<div align="center">العقيد الناصرى</div>
قلت لأحد قدامى الإخوان : ما رأيك فى العقيد القذافى ؟ [ نؤثر أن يعرفه القراء بـ " العقيد الناصرى " ]
قال : نتمنى له التوفيق فى خدمته للإسلام ، لقد جمع من خبراء الفقه والقانون من يعاونون على إعادة الشريعة الإسلامية إلى الحياة ، وهذا سعى مشكور ، وقد حسبته أول ما قام بثورته من جماعة الإخوان ، لأنه تبنى أفكارهم ومبادئهم ، ما انتقص منها ولا زاد عليها ، ولما تناول الإخوان بالسوء قلت : لعلها تقية حتى يتركه الخصوم ـ خصوم الإسلام ـ يمضى فى طريقه دون اتهام ولا تعويق ..
فرددت على هذا الأخ القديم : وهل لا زلت على رأيك الأول ؟ وهو يتهم جماعتكم بالتعاون مع الاستعمار ، ويعتقل فى أنحاء ليبيا من يظن بهم الانتماء إلى الجماعة ؟
قال : إننى فى حيرة ، وما أحسبنى كنت واهماً عندما عددته من الجماعة ، إنه ليس فقيهاً إسلامياً ولا مفكراً إنسانياً يمكن وصفه بأنه أتى من عند نفسه بما أتى به . إنه يردد كل ما كتبه الإخوان من نظرات اقتصادية وسياسية للشريعة الإسلامية .. وأنت خبير بأن ما نشر فى أرجاء العالم الإسلامى والعربى من هذه الكتابات هو لمؤلفى الإخوان أو لأصدقائهم العاملين معهم فى هذا الحقل ، والمتعرضين معهم للاضطهاد والبلاء .. لقد تبناه العقيد القذافى بما فيه من خطأ أو صواب !!
قلت : أى خطأ ؟
قال : إنك أصدرت فى أوائل الأربعينات عدة كتب فى هذا الموضوع ، ثم نشر الأستاذ " سيد قطب " رحمه الله فى أواخر الأربعينات كتاب " العدالة الاجتماعية " ، ثم نشر الأستاذ " مصطفى السباعى " كتابه " اشتراكية الإسلام " فى أوائل الخمسينات ، وفى هذه الغضون تمت ترجمة رسائل الأستاذ " أبى الأعلى المودودى " ، وقد خلطتم الإسلام بالاشتراكية على نحو لا يرضى أعداداً من المسلمين !!
قلت : إننا أرينا الأجيال الناشئة من ديننا ما يغنى عن استيراد الفلسفات الأجنبية الشاردة ، وأنا شخصيا قد أكون تجوزت فى بعض العبارات لكن جوهر الموضوع إنصاف رائع لديننا الحنيف .
قال : على أية حال ، فمن هذه الكتابات كلها نقل " القذافى " ما أسماه بالنظرية الثالثة ، وهى تسمية نرفضها ولو سلمنا بها فإن السؤال المحير هو : لماذا يستمد من الإخوان ثم يهاجمهم ؟
واستأنف محدثى الكلام : إن الإخوان حاربوا ألوان الاستعمار جميعاً من قبل أن يولد الزعيم الشاب .. حاربوا اليهود سنة 1948 وردوهم على أعقابهم بعدما وصلوا العريش وكادوا يحتلون أجزاء من مصر ، حاربوا الإنجليز على شواطئ القناة ، وزلزلوا أقدامهم ونسفوا معسكراتهم ، وأرغموهم على التفكير الجاد فى الجلاء نجاة بأنفسهم .. حاربوا الماركسية والإلحاد بعدما غمر الجامعات ، واستحدثوا تياراً من الإيمان والاستعفاف جدد القيم فى المجتمع المصرى ، وألقى الرعب فى صفوف أعداء الحق .
ثم قال صاحبى فى حماس : إن اصطياد التهم للجماعة على هذا النحو الشائن لا يمكن أن يكون إلا لحساب الاستعمار ، حتى لا يتكون جيل من المؤمنين الأحرار يقاوم الصهيونية ، ويحمى الأمة المحروبة تيارات التخريب النفسى والخلقى ..
