إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

عواقب سوء الخلق وأضراره

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #16
    اتـبـاع الـهـوى يصد عن الحق

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد

    00 معنى الهوى فى اللغة والشرع 00

    الهوى هو ميل النفس إلى الشىء يقال:هذا هوى فلان وفلانة هواه رأى مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل فى الحب المذموم كما قال تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى ) النازعات (40-41) ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه. فالهوى إذاً ميل الطبع إلى ما يلائمه كما قال ابن الجوزى وابن القيم , وهو أيضاً ميل النفس إلى الشهوة.
    ===============
    00 حكم اتباع الهوى 00


    خلق الميل في الإنسان لضرورة بقائه؛ فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل وما شرب ولا نكح ، فالهوى مستحث لها لما يريده كما إن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغى ذم الهوى مطلقاً ولا مدحه مطلقاً كما إن الغضب لا يذم مطلقا ولا يمدح مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار.
    ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لأنه يندُر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده ؛ فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى فى كتابه إلا ذمه ، وكذلك في السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب. وقد قيل: الهوى لايؤمن.
    ===================
    00 أهل الأهواء والبدع 00


    هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السنة والجماعة كالذين يُكَفِّرون بالكبيرة أو يقولون بعصمة الأئمة أو سقوط التكاليف عن الواصل بزعمهم وكالذين يقدمون العقل على النصوص الشرعية، وقد صاروا فرقاً لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم فافترقوا. ولذلك برأ الله نبيه منهم بقوله : ( لست منهم في شيء) (الأنعام:159) ومن علامات أهل الأهواء أنهم يكفرون المخالف لهم ويفسقونه ويبدعونه بلا سبب موجب ، وعادتهم التقاطع والتنافر والتباغض ، أما أهل السنة فكانوا يتناظرون في المسألة ما يقصدون إلا الخير ولا يتقاطعون ولا يتبارون حذراً من الفرقة التي نبه عليها بقوله تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) الأنعام (159) (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) ( آل عمران:105).


    ولا يسلم العبد من الأهواء والبدع إلا بالرجوع للكتاب والسنة، وأن يكون على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.
    وكل خير فى اتباع من سلف وكل شر فى ابتداع من خلف
    وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليوم ديناً، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
    ==============

    00 بعض الآيات الواردة فى ذم اتباع الهوى 00


    حذرت الآيات من اتباع الهوى ووبخت أهل الأهواء ،قال تعالى : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ). (البقرة :87) وقال تعالى : ( وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) (الأنعام :119) .
    وقد حذر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من اتباع أهواء الكفار والمنحرفين فى مواضع كثيرة من كتابه كقوله سبحانه: (ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك). (المائدة :49).
    ===========

    00 بعض الأحاديث الواردة في ذم اتباع الهوى 00

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى من منكرات الأخلاق و الأعمال والأهواء وكان مما يخشى على أمته شهوات الغي في البطون والفروج ومضلات الهوى.
    وفى الحديث: "وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى (أى تتسابق) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" . وفي حديث أنس-رضى الله عنه-"وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" .
    =============

    00 بعض الآثار في ذم اتباع الهوى 00


    لقد كان السلف رضي الله عنهم يحذرون اتباع الهوى كما حذروا الأمة من ذلك ومما أثر عنهم في ذلك

    قول علي-رضي الله عنه- : إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل،أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد هواك .وقال ابن تيميه: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم .وقال بشر الحافي: البلاء كله في هواك، والشفاء كله في مخالفتك إياه. وقال عطاء: من غلب هواه عقله وجزعُه صبرَه افتضح. وقال أبو علي الثقفي: من غلبه هواه توارى عنه عقله، وقال ابن المبارك:

    ومن البلاء وللبلاء علامة

    أن لا يُرى لك عن هواك نزوع

    العبد عبد النفس في شهواتها

    والحر يشبع تارة ويجوع

    =============

    00 عواقب اتباع الهوى 00

    على العبد أن يتأمل كم أضاعت معصيته من فضيلة، وكم أوقعت في رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وقبحت ذكراً وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء، غير أن صاحب الهوى عمياء.
    ===============

