم أيمن ، مولاة رسول الله وحاضنته،
                        لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء..
                        فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود ، أفطس..
                        أجل.. بهاتين الكلمتين ، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..!!
                        ولكن ، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟
                        متى.. ورسوله هو الذي يقول:
                        " ألا ربّ أشعث ، أغبر ، ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبرّه"..
                        فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن..
                        لندع بشرته السوداء ، وأنفه الأفطس ، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان..
                        ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه ، وامتلاء حياته..؟!
                        لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره:
                        " ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا".
                        كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه..
                        فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام ، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه.
                        وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه ، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية ، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء..
                        وهو رضي الله عنه على حداثة سنه ، مؤمن ، صلب ، ومسلم قوي ، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه ، في ولاء مكين ، وعزيمة قاهرة..
                        وهو مفرط في ذكائه ، مفرط في تواضعه ، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود..
                        ثم هو بعد هذا ، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها..
                        فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي ، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا ، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال:
                        ( ان أكرمكم عند الله أتقاكم)..
                        وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد..
                        ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة ، وفوزا ، وعن يمينه ويساره بلال ، وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة ، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة..
                        وفي سن مبكرة ، لم تجاوز العشرين ، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش ، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!!
                        وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر ، واستكثروا على الفتى الشاب ، أسامة بن زيد ، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين..
                        وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصعد المنبر ، وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
                        " ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد..
                        ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل..
                        وان كان أبوه لخليقا للامارة..
                        وان أسامة لخليق لها..
                        وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه..
                        واني لأرجو أن يكون من صالحيكم..
                        فاستوصوا به خيرا"..
                        وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه:
                        " أنفذوا بعث أسامة..
                        أنفذوا بعث أسامة.."
                        وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة ، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول ، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره ، فتحرّك جيش أسامة الى غايته ، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة.
                        وبينما كان امبراطور الروم هرقل ، يتلقى خبر وفاة الرسول ، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم .
                        وهكذا انكمش الروم ، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية.
                        وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ:
                        " ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!!
                        وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا ، عاشه أسامة ، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية.
                        قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين.
                        وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة..
                        ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز ، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر.
                        ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ:
                        ".. فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اتاه البشير بالفتح ، فاذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال:
                        حدّثني..
                        فجعلت أحدّثه.. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح ، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته.
                        فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
                        ويحك يا أسامة..!
                        فكيف لك بلا اله الا الله..؟
                        ويحك يا أسامة..
                        فكيف لك بلا اله الا الله..؟
                        فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته . واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد.
                        فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
                        هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه حياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا.
                        وانه لدرس بليغ.
                        درس يكشف عن انسانية الرسول ، وعدله ، وسموّ مبادئه ، وعظمة دينه وخلقه..
                        فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله ، وأنكر على أسامة قتله ، كان مشركا ومحاربا..
                        وهو حين قال: لا اله الا الله.. قالها والسيف في يمينه ، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة ، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد..
                        ومع هذا ، فلأنه قالها ، وتحرّك بها لسانه ، يصير دمه حراما وحياته آمنة ، في نفس اللحظة ، ولنفس السبب..!
                        ووعى أسامة الدرس الى منتهاه..
                        فاذا كان هذا الرجل ، في هذا الموقف ، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قل: لا اله الا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا ، ومسلمون حقا..؟
                        وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الامام علي وأنصاره من جانب ، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر ، يلتزم حيادا مطلقا.
                        كان يحبّ عليّا أكثر الحب ، وكان يبصر الحق الى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله ، وهو الذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله الا الله..؟؟!!
                        هنالك أرسل الى الامام علي رسالة قال فيها :
                        " انك لو كنت في شدق الأسد،
                        لأحببت أن أدخل معك فيه.
                        ولكن هذا أمر لم أره"..!!
                        ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب..
                        وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم:
                        " لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا".
                        قال أحدهم له: ألم يقل الله: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)..؟؟
                        فأجابهم أسامة قائلا:
                        " أولئك هم المشركون ، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله"..
                        وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله ، وتلملمت روحه بين جوانحه ، تريد أن ترجع الى وطنها الأول..
                        وتفتحت أبواب الجنان ، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين.

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #27
                          { عبدالله بن الزبير - أي رجل وأي شهيد }

                          كان جنينا مباركا في بطن أمه ، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة الى المدينة على طريق الهجرة العظيم.
                          هكذا قدّر لعبدالله بن الزبير أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج الى الدنيا بعد ، ولم تشقق عنه الأرحام..!!
                          وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها وأرضاها ، تبلغ قباء عند مشارف المدينة ، حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من أصحاب رسول الله..!!
