إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

" قذائف الحق "

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #61
    <div align="center">العقيد الناصرى</div>
    قلت لأحد قدامى الإخوان : ما رأيك فى العقيد القذافى ؟ [ نؤثر أن يعرفه القراء بـ " العقيد الناصرى " ]

    قال : نتمنى له التوفيق فى خدمته للإسلام ، لقد جمع من خبراء الفقه والقانون من يعاونون على إعادة الشريعة الإسلامية إلى الحياة ، وهذا سعى مشكور ، وقد حسبته أول ما قام بثورته من جماعة الإخوان ، لأنه تبنى أفكارهم ومبادئهم ، ما انتقص منها ولا زاد عليها ، ولما تناول الإخوان بالسوء قلت : لعلها تقية حتى يتركه الخصوم ـ خصوم الإسلام ـ يمضى فى طريقه دون اتهام ولا تعويق ..

    فرددت على هذا الأخ القديم : وهل لا زلت على رأيك الأول ؟ وهو يتهم جماعتكم بالتعاون مع الاستعمار ، ويعتقل فى أنحاء ليبيا من يظن بهم الانتماء إلى الجماعة ؟

    قال : إننى فى حيرة ، وما أحسبنى كنت واهماً عندما عددته من الجماعة ، إنه ليس فقيهاً إسلامياً ولا مفكراً إنسانياً يمكن وصفه بأنه أتى من عند نفسه بما أتى به . إنه يردد كل ما كتبه الإخوان من نظرات اقتصادية وسياسية للشريعة الإسلامية .. وأنت خبير بأن ما نشر فى أرجاء العالم الإسلامى والعربى من هذه الكتابات هو لمؤلفى الإخوان أو لأصدقائهم العاملين معهم فى هذا الحقل ، والمتعرضين معهم للاضطهاد والبلاء .. لقد تبناه العقيد القذافى بما فيه من خطأ أو صواب &#33;&#33;

    قلت : أى خطأ ؟

    قال : إنك أصدرت فى أوائل الأربعينات عدة كتب فى هذا الموضوع ، ثم نشر الأستاذ " سيد قطب " رحمه الله فى أواخر الأربعينات كتاب " العدالة الاجتماعية " ، ثم نشر الأستاذ " مصطفى السباعى " كتابه " اشتراكية الإسلام " فى أوائل الخمسينات ، وفى هذه الغضون تمت ترجمة رسائل الأستاذ " أبى الأعلى المودودى " ، وقد خلطتم الإسلام بالاشتراكية على نحو لا يرضى أعداداً من المسلمين &#33;&#33;

    قلت : إننا أرينا الأجيال الناشئة من ديننا ما يغنى عن استيراد الفلسفات الأجنبية الشاردة ، وأنا شخصيا قد أكون تجوزت فى بعض العبارات لكن جوهر الموضوع إنصاف رائع لديننا الحنيف .

    قال : على أية حال ، فمن هذه الكتابات كلها نقل " القذافى " ما أسماه بالنظرية الثالثة ، وهى تسمية نرفضها ولو سلمنا بها فإن السؤال المحير هو : لماذا يستمد من الإخوان ثم يهاجمهم ؟

    واستأنف محدثى الكلام : إن الإخوان حاربوا ألوان الاستعمار جميعاً من قبل أن يولد الزعيم الشاب .. حاربوا اليهود سنة 1948 وردوهم على أعقابهم بعدما وصلوا العريش وكادوا يحتلون أجزاء من مصر ، حاربوا الإنجليز على شواطئ القناة ، وزلزلوا أقدامهم ونسفوا معسكراتهم ، وأرغموهم على التفكير الجاد فى الجلاء نجاة بأنفسهم .. حاربوا الماركسية والإلحاد بعدما غمر الجامعات ، واستحدثوا تياراً من الإيمان والاستعفاف جدد القيم فى المجتمع المصرى ، وألقى الرعب فى صفوف أعداء الحق .

    ثم قال صاحبى فى حماس : إن اصطياد التهم للجماعة على هذا النحو الشائن لا يمكن أن يكون إلا لحساب الاستعمار ، حتى لا يتكون جيل من المؤمنين الأحرار يقاوم الصهيونية ، ويحمى الأمة المحروبة تيارات التخريب النفسى والخلقى ..

    قلت : ولعله عدم إلمام بالتاريخ القريب ، أو لعل إشاعات سبقت إلى فكر الرجل من أناس خدع بهم فصدق دعواهم .. &#33;&#33;

    رأيى أن العقيد القذافى يمكن أن يتفاهم معه ، وأن يراجع نفسه فى بعض الأحكام ..

    لقد استمعت إلى المحاضرة التى ألقاها فى مقر " اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى " بالقاهرة ، والتى خلص منها إلى أن المسيحى رجل يعبد الله على طريقة عيسى بن مريم ، فهو بذلك مسلم لأن أتباع عيسى مسلمون بنص القرآن الكريم .

    أما أن أصحاب عيسى الأوائل مسلمون ، عبدوا الله الواحد ، وصدقوا رسوله عيسى فهذا ما أجمع المسلمون عليه ..

    وأما الزعم بأن الذين عبدوا عيسى نفسه مسلمون ، فهذا ما لم يقله أحد &#33; فإن الخصومة بيننا وبين النصارى أنهم لا يتبعون عيسى ، عبد الله ونبيه إلى بنى إسرائيل ، لا يتبعون الإنسان الذى قال : " إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " .

    إنهم يتبعون شيئاً اسمه ابن الله الوحيد ، الذى ضحى به على الصليب قرباناً لتكفير الخطايا ، وهو الرب يسوع المسيح ، فهل هذا إسلام ؟

    لقد وصف الإسلام هذا القول بالكفر " وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين " ( الزخرف : 15 )

    وليس يعطى كلام العقيد القذافى أية وجاهة أن مجلس قيادة الثورة أقره وتبناه &#33;&#33;

    أخشى أن يطرد القياس ويقال : إن اليهودى إنسان مسلم يعبد الله على طريقة موسى الكليم ، وبذلك تنحل المشكلات القائمة بين العرب واليهود .

    فالكل حسب هذا المنطق مسلمون ، ينبغى أن يتفسحوا فى المجالس والأوطان ، وأن يسع بعضهم بعضاً دون شحناء ولا بغضاء .

    إن العقيد يظلم نفسه إذ يخوض فى هذه البحوث ويقرر هذه النتائج .. ثم يبقى بعد ذلك كله أمر مهم ، هل للعدالة مكانها فى سلوك الحكام المسلمين أم لا ؟

    إن الله عز وجل يقول فى كتابه : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى " ( المائدة : 8 )

    ومعنى ذلك أن يحكم العقل والإنصاف مشاعر الحقد والغضب .

    مهما كرهت فرداً أو جماعة فلا يجوز إذا كنت تقياً أن أسترسل مع هواى فى سجن خصومى أو تعذيبهم أو تهديد حاضرهم ومستقبلهم ..

    والمألوف فى أرض الله كلها ـ عدا الغابات وما إليها ـ أن يحقق مع المتهم ، وأن يمنح حق الدفاع عن نفسه ، وأن يمحص القاضى ما نسب إليه فى نزاهة ، ثم يصدر الحكم فى أناة وتبصر بالإدانة أو التبرئة ..

    أما القذف بالناس فى السجون لأن الحاكم رأى ذلك فشىء منكر جعله القرآن الكريم قرين سفك الدم الحرام ، وعابه على اليهود فى قوله : " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان " ( البقرة 85 ) .

    لماذا يشرد الطالب عن داره فلا يتم تعليمه أو رب الأسرة عن بيته فتتعرض زوجته وأولاده للمآسى والمعاصى ؟؟

    إن الحاكم الذى ينتسب إلى الإسلام يستحيل أن يتدلى إلى هذه المسالك ..

    إننى أحد الذين اعتقلوا يوم كنت منتسباً إلى جماعة الإخوان ، وحتى بعد فصلى من الجماعة اعتقلت لأنى لم أتخل عن العمل الدينى .

    إننى ما سئلت عن شىء قبل أو بعد الاعتقال ، لأنه لم يكن هناك ما أسأل عنه &#33; غير أن التجارب التى ذقتها والمشاهد التى رأيتها جعلتنى أزداد رسوخاً فيما كنت أقوله باستمرار : إن الحرية نعمة جليلة رائعة ، وإن العدوان عليها سيئة مضاعفة الوزر شديدة العقاب .

    إن طراز الحكم فى العالم العربى إن لم يضبط داخل الإطار الإسلامى فسيكون معرة للإسلام تُنفِّر منه بل تثير السخريةَ به &#33;&#33;

    والذى " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " هو الله الواحد الذى لا معقب على حكمه ، ومع ذلك الاقتدار للكبير المتعال فهو يقول :" يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " ( رواه أحمد : 5 / 160 ، ومسلم فى كتاب البر وغيرهما )

    فهل ذلك ما يبيح لحكامنا أن يستغلوا سلطانهم الموقوت فى ضرب الناس وسجنهم دون ما سبب ؟

    ومن الذين يهانون ؟ متهمون بالدعوة إلى الإسلام ؟&#33;

    " يا حسرة على العباد " .. &#33;&#33;&#33;

    إن قلبى يتفطر عندما أرى الدم الإسلامى أرخص دم على الأرض .. لقد استباحه المجوس واليهود والنصارى والوثنيون والملحدون .. وحكام مسلمون &#33;&#33;

    ولا ريب أن المدافعين عن الإسلام تكتنفهم ظروف صعبة معقدة ، غير أنه بين الحين والحين ينبجس من روح الله ندى يواسى الجراح ويهون الكفاح ويبشر بالصباح ..

    ومهما كانت الأوضاع محرجة فلا بد من بقاء الدعوة الإسلامية مرفوعة الراية واضحة الهداية تعلن الحق وتبسط براهينه وتلقف الشبه وتوهى إسنادها ..

    إن محمداً ليس وقفاً على عصر أو جنس ، إن رسالته للقارات الخمس ما بقى الزمان وعلينا أن ننهض بهذا العبء ..

    وحتى تعود " الخلافة الإسلامية " ـ وإعادتها فرض عين ـ لتتولى هذه المهام يجدر بنا أن نتبع ما يأتى :

    ـ إعادة النظر فى مناهج تعليم الإسلام فى شتى مراحل الدراسة العامة .. وإعادة النظر فى مناهج التعليم الدينى نفسه لتخريج فئات أوسع دراية وأحد بصراً .

    ـ اختيار الدعاة وفق مواصفات أدق وأرقى مما يتبع الآن ، وتوسيع آفاق الدعوة الإسلامية أو الإعلام الإسلامى بحيث تستوعب ميادين النشاط الإنسانى جميعاً .

    ـ إقامة حلقات اتصال بين الجامعات الإسلامية الموجودة الآن فى عواصم الإسلام كلها لتبادل الخبرة والمشورة العلمية والعملية ..

    ـ عقد مؤتمرات دورية متصلة لبحث مشكلات الدعوة ورصد الهجمات المنظمة ضد الإسلام ووضع الخطط المناسبة لخدمة الرسالة الإسلامية .

    ـ بسط الرعاية الدينية على المسلمين المهاجرين إلى الخارج والإفادة من مواضعهم الاجتماعية والثقافية حتى يكونوا معابر لرسالتنا العظيمة ، بدل أن يذوب هؤلاء فى دوامة الحياة الغربية ..

    ـ التقاط الفارين من وجه الحكومات المعادية للإسلام فى أفريقيا وغيرها وتيسير التحاقهم بالمدارس والمعاهد العربية ليعودوا أقدر على قيادة أممهم ورد الفتن عنهم ..

    ـ دراسة المؤتمرات التبشيرية المحلية والعالمية واستكشاف المؤامرات المبيتة ضدنا .

    ـ وبديهى أن ذلك كله لن يتحقق كلاً أو جزءاً إلا فى ظل حكومات تحترم الإسلام ، وترى نفسها مسئولة أمام الله عن القيام بحقوقه .

    ـ وليست كل الحكومات العربية كذلك ، فهناك من يكره الإسلام والحدث عنه ، وهناك من يقبله عبادات لا معاملات ، وعقيدة لا شريعة ويرفض الدعوة إلى تطبيقه كله .

    ـ وهناك من يمهد لاستقبال الشيوعية ومن يمهد لاستقبال العلمانية .

    ـ ولا تعليق على هذا الارتداد السافر أو المحجب إلا أن نقول :

    على الشعوب أن تتحرك وإلا تعرضت للفناء ، عقوبة من رب السماء &#33;&#33;

    <div align="center">* * * * * *</div>

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #62
      التواضع لله من دلائل الرشد وأمارات الإيمان ، بل هو من علامات الصحة العقلية والنفسية ، فإن المعجب بنفسه المتكبر على غيره إنسان لم يعرف حقيقته ، ولم يتصرف فى نطاق هذه الحقيقة فهو مصدر تعب وقلق حيث كان .. &#33;

      ومبلغ علمى أن اصحاب المواهب النفسية متواضعون ، وأن الذى رزقهم النبوغ لم يشنهم بهذا اللون من الجهالة ، فهم يضعون تفوقهم الشخصى فى خدمة الآخرين ، وبقدر ما فى معادنهم من صلابة يبتذلون أنفسهم لأمتهم ومبادئهم ، دون قلق على مكانة موهومة أو منزلة مزعومة &#33;

      أما الذين يستخفون وراء أسوار من المراسم والشارات فأغلبهم هش المعدن قريب العطب .

      وأغلب من عرفت من المتكبرين أقوام صغار المواهب يسترون علاتهم بافتعال مظاهر لا أصل لها &#33;&#33;

      ولو أن امرءاً ما استكبر بعلم حقيقى ، أو بطولة رائعة ، أو مال ممدود ، أو قيادة حكيمة ، أو غير ذلك من أسباب الرفعة .. لكان مخطئاً أفدح الخطأ .. لماذا ؟ .. لأن واهب النعمة والخير والبروز هو الله جل شأنه .

      والإنسان جسر يعبر عليه الفضل الأعلى ، ومجلى لهذه العارية الطارئة عليه من غيره لا من ذاته ، فلم الكبرياء على الله ؟

      ما أحسن قول الرجل المؤمن لأخيه المغتر بثرائه :

      " ولولا إذ دخلت جنتك قلت : ما شاء الله لا قوة إلا بالله " ( الكهف : 39 )

      إن المدل بجماله لم يصنع شيئاً من ملامحه الوسيمة ، وذوو المواهب العليا رزقهم التفوق من خلقهم ومهد لهم واختبرهم بما أتى ، فلماذا الغرور بالنفس ؟

      ولنترك هذا الكبر الذى لا يعتمد على سناد أى سناد فى تفكير أصحابه ..

      ولننظر إلى قوم آخرين يستكبرون بالهباء أو بما لا يزن شيئاً طائلاً ..

      وقد كثر هذا النوع فى بلادنا ، وتوزع على مناصب شتى هنا وهناك ، ومسخت دعاواهم كل شىء .

      ترى الواحد منهم فقيراً فى معرفته ، ضئيلاً فى إنتاجه ، ومع ذلك يرمق الحياة والأحياء بالنظر الشزر ، ويعامل الناس معاملة العملاق للأقزام ، والفيلسوف للعوام ..

      فى غير ميدان قابلت هؤلاء يتكلمون ، أو يعملون ، أو يحكمون فرأيتهم حراصاً على الظهور فى شارات الناس الكبار على حين تضعهم أقدارهم وثمارهم فى المستوى الهابط والمكانة النازلة &#33;&#33;

      قلت فى نفسى : الناس يستكبرون بالعلم وهؤلاء يستكبرون بالجهل . الناس قد تأخذهم العزة بالطاقة وهؤلاء تأخذهم العزة بالإثم . ما أشقى بلادنا بهؤلاء ..

      لو أدرك هؤلاء ما فى كفايتهم من نقص لاستكملوه &#33; .. لكن الحجاب المسدل على بصائرهم خيل إليهم أنهم عباقرة ، فعاشوا ينكبون الناس بقصورهم وغرورهم ..

      وربما اغتر الأعور بنصف بصره بين لفيف العميان .

      أما أن يغتر بعاهة بين أصحاب البصر الحديد فهذه النكبة الجائحة .. &#33;&#33;

      والعالم الآن مشحون بأصحاب المواهب المعجبة والخبرات الجيدة والتجارب المصقولة ، والثروات الأدبية والمادية الهائلة .

      فإذا سرنا نحن فى الموكب العالمى بهذه الحفنة من الأدعياء الفارغين فماذا يكون تقديرنا وماذا يكون مصيرنا ؟؟

      والشخص التافه يفلسف الأوضاع حوله بما يشبع كبره ، ويصدق وهمه ، أى أنه بدلاً من أن يستيقظ على الحقائق اللاذعة ينظر إليها من جانب يرضيه ويطغيه .

      وقد روت كتب الأدب القديم قصة هى على ما فيها من هزل صورة صادقة لكثير من ذوى المناصب المرموقة فى الأمة العربية الآن :

      كان " أبو حية " النميرى جباناً يخيلاً كذاباً &#33; .. قال ابن قتيبة :

      وكان له سيف يسميه " لعاب المنية " ليس بينه وبين الخشبة فرق ، وكان أجبن الناس ، دخل ليلة إلى بيته فسمع صوتاً لا عهد له به فانتضى سيفه ، ووقف فى وسط الدار ، وأخذ يقول :

      " أيها المغتر بنا ، المجترئ علينا ، بئس ـ والله ـ ما اخترت لنفسك : خير قليل ، وسيف صقيل " لعاب المنية " الذى سمعت به ، مشهورة ضربته ، لا تخاف نبوته ..

      " اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك &#33; ..

      " إنى والله أن أدع قيساً إليك لا تقم لهم .. &#33; ..

      " وما قيس ؟ .. تملأ ـ والله ـ الفضاء خيلاً ورجلاً . سبحان الله &#33; ما أكثرها .. &#33;&#33; "

      وبينا هو كذلك إذ خرج كلب من الدار ، فقال :

      " الحمد الله الذى مسخك كلباً وكفانا حرباً &#33;&#33;&#33; "

      لست أبعد إذا قلت : إننى رأيت صوراً لهذا الجبان المستأسد فى بعض الساسة الذين كتبوا تاريخ الشرق العربى فى العصر الحديث ..

      ـ العجز الحريص على الصدارة .

      ـ الدعوى الفارضة نفسها على الواقع .

      ـ الهوى الذى يطوى الأشخاص والأشياء والأحداث فى تياره ويضفى عليها صبغته الجادة أو الهازلة .

      ذكرت الجنرال " أيزنهاور " قائد الحرب العالمية الثانية التى انتصرت فيها أمريكا وحلفاؤها ، إن أمريكا لم تعط رجلها لقب " ماريشال " مع أنه خاض حرباً تم له فيها النصر بعد أن دمرت مئات المدن والقرى وقتل فيها وجرح سبعون ألف ألف شخص .

      لكن ناساً فى الشرقين الأوسط والأقصى حصلوا على هذا اللقب دون أن يخوضوا حرباً أو يعانوا ضرباً .

      فى البلاد المحترمة يصعد الأفراد من السفوح إلى القمم والعرق يتصبب من جبينهم ، والإرهاق والتفكير يلاحقانهم بين آن وآخر .

      .. وعلى هذا السنن البائس تجرى أمور العرب .

      أما فى البلاد المتخلفة فإن ناساً يصلون إلى الذرى دون جهد يذكر اللهم إلا جهد الملق لملاك السلطة والاستعداد لخدمة الأهواء &#33;&#33;

      وقديماً نظر البحترى إلى واحد من هؤلاء جعله " الخليفة " قائداً ، وهو لا يصلح لقيادة ولا ريادة فقال :

      ويكاد من شبه العذارى .. .. .. .. .. .. .. .. .. فيــه أن تـبـــدو نـهـــوده
      ناطــوا بمعقـد خصــره .. .. .. .. .. .. .. .. .. ســيـفـاً ومنـطقـة تـؤوده
      جعلـوه قـائـد عـســكــر .. .. .. .. .. .. .. .. .. ضل الرعيل ومن يقوده

      فهل هذا اللون من الخلائق ترشحه مواهبه لهدف كبير ؟

      وهل هؤلاء القادة " بالتعيين " لا بالخصائص " النفسية والعقلية " هم الذين يقودون العرب فى معركة البقاء &#33;&#33;

      ألا ما أكثر الألقاب التى تمنح فى البلاد العربية .

      وعرفت مديراً أجنبياً لمصنع كبير ، قيل لى فى وصف إدارته :

      " تراه جوالاً بين الآلات والمكاتب مغبر الجبين بتراب العمل وعرقه ، ملوث الثياب بالزيوت والشحوم التى تسقط عليه وهو تحت آلة يعالجها ، أو فى طريق وعرة إلى مهمة ثقيلة &#33;&#33; "

      فتذكرت شكوى أحد المربين وهو يصف لى بعض الشباب فى بلادنا العربية ، قال : إنهم يبغون مكتباً أنيقاً يجلسون إليه و" تليفوناً " يثرثرون فيه ، ونمطاً من العيش لا يضنى ولا يقلق .