    0000 كيف يتخلص العبد من اتباع الهوى 0000
    ---------------------------
    -----------------


    بعون الله وتوفيقه يتم التخلص من هذه الآفة بعزيمة حر يغار لنفسه وعليها وجرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، وقوة نفس تشجعه، والشجاعة كلها صبر ساعة، وملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه، وإبقائه على منزلته عند الله تعالى وفى قلوب عباده، وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى، وإيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية، والتفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيء لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى، وألا يختار لنفسه أن يكون الحيوانُ البهيمُ أحسنَ حالاً منه ؛ فالحيوان قد يحسن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وأن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى وأن يكون تحت قهر الشيطان، وأن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة وأن يعلم أن الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده حتى وإن كان علماً وزهداً، والشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، وقد شبه سبحانه متبع الهوى بالكلب، ولو تأملت السبعة اللذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله،ل وجدتهم إنما نالوا ذلك كله بمخالفة الهوى ، فجاهد نفسك واستعن بالله واستشعر أنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه .
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #17
      الهزيمة النفسية


      بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:



      قد ينكسر الضعيف أمام القوي بسبب التخييل، ويحدث نوع من الشعور بالإحباط والدونية بسبب سياسات التهويل والتهوين، مما يساعد شياطين الجن والإنس – على ضعفهم – من التسلط على بعض المسلمين، ومع ضعف البصيرة أو غيابها قد يستحكم الأمر في حياة الأفراد والدول والجماعات، وننتقل من هزيمة نفسية إلى هزيمة في ساحة الحرب، بحيث يستولي العدو على البلاد والعباد، وتضيع معالم الحق والحقيقة.... وإليك بعض صور الهزيمة النفسية:
      ===============


      00 هزيمة القيم والأفكار والمبادئ00


      00 سنة لعق الأصابع بعد الطعام 00


      حدث أن ركب مسلمٌ السفينةَ مع بعض الأجانب، وبعد أن فرغ من تناول الطعام ، استحيا أن يلعق أصابعه خشية أن يُتهم بقلة الذوق أو عدم مراعاة معاني الإتكيت، ولكن ما أن فرغ الأجانب من تناول الطعام حتى قاموا بلعق أصابعهم، فأسقط في يده، فيا ليته كان سباقاً في تطبيق السنة، وبدلاً من أن يكون متبوعا في العمل بها صار تابعا للأجانب.

      ========================

      00 مصافحة المرأة الأجنبية والاختلاط والتبرج 00




      ومن صور الهزيمة النفسية ما نراه من مصافحة المرأة الأجنبية والاختلاط والتبرج وإدخال المرأة الرجلَ المنزل في غياب زوجها... يحدث ذلك بسبب وطأة العرف والواقع وادعاءات المعقولية، وفعل الأغلبية والكثرة،ومجاراة الآخرين، والخطورة أن هذه المخالفات تحدث عن علم بالآثار والسنن، ولا سبب لذلك إلا ضعف الإيمان واليقين، وإلا فمع قوة العزائم يثبت الإنسان على الحق، ولو كان وحده، ويقول لنفسه: اسلك طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.


      ==================


      00 ملكات الجمال والموضة والمشاهير 00





      وفي نفس الإطار تم الترويج لمسابقات ملكات الجمال، وصارت الحياة متابعة للموضات والتسريحات، وانخدعت شعوب العالم الإسلامي وغيرها بمشاهير الراقصين والمغنين والممثلين والرياضة! بريق يكاد يخطف الأبصار ، وينسينا الحقيقة التي خلقنا لأجلها 0وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات.

      وتراجعت بسبب ذلك معاني الإيمان ومكانة علماء الدين بسبب هذه الهجمة الشرسة عند الكثيرين.