                          وحمل أول مولود في الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بالمدينة فقبّله وحنّكه، وكان أول شيء دخل جوف عبدالله بن الزبير ريق النبي الكريم.
                          واحتشد المسلمون في المدينة ، وحملوا الوليد في مهده ، ثم طوّفوا به في شوارع المدينة كلها مهللين مكبّرين.
                          ذلك أن اليهود حين نزل الرسول وأصحابه المدينة كبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدؤا حرب الأعصاب ضد المسلمين ، فأشاعوا أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلطوا عليهم العقم ، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا..
                          فلما أهلّ عبدالله بن الزبير عليهم من عالم الغيب ، كان وثيقة دمغ بها القدر افك يهود المدينة وأبطل كيدهم وما يفترون..!!
                          ان عبدالله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكنه تلقى من ذلك العهد ، ومن الرسول نفسه بحكم اتصاله الوثيق به ، كل خامات رجولته ومبادئ حياته التي سنراها فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس..
                          لقد راح الطفل ينمو نموّا سريعا ، وكان خارقا في حيويته ، وفطنته وصلابته..
                          وارتدى مرحلة الشباب ، فكان شبابه طهرا ، وعفة ونسكا ، وبطولة تفوق الخيال..
                          ومضى مع أيامه وقدره ، لا تتغيّر خلائقه ولا تنبو به رغائبه.. انما هو رجل يعرف طريقه ، ويقطعه بعزيمة جبارة، وايمان وثيق وعجيب..
                          وفي فتح افريقية والأندلس ، والقسطنطينية . كان وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الخالدين..
                          وفي معركة افريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا..
                          ودار القتال ، وغشي المسلمين خطر عظيم..
                          وألقى عبد الله بن الزبير نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوتهم . وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش ، يصيح في جنوده ويحرضهم بطريقة تدفعهم الى الموت دفعا عجيبا..
                          وأدرك عبدالله أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد..
                          ولكن أين السبيل اليه ، ودون بلوغه جيش لجب ، يقاتل كالاعصار..؟؟
                          بيد أن جسارة ابن الزبير واقدامه لم يكونا موضع تساؤول قط..!!
                          هنالك نادى بعض اخوانه ، وقال لهم:
                          " احموا ظهري، واهجموا معي"...
                          وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامدا نحو القائد، حتى اذا بلغه ، هوى عليه في كرّة واحدة فهوى ، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطون بملكهم وقائدهم فصرعوهم.. ثم صاحوا الله أكبر..
                          ورأى المسلمون رايتهم ترتفع ، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره ويحرّض جيشه ، فأدركوا أنه النصر، فشدّوا شدّة رجل واحدة ، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين..
                          وعلم قائد الجيش المسلم عبدالله بن أبي سرح بالدور العظيم الذي قام به ابن الزبير فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بشارة النصر الى المدينة والى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه..
                          على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها واعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.
                          فهذا الذي يمكن أن يبتعث فيه الزهو ، وثني الأعطاف ، أكثر من سبب ، يذهلنا بمكانه الدائم والعالي بين الناسكين العابدين..
                          فلا حسبه ، ولا شبابه ، ولا مكانته ورفعته ، ولا أمواله ولا قوته..
                          لا شيء من ذلك كله ، استطاع أن يحول بين عبدالله بن الزبير وبين أن يكون العابد الذي يصوم يومه ، ويقوم ليله ، ويخشع لله خشوعا يبهر الألباب.
                          قال عمر بن عبدالعزيز يوما لابن أبي مليكة:صف لنا عبدالله بن الزبير..فقال:
                          " والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه..
                          ولقد كات يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء اليها..
                          وكان يركع أو يسجد ، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله،
                          لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده الا جدارا ، أو ثوبا مطروحا..
                          ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي ، فوالله ما أحسّ بها ولا اهتز لها ، ولا قطع من أجلها قراءته ، ولا تعجل ركوعه"..!!
                          ان الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادة ابن الزبير لشيء يشبه الأساطير..
                          فهو في صيامه ، وفي صلاته ، وفي حجه ، وفي علوّ همّته ، وشرف نفسه..
                          في سهره طوال العمر قانتا وعبدا..
                          وفي ظمأ الهواجر طوال عمره صائما مجاهدا..
                          وفي ايمانه الوثيق بالله ، وفي خشيته الدائمة له..
                          هو في كل هذا نسيج وحده..!
                          سئل عنه ابن عباس فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف:
                          " كان قارئا لكتاب الله ، متبعا سنة رسوله.. قانتا لله ، صائما في الهواجر من مخافة الله.. ابن حواريّ رسول الله.. وأمه أسماء بنت الصديق.. وخالته عائشة زوجة رسول الله.. فلا يجهل حقه الا من أعماه الله"..!!
                          وهو في قوة خلقه وثبات سجاياه ، يزري بثبات الجبال..
