إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

طلائع الرفض في المجتمع المصري

Collapse
This is a sticky topic.
X
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #31
    المطلب الأول


    مقاصد الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان


    يرتبط إحقاق حقوق الإنسان بالإصلاح الاجتماعي، فلا إحقاق للحقوق في ظِلِّ الفسادوالإفساد القائم على الجور والظلم، ولذلك فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد أقرَّتالمقاصد الشرعية الإسلامية لتحقيق الإصلاح الاجتماعي القائم على إنصاف الإنسانوإعطائه كامل حقوقه في ظلِّ العدل والمساواة، وبناءً على ذلك تتطابق نتائج حِكْمَةِ الْحُكم وعلته، ويتجلى ذلك في المقصد الذي ترمي إليه الأحكام من خلال درء المفاسد،وجلب المصالح للمخلوقات
    وإن استقراء المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية يوضح أن الشريعة قد جاءت من أجل حماية الكون، وفي مقدمته إنصاف الإنسان، وتحريره من الظلم، وفرضت أحكام الحلال والحرام، وأباحت الرخص بشروطها المعقولة في حالات استثنائية من أجل حفظ المهجة، ورعاية المصالح العامة والخاصة، واعتماد تقعيد العموم والخصوص، وإقرار فقه الحقوق الإنسانية العامة والخاصة عملا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
    ومَن يستقرئ أصول الأحكام الشرعية وفروعها يجد توافقاً عقلياًّ وشرعياًّ على ضرورة توفر الشروط الخاصة بكل حُكم، والشرطُ العامّ هو توفر الأهلية باعتبارها مناط التكليف الشرعي القائم على الأمرِ بطاعةٍ، والنهي عن معصيةٍ، واشتراطُ الأهلية لوجوب التكليف هو الضمان الأساسي لحقوق الإنسان لأن انعدام الأهلية يُسقط التكليف لعدم وجود الاستطاعة وبمعنى آخرإن طاعة الحاكم الشرعي، أو غير الشرعي لا تقتضي ظلم الرعية لأن ظلمها يتعارض مع مقاصد الشريعة الشرعية، ومع شرعة حقوق الإنسان الوضعية، والفارق كبير بين طاعة الخالق، وطاعة المخلوق، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب طاعة المخلوق من أجل طاعة الخالق، وبناء على ذلك يتضح الواجب الشرعي القاضي بالإنصاف، والناهي عن الظلم، وميزان تقييم تأدية الواجب هو مدى التزام الحكام عامةً وخاصّةً بتطبيقِ العدل المأمور به شرعاً وعقلاً ونقلاً،وتَجَنُّبِ الْجَور المنهي عنه شرعاً وأخلاقياًّ وإنسانياًّ وفلسفياًّ إن رصد وقائع الأحداث في عالمنا المعاصر يوضِحُ وجود حراك وجدال ومناظرات في الميادين الفكرية والتشريعية والسياسية والفلسفية، وكل فريق يدعي أنه يمتلك الحل السحري للمعضلات البشرية، ويضمن حقوق الإنسان من العدوان، ويتمسك بالديمقراطية التي تخدمه، ولو ألغت الفريق المعارض له، وفي خضم الجدال نجد بعض المجادلين الناقمين على الإسلام يعادون أفكار الآخرين بسبب التعصب الذاتي، وبسبب جهلهم ما عند الآخر، والإنسان عدو ما يجهل بالغريزة، ومن هنا نجد من يعادي الشريعة الإسلامية ويعتبرها خطراً على حقوق الإنسان لأنه يجهل أحكام الشريعة وأسبابهاوشروطها وعللها وهنالك مَن يدعي مسّ الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان، وسبب الادعاءات هو أن ذلك الْمُدّعي لم يقرأ التراث الشرعي الإسلامي، ويهاجم بدوافع الحقد والكراهية، والأحكام المسبقة دون اعتبار للأدلة الواضحة للمنصفين، ولكن المنصف الذي درس التراث، واعتنى بتأصيل العلوم، ومعرفة سياقها التاريخي بشكل دقيق يعلم عدالتها، ويتأكد من شرعيتها بإسنادها إلى المصدر الأول في عهد النبوة، إذ أن العمل بما هو شرعي يقتضي النصَّ قولاً أو عملاً أو إقراراً، ولدى استقراء ما وصلنامن عهد النبوة والخلافة الراشدة، ثم الخلافة الأموية فالعباسية فالعثمانية نجد تسلسل انتقال العلوم من التأصيل إلى التفريع، ومن الإجمالإلى التفصيل، وفي استقراء وقائع الأحداث في جميع المراحل التاريخية منذ فجر الإسلام حتى الآن نجد أن حفظ حقوق الإنسان منوط بالتمسك بمقاصد الشريعة التي يُعبَّرُ عنهابالمصالح، وقد وصلتنا نصوص مخطوطة لعلماء أجلاء تدعم الروايات الشفوية المتواترة بالسماع الصحيح الذي أخذه الخلف عن السلف ومن العلماء المؤلفين الذين تركوا لنا نصوصا مضيئة حول المصالح الإنسانية الإمام العزّ بن عبدالسلام المتوفى عام 660 / 1262م،وضمّنها كتابه ‏(‏قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وبيَّن كيفية "جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا ،وقال: "لِلدارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا" وفي هذا الكلام إشارة إلى حفظ حقوق الإنسان في الدنيا والآخرة ومن كتب التراث الإسلامي الرائدة في إيضاح حقوق الإنسان كتاب الموافقات الذي ألفه الإمام الشاطبي المالكي، وضمَّنه مقاصد الشريعة الإسلامية التي تضمن حقوق الإنسان، وكانت وفاة الشاطبي سنة 790 / 1388م في عهد السلطان العثماني مراد الأول الذي استشهد بعد الانتصار في معركة كوسوفو، ومصطلح المقاصد عند الأصوليين مُواز لمصطلح المصالح، ومافيه مقصد للشريعة فيه مصلحة للبشر، ومجيء المصالح بمعنى المقاصد وارد عندالإمام الزركشي الشافعي( 745 - 794 / 1344 - 1392م) حيث يستخدم مصطلح المصالح بدل مصطلح المقاصد، وهذا واضح في كتاب البحر المحيط في أصولالفقه حيث يقول :
    قَالَ أَصْحَابُنَا: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ كُلَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ, إجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ إمَّا عَلَى جِهَةِ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ عَلَى أَصْلِنَا, أَوْ عَلَى جِهَةِالْوُجُوبِ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ, فَنَحْنُ نَقُولُ: هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ, وَلا لأَنَّخُلُوَّ الأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ, وَإِنَّمَا نَقُولُ: رِعَايَةُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَمْرٌوَاقِعٌ فِي الشَّرْعِ, وَكَانَ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ لا يَقَعَ كَسَائِرِالأُمُورِ الْعَادِيَّةِ".
    ويستخدم الزركشي مصطلح الاستصلاح في قوله: "وَلَكِنَّ الَّذِي عَرَفْنَاهُ مِنْ الشَّرَائِعِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى الاسْتِصْلَاحِ , ودَلَّتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى مُلاءَمَةِ الشَّرْعِ لِلْعِبَادَاتِ الْجِبِلِيَّةِ،وَالسِّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَأَنَّهَا لا تَنْفَكُّ عَنْ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ"، وتتعدد المصطلحات المرتبة بالمقاصد والمصالح عند الأصوليين المسلمين،وهذا واضح عند الزركشي في معرض البحث في موضوع "[ الْمَسْلَكُ ] الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ [الْمُنَاسَبَةُ]" حيث يقول الزركشي:
    "وَهِيَ مِنْالطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ , وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ" الإِخَالَةِ "وَبِـ" الْمَصْلَحَةِ " وَبِـ " الاسْتِدْلالِ " وَبِـ " رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ ". وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا" تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ" لأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ. وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ،وَغَمْرَتُهُ، وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ. وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ , أَيْ : الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُلاءَمَةُ" وفي هذا الكلام إيضاح عدد من المرادفات التي استعملهاالعلماء للتعبير عن مراعاة المقاصد الشرعية ورعاية المصالح الإنسانية، وهذا دليلعلى قِدَم الاهتمام بالمقاصد والمصالح رغم تنوع المصطلحات المعبرة عنها عبر القرونالتي سبقت القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ومازالت معتبرة حتى العصرالحاضر.
    لاشك أن العلوم قد تطورت، وتفرعت عن الأصول فروع كثيرة، ولم تتخلف الشريعة الإسلامية عن مواكبة العصر حسبما يراه بعض المتخلفين الذين لم يفهموا الشريعة، فللشريعة مقاصد حيوية مناسبة لكل عصر، والمقاصد تتعلق بالفرد وبالمجتمع،وهي بذلك تحفظ حقوق الإنسان الفرد الضرورية المتمثلة بحفظ النفس، وحفظ الدين، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، كما تحفظ الشريعة الإسلامية حقوق الجماعة الإنسانية التي تبدأ بالأسرة،وتتسع لتشمل الإنسانية عامة، وتبدأ بحفظ الحقوق الإنسانية ابتداءً بالعلاقات الأُسَريّة التي تشمل حفظ النوع البشري بتنظيم العلاقة بين الجنسين، وحفظ النسب، وتحقيق السكن والمودة والرحمة جراء التعاون علمياًّ وعملياًّ في كافة المناشط الإنسانية العاطفية والدينية والاقتصادية، وبالإضافة للعلاقات الأسرية أوجبت الشريعة في حلقة أوسع حقوق الأُمّة،وفرضت قيام مؤسسات الدولة لإقامة العدلبين الناس، ولحفظ الأمن والأمان، ورعاية مكارم الأخلاق، وإقرار التكافل الاجتماعي،ونشر العلوم، ومكافحة الجهل، والمحافظة على المال الخاص والعام، والتعاون مع الأممالأخرى لتحقيق إعمار الأرض المأمور به شرعاً، ومكافحة التدمير والتخريب المنهي عنه شرعا، والأدلة الشرعية على ذلك ثابتة بنصوص القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية المطهرة، وأدلة إجماع السلف الصالح، وما يتضمنه التراث الشرعي الإسلامي من المنقول والمعقول.
    ولا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضروريات، بل تتجاوزها إلى الحاجيات والتحسينيات والتكميليات.
    فأماالحاجيّات فهي ما يُفْتَقَرُ إليه من حيث التَّوْسِعة على الناس، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وتشمل ما يتعلق بالحاجات العامة، ولا يصل إلى مرتبة الضروريات.
    وأماالتحسينات فتشمل مكارم الأخلاق، ومُستحسَن العادات والتقاليد، وتستبعد ما يؤذي الذوق العاممما يأنفه العاقلون، واستقراء ما تضمنته الشريعة الإسلامية من مقاصد الشريعة وماانطوت عليه من الضروريات والحاجيات والتحسينيات والتكميليات يُوضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت حقوق الإنسان كأفضل ما يكون، وأن دعاوى النقاد المعادين ما هي إلا غمامة صيف لا مطر فيها ولا خير للإنسانية، بل هي دعاوى شاذة تقوم على الجهل والتجني.
    Last edited by زهدي جمال الدين; 18-02-2008, 04:36 PM.

    هنـــــــــــــا

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #32
      وتضمنت الشريعة الإسلامية آلية لحفظ الحقوق الإنسانية،وذلك بفرض العقوبات على المخالفين لتردعهم عن إلحاق الأذى بغيرهم،وتناسبت الحدود الشرعية مع نوعية المخالفة وما تنتجه من ضرر خاص أو عام، فهنالك حَدُّ الردة لحفظ الدين، وحَدُّ القتل العمد العدوان قصاصاً لحفظ النفس، وحَدُّ الزنا لحفظ النسب أو النسل، وحَدُّ شرب الخمر لحفظ نعمة العقل، وحَدُّ قطع السارقلحفظ المال، وحَدُّ القذف لحفظ العِرْض والسُّمعة من افتراء المفترين، وتطبيق هذه الحدود هو من أجل ردع من تسول له نفسه تدمير القيم الإنسانية، وليست من أجل التنكيل بالمجرم.
      إن المنقول والمعقول الشرعي الإسلامي قد نصَّ على حفظ حقوق الإنسان في الحياة، والدليل قوله تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32
      وحق الإنسان في الحرية التي أشار إليهاالخليفةعمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوله لابن الأكرمين: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" وحق المساواة بين الناس والحكم بالعدل، والدليل قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًابَصِيرًا}سورة النساء، الآية:58.
      وحق الدفاع عن النفس والعرض والمال، وذلك بالرد على المعتدي، والدليل قوله تعالى:
      {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة البقرة، الآية: 194.
      وهنالك حقوق كثيرة ضمنها الشريعة لكي يحيا الإنسان حياة حرة كريمة دون أن يؤذى، أويُلحق الأذى بالآخرين عملا بالقاعدة الشرعية التي تقول:
      " درءالمفسدة مقدم على جلب المصلحة" ويكون ذلك بالحكمة، وليساعتباطاً.

      لقد أوضح الإمام ابن تيمية الطريقة القويمة والمنهاج الواضح في كيفية التعامل مع كافة القضايا حيث يقول: "والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة،والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ماهو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين: لم يَعْرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يَعْرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومَن عبدَ الله بغير علمكان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح" ومن هنا وجب على مَن يتصدى للحديث في شؤون الأمة بشكل عامّ ، وحقوق الإنسان بشكل خاص أن يعلم مضمون الشريعة، وكيفية تعاملها في الحقوق والواجبات كي يستطيع أن يكون مُنصفا، وليس مُتجنياًّ كما هو حال الكثيرين الذين يتشدقون بحقوق الإنسان، ويدعون أن الشريعة الإسلامية هي السبب، والراجح أن الذي يدفعهم إلى اتخاذ تلك المواقف هو سبب واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما الحقد على الإسلام والمسلمين، وإما الجهل المطلق بمضمون الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان.

      هنـــــــــــــا

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #33
        المطلب الثاني


        مصادر التشريع الإسلامي

        لا يخلو مجتمع، صغر حجم أفراده أو كبر، قلّ باعه في المدنية أو كثر، من شريعة وقانون ينظم مسيرة أبنائه، يسلك بهم سبل التعاون على الخير، ويبين حدود كل واحد منهم، وما له من حقوق وما عليه من واجبات، ضمن منظومة مجتمعية حاكمة لها سلطة القانون، وحتى في المجتمعات الصغيرة المتناثرة التي انقطع عنها حبل المدنية والحضارة، أو لم يصل إليها نور الشرائع روحها، فإنها تعيش في إطار شبكة من الشرائع التي تبنتها على مدار الزمن ودونتها عقليات هذا المجتمع وان تدانت في المدنية من وجهة نظر الآخرين.
        وتصاغ الشريعة في صورة قوانين ..والقانون، في السياسة وعلم التشريع، هو مجموعة قواعد التصرف التي تجيز وتحدد حدود العلاقات و الحقوق بين الناس والمنظمات، والعلاقة التبادلية بين الفرد والدولة ؛ بالإضافة إلى العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعدَ المؤسسة للقانون..
        أي أن القانون لكي يمكن تطبيقه واحترامه يجب أن يتكون من قواعد واضحة ليس فيها لبس.. ولهذا السبب استقر الرأي في كل الدول الحديثة أنه لا يتم سن أي قوانين إلا من خلال مجلس واحد وهو المجلس التشريعي المنتخب ولا يتم تعديله إلا من خلال هذا المجلس.. ليكون القانون واضحا يسهل علي القضاة الحكم به.. ويسهل علي الدولة تطبيقه.. ويسهل علي الأفراد حكاما ومحكومين احترامه.. واتفق ببساطة أن التشريع يعني سن القوانين..
        وتقابل الشريعة أو القانون، اللاقانون والفوضى، حتى إذا ما أريد وصف الحالة الفوضوية المؤدية إلى خراب البلد، قيل في مثل هذا البلد والمجتمع أن شريعة الغاب تحكمه وتتحكم في أفراده، في إشارة إلى الحياة السبعية في الغابات والأدغال، على إن الحياة السبعية هي الأخرى تحكمها قوانين خاصة بها، وإلا لما أُطلق عليها شريعة الغاب، بل إن بني البشر في بعض الأحيان تسوقه الفوضى والخراب إلى الدرجة التي يتفوق فيها في اللاقانون على سكان الغابة من الوحوش الكاسرة، فلا يصدق معه مفهوم شريعة الغابة، ولا الشريعة المدنية، فيكون هو أقرب إلى شريعة القتل وهتك الحرمات منه إلى شريعة الغاب.
        وبالرغم من تمايز الشرائع ما بين شريعة سماوية وأخرى بشرية، فان قاسم الشرائع جميعها منصب على خلق النظام في صفوف المجتمع الواحد أو الطائفة أو الأمة، ولكن ما يميز شريعة الإسلام الخاتم لجميع الأديان السماوية، عن غيره، أنها شريعة متكاملة ومتطورة ومواكبة لتحولات العصور والدهور، ومنسجمة تماما مع ناموس الحياة والكون، لا يعجز الفقيه الحاذق من إيجاد الفتوى والرأي الفقهي من بين ثنايا نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة، للمرونة المتوفرة في الفقه الإسلامي والسعة القانونية التي تتصف بها شريعة الإسلام، ما جعلها قائمة إلى يومنا هذا، وتنعقد عليها العشرات من الحكومات والإمبراطوريات، وتتصدر المادة الأولى من دستور أية دولة، بغض النظر عن حجم التطبيق والممارسة.
        ولبيان معالم التشريع الإسلامي ومصادره، وقراءة معرفية لأصوله لدى المذاهب الإسلامية المختلفة..
        والفقه الإسلامي بمرونته وحيويته قادر على حلّ كل المشكلات مهما تجددت الحوادث وتشعبت مذاهب الحياة فيها، وهذا يعود إلى طبيعة الشرع الإسلامي المتجدد بذاته، والى باب الاجتهاد المفتوح أمام الفقهاء العدول للبت في مستحدثات الحياة، فيما لا نص فيه، قطعيا في صدوره كان أو ظنيا.
        ولأن مصادر التشريع تشعبت بمرور الزمن، فكثيرا ما تلتقي المذاهب الإسلامية في أمور وتختلف في غيرها، وذلك لأن مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة لم تنتظم في سلك واحد لدى الفقهاء جميعاً، فمنهم من عمل ببعضها ومنهم من أخذ بغيرها.
        فالتشريع هو الدين بنصه وحكمه وآياته وتنزيله.
        وأما الفقه، فهو فهمنا للدين، وقدرتنا على إتباعه، والاستفادة من أدلته. فالفقيه إذن ليس مشرعا بذاته، وإنما فاهماً وشارحاً ومفسراً ومبيناً لأمور الشرع. وهؤلاء الفقهاء وان استقلوا بفتاواهم أو علومهم، فإنهم يأخذون عن غيرهم من العلماء، ومن هنا كنت تجد العلماء يعتمدون نصوص بعضهم ويتتلمذ الواحد منهم على الآخر، حتى قال الشافعي رحمه الله (كلنا عيال على أبي حنيفة)". وصح تواتر القول عن الإمام أبي حنيفة النعمان: (لولا السنتان لهلك النعمان)، وهو بذلك يشير إلى السنتين اللتين جلس فيهما يأخذ العلم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق.
        ولكن هل يصدق القول على كل من لبس العمة والجبة، أنه دخل سلك الفقهاء وصار منهم؟.
        إن الفقيه هو من أتقن علوم الدين من كتاب وسنة وتفسير وعقيدة ولغة، وأصبحت لديه الملكة المؤهلة للخوض والاجتهاد في أمور الدين وعلى هذا فيمكننا أن نحدد أن الفقيه من استطاع أن يستنبط الأحكام ليقرّب أمور الدنيا من أمور الدين، وجعل أمور الدنيا ومستجداتها تدور في دائرة الشرع ولا تخرج عنها مستعينا بما يملك من إمكانيات ووسائل تعينه في ذلك.
        إذن، فان مصالح الناس، هي محور عمل الفقيه واجتهاده.
        إذن "مصادر التشريع" هي: "السبل التي يستخدمها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية، ويعتمد عليها في الوصول إلى مبتغاه".
        وبالطبع ليس الأحكام كلها، لأنه في الشريعة الإسلامية وربما في غيرها ثوابت ومتغيرات وإن شئت فسمّها بالساكن والمتحرك، فهناك ضرورات لا تطالها يد الاجتهاد، وهي:
        التي تشمل جميع الأحكام المبينة من المحكمات وما ورد فيه نص إلهي أو نص نبوي أو نص إمام من الأئمة الأربعة، مما لا خلاف عليه فلا يمكن تعديه، هذا هو الثابت من الشريعة وما تبقى خارج هذه الدائرة فهو المتحرك من هذه الشريعة، والمتغير من القانون، حيث تُرك المجال مفتوحاً أمام الفقيه أو الحاكم ليملأه حسب الحاجة طبقا للكتاب والسنة.
        على أن الفقيه يبحث في التشريع المختص بالأحكام الشرعية لا العقائدية، لان موضوع التشريع هو الفقه وليس الكلام.
        كما أن للتشريع مادتين أساسيتين وهما: القرآن الكريم والسنّة النبوية، ووقع الخلاف بين المذاهب الإسلامية، في أربعة عشر موردا، وهي: الإجماع، العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح الذرائع وسدّها، العرف، شرع مّن قبلنا، مذهب الصحابي، القرعة، الحيل الشرعية، الشهرة، السيرة، والأصول العملية.
        أصول الشريعة المتفق عليها:
        التشريع أو الفقه الإسلامي هو مجموعة الأحكام الشرعية التي أمر الله عباده بها، ومصادره أربعة وهي التالية:
        القرآن:
        وهو كلام الله تعالى وهو المصدر و المرجع لأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت لنا مسألة رجعنا قبل كل شيء إلى كتاب الله عز وجل لنبحث عن حكمها فيه، فإن وجدنا فيه الحكم أخذنا به، ولم نرجع إلى غيره. ولكن القرآن لم يقصد بآياته كل جزئيات المسائل وتبيين أحكامها والنص عليها، وإنما نص القرآن الكريم على العقائد تفصيلاً، والعبادات والمعاملات إجمالاً ورسم الخطوط العامة لحياة المسلمين، وجعل تفصيل ذلك للسنة النبوية. فمثلاً: أمَرَ القرآن بالصلاة، ولم يبين كيفياتها، ولا عدد ركعاتها. لذلك كان القرآن مرتبطاً بالسنة النبوية لتبيين تلك الخطوط العامة وتفصيل ما فيه من المسائل المجملة.
        السُنَّة النبوية:
        وهي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير. وتُعَدُّ في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم، شريطة أن تكون ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، والعمل بها واجب، وهي ضرورية لفهم القرآن و العمل به.
        الإجماع:
        هو اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي، فإذا اتفق هؤلاء العلماء - سواء كانوا في عصر الصحابة أو بعدهم - على حكم من الأحكام الشرعية كان اتفاقهم هذا إجماعاً وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن علماء المسلمين لا يجتمعون على ضلالة، فما اتفقوا عليه كان حقاً.
        روى أحمد في مسنده عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألتُ الله عز وجل أن لا يَجمَعَ أمَّتي على ضلالةٍ فأعطانيها ".
        والإجماع يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الرجوع إليه، فإذا لم نجد الحكم في القرآن، ولا في السنة، نظرنا هل أجمع علماء المسلمين عليه، فإن وجدنا ذلك أخذنا وعملنا به.
        مثاله، إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أن الجد يأخذ سدس التركة مع الولد الذكر، عند عدم وجود الأب.
        4- القياس:
        وهو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما. وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع. فالقياس إذاً في المرتبة الرابعة من حيث الرجوع إليه.
        أركان القياس أربعة: أصل مقيس عليه، وفرع مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع.
        ودليله قوله عز وجل: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، أي لا تجمدوا أمام مسألة ما، بل قيسوا وقائعكم الآتية على سنَّة الله الماضية. وروى مسلم وغيره عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ".
        وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أرسله رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم إلى اليمن ليُعَلِّمَ الناس دينهم، فقال: يا معاذ بما تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أقيس الأمور بمشبهاتها ( وهذا هو الاجتهاد )، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تهلل وجهه سروراً: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله، وفي رواية أخرى قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (أي أجتهد و لا أترك).
        مثاله: إن الله تعالى حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، و العلة في تحريمه: هي أنه مسكر يُذهِب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حَكَمنا بتحريمه قياساً على الخمر، لأن علة التحريم ـ وهي الإسكار ـ موجودة في هذا الشراب؛ فيكون حراماً قياساً على الخمر.