      قلت : والله هذه أخلاق الهزيمة الضياع ، وأصحابها هم عللنا المقعدة ، وأما الرجال المعنيون بالعمل الحق ، الحمالون لأعبائه الثقال فهم أصل النصر والتقدم &#33;&#33;

      إننى أغوص فى بحر من الحيرة والأسف حين أرى عظماء العالم على جانب رائع من دماثة الخلق ، ولطف المعاشرة ، وسهولة الطبع وقلة التكلف ، على حين ترى المتسولين من موائدهم متعجرفين متعاظمين كأنهم أتوا بالديب من " ذيله " كما يقول العوام فى أمثالهم .

      إن بناة التاريخ من سلفنا الصالح كانوا يتميزون بخلقين :

      ـ عظم الكفاءة ـ ونكران الذات

      ذلك ما استفادوه من إيمانهم الوثيق بالإسلام .

      قدرة ملحوظة فى مجالات النشاط الإنسانى ، وإخلاص لله يدفع أحدهم إلى الجود بما عنده : " وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى " ( الليل : 19 )

      والغريب أن الخلف الطالح جاء على الضد فهو مكشوف العجز فى جنبات الدنيا مادياً وأدبياً وهو طالب شهرة يجرى وراءها كالطفل الغرير ، ويريد أن يرمقه الناس بالتجلة على غير شىء &#33;

      إن خصومنا لم يخرقوا العادات فيما يفعلون ويتركون ، لقد رأيتهم منطقيين فى شتى أحوالهم .

      أما نحن فقد هبطنا عن المستوى العادى ولم نكن منطقيين فى تصرفاتنا ومن وراء هذا الخلل الجسيم البعثيون والقوميون الذين نفثوا سمومهم فى كل شىء فقد جرءوا العرب على قطع نسبهم إلى الإسلام ثم جرءوهم على اطراح عقائده وفضائله ، ثم وثبوا على الحكم عقب انقلابات مصطنعة لا تتصل بالشعوب العربية من قريب أو بعيد ، ثم أخذوا يتعسفون السير نحو أغراضهم على حطام من الداخل وإن كان الظاهر مزوقاً كانت النكبة ..

      فهل تعلم العرب من هزائمهم المترادفة أن يثوبوا إلى رشدهم ؟

      كلا .. ولقد راقبت الانقلابات التى وقعت فى أرجاء العالم الإسلامى وأزعجنى أنها وقعت لمحاربة عوج ، وإقرار خير ، فإذا العوج بعدها يزيد والخير ينكمش ..

      واهتبل أعداء الإسلام الفرصة فضاعفوا أرباحهم فى بلاده ، وإيهانهم لقضاياه حتى لكأنهم كانوا مع هذه الانقلابات على موعد &#33;&#33;

      ففى أفريقيا حيث حيكت مؤامرات ماكرة لسحق الإسلام وطى أعلامه رأينا ديننا الجريح يدوخ تحت ضربات موجعة يفقد بعدها الكثير من تراثه وسلطانه وكرامته ..

      ونشأ عن ذلك ـ فى أقرب البقاع علينا ـ أن ضاع السودان الجنوبى بجرة قلم وتحقق حلم الصليبية العالمية التى تسعى وراءه من خمسين سنة ، فكسبت 250 ألف ميل مربع من الأرض .

      وتاحت فرصة غريبة لعشر السكان المسيحى أن يتحكم فى البقية الضائعة ويمحو منه الإسلام .

      وسنرى كم ستكسب " إسرائيل " من هذا التصرف .

      إن أغلب الانقلابات التى حدثت رتب وظائف الدولة العليا والوسطى على أساس أهدرت فيه الكفاءات إهداراً مزعجاً ..

      وتصور معيداً فى كلية يصبح عميدها ، أو كاتباً فى محكمة يصبح رئيسها ، لكن هكذا تجرى الأمور فى غيبة الدين والدنيا معاً .

      لقد أبى المتنبى الذهاب إلى الأندلس ، لأنه أدرك تفاهة حكامها من ضخامة الألقاب التى يحملونها ، وكأن الرجل يصف أحوال العرب فى عصرنا هذا لا فى عصره هو عندما قال :

      فى كل أرض وطئتها أمم .. .. .. .. .. .. .. .. يقودها عبد كأنها غنم &#33;

      إن العرب الآن يخوضون معركة بقاء أو فناء ..

      وفى غيبة الإيمان وتقاليده وشمائله عن مجتمعاتهم نمت أخلاق أخرى لا تصلح بها حياة ولا تضمن بها أخرى .

      ومن الخير أن يتحسسوا هذا البلاء فى صفوفهم فيحسموه .

      إن الحقائق تفرض نفسها طوعاً أو كرهاً مهما تجاهلناها ، وعندما يكون الشعب شكلاً لا موضوع له فهو صفر .

      وعندما يكون الرؤساء أوراقاً مالية ليس لها غطاء نقدى محترم فهم عملة زائفة ، قد تروج بين المغفلين ، ولكن إلى حين ..

      على العرب أن يعيدوا تشكيل نفوسهم وصفوفهم ومتقدميهم ومتأخريهم وفق القانون الإلهى العتيد " ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب . من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً " ( النساء : 123 ) .

      ـ ما يفعل الله للعرب إذا كان خصومهم يحترمون كلام أنبيائهم ورؤساء العرب يستهينون بكلام نبيهم ؟

      ـ ما يفعل الله للعرب إذا كان خصومهم فى كل ميدان يقودهم أقدرهم وأشجعهم ، أما قادة العرب فأخلاط من الناس فرضتهم فى أماكنهم حظوظ سيئة ؟

      ـ ما يفعل الله للعرب إذا كانوا يهزلون وخصمهم جاد ؟

      لا بد من إعادة النظر فى شأننا كله ، وإلا حقت علينا كلمة ربك .

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #63
        <div align="center">الباب السابع
        مع التيار الشيوعى والإلحادى
        </div>

        ـ لابد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #64
          ALSALAMU ALAIKUM ALL MUSLIMS
          BARAK ALLAH FEEK OUR BROTHER AND MAY ALLAH SHOWER HIS MERCY ON THE SOUL OF OUR BELOVED SHAIKH MUHAMMAD AL-GHAZALI AND ALL OUR SCHOLARS INSHA&#39;LLAH
          I ALWAYS WAIT FOR THE NEXT PART AND I WISH U POST THE WHOLE BOOK IF U CAN INSHA&#39;ALLAH
          ALSALAMU ALAIKUM

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #65
            جزااااااااااااااااااااااك الله خيرا

            وبانتظار البقية.
            مسلمة

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #66
              <div align="center">الباب السابع
              مع التيار الشيوعى والإلحادى
              </div>


              <div align="center">لا بد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها </div>
              فى مواجهة التيارات الفكرية الهاجمة علينا أصدرت عدة مؤلفات تتحدث عن النظام الاقتصادى الإسلامى ، كما تصورته من كتاب الله وسنة رسوله وتطبيقات الخلافة الراشدة ، وكان يغلب علي ـ وأنا أقدم هذا التصور ـ أمران :

              ـ اطلاع المثقفين المعاصرين من خريجى المعاهد المدنية على الجوانب المضيئة من تراثنا والمغنية عما سواها ، حتى يكون تعلقهم بدينهم لا بغيره .

              ـ ثم الإزراء على الأوضاع المعوجة السائدة ، ورفض السناد الدينى الذى تنتحله لنفسها .

              وأعترف بأنى تجوزت فى التعبير أحياناً ، وقبلت بعض العناوين الشائعة " كالديمقراطية " فى ميدان الحكم " والاشتراكية " فى ميدان الاقتصاد ، لا لإعجابى بهذه العناوين ، ولكن لأجعل منها جسراً يعبر عليه الكثيرون إلى الإسلام نفسه ، أى أنى أريد نقل " الديمقراطيين " و " الاشتراكيين " إلى الإسلام بعدما أوضحته وأبرزت معالمه ، لا أنى أريد صبغ الإسلام بصبغة أجنبية أو نقله إلى مذاهب مستوردة ..

              وقد جاء من بعدى الأستاذان " سيد قطب " و " مصطفى السباعى " ـ عليهما رحمة الله ، فألف الأول " العدالة الاجتماعية فى الإسلام " ، وألف الأخير " اشتراكية الإسلام " وهما يقصدان ما قصدت إليه من رد المفتونين بالمبادئ الجديدة إلى مواريث أسمى وأغنى ..

              وربما كان ما كتباه أفضل مما كتبته أنا وأكثر تنظيماً .

              وعذرى أننى كنت رائداً تدمى أظافرى فى الاكتشاف والتدوين ، فإذا جاء من بعدى ووجد حقائق ممهدة كان على تنسيقها أقدر وعلى صوغها أدق &#33;&#33;

              ومما لا ريب فيه أن الإسلام دين تنهض دعائمه الأولى على الإيمان بالله واتباع ما أوحاه إلى رسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن عقائده وعباداته ليست مجال أخذ ورد .

              لكن " نظام الحكم والمال " فيه يعتمد على نصوص محدودة ، ثم على قواعد وأقيسة ومبادئ ومصالح كثيرة ..

              وقد جمد " الفقه الدستورى " لدينا من أعصار بعيدة ، ثم جمد بعده " فقه الفروع " منذ أغلق باب الاجتهاد حتى فتحه أناس ليسوا موضع طمأنينة ..

              كان رجال القانون فى أوربا وأمريكا ـ منذ قرنين ـ يضعون الدساتير التى تقيد الملوك والرؤساء ، وتبرز سلطات الأمم فى وجه الحاكم الفردى المطلق .

              أما نحن فكان المطلوب منا أن ندعو إلى الإسلام .. وحسب ، والذين يشمئزون من كلمة " ديمقراطية " لا يفكرون فى القيام بجهد عملى بنقل " الشورى " الإسلامية من ميدان الفكر النظرى المطلق إلى قوانين دقيقة تنصف الجماهير العانية وتضبط سلطات الولاة على اختلاف ألقابهم .

              ونحن نسمى هذا التزمت بلادة ، وربما اتهمنا بواعثه النفسية ، وإذا كان أصحابه مخلصين فهو إخلاص " الدبة " التى قتلت صاحبها ، وقد أصاب الإسلام أعظم الضرر من هؤلاء &#33;&#33;

              تأمل فى هذه القصة التى ذكرها الشيخ الكبير محمد رشيد رضا قال :

              إن الخديوى إسماعيل استدعى رفاعة الطهطاوى وخاطبه :

              " يا رفاعة ، أنت أزهرى تعلمت فى الأزهر وتربيت به ، وأنت أعرف الناس بعلمائه ، وأقدرهم على إقناعهم بما ندبناك له .. إن الفرنجة قد صارت لهم حقوق ومعاملات كثيرة فى هذه البلاد ، وتحدث بينهم وبين الأهالى قضايا ، وقد شكا الكثيرون إلىّ أنهم لا يعلمون أيحكم لهم أم عليهم فى هذه القضايا ؟ ولا يعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم .. لأن كتب الفقه التى يحكم بها علماؤنا معقدة وكثيرة الخلاف ، فاطلب من علماء الأزهر أن يضعوا كتاباً فى الأحكام المدنية الشرعية تشبه كتب القانون فى تفصيل المواد واطراح الخلاف ، حتى لا تضطرب أحكام القضاة ، فإن لم يفعلوا وجدتنى مضطراً للعمل بقانون " نابليون " الفرنسى &#33;&#33; " ( فى كتاب تاريخ المحاكم المختلطة والأهلية للأستاذ عزيز خانكى ، وتسمى الآن المحاكم الوطنية ، والنقل عن مجلة " المسلم " )

              قال رفاعة الطهطاوى ـ مجيباً الخديوى ـ : يا أفندينا : إنى سافرت إلى أوربا ، وتعلمت فيها ، وخدمت الحكومة ، وترجمت كثيراً من الكتب الفرنسية ، وقد شخت ، وبلغت إلى هذه السن ، ولم يطعن فى دينى أحد ، فإذا اقترحت الآن هذا الاقتراح بأمر منكم طعن علماء الأزهر فى دينى ، وأخشى أن يقولوا : إن الشيخ رفاعة ارتد عن الإسلام آخر عمره ؛ إذ يريد تغيير كتب الشريعة وجعلها مثل كتب القوانين الوضعية .. فأرجو أن يعفينى أفندينا من تعريض نفسى لهذا الاتهام ؛ لئلا يقال : مات كافراً . فلما يئس الخديوى .. أمر بالعمل بالقوانين الفرنسية ..

              والقصة المحزنة تحكى فساد الأمراء والعلماء جميعاً ، وتكشف أن ما أصاب المسلمين من شتات وخزى ليس بلاء يؤجرون عليه ، ولكنه عقاب يستحقونه " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " .

              ولقد كنت أسأل نفسى : نحن نكافح هذه القوانين المستوردة من الخارج وما تتضمنه من فساد وإلحاد ، فكيف دخلت بلادنا ، وماذا كان موقف العلماء منها يوم جاءت ، ولِم لمَ يموتوا دون تحكيمها فى مجتمعنا ؟

              ثم علمت أن موتنا الأدبى هو الذى مهد لقبولها واستقرارها .. ومع نهضتنا الإسلامية الحالية بدأت تشريعات جنائية ومدنية تستقى من ينابيع الإسلام الأصيلة ، ولا ريب أننا نملك أعظم ثروة تشريعية فى القارات الخمس غير أنها دفينة فى صحائف مهجورة ومصبوبة فى قوالب قديمة ، ونستطيع أن نسترشد بها فى إقامة صرح قانونى إسلامى شامخ ..

              ويبقى قبل ذلك وبعده أن يزدهر الفقه الدستورى عندنا ، ويتخلص من أوهام العصور المتخلفة ورعايا حكام الجور ..

              يبقى أن تتحول كلمة " الخلافة الراشدة " مفصلة : " إن رأيتم خيراً فأعينونى وإن رأيتم شراً فقومونى " .. إلخ .. إلى مواد مفصلة لدستور إسلامى يمنع الطغيان ، وينعش الأمم ، ويضع سياجاً متيناً حول كل حق خاص أو عام ..

              وقبل أن نحتقر كلمة " ديمقراطية " ونجبه قائليها نقدم العوض الإسلامى عنها وعن آثارها القريبة والبعيدة .

              وأى حرج فى أن ننتفع بتجارب الماضى الطويل عندنا وعند غيرنا ونحن نضع الدساتير ؟

              وما يقال فى الجانب السياسى يقال فى الجانب الاقتصادى ..

              إن ديننا يروع بما حوى من تعاليم تحقق الأخوة وتضمن الكرامة وتحارب الجوع والذل والبطالة والضياع .. ثم إنه حرم الاحتكار والاستغلال والربا والترف .

              وجملة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فى هذا الميدان تكون صورة اجتماعية زاكية راقية .

              ولا نقول : تكوّن مذهباً اجتماعياً مستقلاً ، فإن الآثار الإسلامية الموصولة بهذا الشأن لا تعدو أن تكون فروعاً من الشجرة الكبيرة التى تضم تعاليم الإسلام جمعاء ، أو بتعبير آخر هى بعض شعب الإيمان التى تبلغ الستين أو السبعين شعبة ..

              والجهد الإسلامى الواجب : إذا كان الإنسان يوفر الكرامة للإنسان ، فما هى العناصر التى يستجمعها ، لإنشاء بيئة تنبت العز ، ولمنع البيئة التى تنبت الهوان ؟ وكيف يصوغ هذه العناصر قوانين ضابطة لأحوال الأمم ؟

              إذا كان الإسلام يمقت الفقر ويحب الاستغناء ، فما هى العناصر التى يحشدها ليستغل خبرات الأرض فى البر والبحر ؟ وكيف يجند الهمم للكدح والكفاح ؟ ثم كيف يصوغ ذلك كله قوانين تحيل الجماعة الإسلامية إلى خلية ناشطة منتجة ؟

              إن المسلمين ظلوا أمداً :

              ـ يحتفون بالأنساب أكثر مما يحتفون بالأعمال .

              ـ ويؤخرون العلم ويقدمون الحظ .

              ـ ويريقون الأوقات على مصاطب اللغو والثرثرة أكثر مما يستغلون الأوقات فى الجد .

              ـ وتحكمهم تقاليد ابتدعوها أكثر مما تحكمهم مواريث الدين ذاته ..

              بل جعلوا العلم بالدين وظيفة الهمل والمغموصين .. فكان العقاب الأعلى لهذه الخيانات الباطنة والظاهرة أن سقطت الأمة الإسلامية على الصعيد العالمى هذا السقوط الذريع ، وانسحب ذلك على دينها ، فلم يصدق الناس أنه رحمة للعالمين .. &#33;&#33;

              لقد بذلنا ـ أول العهد بالتأليف ـ جهداً حسناً فى سبيل تقديم الإسلام متجاوباً بل متبنياً لآمال الشعوب فى الكرامة والتقدم ، وأمطنا اللثام عن نصوص كانت موجودة بداهة ، ولكن العيون كانت تتجاوزها .

              وربما أخطأنا فى الشرح والاستنتاج ـ والخطأ خليقتنا ـ لكن هذه الكتابات إذا جردناها من حرارة الشباب وسكبنا عليها قليلاً من برودة الشيخوخة ، أمكن استخلاص المادة التى تسن منها قوانين تشرف الأمة الإسلامية وترفع كفتها ..

              إن الإنكليز فى سبيل صد الشيوعية وصلوا إلى تأميم الطب ، وكفالة العيش لكل عاطل حتى يجد العمل .

              وغيرهم ابتكر ضروباً من الاشتراكية سدت الباب سداً أمام اليسار المغرى ، فهل يغنى عنا أن نقول : فى الإسلام ما يكفى ويشفى دون أن نترجم تعاليمه إلى دساتير وقوانين ؟

              ولكى نعرف كيف يتصرف غيرنا ليخدم نفسه ويحقق غرضه ننقل هذه الكلمات من رسالة عن " المخطط الشيوعى " للدكتور إبراهيم دسوقى أباظة جاء فيها : " ينفرد المخطط الشيوعى بخاصة نفاذة ، فهو يجمع عند الماركسى الحق بين التواء الأسلوب وصدق العقيدة ، فكل ما يوصل إلى الغاية تسوغه الغاية وإن كان يصدم مرحلياً بجوهرها ، وكل ما يحمل إلى الهدف يبرره الهدف ، وإن بدا مناهضاً لمنطقه ..

              " ـ وهكذا التحق " المراكسة " بالوطنية وهم العالميون &#33; ..

              " ـ وانتعلوا نزعة القومية وهم اللاقوميون &#33; ..

              " ـ واعتصموا بحبل الدين وهم الملحدون " &#33;

              ويقول : " وبين دول العالم الثالث لم يعد الدين أفيون الشعوب ـ لمكانة الدين فى شعوب هذا العالم ـ وإنما أصبح الشعار المرفوع : الدين لله والشيوعية للجميع ..

              " أو كما قال " قسيس أحمر " : ننظم حياتنا هنا كما نحب فإذا جاءت الآخرة نظرنا كيف نتصرف &#33;&#33; ..

              " وعلى هذا الأساس تحرك الحزب الشيوعى فى إيطاليا وفرنسا ، وفى السودان واليمن الجنوبى ولا يزال بعضنا يدافع عن التراث الإسلامى بتفكير عصر المماليك " &#33;&#33;

              وحتى نعرف عدونا وما يصنع نقرأ هذه الكلمات " إن الإعلام الشيوعى اكتسب منذ السنوات الأولى للثورة الحمراء قدرات لم تعرف من قبل ، إذ أصبح قوة مؤثرة فى صنع الفكر وتوجيه الحركات الثقافية فى أنحاء العالم .. ويكفى للتدليل على حجم هذا الإعلام ما ورد فى إحصاءات الأمم المتحدة أخيراً أن الاتحاد السوفيتى يحتل المركز الأول فى إنتاج الكتب إذ يصدر يومياً 3700000 كتاب ، أى ما يوازى ربع إنتاج العالم ويبلغ ما تنتجه المطابع السوفيتية فى الدقيقة الواحدة 20500 نسخة ، ولعل فى هذا الأرقام ما يكفى ، بل ما يصرخ بالمراد " .

              ترى ماذا تنتج المطابع الإسلامية ؟ لا رقم يذكر هنا ، لأنه لا مجال للمقارنة ، إننا نحن المؤلفين المسلمين نلتقط أنفاس الحياة بأعجوبة &#33;

              ويستطرد الدكتور أباظة فيقول : " ونجاح الاتحاد السوفيتى فى إدراك هذا المستوى العالى من الإنتاج الإعلامى يعود إلى ما تقرر خلال الأيام الأولى لقيام الثورة فقد أصدرت الحكومة فى 29 / 12 / 1917 مرسوماً حددت فيه مبادئ ونظم نشر الكتاب " .

              ويعتقد الشيوعيون أن الصحافة والكتب من أهم وسائل الثورة الثقافية أو بتعبير آخر من أهم وسائل الانقلاب الفكرى الذى ينشدونه ولا شك أن الكتب والرسائل المؤلفة بذكاء من أمضى الأسلحة فى القضاء على الأفكار والنظرات المعارضة ، وبث الآراء والتصورات الماركسية .

              وتقول الأرقام إن عدد الجرائد فى الاتحاد السوفيتى 7937 ، ويبلغ مجموع النسخ من كل طبعة 120 مليون ويصدر منها فى العام الواحد 26 مليار و 655 مليون نسخة .