                          واضح شريف قوي ، على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمنا لصراحته واستقامة نهجه..
                          أثناء نزاعه مع الأمويين زاره الحصين بن نمير قائد الجيش الذي أرسله يزيد لاخماد ثورة بن الزبير..
                          زاره اثر وصول الأنباء الى مكة بموت يزيد..
                          وعرض عليه أن يذهب معه الى الشام ، ويستخدم الحصين نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..
                          فرفض عبدالله هذه الفرصة الذهبية ، لأنه كان مقتنعا بضرورة القصاص من جيش الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله من خلال غزوهم الفاجر للمدينة ، خدمة لأطماع الأمويين..
                          قد نختلف مع عبدالله في موقفه هذا ، وقد نتمنى لو أنه آثر السلام والصفح ، واستجاب للفرصة النادرة التي عرضها عليه الحصين قائد يزيد..
                          ولكنّ وقفة الرجل أي رجل، الى جانب اقتناعه واعتقاده.. ونبذه الخداع والكذب ، أمر يستحق الاعجاب والاحترام..
                          وعندما هاجمه الحجاج بجيشه ، وفرض عليه ومن معه حصارا رهيبا ، كان من بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش ، كانوا من أمهر الرماة والمقاتلين..
                          ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان رضي الله عنه ، حديثا لا ورع فيه ولا انصاف، فعنّفهم وقال لهم:" والله ما أحبّ أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان"..!!
                          ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون ، حاجة الغريق الى أمل..!!
                          ان وضوحه مع نفسه ، وصدقه مع عقيدته ومبادئه ، جعلاه لا يبالي بأن يخسر مائتين من أكفأ الرماة ، لم يعد دينهم موضع ثقته واطمئنانه ، مع أنه في معركة مصير طاحنة ، وكان من المحتمل كثيرا أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرماة الأكفاء الى جانبه..!!
                          ولقد كان صموده في وجه معاوية وابنه يزيد بطولة خارقة حقا..
                          فقد كا يرى أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين ، ان كان يصلح على الاطلاق.. هو محق في رأيه ، ف يزيد هذا كان فاسدا في كل شيء.. لم تكن له فضيلة واحدة تشفع لجرائمه وآثامه التي رواها الينا التاريخ..
                          فكيف يبايعه ابن الزبير؟؟
                          لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حي..
                          وها هو ذا يقولها ليزيد بعد أن صار خليفة ، وأرسل الى ابن الزبير يتوعده بشرّ مصير..
                          هناك قال ابن الزبير:
                          " لا أبايع السكّير أبدا".
                          ثم أنشد:
                          ولا الين لغير الحق أساله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
                          وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين ، متخذا من مكة المكرّمةعاصمة خلافته ، باسطا حكمه على الحجاز ، واليمن والبصرة الكوفة وخراسان والشام كلها ما عدا دمشق بعد أن بايعه أهل الأمصار جميعا..
                          ولكن الأمويين لا يقرّ قرارهم ، ولا يهدأ بالهم ، فيشنون عليه حروبا موصولة ، يبوءون في أكثرها بالهزيمة والخذلان..
                          حتى جاء عهد عبدالملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبدالله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم ايغالا في القسوة والاجرام..
                          ذلكم هو الحجاج الثقفي الذي قال عنه الامام العادل عمر بن عبدالعزيز:
                          " لو جاءت كل أمة بخطاياها ، وجئنا نحن بالحجاج وحده ، لرجحناهم جميعا"..!!
                          ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبير ، وحاصرها وأهلها قرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام ، كي يحملهم على ترك عبدالله بن الزبير وحيدا ، بلا جيش ولا أعوان.
                          وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون ، ووجد عبدالله نفسه ، وحيدا أو يكاد ، وعلى الرغم من أن فرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مهيأة له ، فقد قرر أن يحمل مسؤوليته الى النهاية ، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة أسطورية ، وهو يومئذ في السبعين من عمره..!!
                          ولن نبصر صورة أمينةلذلك الموقف الفذ الا اذا اصغينا للحوار الذي دار بين عبدالله وأمه. العظيمة المجيدة أسماء بنت أبي بكر في تلك الساعات الأخيرة من حياته.
                          لقد ذهب اليها ، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه ، وللمصير الذي بدأ واضحا أنه ينتظره..
                          قالت له أسماء:
                          " يا بنيّ: أنت أعلم بنفسك ، ان كنت تعلم أنك على حق ، وتدعو الى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله ، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة..
                          وان كنت تعلم أنك أردت الدنيا ، فلبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك.
                          قال عبد الله :
                          " والله يا أمّاه ما أردت الدنيا ، ولا ركنت اليها.
                          وما جرت في حكم الله أبدا ، ولا ظلمت ولا غدرت"..
                          قالت أمه أسماء:
                          " اني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا ان سبقتني الى الله أو سبقتك.