      ======================

      === هزيمة المعتقدات =====





      الخجل من المصطلحات الشرعية:





      وإذا كان البعض يخجل من إظهار بعض شعائر الإسلام كاللحية والنقاب... فالبعض الآخر هزيمته تتعلق بأصل الدين، فلا يمكن أن يتكلم بكلمة الإسلام الواضحة، وإذا اضطر استخدم كلمة الأديان السماوية، وهكذا تشوه الحقائق، والله عز وجل يقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران: 19).
      =============


      00 الهزيمة السياسية و الحربية 00



      لقد استطاع الأعداء أن يخيلوا على ضعاف البصر والبصيرة من هذه الأمة، ويوهموهم أنهم القوة التي لا تقهر، وأنهم أصحاب النظام العلمي والشرعية الدولية، بيدهم تدمير العالم، كأنهم يقولون للشيء كن فيكون، وكأنهم يعلمون دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وصدَّق التُعساءُ ذلك ممن تناسوا شريعة ربهم والواقع من حولهم، وأجاد الآخرون هذه الصنعة، فصوروا استخباراتهم على أنها أولى استخبارات العالم، وأنهم يمتلكون القنبلة النووية، كما يمتلكون الذراع الطويلة، وحبكا للقصة يصورون هذه المعلومات وكأنه قد تم تسريبها – رغم أنوفهم – . ثم إن الأعداء مثلهم كمن يصدر لنا ضعفه، وكما يقال: رمتني بدائها وانسلت. يقول العليم الخبير: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت :41). فلا حيلة لهم في مواجهة الزلازل والأعاصير والفيضانات التي تجتاحهم، كما أنهم لا يثبتون في مواجهة المؤمنين الذين يتسلحون بسلاح الإيمان، فقد كان الروم يفرون من المعركة إذا سمعوا بمجيء خالد بن الوليد – رضي الله عنه - ، وامتلاك الأقمار الصناعية والأسلحة الفتاكة العصرية لم يغير شيئاً من الواقع والحقيقة، فالقتال في المعركة أولا وأخيرا يحتاج إلى رجال باعوا أنفسهم لله – عز وجل - شأن أواخرهم كشأن أوائلهم ، انظر لفعل ربك بقوم عاد الذين قالوا : من أشد منا قوة؟ لقد سخر الله عليهم ريحا صرصرا ولم تبق منهم باقية!. وكذلك ثمود وفرعون .... وغيرهم من الجبارين (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ).( الفجر: 6-14) فالكافر مهما تبجح بجبروته وعنفوانه لا يستطيع أن يخفي قصوره وعجزه أمام خالق الأرض والسموات 0يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) . ( فاطر15).


      =================


      00 خطورة الغزو الفكري 00





      لقد انتبهت الدول لخطورة الغزو الفكري، ولذلك فهي تنفق الملايين وتنشئ الوزارات للإعلام تحصينا لأبنائها من هذا الغزو، ولمحاولة إلحاق بالهزيمة النفسية بالخصوم ، وكانت ألمانيا أيام النازية رائدة في هذا المجال وقت الحرب العالمية، ونحن بدورنا بحاجة للتعرف على أساليب هذا الغزو، وتحصين المسلمين من الطابور الخامس وتخذيل الأعداء، كما صنع النبي – صلى الله عليه وسلم – في غزوة أحد ، والحرب خدعة ، فالأعداء يشيعون شائعة الأمن لكي نسترخي ولا نستعد،ويشيعون شائعة الخوف لكي نرتعد ونجبن: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران: 175).

      لقد استسلمت بعض بلاد الشام بسبب الهزيمة النفسية التي استولت على الكثير من النفوس حين كانت أخبار مذابح التتار تسبق قدومهم ، ثم استطاع قطز و بيبرس – بفضل الله – الانتصار عليهم و دحرهم و كسر شوكتهم في عين جالوت .





      000 ما السبيل 000









      لا سبيل للخروج من هذه الحالة المزرية إلا بالعودة الصادقة لمنهج الأنبياء و المرسلين: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ). (المنافقون: 8) ).