قلت : ولعله عدم إلمام بالتاريخ القريب ، أو لعل إشاعات سبقت إلى فكر الرجل من أناس خدع بهم فصدق دعواهم .. !!
رأيى أن العقيد القذافى يمكن أن يتفاهم معه ، وأن يراجع نفسه فى بعض الأحكام ..
لقد استمعت إلى المحاضرة التى ألقاها فى مقر " اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى " بالقاهرة ، والتى خلص منها إلى أن المسيحى رجل يعبد الله على طريقة عيسى بن مريم ، فهو بذلك مسلم لأن أتباع عيسى مسلمون بنص القرآن الكريم .
أما أن أصحاب عيسى الأوائل مسلمون ، عبدوا الله الواحد ، وصدقوا رسوله عيسى فهذا ما أجمع المسلمون عليه ..
وأما الزعم بأن الذين عبدوا عيسى نفسه مسلمون ، فهذا ما لم يقله أحد ! فإن الخصومة بيننا وبين النصارى أنهم لا يتبعون عيسى ، عبد الله ونبيه إلى بنى إسرائيل ، لا يتبعون الإنسان الذى قال : " إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " .
إنهم يتبعون شيئاً اسمه ابن الله الوحيد ، الذى ضحى به على الصليب قرباناً لتكفير الخطايا ، وهو الرب يسوع المسيح ، فهل هذا إسلام ؟
لقد وصف الإسلام هذا القول بالكفر " وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين " ( الزخرف : 15 )
وليس يعطى كلام العقيد القذافى أية وجاهة أن مجلس قيادة الثورة أقره وتبناه !!
أخشى أن يطرد القياس ويقال : إن اليهودى إنسان مسلم يعبد الله على طريقة موسى الكليم ، وبذلك تنحل المشكلات القائمة بين العرب واليهود .
فالكل حسب هذا المنطق مسلمون ، ينبغى أن يتفسحوا فى المجالس والأوطان ، وأن يسع بعضهم بعضاً دون شحناء ولا بغضاء .
إن العقيد يظلم نفسه إذ يخوض فى هذه البحوث ويقرر هذه النتائج .. ثم يبقى بعد ذلك كله أمر مهم ، هل للعدالة مكانها فى سلوك الحكام المسلمين أم لا ؟
إن الله عز وجل يقول فى كتابه : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى " ( المائدة : 8 )
ومعنى ذلك أن يحكم العقل والإنصاف مشاعر الحقد والغضب .
مهما كرهت فرداً أو جماعة فلا يجوز إذا كنت تقياً أن أسترسل مع هواى فى سجن خصومى أو تعذيبهم أو تهديد حاضرهم ومستقبلهم ..
والمألوف فى أرض الله كلها ـ عدا الغابات وما إليها ـ أن يحقق مع المتهم ، وأن يمنح حق الدفاع عن نفسه ، وأن يمحص القاضى ما نسب إليه فى نزاهة ، ثم يصدر الحكم فى أناة وتبصر بالإدانة أو التبرئة ..
أما القذف بالناس فى السجون لأن الحاكم رأى ذلك فشىء منكر جعله القرآن الكريم قرين سفك الدم الحرام ، وعابه على اليهود فى قوله : " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان " ( البقرة 85 ) .
لماذا يشرد الطالب عن داره فلا يتم تعليمه أو رب الأسرة عن بيته فتتعرض زوجته وأولاده للمآسى والمعاصى ؟؟
إن الحاكم الذى ينتسب إلى الإسلام يستحيل أن يتدلى إلى هذه المسالك ..
إننى أحد الذين اعتقلوا يوم كنت منتسباً إلى جماعة الإخوان ، وحتى بعد فصلى من الجماعة اعتقلت لأنى لم أتخل عن العمل الدينى .
إننى ما سئلت عن شىء قبل أو بعد الاعتقال ، لأنه لم يكن هناك ما أسأل عنه ! غير أن التجارب التى ذقتها والمشاهد التى رأيتها جعلتنى أزداد رسوخاً فيما كنت أقوله باستمرار : إن الحرية نعمة جليلة رائعة ، وإن العدوان عليها سيئة مضاعفة الوزر شديدة العقاب .