                          اللهم ارحم طول قيامه في الليل ، وظمأه في الهواجر ، وبرّه بأبيه وبي..
                          اللهم اني اسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبدالله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين.!"
                          وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته.
                          وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ ، تلقى الشهيد العظيم ضربة الموت ، في وقت استأثر الحجاج فيه بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم، فأبى الا أن يصلب الجثمان الهامد ، تشفيا وخسّة..!!
                          وقامت أمه ، وعمره يومئذ سبع وتسعون سنة ، قامت لترى ولدها المصلوب.
                          وكالطود الشامخ وقفت تجاهه .. واقترب الحجاج منها في هوان وذلة قائلا لها:
                          يا أماه ، ان أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا ، فهل لك من حاجة..؟
                          فصاحت به قائلة:
                          " لست لك بأم..
                          انما أنا أم هذا المصلوب على الثنيّة..
                          وما بي اليكم حاجة..
                          ولكني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يخرج من ثقيف كذاب ومبير"..
                          فأما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير، فلا أراه الا أنت"!!
                          واقدم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنه معزيا ، وداعيا اياها الى الصبر ، قأجابته قائلة :
                          " وماذا يمنعني من الصبر ، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا الى بغيّ من بغايا بني اسرائيل"..!!
                          يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق..!!
                          أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبدالله بن الزبير عن رأسه قبل أن يصلبوه..؟؟
                          أجل.. ان يكن رأس ابن الزبير قد قدّم هديّة للحجاج وعبدالملك.. فان رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية ل سالومي.. بغيّ حقيرة من بني اسرائيل!!
                          ما أروع التشبيه ، وما أصدق الكلمات.
                          وبعد ، فهل كان يمكن لعبدالله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى البعيد من التفوّق ، والبطولة والصلاح ، وقد رضع لبن أم من هذا الطراز..؟؟
                          سلام على عبدالله..
                          وسلام على أسماء..
                          سلام عليهما في الشهداء الخالدين..
                          وسلام عليهما في الأبرار المتقين.

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #28
                            { المقداد بن عمرو - أول فرسان الاسلام }

                            تحدث عنه أصحابه ورفاقه فقالوا:
                            " أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود..
                            والمقداد بن الأسود، هو بطلنا ، هذا المقداد بن عمرو كان قد حالف في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، حتى اذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني، نسب لأبيه عمرو بن سعد..
                            والمقداد من المبكّرين بالاسلام، وسابع سبعة جاهروا باسلامهم وأعلنوه، حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها في شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!!
                            ولسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم..
                            يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:
                            " لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحبّ اليّ مما في الأرض جميعا".
                            في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا ، حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد واصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها..
                            في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الاسلام، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..
                            ووقف الرسول معجبا بايمان الذين معه، واستعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..
                            وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..
                            وخاف المقدادا أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.
                            ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن..
                            ثم تقدم المقداد وقال:
                            " يا رسول الله..
                            امض لما أراك الله، فنحن معك..
                            والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى
                            اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون..
                            بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون..!!
                            والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك".. انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتهلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!!
                            أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال:
                            " يا رسول الله..
                            لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. والذي بعثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
                            انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله"..
                            وامتلأ قلب الرسول بشرا..
                            وقال لأصحابه:" سيروا وأبشروا"..
                            والتقى الجمعان..
                            وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو، ومرثد بن أبي مرثد، والزبير بن العوّام، بينما كان بقية المجاهدين مشاة، أو راكبين ابلا..
                            ان كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل، لا تصور شجاعته فحسب، بل تصور لنا حكمته الراجحة، وتفكيره العميق..
                            وكذلك كان المقداد..
                            كان حكيما أريبا، ولم تكن حكمته تعبّر عن نفسها في مجرّد كلمات، بل هي تعبّر عن نفسها في مبادئ نافذة، وسلوك قويم مطرّد. وكانت تجاربه قوتا لحكمته وريا لفطنته..
                            ولاه الرسول على احدى الولايات يوما، فلما رجع سأله النبي:
                            " كيف وجدت الامارة"..؟؟
                            فأجاب في صدق عظيم:
                            " لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعا دوني..
                            والذي بعثك بالحق، لا اتآمرّن على اثنين بعد اليوم، أبدا"..
                            واذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟
                            واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟
                            رجل لا يخدع عن نفسه، ولا عن ضعفه..
                            يلي الامارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنّبها مظانه، وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ويتحاماها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!!
                            لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هوذا:
                            " ان السعيد لمن جنّب الفتن"..
                            واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته اذن في تجنبها..
                            ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال..
                            وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..
                            وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟
                            وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه، يقول:
                            " جلسنا الى المقداد يوما فمرّ به رجل..