        الأصول المختلف عليها:
        1ـ الإجماع، الذي يعني عند أهل اللغة، الاتفاق، وعند أهل الفقه والأصول هو اتفاق الأمة أو الصحابة أو العلماء، فالإجماع بالإجمال أسلوب حضاري سبق المسلمون غيرهم إلى الأخذ بآراء أرباب العلم.
        وبعيدا عن الخلافات حول متعلق الإجماع فانه بالإجمال حجة عند جميع المذاهب وهو أحد الأصول المعتمدة في التشريع"، على إنه ليس أصلا بذاته.
        2ـ العقل، وهو الذي يوصف بأنه: القوة التي يدرك بها الإنسان ويحكم من خلالها على مدركاتها، وإنما سمي بالعقل لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك". وعليه فيجب على الفقيه المجتهد الجامع للشرائط أن يتحلى بعقلية قريبة من الفطرة الإنسانية والواقع المعاش والمذاق الإسلامي، بلحاظ أن للبيئة تأثيرا على نمط الفتوى والحكم وهذه النظرية جديرة بالاهتمام حيث أنها تتوافق مع صلب الإسلام من جهة، كما والتطور الاجتماعي وكلّ ملابساته من جهة أخرى.
        3ـ القياس: والذي وردت فيه تعريفات عدة، والذي يعني فيما يعني التعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره، وفيما إذا لم يرد بذلك الحكم نص من الكتاب والسنة. على إن القياس واحد من الأصول المتنازع عليها بين المذاهب.
        4ـ الاستحسان: وهو عد الشيء حسناً، مع اختلاف الفقهاء الأصوليين في تعريفه والاستدلال عليه، فان: "الاستحسان: في الواقع لا يغني عن الحق شيئاً وانه مجرد عد الشيء حسناً كما عرّفه اللغويون وهذا هو الرأي بعينه وربما أضاف بعضهم بعض الشروط ليقيدها بما يلائم القواعد الأصولية". وهو لا يعد دليلا في قبال الكتاب والسنة والعقل والإجماع.
        5ـ المصالح المرسلة: المصطلح مركب من كلمتين: المصالح وهي جمع المصلحة وتعني كل ما في فعله أو تركه منفعة، والمرسلة، وهي مؤنث المرسل وهو الذي لم يحدد ولم يقيد.
        والمصالح المرسلة: إما مردّها إلى الدليل العقلي أو إلى النص الإلهي أو النبوي، فلا معنى لعدها دليلا مستقلا ووصفها في قبال الكتاب والسنة والعقل، وأما إن كان خلفيتها الرأي والقياس وما إلى ذلك فهو مرفوض .
        6ـ الذرائع: أو سد الذرائع وفتحها، أي بمعنى الوسيلة، كما أنها ليست أصلا برأسها.
        7ـ العُرف: الذي يعني في اللغة: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
        ويعنى في الأصول: ما تبناه المجتمع من دون إنكار..كما أن العرف ليس أصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنة بل مآله إما إلى العقل أو إلى السنة.
        8 ـ الشرائع السابقة: أو ما اصطلح عليه بـ "شرع من قبلنا شرع لنا"، وهي الشرائع المنزلة على أنبياء الله، وهي ليست بأصل قائم لوحده بل مرجعه إلى الكتاب والسنّة.
        9ـ مذهب الصحابي: أو ما يعبر عنه بقول الصحابي أو رأيه أو فتواه. والاعتماد على مذهب الصحابي كأصل في التشريع بل لا يمكن الركون إليه في قبول روايته أيضا بمجرد كونه صحابيا إلا بعد التثبت من عدالته.
        10ـ الحيل الشرعية: أي الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف. فدور الفقيه كدور المحامي،حيث يسلك طريقا قانونيا ليخلص موكله من المأزق الذي وقع فيه، ويسمى بالتحايل على القانون، ولكنه في إطار القانون.
        فالحيلة الشرعية إن كانت من هذا النوع بمعنى سلوك طريق شرعي آخر دون أن يصطدم بحكم شرعي آخر أو يضيع حقاً أو ما شابه ذلك فلا إشكال فيه، ولكنه ليس مصدرا مستقلا بذاته.
        11ـ الشهرة: والتي تعني في اللغة الذيوع والوضوح، وعند المحدثين بالشهرة الروائية دلالة على استفاضة رواة الحديث، وعند الفقهاء بالشهرة الفتوائية، دلالة على شيوع الفتوى وذيوعها، وخلاصة الأمر أن: "الشهرة ليست أصلاً بل من المسائل المرتبطة إما بالسنة وعلومها أو بالإجماع وفروعه.
        12ـ السيرة: والتي تعني السلوكية وحسن السيرة بين الناس، فما خص عقلاء الناس سمي سيرة العقلاء، وما خص الفقهاء سمي سيرة المتشرعة، وهي ليست أصلا من الأصول التشريعية.
        13ـ القرعة: وتعني السهم والنصيب، وإجالة شيء بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها..
        14ـ الأصول العملية: أي أساس الشيء، وبتعبير الأصوليين، القواعد التي يستندون إليها في استنباط الأحكام، مثل أصالة الإطلاق والعموم والظهور وغيرها.

        هنـــــــــــــا

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #34
          المطلب الثالث


          مصطلح (الدولة المدنية).


          والخلط بينه وبين مصطلح (الدولة الدينية)


          إذ أن الدولة المدنية المسلمة تسمح بوجود أقليات عرقية غير مسلمة ..في حين أن الدولة الدينية لا تسمح إطلاقاً بوجود مثل هذه الأقليات..
          خذ مثلاً دولة دينية كإسبانيا المسيحية فماذا بعد سقوط غرناطة المسلمة وسيطرة الدولة الدينية المسيحية عليها؟..لقد ظهرت محاكم التفتيش؟..فما هي محاكم التفتيش؟..
          محاكم التفتيش

          1ـ سقطت غرناطة ـ آخر قلاع المسلمين في إسبانيا ـ سنة (897 =1492م)، وكان ذلك نذيرًا بسقوط صرح الأمة الأندلسية الديني والاجتماعي، وتبدد تراثها الفكري والأدبي، وكانت مأساة المسلمين هناك من أفظع مآسي التاريخ؛ حيث شهدت تلك الفترة أعمالاً بربرية وحشية ارتكبتها محاكم التحقيق (التفتيش)؛ لتطهير أسبانيا من آثار الإسلام والمسلمين، وإبادة تراثهم الذي ازدهر في هذه البلاد زهاء ثمانية قرون من الزمان.
          وهاجر كثير من مسلمي الأندلس إلى الشمال الإفريقي بعد سقوط مملكتهم؛ فرارًا بدينهم وحريتهم من اضطهاد النصارى الأسبان لهم، وعادت أسبانيا إلى دينها القديم، أما من بقي من المسلمين فقد أجبر على التنصر أو الرحيل، وأفضت هذه الروح النصرانية المتعصبة إلى مطاردة وظلم وترويع المسلمين العزل، انتهى بتنفيذ حكم الإعدام ضد أمة ودين على أرض أسبانيا.
          ونشط ديوان التحقيق أو الديوان المقدس الذي يدعمه العرش والكنيسة في ارتكاب الفظائع ضد الموريسكيين (المسلمين المتنصرين)، وصدرت عشرات القرارات التي تحول بين هؤلاء المسلمين ودينهم ولغتهم وعاداتهم وثقافتهم، فقد أحرق الكردينال "خمينيث" عشرات الآلاف من كتب الدين والشريعة الإسلامية، وصدر أمر ملكي يوم (22 ربيع أول 917 /20 يونيو 1511) يلزم جميع السكان الذي تنصروا حديثًا أن يسلموا سائر الكتب العربية التي لديهم، ثم تتابعت المراسيم والأوامر الملكية التي منعت التخاطب باللغة العربية وانتهت بفرض التنصير الإجباري على المسلمين، فحمل التعلق بالأرض وخوف الفقر كثيرًا من المسلمين على قبول التنصر ملاذًا للنجاة، ورأى آخرون أن الموت خير ألف مرة من أن يصبح الوطن العزيز مهدًا للكفر، وفر آخرون بدينهم، وكتبت نهايات متعددة لمأساة واحدة هي رحيل الإسلام عن الأندلس.

          2ـ توفي فرناندو الخامس ملك إسبانيا في (17 ذي الحجة 921 =23 يناير 1516م) وأوصى حفيده شارل الخامس بحماية الكاثوليكية والكنيسة واختيار المحققين ذوي الضمائر الذين يخشون الله لكي يعملوا في عدل وحزم لخدمة الله، وتوطيد الدين الكاثوليكي، كما يجب أن يسحقوا طائفة محمد!.
          وقد لبث "فرناندو" زهاء عشرين عامًا بعد سقوط الأندلس ينزل العذاب والاضطهاد بمن بقي من المسلمين في أسبانيا، وكانت أداته في ذلك محاكم التحقيق التي أنشئت بمرسوم بابوي صدر في (رمضان 888 = أكتوبر 1483م) وعين القس "توماس دي تركيمادا" محققًا عامًا لها ووضع دستورًا لهذه المحاكم الجديدة وعددًا من اللوائح والقرارات.
          وقد مورست في هذه المحاكم معظم أنواع التعذيب المعروفة في العصور الوسطى، وأزهقت آلاف الأرواح تحت وطأة التعذيب، وقلما أصدرت هذه المحاكم حكمًا بالبراءة، بل كان الموت والتعذيب الوحشي هو نصيب وقسمة ضحاياها، حتى إن بعض ضحاياها كان ينفذ فيه حكم الحرق في احتفال يشهده الملك والأحبار، وكانت احتفالات الحرق جماعية، تبلغ في بعض الأحيان عشرات الأفراد، وكان فرناندو الخامس من عشاق هذه الحفلات، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها. وبث هذا الديوان منذ قيامه جوًا من الرهبة والخوف في قلوب الناس، فعمد بعض هؤلاء الموريسكيين إلى الفرار، أما الباقي فأبت الكنيسة الكاثوليكية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الذي أجبروا على اعتناقه؛ لأنها لم تقتنع بتنصير المسلمين الظاهري، بل كانت ترمي إلى إبادتهم.
          شارل الخامس والتنصير الإجباري
          تنفس الموريسكيون الصعداء بعد موت فرناندو وهبت عليهم رياح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون عهد "شارل الخامس" خيرًا من سابقه، وأبدى الملك الجديد ـ في البداية ـ شيئًا من اللين والتسامح نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال في مطاردتهم، وكفت عن التعرض لهم في أراجون بسعي النبلاء والسادة الذين يعمل المسلمون في ضياعهم، ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية المتعصبة في البلاط وفي الكنيسة، فغلبت كلمتها، وصدر مرسوم في (16 جمادى الأولى 931 =12 مارس 1524م) يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من إسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصر أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
          ولما رأى الموريسكيون هذا التطرف من الدولة الإسبانية، استغاثوا بالإمبراطور شارل الخامس، وبعثوا وفدًا منهم إلى مدريد ليشرح له مظالمهم، فندب شارل محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برئاسة المحقق العام لتنظر في شكوى المسلمين، ولتقرر ما إذا كان التنصير الذي وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحًا ملزمًا، بمعنى أنه يحتم عقاب المخالف بالموت.
          وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذي وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة؛ لأن هؤلاء الموريسكيين سارعوا بقبوله اتقاء لما هو شر منه، فكانوا بذلك أحرارًا في قبوله.
          وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين تنصروا كرهًا على البقاء في أسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت أو المصادرة، وقضى الأمر في الوقت نفسه، بأن تحول جميع المساجد الباقية في الحالة إلى كنائس.
          وكان قدر هؤلاء المسلمين أن يعيشوا في تلك الأيام الرهيبة التي ساد فيها إرهاب محاكم التحقيق، وكانت لوائح الممنوعات ترد تباعًا، وحوت أوامر غريبة منها: حظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر الاستحمام والاغتسال، وحظر ارتداء الملابس العربية.
          ولما وجدت محكمة تفتيش غرناطة بعض المخالفات لهذه اللوائح، عمدت إلى إثبات تهديدها بالفعل، وأحرقت اثنين من المخالفين في (شوال 936 /مايو 1529م) في احتفال ديني.
          كان لقرارات هذا الإمبراطور أسوأ وقع لدى المسلمين، وما لبثت أن نشبت الثورة في معظم الأنحاء التي يقطنونها في سرقسطة وبلنسية وغيرهما، واعتزم المسلمون على الموت في سبيل الدين والحرية، إلا أن الأسبان كانوا يملكون السلاح والعتاد فاستطاعوا أن يخمدوا هذه الثورات المحلية باستثناء بلنسية التي كانت تضم حشدًا كبيرًا من المسلمين يبلغ زهاء (27) ألف أسرة، فإنها استعصت عليهم، لوقوعها على البحر واتصالها بمسلمي المغرب.
          وقد أبدى مسلمو بلنسية مقاومة عنيفة لقرارات التنصير، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بني وزير)، فجردت الحكومة عليهم قوة كبيرة مزودة بالمدافع، وأرغمت المسلمين في النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن يتنصروا، وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة، وافتدى الأندلسيون من الإمبراطور حق ارتداء ملابسهم القومية بمبلغ طائل.
          وكانت سياسة التهدئة من شارل الخامس محاولة لتهدئة الأوضاع في جنوب الأندلس حتى يتفرغ للاضطرابات التي اندلعت في ألمانيا وهولندا بعد ظهور مارتن لوثر وأطروحاته الدينية لإصلاح الكنيسة وانتشار البروتستانتية؛ لذلك كان بحاجة إلى توجيه كل اهتمامه واهتمام محاكم التحقيق إلى "الهراطقة" في شمال أوروبا، كما أن قيام محاكم التحقيق بما يفترض أن تقوم به كان يعني إحراق جميع الأندلسيين؛ لأن الكنيسة تدرك أن تنصرهم شكلي لا قيمة له، يضاف إلى ذلك أن معظم المزارعين الأندلسيين كانوا يعملون لحساب النبلاء أو الكنيسة، وكان من مصلحة هؤلاء الإبقاء على هؤلاء المزارعين وعدم إبادتهم،وكان الإمبراطور شارل الخامس حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى في الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تتحقق قط، وشعر هؤلاء أنهم ما زالوا موضع الريب والاضطهاد، ففرضت عليم ضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئًا فشيئًا، حتى أصبحوا أشبه بالرقيق والعبيد، ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، صدر قرار في سنة (948 =1514م)، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية التي كانت دائمًا طريقهم المفضل إلى الهجرة، ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من هذه الثغور إلا بترخيص ملكي، نظير رسوم فادحة. وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بشدة. ولم تمنع هذه الشدة من ظهور اعتدال من الإمبراطور في بعض الأوقات، ففي سنة (950 =1543م) أصدر عفوًا عن بعض المسلمين المتنصرين؛ تحقيقًا لرغبة مطران طليطلة، وأن يسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التي دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التي ارتكبوها، وهكذا لبثت السياسة الأسبانية أيام الإمبراطور شارل الخامس (922 =1516م) حتى (963 =1555م) إزاء الموريسكيين تتردد بين الشدة والقسوة، وبين بعض مظاهر اللين والعفو، إلا أن هؤلاء المسلمين تعرضوا للإرهاق والمطاردة والقتل ووجدت فيهم محاكم التحقيق الكنسية مجالاً مفضلاً لتعصبها وإرهابها.
          الألخميادو
          4ـ وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الاستشهاد المحزن، الذي فرض عليها تحاول بكل وسيلة أن تستبقي دينها وتراثها، فكان الموريسيكيون بالرغم من دخولهم في النصرانية يتعلقون سرًا بالإسلام، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وكانوا يحافظون على لغتهم العربية، إلا أن السياسة الإسبانية فطنت إلى أهمية اللغة في تدعيم الروح القومية؛ لذلك أصدر الإمبراطور شارل الخامس سنة( 932 =1526م) أول قانون يحرم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة؛ لأن هؤلاء الموريسكيين دفعوا له (100) ألف دوقة حتى يسمح لهم بالتحدث بالعربية، ثم أصدر الإمبراطور فيليب الثاني سنة (964 /1566م) قانونًا جديدًا يحرم التخاطب بالعربية، وطبق بمنتهى الشدة والصرامة، وفرضت القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل، ومع ذلك وجد الموريسكيون في القشتالية متنفسًا لتفكيرهم وأدبهم، فكانوا يكتبونها سرًا بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضي الزمن عن خلق لغة جديدة هي "ألخميادو" وهي تحريف إسباني لكلمة "الأعجمية"، ولبثت هذه اللغة قرنين من الزمان سرًا مطمورًا، وبذلك استطاعوا أن يحتفظوا بعقيدتهم الإسلامية، وألف بها بعض الفقهاء والعلماء كتبًا عما يجب أن يعتقد المسلم ويفعله حتى يحتفظ بإسلامه، وشرحوا آيات القرآن باللغة الألخميادية وكذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشهر كتاب هذه اللغة الفقيه المسمى "فتى أبيرالو" وهو مؤلف لكتب التفسير، وتلخيص السنة، ومن الشعراء محمد ربدان الذي نظم كثيرًا من القصائد والأغنيات الدينية؛ وبذلك تحصن الموريسيكيون بمبدأ "التقية" فصمدوا في وجه مساعي المنصرين الذين لم تنجح جهودهم التبشيرية والتعليمية والإرهابية في الوصول إلى تنصير كامل لهؤلاء الموريسيكيين، فجاء قرار الطرد بعد هذه الإخفاقات.
          ولم تفلح مساعي الموريسيكيين في الحصول على دعم خارجي فعال من الدولة العثمانية أو المماليك في مصر، رغم حملات الإغارة والقرصنة التي قام بها العثمانيون والجزائريون والأندلسيون على السفن والشواطئ الأسبانية، ودعم الثوار الموريسيكيين.
          واستمرت محاكم التحقيق في محاربة هؤلاء المسلمين طوال القرن السادس عشر الميلادي، وهو ما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة في النفوس بقيت بالرغم من المحن الرهيبة وتعاقب السنين، ولعل من المفيد أن نذكر أن رجلاً أسبانيًا يدعى "بدية" توجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج سنة (1222 =1807م) أي بعد 329 سنة من قيام محاكم التحقيق.
          وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس، أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوماً سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
          ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى إسبانيا بعد الثورة الفرنسية ( كتب (الكولونيل ليموتسكي) أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا قال: " كنت سنة 1809 ملحقاً بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا وكانت فرقتي بين فرق الجيش الذي احتل (مدريد) العاصمة وكان الإمبراطور نابيلون أصدر مرسوماً سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية غير أن هذا الأمر أهمل العمل به للحالة والاضطرابات السياسية التي سادت وقتئذ.
          وصمم الرهبان الجزوبت أصحاب الديوان الملغى على قتل وتعذيب كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاماً من القرار الصادر وإلقاءً للرعب في قلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلوا لهم الجو.
          وبينما أسير في إحدى الليالي أجتاز شاراً يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما عليّ يبغيان قتلي فدافعت عن حياتي دفاعاً شديداً ولم ينجني من القتل إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف في المدينة وهي كوكبة من الفرسان تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام فما أن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش فأسرعت إلى (المارشال سولت) الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ وقال لا شك بأن من يقتل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار لا بد من معاقبتهم وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة .. "
          حدث إطلاق نار من اليسوعيين حتى دخلوا عنوة ثم يتابع قائلاً " أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على أولئك القساوسة جميعاً وعلى جنودهم الحراس توطئة لتقديمهم إلى مجلس عسكري ثم أخذنا نبحث بين قاعات وكراس هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة وقد صنعت أرض هذه الغرفة من الخشب المصقول المدهون بالشمع وكان شذى العطر يعبق أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو، وعلمنا بعد أنَّ تلك الروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد أمام صور الرهبان ويظهر أن هذا الشمع قد خلط به ماء الورد " .
          " وكادت جهودنا وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها. فلم نجد شيئاً يدل على وجود ديوان للتفتيش. فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهماً باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تطفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت "دي ليل" استمهلني قائلاً: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟!!. قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئاً مريباً. فماذا تريد يا لفتنانت؟!.. قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.
          عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة – وكنا نرقب الماء – فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابط "دي ليل" من شدة فرحه، وقال ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.

          أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة.
          وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول، وضع راهب يسوعي يده على كتفي متلطفاً، وقال لي: يا بني: لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال، إنها شمعة مقدسة.

          قلت له، يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك!؟!.
          وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود، شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها.
          وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي.
          رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممداً بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.
          كان السجناء رجالاً ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم ، وهم في الرمق الأخير من الحياة.
          كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعاً عرايا، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء.
          أخرجنا السجناء إلى النور تدريجياً حتى لا تذهب أبصارهم، كانوا يبكون فرحاً، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، كان مشهداً يبكي الصخور.
          ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين، ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت.
          وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة.
          كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إرباً إرباً.
          كما عثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.
          وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم.وصل الخبر إلى مدريد فهب الألوف ليروا وسائل التعذيب فأمسكوا برئيس اليسوعيين ووضعوه في آلة تكسير العظام فدقت عظامه دقاً وسحقها سحقاً وأمسكوا كاتم سره وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليه الأبواب فمزقته السكاكين شر ممزق ثم أخرجوا الجثتين وفعلوا بسائر العصابة وبقية الرهبان كذلك. ولم تمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على حياة ثلاثة عشر راهباً ثم أخذ ينهب ما بالدير.
          قال الله تعالى: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)[سورة البروج].
          وقال الله تعالى : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [سورة التوبة: 7ـ 10].
          [ وعَنْ أبي عبد اللَّه خباب بن الأرت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: شكونا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو متوسد بردة له في طل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمِنْشار فيوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عَنْ دينه! واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون!]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
          هذا هو نموذج لوضع الأقليات المسلمة في الدولة الدينية المسيحية.

          هنـــــــــــــا

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #35
            فماذا عن جود الأقليات غير مسلمة


            في الدولة المدنية الإسلامية

            توضّح الإحصائيات أن الدول العربية يقطنها مسلمون إما بنسبة100% أو 99%في حالات عديدة، كما يوجد في حالات أخرى أقلّيات غير إسلامية بنسبة 3 و4%. وفي مصر يمثل غير المسلمين نسبة ما بين 5%، كما تظهر بعض الإحصائيات الرسمية، و10%، كما يرى بعض المسيحيين، والدولة العربية الوحيـدة التي تشذّ عن هذا هي لبنان إذ تبلغ نسبة غيـر المسلمين ما يماثل 40%.
            وعندما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان من أعماله الأولى أن وضع وثيقة أطلق عليها المفكرون المحدثون "دستور المدينة"، وظهرت في المراجع القديمة باسم "صحيفة الموادعة".
            قرّرت هذه الوثيقة أن الأنصارـ وهم السكان الأصليون للمدينة ـ والمهاجرين وهم من أهل مكّة أصلاً آمنوا بالإسلام وهاجروا إلى المدينة فراراً من اضطهاد المشركين لهم وتقبلهم الأنصار على الرحب والسعة. واليهود الذين كان لهم جالية كبيرة في المدينة استوطنوها في قديم وبنو لأنفسهم "الآطام" أي الحصون واشتغلوا بالتجارة والصناعة وأقاموا بينهم وبين بعض قبائل الأنصار حلفاً، قرّرت الوثيقة أن هذه الفئات الثلاث"أمة واحدة"، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأنهم يتكافلون بالمعروف ولا يحارب بعضهم بعضاً كما يشتركون في الدفاع عن المدينة معاً..
            أقامت هذه الوثيقة ـ لأوّل مرّة ـ حق المواطنة ـعلى أساس الأرض.وليس على أساس الدين..
            فكل من يتخذ من الأرض وطناً له يصبح مواطناً له الحقوق والواجبات التي تمنح لكل الذين يقيمون في هذا الوطن على اختلاف أصولهم وأديانهم وأجناسهم.
            لم يلتزم اليهود ببنود هذه الإتّفاقية، أو يقدّروا ما فيها من كرم، لهيمنة فكرة أنهم الشعب المختار وأن النبوّات محصورة فيهم، فضلاً عن نظرتهم الدونية إلى العرب، أبناء إسماعيل بن الجارية، والذي يده على كل الناس ويد كل الناس عليه.. وكان النقض الأعظم عندما تحالفوا مع المشركين في أشدّ حملاتهم ضراوة على المسلمين، حملة الخندق، فحكم عليهم من اختاروه بأنفسهم..
            وبعد فترة النبوّة وعندما انطلقت الفتوح وانتصر فيها المسلمون وجدوا أنهم يهيمنون على أراض شاسعة، وعلى مجموعات غفيرة من السكان من ذوى الأديان المختلفة، فوجدوا أن الحل الذي يتفق مع الإسلام ويحقق أفضل النتائج أن يدعو هؤلاء السكان على ما هم عليه وأن يفسحوا لهم في الحرية الدينية بحيث يحتفظون بدياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم مع المحافظة على كنائسهم ومعابدهم وأديارهم ورجال دينهم وأن يقوموا بحمايتهم وكفالة الأمن والسلام والدفاع عنهم لقاء ضريبة هي "الجزية" ويُعَدّون أهل ذمّة، أي أن حمايتهم والحفاظ عليهم هي ذمّة المسلمين، وكانت تلك صفقة سعيدة للطرفين. وتمتعت هذه الأقليات في ظلها بحرياتهم الدينية ونشاطاتهم المدنية والاقتصادية ومع الزمن تقلّد بعض أفرادهم مناصب في الدولة الإسلامية أو شغلوا مراكز رفيعة فئ مجال العلوم.
            كان أخذ الجزية من الأقلّيات هو الأمر المقرر في كل الدول في هذه العصور، وقد دفع السيد المسيح نفسه الجزية للرومان.
            فالمسلمون لم يبدعوا هذا النظام ولكنهم وجدوه مقرّراً، وما جاءوا به هو أنهم خفّفوه إلى أقصى درجة وجعلوه مقصوراً على الرجال دون النساء ودون الأطفال كما اُستثنى منه الشيوخ وكل رجال الدين أو الرهبان.. وكان ذلك بمقاييس العصر تقدّماً ملحوظا جعل الأقلّياتتفضل أن تعيش في ظل الحكم الإسلامي عن العيش في ظل حكم آخر، إذا وجدت مثل هذا الحكم لأن النظام المقرّر في أوروبا كان لا يسمح بوجود أقلّيات أو حتى أفراد يدينون بغير دين الملك. حتى لو كانوا من الدين نفسه ولكن من مذهب يخالف مذهب الملك، والمذابح والحروب ما بين البروتستانت والجزويت معروفه.
            كان مسيحيو مصر يدينون بغير المذهب الذي تدين به بيزنطة ولهذا اضطهدتهم بيزنطية اضطهاداً رهيباً بحيث أنه عندما دخل عمرو بن العاص مصر كان البطريرك القبطي مختبئاً في مكان ما، هارباً من الاضطهاد البيزنطي. ولما تم النصر لـعمرو بن العاص، إلى حد ما بمساعدة من الأقباط، فإنه أعاد البطريرك وأعاد له كل سلطاته بحيث يمكن القول أن ميلاد الكنيسة القبطية في هذه اللحظة تم على يدي عمرو بن العاص.
            وكان أقباط مصر قد تخصصوا في مهن معينة مثل تحصيل ضرائب الأراضي والعقارات فكان الجباة من أصغر جابي في قرية حتى رئيس الجباية التي يشرف عليها في عموم القطر من الأقباط، وقد سلم لهم الحكام المسلمون بممارسة هذه المهمة حتى أيام محمد علي وأبنائه، كما شمل حكام مصر من الأسرة العلوية بطريرك الأقباط بنوع خاص من الرعاية وأحاطوه بتوقير واحترام وتبرعوا بمئات الفدادين والمعونات المالية لإقامة مدارس قبطية أو مشروعات خيرية..
            من الصحيح أنهم تعرضوا في بعض الفترات لعربدات بعض الحكام وتصرفاتهم الشاذة، ولكن من الصحيح أنهم في ظل حكام آخرين وصلوا إلى مناصب الوزارة وكانت لهم حظوة حتى وجد المسلمون أنهم قد ظلموا مع العلم أن نزق بعض الحكام وبطشهم لم يكن مقصوراً على الأقلّيات ولكن على كل الشعب، مسلمين وغير مسلمين.. وأنه كان طابع العصر في كل العالم القديم...
            من هنا لم يحدث بين الأقباط وبين حكام مصر توتّرات وساد الصفاء علاقتهم بالمسلمين وعاشوا في القرية جنباً إلى جنب إخوانهم المسلمين لا يفرّق بينهم إلا أن بعضهم يقصد المسجد يوم الجمعة بينما يقصد البعض الآخر الكنيسة يوم الأحد.
            أما حالات التوتّر فكانت استثناء لا يتصوّر انتفاءه مع تطاول الأمد وامتداد الرقعة وبالنسبة لمجموعات كبيرة بمئات الألوف أو الملايين بحيث لابد أن يوجد الشارد أو المنحرف في المجموعتين، ولا يؤبه له لأنه أحد الظواهر الاجتماعية الطبيعية.
            قد ورثت مصر من العهد العثماني "فرماناً" يضع القيود على بناء الكنائس وكان من مبرراته حسم الحساسيّات التي يمكن أن تؤدّي إلى احتكاكات إذا تُرِكَ الأمر على علاته، قد وجد عدد كبير من الأقباط أن هذا يتضمن نوعاً من الحجر على حرّية التعبير واستجابت لهم الدولة بقدر ما يسمح "الهاجس الأمني" الذي يسيطر عليها ويتحكم فيها في كل شيء ونحن نرى أن بناء الكنائس أو المساجد أمر يجب أن يُتْرَك لأصحابه حتى لو بنوا مائة كنيسة، ففي هذا المجال قد لا يكون مفرّ من اتباع التجربة والخطأ بمعنى ترك الحرية حتى تثبت التجربة خطأ ممارسة ما وعندئذ يكون الإقلاع عنها أمراً طبيعياً. ومع أن هذا حلّ باهظ التكلفة فإنه يسدّ باب الادّعاءات التي يكون مبعثها الغرض أو سوء الفهم، ولا يمكن إصلاحها بالمنطق.
            المهمّ فيما نحن بصدده أن مخاوف المسيحيين ليس لها أساس، أولاً: لأننا استبعدنا الدولة الدينية ، وثانياً: لأن تطبيق الشريعة لن يكون إلا مشروعاً لإحلال مبادئ عامة على رأسها العدل وجعله محوراً في عالم العلاقات والقيم والتي تحكم المجتمع.
            وأن يتمّ هذا بالشكل الديمقراطي أي عندما تريد ذلك الأغلبية وتسلك إلى تطبيقه عبر الطرق المشروعة – أي الانتخابات، ولعلّي لو كنت مسيحياً لا يساورني بعض الخوف من ذلك ولأثرت التمسك بإعمال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة التي تحرم تحريماً قاطعاً المساس بحقوق الأقليات غير المسلمة بحيث لا يمكن حتى للأغلبية في المجلس التشريعي أن تمسها والأمر في النهاية إليهم.

            هنـــــــــــــا

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #36
              مبادئ نظام الحكم في الإسلام


              ماذا يعني تطبيق الشريعة الإسلامية؟..

              هناك فارق كبير بين التطبيق والتدوين..فمرحلة التدوين ـ أي تدوين الشريعة ـ سابقة بداهة عن التطبيق, وتستلزم جهداً كبيراً من العلماء والفقهاء وجهابذة القانون وكل منهم متخصص في فرع من فروع القانون سواء الجنائي أو المدني أو الاقتصادي أو الدولي..
              ومرحلة التطبيق يسبقها مرحلة الإعداد ـ أي إعداد المجتمع لتقبل هذه القوانين ومعه دول الجوارـ وهذه هي أصعب المراحل..
              وعليه فإن تدوين الشريعة الإسلامية في صورة قوانين ومواد وشروحات ليست بالأمر الهين..
              فماذا نعني حينما نقول ـ على سبيل المثال ـ أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس من مصادر الشريعة الإسلامية؟..
              خذ مثلاً آية الدين الواردة في سورة البقرة فهذه الآية عبارة عن مجموعة من النظريات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في الإثبات والتعاقد:

              حيث اشتملت الآية الكريمة من الناحية القانونية على خمس نظريات في قضية الإثبات والتعاقد فقط وهي :

              نظرية الإثبات بالكتابة
              2 ـ نظرية إثبات الدين التجاري
              نظرية حق الملتزم في إملاء العقد
              نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات
              أحكام أخرى في آية الدين

              فهذه مجموعة من النظريات التي جاءت بها الشريعة الغراء نعرضها تحت عنوان واحد (الإثبات والتعاقد)، لأن القرآن الكريم جاء بها جميعاً في آية واحدة هي آية الدين، ولأن بعضها يتصل بالبعض الآخر اتصالاً وثيقاً،ولأننا سنتكلم عنها فقط بالقدر الذي يبرز فيها مميزات الشريعة الإسلامية.
              يقول سبحانه وتعالى:
              [ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] البقرة{282}

              فنص الآية الكريمة يشمل عدداً من المبادئ التشريعية والنظريات الفقهية وسنبين أهمها فيما يلي:
              نظرية الإثبات بالكتابة:
              فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة وسيلة لإثبات الدين المؤجل سواء كبرت قيمة الدين أو صغرت، وذلك قوله تعالى: [ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ]..
              وقوله تعالى: [وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ]..ويدخل تحت لفظ الدين كل التزام أيًّا كان نوعه، لأن الالتزام ليس إلا دينا في ذمة الملتزم له، فيدخل تحت لفظ الدين القرض والرهن والبيع بثمن مؤجل والتعهد بعمل وغير ذلك، كذلك يمكن قياس أي التزام على الدين إذا احتفظ لكلمة الدين بمعنى القرض لأن كليهما شيء مقوم التزام به بعد أجل معين.

              أما التصرفات التي تتم في الحال فليس من الواجب كتابتها ما دام كل متعاقد قد وفى بالتزاماته واستوفى حقوقه كمن يشتري شيئاً من آخر ويتسلمه ويسلمه الثمن في الحال، ومثل هذه التصرفات يجوز إثباتها بغير الكتابة مهما بلغت قيمتها إذا أثبتت باعتبارها وقائع لا باعتبارها التزامات لأن الوقائع المادية يجوز إثباتها بكل طرق الإثبات.
              وظاهر من النص الذي فرض الكتابة أنه نص عام ومرن إلى حد بعيد وأنه يصلح للتطبيق اليوم كما كان صالحاً من خمسة عشر قرناً، وكما سيكون صالحاً للمستقبل البعيد، وهذه إحدى مميزات الشريعة التي هيأتها لتكون غير قابلة للتعديل والتبديل.
              ويم نزل هذا النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان العرب أميين يعيشون في أعماق البادية وفي خشونة من العيش، وأمثال هؤلاء تقل بيتهم المعاملات بحيث لا تحتاج إلى تشريع خاص، ولو أن الشريعة كانت كالقانون تأتي على قد حاجة الناس لما جاء بها شيء خاص بإثبات الالتزامات، أو لجأ بها من الأحكام ما يتفق مع أمية العرب وجهالتهم، أما أن تجيء الشريعة على هذا الوجه فتفرض عل الأميين كتابة الصغير والكبير فذلك هو السمو الذي تتميز به الشريعة الكاملة الدائمة.
              فرضت الشريعة الإسلامية الكتابة بين الأميين لتحملهم على أن يتعلموا فتتسع مداركهم وتتثقف عقولهم، ويحسنوا فهم هذه الحياة الدنيا فيصبحوا ـ وقد تعلموا ـ أهلاً لمنافسة الأمم الأخرى وللتفوق والسيطرة عليها، وهذه أغراض اجتماعية وسياسية بحته، أما الغرض القانوني فهو حفظ الحقوق وإقامة الشهادات ولابتعاد عن الريب والشكوك.
              فالشريعة حين أوجبت الكتابة في الصغير والكبير جاءتنا بنظرية عظيمة ذات وجوه سياسية واجتماعية وقانونية، وهذه النظرية التي نزل بها القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي هي من أحدث النظريات في القوانين الوضعية وفي المذاهب الاجتماعية الحديثة، فالدول قد بدأت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي تفرض على شعوبها أن يتعلموا تعليماً إجبارياً رجالاً ونساء، وهذا الذي تفرضه الدول على الشعوب إنما هو تطبيق للنظرية الإسلامية في ناحيتها السياسية والاجتماعية.
              وقد بدأت الدول تأخذ بالناحية القانونية من النظرية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حين افترض القانون الفرنسي الذي أخذت عنه القوانين الأوربية أن يكون مكتوباً إذا زاد عن مقدار معين، وكن شرّاح القانون رأوا أن نظرية الإثبات بالكتابة تكون أكمل وأكثر توفيقاً لو اشترطت الكتابة في الصغير والكبير وظلوا ينادون برأيهم به ويأملون تحقيقه.
              وإذن فأحدث نظريات الإثبات في عصرنا الحاضر هي نفس نظرية الشريعة الإسلامية أخذت بها القوانين الوضعية ولا يزال الشراح في بعض الدول يطالبون دولهم أن تأخذ بها..

              2 ـ نظرية إثبات الدين التجاري.
              اشترطت الشريعة ـ كما بينا ـ الكتابة لإثبات الدين سواء كان الدين صغيراً أو كبيراً، ولكنها استثنت من هذا المبدأ العام الدين التجاري وأباحت إثباته بغير الكتابة من طرق الإثبات وذلك قوله تعالى: [إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا] والعلة في استثناء الديون التجارية من شرط الكتابة أن الصفقات التجارية تقتضي السرعة ولا تحتما الانتظار، ولأن المعاملات التجارية أكثر عدداً وتكراراً وتنوعاً، فاشتراط الكتابة فيها يؤدي إلى الحرج وقد يضيع فرصة الكسب على المشتري أو يعرض البائع للخسارة، ومن أجل هذا لم تقيد الشريعة المعاملات التجارية بما قيدت به المعاملات المدنية من اشتراط الكتابة.
              والنص المقرر لهذه النظرية عام ومَرِنٌ إلى آخر الحدود بحيث لا يحتاج على مَرِّ الأزمان تعديلاً أو تبديلاًن وليس أدل على ذلك من صلاحيته لوقتنا الحاضر مع أنه نزل منذ أكثر من خمسة عشر قرنا.
              ومن يعرف شيئاً عن تاريخ العرب وحالهم وقت نزول النص يعلم أن النص لم ينزل مجاراة لحال الجماعة أو تمشياً مع ما وصلت إليه، وإنما كان نزول النص ضرورة لتكميل الشريعة الدائمة الكاملة ولرفع مستوى الجماعة وتوجيههم الوجهة الصالحة.
              واستثنت الشريعة الإسلامية أيضاً من الإثبات بالكتابة حالة الضرورة وذلك قوله تعالى:
              [وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ].
              وليس أدل على سمو الشريعة وكمالها من أن نظرياتها في إثبات الدين التجاري هي نفس النظرية السائدة اليوم في القوانين الوضعية الحديثة، وإنها تعتبر أحدث ما وصل إليه القانون الوضعي في عصرنا الحاضر.