      لقد واجه الأنبياء أممهم بدعوة الحق غير هيابين و لا وجلين ، و ما انكسرت نفوسهم في مواجهة الأباطيل ، و كان لسان حال نبيكم ينطق : و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ، عرضت عليه قريش الملك و المال و الجاه و التطبيب إن كان به علة ، فما لانت له قناة في مواجهة الشرك و أهله . و ما ضعفت نفس نبي الله إبراهيم - عليه السلام - من قبلُ وهو يدعو أباه و قومه ، يُقذف في النار فيقول :حسبي الله ونعم الوكيل ، تتزلزل الجبال و لا تتزحزح معاني الإيمان في نفوس الأنبياء ، لما أ درك فرعون نبي الله موسى و من آمن معه فكانت الهلكة محققة ، وفرعون و جنوده خلفهم ، و البحر أمامهم ، فقالت بنو إسرائيل : إنا لمدركون ، قال نبي الله موسى : كلا إن معي ربي سيهدين ، و الأتباع لهم حظهم و نصيبهم من صلابة النفس و انتصارها في جميع الميادين: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ) . (غافر :51).

      لقد أدرك الأفاضل الغاية التي لأجلها خلقوا و لذلك كانت رباطة الجأش في أحرج اللحظات ، طالعوا قصة عبد الله بن حذافة السهمي و خبيب بن عدي و زيد بن الدثنة و أنس بن النضر و عاصم بن ثابت ، و كان خالد بن الوليد يقول للروم : جئتكم بقومٍ هم أحرص على الموت منكم على الحياة ، و كان ابن تيمية في محبسه بالقلعة بدمشق – يقول ما يفعل أعدائي بي؟ أنا سجني خلوة ، و قتلي شهادة ، و إخراجي من بلدي سياحة .

      و لما أغلق عليه باب السجن قال : فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة – وهو الذي يليه – وظاهره من قبله العذاب – وهو الذي يليهم - .









      إن هذه الأمة عندما تتمسك بشرع ربها لا ترهبها صولة الباطل ، ولا يؤثر فيها الغزو الفكري ، فلها طبيعتها الخاصة ، التي تفترق بها بين شعوب يفرون من المعارك ، لأنهم أحرص الناس على حياة ، وتمتلئ بهم المصحات النفسية ، لأن الدنيا هي كل همهم ومبلغ علمهم .





      إن المؤمن الذي يصل الأرض بالسماء ، والدنيا بالآخرة يستعصي على الهزيمة النفسية: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق:2- 3).

      وقد يعاني المصائب والمحن ولكن شعاره : (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق :7.)

      فالمسلم يعلم أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، فيستبشر الخير وقت الشدة، فلا يأس ولا قنوط من رحمة الله: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى 28).

      واستضعافه اليوم ليس نهاية المطاف، فسرعان ما يزول بإذن الله، ويتمخض عن إمامة في الدين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )(القصص 5).

      المسلم تحتوشه الشياطين فيجأر إلى الله ، ويكثر من ذكره سبحانه ، ويستشعر ألا حول ولا قوة إلا بالله ، فتتضاءل شياطين الإنس والجن بعد انتفاشها ، وتعود مدحورة حقيرة وذليلة.

      وهكذا فالمؤمن له شأن وللناس شأن 0وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف: 21).وأخيرا فإن الله عز وجل يقول ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #18
        اليأس بضاعة المفلس


        حين تضعف الإرادة، وتلين العزيمة، فإن النفس تنهار عند مواجهة أحداث الحياة ومشاكلها التي لا تكاد تنتهي. وحين يفشل مثل هذا الإنسان في موقف أو مجموعة مواقف، فإنه يصاب باليأس الذي يكون بمثابة قيد ثقيل يمنع صاحبه من حرية الحركة، فيقبع في مكانه غير قادر على العمل والاجتهاد لتغيير واقعه بسبب سيطرة اليأس على نفسه، وتشاؤمه من كل ما هو قادم، قد ساء ظنه بربه، وضعف توكله عليه، وانقطع رجاؤه من تحقيق مراده.

        إنه عنصرٌ نفسي سيء؛ لأنه يقعد بالهمم عن العمل، ويشتت القلب بالقلق والألم، ويقتل فيه روح الأمل.
        ==========



        إن العبد المؤمن لا يتمكن اليأس من نفسه أبدًا، فكيف يتطرق اليأس إلى النفس وهي تطالع قوله تعالى: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) [يوسف:87].
        ===========
        أم كيف يتمكن منها الإحباط وهي تعلم أن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقدر الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد: 22، 23].