                            فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم..
                            والله لوددنا لو أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد وقال:
                            ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم"..
                            حكمة وأية حكمة..!!
                            انك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله، الا وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..!
                            ولكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..
                            ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم..
                            ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين.
                            وأليس من الخير اذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقرّ فيها الاسلام، فأخذه صفوا عفوا..
                            هذه نظرة المقداد، تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه، وتجاربه، وكلماته، كان الأريب الحكيم..
                            وكان حب المقداد للاسلام عظيما..
                            وكان الى جانب ذلك، واعيا حكيما..
                            والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليّا، لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..
                            والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..
                            فحبه للرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة، الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنّده وحسامه..!!
                            وحبه للاسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..
                            خرج يوما في سريّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أو لعله لا يستحقها على الاطلاق..
                            فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث
                            فأخذ المقداد بيمينه، ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:
                            " والآن أقده من نفسك..
                            ومكّنه من القصاص"..!!
                            وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح، وانتشى المقداد بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني:
                            " لأموتنّ، والاسلام عزيز"..!!
                            أجل تلك كانت أمنيته، أن يموت والاسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية المثابرة الباهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام:
                            "ان الله أمرني بحبك..
                            وأنبأني أنه يحبك"...



                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #29
                              { عبادة بن الصامت - نقيب في حزب الله }

                              انه واحد من الأنصار الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                              " لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، ولولا الهجرة لكنت من أمراء الأنصار"..هوعبادة بن الصامت بعد كونه من الأنصار، فهو واحد من زعمائهم الذين اتخذهم نقباء على أهليهم وعشائرهم...
                              وحينما جاء وفد الأنصار الأول الى مكة ليبايع الرسول عليه السلام ، تلك البيعة المشهورة ب بيعة العقبة الأولى، كان عبادة بن الصامت رضي الله عنه أحد الاثني عشر مؤمنا، الذين سارعوا الى الاسلام، وبسطوا أيمانهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعين، وشدّوا على يمينه مؤازرين ومسلمين...
                              وحينما كان موعد الحج في العام التالي، يشهد بيعة العقبة الثانية يبابعها وفد الأنصار الثاني، مكّونا من سبعين مؤمنا ومؤمنة، كان عبادة أيضا من زعماء الوفد ونقباء الأنصار..
                              وفيما بعد والمشاهد تتوالى.. ومواقف التضحية والبذل، والفداء تتابع، كان عبادة هناك لم يتخلف عن مشهد ولم يبخل بتضحية...
                              ومنذ اختيار الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقوم على أفضل وجه بتبعات هذا الاختيار..
                              كل ولائه لله، وكل طاعته لله، وكلا علاقته بأقربائه بحلفائه وبأعدائه انما يشكلها ايمانه ويشكلها السلوك الذي يفرضه هذا الايمان..
                              كانت عائلة عبادة مرتبطة بحلف قديم مع يهود بني قينقاع بالمدينة..
                              ومنذ هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة، ويهودها يتظاهرون بمسالمته.. حتى كانت الأيام التي تعقب غزوة بدر وتسبق غزوة أحد، فشرع يهود المدينة يتنمّرون..
                              وافتعلت احدى قبائلهم بنو قينقاع أسبابا للفتنة وللشغب على المسلمين..
                              ولا يكاد عبادة يرى موقفهم هذا، حتى ينبذ الى عهدهم ويفسخ حلفهم قائلا:
                              " انما أتولى الله، ورسوله، والمؤمنين...
                              فيتنزل القرآن محييا موقفه وولاءه، قائلا في آياته:
                              ( ومن يتولى الله ورسوله، والذين آمنوا، فان حزب الله هم الغالبون)...
                              لقد أعلنت الآية الكريمة قيام حزب الله..
                              وحزب الله، هم أولئك المؤمنون الذين ينهضون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملين راية الهدى والحق، والذين يشكلون امتدادا مباركا لصفوف المؤمنين الذين سبقوهم عبر التاريخ حول أنبيائهم ورسلهم، مبلّغين في أزمانهم وأعصارهم كلمة الله الحي القيّوم..
                              ولن يقتصر حزب الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل سيمتد عبر الأجيال الوافدة، والأزمنة المقبلة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ضمّا الى صفوفه كل مؤمن بالله وبرسوله..
                              وهكذا فان الرجل الذي نزلت هذه الآية الكريمة تحيي موقفه وتشيد بولائه وايمانه، لن يظل مجرّد نقيب الأنصار في المدينة، بل سيصير نقيبا من نقباء الدين الذي ستزوى له أقطار الأرض جميعا.
                              أجل لقد أصبح عبادة بن الصامت نقيب عشيرته من الخزرج ، رائدا من روّاد الاسلام ، وامام من أئمة المسلمين يخفق اسمه كالراية في معظم أقطار الأرض لا في جبل، ولا في جبلين، أو ثلاثة بل الى ما شاء الله من أجيال.. ومن أزمان.. ومن آماد..!!