              نظرية حق الملتزم في إملاء العقد:
              جاءت الشريعة الإسلامية بمبدأ عام أوجبته في كتابة العقود وهو أن يملي العقد الشخص الذي عليه الحق أو بمعنى آخر أضعف الطرفين، والمقصود من هذا المبدأ العام هو حماية الضعيف من القوي، فكثيراً ما يستغل القوي مركزه فيشترط على الضعيف شروطاً قاسية، فإن كان دائناً مثلاً قسا على المدين، وإن كان صاحب عمل سلب العمل كل حق واحتفظ لنفسه بكل حق، ولا يستطيع المدين أو العامل أن يشترطا لنفسيهما أو يحتفظا بحقوقهما لضعفهما، فجاءت الشريعة وجعلت إملاء العقد معلومة له حق العلم، وليقدر ما التزم به حق قدره.
              وهذه الحالة التي عالجتها الشريعة من يوم نزولها هي من أهم المشاكل القانونية في عصرنا الحاضر، وقد برزت في أوروبا في القرون الماضية على أثر النهضة الصناعية وتعدد الشركات وكثرة العمال وأرباب الأعمال، وكان أظهر صور المشكلة أن يستغل رب العمل حاجة العامل إلى العمل أو حاجة الجمهور إلى منتجاته فيفرض على العامل أو على المستهلك شروطاً قاسية يتقبلها العمل أو المستهلك وهو صاغر، إذ يقد يقدم عقد العمل أو عقد الاستهلاك مكتوباً مطبوعاً فيوقعه تحت تأثير حاجته للعمل أو حاجته للسلعة، بينما العقد يعطى لصاحب العمل كل الحقوق ويرتب على العامل أو المستهلك كل التبعات.
              ذلك العقد الذي نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني( عقد الإذعان).
              وقد حاولت القوانين الوضعية أن تحل هذا المشكل، فاستطاعت أن تحله بين المنتج والمستهلك بفرض شروط تحمي المستهلك من المنتج وبتعيين سعر السلعة، ولكنها لم تستطع أن تحل إلا بعض نواحي المشكلة بين أصحاب العمل والعمال، مثل إصابات العمال والتعويضات التي يستحقها العمل إذا أصيب أو طرد من عمله، لأن التدخل بين صاحب العمل والعمال في كل شروط العمل مما يضر بسير العمل والإنتاج، وبقيت من المشكلة نواح هامة كأجر العمل وساعات العمل ومدة الإجازات وغيرها,يحاول العمال من ناحيتهم حلها بتأليف النقابات والاتحادات وتنظيم الإضرابات، ويرى العمال من ناحيتهم أن حل مشاكلهم لن يتأتى إلا إذا كان لهم حق إملاء شروط عقد العمل، ويظاهرهم على ذلك بعض المفكرين والكتاب، فهذا الحق الذي يطالب به العمال في كل أنحاء العالم والذي أضرب العمال من أجله وهددوا السلم والنظام في دول كثيرة في سبيل تحقيقه، هذا الحق الذي حقق القانون الوضعي بعضه ولم يحقق بعضه الآخر والذي يأمل العمال أن يتحقق كله وللملتزمين على الملتزم لهم وجاء به القرآن الكريم في آية الدين [وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ]..
              وظاهر أن صيغة النص بلغت من العموم والمرونة كل مبلغ.
              وهذا هو الذي جعل الشريعة تمتاز بأنها لا تقبل التغيير والتبديل.
              ووجود هذا النص في الشريعة تمتاز دليل بذاته على سموِّها وكمالها وعدالتها فقد جاءت به منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، بينما القوانين الوضعية لم تصل إلى تقرير مثله حتى الآن مع ما يدعي لها من الرقي والسمو.

              نظرية تحريم الامتناع عن تحمل الشهادات:
              حرمت الشريعة على الإنسان أن يدعى للشهادة فيمتنع عنها، أو أن يشهد واقعة فيكتمها، أو يذكرها على غير حقيقتها، وقد نص على الحالة الأولى في آية الدين في قوله تعالى:[ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ] والمقصود إباؤهم حينما يدعون ليشهدوا تصرفاً مَّا أو واقعة معينة، فالنص جاء بتحمل الشهادة وليس خاصاً بأدائها.
              أما الحالتان الثانية والثالثة فقد نص عليهما في قوله تعالى:[ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ] ..وقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ] النساء{135}.
              والنصان الأخيران خاصان بتحريم كتمان الشهادة أو الامتناع عن أدائها وبتحريم شهادة الزور.
              والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور أو كتمان الشهادة، ولكنها لم تصل بَعْدُ إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الجهة.
              إذن فإن المصلحة العامة تقتضي بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس ولامتناع عن تحمل الشهادة يقضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعقيد المعاملات وبطئها وهناك عقود لابد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج..
              فإذا كان الامتناع عن تحمل الشهادات مباحاً تعطلت هذه العقود..
              ومن ير النصوص التي جاءت في تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة أو في تحريم كتمانها أو تغييرها يعلم مدى ما بلغته هذه النصوص من العموم والمرونة ويفهم العلة في أن الشريعة لا تقبل التعديل أو التبديل..
              ومن يقارن الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية يعلم مدى ما وصلت إليه الشريعة من السمو والكمال، ويتبين أن نصوص الشريعة لم ترد مسايرة لحال الجماعة وإنما وردت لتكمل الشريعة بما تحتاج إليه الشريعة الكاملة الدائمة، ولترفع مستوى الجماعة حتى تقترب من مستوى الشريعة الكامل..

              أحكام أخرى في آية الدين:
              هذه أربع نظريات جاءت بها آية واحدة من القرآن الكريم هي آية الدين، أخذت القوانين الوضعية الحديثة باثنين وبدأت تأخذ بالثالثة ولم تأخذ بَعْدُ بالرابعة، وليست هذه القوانين الأربع هي كل أحكام آية الدين، وإنما هي بعض أحكامها، فالآية تشترط أن يكون الكاتب محايداً عدلاً عالماً بأحكام الشريعة فيما يكتبه، وتوجب عليه أن لا يمتنع عن الكتابة وتشترط أن يشهد على سند الدين رجلان أو رجل عدل وامرأتان، وتوجب عدم الإضرار بالكاتب أو الشاهد ، وهذه كلها مبادئ عامة لا نستطيع أن نستعرضها جميعاً في هذه الدراسة.
              وإذا كنا قد تكلما عن نظريات دستورية واجتماعية وإدارية ومدنية فإنما قصدنا من ذلك أن نبين أن نصوص الشريعة في كل ما جاءت فيه تتميز بالكمال والسمو والدوام حتى لا يظن البعض أن هذه المميزات تتوفر في قسم دون آخر من الشريعة.

              هنـــــــــــــا

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #37
                المبادئ والنظريات


                سبق وأن قلت أن الخلط عند الكل يظهر نتيجة للخلل والخلط بين المصطلحات فهناك فارق كبير بين( نظام الحكم في الإسلام ) و( مبادئ نظام الحكم في الإسلام )..
                فالإسلام في نظام الحكم لم يأت بنظام معين أو بصورة معينة أو قالب معين مفروض على الأمة وقال هذا هو نظام الحكم في الإسلام فطبِقوه.أبداً.. لم يحدث هذا..فالحكم الملكي صورة من صور الحكم، والحكم السلطاني صورة من صور الحكم، والحكم الجمهوري صورة من صور الحكم، والخلافة صورة من صور الحكم. كل هذه صور من صور الحكم تخضع لدستور الدولة والذي يحكمه مجموعة من مبادئ نظام الحكم..
                فالإسلام في نظام الحكم إنما جاء بمجموعة من المبادئ والنظريات تصلح للتطبيق في كل مكان وفي كل زمان ، على أن تترك صور الحكم تبعاً لكل بلد طالما التزم النظام بمبادئ الحكم في الإسلام..
                وسوف نعرض الآن طائفة من النظريات والمبادئ الشرعية التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً، أو لم تعرفها بعدُ، تتوفر فيها جميعاً كل المميزات التي تسمو بها الشريعة الإسلامية على باقي القوانين الوضعية، والتي تنحصر في خمسة مبادئ نعرض لها على الترتيب التالي:

                أولاً: مبدأ المساواة
                ثانياً: مبدأ الحرية
                ثالثاً: مبدأ الشورى
                رابعاً: العدل
                خامساً: مبدأ السيادة العليا Sovereigntyونظرية تقييد سلطة الحاكم
                والحديث على مطالب كالتالي:


                المطلب الأول


                من مبادئ نظام الحكم في الإسلام


                مبدأ المساواة

                أ ـ جاءت الشريعة الإسلامية من وقت نزولها بنصوص صريحة تقرر نظرية المساواة وتفرضها فرضاً، فالقرآن الكريم يقرر المساواة ويفرضها على الماس جميعاً في قوله تعالى:
                [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)] الحجرات : 13
                والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرر هذا المعنى في قوله:" الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".ثم يؤكد هذا المعنى تأكيداً في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم لأن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمكم عند الله أتقاكم".
                ويلاحظ على هذه النصوص أنه فرضت المساواة بصفة مطلقة، فلا قيود ولا استثناءات، وأنها المساواة على الناس كافة أي على العالم بصفة مطلقة، فلا فضل لفرد على فرد، ولا لجماعة على جماعة، ولا لجنس على جنس، ولا للون على لون، ولا لسيد على مسود، ولا لحاكم على محكوم..
                وهذا هو نص القرآن الكريم يذكر الناس أنهم خلقوا من أصل واحد من ذكر وأنثى ولا تفاضل إذا استوت الأصول وإنما مساواة، وهذا هو قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يذكر الناس أنهم جميعاً ينتمون لرجل واحد خلق من تراب فهم متساوون ويشبههم في تساويهم بأسنان المشط الواحد، ولم يعرف أن سنًّا من مشط فضلت على سنة أخرى..
                وقد نزلت نظرية المساواة على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يعيش في قوم أساس حياتهم وقوامها التفاضل فه يتفاضلون بالمال والجاه، والشرف واللون، ويفاخرون بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، فلم تكن الحياة الاجتماعية وحاجة الجماعة هي الدافعة لتقرير نظرية المساواة، وإنما كان الدافع لتقريرها من وجه آخر ضرورة تكميل الشريعة بما تقتضيه الشريعة الكاملة الدائمة من مبادئ ونظريات..
                ولا جدال في أن عبارة النصوص جاءت عامة مرنة إلى آخر درجات العموم والمرونة، فلا يمكن مهما تغيرت ظروف الزمان والمكان والأشخاص أن تضيق عبارة النصوص بما يستجد من الظروف والتطورات، والعلة في وضع نصوص الشريعة على هذا الشكل أن الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل فوجب أن تكون نصوصها بحيث لا تحتاج إلى تعديل أو تبديل.
                وإذا كانت نظرية المساواة قد عرفت في الشريعة الإسلامية من خمسة عشر قرناً فإن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
                إذن فقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير المساواة بثلاثة عشر قرناَ ،ولم تأت القوانين الوضعية بجديد حين قررت المساواة، وإنما سارت في أثر الشريعة واهتدت بهداها، وسيرى القارئ فيما بعد أن القوانين الوضعية تطبق نظرية المساواة تطبيقاً محدوداً بالنسبة للشريعة الإسلامية التي توسعت في تطبيق النظرية إلى أقصى حد.
                أما مصطلح المساواة (Equality) في الفكر العلماني، فيشير إلى حالة التماثل بين الأفراد في المجتمع.
                والمساواة بالمفهوم البرجوازي تعني المساواة بين المواطنين أمام القانون، بينما يبقى الاستغلال والتفاوت بين أفراد الشعب دون مساس.
                أما الماركسية فترى أن المساواة الاقتصادية والثقافية مستحيلة بدون الغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتصفية الطبقات المستغِلة.
                ويشيع أيضاً مصطلح (التفاوت)، أو عدم المساواة ( Inequality )، الذي يعني التفرقة بين الأفراد على أساس العنصر، أو الجنس، أو اللغة، أو الرأي السياسي، أو أسس التمييز الأخرى في التعليم والعمل وأمام القانون، وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
                وينظر إلى التفاوت الاجتماعي على أنه نتيجة للفروق بين الخصائص الشخصية للأسر (كالقوة والذكاء والحافز)، ولإنتاجية أعضاء الأسرة, كما يظهر التفاوت بسبب وراثة الثروة Wealth والقوة (النفوذ) Power والهيبة Prestige داخل الأسرة، وبسبب أن الجماعات المسيطرة في كل المجتمعات الطبقية تكوّن أفكاراً ومعتقدات تبرر لها الأوضاع الاقتصادية والسياسية القائمة.
                هذه هي نظرية المساواة كما تطلع علينا بها القوانين الوضعية الحديثة لا تزال مهيضة الجناح، مقصوفة الأطراف، لم تسمو بين الرؤساء والمرءوسين، والحاكمين والمحكومين، لم تسو بين الأفراد، ولا بين الجماعات ، ولا بين الغني والفقير.
                وقد يدهش بعض الذين لا يعلمون أن نظرية المساواة التي لم يتم نضجها وتكوينها في القانون الوضعي الحديث قد نضجت تمام النضج، وتكونت تمام التكوين ووصلت إلى أقصى مداها في الشريعة الإسلامية ولا تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بهذا فقط، بل تتميز عليها أيضاً بأنها عرفت نظرية المساواة على هذا الوجه منذ خمسة عشر قرناً، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في آخر القرن الثامن عشر.
                ب ـ المساواة بين رؤساء الدول والرعايا: ونطبق الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق نصوصها بين الرؤساء والمرءوسين، ولا بين الملوك والسوقة، ولا بين ممثلي الدول السياسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده ولا بين الغني ولا الفقير، وسنبين فيما يلي حكم هذه الحالات التي جعلناها أمثلة على انعدام المساواة في القوانين..
                1ـ تسوي الشريعة بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون، ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون على غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد.
                ولقد كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، وكان يقول دائماً:[إنما أنا بشر يوحى إلى] ، [وهل كنت إلا بشراً رسولا].
                وكان قدوة لخلفائه وللمسلمين في توكيد معاني المساواة بين الرؤساء والمرءوسين..
                دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد) وتقاضاه غريم له دينا فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر).
                وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عباس وعلى حتى جلس على المنبر، ثم قال:
                ( أيها الناس من كنت جلت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فليأخذ منه ،ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس) ..ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى..ـ تاريخ ابن الأثير ج2 ص 154ـ.
                وجاء خلفاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعده رضي الله تعالى عنهم فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز..
                قال: أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم،أن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني..ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزاه..فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..ـ تاريخ ابن الأثير ج2 ص 160ـ.
                وهذا عمر بن الخطاب يولي الخلافة فيكون أكثر تمسكاً بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم..خطب يوما فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه.فقال طلحة : وما عليك لو قلت وإن تعوج عزلوه، فقال : لا ، القتل أنكل لمن بعده. ـ تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 30ـ.
                وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه هذا في موسم الحج، حيث طلب من ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس فقال: أيها الناس ، أني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم، وسنة نبيكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلىّ فوالدي نفس عمر بيده لأقصنه منه..
                فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟.
                فقال : أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه! وقد رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقص من نفسه. ـ تاريخ ابن الأثير ج3 ص 208 وكتاب الخراج لأبي يوسف ص 66ـ. ويقص علينا التاريخ أن المأمون وهو خليفة المسلمين اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طنفسة لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة على أحد أفراد رعيته، وقال : يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فاستحيا المأمون، ودعا للرجل بطنفسة أخرى.
                وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام أي رئيس الدولة الإسلامية شروطاً لا تتوفر في كل شخص، إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شيء، وهذا متفق عليه فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك الذين يخضعون للخليفة أو يستمدون سلطتهم منه.

                هنـــــــــــــا

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #38
                  ج ـ رؤساء الدول الأجنبية: وإذا كانت الشريعة لا تميز رئيس الدولة الإسلامية الأعلى فهي من باب أولى لا تميز رئيس دولة أجنبية، وإذن فالشريعة تسري على رؤساء الدول الأجنبية، وعلى رجال حاشيتهم، فإذا ارتكبوا أية جريمة عوقبوا عليها.

                  د ـ رجال السلك السياسي:
                  تسري الشريعة على رجال السلك السياسي فيما يرتكبون من جرائم، سواء تعلقت الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد، وليس في قواعد الشريعة ما يسمح بإعفائهم من تطبيق الشريعة عليهم وليس في أخذ رجال السلك السياسي بجرائمهم ما يعيب الشريعة، مادامت الشريعة تسوي بينهم وبين غيرهم من رعايا الدولة، وتجعل حكمهم حكم رئيس الدولة، ولكن العيب في التفرقة التي تأخذ بها القوانين الوضعية بحجة حمايتهم، وتمكينهم من أداء وظائفهم، لأن الممثل السياسي الذي يرتكب الجرائم لا يستحق الحماية، ولا يصلح لأداء وظيفته.

                  ? ـ أعضاء الهيئة التشريعية:
                  لا تسمح قواعد الشريعة بإعفاء أعضاء البرلمان من العقاب على الجرائم القولية التي يرتكبونها في دار البرلمان،لأن الشريعة تأبى أن تميز فرداً على فرد، أو جماعة على جماعة، ولأنها تأبى أن تسمح لفرد أو هيئة بارتكاب الجرائم مهما كانت وظيفة الفرد أو صفة الجماعة, وعليه فلا مجال للحصانة البرلمانية هنا فالكل سواسية أمام القانون..

                  و ـ المسلمون وغيرهم من أرباب الديانات الأخرى:
                  وتسوي الشريعة الإسلامية بين المسلمين وغيرهم في تطبيق نصوص الشريعة في كل ما كانوا فيه متساوين، أما ما يختلفون فيه فلا تسوي بينهم فيه، لأن المساواة في هذه الحالة تؤدي إلي ظلم غير المسلمين والذين لا يختلفون عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيدة لا مساواة فيه، والواقع أنه إذا كانت المساواة بين المتساوين عدل خالص فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة، بل هو تأكيد للمساواة، إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوي بين المسلمين وغيرهم فيما يتصل بالعقيدة الدينية، لأن معنى ذلك هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم، وحمل غيرهم على ما يختلف مع عقيدتهم، ومعناه أيضاً عدم التعرض للمسلمين فيما يعتقدون، والتعرض لغير المسلمين فيما يعتقدون وإكراههم على غير ما يدينون،ـ ومعناه أخيراً الخروج على نص القرآن الصريح :[ لا إكراه في الدين] البقرة : 256.
                  والجرائم التي تفرق فيها الشريعة بين المسلمين وغيرهم هي الجرائم القائمة على أساس ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فالشريعة الإسلامية تحرم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ، ومن العدل أن يطبق هذا التحريم على المسلم الذي يعتقد طبقاً لدينه بحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ، ولكن من الظلم أن يطبق هذا التحريم على غير المسلم الذي يعتقد بأن شرب الخمر غي محرم وأن أكل لحم الخنزير لا حرمة فيه. ولكن يعاقب غير المسلمين على الجرائم القائمة على أساس ديني إذا كان إتيانها محرماً في عقيدتهم، أو يعتبرونها رذيلة، أو كان إتيان الفعل مفسداً للأخلاق العامة، أو ماساً بشعور الآخرين، فمثلاً شرب الخمر ليس محرماً عند غير المسلمين ولكن السكر محرماً عندهم، أو هو رذيلة، فضلاً عن أنه مفسد للأخلاق العامة، ومن ثم شرب كان غير المسلمين معاقبين على السكر دون الشرب، فمن شرب حتى سكر عوقب، ومن شرب ولم يسكر فلا عقوبة عليه.
                  ويترتب على التفرقة في تطبيق نصوص الشريعة بين المسلمين وغيرهم أن تكون الجرائم في الشريعة قسمين:
                  قسم عام يعاقب على إتيانه كل المقيمين داخل الدولة..
                  وقسم خاص يعاقب على إتيانه المسلمون دون غيرهم، ولا يمكن أن يقع إلا منهم، وأساس هذا القسم هو الدين.
                  والخلط بين القسمين هو الذي جعل المنظمات العلمانية تقع في خطأ فاحش حينما أرادوا أن يحققوا المساواة ويطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين معاً إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق والأديان فأدى بهم هذا التطبيق السيئ إلى هذه النتائج المحزنة، ولو أنهم أخذوا بطريقة الشريعة الإسلامية لضمنوا ما شاءوا من مبادئ ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ.
                  ولعل عذر المشرعين الوضعيين فيما حدث أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية تقوم على أساس ديني يراعى فيه مذهب الحاكم واعتقاده، لا مذهب المحكومين جميعاً وعقائدهم.
                  ومن هنا نشأت نظرية المواطنة.