              أما عدد المجلات فقد بلغ 4704 يصدر منها فى كل طبعة 132 مليون نسخة وبديهى أن هذا الإنتاج الضخم يتوزع على روسيا وغيرها من المؤسسات الشيوعية فى أرجاء العالم ، وهو يطبع باللغات المحلية واللهجات الوطنية " .

              ذاك ما تبذله لتوضيح وجهة نظرها دولة تحتل الصف الأول فى التسلح العسكرى ، وإذا كانت الأمور قد تذكر بأضدادها فلا بأس من إيراد هذه النكتة ..

              كتبت يوماً كلمة أشرح فيها اعتماد الإسلام على الإقناع فى نشر تعاليمه وأنه ما يلجأ إلى السيف إلا حيث يلقى السيف .

              وهذه الكلمة جزء من فصل طويل فى كتابى " الاستعمار أحقاد وأطماع " .

              وفوجئت بعد نشر هذه الكلمة بكاتب لا أعرف ما هو يتهمنى بالضعف والاستسلام لآراء المستشرقين ، ويقول : إن الإسلام يعتمد على القوة فى انطلاقه &#33;

              فقلت : زعم أولاد البلد أن أصم وكسيحاً ومفلساً ركبوا زورقاً لينقلهم إلى الشاطىء الآخر للنهر ، وبينما الزورق فى وسط الأمواج قال الأصم : كأنى أسمع دبيب نملة على الشاطىء ، فرد الكسيح : صه وإلا ركلتك فى الماء ، وأجاب المفلس : الذى تعرف ديته أقتله ..

              أى قوة تتحدث عنها أيها المسكين ؟ ولنفرض جدلاً أن الإسلام يملك قوة تجعله المتفرد بالسلطان على الأرض &#33;&#33; هل يعنى ذلك أن الدعوة ليست وسيلته الفذة ؟ وأن اعتماده الأعظم ليس على وسائل الإعلام ؟ إنه ما يلجأ إلى القوة إلا يوم تكون كسراً للعدوان ، وحطماً للطغيان وكفكفة لشرور المغرورين وناشدى العلو والفساد فى الأرض ..

              لكن المغفلين كثيرون ، والطامة الكبيرة أن يملك هؤلاء السفهاء قدرة على الكلام فى الإسلام ومناوشة علمائه &#33;&#33;

              ونعود إلى موضوعنا : إن شرح الإسلام بصورة عامة ، وشرح الجانب الاجتماعى والاقتصادى منه بصورة خاصة يحتاج إلى بصر بالحياة المعاصرة وقضاياها المعقدة ومبلغ تغلغل الدولة فى شئون الأفراد والجماعات ، بل ويصر بما تضمنه الإسلام من نصوص وآثار وما توحى به هذه النقول من دلالات قريبة وبعيدة ..

              ثم صوغ ذلك قيماً ومبادئ وقوانين سهلة سائغة ، على أن يساند هذا البلاغ تطبيق ناجح ونموذج عملى محترم &#33;&#33;

              وبقى أن نعرف عن الشيوعيين شيئاً آخر .. دعاواهم العريضة عن منطقهم العلمى وفلسفتهم الواقعية ، ولا أعرف مفلساً أكثر حديثاً عن ثروته الطائلة من الشيوعى الملحد الذى يكثر الحديث عن أسانيد كذبه ودلائل زيفه ..

              لا شىء هنالك غير جرأة فى اتهام الناس بالرجعية والجمود .

              واتهام المؤمنين بأنهم مخرفون نقلة أوهام ليس جديداً فى تاريخ الدنيا ، إنه ذات الاتهام الذى كان يقوله عرب الجزيرة لصاحب الرسالة من أربعة عشر قرناً " حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا : إن هذا إلا أساطير الأولين " ( الأنعام : 25 )

              والشيوعية نفسها فى ميدان التطبيق الاقتصادى نظام فاشل ، فإنتاجها الزراعى أقل من غيره ، وإنتاجها الصناعى أردأ من غيره ، والقول " بحتمية الحل الاشتراكى " لون من السفسطة والكذب العام .

              وقد قلنا إنها نظام سياسى نجح فى قتل المعارضة لأن أرزاق الناس جميعاً تجرى من بين أصابع الحاكمين ..

              وقد أصابنا مس من الفكر الشيوعى فى حياتنا الاجتماعية فإذا اليوم ينعق فى ساحات كانت قبل عامرة ، لم تجن الجماهير غير الشؤم والفزع والخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ..

              إن العقل العلمى قد ينقص كثيراً من المتدينين أما أنه ينقص الدين نفسه فلا ثم لا .. كيف والتفكير فريضة إسلامية ، والنظر الواعى إلى الكون والناس ركن ركين فى الإيمان .

              إن الجو الصحو الدافئ هو وحده الذى ينمو فيه الإسلام ويزدهر ، فإذا تقاصر الشعاع وانتشر الغيم شرع الإسلام يرحل &#33;

              وربما بقيت جماهير تتعلق بأذياله وهو مول ذاهب ، لكن الظن لا يغنى من الحق شيئاً ، والأثر لا يغنى عن العين نفسها ..

              وبعض الناس أقلقه من الشيوعية أنها تذهب بما يملك وهو كثير كثير وما ننظر إلى أولئك ونحن نحارب الشيوعية ، وإنما ننظر فى المقام الأول إلى هذا الإلحاد الحقود الأعمى المخاصم لله وأنبيائه جميعاً ، المتبرم بالوحى الأعلى وتوجيهاته للناس .

              ونحب بالمنطق العلمى أن يعرف القاصى والدانى أن الله حق ، وأنه مشرف على العالم يدير أمره ويهب له وجوده ، ويحسب على كل عاقل مسالكه ، وما قدم وما أخر " الله لا إله إلا هو الحى القيوم " .

              <div align="center">* * * * *</div>

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #67
                دار بينى وبين أحد الملاحدة جدال طويل ، ملكت فيه نفسى وأطلت صبرى حتى ألقف آخر ما فى جعبته من إفك ، وأدمغ بالحجة الساطعة ما يوردون من شبهات ..

                قال : إذا كان الله قد خلق العالم فمن خلق الله ؟

                قلت له : كأنك بهذا السؤال أو بهذا الاعتراض تؤكد أنه لا بد لكل شىء من خالق &#33;&#33;

                قال : لا تلقنى فى متاهات ، أجب عن سؤالى .

                قلت له : لا لف ولا دوران ، إنك ترى أن العالم ليس له خالق ، أى أن وجوده من ذاته دون حاجة إلى موجد ، فلماذا تقبل القول بأن هذا العالم موجود من ذاته أزلاً وتستغرب من أهل الدين أن يقولوا : إن الله الذى خلق العالم ليس لوجوده أول ؟

                إنها قضية واحدة ، فلماذا تصدق نفسك حين تقررها وتكذب غيرك حين يقررها ، وإذا كنت ترى أن إلهاً ليس له خالق خرافة ، فعالم ليس له خالق خرافة كذلك ، وفق المنطق الذى تسير عليه .. &#33;&#33;

                قال : إننا نعيش فى هذا العالم ونحس بوجوده فلا نستطيع أن ننكره &#33;

                قلت له : ومن طالبك بإنكار وجود العالم ؟

                إننا عندما نركب عربة أو باخرة أو طائرة تنطلق بنا فى طريق رهيب ، فتساؤلنا ليس فى وجود العربة ، وإنما هو : هل تسير وحدها أم يسيرها قائد بصير &#33;&#33;

                ومن ثم فإننى أعود إلى سؤالك الأول لأقول لك : إنه مردود عليك ، فأنا وأنت معترفان بوجود قائم ، لا مجال لإنكاره ، تزعم أنه لا أول له بالنسبة إلى المادة ، وأرى أنه لا أول لها بالنسبة إلى خالقها .

                فإذا أردت أن تسخر من وجود لا أول له ، فاسخر من نفسك قبل أن تسخر من المتدينين ..

                قال : تعنى أن الافتراض العقلى واحد بالنسبة إلى الفريقين ؟

                قلت : إننى أسترسل معك لأكشف الفراغ والادعاء الذين يعتمد عليهما الإلحاد وحسب ، أما الافتراض العقلى فليس سواء بين المؤمنين والكافرين ..

                إننى ـ أنا وأنت ـ ننظر إلى قصر قائم ، فأرى بعد نظرة خبيرة أن مهندساً أقامه ، وترى أنت أن خشبة وحديدة وحجرة وطلاءة قد انتظمت فى مواضعها وتهيأت لساكنيها من تلقاء أنفسها ..

                الفارق بين نظرتينا إلى الأمور أننى وجدت قمراً صناعياً يدور فى الفضاء ، فقلت أنت : " انطلق وحده دونما إشراف أو توجيه " وقلت أنا : بل أطلقه عقل مشرف مدبر ..

                إن الافتراض العقلى ليس سواء ، إنه بالنسبة إلىّ الحق الذى لا محيص عنه ، وبالنسبة إليك الباطل الذى لا شك فيه ، وإن كل كفار عصرنا مهرة فى شتمنا نحن المؤمنين ورمينا بكل نقيصة فى الوقت الذى يصفون أنفسهم فيه بالذكاء والتقدم والعبقرية ..

                إننا نعيش فوق أرض مفروشة ، وتحت سماء مبنية ، ونملك عقلاً نستطيع به البحث والحكم ، وبهذا العقل ننظر ونستنتج ونناقش ونعتقد .

                وبهذا العقل نرفض التقليد الغبى كما نرفض الدعاوى الفارغة ، وإذا كان الناس يهزءون بالرجعيين عبيد الماضى ويتندرون بتحجرهم الفكرى ، فلا عليهم أن يهزءوا كذلك بمن يميتون العقل باسم العقل ، ويدوسون منطق العلم باسم العلم ، وهم للأسف جمهرة الملاحدة .. &#33;&#33;

                لكننا نحن المسلمين نبنى إيماننا بالله على اليقظة العقلية والحركة الذهنية ، ونستقرئ آيات الوجود الأعلى من جولان الفكر الإنسانى فى نواحى الكون كله .

                فى صفحة واحدة من سورة واحدة من سور القرآن الكريم وجدت تنويهاً بوظيفة العقل اتخذ ثلاث صور متتابعة فى سلم الصعود ، هذه السورة هى سورة الزمر ، وأول صورة تطالعك هى إعلاء شأن العلم والغض من أقدار الجاهلين : " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب " .

                ثم تجىء الصورة الثانية لتبين أن المسلم ليس عبد فكرة ثابتة أو عادة حاكمة بل هو إنسان يزن ما يعرض عليه ويتخير الأوثق والأزكى " فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " ( الزمر : 9 )

                ثم يطرد ذكر أولى الألباب للمرة الثالثة فى ذات السياق على أنهم أهل النظر فى ملكوت الله الذين يدرسون قصة الحياة فى مجاليها المختلفة لينتقلوا من المخلوق إلى الخالق " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب " ( الزمر : 21 )

                وظاهر من الصور الثلاث فى تلك الصفحة من الوحى الخاتم أن الإيمان لمبتوت الصلة بالتقليد الأعمى أو النظر القاصر أو الفكر البليد .

                إنه يلحظ إبداع الخالق فى الزروع والزهور والثمار ، وكيف ينفلق الحمأ المسنون عن ألوان زاهية أو شاحبة توزعت على أوراق وأكمام حافلة بالروح والريحان ، ثم كيف يحصد ذلك كله ليكون أكسية وأغذية للناس والحيوان ، ثم كيف يعود الحطام والقمام مرة أخرى زرعاً جديد الجمال والمذاق تهتز به الحقول والحدائق ، من صنع ذلك كله ؟

                قال صاحبى وكأنه سكران يهذى : الأرض صنعت ذلك &#33;&#33;

                قلت : الأرض أمرت السماء أن تهمى والشمس أن تشع وورق الشجر أن يختزن الكربون ويطرد الأوكسجين والحبوب أن تمتلئ بالدهن والسكر والعطر والنشا ؟؟

                قال : أقصد الطبيعة كلها فى الأرض والسماء &#33;

                قلت : إن طبق الأرز فى غذائك أو عشائك تعاونت الأرض والسماء وما بينهما على صنع كل حبة فيه ، فما دور كل عنصر فى هذا الخلق ؟ ومن المسئول عن جعل التفاح حلواً والفلفل حريفاً أهو تراب الأرض أم ماء السماء ؟

                قال : لا أعرف ولا قيمة لهذه المعرفة &#33;&#33;

                قلت : ألا تعرف أن ذلك يحتاج إلى عقل مدبر ومشيئة تصنف ؟

                فأين ترى العقل الذى أنشأ والإرادة التى نوعت فى أكوام السباخ أو فى حزم الأشعة ؟؟

                قال : إن العالم وجد وتطور على سنة النشوء والارتقاء ولا نعرف الأصل ولا التفاصيل &#33;&#33;

                قلت له : أشرح لكم ما تقولون &#33; تقولون : إنه كان فى قديم الزمان وسالف العصر والأوان مجموعة من العناصر العمياء ، تضطرب فى أجواز الفضاء ، ثم مع طول المدة وكثرة التلاقى سنحت فرصة فريدة لن تتكرر أبد الدهر ، فنشأت الخلية الحية فى شكلها البدائى ثم شرعت تتكاثر وتنمو حتى بلغت ما نرى &#33;&#33; هذا هو الجهل الذى أسميتموه علماً ولم تستحوا من مكابرة الدنيا به &#33;&#33;

                أعمال حسابية معقدة تقولون : إنها حلت تلقائياً ، وكائنات دقيقة وجليلة تزعمون أنها ظفرت بالحياة فى فرصة سنحت ولن تعود &#33;&#33; وذلك كله فراراً من الإيمان بالله الكبير &#33;&#33;

                قال وهو ساخط : أفلو كان هناك إله كما تقول كانت الدنيا تحفل بهذه المآسى والآلام ، ونرى ثراء يمرح فيه الأغبياء وضيقاً يحتبس فيه الأذكياء ، وأطفالاً يمرضون ويموتون ، ومشوهين يحيون منغصين ..

                قلت : لقد صدق فيكم ظنى ، إن إلحادكم يرجع إلى مشكلات نفسية واجتماعية أكثر مما يعود إلى قضايا عقلية مهمة &#33;&#33;

                ويوجد منذ عهد بعيد من يؤمنون ويكفرون وفق ما يصيبهم من عسر ويسر " ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة " ( الحج : 11 )

                قال : لسنا أنانيين كما تصف نغضب لأنفسنا أو نرضى لأنفسنا ، إننا نستعرض أحوال البشر كافة ثم نصدر حكمنا الذى ترفضه ..

                قلت : آفتكم أنكم لا تعرفون طبيعة هذه الحياة الدنيا ووظيفة البشر فيها ، إنها معبر مؤقت إلى مستقر دائم ، ولكى يجوز الإنسان هذا المعبر إلى إحدى خاتمتيه لا بد أن يبتلى بما يصقل معدنه ويهذب طباعه ، وهذا الابتلاء فنون شتى ، وعندما ينجح المؤمنون فى التغلب على العقبات التى ملأت طريقهم وتبقى صلتهم بالله واضحة مهما ترادفت البأساء والضراء فإنهم يعودون إلى الله بعد تلك الرحلة الشاقة ليقول لهم : " يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون " ( الزخرف : 68 )

                قال : وما ضرورة هذا الابتلاء ؟

                قلت : إن المرء يسهر الليالى فى تحصيل العلم ، ويتصبب جبينه عرقاً ليحصل على الراحة ، وما يسند منصب كبير إلا لمن تمرس بالتجارب وتعرض للمتاعب ، فإن كان ذلك هو القانون السائد فى الحياة القصيرة التى نحياها على ظهر الأرض فأى غرابة أن يكون ذلك هو الجهاد الصحيح للخلود المرتقب ؟

                قال ـ مستهزئاً ـ : أهذه فلسفتكم فى تسويغ المآسى التى تخالط حياة الخلق وتصبير الجماهير عليها ؟

                قلت : سأعلمك ـ بتفصيل أوضح ـ حقيقة ما تشكو من شرور ، إن هذه الآلام قسمان : قسم من قدر الله فى هذه الدنيا ، لا تقوم الحياة إلا به ، ولا تنضج رسالة الإنسان إلا فى حره ، فالأمر كما يقول الأستاذ العقاد : " تكافل بين أجزاء الوجود ، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر ، ولا معنى للكرم بغير الحاجة ، ولا معنى للصبر بغير الشدة ، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها ..

                " وقد يطرد هذا القول فى لذاتنا المحسوسة كما يطرد فى فضائلنا النفسية ومطالبنا العقلية ، إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع ، ولا نستمتع بالرى ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح .. "

                وهذا التفسير لطبيعة الحياة العامة ينضم إليه أن الله جل شأنه يختبر كل امرئ بما يناسب جبلته ، ويوائم نفسه وبيئته ، وما أبعد الفروق بين إنسان وإنسان ، وقد يصرخ إنسان بما لا يكترث به آخر ولله فى خلقه شئون ، والمهم أن أحداث الحياة الخاصة والعامة محكومة بإطار شامل من العدالة الإلهية التى لا ريب فيها .

                إلا أن هذه العدالة كما يقول الأستاذ العقاد : " لا تحيط بها النظرة الواحدة إلى حالة واحدة ، ولا مناص من التعميم والإحاطة بحالات كثيرة قبل استيعاب وجوه العدل فى تصريف الإرادة الإلهية . إن البقعة السوداء قد تكون فى الصورة كلها لوناً من ألوانها التى لا غنى عنها ، أو التى تضيف إلى جمال الصورة ولا يتحقق لها جمال بغيرها ، ونحن فى حياتنا القريبة قد نبكى لحادث يعجبنا ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته " .

                تلك هى النظرة الصحيحة إلى المتاعب غير الإرادية التى يتعرض لها الخلق .

                أما القسم الثانى من الشرور التى تشكو منها يا صاحبى فمحوره خطؤك أنت وأشباهك من المنحرفين .

                قال مستنكراً : أنا وأشباهى لا علاقة لنا بما يسود العالم من فوضى ؟ فكيف تتهمنا ؟

                قلت : بل أنتم مسئولون ، فإن الله وضع للعالم نظاماً جيداً يكفل له سعادته ، ويجعل قويه عوناً لضعيفه وغنيه براً بفقيره ، وحذر من اتباع الأهواء واقتراف المظالم واعتداء الحدود .

                ووعد على ذلك خير الدنيا والآخرة " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن لنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " .

                فإذا جاء الناس فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وتعاونوا على العدوان بدل أن يتعاونوا على التقوى فكيف يشكون ربهم إذا حصدوا المر من آثامهم ؟

                إن أغلب ما أحدق بالعالم من شرور يرجع إلى شروده عن الصراط المستقيم ، وفى هذا يقول الله جل شأنه : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " ( الشورى : 20 )

                إن الصديق رضى الله عنه جرد جيشاً لقتال مانعى الزكاة ، وبهذا المسلك الراشد أقر الحقوق وكبح الأثرة ونفذ الإسلام ، فإذا تولى غيره فلم يتأس به فى صنيعه كان الواجب على النقاد أن يلوموا الأقدار التى ملأت الحياة بالبؤس ؟&#33;

                قال : ماذا تعنى ؟

                قلت : أعنى أن شرائع الله كافية لإراحة الجماهير ، ولكنكم بدل أن تلوموا من عطلها تجرأتم على الله واتهمتم دينه وفعله &#33;&#33;

                ومن خسة بعض الناس أن يلعن السماء إذا فسدت الأرض ، وبدلاً من أن يقوم بواجبه فى تغيير الفوضى وإقامة الحق يثرثر بكلام طويل عن الدين ورب الدين .. &#33;&#33;

                إنكم معشر الماديين مرضى تحتاج ضمائركم وأفكاركم إلى علاج بعد علاج ..

                وعدت إلى نفسى بعد هذا الحوار الجاد أسألها : إن الأمراض توشك أن تتحول إلى وباء ، فهل لدينا من يأسو الجراح ويشفى السقام أم أن الأزمة فى الدعاة المسلمين ستظل خانقة ؟

                <div align="center">* * * * *</div>

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #68
                  ذكر الصحافى الشهير " أنيس منصور " أن العالمة الإنجليزية الدكتورة " مرجريت برنبريدج " مديرة مرصد " جرنيتش " قد اكتشفت أبعد نجم فى هذا الكون ، وقد سمى الفلكيون هذا النجم " كازار " وأطلقت عليه الدكتورة المكتشفة " كازار 172 " .

                  هذا الجسم يبعد عنا بمقدار 15600 مليون سنة ضوئية ، والسنة الضوئية كما ذكرنا من قبل تساوى ( 365 يوماً × 24 ساعة × 60 دقيقة × 60 ثانية × 186000 ميل وهى سرعة الضوء فى الثانية الواحدة ) .

                  ورد هذا النبأ فى مجلة الطبيعة ، ووصفت الدكتورة المكتشفة هذا النجم بأنه ساطع جداً .

                  ولهذه العالمة سبق فى ميدان الاكتشاف الفلكى إذ سجلت وجود نجم سماوى آخر فى أبريل الماضى سنة 1973 .