                              سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يتحدث عن مسؤولية الأمراء والولاة..
                              سمعه يتحدث عليه الصلاة والسلام ، عن المصير الذي ينتظر من يفرّط منهم في الحق ، أو تعبث ذمته بمال ، فزلزل زلزالا، وأقسم بالله ألا يكون أميرا على أثنين أبدا..ولقد برّ بقسمه..
                              وفي خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لم يستطع الفاروق أن يحمله على قبول منصب ما، الا ّتعليم الانس وتفقيههم في الدين.
                              أجل هذا هو العمل الوحيد الذي آثره عبادة، مبتعدا بنفسه عن الأعمال الأخرى، المحفوفة بالزهو وبالسلطان وبالثراء، والمحفوفة أيضا بالأخطار التي يخشاها على مصيره ودينه
                              وهكذا سافر الى الشام ثالث ثلاثة: هو ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء.. حيث ملؤا البلاد علما وفقها ونورا...
                              وسافر عبادة الى فلسطين حيث ولي قضاءها بعض الوقت وكان يحكمها باسم الخليفة آنذاك، معاوية..
                              كان عبادة بن الصامت وهو ثاو في الشام يرنو ببصره الى ما وراء الحدود.. الى المدينة المنورة عاصمة السلام ودار الخلافة، فيرى فيها عمر ابن الخطاب..رجل لم يخلق من طرازه سواه..!!
                              ثم يرتد بصره الى حيث يقيم، في فلسطين.. فيرى معاوية بن أبي سفيان..رجل يحب الدنيا، ويعشق السلطان...
                              وعبادة من الرعيل الأول الذي عاش خير حياته وأعظمها وأثراها مع الرسول الكريم.. الرّعيل الذي صهره النضال وصقلته التضحية، وعانق الاسلام رغبا لا رهبا.. وباع نفسه وماله...
                              عبادة من الرعيل الذي رباه محمد بيديه، وأفرغ عليه من روحه ونوره وعظمته..
                              واذا كان هناك من الأحياء مثل أعلى للحاكم يملأ نفس عبادة روعة، وقلبه ثقة، فهو ذلك الرجل الشاهق الرابض هناك في المدينة.. عمر بن الخطاب..
                              فاذا مضى عبادة يقيس تصرّفات معاوية بهذا المقياس، فستكون الشقة بين الاثنين واسعة، وسيكون الصراع محتوما.. وقد كان..!!
                              يقول عبادة رضي الله عنه:
                              " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نخاف في الله لومة لائم"..
                              وعبادة خير من يفي بالبيعة. واذن فهو لن يخشى معاوية بكل سلطانه، وسيقف بالمرصاد لكل أخطائه..
                              ولقد شهد أهل فلسطين يومئذ عجبا.. وترامت أنباء المعارضة الجسورة التي يشنّها عبادة على معاوية الى أقطار كثيرة من بلاد الاسلام فكانت قدوة ونبراسا..
                              وعلى الرغم من الحلم الواسع الرحيب الذي اشتهر به معاوية فقد ضاق صدره بمواقف عبادة ورأى فيها تهديدا مباشرا لهيبة سلطانه..
                              ورأى عبادة من جانبه أن مسافة الخلف بينه وبين معاوية تزداد وتتسع، فقال لمعاوية:" والله لا أساكنك أرضا واحدة أبدا".. وغادر فلسطين الى المدينة..
                              كان أمير المؤمنين عمر، عظيم الفطنة، بعيد النظر.. وكان حريصا على ألا يدع أمثال معاوية من الولاة الذين يعتمدون على ذكائهم ويستعملونه بغير حساب دون أن يحيطهم بنفر من الصحابة الورعين الزاهدين والنصحاء المخلصين، كي يكبحوا جماح الطموح والرغبة لدى أولئك الولاة، وكي يكونوا لهم وللناس تذكرة دائمة بأيام الرسول وعهده..
                              من أجل هذا لم يكد أمير المؤمنين يبصر عبادة بن الصامت وقد عاد الى المدينة حتى ساله:" ما الذي جاء بك يا عبادة"...؟؟ ولما قصّ عليه ما كان بينه وبين معاوية قال له عمر:
                              " ارجع الى مكانك، فقبّح الله أرضا ليس فيها مثلك..!!
                              ثم أرسل عمر الى معاوية كتابا يقول فيه:
                              " لا امرة لك على عبادة"..!!
                              أجل ان عبادة أمير نفسه..
                              وحين يكرّم عمر الفاروق رجلا مثل هذا التكريم، فانه يكون عظيما..
                              وقد كان عبادة عظيما في ايمانه، وفي استقامة ضميره وحياته...