                  هنـــــــــــــا

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #39
                    ز ـ نظرية المواطنة:
                    فالمواطنة ‹‹ كلمة مستحدثة في اللغة العربية اختارهاالمعربون للتعبير عن كلمة Polieteia اليونانية، Citoyenneté الفرنسية، Citizenship الإنجليزية ، والوطنية من المواطن والوطن، وحسب ابن منظور في لسان العربي، فالوطن يعني "المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله".
                    كما أن المواطنة مصطلح يحمل مدلولات تاريخية، تحكمت ظروف بروزه فيتحديدها، فهذا المفهوم لا علاقة له بروما، ولا أثينا ولا المجتمع الإسلامي، إنهنتاج صراع بين الإمبراطورية الإيطالية، والإمبراطورية المقدسة من جهة، وإفرازات عصرالنهضة في القرن الثامن عشر، نتيجة ذلك، فإن موضوع المواطنة كماتبلورت في السياق الأوروبي لا نجد له قياس في الموروث الإسلامي فالمواطنة كلمة حديثة نسبياً في التاريخ ولم تتبلور إلا مع الثورة الفرنسية (1789)، ذلك أن المواطن في أثينا وفى روما قديما هو ذلك الذي ينحدر من الصفوة (الأشراف، والنبلاء، والفرسان..) في مقابل العبيد والأقنان والأتباع والرعايا وظل الأمر كذلك رغم التعاليم الدينية مسيحية وإسلامية التحى تنادى بالمساواة بين البشر.
                    وأما مصطلح "المواطنة" بمعنى المساواة القانونية بين أبناء الوطن الواحد فلم يتبلور إلا مع مبادئ الثورة الفرنسية في إعلان 1789 الخاص بأن البشر يولدون أحراراً ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، وإعلان 1793 بشأن الحفاظ على الحقوق الطبيعية الأبدية للإنسان واعتبار المواطن تحت حماية الدولة بشكل متساو مع الجميع طبقا للقانون وفى ظل الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية انتهى تعريف المواطنة بأنها تعنى تمتع كل المواطنين بالحقوق نفسها وعليهم الوفاء بالالتزامات نفسها والخضوع للقوانين السائدة دون اعتبار للعرق أو النوع أو الدين أو الوضع الاجتماعي.
                    وعلى الدولة بمؤسساتها أن تعمل على تحقيق المساواة، وعلى المجتمع المدني أن يقدم النموذج في القدرة على تجاوز الانقسامات لتحقيق مبدأ المواطنة بإتاحة الفرصة للجميع أن يعملوا في إطاره لتحقيق المصالح العامة للوطن، وبالتالي خلق المواطن الصالح..
                    هذا المواطن الصالح يختلف مفهومه من بلد إلى أخر فقد يكون هو الجندي الشاكي للسلاح أو قد يكون غير ذلك طبقاً لمفهوم الإعداد، فالروسي الذي يقتل الشيشانيين مواطن صالح في عرف قومه! واليهودي الذي يقتل المسلمين ويغتصب أرضهم وديارهم وكرامتهم مواطن صالح في عرف قومه! والهندي الذي يقتل أهالي كشمير ويحرم عليهم أن يقرروا مصيرهم لأنفسهم مواطن صالح في عرف قومه! وما أبأسهم جميعا وما أبعدهم عن صفة الإنسانية فضلا عن صفة الإنسان الصالح!..
                    أما الإسلام فهو يسعي إلى خلق (الإنسان الصالح) بجوهره الكامن فيه .. (الإنسان الصالح) من حيث هو إنسان وليس من حيث هو (مواطن)
                    كما يتوجه الخطاب في القرآن الكريم في 56 موضع إلى (الإنسان) لا إلى قوم بعينهم من بني الإنسان:
                    1ـ {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً }النساء28
                    2ـ {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }يونس12
                    3ـ {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ }هود9
                    4ـ {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }إبراهيم34
                    5ـ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }الحجر26
                    من الواضح في المضامين القرآنية اعتبار الإنسانمحوراً للخلق العاقل «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (البقرة: 34) وكذلك «ولقد كرّمنا بني آدم» (الإسراء: 70) ولكن هل يعني ذلك إمكان أن ينتج النص الديني مايساوق المفهوم الفلسفي الحديث لحقوق الإنسان؟..
                    ح ـ نظرية المساواة بين الرجل والمرأة:
                    هذه النظرية ليست إلا فرعاً من النظرية العامة للمساواة أو تطبيقاً لها، وقد فضلنا أن نجعل لها مكاناً خاصاً لأهميتها ولأنها دليل ظاهر على عدالة الشريعة وسموها وحكمتها في تقرير الحقوق وتوزيع الواجبات، وأن الشارع لا يطبق المبادئ العامة تطبيقاً آلياً، وإنما يطبقها ليحقق بها نفعاً أو يدفع بها ضراً.
                    القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية:
                    أن المرأة تساوي الرجل في الحقوق والواجبات، فلها مثل ما له وعليها مثل ما عليه، وهي تلتزم للرجل بما يقابل التزاماته لها، فكل حق لها على الرجل يقابله واجب عليها للرجل، وكل حق للرجل عليها يقابله واجب على الرجل لها، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: [وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ] البقرة : 238
                    ولكن الشريعة مع تقريرها المساواة بين الرجل والمرأة كقاعدة عامة ميزت الرجل على المرأة بميزة واحدة، فجعلت له على المرأة درجة في قوله تعالى: [وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ] البقرة: 228 وقد بين القرآن الكريم حدود هذه الميزة أو الدرجة التي اختص بها الرجل في قوله تعالى: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ] النساء:34 فبين ذلك أن الدرجة هي درجة الرئاسة والقوامة على شئونهما المشتركة.
                    ولا شك أن الرجل وهو المكلف طبقاً للشريعة بالإنفاق على المرأة وتربية الأولاد والمسئول الأول عن الأسرة أحق بالرئاسة والقوامة على شئون البيت، لأن مسئوليته عن هذه الشئون تقتضي أن يكون صاحب الكلمة العليا فيها.
                    فالسلطة التي أعطيت للرجل إنما أعطيت له مقابل المسئولية التي حملها ليتمكن من القيام بمسئولياته على خير وجه، وهذا تطبيق دقيق لقاعدة شرعية عامة هي القاعدة التي تقول: (السلطة بالمسئولية) تلك القاعدة التي جاءت بها الشريعة لتحكم علاقة أصحاب السلطان بغيرهم، ولتبين مدى سلطتهم ومسئوليتهم والتي قررها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها).
                    وإذا كان للرجال درجة على النساء في شئونهما المشتركة فإن الرجل لا يتميز على المرأة في شئونها الخاصة،وليس له عليها أي سلطان فهي تستطيع مثلاً أن تتملك الحقوق وتتصرف فيها دون أن يكون للرجل ولو كان زوجاً أو أباً أن يشرف عليها أو يتدخل في أعمالها.
                    هذا هو مفهوم الرجل والمرأة في نظر الشريعة الإسلامية..وأكتفي بهذا القدر وإلا الحديث عن المرأة والرجل يطول وحتى لا نخرج عن دائرة البحث فنحن نتحدث عنهما في إطار محدد ذلك الإطار الخاص بمبدأ نظام الحكم في الإسلام،أما في الحكومات العلمانية فالتطرف في الفكر قد يكون كبيراً إذ أنهم قد ألغوا التمييز بين الرجل والمرأة وراحوا يطلقون في العنان
                    مصطلح الجندر GENDER.
                    الجندر..( GENDER) خفايا المعنى وتقنين الشذوذ:
                    "الجندر مصطلح ابتكرته وفرضته وثائق المؤتمرات الدولية والاتفاقيات الخاصة بالمرأة، ليجدوا بديلا من مصطلح الجنس ـ أي نوع الإنسان ذكر أو أنثى ـ والذي لا يقبل احتمالا ثالثاً، لتتسع الدائرة لتشمل الشواذ والجنس الثالث والأجناس الأخرى !!! فأوجدوا بهذا المصطلح فرصة لتعبير كل إنسان عن نفسه وميوله، بدون النظر إلى أصل خلقه ذكراً أو أنثى.
                    فالجندر.. دعوة خبيثة تكرس الشذوذ الجنسي بذريعة إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة، وإنصاف جنس المرأة !! حيث تم إدراج مصطلح مساواة النوع "الجندر" لضمان حصول الشواذ على حقوق الأسوياء أو التقليديين نفسها، وهذا ما تجلى مؤخرا في قرار الأمين العام للأمم المتحدة في مارس 2004 بحصول المتزوجين الشواذ على حقوق المتزوجين "التقليديين" أنفسهم، وذلك من حيث الميراث والضرائب والتأمينات الاجتماعية !!..

                    الظهور الأول للمصطلح : ظهر المصطلح لأول مرة في وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية المنعقد في القاهرة عام 1994، ثم أثير مرة ثانية ولكن بشرط واضح في مؤتمر بكين للمرأة عام 1995، وقد شاع استخدام هذا المصطلح في المؤتمرات الدولية بغية التدرج في فرضه على الدول، ويسعى دعاة الجندر إلى تمرير هذا المصطلح في كافة مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية لجعل الشواذ مقبولين اجتماعيا ولهم شرعية قانونية!!.
                    وتعريف هذا المصطلح خالطه الغموض في وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة التابعة لها بل إن النسخة الإنجليزية لمؤتمر بكين الدولي المشهور ذكرت المصطلح 254 مرة دون أن تعرفه!!. وتحت ضغط الدول المحافظة تم تشكيل فرق عمل لتعريفه وخرجت لجنة التعريف بعدم تعريف المصطلح!!.

                    "الجندر" وفخ المصطلح :
                    رغم استخدامه بكثرة في الآونة الأخيرة إلا أنه ظل مفهوما غامضاً، ويتم تعريبه وترجمته إلى اللغة العربية إلى مصطلحات عدة منها: " الجنس البيولوجي، والجنس الاجتماعي، والدور الاجتماعي، والنوع الاجتماعي"، ويستخدمه بعضهم حالياً للتعبير عن عملية دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع.
                    وما زال يستخدم هذا المفهوم أداة في تقارير مؤتمرات الأمم المتحدة للمرأة ليس لتحسين دورها في التنمية ولكن أيضاً لفرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته والأدوار المترتبة عليها والاعتراف بالشذوذ الجنسي وفتح الباب إلى إدراج حقوق الشواذ من زواج المثليين وتكوين أسر ـ غير نمطية ـ كما يقولون !!. وفي ذلك المصطلح أرادونا أن نستسلم للمسمى الفاسد في مضامينه ومعانيه ودلالاته ، بل والقبول في التعامل معه لإعطاء الشواذ كل الحقوق باعتبار أن ذلك الفعل من الحرية الشخصية التي لا تمس، فالشاذ جنسياً في بريطانيا كان يعاقب بالحبس والغرامة، وبعد أن طرحت المؤتمرات الدولية ذلك المصطلح خففت العقوبة وصارت غرامة بغير حبس، وبمضي الوقت وبعد أن فرضته تلك المؤسسات ألغيت العقوبتان وأصبح الشذوذ مباحاً، وتطورت المسألة وطالب الشاذون بحقوقهن في الوظائف العامة، وأصبح التعريض بهم تمييزاً عنصرياً يحاسب عليه القانون وأصبحت دور العبادة عندهم تبارك مثل هذا الزواج وتعطيه الحقوق المتبعة في الزواج الطبيعي من ميراث وحقوق مالية والتبني … ووصل الأمر في هولندا باتهام من ينتقد الشذوذ بأنه تعدى على القيم !!، حيث رفعت أكثر من خمسين منظمة في هولندا العرائض على رجل انتقد الشذوذ علنا . بل امتد الأمر إلى أقصى درجات الضغط التي يمارسها النظام العالمي الجديد، حيث أصبح من شروط انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ـ مثلا ـ الاعتراف بالشذوذ الجنسي.

                    مصطلح "الجندر" في بطاقات الطيران:
                    في بطاقات الطيران ـ في الغرب والولايات المتحدة ـ كان يكتب مصطلحا لتحديد نوع الراكب: ذكر أو أنثى، ويصطلح عليها بكلمة الجنس، اختفى هذا المصطلح ليحل محله مصطلح جديد وهو : GENDER “ ـ جندر ـ والسر في هذا التبديل أن كلمة الجنس تعني الوضع التشريحي ـ أي الأعضاء التناسلية التي تميز الذكر من الأنثى ـ أما كلمة GENDER فلا يهمها الوضع التشريحي، بل يقصد بها ميول الشخص لعله يكون ذكرا يشعر بمشاعر الأنثى أو العكس، وعليه أن يظهره بلا حياء ولا خجل، من باب الحرية الشخصية !!.

                    الأسرة في مفهوم " الجندر" :
                    كانت الأسرة في الماضي ـ في الشرق والغرب ـ تضم ثلاثة أجيال الجد والجدة، والأبناء وزوجاتهم, والأحفاد، ومن ثم انكمشت الأسرة إلى الأسرة التي تضم رجلاً وزوجته وطفليهما، وأطلق عليها مصطلح " الأسرة النووية "!! ويقصدون بذلك الأسرة الأساسية، أي نواة تكوين الأسرة .
                    أما الآن فأصبحت تظهر مسميات وأنماط لأسر مختلفة ـ غريبة الأطوار والفطرة والإنسانية ـ لتكريس المفهوم الغربي للأسرة، وأنها تتكون من شخصين يمكن أن يكونا رجلاً وامرأة أو من نوع واحد، نذكر نماذج لتكوينها :
                    - أب مع أطفاله وصديقته أو أطفالهما .
                    - أم وصديقها مع أطفالها أو أطفالهما .
                    - أم وصديقتها مع أطفالها أو أطفالهما .
                    - أب وصديقه مع أطفاله أو أطفالهما .
                    - أم وأب وصديقه وأطفالهم ، وبذلك حدث تعديل طفيف إذ انضم للأسرة عشيق الأب، ووافقت الأم على ذلك !!.
                    - أم وأب وصديقتها وأطفالهم !!.
                    و" الأطفال غير الشرعيين " كانوا يسمون بهذا الاسم ، ولكنهم أصبحوا يسمون " أطفال أم غير متزوجة "، ثم اكتسبوا أخيراً اسماً حتمياً لطيفاً هو " أطفال طبيعيون " يعني أن الحادث تم قيده ضد مجهول أو أنه ثمرة الطبيعة.
                    وأخيراً أصبحوا يسمون " أطفال الحب/ الجنس " مع أنه في واقع الأمر هؤلاء الأطفال لا علاقة لهم بالحب أو الكره، فهم نتيجة علاقات عابرة لقضاء شهوة آنية، ومهما كان المعنى المقصود فإن تلك المصطلحات تخفي الأصول، وتجعل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ظاهرة طبيعية تماماً، والانتقال من الحرام إلى الحياد ثم إلى الحلال.
                    الفلسفة الجندرية والحرب على الرجال
                    الفلسفة الجندرية فلسفة غربية جديدة تتبناها منظمات نسويّة غربيّة استطاعت أن تخترق بعض المستويات العليا في منظمات عالميّة، مثل منظمة الأمم المتحدة، وأفلحت كذلك في عقد مؤتمرات دوليّة تخص قضايا المرأة، كان من أشهرها مؤتمر بكين عام 1995م.
                    والسياسات الجندريّة تسعى إلى الخروج على الصيغة النمطيّة للأسرة، وتريد أن تفرض ذلك على كل المجتمعات البشرية، وتسعى إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروقات، وترفض التقسيمات، حتى تلك التي يمكن أن تستند إلى أصل الخلق والفطرة. فهذه الفلسفة لا تقبل بالمساواة التي تراعي الفروقات بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء. وهذه الفلسفة لا تقوم على أسس علميّة، بل هي تصورات فلسفيّة تتناقض مع معطيات العلم الحديث، وتتناقض مع الواقع الملموس للرجل والمرأة.
                    ولا تملك هذه الفلسفة الدليل على إمكانية إلغاء الفروق بين الرجال والنساء، وليس لديها الضمانات التي تجعلنا نطمئنّ إلى أنّ تطبيق هذه الفلسفة سيأتي بنتائج إيجابيّة.
                    وهذه الحركات الأنثوية المتطرفة أعلنت بفلسفتها الحرب ضد الرجال والمطالبة بعالم بلا رجال!. رادف ذلك الهجوم بشكل مكثف على مؤسسة الأسرة باعتبارها مؤسسة قمع وقهر للمرأة، والبديل هو الارتباط الحر والحرية الجنسية، بل تجاوز الأمر إلى الدعوة إلى الشذوذ الجنسي "السحاق" باعتباره شكلا ملائما للخروج من سيطرة الرجل العدو !!.
                    ومن ضمن ما دعت إليه تلك الحركات إلغاء دور الأب في الأسرة ورفض السلطة الأبوية كما رفضت الأسرة والزواج وأباحت الإجهاض ورفضت الأمومة والإنجاب، وأباحت الشذوذ الجنسي، وبناء الأسرة الغير النمطية حيث رأت الحركة الأنثوية أن إباحة الشذوذ وسيلة لكي تتخلص المرأة من تبعيتها للرجل ومن سطوته أيضا، وتخلصها من مشكلات الإنجاب والولادة والأمومة وتثبت المرأة من خلالها أنها تستطيع أن تستقل بذاتها وتستغني عن الرجل تماما !!.

                    رأي الشرع في "الجندر"
                    جاء في الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية للدكتور علي جمعة ما يفيد أن "مساواة الجندر" والتي تعني التساوي المطلق بين الرجل والمرأة يرفضها الإسلام، والشأن بين آدم وزوجته حواء المساواة في الحقوق والواجبات، وفي الإنسانية وفي التكليف، وليس الشأن بينهما هو التساوي في الخصائص والوظائف؛ ولذا نرى الشرع الإسلامي قد نهى عن تشبه كل فريق بالآخر التشبه الذي يخل بتوازن الكون وبمراد الله من خلقه".
                    وفي بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف جاء القول : " تستخدم كلمة نوع "جندر" عشرات المرات بمعان محرفة ترمي إلى إلغاء الفوارق بين الذكور والإناث وتحويل الإنسان إلى مسخ لا هو بالذكر ولا بالأنثى وذلك مع الإيهام ببراءة القصد وسلامة الهدف ".
                    سبل المواجهة
                    لخطورة هذا المصطلح وما يتضمنه من معانٍ ودلالات ، لابد من التنبيه على خطورته وبيان مراميه ومخالفاته الشرعية، والمسؤولية الأكبر تلقى على عاتق ولاة الأمر من الحكام، وكذلك العلماء والدعاة وطلاب العلم والمثقفين والإعلاميين والمؤسسات التربوية والمراكز النسائية؛ لتوعية عامة المسلمين بأهداف الحركات الأنثوية الجديدة ومخططاتها ومن يقف وراءها من خلال وسائل الإعلام المختلفة والندوات والمحاضرات، وإصدار الفتاوى والبيانات التي تستنكر هذه المؤتمرات الدولية ونشرها إعلاميا، وإقامة أسابيع ثقافية في المدارس والجامعات لبيان مخالفة مثل تلك المصطلحات لمقاصد الشريعة. ولا مناص من النصح والتوجيه للحكومات الإسلامية ومراكز القرار حتى لا توقع على أية اتفاقيات متضمنة تلك المعاني المخالفة لشريعتنا الغراء.

                    هنـــــــــــــا

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #40
                      المطلب الثاني


                      من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة


                      مبدأ الحرية

                      من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية مبدأ الحرية، فقد أعلنت الشريعة الحرية وقررتها في أروع مظاهرها فقررت حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحرية القول، وسنتكلم عن هذه الحريات واحدة بعد أخرى فيما يلي:
                      1ـ حرية التفكير:
                      جاءت الشريعة الإسلامية معلنة حرية التفكير محررة للعقل من الأوهام والخرافات والتقاليد والعادات، داعية إلى نبذ كل مالا يقبله العقل، فهي تحث على التفكير في كل شيء وعرضه على العقل فإن أمن به العقل كان محله إيمان، وإن كفر به كان محله كفران فلا تسمح الشريعة للإنسان أن يؤمن بشيء إلا بعد أن يفكر فيه ويعقله، ولا تبيح له أن يقول مقالاً أو يفعل فعلاً إلا بعد أن يفكر فيما يقول ويفعل ويعقله.
                      ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل فها هو القرآن الكريم يعتمد في إثبات وجود الله، ويعتمد في إقناع الناس بالإسلام، ويعتمد في حملهم على الإيمان بالله ورسوله وكتابه، يعتمد القرآن الكريم في ذلك كله اعتماداً أساسياً على استثارة تفكير الناس وإيقاظ عقولهم ويدعوهم بشتى الطرق والوسائل إلى التفكير في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفي غير ذلك من المخلوقات،ويدعوهم إلى التفكير فيما تقع عليه أبصارهم وما تسمعه آذانهم ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل.
                      ونصوص القرآن الكريم في هذا الصدد لا تحصى منها على سبيل المثال:قوله تعالى : [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] البقرة : 164.
                      وقوله تعالى : [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] سبأ: 46.
                      وقوله تعالى : [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى] الروم: 8.
                      وقوله تعالى : [فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ] الطارق: 5ـ 7.
                      وقوله تعالى : [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ق: 37.
                      وقوله تعالى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)] آل عمران :190 ـ 191.
                      ويعيب القرآن الكريم على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدوا غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد دون تفكير فيما يتركون وما يدعون، وينعي عليهم ذلك كله، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يتبعون غيرهم دون تفكير ولا يحكمون عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، ولأن العقل هو الميزة الوحيدة التي ميز الله بها الإنسان على غيره من المخلوقات فإذا ألغي عقله أو عطل فكره تساوى بالأنعام بل كان أضل منها.
                      ونصوص القرآن الكريم صريحة في تقرير هذه المعاني، واقرأ إن شئت قوله تعالى : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)] البقرة: 170 ـ 171
                      وقوله تعالى: [يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)] الحج: 46.
                      وقوله تعالى : [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)] الأعراف: 179.
                      وللإنسان أن يفكر فيما شاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير ولو فمر في إتيان أشياء تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من أقوال أو أفعال محرمة ، وغنما تؤاخذه على ما أتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم).