                  ولما سئلت الدكتورة عن اتساع الكون الذى نعيش فى جانب محدود منه قالت : لا أحد يعرف . إن هذه هى حدود معرفتى بالقدر الذى تسمح به عدسة قطرها ( 120 ) بوصة ، ولو كانت هناك عدسات أكبر أو أجهزة أقدر وأدق لاتسع أمامنا الكون ، أكثر وأكثر .

                  سئلت : هل الله موجود ؟ وكان جوابها : من المؤكد أنه موجود &#33;&#33;

                  قيل لها : ولكن لماذا ؟ فأشارت إلى السماء وقالت : لهذا &#33;&#33;

                  ومن قبل ذلك بنصف قرن عندما أعلن " أينشتين " نظرية " النسبية " سأله بعض الناس : هل الله موجود ؟

                  وكان الرد : رياضياً موجود &#33;&#33;

                  وسئل : وكونياً ؟ قال : موجود &#33;

                  قيل له : لماذا ؟ وكان الجواب : لهذا .. " وأشار إلى السماء " .

                  أقول إن القرآن الكريم أكثر الحديث عن السماء ، وهو يبنى الإيمان على التأمل فى الكون والنظر فى سعته ودقته وخصائص مادته واستقامة قوانينه " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون " ( الذاريات : 51 ) " ولقد جعلنا فى السماء بروجاً وزيناها للناظرين " ( الحجر : 16 ) " وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون " ( الأنبياء : 32 )

                  وهناك إيماءة علمية معجبة مثيرة فى الحديث عن النجوم وأبعادها السحيقة تحسها وأنت تقرأ قوله تعالى : " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " ( الواقعة :76 )

                  إن جملة " لو تعلمون " تشير إلى أن هناك حقائق كبيرة فوق مستوى العقل البشرى تتصل بهذه المواقع ، ترى على أوضحها الكشوف الفلكية الأخيرة ؟ ربما .. إذا كان الخطاب متجهاً إلى الناس فى عهد ابتداء الوحى .. إنهم لم يروا فى المراصد الحديثة أسرار القبة الزرقاء وما فيها من عجائب .. أما أهل هذا العصر فقد عرفوا ، وبهرهم ما عرفوا واضطرت جمهرتهم أن تقول : " سبحانك ما خلقت هذا باطلاً " ومع ذلك فنقول إن ما عرفه العلماء الآن شىء تافه بالنسبة إلى ما زوى عنهم ، فإن آلاتهم التى اعتمدوا عليها أرتهم القليل وعجزت عن الكثير ، ويبقى الخطاب القرآنى موجهاً إلى الأقدمين والمحدثين على سواء " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " .

                  إن الكون كبير ، وأكبر منه خالقه جل جلاله ..

                  وأعترف أنى لم أعرف ضآلة الأرض التى نحيا فوقها إلا بعد قراءات يسيرة فى علم الفلك ، بعدها فقط فهمت معنى الحديث القدسى " يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً . يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً " ( رواه الترمذى فى القيامة ، وغيره ) .

                  أومض فى بصيرتى شعاع عن عظمة الخالق الأعلى جعلنى أردد مع صاحب الوحى الخاتم وأصدق بشر فى الآخرين ، هذا التسبيح القانت ما جعلنى أكذب أساطير اليهود والنصارى التى تصف الله بأنه جلس يأكل مع عبده إبراهيم ، أو اشتبك فى صراع مع عبده يعقوب &#33;&#33;

                  قبحاً لهذا اللغو &#33; .. أكذلك يوصف رب المشارق والمغارب بديع السموات والأرض ، جاعل السموات والأرض ؟؟

                  وعدت إلى القرآن الكريم أنظر إليه بإعزاز ، وأتدبر آياته بأدب وأستمع إليه يصف الجاهلين بربهم فيقول :

                  " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " ( الزمر : 67 ) .

                  لكن لماذا التأمل فى السماء وحدها ؟ هل يحتاج اليقين إلى هذا النظر العالى ؟ إن هناك أنفسنا والأرض التى نعيش عليها ، يمكننا أن ننظر فيها ـ عن قرب ـ لنعتبر ونتعلم .. " وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون " ( الذاريات : 21 )

                  كنت أفكر فى مسألة علمية تحتاج إلى استغراق ومراجعة ، وكانت طفلتى تلعب قريباً منى تنظر إلىّ ولا يعنيها من تفكيرى شىء .. قلت : أنا وهى نماذج لأربعة آلاف مليون أو أكثر يسكنون هذه الكرة الطائرة فى فضاء الله تدور بقدر حول أمها الشمس ..

                  لكل فرد من هذه الألوف المؤلفة فكره الخاص ، وعالمه الذى يعيش داخله وطريقته فى الفهم والحكم على الأمور .

                  ترى لو انقطع التيار الذى تنير به هذه الأدمغة ، إلام تصير ؟

                  على كل حال إنه لم ينقطع ، وفى كل مخ تلافيفه التى يتحرك بها ويقوم عليها عالمه الخاص . سبحان من أبدع هذا كله ، سبحان من احتوت أصابعه قلوب الخلائق جميعاً يصرفها كيف يشاء .

                  وعدت إلى تعليق الأستاذ أنيس منصور على الكواكب المكتشفة ودلالة السماء على عظمة الله ، إنه يقول : " على الرغم من ضخامة الكون وعظمته وأبعاده التى لا ندرك لها حدوداً فإن هذا الكون أبسط من النفس الإنسانية وأسهل من الجسم الإنسانى ، وأصغر من الخلية الحية ..

                  " إن عظمة العالم تبرز فى تكوين الحياة نفسها ، إن الحياة فى الكائن الحى أروع وأعمق وأعقد وأصعب من نجم ملتهب يدور فى الفضاء السحيق بعيداً عن عيوننا وعدساتنا ..

                  " إن المسافة التى بينى وبين القمر أقرب جداً من المسافة التى بينى وبينك ، فالذى بينى وبينك صعب وغير مفهوم ..

                  " ومن هنا كان أى كائن حى مهما دق وزنه وحجمه أعظم من أى نجم غابر فى الأفق ..

                  " لست فى حاجة إلى أدلة على وجود الله نستوردها من السماء ـ وحدها ـ وإنما فى نفسك وجسمك وتحت قدميك توجد أعظم معجزات الخلق والإبداع " .

                  وفى هذا الكلام صدق كثير .. ليس من الضرورى أن يكون المرء فلكياً ليعرف عظمة ربه .. إن الرجل العادى يستطيع أن يعرف عن قدرة الله وحكمته وعلمه ورحمته ما ينمى الإيمان فى قلبه ولبه لو أنه نظر فقط إلى ما يأكله .

                  ولكن ناساً كثيرين " يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام . والنار مثوى لهم " ( محمد 12 )

                  <div align="center">* * * * *</div>

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #69
                    فى أرجاء الأمة الإسلامية ناس أشباه متعلمين يعلنون إلحادهم دون حياء ، ويزعمون أنهم ثوار على الرجعية ، عشاق للمعرفة ، ضائقون بالأفكار القديمة ، معتنقون للأفكار الحديثة &#33;&#33;

                    وكثيراً ما لقيت فى طريقى صوراً من هؤلاء الناس ، فأتفرس فى مسالكهم وأتأمل فى أقوالهم وأحوالهم ، ثم أذكر كلمة العقاد رحمه الله : هناك مقلدون فى كراهية التقليد &#33;

                    أما حديث العلم وتقدمه ، والكون وكشوفه فهو تعلة خادعة ينكرها العلم والعلماء ..

                    وأول ما نلحظه على أولئك الناس نقلهم لكلمات أوحت بها بيئات أخرى وترديدها فى بلادنا دون أى حساب لاختلاف الزمان والمكان والباعث والنتيجة &#33;&#33;

                    لقد كان الفيلسوف الألمانى " نيتشه " ملحداً ، وكان كفره بالله شديداً . ومما يؤثر عنه قوله فى الهجوم على الدين " عندما نستمع فى صباح الأحد إلى دقات الأجراس القديمة نتساءل : أهذا ممكن ؟ إن هذا كله من أجل يهودى صلب منذ ألفى عام كان يقول إنه ابن الله &#33;&#33; وهو زعم يفتقر إلى برهان ..

                    " لا جدال أن العقيدة المسيحية ـ هكذا يقول نيتشه ـ هى بالنسبة إلى عصرنا أثر قديم نابع من الماضى السحيق ، وربما كان إيماننا بها فى الوقت الذى نحرص فيه على الإتيان ببراهين دقيقة لكل رأى نعتنقه شيئاً غير مفهوم ، فلنتصور إلهاً أنجب أطفالاً من زوجة غانية ، وخطايا ترجع إلى الله ثم يحاسب هو نفسه عليها خوفاً من عالم آخر يكون الموت هو المدخل إليه &#33; لكم يبدو كل ذلك مخيفاً ، وكأنه شبح قد بعث من الماضى السحيق &#33; أيصدق أحد أن هذا ما زال يصدق " ؟

                    وهذا الطراز من الإلحاد هو الذى يحمل جرثومته بعض الناس ، يحسبون أنهم يفتنوننا به نحن المسلمين عن ديننا ويصرفوننا عن رسالتنا ..

                    وهو طراز يختلط فيه التقليد الأعمى بالنقص المركب ، أو حب الظهور بالحقد على المجتمع .. أما الزعم بأن العلم المادى ضد الدين ، وأن بحوثه المؤكدة وكشوفه الرائعة تنتهى بإنكار الألوهية فهذا هو الكذب الصراح .. &#33;

                    بل إن أساطين العلم والفلسفة تشابهت مقالاتهم فى إثبات الوجود الأعلى ، وتكاد فى وصفها لله تنتهى إلى ما انتهى إليه القرآن الكريم من توحيد وتمجيد ..

                    نحن لا ننكر أن خصاماً شديداً قد وقع بين العلم والدين فى أوربا حيث كان القول بكروية الأرض كفراً ، والقول بدورانها حول الشمس إلحاداً &#33;&#33;

                    ولا ريب أن هذه الجفوة المفتعلة بين حقيقة الدين وطبيعة العلم تركت آثاراً سيئة هنا وهناك ، بيد أن الاعتماد على هذا فى التجهم للإيمان الحق لا يسوغ ، فإن تجريد الدين من الشوائب التى لحقت به ، والتزام العلم للنهج السوى فى البحث عن الحقيقة قد انتهى بصلح شريف يذكرنا بقوله جل شأنه :

                    " سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد " ( فصلت ) .

                    كانت المادية هى بدعة القرن الماضى ، وكان الزعم السائد أنه لا وجود إلا للمادة ، وأن ما وراء المادة عدم محض وأن المادة لا تفنى ولا تستحدث ، وأن الدين بعد هذا كله أمسى لا مكان له &#33;&#33;

                    ثم مضت الحقائق العلمية تكشف عن وجهها فإذا مقررات الماضى تنسف من أصولها ، يقول الدكتور أبو الوفا التفتازانى : " كان العلم يتصور الأمور تصوراً مادياً بحتاً إلى أن جاء العالم الشهير " ألبرت أينشتين " فغير ببحوثه الطبيعية النظر إلى المادة تغييراً حاسماً ، وقد صور الفيلسوف الإنجليزى " راسل " ذلك قائلاً : درسنا العالم الطبيعى فوجدنا المادة عند العلم الحديث قد فقدت صلابتها وعفويتها ، إذ حللها العلماء إلى مجموعات ذرية كل مجموعة منها تنحل إلى ذرات ، وكل ذرة تعود بدورها فتنحل إلى كهارب موجبة وأخرى سالبة ، ثم مضى العلماء فى التحليل ، فإذا هذه الكهارب نفسها تتحول إلى إشعاعات &#33;&#33;

                    وختم " راسل " كلامه بهذه العبارة " ليس فى علم الطبيعة ما يبرهن على أن الخصائص الذاتية للعالم الطبيعى تختلف عن خصائص العالم العقلى " .

                    ونحن نقول : انتساب ذلك الكون الضخم إلى أصول من الأشعة شىء مثير حقاً &#33;&#33; ترى ما الذى كثف النور وجمد حركته ووزعه على ألوف الأشكال التى نراها ؟

                    إنك لن تعدم سفيهاً يقول لك : تم ذلك من تلقاء نفسه &#33;&#33;

                    وهذا القائل مستعد أن يقول لك أيضاً : إن الصحف فى عواصم العالم تصدر عن دورها مليئة بالأخبار والتعليقات والصور منسقة الحروف والأرقام تلقائياً من غير ما إشراف ولا إعداد ولا تبويب ولا ترتيب &#33;

                    لعمرى إن ذلك أدنى إلى التصور من خلق الموت والحياة فى هذا العالم الفخم تلقائياً كما يأفك الأفاكون &#33;&#33;

                    لكن أى عاقل يحترم نفسه ويقدر علمه يأبى هذا المنزلق .

                    يقول الدكتور التفتازانى : ولعل هذا ما جعل العلامة " أينشتين " يؤثر الإيمان بالله ويرفض الشبهات التى تختلق ضده ، وقد دار حوار بينه وبين صحفى أمريكى يدعى " فيرك " فى هذا الموضوع قال فيه الرجل العالم بحسم : إننى لست ملحداً &#33;&#33; ولا أدرى : هل يصح القول بأنى من أنصار وحدة الوجود ؟ إن المسألة أوسع نطاقاً من أن تحيط بها عقولنا المحدودة &#33;&#33;

                    [ ليس هذا العالم ممن يعتنقون مذهب الوحدة الذى يعرفه الهنود ، أو بالنحو الذى تسرب من الهندوكية إلى بعض الديانات الأخرى ، ولكنه يريد أن يقول : إنه يرى الله فى كل شىء ويلمح صفاته العظمى فى مجالى الكون كله " هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم " وعذر الرجل أنه لا يعرف الإسلام فيعبر التعبير المأثور .. ]

                    وعاد الصحفى إلى سؤاله بطريقة أخرى يريد بها هز الإيمان الذى لاذ به هذا العالم ، فقال : إن الرجل الذى يكتشف أن الزمان والمكان منحنيان ، ويحبس الطاقة فى معادلة واحدة جدير به ألا يهوله الوقوف فى وجه غير المحدود &#33;&#33;

                    فيرد أينشتين : اسمح لى أن أضرب لك مثلاً : إن العقل البشرى مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون فكيف بخالقه ؟&#33; نحن أشبه ما نكون بطفل داخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها إلى السقف فغطت جدرانها ، ثم هى مؤلفة بشتى اللغات . إن هذا الطفل يعلم أن شخصاً ما كتب هذا الكتب ، ولكنه لا يعرف بالضبط من هو ، ولا كيف كانت كتابته لها ثم هو لا يفهم اللغات التى كتبت بها &#33;&#33;

                    وقد يلاحظ الطفل أن هناك طريقة معينة رتبت بها الكتب ونظاماً غامضاً يشمل صفوفها وأوضاعها ، نظاماً نحس أثره ولا ندرى كنهه .

                    إن ذلك القصور هو موقف العقل الإنسانى مهما بلغ من العظمة والتثقيف &#33;&#33;

                    وعاد الصحفى الأمريكى يسأل : أليس فى وسع أحد حتى أصحاب العقول العظيمة أن يحل هذا اللغز ؟

                    فأجاب أينشتين مرة أخرى يعلل لماذا هو مؤمن ، ولماذا يعجز عن معرفة كنه الله فقال : " نرى كوناً بديع الترتيب خاضعاً لنواميس معينة ، ونحن نفهم هذه النواميس فهماً يشوبه الإبهام فنؤمن بالله ولكن عقولنا المحدودة لا تدرك القوة الخفية التى تهيمن على مجاميع النجوم " .

                    لو كانت المواد التى يتكون منها هذا العالم الضخم تتراكم بعضها فوق بعض دون تبصر أو حكمة لدلت كثرتها وحدها على غنى واسع وثراء عريض &#33;&#33; فإن الأبعاد الآلية لهذا الكون مذهلة &#33;&#33;

                    لكن الأمر أبعد ما يكون عن الجزاف والفوضى .

                    والبناء العقلى المتغلغل فى الكون من الذرة إلى المجرة يجعلنا نكون عن هذا العالم الدقيق صورة أخرى .

                    ولن نأتى بهذه الصورة من عند أنفسنا بل من أقوال الفلكى الإنجليزى " سير جيمس جينز " الذى ينطق بهذه العبارة المثيرة : " لقد بدأ الكون يلوح أكثر شبهاً بفكر عظيم منه بآلة عظيمة " .

                    إن الروعة لا تكمن فى ضخامة الآلة التى نراها بل فى الطريقة التى تدور بها وتؤدى وظيفتها ، فى حبكة الموازنة والضبط والتقدير .

                    ومن ثم يتجه الإعجاب إلى العقل الواضع الحاسب قبل أن يتجه إلى أثره المحدود .

                    ولننظر إلى عقلنا الإنسانى بين ما ننظر إليه من صنوف المخلوقات ماذا نرى ؟ إنه كائن ذكى قدير يبدو ويخفى فى أدمغة الألوف المؤلفة من سكان الأرض والأحياء والراحلين ، الذين وجدوا والذين سيوجدون ، من أين تولد هذا العقل ؟ من الماء والطين كأعشاب الحدائق .. هذا فرض مضحك ولا ريب ، إنه نفحة من الخالق الأعلى وحده .

                    يقول سير جيمس جينز : يجب أن نذكر المقدمات التى يفترضها بعض النقاد من غير علم ، فالكون لا يبيح لنا أن نصوره تصويراً مادياً ، وسبب ذلك فى رأيى أنه قد أصبح من المدركات الفكرية العميقة أنا واجدون فى الكون دلائل قوة مدبرة أو مسيطرة يوجد بينها وبين عقولنا الفردية شىء مشترك ، خير ما نصفها به أنها رياضية (&#33 لأننا لا نجد الآن أصلح من هذا التعبير " .

                    والعلامة الإنجليزى معذور فى وصف الإبداع الإلهى بهذا الأسلوب ، لقد راعه وهو فلكى راسخ أن يجد فى نظام الشروق والغروب والدوران والانطلاق دقة تسجد علوم الرياضة فى محرابها ، فقال : " إن التفكير المشرف عليها ليس هو العاطفة أو الأخلاق أو تقدير الجمال ، ولكنه الرغبة فى التفكير بطريقة تفكير علمى رياضى &#33;&#33; بل إنه اعتبر العقل الإنسانى أثراً للعقل الكلى الذى توجد فيه على شكل فكر تلك الذرات التى نشأت منها عقولنا ، ثم انتهى أخيراً إلى أن الآراء متفقة إلى حد كبير فى ميدان العلم الطبيعى إلى أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية " أى غير مادية ، أى إلى الله الكبير المتعال . "

                    على هذا النحو يفكر علماء الكون الكبار ، ويحكم أئمة العلم الحديث ورواده الكبار ، ولذلك شعرت بسخرية أى سخرية عندما قرأت لصحافى " كبير " فى بلادنا هذه الكلمة الغبية السمجة : " إن التقدم العلمى يوشك أن يجعل أخطر الوثائق العقائدية نوعاً من البرديات القديمة التى حال لونها ، وبليت صفحاتها ، وعدت عليها عوامل الزمن بالتعرية والتآكل وأصبح من الضرورى للإبقاء على أثرها أن يخصص لها مكان فى متاحف التاريخ " .

                    قلت : ما أوسع الفرق بين منطق العلماء ومنطق الجهلاء فى تناول القضايا وإرسال الأحكام . هل يمحى الإيمان كله بهذه السهولة .

                    ولقد شعرت كذلك بسخرية أى سخرية عندما رأيت كتاباً بعنوان " العالم ليس عقلاً " ألفه شخص ولد فى نجد وقضى أغلب عمره على قهوات القاهرة وبيروت ، وتلقى أكثر علمه من الأوراق الشاحبة التى يسطرها بعض المعلولين والمعقدين &#33;

                    هذا المسخ الذى لم يعمل يوماً فى مرض ولا مختبر للكيمياء أو الفيزياء ينكر الألوهية ويسفه النتائج التى وصل إليها أمثال " أينشتين " من قادة المعارف الكونية ، طبعاً لأنهم رجعيون وهو تقدمى ، ولأنهم قاصرون وهو نابغة .. &#33;&#33;

                    ولست أتهم كل ملحد أنه صورة للملحدين الصغار فإن هناك بعض العلماء والفلاسفة ـ وإن كانوا قلة ـ تنكروا للإيمان وقواعده وغاياته ، بيد أن المتتبع لأقوال هؤلاء يجزم بأن انتسابها إلى العلم تزوير جرىء فهم يخمنون ويفترضون ثم يبنون قصوراً على رمال &#33;

                    وقد قرأت لبعضهم كلاماً عن بداية الخليقة يثير الضحك ، فهم يزعمون أن العناصر فى الأزل السحيق تفاعلت اعتباطاً ، وسنحت فرصة لن تتكرر بعد أبداً (&#33 فتكونت جرثومة الحياة ثم أخذت تنمو وتتنوع على النحو الذى نرى ..

                    وهذا كلام لا يصدر عن عقل محترم ولا يصفه بأنه علم إلا مخبول &#33;&#33;

                    وصدق الله العظيم " ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً " .

                    وأذكر أنى ـ وأنا أناقش بعض الأدلة ـ سألت نفس هذا السؤال : هل أنا كائن قديم أم مخلوق جديد ؟

                    فكان الجواب القاطع : لقد ولدت سنة كذا ، فأنا حادث بلا ريب &#33;&#33; ولكن شبهة ثارت تقول : إنك تخلفت عن مادة الذين هلكوا قبلك ، وعندما تموت فستكون أجساد منك ومن غيرك &#33; فقلت : إذا سلمت بهذا فى الأجساد فلن أسلم به فى روحى أنا .. إن هذه " الأنا " المعنوية هى حقيقتى الكبرى ، وأنا مستيقن بأنى كائن جديد مستقل وجدت بعد عدم محض ، فمن أبرزنى من لا شىء ؟

                    إننى لست معتوهاً حتى أشك فى بداية وجودى وشعورى ، فمن رب هذه المنحة الخطيرة ؟ فتلوت قوله تعالى " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً . [ الاستفهام تقريرى أى لقد أتى على الإنسان وقت كان فيه عدماً محضاً . والآيات فى صدر سورة الإنسان ] إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً " .

                    وعدت إلى قصة الجسد الذى أحمله فى حياتى وأنضوه بعد مماتى هل هو قديم المادة حقاً ؟ فسألت العلم : كيف يوجد ؟ وهل يمكن أن يتمثل بشراً سوياً هكذا خبط عشواء ؟ فقال العلم : إن الوليد يتخلق أول أمره من التقاء الحيوان المنوى بالبويضة &#33;

                    فما الحيوان المنوى ؟ كائن دقيق توجد فى الدفقة الواحدة منه قرابة مائة مليون حيوان ، كل واحد من هذه الألوف المؤلفة يمثل الخصائص المعنوية والمادية للإنسان من الطول والقصر والسواد أو البياض والذكاء أو الغباء والشدة أو الهدوء .. الخ .

                    ويبدأ التكون الإنسانى بوصول واحد ـ لا غير ـ من هذه الألوف الكثيفة إلى البويضة وتفنى البقية .

                    قلت : فلأقف عند نقطة الابتداء هذه لأسأل : من الذى صنع هذه الحيوانات السابحة فى سائلها ، الحاملة لخصائص السلالة الآدمية من أجيال خلت ؟

                    قالوا : غدة فى الجسم &#33;

                    قلت : غدة أوتيت الذكاء والوعى والاقتدار على خلق مائة مليون كائن من طراز واحد &#33; مجموعة دراهم من اللحم تتصرف من تلقاء نفسها فى صنع الذكاء أو الغباء ، والحلم أو الغضب ؟

                    ما يصدق هذا إلا مغيب العقل &#33;&#33; وتلوت قوله تعالى :

                    " أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ " [ الواقعة : 58 ]

                    إننا أمام أدوات القدرة الإلهية العليا وهى تبرز مشيئة الخلاق الجليل ، وكأنها تقول لنا : إن خلق الله للعالم ليس فيه شائبة غرابة &#33; أليس يخلق فى كل لحظة تمر ألوفاً من الناس وألوفاً من الدواب ، وصنوفاً من النبات ؟؟

                    إن إبداع الخليقة ليس فلتة وقعت وانتهت ، وأمست فى ذمة التاريخ بحيث يستطيع المكابرون أن يجادلوا فيها .. لا .. إن الإيجاد من الصفر يقع أمام أعيننا كل يوم فى عالم الأحياء فلم هذا المراء .

                    إن بديع السموات والأرض لا يزال يخلق فى كل وقت وفى كل بر صنوفاً من الأحياء الدقيقة والجليلة لا حصر لها ، فكيف ينكر ما كان من خلق أول أو ما سوف يكون من بعث وجزاء ؟

                    " أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده . إن ذلك على الله يسير . قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . إن الله على كل شىء قدير " [ العنكبوت : 20 ] .

                    ولنفرض جدلاً أن بعض الناس يرى أن الفلك الدوار يجرى فى الفضاء دون ضابط ولا رابط ، وأن الوليد الخارج من ظلمات الرحم لامع العين مورد الخد مفتر الثغر ، قد صنعه على هذا التقويم الحسن شىء ما فى بطن الأم &#33;&#33;

                    لنفرض أن بعض الناس ركب رأسه وقال هذا الكلام فما الذى يجعل هذا الزعم السخيف يوصف بأنه علم وتقدمية على حين يوصف منطق الإيمان بأنه جمود ورجعية ؟

                    سبحانك هذا بهتان عظيم &#33;

                    لقد آن الأوان لتهتك الأستار عن أدعياء التقدم الذين يمثلون فى الواقع ارتكاساً إنسانياً إلى جاهلية عديمة الشرف والخير مبتوتة الصلة بالعقل وذكائه والعلم وكشوفه ..

                    ربما شك بعض الناس فى حقيقة الدين الذى يعتنقه أو فى جدواه عليه ، فإذا ساور هذا الخاطر أحداً من خلق الله ، فإن العربى آخر امرئ يعرض له هذا الظن ، بل يقرب من المستحيل أن يساوره .

                    ذلك أن فضل الإسلام على العرب كفضل الضياء والماء على الزرع .

                    لا أقول أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، بل أقول أوجدهم من عدم ، وجعل لاسمهم حقيقة ، وأقام بهم دولة وأنشأ حضارة ..

                    قد تكون بعض العقائد عقاقير مخدرة للنشاط البشرى ، لكن الإسلام لما جاء العرب شحذهم وأثار عقولهم ، ووحد صفهم ، وطار بهم إلى آفاق مادية وأدبية لم يحلم بها آباؤهم ولا تخيلها أصدقاؤهم أو أعداؤهم ، ومضى العرب فى طريق المجد الذى شقه الإسلام لهم فعرفهم للعالم وكان قبل يجهلهم ، وأفاءوا على ماضيه القريب ما لا ينكره إلا متعصب كفور &#33;

                    وارتبطت مكانة العرب الذاتية والعالمية بهذا الدين ، فهم يتقهقرون إذا تخلوا عنه ويستباح حماهم . وهم يرتقون ويتقدمون إذا تشبثوا به وتحترم حقوقهم .

                    على عكس ما عرف فى أمم أخرى لم تستطع التحليق إلا بعدما تخففت من مواريثها الدينية كلا أو جزءاً &#33;&#33;

                    وقد استطاع مسلمو الجزائر فى هذا العصر أن يستخلصوا حريتهم من براثن عاتية وأن يدفعوا ثمن هذا الخلاص مليوناً ونصف من الشهداء &#33;

                    وما ينبغى تقريره هنا أن الإسلام وحده كان وقود هذا الكفاح القاسى .. الإسلام بما غرسه فى الأفئدة من إباء .

                    فلما ظفر الجزائريون باستقلالهم بدءوا يستعيدون عروبتهم التى فقدوها خلال قرن وربع ، ووضعت مشروعات لجعل الأفراد والجماعات ينطقون بالعربية ويتفاهمون بها بعدما كادت هذه اللغة تبيد أمام زحف الفرنسية وسيادتها فى الشوارع والدواوين &#33;&#33;

                    إن الإسلام بالنسبة للعروبة ولىّ نعمتها وصانع حياتها .

                    وقد اعترف مسيو " جاروديه " وهو شيوعى فرنسى عاش ردحاً من الزمان فى جبهة التحرير الجزائرية بأن الدين وحده هو الذى أوقد شرر هذا الكفاح العزيز الغالى وأن الإسلام يستحيل أن يوصف بأنه مخدر الشعوب .

                    والإسلام لا يجعل من العرب شعباً مختاراً يفضل غيره بسلالة أو دم خاص ، كلا كلا ، إن الله اختار لعباده تعاليم راشدة وشرائع عادلة ، ثم وكل إلى العرب أن يحملوا هذه التعاليم والشرائع ليعملوا بها وليعلموها من شاء ..

                    والله يأبى كل نعرة عنصرية أو استعلاء قومى .. إنها مبادئ محددة ، تنطلق منها أمة ما فتكون بعين الله ، أو تند عنها فيدعها لنفسها ، بالوفاء لهذه المبادئ تصعد ، فإن فرطت هبطت .

                    ولذلك يقول الله للمنهزمين فى أحد " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " [ آل عمران : 139 ] فالعلو قرين الإيمان ، وينصح الأمة كلها بالطاعة والإصلاح ويتهدد عدوها بالطرد والهوان ، ثم يأمرها بالمقاومة ورفض الاستسلام وسيكون المستقبل لها إن هى أبقت حبلها موصولاً بربها " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم . إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ، فلا تهنوا وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " [ محمد : 35 ] .

                    والتدبر فى هذه الآيات الثلاث يعطى فكرة بينة أن تفضيل أمة ما هو تفضيل سلوك ومنهج ، لا تفضيل دم أو لون وأن الإيمان الشريف والاستقامة الواضحة أساس العزة المنشودة وأنه مهما لاقى المسلمون من صعاب وهزائم فلا يجوز أن يقبلوا سلماً مخزياً ولا أن يعطوا الدنية من أنفسهم .

                    ولهم أن يركنوا إلى الله ولن يذل جانبهم ما آمنوا به وعملوا له .

                    واليقظة العزيزة التى صنعها الإسلام وهو يبنى الأمة يمكن أن نتابعها فى مرحلتين :

                    الأولى فى العهد المكى ، يوم كان المسلمون قلة تتوقع الضيم ويتجرأ عليها الأقوياء &#33;

                    لقد أمر المسلمون إبان هذه المحن أن يثبتوا ويشمخوا بحقهم ، ويتنكروا لكل هوان ينزل بهم ، ويطلبوا ثأرهم ممن اعتدى عليهم ، فإن عفوا فعن قدرة ملحوظة لا عن ادعاء مرفوض &#33;&#33;

                    انظر كيف وصفت سورة الشورى المكية طلاب الآخرة الذين يؤثرون ما عند الله على هذه الدنيا ، إنهم " الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغى إذا هم ينتصرون &#33; وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله والله لا يحب الظالمين " [ الشورى : 38 ] .

                    فطلاب الآخرة ـ كما وصفتهم السورة المكية ـ ليسوا الذين يعيشون فى الدنيا أذناباً مستباحين أو ضعافاً مغموصين ، أو كما يقول الشاعر يصف قوماً تافهين :

                    ويقضى الأمر حين تغيب تيم .. .. .. .. .. ولا يستأمرون وهم شهود

                    لا ، لا ، إن هؤلاء المؤمنين بالدار الآخرة يفرضون أنفسهم على هذه الحياة الدنيا ويكرهون العدو والصديق على أن يحسب حسابهم ويزن رضاهم وسخطهم ، ويعلم أن نتائج العدوان عليهم أذى محذور وشر مستطير ، لأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون ، ويلطمون السيئة بمثلها &#33; وليس ذلك بالنسبة للحق الأدبى للجماعة كلها ، بل هو كذلك بالنسبة إلى حق الفرد فى ماله الخاص ، فقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم :

                    " أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى ..
                    " قال : قاتله &#33; ..
                    " قال : أرأيت إن قتلته ؟ ..
                    " قال : هو فى النار &#33; ..
                    " قال : أرأيت إن قتلنى ؟ ..
                    " قال : فأنت شهيد &#33; "
                    [ مسلم فى كتاب الإيمان ]

                    هل هذه الوصايا هى التى تخدر الأفراد والجماعات ؟

                    سبحانك هذا بهتان عظيم &#33;

                    فإذا تجاوزنا العهد المكى إلى العهد المدنى نجد توجيهاً ينبع من هذه الروح الأبية الشامخة .

                    إن الهوان جريمة وقضاء الحياة فى ضعف واستكانة مرشح أول للسقوط فى الدار الآخرة .

                    ومن هنا أثبت القرآن الكريم هذا الحوار بين ملائكة الموت وبين الذين عاشوا فى الدنيا سقط متاع وأحلاس ذل .

                    " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا : فيم كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين فى الأرض . قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً " [ النساء : 97 ] .

                    والهجرة المفروضة هنا هى التحول من مكان يهدد فيه الإيمان وتضيع معالمه إلى مكان يأمن فيه المرء على دينه ، ولكن حيث استقرت دار الإسلام فلا تحول ، وإنما يبقى المسلمون حيث كانوا ليدفعوا عن ترابهم ذرة ذرة ولا يسلموا فى أرض التوحيد لعدو الله وعدوهم .

                    والآية تحرم قبول الدنية وإلف الاستضعاف ، وتوجب المقاومة إلى آخر رمق .

                    ومما يؤكد هذا المعنى أن القرآن أحصى الطوائف التى تعذر فى هذا التمرد المطلوب على قوى الشر .

                    ومع استثنائها فإن مصيرها ذكر معلقاً على " رجاء " المغفرة والعفو لا على " توكيد " ذلك &#33;&#33;

                    " .. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم " [ النساء : 98 ] .

                    والتعبير بـ " عسى " هنا مثير للقلق ، وهى إثارة مقصودة حتى لا يقعد عن مكافحة المعتدين من يقدر على إلحاق أى أذى بهم مهما قل .

                    ولا يقـيـــم على ضـيم يـراد بـه .. .. .. .. .. .. .. إلا الأذلان عـير الحى والوتـد
                    هذا على الخسف مربوط برمته .. .. .. .. .. .. .. وذا يُـشــق فلا يرثى لـه أحــد

                    المسلم لا يقبل الحياة على أية صورة وبأى ثمن ، إما أن تكون كما يبغى ، وإما رفضها وله عند ربه خير منها .

                    ومن صيحات الكرامة والإباء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد " &#33; [ الترمذى فى الديات ، وأبو داود فى السنة ]

                    وفى حديث آخر " من قتل دون مظلمته فهو شهيد " &#33; [ صحيح رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة وأحمد ]

                    هل رأيت استنهاضاً للهمم واستنفاراً للنضال ، واستثارة للذود عن الدماء والأموال والأعراض أحر من هذه المبادئ ؟&#33;

                    أيمكن فى منطق العقل والإنصاف أن يوصف هذا الدين بأنه مخدر للشعوب ؟ ألا شاهت الوجوه &#33;&#33;

                    ومن حقنا أن نتساءل : هل ضمان الخبر يحفظ الكرامة الفردية ويوفر الأمان للجماعات ؟

                    لا شك أن للعنصر المادى أثراً فى طمأنينة المرء وشد أزره ، ولكنه ليس كل شىء فى خلق العزة الشخصية والجماعية &#33; فرب سجين ملىء البطن خفيض الرأس ، ورب طاو حديد البصر جهير الصوت .

                    قال لى صديق : وضعت الحب للعصافير فى شرفة بيتى ، وجلست بعيداً أرقبها وهى تلتقطه بمناقيرها كعادتها .. بيد أنى ارتقبتها طويلاً فلم تهبط ، ثم أدركت بغتة أن باب الشرفة مفتوح وأن الحذر عاقها عن الأكل فقمت أغلق الباب وأنا أقول : إن الطعام لا يغنى عن الأمان .

                    وهذا صحيح ، فإن الله لما امتن على قريش بنعمته وبركته قال : " فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " .

                    إن الشبع لا يغنى عن الحرية أبداً ، وإن توقير " الديمقراطية الاقتصادية " يستحيل أن يغنى عن " الديمقراطية السياسية " .

                    إن الإنسانية ليست جسداً يعلف ويسمن ، ولكنها فطرة تتشوف للانطلاق والتحرر ، ولا بد أن يتقرر لها حقها فى النقد والمراجعة وحساب كل ذى منصب مهما جل وإقصاء من تكره وإدناء من تحب ..

                    واليقظة التى ينشدها الإسلام للشعوب تتضمن الأمرين جميعاً .

                    " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض " [ القصص : 5 ]

                    فكيف يتهم الدين بأنه مخدر للشعوب ؟

                    وربما اتصل بهذه التهمة المتهافتة تصور البعض أن الدين رباط مع الماضى ، وأن التطور ينافيه .

                    ونتساءل نحن : ما هذا التطور ؟

                    إن الإلحاد ليس تطوراً ، بل هو ترديد لكفر الصغار من جهلة القرون الأولى .

                    من ألوف السنين وقفت قبيلة عاد من رسولها موقفاً كأنما لخصت فيه كل ما يقال فى هذا العصر على ألسنة الشطار ، من دعاة الإلحاد " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون . هيهات هيهات لما توعدون . إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين " [ المؤمنون : 35 ، 37 ]

                    إن التحلل من قيود الدين ليس تجديداً ولا ابتكاراً بل هو خضوع للغرائز الدنيا التى أنامت ألوف الخلعاء والخبثاء من عشرات القرون وجعلتهم يحيون وفق شهواتهم وحدها &#33; فأى ارتقاء فى هذا المسلك الرخيص ؟&#33;

                    فى غضون القرن التاسع عشر للميلاد كانت نزعات الإلحاد تغلب على العقل الغربى ، وبدا كأن العلم الطبيعى يتجه بالناس وجهة مادية تتنكر للدين وتضيق بتعاليمه ، ولما كان الغربيون سادة الدنيا وقتئذ فقد صبغوا الفكر العالمى تقريباً بهذه الصبغة الداكنة ..

                    وقد تسأل : ماذا كان موقف المتدينين بإزاء هذا الفكر الزاحف ؟

                    والإجابة أن المسلمين كانوا فى حالة ذهول أنستهم رسالتهم المحلية والعالمية على سواء ، فهم لا يريدون من دينهم شيئاً طائلاً ينفعون به أنفسهم بله أن ينفعوا به غيرهم .

                    وأما بنو إسرائيل فقد شرعوا عقب تقرر الحقوق السياسية فى الأقطار الحديثة يجمعون شملهم ليعيدوا ملك " يهوه " على الأرض ويستعدوا لحكم العالم من " أورشليم " وما كان عليهم أن تكتسح ظلمات الشك كل ضمير .. &#33;&#33;

                    وأما النصارى فلو تفرغوا لمواجهة هذا الخطر لكانوا كالذى يرد الطوفان بالراحتين ، فكيف وهم مشغولون بالقضاء على الإسلام المريض &#33;

                    لذلك نجح الإلحاد فى فرض أفكاره وأحكامه على أغلب ميادين النشاط الإنسانى ، وربما سمح للأديان أن تبقى ميولاً فردية واتجاهات أدبية وحسبها ذلك .

                    على أن القرن العشرين للميلاد أخذ يتجه ـ خصوصاً فى أواسطه ونهاياته وجهة مغايرة ، وظهر فى كتابات كثير من العلماء الطبيعيين نزوع واضح إلى الإيمان بالغيب والتسليم بوجود إله حكيم قادر ، عالم خبير &#33;

                    وتدين العلم كسب إنسانى جليل &#33;

                    والصورة التى تكونت لدى العلماء الطبيعيين عن الله أقرب إلى الحقيقة مما يهرف به كثير من رجال الأديان .. &#33;&#33;

                    ولو كان للإسلام رجال يحسنون عرضه كما نزل فى أصوله الأولى لكان الإسلام دين الحاضر والمستقبل على سواء ، ولكن الفكر الإسلامى وقع فى محنة رهيبة &#33;&#33;

                    ولست أزعم أن كل العلماء الكونيين نزاعون إلى التدين ، فهناك من ضل الطريق &#33;&#33; ولكن تيار الإيمان لو مضى فى طريقه بين هؤلاء دون عوائق سياسية ودون إرهاب خارجى لتغير الوضع ، فإن جمهرتهم سوف تدخل فى دائرة الدين بلا ريب &#33;&#33;

                    والمشكلة التى نواجهها نحن فى بلادنا الإسلامية هى تأخر مثقفينا فى مضمار التقليد &#33;&#33;

                    فعدد كبير منهم لا يزال يعيش فى العقلية المادية للقرن التاسع عشر .

                    وعدد آخر قد يعدو هذا النطاق ليرنوا ببصره إلى المسجونين كرهاً داخل بعض المذاهب المادية الحاكمة ، وهم قوم كفروا عن إرهاب لا عن اختيار ففيم يقلدون ؟

                    والغريب أن نفراً من علماء الإسلام يزعمون أن الدين ـ كسائر القضايا الأدبية ـ لا صلة له بالعقل &#33; أى أن التفكير الإلحادى للقرن التاسع عشر ما زال هو الذى يسيطر عليهم ، فأى بلاء هذا ؟

                    ونحن نناشد أحرار العقول أن يراجعوا أنواع المعرفة التى تعرض عليهم ، فإن للاستعمار الثقافى دخلاً فى تلويثها وغشها ..

                    إن أعظم شىء فى رسالة الإسلام احترامها للعقل البشرى ، وحفاوتها بالعلم الطبيعى ، وبناؤها اليقين على النظر الصائب فى ملكوت الأرض والسماء .

                    ولا يوجد كتاب سماوى حث العقل على النظر ، وقاد العلم فى مضمار البحث كهذا القرآن الكريم .

                    إننا بمنطق القرآن نرفض الظنون ونخضع لليقين ، نرفض الأوهام ونستكين للحقيقة وحدها ..

                    إن التدين الذى تعلمناه من كتابنا ليس تحميل العقل ما لا يطيق ولا الهيمان فى عالم الأخيلة .. إنه تدين زكى عملى .

                    ثم هو يضم إلى هذا الفكر الناضج قلباً سليماً ، لا مكان فيه لنية خبيثة أو غرض صغير ، على أساس أن الإنسان لا يسيره العلم النظرى قدر ما تسيره مقاصده وآماله ..