                              وفي العام الهجري الرابع والثلاثين، توفي بالرملة في أرض فلسطين هذا النقيب الراشد من نقباء الأنصار والاسلام، تاركا في الحياة عبيره وشذاه

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #30
                                { عثمان بن مظعون - راهب صومعته الحياة }

                                اذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق سبقهم الزمني الى الاسلام فاعلم اذا بلغت الرقم الرابع عشر أن صاحبه هو عثمان بن مظعون..
                                واعلم كذلك أن ابن مظعون هذا، كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة.. كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع..
                                واعلم أخيرا أن هذا الصحابي الجليل الذي تطالع الآن سيرته كان راهبا عظيما.. لا من رهبان الصوامع، بل من رهبان الحياة...!!
                                أجل.. كانت الحياة بكل جيشانها، ومسؤولياتها، وفضائلها هي صومعته..
                                وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح...
                                عندما كان الاسلام يتسرّب ضوؤه الباكر االنديّ من قلب الرسول صلى الله عليه عليه وسلم.. ومن كلماته ، عليه الصلاة والسلام، التي يلقيها في بعض الأسماع سرا وخفية..
                                كان عثمان بن معظون هناك، وحدا من القلة التي سارعت الى الله والتفت حول رسوله..
                                ولقد نزل به من الأذى والضر، ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين..
                                وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية. آمرا ايّاها بالهجرة الى الحبشة. مؤثرا أن يبقى في مواجهة الأذى وحده، كان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين، مصطحبا معه ابنه السائب موليّا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل. وضراوة قريش، وهو عذابها....
                                وكشأن المهاجرين الى الحبشة في كلتا الهجرتين... الأولى والثانية، لم يزدد عثمان بن مظعون رضي الله عنه الا استمساكا بالاسلام. واعتصاما به..
                                والحق أن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة، ومجيدة في قضية الاسلام..
                                فالذين آمنوا بالرسول صلى الله وصدّقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاتها، وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تسيغ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال..!!
                                وحين هاجروا الى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا، ومنظما.. له كنائسه وأحباره ورهبانه..
                                وهو، مهما تكن نظرتهم اليه، بعيد عن الوثنية التي ألفوها في بلادهم، وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطقوسها التي خلفوها وراء ظهورهم..
                                ولا بدّ أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم، واقناعهم بالمسيحية دينا...
                                ومع هذا كله نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للاسلام ولمحمد صلى الله عليه وسلم.. مترقبين في شوق وقلق، ذلك أن اليوم القريب الذي يعودون فيه الى بلادهم الحبيبة، ليعبدوا الله وحده، وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم.. في المسجد أيام السلام.. وفي ميدان القتال، اذا اضطرتهم قوى الشرك للقتال..
                                في الحبشة اذن عاش المهاجرون آمنين مطمئنين.. وعاش معهم عثمان بن مظعون الذي لم ينس في غربته مكايد ابن عمّه أمية بن خلف، وما ألحقه به وبغيره من أذى وضرّ، فراح يتسلى بهجائه ويتوعده:
                                تريش نبالا لا يواتيك ريشها
                                وتبري نبالا، ريشها لك أجمع
                                وحاربت أقواما مراما أعزة
                                وأهلكت أقواما بهم كنت تزغ
                                ستعلم ان نابتك يوما ملمّة
                                وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
                                وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله، ويتدارسون ما معهم من القرآن، ويحملون برغم الغربة توهج روح منقطع النظير.. اذ الأنباء تواتيهم أن قريش أسلمت، وسجد عم الرسول لله الواحد القهار..
                                هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا الى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم حنينهم..
                                بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبيّنوا كذب الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش..
                                وساعتئذ سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد عجلوا.. ولكن أنّى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر..!!
                                وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما ردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم ها هو ذا الآن، تحيّن فرصته، وتأتي به مقاديره..!!
                                كان الجوّار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والاجلال، فاذا دخل رجل مستضعف جوار سيّد قرشي، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب منه مأمن...
                                ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار..
                                من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة.
                                وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر دروبها، ويشهد ندواتها، لا يسام خسفا ولا ضيما.
                                ولكن ابن مظعون.. الرجل الذي يصقله القرآن، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم، يتلفت حواليه، فيرى اخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين، الذين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا.. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، فيثور روحه الحر، ويجيش وجدانه النبيل، ويتفوق بنفسه على نفسه، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد، وأن يسقط عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله، وشرف الشبه باخوانه المسلمين، طلائع الدنيا المؤمنة، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غدا ايمانا، وتوحيدا، ونورا..
                                ولندع شاهد عيان يصف لنا ما حدث:
                                " لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله ان غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، واصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني، لنقص كبير في نفسي..
                                فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له:
                                يا أبا عبد شمس وفت ذمتك. وقد رددت اليك جوارك..