                      2ـ حرية الاعتقاد: والشريعة الإسلامية هي أول شريعة أباحت حرية الاعتقاد وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى آخر الحدود، فلكل إنسان طبقاً للشريعة الإسلامية أن يعتنق من العقائد ما ساء وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها أو يمنعه من إظهار عقيدته.
                      وكانت الشريعة الإسلامية عملت حين قررت حرية الاعتقاد فلم تكتف بإعلان هذه الحرية وإنما اتخذت لحمايتها طريقين:
                      أولاهما: إلزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء وفي تركه يعمل طبقاً لعقيدته، فليس لأحد أن يكره آخر على اعتناق عقيدة ما أو ترك أخرى ومن كان يعارض آخر في اعتقاده فعليه أن يقنعه بالحسنى، ويبين له وجه الخطأ فيما يعتقد، فإن قبل أن يغير عقيدته عن اقتناع فليس عليهما حرج، وإن لم يقبل فلا يجوز إكراهه ولا الضغط عليه، ولا التأثير عليه بما يحمله على تغيير عقيدته وهو غير راض، ويكفي صاحب العقيدة المضادة أنه أدى واجبه فبين الخطأ، وأرشد إلى الحق، ولم يقصر في إرشاد خصمه وهدايته إلى الصراط المستقيم.
                      واقرأ إن شئت هذه المعاني صريحة واضحة في قوله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم:
                      [ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] البقرة : 256
                      وقوله تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] يونس: 99
                      وقوله تعالى: [فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ] الغاشية: 22
                      وقوله تعالى : [ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ] النور: 54

                      ثانيهما: إلزام صاحب العقيدة نفسه أن يعمل على حماية عقيدته، وأن لا يقف موقفاً سلبياً، فإذا عجز عن حماية نفسه تحتم عليه أن يهاجر من هذه البلدة التي لا تحترم عقيدته إلى بلد آخر يحترم أهله عقيدته، ويمكن فيه من إعلان ما يعتقده، فإن لم يهاجر وهو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه غيره، وارتكب إثماً عظيماً، وحقت عليه كلمة العذاب، أما إذا كان عاجزاً عن الهجرة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وهذا هو القرآن الكريم ينص صراحة على ذلك في قوله تعالى:
                      [ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)] النساء: 97ـ 99
                      وقد بلغت الشريعة الإسلامية غاية السمو حينما قررت حرية العقيدة للناس عامة مسلمين وغير مسلمين، وحينما تكفلت بحماية هذه الحرية لغير المسلمين في بلاد الإسلام، ففي أي بلد إسلامي يستطيع غير المسلم أن يعلن عن دينه ومذهبه وعقيدته، وأن يباشر طقوسه الدينية ، وأن يقيم المعابد والمدارس لإقامة دينه ودراسته دون حرج عليه، فلليهود في البلاد الإسلامية عقائدهم ومعابدهم وهم يتعبدون علنا وبطريقة رسمية، ولهم مدارسهم التي يتعلمون فيها الدين الموسوي، ولهم أن يكتبوا ما يشاءون عن عقيدتهم وأن يقارنوا بينها وبين غيرها من العقائد ويفضلوها عليها في حدود النظام العام والآداب والأخلاق الفاضلة.
                      وكذلك الحال مع المسيحيين مع اختلاف مذاهبهم وتعددها، فلكل أصحاب مذهب كنائسهم ومدارسهم، وهم يباشرون عباداتهم علناً، ويعلمون عقائدهم في مدارسهم ويكتبون عنها وينشرون ما يكتبون في البلاد الإسلامية.

                      3ـ حرية القول: أباحت الشريعة الإسلامية حرية القول وجعلتها حقاً لكل إنسان، بل جعلت القول واجباً على الإنسان في كل ما يمس الأخلاق والمصالح العامة والنظام العام وفي كل ما تعتبره الشريعة منكراً، وذلك قوله تعالى:[ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] آل عمران: 104
                      وقوله تعالى: [الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ] الحج: 41
                      وإذا كان لكل إنسان أن يقول ما يعتقد أنه الحق ويدافع بلسانه وقلمه عن عقيدته فإن حرية القول ليست مطلقة، بل هي مقيدة بأن لا يكون ما يكتب أو يقال خارجاً عن حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة أو مخالفاً لنصوص الشريعة.
                      وقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها وقيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، وكان أول من قيدت حريته في القول محمد صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله الذي جاء معلناً للحرية مبشراً بها وداعياً إليها، ليكون قوله وعمله مثلاً يحتذى، وليعلم الناس أنه لا يمكن أن يعفى أحد من هذه القيود إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قيد بها مع ما وصفه به ربه من قول تعالى:[ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] القلم:4
                      ولقد أمر الله رسوله أن يبلغ رسالته للناس وأن يدعو الناس جميعاً إلى الإيمان بالله وبالرسالة، وأن يحاجّ الكفار والمكذبين ويخاطب عقولهم وقلوبهم.
                      ولكن الله جلّ شأنه لم يترك لرسوله صلى الله عليه وسلم حرية القول على الإطلاق فرسم له طريق الدعوة، وبين له منهاج القول والحجاج، وأوجب عليه أن يعتمد في دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن يعرض عن الجاهلين ، وأن لا يجهر بالسوء من القول، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله، فرسم الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حدود حرية القول، وبيِّن لنا أن الحرية ليست مطلقة وإنما هي حرية مقيدة بعدم العدوان وعدم إساءة الاستعمال.
                      ونستطيع أن نبين مدى صلاحية نظرية الشريعة إذا علمنا أن المشرعين الوضعيين بعد تجاربهم الطويلة ينقسمون اليوم إلى قسمين:
                      قسم يرى حرية القول دون قيد إلا فيما يمس النظام العام وهؤلاء لا يعيرون الأخلاق أي اهتمام، وتطبيق رأيهم يؤدي دائماً إلى التباغض والتنابذ والتحزب ثم القلاقل والثورات وعدم الاستقرار.
                      وقسم يرى تقييد حرية الرأي في كل ما يخالف رأي الحاكمين ونظرتهم للحياة، وتطبيق رأي هؤلاء يؤدي إلى كبت الآراء الحرة وإبعاد العناصر الصالحة عن الحكم، ويؤدي في النهاية إلى الاستبداد ثم القلاقل والثورات.
                      ونظرية الشريعة الإسلامية تجمع بين هاتين النظريتين اللتين تأخذ بهما دول العالم، ذلك أن نظرية الشريعة تجمع بين الحرية والتقييد، وهي لا تسلم بالحرية المطلقة، ولا بالتقييد المطلق..
                      فالقاعدة الأساسية في الشريعة هي حرية القول،والقيود على هذه الحرية ليست إلا فيما يمس الأخلاق أو الآداب أو النظام.
                      والواقع أن هذه القيود قصد منها حماية الأخلاق والآداب والنظام ولكن هذه الحماية لا تتيسر إلا بتقييد حرية القول، فإذا منع القائل من الخوض فيما يمس هذه الأشياء فقد منع من الاعتداء ولم يحرم من أي حق لأن الاعتداء لا يمكن أن يكون حقاً .
                      ويمكننا بعد ذلك أن نقول إن الشريعة الإسلامية تبيح لكل إنسان أن يقول ما يشاء دون عدوان فلا يكون شتاماً ولا عياباً ولا قاذفاً ولا كاذباً، وأن يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن لا يجهر بالسوء من القول، ولا يبدأ به، وأن يعرض عن الجاهلين.
                      ولا جدال في أن من يفعل هذا يحمل الناس على أن يسمعوا قوله ويقدروا رأيه فضلاً عن بقاء علاقاته بغيره سليمة ثم بقاء الجماعة يداً واحدة تعمل للمصلحة العامة.
                      والنصوص القرآنية الآتية تعتبر دستور القول في الشريعة وهي قوله تعالى:
                      [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] النحل: 125
                      [خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ] الأعراف: 199
                      [وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] الفرقان: 63
                      [وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] الأنعام: 108
                      [لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا] النساء: 148
                      [وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] العنكبوت : 46
                      هذه هي نظرية الحرية بشعبها الثلاث جاءت بها الشريعة الإسلامية في وقت كان الناس لا يفكرون بعقولهم ولا يحفلون إلا بما وجدوا عليه آباءهم, وقد جاءت النصوص المقررة للحرية والمبينة لحدودها نصوصاً عامة مرنة بحيث لا يمكن أن تحتاج إلى تعديل أو تبديل.وهذا يتفق مع الأساس الذي قامت عليه الشريعة وهو عدم قابليتها للتعديل والتبديل، ولا شك أن النصوص من العموم والمرونة بحيث لا يمكن أن تضيق بأي حال مهما تغيرت الظروف والأمكنة وطال الزمن.
                      ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير نظرية الحرية بسبعة عشر قرناً، لأن القوانين الوضعية لم تبدأ بتقرير هذه النظرية إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
                      أما قبل ذلك فلم تكن هذه القوانين تعترف بالحرية بل كانت أقسى العقوبات تخصص للمفكرين ودعاة الإصلاح ولمن ينتقد عقيدة تخالف العقيدة التي يعتنقها أولو الأمر.
                      هذا هو الواقع وهذه هي حقائق التاريخ، فمن شاء بعد ذلك أن يعرف كيف نشأت الأكذوبة الكبرى التي تقول إن الأوروبيين هم أول من دعا للحرية فليعلم أنها نشأت من الجهل بالشريعة الإسلامية، وقد يعذر الأوربيون في هذا الجهل أما نحن فلن نجد لأنفسنا عذراً.

                      هنـــــــــــــا

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #41
                        المطلب الثالث


                        من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة


                        مبدأ الشورى


                        والحديث عن مبدأ الشورى ونظام الحكم على فرعين:
                        الفرع الأول: الشورى كمبدأ من مبادئ نظام الحكم في الإسلام.
                        الفرع الثاني: نظام الحكم الإسلامي بين الشّورى والديمقراطية


                        الفرع الأول


                        الشورى كمبدأ من مبادئ نظام الحكم في الإسلام.

                        تعريف الشورى في مفهوم الفقه الدستوري هي: «تبادل الرأي بين المتشاورين من أجل استخلاص الصواب من الرأي، والأنجح من الحلول، والسديد من القرارات، وهي من مبادئ الشريعة، وأصل من أصول الحكم».
                        وإذا ما أتينا إلى الشورى، الذي هو ركن من أركان نظام الحكم في الإسلام، متى ما طبّق شكلا ومضمونا، وان لم تحدد الشريعة معالمه، ولم يهتد المسلمون إلى تقرير شكله وأسلوبه عبر العصور، فانه ينبغي التوقف أمامه عند سؤال كبير، سيظل يتردد على المسامع إلى حين، وهو: هل تطبق الشورى على أصولها في الدول التي تأخذ بها؟..
                        وبما أن النموذج الأكثر تعبيرا عن مفهوم الشورى الذي ورثناه من الخلافة الإسلامية (وهو مفهوم أهل الحل والعقد)، يظل النموذج شبه الوحيد، لكنه لم يجرّب حديثا ولم يبلور بعد على نطاق عملي، وما يزال ضبابيا، ولا أظن أن صيغة مجالس الشورى القائمة تمثل مفهومه وتحقق فلسفته ومقاصده. لقد ظهرت فكرة «أهل الحل والعقد والاختيار» في فترة مبكرة من عهد الخلافة الراشدة، بدأت بعدد محدود، وكان الهدف منها عقد البيعة للخليفة الخلف، ثم اختفت مع ظهور أنماط مختلفة من نظم الحكم في العهود الإسلامية اللاحقة.
                        لكن «عمومية» اللفظ بقيت في بطون كتب التاريخ وان خصصها بعض مفكري المسلمين بقليل من التعليقات التنظيرية في الكتب التي تناولت نظم الحكم في الإسلام.



                        الفرع الثاني


                        نظام الحكم الإسلامي بين الشّورى والديمقراطية


                        موضوع( نظام الحكم الإسلامي بين الشّورى والديمقراطية) يهدف إلى بيان المقصودبالديمقراطية في المجتمعات المعاصرة،وعقد مقارنة بينها وبين حقيقة الشّورى في النظرالإسلامي بقصد الوصول إلى الموقف الإسلامي من الديمقراطيّة، وبيان إمكانيّة تبنيها في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة.. وما حدود ذلك وشروطه والآليّات اللازمة له، في إطار يركز على بيان الحكم الشرعي المعتمد، من منطلق أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ وبيان المقصود منه اعتماداً على النصوص والتطبيقات المتعلقة بالموضوع وعلىحرص الشريعة على تحقيق مصالح العباد، وفق ما بيَّنه علماؤنا في مباحث مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة والاستحسان والعرف.
                        وتأتي أهمية البحث في هذا الموضوع من منطلق التوجّه العالمي إلى تبني الديمقراطيّة، عنواناً لاستقرار المجتمعات الإنسانيّة وتقدّمها، وبخاصّة في مجال الحياة السياسيّة، والمحافظة على حقوق الإنسان وحرياته.. بحيث بات تبنّي الديمقراطيّة مطلباً عالمياً تركز عليه حركات الإصلاح في المجتمعات المعاصرة، وأصبح الموقف منها مقياساً لمدى تقدم المجتمع ونهوضه، ومعياراً للحكم على صلاح النظم والمذاهب والحركات والتجمّعات والأحزاب السياسيّة.
                        ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أنّ الحكم على نجاح الأفكاروالمفاهيم الديمقراطية بات يركز على صيغها وآلياتها وآثارها ونتائجها، ولا يهتم بأسسها الفلسفيّة، وما كانت عليه مفاهيمها في البداية أو في إطار النظم والفلسفات الأخرى، ومن هنا فإنه من المهم الوعي على هذه النقطة لأهميتها في تسهيل الحكم عليهامن الناحية الشرعيّة، حيث يبادر العديد من الباحثين المهتمين بدراسة هذا الأمر إلى القول بتحريم الأخذ بالأفكار والمفاهيم الديمقراطيّة بالنظر إلى أسسها الفلسفيّة،باعتبارها مصطلحاً غربياً طارئاً على الثقافة الإسلاميّة، له مدلولاته الخاصّة في الثقافات المغايرة.. وأنّ الأخذ بها قد يؤدي إلى الخلط بين الفلسفات والنظم، واستيراد المضامين غير الإسلاميّة، وليس فقط الأخذ بالصيغ والآليّات.
                        ويمكن تشبيه ما يدور حول استخدام لفظ الديمقراطيّة في الفكر والواقع الإسلاميين المعاصرين بما دار حول استخدام لفظ الاشتراكيّة في منتصف القرن الماضي، فقد سمى بعض الباحثين ما قدمه الإسلام من معالجة لمشكلات الفقر وتوزيع الثروة والدخل وتحقيق العدالة الاجتماعيّة في الإسلام باشتراكيّة الإسلام، ورفض بعضهم هذه التسمية واعتبرها خطراً يهدّد الفكر الإسلامي المعاصر، لأنه يؤدي إلى دخول بعض المفاهيم الغريبة عن الإسلام في هذا الفكر (انظر اشتراكية الإسلام، د. مصطفى السباعي حيث ناقش هذا الموضوعوعرض لحجج المانعين والموافقين وانتهى إلى ترجيح هذا الاستخدام، ص 6 – 8 .).

                        وعلى ضوء هذا كله فإنّ هذا المبحث سوف يهتم ببيان الأمور التالية:
                        1ـ المقصود بالديمقراطيّة في المجتمعات المعاصرة، وعلاقة ذلك بأصولها الفلسفيّة،بهدف بيان إمكانيّة فصلها بصيغها وممارساتها المعاصرة عن أصولها الفلسفيّة.

                        2ـ حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي، وأدلتها وتطبيقاتها ومقارنتها بالصيغ الديمقراطية المعاصرة.

                        3ـ الحكم على الصيغ الديمقراطيّة المعاصرة من وجهة نظر إسلاميّة، وبيان كيف يمكن للتطبيق الإسلامي المعاصر أن يتبنى هذه الصيغ وينتفع بها، دون إخلال بالمبادئ والقواعد الإسلاميّة.

                        وأخصص لكل أمر من هذه الأمور مبحثاً مستقلاً.


                        المبحث الأول


                        المقصود بالديمقراطيّة في المجتمعات المعاصرة وعلاقة ذلك بأصولها الفلسفيّة


                        يذكر الباحثون أنّ الديمقراطيّة تعني حكم الشعب للشعب ، وقد نادى المفكرون والمصلحون بهذا المفهوم في وجه الديكتاتورية التي تعني حكم الفرد للشعب. (انظر الديمقراطية التقدميّة والاشتراكيّة الثوريّة، د. عدنان الأتاسي، ص 97.).
                        وقد أوضحوا أنّ هذه اللفظة قديمة في استعمالها، إذ استخدمها الإغريق القدامى لأول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد.
                        فالديمقراطية: كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية Δήμος أو Demos وتعني عامة الناس، والنصف الثاني Κρατία أو kratia وتعني حُكم، Democratia حكم عامة الناس.
                        يمكن استخدام مصطلح الديمقراطية بمعنى ضيق لوصف دولة- قومية أو بمعنى أوسع لوصف مجتمعحر.
                        فهي مصطلح يوناني مركب من لفظين: «ديموس» أي الشّعب و«كراتوس» أي السّلطة، فهي تعني سلطة الشّعب، وقد ظهرت أول ما ظهرت في كتابتاريخ حرب البيلو بونيز للمؤرخ اليوناني توسيد يوس (460 – 400 قبل الميلاد) الذي نقل قول بيريكليس – وهو يرثيه – التالي: «إنّ دستورنا لا ينقل عن الدول الأخرى،فنحن نموذج للآخرين .. إنّ حكومتها – يقصد أثينا – ترعى الأغلبيّة لا الأقليّة . ولهذا تسمى ديمقراطيّة (انظر ذلك معنى الديمقراطيّة، صول. ك. بادوفر، ترجمة جورج عزيز، دار الكرنك للنشرالقاهـرة 1997م، ص23.).
                        ويقول توسيديوس: أن بيريكليس كان يتصور الديمقراطيّة نظام حكم يتمتع في ظله الناس جميعاًبالمساواة أمام القوانين، ويُنتخب موظفوه على أساس من كفاءتهم، لا على أساس الطبقة التي ينتمون إليها، ويستند إلى المبدأ القائل إنّ الأغلبيّة أكثر حكمة من الأقليّة..(انظر ذلك في: معنى الديمقراطيّة، صول. ك. بادوفر، ترجمة جورج عزيز، دار الكرنك للنشر القاهرة 1997م، ص 23 - 24.).
                        وقد طبقت الديمقراطيّة نظاماً للحكم في أثينا خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.. وكانت هذه الديمقراطيّة ديمقراطيّة مباشرة تتكون الجمعية العموميّة فيهامن جميع أفراد الشّعب، مستبعداً منهم الإناث والعبيد ومادون العشرين سنة، حيث يتولّى هؤلاء اختيار الحكام والقضاة، ووضع القوانين المقدمة من المجلس النيابي،وإعلان الحرب والسلام وعقد المعاهدات وغيرها، أمّا المجلس النيابي فيتكون من خمسمائة عضو عن كل قبيلة من قبائل أثينا العشرة، على أن تكون أعمارهم فوق الثلاثين،ومدّة العضويّة سنة، ولا يعاد الاختيار إلا مرّة واحدة طوال الحياة، ويتولّى المجلس بالإضافة لإعداد مشروعات القوانين الإشراف على أجهزة الإدارة والشؤون الماليّة وعلى الجيش.. وفي النظام مناصب أخرى مثل المحاكم الشعبيّة والقواد العشرة والمناصب العامة الأخرى (انظر بالتفصيل: الشّورى وأثرها في الديمقراطيّة، ص 22 وما بعدها.).
                        وقد أخذ على هذا النظام ملاحظات عديدة منهااستبعاد النساء والاعتراف بنظام العبودية واستبعاد العبيد، وأنها قررت الحريّةالمطلقة بطريقة تتيح للفرد أن يفعل ما يشاء، وأنها ساوت بين الصالحين وغير الصالحين،وأنّ السيادة في كثير من الأحوال للأغلبية لا للقانون، وقد وجّه هذه الانتقادات كلمن أفلاطون وأرسطو وغيرهم (انظر بالتفصيل: الشّورىوأثرها في الديمقراطيّة، ص 32 - 38.).
                        ويذكر بعض الباحثين أنّ الديمقراطيّة تعني المشاركة الشعبيّة في شؤون الحكم (د. عبد الحميد الأنصاري، الشّورى وأثرهافي الديمقراطيّة، ص 21.).
                        وقد ذكر الباحثون أنّ للديمقراطيّة في مجالات السياسات والنظم ما لا يقل عن خمسميزات أساسيّة هي:
                        1. المساواة أمام القانون.
                        2. المساواة في الاقتراع.
                        3. انتخاب الممثلين النيابيين دورياً.
                        4. التشريع بموافقة الأغلبيّة.
                        5. حريّة العمل السياسي ووضع البرامج السياسيّة.
                        (يراجع بالتفصيل معنى الديمقراطية، صول. ك. بادوفر، ترجمة جورج عزيز،دار الكرنك للنشر القاهرة 1997م، ص 19.)
                        ويقول الدكتور عدنان الأتاسي: ومن الوجهة العمليّة إنّ للديمقراطية اليوم شقين يتمم أحدهم الآخر:
                        1ـ تعني الديمقراطيّة تمتع كل مواطن بالأمن الشخصي وبالحريّات المدنيّة والسياسيّة، وخاصّة بالمساواة في الحقوق والواجبات، وبقضاء عادلمستقل.
                        2ـ تعني الديمقراطيّة أيضاً، أن يكون للمواطنين رأي في انتقاء الحكام وفي توجيهالحكم ومراقبته، وذلك عن طريق التصويت العام الحرّ في فترات متقاربة (الديمقراطية التقدميّة والاشتراكيةالثوريّة، ص 97.).
                        فهي تقول بحقّ الإنسان بأن يعيش حرّاً ضمن حدود القانون، وأن يساهم في الحياةالسياسيّة ضمن نظام قائم على إرادة الشعب (الديمقراطية التقدميّة والاشتراكيةالثوريّة، ص 114)، وبحيث تتعمق هذه المبادئ في حس المواطنين وسلوكهم وهذا يقتضي إطلاق حريات الأفراد، والالتزام برأي الأكثرية معاحترام رأي الأقلية، في إطار تطبيق القانون على الجميع. ذلك أنّ تطبيق المبادئ الديمقراطيّة يحتاج إلى تربية سياسيّة وتوجيه مستمر حتى لا تقع الأخطاء ويقع القصورفي الممارسة والتطبيق (انظر المرجع نفسه عند الحديث عما أسماه بعيوب الديمقراطيّة وكيفية علاجها، ص 132 وما بعدها.).
                        وواضح أنّ هذا الفهم يجعل التشريع للأغلبيّة من خلال الممثلين النيابيين، منمنطلق أن التشريع ووضع القوانين الضابطة لنواحي الحياة المتعددة هو من صلاحيّة الشّعب يمارسها من خلال مجلس منتخب تؤخذ القرارات فيه بالأغلبيّة. فهو فهم لا يلاحظولا يهتم بوجود شريعة إلهيّة حملها الرسل والأنبياء يجب الالتزام بها والعمل بموجبها، لذلك يهاجم كثير من المتمسكين بوجوب تطبيق الشريعة هذا الفهم وينددون به،ويعتبرونه مخالفاً لوجوب تطبيق الشريعة، ومن هنا فإنّ عدداً من العلماء المسلمين أشاروا إلى هذا الفهم ومتعلقاته باعتباره نوعاً من أنواع الحكم الذي يختلف عن الحكم الإسلامي المقبول.
                        Last edited by زهدي جمال الدين; 15-03-2008, 11:57 AM.