إن طراز الحكم فى العالم العربى إن لم يضبط داخل الإطار الإسلامى فسيكون معرة للإسلام تُنفِّر منه بل تثير السخريةَ به !!
والذى " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " هو الله الواحد الذى لا معقب على حكمه ، ومع ذلك الاقتدار للكبير المتعال فهو يقول :" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " ( رواه أحمد : 5 / 160 ، ومسلم فى كتاب البر وغيرهما )
فهل ذلك ما يبيح لحكامنا أن يستغلوا سلطانهم الموقوت فى ضرب الناس وسجنهم دون ما سبب ؟
ومن الذين يهانون ؟ متهمون بالدعوة إلى الإسلام ؟!
" يا حسرة على العباد " .. !!!
إن قلبى يتفطر عندما أرى الدم الإسلامى أرخص دم على الأرض .. لقد استباحه المجوس واليهود والنصارى والوثنيون والملحدون .. وحكام مسلمون !!
ولا ريب أن المدافعين عن الإسلام تكتنفهم ظروف صعبة معقدة ، غير أنه بين الحين والحين ينبجس من روح الله ندى يواسى الجراح ويهون الكفاح ويبشر بالصباح ..
ومهما كانت الأوضاع محرجة فلا بد من بقاء الدعوة الإسلامية مرفوعة الراية واضحة الهداية تعلن الحق وتبسط براهينه وتلقف الشبه وتوهى إسنادها ..
إن محمداً ليس وقفاً على عصر أو جنس ، إن رسالته للقارات الخمس ما بقى الزمان وعلينا أن ننهض بهذا العبء ..
وحتى تعود " الخلافة الإسلامية " ـ وإعادتها فرض عين ـ لتتولى هذه المهام يجدر بنا أن نتبع ما يأتى :
ـ إعادة النظر فى مناهج تعليم الإسلام فى شتى مراحل الدراسة العامة .. وإعادة النظر فى مناهج التعليم الدينى نفسه لتخريج فئات أوسع دراية وأحد بصراً .
ـ اختيار الدعاة وفق مواصفات أدق وأرقى مما يتبع الآن ، وتوسيع آفاق الدعوة الإسلامية أو الإعلام الإسلامى بحيث تستوعب ميادين النشاط الإنسانى جميعاً .
ـ إقامة حلقات اتصال بين الجامعات الإسلامية الموجودة الآن فى عواصم الإسلام كلها لتبادل الخبرة والمشورة العلمية والعملية ..
ـ عقد مؤتمرات دورية متصلة لبحث مشكلات الدعوة ورصد الهجمات المنظمة ضد الإسلام ووضع الخطط المناسبة لخدمة الرسالة الإسلامية .
ـ بسط الرعاية الدينية على المسلمين المهاجرين إلى الخارج والإفادة من مواضعهم الاجتماعية والثقافية حتى يكونوا معابر لرسالتنا العظيمة ، بدل أن يذوب هؤلاء فى دوامة الحياة الغربية ..
ـ التقاط الفارين من وجه الحكومات المعادية للإسلام فى أفريقيا وغيرها وتيسير التحاقهم بالمدارس والمعاهد العربية ليعودوا أقدر على قيادة أممهم ورد الفتن عنهم ..
ـ دراسة المؤتمرات التبشيرية المحلية والعالمية واستكشاف المؤامرات المبيتة ضدنا .
ـ وبديهى أن ذلك كله لن يتحقق كلاً أو جزءاً إلا فى ظل حكومات تحترم الإسلام ، وترى نفسها مسئولة أمام الله عن القيام بحقوقه .
ـ وليست كل الحكومات العربية كذلك ، فهناك من يكره الإسلام والحدث عنه ، وهناك من يقبله عبادات لا معاملات ، وعقيدة لا شريعة ويرفض الدعوة إلى تطبيقه كله .
ـ وهناك من يمهد لاستقبال الشيوعية ومن يمهد لاستقبال العلمانية .
ـ ولا تعليق على هذا الارتداد السافر أو المحجب إلا أن نقول :
على الشعوب أن تتحرك وإلا تعرضت للفناء ، عقوبة من رب السماء !!