                    ما أكثر ما يكون الذكاء سلاحاً يستعمل فى الخير والشر على سواء ، فإذا صدق الإيمان صلح القلب واستقام المنهج " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " [ ق 37 ] .

                    وفى معرفة الكون وخالقه ، والنفس وهداها يقول ابن عطاء الله السكندرى هذه الكلمة الحاسمة :

                    " لا ترحل من كون إلى كون ، فتكون كحمار الرحى ، يسير والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه ، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون " وأن إلى ربك المنتهى " ..

                    " وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " [ رواه البخارى فى سبعة مواضع من صحيحه ، وأخرجه باقى الستة وغيرهم ] . فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل فى هذا الأمر إن كنت ذا فهم " .

                    يقول الله تعالى " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون . ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إنى لكم منه نذير مبين " [ الذاريات : 48 ـ 50 ] .

                    هذه آيات خمس ، والثلاثة الأولى منها وصفت الأكوان علوها وسفلها وما أنبتت فيها من حياة وأحياء .

                    والاثنتان الأخريان انتقلتا من الأكوان إلى المكون فتحدثتا عن وجوده ثم توحيده .

                    والحق أن الانحصار فى الكون والاحتباس بين مظاهره فواحش عقلية ونفسية لا يرضاها أريب لنفسه ، بل ينفر منها أولو الألباب .

                    إن من له أدنى مسكة يعرف ـ من العالمين ـ رب العالمين ويعرف من الأكوان صاحب هذه الأكوان &#33;&#33;

                    إن هذا الملكوت الضخم الفخم من ودائع ذراته إلى روائع مجراته شاهد غير كذوب على أن له خالقاً أكبر وأجل .

                    إنها لجهالة أن يغمط هذا الإله العظيم حقه ، وإنها لنذالة أن يوجد بشر ينكره ويسفه عليه .

                    ولكن خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين &#33;&#33;

                    والعاقل ينظر فى الكون فيتعلم منه تسبيح الله وتحميده ، ويستنتج من قوانين الحياة وأحوال الأحياء ما يستحقه المولى الأعلى من أسماء حسنى وصفات عظمى ..

                    والناس صنفان : صنف يعرف المادة وحدها ويجهل ما وراءها ولا نتحدث الآن مع هؤلاء ، فقد ذكرنا نبأهم فيما مضى .

                    وصنف مؤمن بالله مصدق بلقائه ، ولكنه هائم فى بيداء الحياة ، ذاهل وراء مطالب العيش ، مستغرق المشاعر بين شتى المظاهر ، فهو لا يكاد يتصل بسر الوجود أو يتمحض لرب العالمين .

                    ومع هذا الصنف المؤمن نقف لنرسل الحديث .

                    هناك قوم لا تخلص لله معاملاتهم ، بل هى مشوبة بحظوظ النفس ورغبات العاجلة ، وهؤلاء لن يتجاوزوا أماكنهم ما بقيت نياتهم مدخولة حتى إذا شرعت أفئدتهم تصفو بدءوا المسير إلى الأمام .

                    وهناك قوم يعاملون الله وهم مشغولون بأجره عن وجهه أو بمطالبهم منه عن الذى ينبغى له منهم ، وهؤلاء ينتقلون عن أنفسهم من طريق ليعودوا إليها من طريق أخرى .

                    إنهم مقيدون بسلاسل متينة مع أنانيتهم فهو يسيرون ولكن حولها ، لو حسنت معرفتهم بالله ما حجبتهم عنه رغبات مادية ولا معنوية بل لطغى عليهم الشعور به ، وبما يجب له ، وتخطوا كل شىء دونه ، فلم يهدأوا إلا فى ساحته ، ولم يطمئنوا إلا لما يرضيه هو جل شأنه على حد قول ابن فراس :

                    فليتك تحلــو والحـياة مـريـرة .. .. .. .. .. .. .. .. .. وليتك ترضى والأنام غضاب
                    ولـيت الذى بينى وبينك عامـر .. .. .. .. .. .. .. .. .. وبينى وبين العالمين خــراب
                    إذا صـح منك الود فالكل هين .. .. .. .. .. .. .. .. .. وكل الذى فوق التراب تراب

                    وابن عطاء الله يرى أن العامة يترددون بين مآربهم كحركة بندول الساعة لا تتجاوز موضعها على طول السعى ، أو هم على حد تعبيره كحمار الرحى ينتقل من كون إلى كون ، والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه .

                    والواجب على المؤمن أن يقصد وجه الله قصداً ، وأن يتفصى تفصياً من ألوف الأربطة التى تشده إلى الدنيا وتخلد به إلى الأرض .

                    ومن خدع الحياة أن المرء قد يعمل لنفسه وهو يحسب أنه يعمل لله ، ولو وضعت بواعثه الكامنة تحت مجهر مكبر لاستبان أن كثيراً من دواعى غضبه ورضاه وسروره وتعبه وراحته يصلها بوجه الله خيط واه على حين تصلها بحظوظ النفس حبال شداد .

                    وهنا الخطر المخوف أن الهجرة إذا كانت لله فقد مضت وقبلت وإلا فالأمر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم " من هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

                    والشعور بوجود الله ليس أمراً يتكلف له الإنسان شيئاً ، إنه شعور بالواقع &#33;

                    قد يكون لك حبيب مسافر مثلاً فأنت إذا اشتقت إليه تتخيل صورته وتحاول الأنس بالوهم عن الحقيقة .

                    ولكن الشعور بالله ليس تقريباً لبعيد ولا تجسيداً لوهم ، إنه إيمان بالواقع الذى يعد تجاهله باطلاً كشعورك مثلاً ـ وأنت فى البيت ـ بأنك فى البيت ، أو شعورك ـ وأنت فى القطار ـ بأنك فى القطار .

                    إنه الواقع الذى لا معدى عن الاعتراف به ، وبناء كل تصرف على أساسه . إن الألوهية لا تفارق العباد لحظة من ليل أو نهار ، ومن ثم فإن الغفلة عن الله غفلة عن الحق المبين .

                    ـ وإذا كان الأعمى يعجز عن رؤية الأشياء فإن الأشياء لم تزل من مكانها لأن عيناً كليلة لم تتبينها .

                    ـ وإذا كان الناس فى ذهول عن الحق المصاحب لهم المحيط بهم فذلك عمى تعود عليهم وحدهم معرته .

                    وقد كثر القرآن الكريم من أشعار الناس بهذه المعانى ، وصاح بهم وهم يفرون عنها ، إلى أين ؟ فأين تذهبون ؟ أين المذهب " والله من ورائهم محيط " [ الطارق ] .

                    قال تعالى : " هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم . هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير " [ الحديد ] .

                    هو بصير بما نعمل وهو معنا حيثما كنا &#33; ألا تعين هذه الحقائق على صدق المعرفة وحِدَّة الشعور بوجوده وإشرافه ؟

                    ثم ألا يدل ذلك على أن ذكرك لله ليس استحضاراً لغائب ؟ إنما هو حضورك أنت من غيبة وإفاقتك أنت من غفلة &#33;&#33;

                    ولا بد هنا من توكيد التفرقة بين وجود الله ووجود العالم ، فإن بعض الناس يستغلون المعانى التى شرحناها للبس الحق بالباطل .

                    إن وجود الله مغاير لوجود سائر المخلوقات ، وهذا العالم منفصل عن ذاته جل شأنه انفصالاً تاماً .

                    وقد تسمع بعض الفلاسفة أو بعض المتصوفين يقول : إنه يرى الله فى كل شىء .

                    وهذا التعبير صحيح إن كان يعنى أنه يرى آثاره وشواهده .

                    أما إن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق أو وحدة الوجود كما يهرف الكذبة ، فالتعبير باطل من ألفه إلى يائه ، والقول بهذا كفر بالله وبالمرسلين .

                    ووصف الإحاطة الإلهية فى هذا المجال وسيلة لا غاية .. وسيلة لتصحيح النية والجهد والهدف وإهابة بالإنسان أن يدير نشاطه البدنى والعقلى على مرضاة الله وحده .

                    وليت الناس يسعون فى هذا الطريق بنصف قواهم &#33;

                    ولو أن امرءاً حاول استرضاء الله بنصف الجهد الذى يبذله لكسب المال ، أو التمكين فى الأرض لقطع مرحلة رحبة فى طريق الارتقاء الروحى والخلقى ، ولو أن امرءاً كره الشيطان ووساوسه بنصف الشعور الذى يكره به الآلام والخصوم لنال من طهر الملائكة حظاً .

                    إن الله قد يقبل نصف الجهد فى سبيله ، ولكنه لا يقبل نصف النية ، إما أن يخلص القلب له ، وإما أن يرفضه كله .

                    وقد أسلفنا القول إن الإنسان قد تحتل قلبه مقاصد شتى هى التى تبعثه على الحركة والسكون ، وعلى الرضا والسخط ، وأن هذه المقاصد تنبعث عن أنانيته لا عن إيمانه بربه وابتغائه ما عنده .

                    والعلماء المربون يطاردون هذه المقاصد المتسللة إلى القلب ويمنعونها أن تثوى فيه . ولا يتوانون فى مطاردتها حتى تخفى ويطهر القلب منها .

                    ذلك أن الإسلام دقيق جداً فى تقويم النية الباعثة عليه والغاية المصاحبة له ، فمن لم يكن الله وجهته فى هجرته فلا عمل له ولا خير فيه .

                    فى الحياة الآن ألوف من المدربين والأطباء والمهندسين والضباط والعمال والتجار والموظفين .. الخ يزحمون ظهر الأرض بحركة واسعة المدى ، فأما ما كان للتكاثر والتظاهر فسوف يلصق بالتراب ، وأما ما كان لله فهو مبارك الثمر ممتد الأثر .

                    إن البقاء لما قصد به رب السماء " من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب " [ الشورى : 20 ] .

                    ونعود إلى الصنف المسجون بين عناصر المادة لا يعرف غيرها ، إنه ينتقل من عنصر ، وينسب مادة إلى مادة ، ويجحد ما بعد ذلك .

                    وقد ناقشنا هؤلاء ، ودحضنا ما ساقوا من شبه ، ونريد هنا كشف الستر عن بعض دعاوى القوم .

                    إن وصف الإيمان بأنه حركة رجعية ، والإلحاد بأنه حركة تقدمية وصف كاذب ، فالكفر قديم قدم الغرائز الخسيسة والأفكار السفيهة .

                    وتاريخ الحياة يتجاور فيه الخير والشر والصلاح والفساد فمن قال : " إن الإيمان طبيعة أيام مضت وانتهى دورها وأن الكفر يجب أن يفسح له الطريق " فهو دجال .

                    كذلك وصف الإيمان بأنه حركة فكر محدود ، والإلحاد بأنه حركة عقل ذكى أو وصف الإيمان بأنه منطق الدراسة النظرية ، والإلحاد بأنه منطق الدراسة العلمية والبحوث الكونية ، هذا كلام خرافى لا حرمة له ، فإن جمهرة كبرى من قادة العلم الكونى والدراسات الحيوية يؤمنون بالله ويرفضون الزعم بأن الكون خلق من غير شىء .

                    والواقع أن الإلحاد يعتمد على الظنون والشائعات ، لا على اليقين والبراهين ، وأنه لم يثبت فى معمل أو مختبر بأن الله غير موجود .

                    وكل ما هنالك أن الماديين نسبوا لغير الله من النظام والإبداع ما لا تصح نسبته إلا لله .

                    ووراء هذا النسب المنتحل ساروا وأيديهم خالية من أى يقين ، بل هم كما وصف القرآن الكريم " وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغنى عن الحق شيئاً . إن الله عليم بما يفعلون " .

                    أما الدلائل التى تغرس الإيمان فى القلوب عن طريق التفكير السليم فى هذا الكون الكبير فهى قائمة ناهضة .

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #70
                      <div align="center">الباب الثامن </div>
                      ـ لا دين حيث لا حرية
                      ـ يا للرجال بلا دين
                      ـ مشهورون ومجهولون
                      ـ التنادى بالجهاد المقدس
                      ـ دين زاحف رغم كل العوائق
                      ـ قال الإنسان وقال الحيوان
                      ـ حول خرافة تحديد النسل
                      ـ محنة الضمير الدينى هناك
                      ـ هذه المقررات لا نريد أن تنسى
                      ـ أسئلة وأجوبة

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #71
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                        الأخ المبارك متعلم ننتظر عودتك بفارغ الصبر

                        ولعلك مشغول فى خير أو بحث جديد نستفيد منه جميعا

                        وبارك الله فيك

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #72
                          <div align="center">الباب الثامن </div>

                          <div align="center">لا دين حيث لا حرية : </div>
                          [ نشر هذا المقال بعد حركة 15 مايو التى قام بها فى مصر الرئيس السادات ]

                          أثلجت صدرى الكلمات التى قالها رئيس الدولة عشية نجت مصر من المؤامرة الأخيرة &#33;

                          لقد أكد أن الحريات ستوطد ، وأن الحقوق ستصان ، وأن القانون سيسود ، ولن تغل يد عن عمل شريف ، ولن يكمم فم عن كلمة حق ، ولن يؤذن لصغير أن يتطاول ، ولا لمنحرف أن يجور &#33;&#33;

                          لقد استقبلنا هذه المعانى والأنفاس تكاد تختنق لما عراها من ضيق ، فكانت نسائم منعشة تتسلل خلال جو رهيب مقنط ، وكان بوارق رجاء توحى بالخير .

                          وأحس القابعون وراء جدران السجن الكبير أن العصابة التى تسومهم سوء العذاب بدأت تذوب وتتلاشى .

                          إن إذلال الشعوب جريمة هائلة ، وهو فى تلك المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين عمل يفيد العدو ويضر الصديق .

                          بل هو عمل يتم لحساب إسرائيل نفسها .. فإن الأجيال التى تنشأ فى ظل الاستبداد الأعمى تشب عديمة الكرامة قليلة الغناء ، ضعيفة الأخذ والرد .

                          ـ ومع اختفاء الإيمان المكين والخلق الوثيق والشرف الرفيع .
                          ـ ومع شيوع النفاق والتملق والدناءة .
                          ـ ومع هوان أصحاب الكفايات وتبجح الفارغين المتصدرين .

                          .. مع هذا كله لا تتكون جبهة صلبة ، وصفوف أبية باسلة &#33;

                          وذلك أمل إسرائيل حين تقاتل العرب ، لأنها ستمتد فى فراغ وتشتبك مع قلوب منخورة وأفئدة هواء &#33;

                          والواقع أن قيام إسرائيل ونماءها لا يعود إلى بطولة مزعومة لليهود قدر ما يعود إلى عمى بعض الحكام العرب ، المرضى بجنون السلطة وإهانة الشعوب .

                          ولو أنصف اليهود لأقاموا لهؤلاء الحكام تماثيل ترمز إلى ما قدموا لإسرائيل من عون ضخم ونصر رخيص &#33;

                          من أجل ذلك أحسست راحة عميقة لكلمات السيد محمد أنور السادات ، وهو يهدر بضرورة احترام الشعب وكسر كل قيد يوضع على مشيئته .

                          إن هذه السياسة البصيرة هى الخطوة الأولى لقتال حقيقى مع المعتدين يقمع غرورهم ويقلم أظفارهم &#33;

                          إن جماهير العرب عطشى إلى الحرية والكرامة ، ولقد بذلت جهود هائلة لمنعها من الحق والجد وتعويدها عبادة اللذة إلى جانب عبادة الفرد ، ولكن جوهر الأمة تأبى على هذه الجهود السفيهة ، وإن كانت طوائف كثيرة قد جرفتها هذه المحن النفسية فهى تحيا فى فراغ ومجون مدمرين ، لا تبقى معهما رسالة ولا ينخذل عدو ..

                          ومن ثم كان العبء على المصلحين ثقيلاً ، ولكن ما بد منه لحماية حاضرنا ومستقبلنا .

                          ولقد تبعت الصراع بين الحكام المستبدين والرجال الأحرار منذ نصف قرن ، ودخلت فى تلك المعمعة لأذوق بعض مرها وضرها .

                          وكنت أردد بإعجاب صيحات الرجال الكبار وهم يهدمون الوثنية السياسية ويلطمون قادتها ولو كانوا فى أعلى المواضع .

                          من ذلك صيحة الأستاذ الكبير " عباس محمود العقاد " عندما قال معرضاً بالملك فؤاد : إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدى عليه &#33;&#33;

                          وقد قدم الكاتب الإسلامى الكبير إلى المحاكمة ليعاقب تسعة شهور فى سجن مصر العمومى ثم خرج الرجل من السجن فكان أول ما صنع أن زار قبر سعد زغلول ليؤكد بقاءه على العهد وتأييده لقضايا الحرية وخصامه لأعداء الشعب &#33;

                          ومن قصيدته التى ألقاها على قبره نذكر هذه الأبيات الشامخة :

                          خرجـت لـه أســعى وفى كل خطوة .. .. .. .. .. دعـــــــاء يــؤدى أو ولاء يــؤكــــــد
                          لأول مـن فــك الخــطى من قيودهــا .. .. .. .. .. أوائـل خــطـوى يــوم لا يـتـقـيـــــــد
                          وأعـــظـم بــهــا حـرية زيـد قــدرها .. .. .. .. .. لــدن فـقــدت أو قيل فى السجن تفقـد
                          عرفت لها الحبين فى النفس والحمى .. .. .. .. .. وكــان لــهـا حـــب وإن جــل مفـرد
                          وكنت جنيــن الســجـن تسعــة أشهـر .. .. .. .. .. فهــا أنـذا فى ســاحـة الخـــلـد أولــد
                          ففى كل يوم يولد المــرء ذى الحجى .. .. .. .. .. وفى كــل يــوم ذو الجهالــة يلحـــــد
                          وما أفقدت لى ظلمة السجن عزمــــة .. .. .. .. .. فــمـا كــل لــيل حــين يغشــاك مرقد
                          وما غيبتنى ظلمــة السجــن عن سنى .. .. .. .. .. من الرأى يتلــو فرقــداً منـــه فرقـــد
                          عـداتى وصحبى لا اخــتـلاف عليهما .. .. .. .. .. ســيعهــدنى كــل كــمـا كــان يـعـهــد

                          والعقاد بهذا الموقف الشريف ينتظم مع سلسلة الأبطال الذين يذودون عن الإنسانية بطش الجبابرة وجنون العظمة عند نفر من الملتاثين المتحكمين .

                          ولا أزال أكرر ما ذكرت فى بعض كتبى من أن الحريات المقررة هى الجو الوحيد لميلاد الدين ونمائه وازدهاره &#33;

                          وإن أنبياء الله لم يضاروا بها أو يهانوا إلا فى غيبة هذه الحريات ، وإذا كان الكفر قديماً لم ينشأ ويستقر إلا فى مهاد الذل والاستبداد فهو إلى يوم الناس هذا لا يبقى إلا حيث تموت الكلمة الحرة وتلطم الوجوه الشريفة وتتحكم عصابات من الأغبياء أو من أصحاب المآرب والأهواء ..

                          .. نعم ما يستقر الإلحاد إلا حيث تتحول البلاد إلى سجون كبيرة ، والحكام إلى سجانين دهاة .

                          من أجل ذلك ما هادنا ـ ولن نهادن إلى آخر الدهر ـ أوضاعاً تصطبغ بهذا العوج ويستشرى فيها ذلك الفساد .

                          ومرة أخرى أردد قول العقاد :

                          هو الحق ما دام قلبى معى .. .. .. .. .. وما دام فى اليد هذا القلم &#33;

                          إن البيئات التى تستمتع بمقادير كبيرة من الحرية هى التى تنضج فيه الملكات ، وتنمو المواهب العظيمة ، وهى السناد الإنسانى الممتد لكل رسالة جليلة وحضارة نافعة .

                          ولأمر ما اختار الله محمداً من العرب &#33;

                          إن ذلك يرجع إلى طبيعته الذاتية ، وطبيعة الجنس الذى ينميه على السواء &#33;&#33;

                          فإن العرب أيام البعثة كانوا أسعد الأمم بخطوط الحرية المتاحة لهم ، بينما كان الروم والفرس جماهير من العبيد الذين تعودوا الانحناء للحكام والسجود للملوك وضياع الشخصية فى ظل سلطات عمياء وأوامر ليس عليها اعتراض .

                          أما العرب فكانوا على عكس ذلك ، حتى لكأن كل فرد منهم ملك وإن لم يكن على رأسه تاج &#33;

                          ونشأ عن ذلك الاعتداد الخطير بالنفس أن كفار القبيلة كانوا يموتون دفاعاً عن مؤمنيها ، وكانت حرية الكلمة متداولة فى المجتمع تداول الخبز والماء ..

                          ووسط هذا الجو شقت رسالة الإسلام طريقها صعداً لم تثنها المعوقات الطبيعية التى لا بد منها ..

                          ومن الفطر القوية لأولئك العرب الأحرار كانت الانطلاقة التى عصفت بالحكومات المستبدة وبدلت الأرض غير الأرض والناس غير الناس .

                          ذلك أنه يستحيل أن يتكون فى ظل الاستبداد جيل محترم ، أو معدن صلب ، أو خلق مكافح .