                        هنـــــــــــــا

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #42
                          وقد نبّه ابن خلدون في مقدمته إلى أنواع الحكم بالنظر إلى نوعيّة ما يطبقه الحكم على الناس فقسمها إلى ثلاثة أقسام:
                          القسم الأول: المُلك الطبيعي، وهو الحكم الذي يقوم على مقتضى الفرض والشهوة،والغلبة والقهر، دون أن يكون هنالك أي قوانين تطبق على الناس. وهو ما يسمى بالحكمالديكتاتوري، وهو الذي تكون فيه إرادة الحاكم هي الفيصل الحاكم في جميع شؤون الدولةوالرعيّة.
                          القسم الثاني: المُلك السياسي، وهو الحكم الذي يقوم على حمل الكافة على تطبيق قانون وضعي مبني على النظر العقلي في جلب المصالح ودفع المضار، وذلك من قبل عقلاءالأمة وأكابرها.
                          القسم الثالث: الخلافة؛ وهو الحكم الذي يقوم على حمل الكافّة على مقتضى النظرالشرعي في مصالح الدنيا والآخرة، فهي خلافة عن صاحب الشّرع في حراسة الدين وسياسةالدنيا.
                          ثمّ بيَّن ابن خلدون بعد ذلك أنّ المُلك الطبيعي مذموم، لأنه جور وعدوان لا يقومعلى قانون أوشرع، وأنّ الملك السياسي مذموم كذلك، لأنه نظر بغير نور الله، ومن لم يجعل اللهله نوراً فما له من نور، والشارع أعلم بمصالح الكافة منهم.
                          والمُلك السياسي يُعنى بمصالح الدنيا، ولا يهتم بمصالح الآخرة.
                          أمّا الخلافة فتسير بنور الله، وتعمل بوحيهالمنزل، وتهتم بمصالح الناس الدنيويّة والأخرويّة، فهي أحسن أنواع الحكم(انظر ذلك فيالفصل الخامس والعشرين من المقدمة ، ص 190 – 191، وانظر الملكيّة في الشريعةالإسلاميّة، د. عبد السلام العبادي، ج 2، ص 236.).
                          ويظهر من تقسيم ابن خلدون هذا لأنواع الحكم أنه يعتبر الأساس في التمييز بين أنواع الحكم هو نوعية القوانين التي تنظم شؤون الحكم وتسيّر أموره؛ فالقانون الذي يمارس الحكم تطبيقه هو الذي يحدد طبيعة الحكم ونوعية وظائفه.
                          ومن هنا كان لنظام الحكم الإسلامي طبيعة خاصّة، ووظائف متميزة، لأنه هو الذي يطبق شريعة الله الكاملة؛حكم يكمل بقدر ما يطبّق من أحكام الشريعة، والمهم فيه تطبيق الأحكام الشرعيّة.
                          أمّاالتسميات التي تطلق عليه فيلاحظ فيها أمر أو آخر، فتسميته بالخلافة باعتبار أنه خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيق الشريعة الإلهيّة الخاتمة والالتزام بها(انظر مقدمة ابن خلدون، 191.).
                          وتسميته بالإمامة باعتبار أنّ الحاكم يتقدم المسلمين في الصلاة وغيرها. وواضح في الأنظمة الديمقراطيّة أنّ أكابر الأمّة وعقلاءها يتم اختيارهم من الشّعب، فالمجلس المنتخب هو الذي يضع القوانين. وفي الدولة الحديثة، وأمام تقسيم السلطات إلى ثلاث: تنفيذيّة وتشريعيّة وقضائيّة، فإنّ السّلطة التشريعيّة هي التي تمثلها المجالس المنتخبة من الشّعب.
                          والشريعة التي يطبقها الحكم الإسلامي لها منهجها في تنظيم الواقع الإنساني، فهوالذي يقوم عليه الفقه الإسلامي، فهي في تنظيمها لحياة الناس قد وضعت القواعد العامّة والمبادئ الأساسية، ونصّت على كثير من الأحكام التفصيلية التي لا يتغيّرفيها الحكم بتغير الأزمنة، وتركت كثيراً من الأمور التفصيلية لتنظم في كل عصربحسبه، وفق ما يقدر عليه العقل الإنساني، ويقدمه نمو المجتمع الإنساني، على أن يظل ذلك في إطار مبادئ الشريعة العامة وقواعدها الأساسيّة، ولا يخرج على نصوصها. ويكونذلك وفق قواعد الاجتهاد التي قررتها الشريعة لاستنباط الأحكام للحوادث المستجدة والقضايا الحادثة من نصوص الشريعة، ويكون ذلك لولي الأمر وفقهاء الشريعة بالوسائل التي اعتمدتها وقررتها لضبط عملية استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الشرعيّة الخاصّة والعامّة.
                          وقد فصل القول في هذه القواعد علم أصول الفقه؛ فبيَّن مصادرالأحكام الشرعيّة، وقواعد الاستنباط وشروط الاجتهاد وكل ما يتعلق بمعرفة القواعد التي تعين المجتهد على استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلتهاالتفصيليّة.
                          ولكون ولي الأمر الإمام هو الذي يسهر على تنفيذ الشريعة، وتطبيق أحكامها في كل الحوادث والنوازل فقد اشترط فيه العلم المؤدي إلى القدرة على الاجتهاد لمعرفة حكم النوازل والحوادث الطارئة من نصوص الشريعة، وعندما وجد خلفاء لم يصلوا إلى هذه الرتبة، ولم يتوافر فيهم هذا الشرط، بيَّن الفقهاء أنه لابد أن يتحقق هذا الشرط عن طريق اعتماد الإمام على المجتهدين من الأمّة، فلا يقطع رأياً دونهم.
                          وعلى ضوء هذا الاستعراض فإنّ أهم ميزة للحكم الإسلامي أنه يطبق الشريعة الإسلاميّة، وأنّ تطبيق الشريعة الإسلاميّة يتطلب باستمرار اجتهاداً يواكب حركةالمجتمع وحاجاته ليستنبط لكل ذلك الأحكام الشرعيّة اللازمة، وأنّ هذا الأمر أوسع من مجرّد إدارة الدولة المباشرة والقيام على شؤونها الخاصّة، وهو الذي يعالج من خلال إقامة ولي الأمر، أي إقامة الدولة. وقد بيّن العلماء أدلة وجوب إقامة الدولة.
                          وكان أهم أدلتهم على ذلك وجوب تطبيق الشريعة الذي لا يمكن أن يتم دون أن تقوم دولة تسهر على ذلك، وتعمل على تحقيقه بين الناس، ولذلك اهتموا في بدايات بحثهم في الفقه السياسي في الإسلام بهذا الأمر وعالجوه بإفاضة وتوسّع، وبينوا أنّ إقامة الدولة حكم شرعي، وأنّ الإسلام قد عنى بتنظيم شؤونها، وأنّ هنالك نصوصاً مباشرة تعالج هذا الأمر؛ يتضمن بعضها أحكاماً تفصيليّة،ويتضمن بعضها الأخر مبادئ كلية تستوعب في تطبيقها تفصيلات كثيرة قد تختلف باختلاف الأماكن والأزمان، وذكروا من ذلك مبدأ الشورى فهو قاعدة من قواعد الحياة الإسلاميّة سياسيّة أو غير سياسيّة، متروك للاجتهاد في كل عصر أن يستحدث من الصور والتفصيلات ما يمكن من تطبيقها والالتزام بها أحسن تطبيق والتزام.
                          وهذا يطرح قضية البحث الأساسيّة في إمكانيّة تبني نظام الحكم الإسلامي لصيغ الديمقراطيّة وآلياتها المعاصرة وهي نتاج جهد إنساني كبير، وذلك على أساس قواعدالاجتهاد المقررة في الشريعة، وفي إطار ما يمكن أن يستوعبه مبدأ الشّورى المقررقاعدة أساسيّة من قواعد نظام الحكم في الإسلام، بل إنّ بعضها له نظير في تطبيقات هذا المبدأ في صدر الإسلام، وهذا ما سوف أخصص له المطلب الثالث من هذا البحث بعد أن استعرض في المطلب الثاني حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي، ومدى استيعابها للصيغ الديمقراطيّة المعاصرة.

                          هنـــــــــــــا

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #43
                            المبحث الثاني


                            حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي وأدلتها وتطبيقاتها


                            الشّورى في اللغة: إبداء الرأي وأخذه، من شَوَرَ، فهي الأصل الثلاثي للكلمة تستخدم في اللغة بمعنى: عرض الشيء وإظهاره وإبدائه، مثل قوله: شرت الدابة إذا عرضتها للبيع، وبمعنى: أخذ الشيء وتناوله، مثل شرت العسل: أي أخذته من الخلية(لسان العرب، ج 4، طبعة دار صادر، ص 434).فإذا قال شرت فلاناً أو شاورته أو استشرته فهي بمعنى: أخذ الرأي وتوجيهه منه، والتشاور والمشاورة والمشورة بمعنى: استخراج الرأي وإظهاره بمراجعة بعض القوم لبعضهم ومن ذلك قوله تعالى: [ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159. (الراغب الأصفهاني،مفردات ألفاظ القرآن ص 47.).
                            فنحن أمامطرفين:
                            الأول: الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أي حاكم من حكام المسلمين، فهو يستخرج الرأي السليم بسماعه لما يقدم من المؤمنين من رأي وفكر وهم الطرف الثاني.
                            وفي المصباح المنير: وشاورته في كذا واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليَّ بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة (الفيومي، المصباح المنير، ج 1، ص 395.).
                            والشّورى في اصطلاح فقه السياسة الشرعيّة تعني الحصول على رأي الأمّة أو من يمثلها في شؤون الحكم المتعددة.
                            والشّورى ليست – فحسب – مبدأ هامّاً وراسخاً منمبادئ الحكم الإسلامي، بل هي قاعدة من قواعد الحياة الإسلاميّة، قال تعالى: [:وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ]الشورى/ 38، وقد سميت بها سورة من سور القرآن الكريم لأهميتها وهي سورة مكيّة. كما جاء طلبها في شؤون الأسرة بين الزوجين عندما يريدان فطام الطفل الرضيع قبل مضي حولين كاملين، قال تعالى: [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)]البقرة/ 233.
                            قال الإمام محمد رشيد رضا معلّقاً على هذه الآية ورابطاً لمعناها بأمر الشّورى العامّة: «إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمّة كلها؟ وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص!» ( تفسير المنار، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 333، وانظر: بحث الدكتور صلاح الخالدي بعنوان «الشّورى في القرآن الكريم« المقدم إلى مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي،والمنشور في كتاب الشّورى في الإسلام ، ج 1، ص 55. وانظر: النظام السياسي في الإسلام، الدكتور عبد العزيز الخياط، ص 89 وما بعدها.).
                            أمّا في مجال الحكم فقد ورد الأمر بها في الكتاب الكريم في قوله تعالى:
                            [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آلعمران/ 159.
                            وقد وردت هذه الآية الكريمة التي تأمر بالشّورى في سياق آيات تتحدّث عن غزوةأحد، ومعلوم أنّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تجهزت قريش لقتاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين في المدينة أخذ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعد لقتالهم، وشاور الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم في:
                            هل يواجههم في المدينة، أم يخرج لقتالهم خارجها؟.. وكان رأي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتحصن في المدينة ويلاقيهم فيها، وكان معه في ذلكعدد من الصحابة، فقال لأصحابه: «لو أنّا أقمنا في المدينة، فإن دخلوا علينا فيهاقاتلناهم»، وشاركهم في الرأي عبد الله بن أبّي ومجموعة من المنافقين، لكن أغلب المسلمين، وبخاصة الشبان منهم، والذين لم يشتركوا في معركة بدر، وقد كانوا متحمسين للقاء قريش وجهاً لوجه، ولم يدخل المشركون عليهم مدينتهم في السابق، قالوا: «يارسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهليّة، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟»، فكان رأيهم الخروج للقائهم خارج المدينة، وظلت هذه الأكثريّة تبين رأيها حتى أخذ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأيها وقال: «شأنكم إذاً»، ودخل بيته ولبس لامته، أي عدة الحرب،واستعد للخروج للقاء قريش خارج المدينة. فلما ظنّوا أنهم أكرهوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك برأيهم، وقالوا: رددنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأيه، وقالوا أيضاً: «أكرهنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخروج »، قالواله : «يا نبي الله، شأنك إذاً» وقالوا: «يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل»، فرد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلاً: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. وخرج صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أحد بألف مقاتل.
                            وفي الطريق رجع عبد الله بن أبي ومجموعته في ثلث الجيش.. وكان ما كان في أحد، وأخذ بعض المنافقين يذكرون أنّالسبب في ذلك هو الخروج للقاء قريش، وأنّ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو أطاعهم لما حدث ما حدث، لأنّ المنافقين وزعيمهم عبد الله بن أبي كان رأيهم عدم الخروج من المدينة. قال تعالى في بيان ذلك:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)] آل عمران/ 156.
                            وقال سبحانه: [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)] آل عمران/ 168، وكأن في ذلك تعريض بما فعله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأخذ برأي الأكثريّة، ومع ذلك جاءت الآية الكريمة لتؤكد مبدأ الشّورى رغم ما كان عنهامن نتيجة فقال سبحانه:[ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159، وذلك بصيغة الأمر فهي واجبة، لأنّ الأصل في الأمر هو الوجوب، وهي وإن كانت أمراً لرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي أمر لكل حاكم من حكام المسلمين، لأنها خطاب له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باعتباره إماماً للمسلمين. والأمر جاء عاماً بمشورة المسلمين جميعاً، وفي كل ما يتعلق بأمرهم،أي جميع شؤونهم أياً كان مجالها.
                            وهي قد سجلت المبدأ، وتركت التطبيق وفقما يراه الحاكم وجماعة المسلمين مناسباً لتحقيق أهداف الشّورى.
                            والآية تنبه إلى أنّ الشّورى يجب أن لا تؤدي إلى الفوضى والانفلات والضعف، فهدف الشّورى هو الوصول إلى أسلم الآراء وأحسنها وأكثرها تحقيقاً لمصلحة الأمّة، لكن بعد ذلك لابدّ من العزم واتخاذ القرار والمضي في التنفيذ، مع التوكل على الله سبحانه وتعالى.
                            ثمّ إنّ الشّورى تأتي في إطار التعامل الرحيم واللين الذي يمارسه الحاكم مع المحكومين، مما يجعله حريصاً على مصالحهم، راعياً لشؤونهم، قائماً بأمورهم برفق ومودّة، ولو كان بعضها قد أشار بما يخالف رأيه، بل يذهب أبعد من ذلك فيستغفر لهم إذا وقعوا في خطأ أو غلط، مادام أنّ ذلك لم يصل إلى الخروج عليه، وفق ما بينت أحكام الشريعة بهذا الخصوص.
                            وقد ورد في القصص القرآني العديد من الأحداث التي كان فيها مشورة برأي صائب،وفيها الطلب من أهل الرأي المشورة مما لا يتسع المجال لتفصيله(انظر بحث د. صلاحالخالدي، ص 64-80، حيث ذكر ثلاثة عشر مثالاً.)، لكن هذه الأحداث مفيدة في مجال الاعتبار، والاستفادة منها في التوجيه، لأهمية الرأي الصائب وضرورةالبحث عنه، ومن ذلك قوله تعالى في نصيحة الرجل المؤمن لموسى عليه السلام :[ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)] القصص/20.
                            وفي قصة سبأ في القرآن الكريم:[قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)] النمل/ 29-32
                            كما ندّدت الآية الكريمة في قصص بعض الحكام الظالمين بالمشورات الشكليّة الصوريّة والاستبداد بالرأي وبتزيين المشاورين لرأي الحاكم وموقفه الاستبدادي، كماحدث من مشاورة فرعون للملأ من قومه في شأن موسى عليه السلام، ومشورتهم عليه بما يتفق مع رأيه الاستبدادي. قال تعالى على لسان فرعون: [ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)] غافر/29، رغم أنهاستشارهم في أمر موسى عليه السلام بقولـه: «فماذا تأمرون»، فأشاروا عليه بما يرضيه في إطارما يعرفون عنه من تحكم واستبداد.
                            فالشورى كما تكون بالحقّ قد تكون بالباطل، وعندما تكون بالباطل تكون مكراً وتآمراً، والسنّة النبويّة حافلة بالأحاديث التي تدعو إلى الشّورى وتحثّ عليها، وقد مارسها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكثير من أمور الحكم وأخذ فيها برأي المشيرين، كما استشار المسلمين ـ وبخاصّة الأنصار ـ في الخروج إلى بدر وفي اختيار مكان المعركة في إشارة الحباب بن المنذرالمشهورة، وفي أسرى بدر بين القتل والفداء، وكذلك في أحد، وكذلك مشورته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزعماء الأنصار في أمر مقاسمة قبيلة غطفان شطر تمر المدينة ورفضهم لذلك، وأنهم لم ينالوا ذلك في الجاهلية فكيف ينالوه في الإسلام، بعد أن اطمأنوا أنه ليس وحياً من السماء،ولا عن رغبة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
                            ومن الشّورى المهمة التي مارسها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة الحديبية عندما خاطب المسلمين بعداقترابهم من مكة وعلْمهم باستعداد قريش لملاقاة المسلمين قائلاً: أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين،وإن يجيئوا تكن عنقاً قطعها الله، أم ترون أن نؤمَّ البيت، فمن صدنا قتلناه،فقالوا: رسول الله أعلم، يا نبي الله! إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكنمن حال بيننا وبين البيت قاتلناه، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فروحوا إذاً.