<div align="center">* * * * * *</div>
قلت لأحد قدامى الإخوان : ما رأيك فى العقيد القذافى ؟ [ نؤثر أن يعرفه القراء بـ " العقيد الناصرى " ]
قال : نتمنى له التوفيق فى خدمته للإسلام ، لقد جمع من خبراء الفقه والقانون من يعاونون على إعادة الشريعة الإسلامية إلى الحياة ، وهذا سعى مشكور ، وقد حسبته أول ما قام بثورته من جماعة الإخوان ، لأنه تبنى أفكارهم ومبادئهم ، ما انتقص منها ولا زاد عليها ، ولما تناول الإخوان بالسوء قلت : لعلها تقية حتى يتركه الخصوم ـ خصوم الإسلام ـ يمضى فى طريقه دون اتهام ولا تعويق ..
فرددت على هذا الأخ القديم : وهل لا زلت على رأيك الأول ؟ وهو يتهم جماعتكم بالتعاون مع الاستعمار ، ويعتقل فى أنحاء ليبيا من يظن بهم الانتماء إلى الجماعة ؟
قال : إننى فى حيرة ، وما أحسبنى كنت واهماً عندما عددته من الجماعة ، إنه ليس فقيهاً إسلامياً ولا مفكراً إنسانياً يمكن وصفه بأنه أتى من عند نفسه بما أتى به . إنه يردد كل ما كتبه الإخوان من نظرات اقتصادية وسياسية للشريعة الإسلامية .. وأنت خبير بأن ما نشر فى أرجاء العالم الإسلامى والعربى من هذه الكتابات هو لمؤلفى الإخوان أو لأصدقائهم العاملين معهم فى هذا الحقل ، والمتعرضين معهم للاضطهاد والبلاء .. لقد تبناه العقيد القذافى بما فيه من خطأ أو صواب !!
قلت : أى خطأ ؟
قال : إنك أصدرت فى أوائل الأربعينات عدة كتب فى هذا الموضوع ، ثم نشر الأستاذ " سيد قطب " رحمه الله فى أواخر الأربعينات كتاب " العدالة الاجتماعية " ، ثم نشر الأستاذ " مصطفى السباعى " كتابه " اشتراكية الإسلام " فى أوائل الخمسينات ، وفى هذه الغضون تمت ترجمة رسائل الأستاذ " أبى الأعلى المودودى " ، وقد خلطتم الإسلام بالاشتراكية على نحو لا يرضى أعداداً من المسلمين !!
قلت : إننا أرينا الأجيال الناشئة من ديننا ما يغنى عن استيراد الفلسفات الأجنبية الشاردة ، وأنا شخصيا قد أكون تجوزت فى بعض العبارات لكن جوهر الموضوع إنصاف رائع لديننا الحنيف .
قال : على أية حال ، فمن هذه الكتابات كلها نقل " القذافى " ما أسماه بالنظرية الثالثة ، وهى تسمية نرفضها ولو سلمنا بها فإن السؤال المحير هو : لماذا يستمد من الإخوان ثم يهاجمهم ؟
واستأنف محدثى الكلام : إن الإخوان حاربوا ألوان الاستعمار جميعاً من قبل أن يولد الزعيم الشاب .. حاربوا اليهود سنة 1948 وردوهم على أعقابهم بعدما وصلوا العريش وكادوا يحتلون أجزاء من مصر ، حاربوا الإنجليز على شواطئ القناة ، وزلزلوا أقدامهم ونسفوا معسكراتهم ، وأرغموهم على التفكير الجاد فى الجلاء نجاة بأنفسهم .. حاربوا الماركسية والإلحاد بعدما غمر الجامعات ، واستحدثوا تياراً من الإيمان والاستعفاف جدد القيم فى المجتمع المصرى ، وألقى الرعب فى صفوف أعداء الحق .
ثم قال صاحبى فى حماس : إن اصطياد التهم للجماعة على هذا النحو الشائن لا يمكن أن يكون إلا لحساب الاستعمار ، حتى لا يتكون جيل من المؤمنين الأحرار يقاوم الصهيونية ، ويحمى الأمة المحروبة تيارات التخريب النفسى والخلقى ..
قلت : ولعله عدم إلمام بالتاريخ القريب ، أو لعل إشاعات سبقت إلى فكر الرجل من أناس خدع بهم فصدق دعواهم .. !!