                                فقال له:
                                لم يا ابن أخي.. لعله آذاك أحد من قومي..؟
                                قال.. لا. ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره...
                                فانطلق الى المسجد فاردد عليّ جواري علانية ..
                                فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان..
                                قد جاء يردد عليّ جواري..
                                قال عثمان: صدق.. ولقد وجدته وفيّا كريما الجوار، ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله..
                                ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشهدم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد:
                                ألا كل شيء ما خلا الله باطل
                                فقال عثمان: صدقت..
                                قال لبيد:
                                وكل نعيم لا محالة زائل
                                قال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول..
                                فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم..؟
                                فقال رجل من القوم: ان هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله..
                                فرد عليه عثمان بن مظعون حتى سري أمرهما. فقام اليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابه ، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما يحدث لعثمان، فقال: أما والله يا بن أخي ان كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة، لقد كانت في ذمة منيعة..
                                قال عثمان: بل والله ان عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس..!!
                                فقا له الوليد: هلم يا بن أخي، ا ن شئت فعد الى جواري..
                                قال ابن مظعون: لا...
                                وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضجّ بالألم، ولكن روحه تتفجر عافية، وصلابة، وبشرا..
                                ولقد مضى في الطريق الى داره يتغنى بشعره هذا:
                                فان تك عيني في رضا الله نالها
                                يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي
                                فقد عوّض الرحمن منها ثوابه
                                ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
                                فاني وان قلتم غويّ مضلل
                                لأحيا على دين الرسول محمد
                                أريد بذاك الله، والحق ديننا
                                على رغم من يبغي علينا ويعتدي
                                هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلا، هو له أهل، وبه جدير..
                                وهكذا شهدت الحياة انسانا شامخا يعطّر الوجود بموقفه الفذ هذا..
                                وبكلماته الرائعة الخالدة:
                                " والله ان عيني الصحيحة، لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر"..!!
                                ولقد ذهب عثمان بن مظعون بعد ردّ جوار الوليد يتلقى من قريش أذاها، وكان بهذا سعيدا جدّ سعيد.. فقد كان ذلك الأذىبمثابة الانر التي تنضج الايمان وتصهره وتزكّيه..
                                وهكذا سار مع اخوانه المؤمنين، لا يروعهم زجر.. ولا يصدّهم اثخان..!!
                                ويهاجر عثمان الى المدينة، حيث لا يؤرّقه أبو جهل هناك، ولا أبو لهب.... ولا أميّة.. ولا عتبة، ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرّقت ليلهم، وأدمت نهارهم..
                                يذهب الى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عسرته ومشقته ورهبته، والذين لم يهاجروا الى المدينة ليستريحوا ويكسبوا.. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب الى كل أقطار الأرض حاملين راية الله، مبشرين بكلماته وآياته وهداه..
                                وفي دار الهجرة المنوّرة، يتكشفّ جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة، فاذا هو العابد، الزاهد، المتبتل، الأوّاب...
                                واذا هو الراهب الجليل، الذكي الذي لا يأوي الى صومعة يعتزل فيها الحياة..
                                بل يملأ الحياة بعمله، وبجهاده في سبيل الله..
                                أجل..
                                راهب الليل فارس النهار، بل راهب الليل والنهار، وفارسهما معا..
                                ولئن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيّما في تلك الفترة من حياتهم، كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل، فان ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. اذ أمعن في زهده وتفانيه امعانا رائعا، أحال حياته كلها في ليله ونهاره الى صلاة دائمة مضيئة، وتسبيحة طويلة عذبة..!!
                                وما ان ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة..
                                فمضى لا يلبس الا الملبس الخشن، ولا يأكل الا الطعام الجشب..
                                دخل يوما المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقّعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
                                " كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى.. وتوضع في قصعة. وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟!"..
                                قال الأصحاب:
                                " وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش"..
                                فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:
                                " ان ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ"..
                                وكان بديهيا، وابن مظعون يسمع هذا، أن يزداد اقبالا على الشظف وهربا من النعيم..!!
                                بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى، لولا أن علم أن رسول الله عليه السلام علم عن ذلك فناداه وقال له:
                                " ان لأهلك عليك حقا"..
                                وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبّا عظيما..
                                وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة، وأولهم ارتياد لطريق الجنة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام، هناك الى جواره..
                                ولقد أكبّ على جبينه يقبله، ويعطّره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمّخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله..
                                وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودّع صاحبه الحبيب:

                                " رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الدنيا وما أصبت منها، ولا أصابت منك"..
                                ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته، بل كان دائم الذكر له، والثناء عليه..
                                حتى لقد كانت كلمات وداعه عليه السلام لابنته رقيّة، حين فاضت روحها:
                                " الحقي بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون"..!!!

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X