        ==============

        فإذا أيقن بهذا فكيف ييأس؟ إنه عندئذٍ يتلقى الأمور بإرادة قوية ورضىً تام، وعزم صادق على الأخذ بأسباب النجاح.






        إن القرآن يزرع في نفوس المؤمنين روح الأمل والتفاؤل: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر:53].





        قال بعض العلماء: لولا الأمل ما بنى بانٍ بنيانًا، ولا غرس غارسٌ غرسًا.


        ==========

        ولا تيأسن من صنع ربك إنه.. .... ..ضمينٌ بأن الله سوف يُديلُ

        فـإن الليالي إذ يـزول نعيـمهـا.. .... ..تبشــر أن النائبــات تزولُ

        ألـم تـر أن الليـل بعـد ظلامــه.. .... ..عليـه لإسفار الصباح دليلُ
        =============





        لما جاءت إبراهيم عليه السلام البشرى بالولد في سنٍ كبير أبدى تعجبه فقال: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)[الحجر:54]. فقالت الملائكة: (بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ)[الحجر:55]. قال عليه السلام: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ)[الحجر:56].




        إن الأمور وإن تعقدت، وإن الخطوب وإن اشتدت، والعسر وإن زاد، فالفرج قريب:

        (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف:110]. ولا يغلب عسرٌ يسرين: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح: 5، 6].




        مادام الإنسان حيا يتحرك فلا ينبغي له أن ييأس ، هكذاعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم،فقد دخل عليه حبة وخالد ابنا خالد رضي الله عنهم وهو يصلح شيئا فأعناه عليه فقال صلى الله عليه وسلم : " لا تيأسا من طلب الرزق ما تهززت رؤوسكما ، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ، ثم يرزقه الله عز وجل ".




        إن الإنسان معرضٌ في حياته لأنواع من الفشل في بعض التجارب، وحريٌ أن يوقظ في نفسه روح الأمل، فيراجع نفسه باحثًا عن أسباب الفشل ليتجنبها في المستقبل، ويرجو من ربه تحقيق المقصود ، ويجعل شعاره : لا يأس مع الحياة.




        أُعلِّلُ النفس بالآمال أرقبها.. ... ..ما أضيق العيش لولا فسحةُ الأمل




        إن هذا المسلك خيرٌ لصاحبه من إلقاء اللوم على الآخرين، مما يترتب عليه سوء الطبع والاتكالية، والانهزامية، ثم اليأس والانعزال.




        قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله".

        وكان الصالحون يتقربون إلى الله عز وجل بقوة رجائهم وبعدهم عن اليأس، هذا ذو النون المصري كان يقول في دعائه : اللهم إليك تقصد رغبتي ، وإياك أسأل حاجتي ، ومنك أرجو نجاح طلبتي ، وبيدك مفاتيح مسألتي ، لا أسأل الخير إلا منك،ولا أرجو غيرك ، ولا أيأس من رَوحك بعد معرفتي بفضلك.





        0000 علاج اليأس0000
        =======
        ===
        =

        إن اليأس مرض من الأمراض التي تصيب النفوس فتقف عاجزة عن إدراك المعالي، ومن هنا فإننا نضع خطوطًا عريضة ونقترح بعض الوسائل التي نرجو أن تكون نافعة في علاج هذه الآفة، ومنها:




        1- تعميق الإيمان بالقضاء والقدر بمفهومه الصحيح، وتربية النفس على التوكل على الله، ونعني بذلك أن يعتمد القلب في تحقيق النتائج على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وبذل الجهد الممكن للوصول إلى الأهداف المنشودة.



        2- تنمية الثقة بالنفس، والاعتماد على الذات في القيام بالأعمال، وتحمل المسؤولية عن نتائجها بغير تردد ولا وجل.



        3- اليقين بالقدرة على التغيير إلى الأفضل في كل جوانب الحياة ومطالعة تجارب الناجحين في شتى الميادين.



        4- قراءة قصص الأنبياء والصالحين الذين غير الله بهم وجه الحياة والتعرف على الصعاب والمشاق التي واجهوها بعزم صادق وقلب ثابت، حتى أدركوا مناهم بحول الله وقوته.