رأيى أن العقيد القذافى يمكن أن يتفاهم معه ، وأن يراجع نفسه فى بعض الأحكام ..
لقد استمعت إلى المحاضرة التى ألقاها فى مقر " اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى " بالقاهرة ، والتى خلص منها إلى أن المسيحى رجل يعبد الله على طريقة عيسى بن مريم ، فهو بذلك مسلم لأن أتباع عيسى مسلمون بنص القرآن الكريم .
أما أن أصحاب عيسى الأوائل مسلمون ، عبدوا الله الواحد ، وصدقوا رسوله عيسى فهذا ما أجمع المسلمون عليه ..
وأما الزعم بأن الذين عبدوا عيسى نفسه مسلمون ، فهذا ما لم يقله أحد ! فإن الخصومة بيننا وبين النصارى أنهم لا يتبعون عيسى ، عبد الله ونبيه إلى بنى إسرائيل ، لا يتبعون الإنسان الذى قال : " إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " .
إنهم يتبعون شيئاً اسمه ابن الله الوحيد ، الذى ضحى به على الصليب قرباناً لتكفير الخطايا ، وهو الرب يسوع المسيح ، فهل هذا إسلام ؟
لقد وصف الإسلام هذا القول بالكفر " وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين " ( الزخرف : 15 )
وليس يعطى كلام العقيد القذافى أية وجاهة أن مجلس قيادة الثورة أقره وتبناه !!
أخشى أن يطرد القياس ويقال : إن اليهودى إنسان مسلم يعبد الله على طريقة موسى الكليم ، وبذلك تنحل المشكلات القائمة بين العرب واليهود .
فالكل حسب هذا المنطق مسلمون ، ينبغى أن يتفسحوا فى المجالس والأوطان ، وأن يسع بعضهم بعضاً دون شحناء ولا بغضاء .
إن العقيد يظلم نفسه إذ يخوض فى هذه البحوث ويقرر هذه النتائج .. ثم يبقى بعد ذلك كله أمر مهم ، هل للعدالة مكانها فى سلوك الحكام المسلمين أم لا ؟
إن الله عز وجل يقول فى كتابه : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى " ( المائدة : 8 )
ومعنى ذلك أن يحكم العقل والإنصاف مشاعر الحقد والغضب .
مهما كرهت فرداً أو جماعة فلا يجوز إذا كنت تقياً أن أسترسل مع هواى فى سجن خصومى أو تعذيبهم أو تهديد حاضرهم ومستقبلهم ..
والمألوف فى أرض الله كلها ـ عدا الغابات وما إليها ـ أن يحقق مع المتهم ، وأن يمنح حق الدفاع عن نفسه ، وأن يمحص القاضى ما نسب إليه فى نزاهة ، ثم يصدر الحكم فى أناة وتبصر بالإدانة أو التبرئة ..
أما القذف بالناس فى السجون لأن الحاكم رأى ذلك فشىء منكر جعله القرآن الكريم قرين سفك الدم الحرام ، وعابه على اليهود فى قوله : " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان " ( البقرة 85 ) .
لماذا يشرد الطالب عن داره فلا يتم تعليمه أو رب الأسرة عن بيته فتتعرض زوجته وأولاده للمآسى والمعاصى ؟؟
إن الحاكم الذى ينتسب إلى الإسلام يستحيل أن يتدلى إلى هذه المسالك ..
إننى أحد الذين اعتقلوا يوم كنت منتسباً إلى جماعة الإخوان ، وحتى بعد فصلى من الجماعة اعتقلت لأنى لم أتخل عن العمل الدينى .
إننى ما سئلت عن شىء قبل أو بعد الاعتقال ، لأنه لم يكن هناك ما أسأل عنه ! غير أن التجارب التى ذقتها والمشاهد التى رأيتها جعلتنى أزداد رسوخاً فيما كنت أقوله باستمرار : إن الحرية نعمة جليلة رائعة ، وإن العدوان عليها سيئة مضاعفة الوزر شديدة العقاب .
إن طراز الحكم فى العالم العربى إن لم يضبط داخل الإطار الإسلامى فسيكون معرة للإسلام تُنفِّر منه بل تثير السخريةَ به !!