                          وتأمل كلمة عنترة لأبيه شداد لما طلب منه الدفاع عن القبيلة ، قال : إن العبد لا يحسن الكر والفر ، ولكنه يحسن الحلب والصر &#33; فأجاب الوالد : كر وأنت حر &#33;

                          وقاتل " عنترة " وتحت لواء الحرية أدى واجبه ، ولو بقى عبداً ما اهتم بهلاك أمة من الناس فقد بينهم كرامته ومكانته ..

                          ومن مقابح الاستبداد أسلوبه الشائن فى إهانة الكفايات وترجيح الصغار وتكبيرهم تبعاً لمبدئه العتيد :

                          أهل الثقة أولى من أهل الكفاية .

                          ومن هم أهل الثقة ؟ أصحاب القدرة على الملق والكذب .. اللاهثون تحت أقدام السادة تلبية لإشارة أو التقاطاً لغنيمة .

                          هذا الصنف الخسيس من الناس هو الذى يؤثر بالمناصب ويظفر بالترقيات ، وتضفى عليه النعوت ، ويمكن له فى الأرض ..

                          أما أهل الرأى والخبرة والعزم والشرف فإن فضائلهم تحسب عليهم لا لهم ، وتنسج لهم الأكفان بدل أن ترفع لهم الرايات ..

                          والويل لأمة يقودها التافهون ، ويخزى فيها القادرون ..

                          وقد كنت أقرأ فى الصحف ـ دون دهشة ـ كيف أن المسئول عن " الثقافة والفكر فى الاتحاد الاشتراكى " رجل أمى يصيح كلما سأله المحقق : اعذرنى فإنى جاهل ..

                          إن هذه طبيعة الأوضاع التى تعيش على الظلام وتكره النور .

                          ما أكثر العلماء فى بلادنا لو أريد توسيد الأمر أهله ، ولكن العلماء ليسوا موضع ثقة لصغار المتصدرين لأن العالم يستنكر المتناقضات ويكره الدنية ، ويقول بغضب :

                          أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة .. .. .. .. .. إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

                          أما وقد أزال الله الغمة ، وعلت كلمة الأمة فلنعد بالأمور إلى أوضاعها السليمة ، ولنوفر الحريات التى طال إليها الشوق واشتد الحنين .

                          لقد كان الاستبداد قديماً أقل ضرراً من الاستبداد الذى نظمته الدولة الحديثة فى هذه الأعصار ، فإن الدولة فى العصر الحديث تدخلت فى أدق شئون الفرد وبسطت نفوذها على كل شىء .

                          ومن هنا كان الدمار الأدبى والمعنوى الذى يصحب الاستبداد بعيد الآماد خبيث العواقب .

                          ومن أحسن ما قيل فى تشييع ظالم مستبد :

                          لتبك على " الفضل بن مروان " نفسه .. .. .. .. .. فـلـيــس له بــاك من النــاس يعـــرف
                          لقــد صــحـب الدنيــا منوعــاً لخيرها .. .. .. .. .. وفــارقهــا وهــو الظلــوم المـعـنــف
                          إلى النــار فليذهــب ومن كان مثلـــه .. .. .. .. .. على أى شىء فاتـنـــا مــنـه نأسف ؟

                          اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان .

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #73
                            <div align="center">يا للرجال بلا دين </div>

                            إننى أسأل نفسى بإلحاح فى هذه الأيام العجاف : هل يشعر العرب بأن محمداً مرسل للعالمين ، وأن هذه " العالمية " فى دعوته تفرض عليهم بعد إذ عرفوه أن يعرفوا الناس به ، وهم عندما يعرفون الناس به لن يصفوا لهم ملامحه الشخصية وإنما يشرحون لهم رسالته الإلهية &#33;

                            لكن عرب اليوم لا يقدرون محمداً قدره ، ولا يخلفونه بأمانة فى مبادئه وتعاليمه ، ولا يحسون قبح الشبهات التى أثارها خصومه ضده ، بل هم ـ علماً وعملاً ـ مصدر متاعب للإسلام ولنبيه الكريم ، وشاهد زور يجعل الحكم عليه لا له &#33;

                            قد تقول حسبك حسبك أن الناس بخير ، ومحبتهم لرسولهم فوق التهم فلا تطلق هذه الصيحات الساخطة ، فما تحب الجماهير أحداً كما يحب أتباع محمد محمداً ..

                            وأقول لك : سوف أغمض العين عن ألوف من المتعلمين ضلل الاستعمار الثقافى سعيهم وشوه بصائرهم وأذواقهم ، مع أن وزنهم ثقيل فى قيادة الأمة العربية ، فما قيمة الحب الرخيص الذى تكنه جماهير الدهماء ؟

                            إنه حب غايته صلوات تفلت من الشفتين مصحوبة بعواطف حارة أو باردة ، وقلما تتحول إلى عمل كبير وجهاد خطير ، والترجمة عن حب محمد بهذا الأسلوب فى وقت ينهب فيه تراثه أمر مرفوض إن لم يكن ضرباً من النفاق &#33;

                            أذكر أنى ذهبت يوماً لأحد التجار كى أصلح شيئاً لى ، فاحتفى بى وقدم بعض الأشربة ، وأفهمنى أنه أتم ما أريد بعد أن وفيته ما أراد . ثم شعرت أن عمله كان ناقصاً ولا أقول مغشوشاً &#33;

                            قفلت : ليته ما حيا ولا رحب وأدى ما عليه بصدق &#33; ماذا أستفيد من تحيات لا جد معها ولا إخلاص .

                            والشأن كذلك مع أقوام قد تموج أحفال المولد النبوى بهم أو قد يصرخون بالصلاة على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى أعقاب الأذان ، أو قد يؤلفون صلوات من عند أنفسهم يحار المرء فى تراكيبها لإغراقها فى الخيال .

                            وقد يكون حبهم تمسكاً شديداً ببعض النوافل وهروباً تاماً من بعض الفرائض أو حناناً لا ندى معه ولا عطاء كهذا الذى قال له الشاعر :

                            لا ألفينك بعد الموت تندبنى .. .. .. .. .. وفى حياتى ما قدمت لى زادا

                            أى حب هذا .. إن العرب لا يعرفون أى شرف كتب لجنسهم ولغتهم وأمسهم وغدهم عندما ابتعث الله محمداً منهم ، وإن التقدير الحق لهذا الشرف لا يكون بالسلوك المستغرب الذى يواقعونه الآن ومنذ بدأوا يعبثون برسالة الله بينهم .

                            لما أراد رب العزة أن يعلن بركته النامية ورحمته الهامية اختار فى كتابه العزيز عبارتين مبينتين :

                            الأولى : تتحدث عن البركة فى مظهر القدرة التى تجمع أزمة الكون فى يده ، فيستحيل أن يغلب يوماً على أمره أو يشركه أحد فى ملكه ، وفى هذا المعنى يقول جل شأنه " تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير " .

                            والثانية : تتحدث عن البركة فى صورة الرجل الذى حمل هداه الأخير إلى عباده وتفجرت ينابيع الحكمة من بيانه وسيرته ، فكان القرآن الذى يتلوه مشرق شعاع لا ينطفي ، يهتدى على سناه أهل القارات الخمس ما بقى الليل والنهار . وفى هذا المعنى يقول جل شأنه " تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً " [ الفرقان ] .

                            إن الإنسان المبعوث رحمة للعالمين أشعل الأمة التى ظهر فى ربوعها فانطلقت لأول مرة من بدء الخليقة تحمل للناس الخير والعدل واستطاعت أن تؤدب جبابرة الأرض الذين عاثوا فى أرجائها فساداً وظنوا أن كبرياءهم لن يخدشها أحد &#33;

                            حتى جاء الرجال الذين رباهم محمد ، فقوموا صعر المعتدين ، وأعزوا جانب المستضعفين ، وكم تحتاج الدنيا فى يوم الناس هذا إلى هذا الطراز من الرجال ليحموا الحق الذليل وينقذوا التوحيد المهان ويقروا الأخوة الإنسانية المنكورة وينزلوا البيض إلى منزلة السود أو يرفعوا السود إلى منزلة البيض ..

                            لكن السقطة الرهيبة للعرب المعاصرين أنهم ذاهلون عن المكانة التى منحهم محمد إياها هابطون عن المستوى الذى شدهم إليه ، وفيهم من يفتح فمه ليقول : إن العرب يمكن أن يكونوا شيئاً من غير محمد &#33;&#33;

                            قبح الله وجهك من قائل أفاك ..

                            ومن أيام جاءنى نفر من العامة متنازعون على إدارة مسجد : بعضهم يريد أن يقول فى الأذان : " أشهد أن " سيدنا " محمداً رسول الله " .

                            والآخر يريد الاكتفاء بالوارد فلا يذكر لفظ " سيدنا " لأنه مبتدع .

                            ونظرت إلى أعراض المرض الذى يفتك بالأمة المعتلة ، وقلت لهم : إن محترفى الإفك من المبشرين والمستشرقين ملأوا أقطار العالم بالافتراء على محمد وشخصه ودينه ، ورسموا له صورة مشوهة فى أذهان الكثيرين وأنتم هنا لا تزالون فى هذا الغباء .

                            ما أشقى ديناً أنتم أتباعه ، إن المسلمين بين ما ورثوا من جهل وما نضح عليهم من ضلال العصر لا يزالون يهرفون بما لا يعرفون ..

                            .. إن حب محمد يوم يكون لقباً يضفيه عليه الكسالى الواهنون فهو حب لا وزن له ولا أثر &#33; ويوم يكون أحفالاً رسمية وشعبية بيوم ميلاده فهو حب لا وزن له ولا أثر &#33; ويوم يكون قراءة للكتاب المنزل عليه فى مواكب الموت ومجالس العزاء فهو حب لا وزن له ولا أثر &#33; ويوم يكون ادعاء تستر به الشهوات الكامنة والطباع الغلاظ فهو حب لا وزن له ولا أثر &#33; .. لأن محمداً هو الرسول الذى رسم للبشر طريق التسامى الحقيقى ، ورسم للجماعات طريق التلاقى على الحقائق والفضائل فدينه عقل يأبى الخرافة وقلب يعلو على الأهواء .

                            ـ ماذا كسب المسلمون عندما حولوا الدين من موضوع إلى شكل ؟

                            ـ وماذا كسب العرب عندما شقوا طريقهم إلى المستقبل وهم يطوون اسم محمد وتراثه عن نشاطه السياسى والعسكرى ؟

                            ولو نظرت إلى هذه الألوف المؤلفة من الكنائس والمعابد لوجدت داخلها أجهزة منظمة دوارة تعمل من غير ملل لصرف الناس عن الإسلام ونسبة أقبح النعوت إلى نبيه المبرأ الشريف ..

                            وكأن الله تبارك اسمه شاء أن يعرف هذه الأمم مدى ما كانت فيه من غباوة وأن يذيقها شيئاً من مرارة الجريمة التى ارتكبتها ، فهو فى ساحة العرض الشامل لأصناف الخلائق يحشر سكان القارات الخمس على مر القرون يحشرهم فى صعيد واحد ، ثم يكشف الغطاء عن عيونهم وإذا هم يتبينون فداحة جهلهم بالله الكبير المتعال ، ويتبينون شناعة خصامهم لإمام رسله ..

                            وهنا يموج بعضهم فى بعض [ كتبنا هذا الكلام فى كتابنا " من هنا نعلم " من ثلث قرن ] ، ويضطربون فى حيرة مفزعة لا يرجى منها خلاص ، وتتحرك جموعهم إلى كل نبى سمعوا باسمه فى العالم الذى انتهى يناشدونه أن يسأل الله لهم الرحمة ، ولكن النبيين كلهم يرفضون التصدى لهذا المطلب ، ويعود أهل القارات الخمس متراكضين إلى الرجل الذى طالما قيل لهم إنه كذاب ، إنهم يحسون الآن عن يقين أنهم أخطأوا فى حقه ، وأنهم يوم صدوا عنه كانوا يخسرون أنفسهم وأهليهم .. &#33; [ يشير شيخنا إلى حديث الشفاعة الطويل الذى رواه الإمام أحمد ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن حبان فى صحيحه راجع الترغيب ( 4 / 425 ) ] .

                            الشفاعة العظمى فى رأيى موقف يحاكم فيه التاريخ البشرى كله ليعترف أن انصرافه عن الإسلام كان مشاقة لله وعداء لأحب أوليائه وأصدق دعاته ..

                            وما أعجب أن تجد الإنسانية نفسها فى حرج يوشك أن يقضى عليها ثم تعلم فجأة أن التنفيس عن كرباتها ربما تم باللجوء إلى الرجل الذى عاشت دهوراً ، وهى تروى عنه الأكاذيب وتنسب إليه الأساطير .

                            والتجاء أهل الأرض إلى محمد فى هذه الساعة العصيبة ولجوءه إلى الله يطلب مغفرته لعبيده الأغرار ، ذلك فى ظنى هو المقام المحمود ، المقام الذى نسأله لمحمد عقب كل أذان يتردد صداه فى مهاب الريح ليستجيب له قوم وينصرف عنه آخرون " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت " محمداً " الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته " .

                            قلت : إن محمداً فى عالم العقائد والحقائق شمس وضاحة نفاحة ، لكن العميان كثيرون ، وقد مكث هذا الرسول النبيل يصدع بأمر الله وينقذ الناس من أهوائهم ومظالمهم ، ثم ذهب إلى الرفيق الأعلى تاركاً فينا تراثه الجليل من كتاب وسنة ، فليتعلم الدعاة من حياة سيد الدعاة أن أجر الحق المبذول لا يعجل فى الدنيا ، وأن للمقام المحمود موعداً فى غير هذه الدار يتعلق به وحده الدعاة الأبرار .

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #74
                              <div align="center">مشهورون ومجهولون </div>
                              أعجبنى فى اليمين التى حلف عليها أنس بن النضر أن الرجل كان يشهد الله وحده ، وينشد أولاً وآخراً رضاه .

                              لقد أحزنه أن الله لم يره فى ميدان القتال ببدر ، فأقسم أن يرى الله نفسه فى أول لقاء بالكافرين ، وأن يضرب أعلى مثل فى التفانى والاستبسال .

                              وذلك فى ذات الإله وإن يشأ .. .. .. .. .. يبارك على أوصال شلو ممزع

                              لم يدر فى خلد أنس تطلع إلى جاه أو تشوق إلى شهرة .

                              كان الرجل أزكى نية وأشرف نفساً من أن يلم بهذه الدنايا .

                              والعمل لا يوصف بالصلاح ولا يرشح للقبول إلا إذا خلص لله وحده ، وقصد به وجهه .

                              روى أحمد بن حنبل عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أخوف ما أخاف على أمتى الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء &#33;

                              يقول الله عز وجل ـ للمرائين ـ إذا جزى الله الناس بأعمالهم : " اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا ، فانظروا : هل تجدون عندهم جزاء ؟ " .

                              والواقع أنه لا جزاء عندهم لا فى الآخرة ولا فى الدنيا ، فماذا يرجو عبد من عبد إلا أن يزداد ذلاً ؟ وماذا يطلب فقير من فقير إلا أن يزداد عيلة &#33;

                              إن الإخلاص لله سياج العز وضمان الخير فى الحياتين .

                              وعندما تصدق النية فلا يخشى على العبد من مجاهرة بصلاة أو جهاد أو صدقة ، إذ الأساس استهداف وجه الله ، وليس على البال غيره .

                              ومن الحماقة أن يطلب إنسان ثناء الخلق وهو يعلم أن الله قد ستر عليه ذنوباً لو كشفوها لسودوا وجهه &#33;&#33;

                              الله أولى بالاتجاه والمودة وأحق بالحفاوة والالتفات ..

                              ومن عظمة الإيمان اكتفاء المرء بنظر الله إليه ، وإيثاره أن يعمل فى صمت ، أو يموت جندياً مجهولاً ، وهذا الاكتفاء دلالة استغراق المرء فى الشهود الإلهى ، ورسوخ قدمه فى مقام الإحسان ، وتلك هى الولاية كما شرحها معاذ بن جبل رضوان الله عليه .

                              روى ابن ماجه أن عمر بن الخطاب خرج إلى المسجد فوجد معاذاً عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يبكى &#33; فقال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله : " اليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إن غابوا لم يفتقدوا ، وإن حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة " .

                              أجل إن الله يحب أولئك العاملين فى صمت ، الزاهدين فى الشهرة والسلطة ، المشغولين باللباب عن القشور ، المتعلقة قلوبهم بالله ، لا تحجبهم عنه فتنة ولا تغريهم متعة .

                              وما أفقر أمتنا إلى هذا الصنف المبارك ، بهم ترزق وبهم تنصر .

                              إلا أن بعض العبادات الأصلية ما تتم إلا فى جو العلانية والظهور كالتعلم والدعوة والقضاء والجهاد ، بل إن قيام الأركان الأساسية يتطلب ذلك ، وهنا تؤكد خطورة النية المصاحبة فى تقويم أى عمل صحة وقبولاً .

                              وقد كان أبو بكر يقوم الليل فيقرأ سراً ، وكان عمر يقوم فيقرأ جهراً ، فلما سئل الصديق قال : أسمعت من أناجى &#33; ولما سئل الفاروق قال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان &#33;&#33;

                              إن إخلاص النية هنا وهناك يجعل السر والعلن سواء .

                              وذلك ما ينبغى أن يعيه الدعاة والقضاة والساسة والقادة ، وكل من يحملون مؤنة الآخرين ، أو يكونون فى موضع الأسوة .

                              والإخلاص لا يمنع المسلم من الاهتمام بنفسه وسمعته وكرامته .

                              إن الله كلفنا أن نجمل أبداننا وملابسنا ، وكره لنا رثاثة الهيئة وكآبة المنظر فى الأهل والمال ، فليس من الرياء أن نصون أحوالنا ونحصن مكاناتنا من الظنون والمكدرات &#33;

                              من حق الكريم ألا يتهم بالبخل كما أن من حق النظيف ألا يرمى بالأدران .

                              لكن الدفاع عن الكيان المادى والمعنوى شىء وطلب وجوه الناس بالعمل الصالح شىء آخر .

                              وقد خلد القرآن الكريم ذكر فريقين من الهداة الأتقياء :

                              ـ أحدهما : سجل أسماءه وجهاده وأثنى على رجاله أطيب الثناء .

                              ـ والآخر : طوى أسماءه ونشر سيرته واكتفى بشرح عمله وتزكية أثره .

                              من الأولين أنبياء الله الكرام الذين غرسوا هدايات السماء فى الأرض ، وذادوا عنها أوبئة الكفر والعدوان .

                              والقرآن عندما يثبت تاريخاً لا يعنى إلا بإبراز المناقب التى تؤخذ منها الأسوة والفضائل التى سبقت بذويها وأعلت أقدارهم &#33;

                              تدبر قوله تعالى : " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار . إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار " [ ص : 47 ] . إن هذه الآيات تنبه إلى الاستطالة المادية والمعنوية لهؤلاء الدعاة الكبار ، فليست الأيدى والأبصار هذه الأعضاء والحواس التى يشترك فيها العباقرة والدهماء ، ولكنها القدرة والمعرفة &#33;

                              وهل يتقدم من يتقدم ، ويتأخر من يتأخر إلا بهذا التفاوت البعيد فى الهمم والثقافات ؟؟

                              وندع الحديث عن هذا الفريق الذى رفع الله ذكره إلى الفريق الآخر الذى أسدل على أسماء رجاله ستار كثيف فما يعرفهم إلا ربهم .

                              من يدرى ؟ لعل هذا تكريم وتثبيت للذين يعملون حتى الممات بعيداً عن الأضواء ، إنهم أسمعوا من يناجون &#33; ولن يضيع من عملهم مثقال ذرة وإن جهل الناس من هم

                              لهم أسوة حسنة فيمن حكى القرآن أنباءهم وترك ـ غير نسيان ـ أسماءهم .

                              من هؤلاء مؤمن آل فرعون الذى أحس نية الغدر بموسى والتآمر على قتله ، فاصطنع أسلوب المحايد فى عرض نصحه وتفكيره قائلاً :

                              ما خطورة أن يؤمن أحد بالله ، أو يزعم أنه يحمل رسالة من لدنه :

                              ـ إن كان كاذباً فستفضحه الأيام ، ولن يضر إلا نفسه .

                              ـ وإن كان صادقاً فإن العدوان عليه استهداف لعقاب الله الكبير ، وليس من العقل التعرض لعقاب الله .

                              واستتلى يقول : قد نكون اليوم أقوياء غالبين ، ولكننا بشر لا نفلت من أصابع القدرة العليا عندما تقبض علينا فلا ينبغى أن نجور على عباد الله ..

                              قال تعالى مخلداً دفاع هذا المحامى المؤمن :

                              " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه : أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟&#33; وإن يك كاذباً فعليه كذبه ، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذى يعدكم ، إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب . يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا .. قال فرعون : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " [ غافر : 29 ] .

                              وأحب أن أقف قليلاً عند رد فرعون : هل كان الرجل يعتقد فعلاً أنه راشد ، أم أنه كان يحاد الله ورسوله وهو يدرى أنه مبطل عنيد ؟

                              الواقع أن كثيراً من الضالين يمضون فى طريق الغواية وهم يستحسنونها ويستريحون إليها ويعتقدون أن لهم وجهة نظر جديرة بالتسليم .