                            هنـــــــــــــا

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #44
                              وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً سماه: الاعتصام بالكتاب والسنّة، وعقد فيه باباً سماه: باب قول الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)،) وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، وقد ترجم للباب ترجمة طويلة بيّن فيها ما فهمه من فقهالآيات والأحاديث التي وردت في موضوع الشورى وقال: «وإن المشاورة قبل العزم والتبين، لقوله تعالى: [ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)] آل عمران/ 159،فإذا عزم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن لبشرالتقدم على الله ورسوله.
                              وشاور النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا لهالخروج، فلما لبس لامته، وعزم، قالوا: أقم، لم يمل إليهم بعد العزم، وقال: لا ينبغي لنبي يلبس لامته، فيضعها حتى يحكم الله، وشاور علياً وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة، فسمع منهما، حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله، وكان الأئمة بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمورالمباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنّة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثمّ أخذ بعد ذلك البخاري يستعرض أحداثاً من سيرتهم على ذلك(انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري، ج 13، ص 186-290.).
                              وأمّا علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ فقد روى الطبري بسنده عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان رضي الله عنه، فقام فدخل منزله. فأتاه أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، ولابد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدم سابقة،ولا أقرب من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
                              فقال: لا تفعلوا، فإني إن أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين.
                              قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، وأبى هو إلاّ المسجد، فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثمّ بايعه الناس (الطبري، تاريخ الرسل، ج 2، ص 696. وانظر ذلك بالتفصيل أيضاً ابن كثير في البداية والنهاية، ج 7، ص 273 وما بعدها.). وحياتهم جميعاً رضي الله عنهم مليئة بالحوادث التي أخذوا فيها بمبدأ الشّورى وتمسكوا به.
                              وقد كان ما قاموا به هو أساس القضايا الكبيرة التي ثارت في الفقه السياسي الإسلامي حول مباحث عديدة من هذا الموضوع الحيوي الكبير منها:
                              هل الشّورى واجبة على الحاكم؟ وهل نتيجتها ملزمة له إجماعاً أو أكثرية؟ وكيف يحدد أهل الحلّ والعقد أو مجالس الشّورى في التطبيق والممارسة؟ وهل للإسلام توجيها تمحددة بهذا الخصوص؟..
                              ومن الممارسات التي قام بها الخلفاء الراشدون في مجال الشّورى عن ميمون بن مهران: قال: كان أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه مايقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنّة، وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم.
                              ونقل ذلك من فعل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ ، إلاّأنه كان يلجأ إلى أن ينظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجده أخذه(أخرجه البيهقي في السنن، ج 10، ص 113-114. وانظر تاريخ الخلفاء، للسيوطي، ص 42.).
                              وقد كتب عنه إلى عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ يقول: «إني كتبت إلى خالد بن الوليد، ليسير إليكمدداً لك، فإذا قدم عليك فأحسن مصاحبته، ولا تطاول عليه، ولا تقطع الأمور دونه،لتقديمي إياك عليه وعلى غيره، شاورهم ولا تخالفهم( ذكره ابن سعد في الطبقات، انظر علاء الدين علي المتقي الهندي، كنزل العمال، نشرمؤسسة الرسالة، ج 5، ص 621).
                              وكان أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ يشاور في معظم الأحوال كبار أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الذين كانت لهم الفتوى في الأحكام، وكان يلجأ أيضاً لجماعة المسلمين في بعض الأمور، وكان عمرابن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ يجمع للشورى أكبر عدد من الأنصار والمهاجرين، ويدعوهم لها بان يأمر بالمناداة: الصلاة جامعة.. فيجتمع أكبر عدد ممكن من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُم. ( انظر بحث الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بعنوان : «الشّورى في عهد الخلفاء الراشدين ص 115، ص 113 - 132.).
                              ورفع إلى عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ صك مكتوب لرجل على أخر بدين يحل عليه في شعبان فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثمّ جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم، فيقال: أراد بعضهم أن يؤرخ كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرِّخوا بتاريخ الروم من زمن إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضاً، وقال قائلون: أرِّخوا من مولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال آخرون: من مبعثه عليه السلام. وأشارعلي رضي الله تعالى عنه وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر وأمر به(ابن كثير، البداية والنهاية، ج 7، ص 90).
                              وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس أنّ عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ (سرغ : قرية بوادي تبوك في طريق الشام.) لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين،فدعاهم، فاستشارهم، وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،ولا نرى أن تقدمهم إلى هذا الوباء، فقال ارتفعوا عني. ثمّ قال ادع لي الأنصار، قال فدعوهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال ارتفعوا عني،ثمّ قال أدع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوهم. فلم يختلف عليه منهم رجلان. فقالوا: نرى أن ترجع الناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بنالجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدرالله؟.. قال فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً في بعض حاجته. فقال: إنّ عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذا سمعتم به – أي بالطاعون – بأرض فلا تقدمواعليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منه فراراً » قال: فحمد الله عمر ثم انصرف(محمد فؤاد عبد الباقي، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، ج 3، ص 68 - 70.).
                              وكان موقع الصحابة من الشّورى موقف المستعين الباحث عن الصواب، والقرار لهم في نهاية المطاف «فإذا عزمت فتوكل على الله»، ويقول سبحانه [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)]النساء/ 59. ولكن هذه الطاعة التي أرادها هي طاعة أمينة وبصيرة، قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف»( أخرجه أحمد والبخاري ومسلم، الفتح الكبير، ج 3، ص 346.). وقال عليه السلام: «إنّ من أعظم الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر»( أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، تهذيب الترغيب والترهيب، م 2، ص 133.) .
                              وبعد استعراض واسع لما كتب حول هذا الموضوعوما يتعلق به، فإنّ الذي يظهر أنّ مبدأ الشّورى مبدأ أصيل وراسخ، يجب أن يجري تطبيقه بكل فاعلية، وحرص على تحقيق أفضل النتائج منه في حياة المسلمين، وهذا يعني،وهو ما أكّده فعل الخلفاء الراشدين، أنّ الباب مفتوح لكل الصيغ المناسبة المحقّقة لذلك، وبذلك نستطيع أن نستفيد من الآليات والصيغ التي تقدمها النظم الديمقراطيّة المعاصرة، وذلك من منطلق الحرص على مصالح المسلمين، وأنّ الحكمة ضالة المؤمن أينماوجدها أخذها، سواء أكان ذلك بالاستفتاء المباشر للأمة، أو المجالس المنتخبة، أوالمجالس المتخصصة، أو تشكيل الهيئات واللجان لإقامة شؤون الحكم وفق أسلم الأسس وأحكم القواعد.
                              ويمكن وفق قواعد الاجتهاد المعتمدة وضع صيغة شاملة متكاملة لمنهج الحكم الإسلامي في تطبيقه لمبدأ الشّورى، تلاحظ فيه كل الأبعاد والموجبات، لتقديم تطبيق إسلامي قائم على التزام شعبي شامل وراسخ، وبحيث يجمع بين الصيغ المتعددة، كمافعل التطبيق الإسلامي الأول، فقد أخذ بشموليّة المشاورة لعامّة الناس، وبالأعداد المتخصصة المحدودة، وبأهل الرأي والفكر والمسؤولية في المجتمع، والذين سموا بأهل الحلّ والعقد.

                              هنـــــــــــــا

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #45
                                المطلب الرابع


                                من مبادئ الشريعة الإسلامية العامة


                                مبدأ العدل

                                مقدمة:
                                عندما تختفي أنوار العدل عن البشر، يغشاهم الهرج والمرج، ويتفشى الظلم بينهم بشكلٍ فظيع، حيث تجد القويّ يفتك بالضعيف، والقادر يسلب حق العاجز، والغالب يُريق دم المغلوب، والراعي يهضم حق المرعى، والكبير يقهر الصّغير، ولا يخرجهم من هذا الوضع المشين، إلاّ "العدل" سعادتهم، وقاعدة أمنهم واستقرارهم.
                                فما هو العدل وما أنواعه، وما ثمرته، وكيف طبقّه المسلمون في حياتهم ؟؟ أسئلة وتساؤلات تأتي الإجابة عنها في الفقرات الآتية:
                                أولاً: مفهوم العدل :
                                المراد بالعدل : إعطاء كل ذي حق حقه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، من غير تفرقة بين المستحقين.. ولأهمية العدل ومنزلته، بعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه، لنشره بين الأنام، قال تعالى:
                                {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.
                                والقسط :العدل،وهو قوام الدنيا والدين، وسبب صلاح العباد والبلاد، به قامت السموات والأرض، وتألفت به الضمائر والقلوب والتأمت به الأمم والشعوب، وشمل به الناس التناصف والتعاطف، وضمهم به التواصل والتجانس ، وارتفع به التقاطع والتخالف.
                                وضعه الله تعالى لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص، إذ هو الميزان المستقيم، الذي لا تميل كفته، ولا يختل وزنه، ولا يضطرب مقياسه، فمن رام مخالفته، وقصد مُجانبته، عرّض دينه للخبال، وعمرانه للخراب، وعزته للهوان، وكثرته للنقصان، وما من شيء قام على العدل، واستقام عليه ، إلاّ أمن الانعدام، وسلم من الانهيار.
                                ومن أهم دعائم السعادة، التي ينشدها البشر في حياتهم، أن يطمئنوا على حقوقهم وممتلكاتهم، وأن يستقر العدل فيما بينهم، وإلاّ فلا يعرف على وجه الأرض شيء أبعث للشقاء والدّمار، وأنفى للهدوء والاستقرار بين الأفراد والجماعات، من سلب الحقوق.
                                إذن العدل قيمة ضرورية في الإسلام، عمل الإسلام على إثباتها، وإرسائها بين الناس، حتى ارتبطت بها جميع مناحي تشريعاته ونظمه، فلا يوجد نظام في الإسلام إلاّ وللعدل فيه مطلب، فهو مرتبط بنظام الإدارة والحكم، والقضاء، وأداء الشهادة، وكتابة العهود والمواثيق بل إنه مرتبط أيضاً بنظام الأسرة والتربية، والاقتصاد والاجتماع، والسلوك، والتفكير، إلى غير ذلك من أنظمة الإسلام المختلفة وهذا يدل بوضوح على أن الإسلام ضمن قيمة العدل في جميع مجالات الحياة، بل إنه ركز كافة أهدافه على ضوئها، مما شهد له التاريخ على سلامة المجتمعات التي حكمها، من الانهيار الخطير في الأخلاق ، وأمنها من اضطراب الموازين والمعايير ، وصانها من دمار النفوس، وخراب العمران.
                                ثانياً: أنواع العدل :
                                يمكن تقسيمه إلى أنواع باعتبارات مختلفة ، منها:
                                أ ـ تقسيم العدل باعتبار زمانه ومكانه : والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
                                1. عدل في الدنيا : وهو يشمل الحياة البشرية كلها ، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25.و معلوم أن رسل الله وأنبياءه، موزعون على الأزمان والأجيال بالتعاقب، ليقيموا العدل بين الناس، إذ الناس يختلفون ويختصمون، ويؤثر فيهم الهوى والشهوة، فيقع الظلم بينهم، فجاء الأنبياء بالعدل لرفع ذلك الظلم، ومنع ضرره، ولولاهم، لفسدت حياة الناس وخربت عليهم الديار.
                                وفي قصة ابني آدم عليه السلام وهما قابيل وهابيل التي خلّد ذكرها القرآن ما يعطي صورة واضحة على خطورة الظلم وضرره، حيث إنه أول معصية أودت بحياة إنسان على وجه الأرض، ويؤكد على ضرورة العدل، كي تعيش البشرية في أمن وسلام واستقرار.
                                2.عدل في الآخرة: وهو الذي استأثر به الله تعالى يوم القيامة، إذ قد يفلت الظالم في الدنيا من سلطة الحكم العادل، الذي يرد عليه ظلمه، ويؤاخذه بذنبه، كما أن من التزم العدل في الدنيا، يتشوق إلى الأجر العظيم، الذي أعده الله له يوم القيامة مقابل التزامه وصبره وتحمله. وفي هذا وذاك، يقول الله تعالى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }الأنبياء47 .
                                وهذا هو العدل المطلق لأن الذي يتولى القيام به هو الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال حبة أو ذرة في السماوات ولا في الأرض.
                                والعدل يعمّ الإنسان والحيوان وسائر الكائنات. أما شموله للإنسان فتدّل عليه أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8 والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع نفسه وغيره، حتى لو كان الغير عدوّه وخصمه لأن سلطان العدل، ليس له حدود، فهو يتجاوز حدود الدين والعقيدة، ويتجاوز حدود القرابة والنّسب، ويتجاوز حدود الأرض أو الوطن، فمن كان له حق لآخر، فلا يظلمه، بحجة أنه يختلف معه في الدّين أو النسب، أو الوطن، بل الواجب عليه أن يعطيه حقه لإنسانيته، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.
                                ب ـ تقسيم العدل باعتبار تعلقه بالإنسان: والعدل بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين:
                                عدل فردي : وهو ما كان مظهراً للتوازن النفسي لدى الفرد، وذلك أن تناسب قوى المرء الثلاث ـ العقل والغضب والشهوة ـ أمر راجع إلى الإنسان نفسه، إما لذاته، نتيجة تأملاته وأفكاره الفردية، وإما بتأثير غيره، عن طريق العلم والمعرفة والإدراك مثال ذلك: عدل الإنسان في نفسه ، بأن يعدل في جسده وروحه ، وعقله وفكره، وأخذه وعطائه، وعمله ونشاطه ، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة.
                                عدل جماعي : وهو ما روعي فيه حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير أي أن الإنسان يعتدل في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات.
                                مثال ذلك: عدل الإنسان في بيعه وشرائه، وفي حكمه وقضائه، وشهادته وأمانته، ومنعه وعطائه، وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية الكثيرة، التي يجري فيها العدل بين الفرد وغيره.
                                فالحاكم الأعلى أو الرّئيس ـ وهو إنسان فرد ـ يجب عليه إزاء الجماعة أن يتبع قواعد العدل في توليتها، وذلك بإسناد الأعمال إلى أهلها من ذوي الكفاءة والخبرة.
                                والقاضي يجب أن يراعي العدل بين الخصمين، بإعطاء كل ذي حق حقه، وإلزام من عليه الحق أن يدفعه لمستحقه.
                                والزوج كذلك عليه أن يعامل زوجته أو زوجاته بالعدل، ويعطي كل واحدة منهن حقها المشروع ، من النفقة والسكن، والمبيت والركوب، والطعام واللباس ونحوه.
                                والأب مطالب بالعدل بين أبنائه، في التربية والتعليم، والصحة، والمنع والعطاء، وألاّ يفضل أحداً على آخر إلاّ بحقّه وقد ثبت كل ذلك بنصوص صريحة ومباشرة قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58 ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3 .
                                ثالثاً :ثمرة العدل:
                                إن المجتمع الذي يضمن نظامه العدل ، لا بدّ أن يجني في حياته ثمرات عظيمة ومنافع كثيرة ، نذكر منها ما يلي:
                                أ ـ العدل مشعر للناس بالاطمئنان والاستقرار، وحافز كبير لهم على الإقبال على العمل والإنتاج، فيترتب على ذلك: نماء العمران و اتساعه، وكثرة الخيرات وزيادة الأموال والأرزاق، ولا يخفى أن المال والعمل، من أكبر العوامل لتقّدم الدّول وازدهارها، بينما في المقابل تكون عواقب الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم، وغمطهم حقوقهم، هي الإحجام عن العمل، والركود عن الحركة والنشاط، لفقد الشعور بالاطمئنان والثقة بين الناس،وهذا يؤدي بدوره إلى الكساد الاقتصادي، والتأخر العمراني، والتعثر السّياسي يقول ابن خلدون: [اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم، ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها، انتهابها من أيديهم، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرّعايا عن السّعي في الاكتساب، والعمران ووفوره ، ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال، فإذا قعد الناس عن المعاش ، كسدت أسواق العمران، وانتقصت الأموال، وابذعرـ أي تفرق ـ الناس في الآفاق، وفي طلب الرّزق، فخفّ ساكن القطر، وخلّت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلافه حال الدّولة] أ.?.
                                ب ـ أنه بغير العدل ، يتحيّن الناس الفرصة، للثورة على الحكومة الظالمة، وخلع يد الطاعة عن أعناقهم، ذلك أن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها ،وكره من أساء إليها ، وليس هناك إساءة أشد من الظلم ، وأفدح من الجور، ولذلك تقوم الثورات كل حين، وتزداد الانتفاضات هنا وهناك ، لتقويض كابوس الظلم، ورفع وطأته عن كاهل الشعوب. وما قيام "الثورة الفرنسية" في أوروبا ،والانتفاضة الفلسطينية في الشرق الأوسط ومقاومة التمييز العنصري في أمريكا وجنوب أفريقيا إلاّ صورة معبرة عن فقدان العدل في تلك الأماكن وانتشار الظلم فيها ، فأسفر عن إعلان غضب شعوب المنطقة على الظلم وأهله، وكراهيتها لأساليب القمع والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والطغيان والاستبداد التي تمارسها السّلطات القائمة في تلك المناطق ضد شعوبها.
                                رابعاً:تطبيقات العدل في الإسلام:
                                طبّق المسلمون "العدل" في أعلى صوره ، بدءاً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الذي حكى عنه القرآن قوله:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110 فقد وضع نفسه في مصاف مرتبة البشر، ولم يحمله شرفه العظيم للامتياز عن الناس تبريراً لأخذ حقوقهم من غير وجه حق، بل كان نموذجاً رائعاً في إقامة العدل، حتى على نفسه الكريمة رغم كونه نبي الله ورسوله.
                                خامساً: معالجة القانونيين المعاصرين لنظرية العدالة في الإسلام
                                يفجع القارئ عندما يطالع ما كتبه رجال القانون المعاصرون عن العدالة الإسلامية كأصل من أصول القانون وما يعلمونه لأبنائنا في كليات الحقوق عنها..
                                فهؤلاء العلماء يحسنون الكتابة عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني وحتى في القانون البريطاني رغم أنه ليس في هذه كلها "تنظير" للعدل أو إقامة للحكم ـ أو حتى القضاء عليه ـ ولكنهم عندما جوبهوا بالعدالة في الشريعة الإسلامية ولديهم شواهد القرآن وسوابق الخلافة.. أبلسوا أو قل أفلسوا وجاؤا بشيء يصور هذا الإفلاس.. فهم يضعون (الرأي) مقابلا (للعدالة).. في حين أن هذا شيء والعدالة شيء آخر تماما..
                                وتتطلب معرفة أسباب ذلك كاتبا محققا يتفرغ لاستجلاء هذه النقطة، ولعلنا نسهم في هذا الشيء، ففي كتاب صدر في الثلاثينات باسم " فن القضاء" تولى ترجمته وعلق عليه الأستاذ محمد رشدي المستشار السابق بمحكمة استئناف مصر الأهلية نجد أول إشارة إلى (الرأي) كمقابل (للعدالة) عندما كان المؤلف يحاول أن يجد المقابل لها في الشريعة الإسلامية وخلال محاورة له مع زميل يبدأها بأن قال:
                                أن للعدالة في القوانين الوضعية مصدرين وأن لعدالة كل مصدر اسما خاصا.
                                المصدر الأول: القوانين والعدالة المستمدة منها يسمونه (justice)..
                                والعدالة الأخرى: مصدرها القاضي نفسه ويسمونها (é quité)..
                                وقال إنه ليس هناك تسمية مقابلة لها في الشريعة الإسلامية فرد عليه زميله وقال :( قرأت في كتاب المبسوط للسرخسي في الجزء السادس عشر صفحة 169 أنه ذكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثني إلى اليمن بم تقضي يا معاذ قلت: بما في كتاب الله قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا لم تجد في كتاب الله قلت: أقضي بما يقضي به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قلت أجتهد رأيي.
                                فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)..
                                ثم قال فلماذا لا يسمون كلمة (é quité) اجتهاد الرأي.. واجتهاد الرأي يشترك فيه عقل القاضي وقلبه وإحساسه وضميره وفهمه وعلمه وتجاربه.
                                فقلت وأنا كذلك قرأت في كتاب ضحى السلام في الجزء الأول صفحة 290 للأستاذ أحمد بك أمين تأييدا لهذا الرأي فقال: (وعلى الجملة فقد كان كثير من الصحابة يرى أن يستعمل الرأي حيث لا نص من كتاب ولا سنة والمتتبع لما روي عن العصر الأول في (الرأي) يرى أنهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بالمعنى الذي نفهمه الآن من كلمة العدالة وبعبارة أخرى ما يرشد إليه الذوق السليم بما في الأمر من عدل وظلم وفسره ابن القيم "بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب".
                                فقال محدثي : لقد اتفقنا هنا أيضا على أن نقول عن كلمة (é quité) اجتهاد الرأي.
                                قلت: وعلى هذا ماذا على وزير العدل لو سأل أحد قضاته بم تحكم ؟ فقال أحكم بالنصوص التشريعية.
                                فقال فإن لم تجد.
                                قال: اجتهد رأيي.
                                ويا حبذا لو عدَّلت الوزارة نص المادة الثانية من مشروع تعديل القانون المدني التي نصها:
                                ( فإذا لم يوجد نص تشريعي يحكم تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة ..فاستبدلت كلمة (قواعد العدالة) بكلمة (اجتهاد الرأي).
                                ولعل هذا هو النص الأول لوضع كلمة (الرأي) أو (اجتهاد الرأي) في مقابل (العدالة) إذ أننا نجد المراجع التي تقدم لطلبة كليات الحقوق تذهب هذا المذهب فبعد أن تتحدث عن العدالة عند الإغريق والعدالة في القانون الروماني تنتقل إلى الشريعة الإسلامية فتشير إشارة خاطفة إلى مَصْدَري التشريع القرآن والسنة ثم تنتقل إلى (الرأي) وهو عندها القياس في بعض الحالات والإجماع في حالات أخرى وتستطرد إلى المعتزلة وقد تعني بقضية (التحسين والتقبيح) على بعدها شيئا ما عن قضية العدالة المباشرة التي تصدى المعتزلة لها بشجاعة ووصلت فيها إلى مدى إلزام الله تعالى بها وينتقلون من هذا إلى (المصالح المرسلة) أو (الاستحسان) أو غيره من وسائل ابتغاء المصالح والمقاصد في الفقه الإسلامي.
                                وعذر هؤلاء أنهم كفقهاء لم يجدوا من مصادر الشريعة الإسلامية كما وضعها السلف العدل. وإنما وجدوا الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولما كان لابد لهم أن يجدوا مجالاً للعدالة في الشريعة الإسلامية حتى تكون على قدم المساواة مع الإغريق والرومان فإنهم اعتبروا أن (الرأي) يحل هذا الإشكال وهي معالجة سقيمة ولكنها مألوفة في الكتابات الأكاديمية فقد أصبحت الجامعات قلاعا لحماية وإذاعة المذاهب المقررة وليس للتجديد والإبداع أو البحث عن الحقيقة ومن ثم فلم يجد رجال القانون أن واجبهم أن يستخرجوا من القرآن والحديث مبادئ العدالة التي كانت وراء كل تشريع أو في أصله وجوهره.

                                ونعتقد أن هذه الطريقة في معالجة العدل في الشريعة الإسلامية لم تعد كافية أو مقنعة. ولا هي تتفق مع اهتمام الشريعة الإسلامية بالعدل. إن لم نقل قيامها على العدل ولا هي مما يتناسب مع الخدمة المطلوبة لقضية العدل. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن رجال القانون لدينا يهربون من القضية بهذه الصورة من المعالجة لأن عرض القضية بهذه الصورة أمر مخجل.. ولا يجوز.

                                هنـــــــــــــا

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X