والذى " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " هو الله الواحد الذى لا معقب على حكمه ، ومع ذلك الاقتدار للكبير المتعال فهو يقول :" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " ( رواه أحمد : 5 / 160 ، ومسلم فى كتاب البر وغيرهما )
فهل ذلك ما يبيح لحكامنا أن يستغلوا سلطانهم الموقوت فى ضرب الناس وسجنهم دون ما سبب ؟
ومن الذين يهانون ؟ متهمون بالدعوة إلى الإسلام ؟!
" يا حسرة على العباد " .. !!!
إن قلبى يتفطر عندما أرى الدم الإسلامى أرخص دم على الأرض .. لقد استباحه المجوس واليهود والنصارى والوثنيون والملحدون .. وحكام مسلمون !!
ولا ريب أن المدافعين عن الإسلام تكتنفهم ظروف صعبة معقدة ، غير أنه بين الحين والحين ينبجس من روح الله ندى يواسى الجراح ويهون الكفاح ويبشر بالصباح ..
ومهما كانت الأوضاع محرجة فلا بد من بقاء الدعوة الإسلامية مرفوعة الراية واضحة الهداية تعلن الحق وتبسط براهينه وتلقف الشبه وتوهى إسنادها ..
إن محمداً ليس وقفاً على عصر أو جنس ، إن رسالته للقارات الخمس ما بقى الزمان وعلينا أن ننهض بهذا العبء ..
وحتى تعود " الخلافة الإسلامية " ـ وإعادتها فرض عين ـ لتتولى هذه المهام يجدر بنا أن نتبع ما يأتى :
ـ إعادة النظر فى مناهج تعليم الإسلام فى شتى مراحل الدراسة العامة .. وإعادة النظر فى مناهج التعليم الدينى نفسه لتخريج فئات أوسع دراية وأحد بصراً .
ـ اختيار الدعاة وفق مواصفات أدق وأرقى مما يتبع الآن ، وتوسيع آفاق الدعوة الإسلامية أو الإعلام الإسلامى بحيث تستوعب ميادين النشاط الإنسانى جميعاً .
ـ إقامة حلقات اتصال بين الجامعات الإسلامية الموجودة الآن فى عواصم الإسلام كلها لتبادل الخبرة والمشورة العلمية والعملية ..
ـ عقد مؤتمرات دورية متصلة لبحث مشكلات الدعوة ورصد الهجمات المنظمة ضد الإسلام ووضع الخطط المناسبة لخدمة الرسالة الإسلامية .
ـ بسط الرعاية الدينية على المسلمين المهاجرين إلى الخارج والإفادة من مواضعهم الاجتماعية والثقافية حتى يكونوا معابر لرسالتنا العظيمة ، بدل أن يذوب هؤلاء فى دوامة الحياة الغربية ..
ـ التقاط الفارين من وجه الحكومات المعادية للإسلام فى أفريقيا وغيرها وتيسير التحاقهم بالمدارس والمعاهد العربية ليعودوا أقدر على قيادة أممهم ورد الفتن عنهم ..
ـ دراسة المؤتمرات التبشيرية المحلية والعالمية واستكشاف المؤامرات المبيتة ضدنا .
ـ وبديهى أن ذلك كله لن يتحقق كلاً أو جزءاً إلا فى ظل حكومات تحترم الإسلام ، وترى نفسها مسئولة أمام الله عن القيام بحقوقه .
ـ وليست كل الحكومات العربية كذلك ، فهناك من يكره الإسلام والحدث عنه ، وهناك من يقبله عبادات لا معاملات ، وعقيدة لا شريعة ويرفض الدعوة إلى تطبيقه كله .
ـ وهناك من يمهد لاستقبال الشيوعية ومن يمهد لاستقبال العلمانية .
ـ ولا تعليق على هذا الارتداد السافر أو المحجب إلا أن نقول :
على الشعوب أن تتحرك وإلا تعرضت للفناء ، عقوبة من رب السماء !!
<div align="center">* * * * * *</div>

لأننا لا نجد الآن أصلح من هذا التعبير " .
îن îëéىهْ نçمùهْ?