                              وفى هؤلاء يقول الله تعالى : " إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون " [ النمل : 4 ] ويقول : " أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم " [ محمد : 14 ] .

                              ويقول المفسرون فى قوله تعالى : " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " نزلت الآية فى أبى جهل عندما قاد المشركين فى معركة بدر ، فقد قال لما التقى الجمعان : اللهم أينا كان أفجر قاطعاً للرحم ـ يعنى نفسه ومحمداً ـ فاحفه اليوم أى أهلكه ..

                              فكأن هذا الكفور الكنود كان إلى الرمق الأخير يعتقد أنه محق فيما ارتكب &#33;&#33;

                              إن الحجاب المسدل على بصيرته لم يسمح لشعاع من الخير أن يتسلل إلى نفسه ، وهو المسئول عن ذلك الطمس ، فلولا إدمان المعصية وتعود الجريمة ، ما أصابه هذا العمى &#33;

                              وقد يكون كلا الرجلين " فرعون " و " أبو جهل " كاذباً فى حديثه عن نفسه وحواره مع قومه ، فمثلهما من الدهاء والقدرة بحيث يدرى أنه مسترسل مع هواه ، وأنه يكابر الحقائق ، ويشاق الله ورسله .

                              وقد كشف القرآن الكريم فى موضع آخر أن فرعون وقومه لما جاءتهم آيات الله الباهرة " جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً " [ النمل : 14 ] كما قال لرسوله محمد شارحاً موقف أبى جهل وأشباهه " إنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " [ الأنعام : 33 ] .

                              وقد كان مؤمن آل فرعون يحس أنه أمام جماعة من الأفاكين المغرورين ، فأخذ رويداً رويداً يتخلى عن موقف الحياد الذى بدأ به نصائحه وارتفعت درجة الحماس فى خطابه لفرعون ومن معه خصوصاً عندما قال فرعون ساخراً لوزيره هامان : " ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب ، أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى ، وإنى لأظنه كاذباً .. " [ غافر ] .

                              عندئذ احتدت لهجة الرجل المؤمن ، واضطرم الإخلاص فى قلبه ولسانه فصاح " يا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعوننى إلى النار .. " .

                              وقال : لا جرم أن ما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله " [ غافر ] .

                              ولكن هذه المناشدة الخالصة الحادبة لم تلق آذاناً واعية فمضى فرعون إلى مصرعه ، وأورد قومه الحتوف ، وبقى النصح الجميل الصادق الذى بذله الرجل المؤمن خالداً على الدهر يكشف عن أسرار القدرة العليا فيما أنزلت بالظالمين .

                              من هذا الرجل الذى يردد كلام الأنبياء وليس منهم ؟ لا نعرفه ، ولا نعرف عن مولده ومماته شيئاً .

                              ليكن رمزاً للعمل بعيداً عن الأضواء ، استعلاء على الشهرة فى الأرض ، وإيثار العقبى فى السماء &#33;&#33;

                              وهذا رجل آخر من الطراز عينه ، رجل وجد العراك محتدماً بين رسل الله وحماة الانحراف ، هؤلاء يريدون أن يبلغوا عن الله ويغيروا الشر السائد ، وأولئك يريدون تكميم أفواههم وإخراس ألسنتهم ..

                              ونما الخصام بين الفريقين ، وبلغ الأمر بأعداء الوحى أن تشاءموا من وجود المرسلين بينهم ، ومن دعوتهم فيهم ، فتهددوهم بالعذاب الأليم .

                              وجاء الرجل المؤمن من بعيد يهيب بقومه أن يعقلوا &#33;

                              وقال : " يا قوم اتبعوا المرسلين ، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون " [ يس : 26 ] .

                              لقد أمن قومه على أموالهم فلم يرزأهم أحد فيها ، وهذه الدنيا التى يحرصون عليها ستبقى لهم مزدانة بالإيمان الحق ، فما أجمل هذا &#33;

                              ثم تساءل : ما يمنعنا من الإيمان ؟ وما يغرينا بالشرك ؟

                              " وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون ؟ أأتخذ من دونه آلهة ، إن يردن الرحمن بضر لا تغنى عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ؟ إنى إذاً لفى ضلال مبين . إنى آمنت بربكم فاسمعون " .

                              إنه يريد إسماعهم ليرعووا ويقتدوا ولا يستوحشوا من الطريق الذى يدعوهم إليه .

                              وبقى الرجل إلى آخر رمق ينصح أهل بلده ليرشدوا ، بيد أنه مات تاركاً إياهم على غوايتهم .

                              فلما وجد طيب عيشه عند ربه وثمرة إيمانه تحف به وتقر عينه تذكر الرجل المخلص قومه فتمنى لهم الهدى " يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين " .

                              ولكن قومه أصروا على العمل فمستهم نفحة من عذاب الله أخمدت أنفاسهم وجعلتهم أثراً بعد عين .

                              من هذا الرجل الطيب القلب السمح النفس ؟

                              لا نعرفه ، حسبه أن ربه يعرفه ، إنه لم يعمل إلا له &#33;

                              والفتية أهل الكهف الذين أحبوا ربهم حباً جماً ، وغالوا بتوحيده مغالاة ظاهرة ، من هم ؟ لا ندرى ، لقد رفض القرآن أن يجلو النقاب عن أشخاصهم وعددهم " ربهم أعلم بهم " " ربى أعلم بعدتهم " .

                              لكنه كشف عن جلال يقينهم وسمو معرفتهم بالله وإجماعهم على إفراده بالعبادة ، وازدرائهم لكل انحراف إلى الشرك " ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذن شططاً " .

                              كما كشف عن تبرمهم الشديد بالمجتمع الوثنى وعزوفهم عن البقاء فيه ، وخشيتهم من العودة إليه إذا ضبطوا متلبسين بإيمان &#33;

                              وانظر مدى كراهيتهم للكفر ، والوقوع تحت سطوة أهله ، وقول بعضهم لبعض " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً &#33; " [ الكهف : 20 ]

                              إن العيش بمبدأ كريم ولمبدأ كريم شىء عظيم حقاً .

                              وإنما يتفجر الفداء والإخلاص من عمق هذه الحياة الرفيعة .

                              والأمة العربية فتكت بها أمراض الرياء ، وعلل التعاظم الأجوف والرغبة فى الظهور بالحق أو بالزور ، ولا يمكن أن تنهض أمة مع هذه الأدواء الخسيسة &#33;

                              إننا بحاجة إلى أعداد كبيرة من الجنود المجهولين ، يعملون فى ألف ميدان ، ويسدون ألف ألف ثغرة .

                              فهل يوجد من يكتفون بنظر الله إليهم ، ويستغنون عن أنظار الناس ؟

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #75
                                <div align="center">التنادى بالجهاد المقدس </div>
                                فى صدر تاريخنا ، وعلى امتداده مع الزمن ، كان العالم الإسلامى يعرف بحبه للجهاد وارتضائه لأشق التضحيات كى يحق الحق ويبطل الباطل .

                                كان هذا العالم الرحب عارم القوى الأدبية والمادية حتى يئس المعتدون من طول الاشتباك معه ، فقد كبح جماحهم ، وقلم أظفارهم ورد فلولهم مذعورة من حيث جاءت ، أو ألحق بهم من المغارم والآلام ما يظل بينهم عبرة متوارثة وتأديباً مرهوباً ..

                                ويرجع ذلك إلى أمور عدة :

                                أولها : أن الحقائق الدينية عندنا لا تنفك أبداً عن أسباب صيانتها ودواعى حمايتها ، فهى مغلفة بغطاء صلب يكسر أنياب الوحوش إذا حاولت قضمها .

                                وذلك هو السر فى بقاء عقائدنا سليمة برغم المحاولات المتكررة لاستباحتها ، تلك المحاولات التى نجحت فى اجتياح عقائد أخرى أو الانحراف بها عن أصلها .

                                ثم إن الإسلام جعل حراسة الحق أرفع العبادات أجراً ، أجل فلولا يقظة أولئك الحراس وتفانيهم ما بقى للإيمان منار ، ولا سرى له شعاع " قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد فى سبيل الله ؟ قال : لا تستطيعونه &#33; فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثة ، كل ذلك يقول : لا تستطيعونه &#33; ثم قال : مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام .. حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله " [ البخارى ] .

                                وإذا كان فقدان الحياة أمراً مقلقاً لبعض الناس فإن ترك الدنيا بالنسبة لبعض المجاهدين بداية تكريم إلهى مرموق الجلال شهى المنال حتى أن النبى صلى الله عليه وسلم حلف يرجو هذا المصير .

                                " والذى نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل " [ البخارى ] .

                                فأى إغراء بالاستماتة فى إعلاء كلمة الله ونصرة الدين أعظم من هذا الإغراء ؟

                                لقد كانت صيحة الجهاد المقدس قديماً تجتذب الشباب والشيب وتستهوى الجماهير من كل لون ، فإذا سيل لا آخر له من أولى الفداء والنجدة يصب فى الميدان المشتعل . فما تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تكوى أعداء الله وتلقنهم درساً لا ينسى .

                                هل أصبحت هذه الخصائص الإسلامية ذكريات مضت أم أنها محفورة فى عقلنا الباطن تحتاج إلى من يزيل عنها الغبار وحسب ؟

                                إن الاستعمار الذى زحف على العالم الإسلامى خلال كبوته الأخيرة بذل جهوداً هائلة لشغل المسلمين عن هذه المعانى أو لقتل هذه الخصائص النفسية فى حياتهم العامة ، وذلك ليضمن فرض ظلماته ومظالمه دون أية مقاومة &#33;

                                وقد توسل إلى ذلك بتكثير الشهوات أمام العيون الجائعة ، وتوهين العقائد والفضائل التى تعصم من الدنايا ، وإبعاد الإسلام شكلاً وموضوعاً عن كل مجال جادة ، وتضخيم كل نزعة محلية أو شخصية تمزق الأخوة الجامعة وتوهى الرباط العام بين أشتات المسلمين .

                                وقد أصاب خلال القرن الأخير نجاحاً ملحوظاً فى سبيل غايته تلك ..

                                ومن ثم لم تنجح محاولات تجميع المسلمين لصد العدو الذى جثم على أرضهم واستباح مقدساتهم ..

                                وما قيمة هذا التجميع إذا كان الذين ندعوهم قد تحللوا من الإيمان وفرائضه ، والقرآن وأحكامه .

                                إن تجميع الأصفار لا ينتج عدداً له قيمة &#33;&#33;

                                وإن الجهد الأول المعقول يكمن فى رد المسلمين إلى دينهم ، وتصحيح معالمه ومطالبه فى شئونهم ، ما ظهر منها وما بطن ..

                                عندئذ يدعون فيستجيبون ويكافحون فينتصرون ، ويحتشدون فى معارك الشرف فيبتسم لهم النصر القريب وتتفتح لهم جنات الرضوان .

                                إن الرجل ذا العقيدة عندما يقاتل لا يقف دونه شىء .

                                أعجبتنى هذه القصة الرمزية الوجيزة ، أسوقها هنا لما تنضح به من دلالة رائعة :

                                " حكوا عن قوم فيما مضى كانوا يعبدون شجرة من دون الله ، فخرج رجل مؤمن من صومعته وأخذ معه فأساً ليقطع بها هذه الشجرة ، غيرة لله وحمية لدينه &#33; فتمثل له إبليس فى صورة رجل وقال له : إلى أين أنت ذاهب ؟ قال : أقطع تلك الشجرة التى تعبدون من دون الله ، فقال له : اتركها وأنا أعطيك درهمين كل يوم ، تجدهما تحت وسادتك إذا استيقظت كل صباح &#33; ..

                                " فطمع الرجل فى المال ، وانثنى عن غرضه ، فلما أصبح لم يجد تحت وسادته شيئاً ، وظل كذلك ثلاثة ايام ، فخرج مغضباً ومعه الفأس ليقطع الشجرة &#33; قال : ارجع فلو دنوت منها قطعت عنقك ..

                                " لقد خرجت فى المرة الأولى غاضباً لله فما كان أحد يقدر على منعك &#33; أما هذه المرة فقد أتيت غاضباً للدنيا التى فاتتك ، فما لك مهابة ، ولا تستطيع بلوغ إربك فارجع عاجزاً مخذولاً .. " .

                                إن الغزو الثقافى للعالم الإسلامى استمات فى محو الإيمان الخالص وبواعثه المجردة ، استمات فى تعليق الأجيال الجديدة بعرض الدنيا ولذة الحياة ، استمات فى إرخاص المثل الرفيع وترجيح المنافع العاجلة ..

                                ويوم تكثر النماذج المعلولة من عبيد الحياة ومدمنى الشهوات فإن العدوان يشق طريقه كالسكين فى الزبد ، لا يلقى عائقاً ولا عنتاً ..

                                وهذا هو السبب فى جؤارنا الدائم بضرورة بناء المجتمع على الدين وفضائله ، فإن ذلك ليس استجابة للحق فقط ، بل هو السياج الذى يحمينا فى الدنيا كما ينقذنا فى الآخرة ..

                                إن ترك صلاة ما قد يكون إضاعة فريضة مهمة ، واتباع نزوة خاصة قد تكون ارتكاب جريمة مخلة ، لكن هذا أو ذاك يمثلان فى الأمة المنحرفة انهيار المقاومة المؤمنة والتمهيد لمرور العدوان الباغى دون رغبة فى جهاد أو أمل فى استشهاد ، ولعل ذلك سر قوله تعالى " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً " [ مريم 59 ] .

                                إن كلمة الجهاد المقدس إذا قيلت ـ قديماً ـ كان لها صدى نفسى واجتماعى بعيد المدى ، لأن التربية الدينية رفضت التثاقل إلى الأرض والتخاذل عن الواجب ، وعدت ذلك طريق العار والنار وخزى الدنيا والآخرة .

                                وهذه التربية المغالية بدين الله ، المؤثرة لرضاه أبداً هى التى تفتقر إليها أمتنا الإسلامية الكبرى فى شرق العالم وغربه .

                                وكل مؤتمر إسلامى لا يسبقه هذا التمهيد الحتم فلن يكون إلا طبلاً أجوف &#33;

                                والتربية الدينية التى ننشدها ليست ازوراراً عن مباهج الحياة التى تهفو إليها نفوس البشر ، ولكنها تربية تستهدف إدارة الحياة على محور من الشرف والاستقامة ، وجعل الإنسان مستعداً فى كل وقت لتطليق متعه إذا اعترضت طريق الواجب .

                                كنت أقرأ مقالاً مترجماً فى أدب النفس فاستغربت للتلاقى الجميل بين معانيه وبين مواريثنا الإسلامية المعروفة التى يجهلها للأسف كثير من الناس .

                                تأمل معى هذه العبارة :

                                " يقول جوته الشاعر الألمانى : من كان غنياً فى دخيلة نفسه فقلما يفتقر إلى شىء من خارجها &#33; "

                                أليس ذلك ترجمة أمينة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس " &#33; [ البخارى ]

                                عن أبى ذر رضى الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت : نعم يا رسول الله &#33; قال : فترى قلة المال هو الفقر ؟ فقلت : نعم يا رسول الله . قال : إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب " ..

                                واسمع هذه العبارة من المقال المذكور :

                                " النفس هى موطن العلل المضنية ، وهى الجديرة بالعناية والتعهد ، فإذا طلبت منها أن تسوس بدنك سياسة صالحة فاحرص على أن تعطيها من القوت ما تقوى به وتصح ..

                                " هذا القوت شىء آخر غير الأخبار المثيرة والملاهى المغرية والأحاديث التافهة والملذات البراقة التافهة ، ثم انظر إليها كيف تقوى بعد وتشتد ، إن التافه الخسيس مفسدة للنفس &#33; واعلم أن كل فكرة تفسح لها مكاناً فى عقلك ، وكل عاطفة تتسلل إلى فؤادك تترك فيك اثرها ، وتسلك بك أحد طريقين : إما أن تعجزك عن مزاولة الحياة وإما أن تزيدك اقتداراً وأملاً ".

                                أليس هذا الكلام المترجم شرحاً دقيقاً لقول البوصيرى :

                                وإذا حلــت الهــدايــة نفـســـاً .. .. .. .. .. نشطـت للعبـادة الأعضـــاء &#33;

                                وتمهيداً حسناً لقول ابن الرومى :

                                أمامك فانظر أى نهجيك تنهج .. .. .. .. .. طريقان شتى مستقيم وأعوج

                                واقرأ هذه الكلمات أيضاً فى المقال المترجم : " رب رجل وقع من الحياة فى مثل الأرض الموحلة فكادت تبتلعه ، ولكنه ظل يجاهد للنجاة مستيئساً ، وبينا هو كذلك انهارت قواه وشق عليه الجهاد وأسرعوا به إلى الطبيب .. الطبيب لم يجد بجسده علة ظاهرة . كل ما يحتاج إليه الرجل ناصح يعلمه كيف ينازل الحياة وجهاً لوجه لا تثنيه عقبة ولا رهبة ".

                                إن هذا الكلام يذكرنى بما روى عن جعفر الصادق : من طلب ما لم يخلق تعب ولم يرزق &#33; قيل وما ذاك ؟ قال : الراحة فى الدنيا .

                                وأنشدوا :

                                يطلب الراحة فى دار الفنا .. .. .. .. .. خاب من يطلب شيئاً لا يكون

                                إن التربية التى ننشدها نحن المسلمين ليست بدعاً من التفكير الإنسانى الراشد ، إنها صياغة الأجيال فى قوالب تجعلها صالحة لخدمة الحق وأداء ضرائبه ، واحتقار الدنيا يوم يكون الاستمساك بها مضيعة للإيمان ومغاضبة للرحمن ..

                                والاستعمار يوم وضع يده على العالم الإسلامى من مائة سنة صب الأجيال الناشئة فى قوالب أخرى ، نمت بعدها وهى تبحث عن الشهوات وتخلد إلى الأرض ، فلما ختلها عن دينها بهذه التربية الدنيئة استمكن من دنياها فأمست جسداً ونفساً لا تملك أمرها ، ولا تحكم يومها ولا غدها ..

                                بل إنها فى تقليدها للعالم الأقوى تقع فى تفاوت مثير :

                                عندما ننقل المباذل ومظاهر التفسخ فى الحضارة الغربية ننقلها بسرعة الصوت ، أما عندما ننقل علماً نافعاً وخيراً يسيراً فإن ذلك يتم بسرعة السلحفاة .

                                وكثير من الشعوب الإسلامية تبيع ثرواتها المعدنية والزراعية بأكوام من المواد المستهلكة وأدوات الزينة والترف مع فقرها المدقع إلى ما يدفع عنها جشع العدو ونياته السود فى اغتيالها وإبادتها &#33;

                                وظاهر أن هذا السلوك استجابة طبيعية لأسلوب التربية الذى أخذت به منذ الصغر ، وأثر محتوم لاتخاذ القرآن مهجوراً ، ونبذ تعاليمه وقيمه ، وهل ينتج ذلك إلا طفولة تفرح باللعب المصنوعة والطرف الجديدة والملابس المزركشة ، والمظاهر الفارغة ؟

                                ولا بأس بعد توفير ذا كله من استصحاب بعض الآثار الدينية السهلة &#33;

                                ولتكن هذه الآثار الاحتفال بذكرى قديمة أو زيارة قبر شهير &#33;

                                ثم يسمى هذا السلوك التافه تديناً &#33;

                                لقد جرب المسلمون الانسلاخ عن دينهم واطراح آدابه وترك جهاده فماذا جر عليهم ذلك ؟ حصد خضراءهم فى الأندلس فصفت منهم بلاد طالما ازدانت بهم وعنت لهم ، وما زال يرن فى أذنى قول الشاعر :

                                قلت يوماً لدار قوم تفانوا .. .. .. .. .. أين سكـانك العـزاز علينا ؟
                                فأجابت هــنا أقاموا قليلاً .. .. .. .. .. ثم ساروا ولست أعلم أينا &#33;

                                أسمعت هذا النغم الحزين يروى فى اقتضاب عقبى اللهو واللعب ، عقبى إضاعة الصلوات واتباع الشهوات .. إن عرب الأندلس لم يتحولوا عن دارهم طائعين ولكنهم خرجوا مطرودين .

                                أفلا يرعوى الأحفاد مما أصاب الأجداد ؟

                                لقد قرأت أنباء مؤتمرات عربية وإسلامية كثيرة اجتمعت لعلاج مشكلة فلسطين ، فكنت أدع الصحف جانباً ثم أهمس إلى نفسى : هناك خطوة تسبق كل هذا ، خطوة لا غنى عنها أبداً :

                                هى أن يدخل المسلمون فى الإسلام ..

                                إننى ألمح فى كل ناحية استهانة بالفرائض ، وتطلعاً إلى الشهوات ، وزهادة فى المخاطرة والنقب وإيثاراً للسطوح على الأعماق والأشكال عن الحقائق ، وهذه الخلال تهدم البناء القائم . فكيف تعيد مجداً تهدم أو ترد عدواً توغل .. ؟

                                ما أحرانا أن نعقل التحذير النبوى الكريم " إنما أخشى عليكم شهوات الغى فى بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى " فإذا أصغينا إلى هذا النذير ابتعدنا عن منحدر ليست وراءه إلا هاوية لا قرار لها ، ثوى فيها قبلنا المفرطون والجاحدون .

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X