        5- اليقين بأن الاستسلام لحالة اليأس لن يجني صاحبها من ورائها إلا مزيدًا من الفشل والتعب والمرض، وأن البديل هو السعي والجد وتلمُّحُ الأمل.




        إذا اشتمـلت على اليأس القلـوب.. ... ..وضاق لما به الصدر الرحيبُ

        وأوطــأت المكــاره واطمــأنت.. ... ..وأرست في أمكانها الخطـــوبُ

        ولم تر لانكشـاف الضـر وجهًا.. .... ..ولا أغنــى بحيلتـــه الأريـــبُ

        أتاك على قنـوط منــك غـــوثٌ.. .... ..يمـن به اللطيـف المستجيــــبُ

        وكــــل الحادثـات إذا تنـــــاهت.. .... ..فموصـول بها الفـرج القريـب

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #19
          الوسوسة سلاح الشيطان


          مما لاشك فيه أن العداوة بين الإنسان والشيطان عداوة قديمة، فمنذ أن أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لأبينا آدم عليه السلام أبى إبليس واستكبر وأعلن العداوة والحرب على بني آدم،كما أخبر تعالى عن ذلك (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)،

          ========
          وكما قعد لنا بمحاولة الغواية والإضلال في كل طريق ومرصد؛ فإنه حريص على قذف سمومه في قلوب المسلمين كي يزعزع إيمانهم بالله العزيز الحميد, ويلقي بالريب فيما أخبرنا الله به من الغيب في كتابه المجيد، عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه, فقعد بطريق الإسلام , فقال: تُسلمُ وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم, ثم قعد له بطريق الهجرة, فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءَك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول, فعصاه فهاجر, ثم قعد له بطريق الجهاد, فقال: تجاهد؟ فهو جَهدُ النفس والمال, فتقاتلُ فَتُقْتَلُ, فتنكح المرأة ويُقسَم المال؟ فعصاه فجاهد،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة, ومن قُتل كان حقاً على الله أن يُدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة, وإن وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة" [رواه النسائي وقال الحافظ: إسناده حسن..],

          ==================
          ومن رحمة الله بعباده أنه لم يجعل للشيطان على المؤمنين من سلطان : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر:42) كما وصف سبحانه كيد الشيطان بأنه ضعيف: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ).فلما لـم يجد الشيطان سبيلا على المؤمنين لجأ إلى الوسوسة.


          =======


          000 معنى الوسوسة 000

          الوسوسة والوَسواس: ما يلقيه الشيطان في القلب. وقال الراغب: الوسوسة: الخطرة الرديئة , وقال البغوي: الوسوسة القول الخفي لقصد الإضلال, والوسواسُ: ما يقع في النفس وعمل الشر وما لا خير فيه , وهذا بخلاف الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير.
          قال ابن القيم رحمه الله: "الوسوسة: الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من أُلقِيَ عليه, وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان للعبد".
          والوسوسة تارة تكون من فعل الشيطان الجني كما قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا )(الأعراف:20), وسمى الله تعالى شيطاني الجن والإنس "وسواساً" فقال تعالى: (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) , وتارة تضاف الوسوسة إلى فعل النفس كما قال تعـالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه).(ق:16)
          ==============


          000 أنواع الوسوسة 000

          يحضر الشيطان ابن آدم عند كل شأنه, حتى عند طعامه وشرابه فتنة وابتلاءً،ولكن غرضه الأعظم الكبير في إفساد إيمان المؤمن, فهو يسعى بخيله ورجله ليطفىء نور العلم والهداية في قلبه, ويوقعه في ظلمة الشكِّ والحيرة, ومن هنا كانت وساوسه تتجه صوب أمرين دينيين:

          أحدهما: وسوسة الشيطان في العِلْمِيَّات: وهي مسائل الاعتقاد والإيمان, وهو أشدُّ النوعين؛ذلك لأنّ التوحيد: هو أساس الإسلام, وصرحه الشامخ, ورأس مال المؤمن, ومن خلاله يمكن للشيطان أن ينفث سمومه ليفسد على المرء دينه, ولهذا يوجه إبليس جلَّ سهامه وجنوده لإفساد هذه العقيدة, والتشكيك في التوحيد الخالص فتنة للناس عن دين الحق, كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة" (رواه مسلم)
          الثاني: الوسوسة في العمليات: وهي العبادات والمعاملات, فهو يحضر المسلم عند طهارته وصلاته وذكره ودعائه, وحجه وطوافه وصيامه, ليلبّس على الناس عباداتهم ويفسد عليهم طاعاتهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشيطان إذا سمع النداء أحال(ذهب هاربا) له ضراط, حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب لا يسمع صوته .فإذا سكت رجع فوسوس".(رواه البخاري ومسلم).
          ===========


          0 أما النوع الأول 0


          وهو وسوسته في العقائد, فمن حيل الشيطان وألاعيبه ببعض الناس أن يزين لهم حبَّ الفضول والسؤال عما لا قِبَلَ لمخلوق أن يدركه عن الخالق عز وجل, فتقع وسوسة السؤال عن ماهية الله تعالى, ووجوده...وقد يقع شيء من هذا لكثير من المؤمنين الصادقين, فيدفعونه بالاستعظام والإجلال كما أتى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان" (رواه مسلم). وعن عبد الله رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة, قال: "تلك محضُ الإيمان" (رواه مسلم). قال الخطابي: "معناه: أنّ صريح الإيمان هو الذي منعكم من قول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به, وليس معناه أنّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان, وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله, فكيف يكون إيماناً صريحاً, لأنّ الإيمان: التيقن, وأنّ الإشارة إلى أنّ ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبهم على ما وقع في نفوسهم: هو محض الإيمان؛ إذ الخوف من الله تعالى ينافي الشك فيه" .


          وقال ابن تيمية رحمه الله: "أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له, ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان, كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه, فهذا أعظم الجهاد و(الصريح) الخالص كاللبن الصريح, وإنما صار صريحاً لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية, ودفعوها فخَلص الإيمان فصار صريحاً ..." وقال: "فالشيطان لما قذف في قلوبهم وسوسة فدفعوه؛ تحرك الإيمان الذي في قلوبهم بالكراهة لذلك، والاستعظام له؛ فكان ذلك صريح الإيمان, ولا يقتضي ذلك أن يكون السبب الذي هو الوسوسة مأموراً به, والعبد أيضاً قد يدعوه داعٍ إلى الكفر أو المعصية فيعصيه ويمتنع؛ ويورثه ذلك إيماناً وتقوى, وليس السبب مأموراً به, وقد قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ.. ) الآيتان (آل عمران: 173 ،174), فهذا الإيمان الزائد والتوكل كان سبب تخويفهم بالعدو، وليس ذلك مشروعاً بل العبد يفعل ذنباً فيورثه ذلك توبة يحبه الله بها، ولا يكون الذنب مأموراً به وهذا باب واسع جداً..".


          هذا وقد أنبأ نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه أنّ هذه الوساوس سيتكلم بها الناس, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله فمن خلق الله؟" قال: فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله, فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم, ثم قال: قوموا قوموا، صدق خليلي" رواه مسلم.
          =======================

          0000 طرق علاج الوسوسة في العقائد 0000
          =================
          =============
          =========

          إنّ السلامة من فتنة الشيطان بالوسوسة في الإيمان والاعتقادات تكون بطريقتين:



          الطريقة الأولى: وقائية:
          ------------------------------

          وهي الاحتراز من الوسوسة قبل حصولها, وذلك بالتحصن بالعلم والعكوف على مسائل التوحيد والإيمان, دراسة ومذاكرة, لأنّ الشيطان لا يجد السبيل سالكاً لتشكيك أهل العلم بالإيمان, فكلما أراد عدو الله أن يصرعهم صرعوه, وإذا شغب عليهم بوساوسه, ردوها عليه بما عندهم من الهدى والعلم ورجموه، "وَلَعالِـمٌ واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد", ومَن عرف الله تعالى من خلال صفاته ومخلوقاته, عظّم ربه حق التعظيم, وقَدَّره كل التقدير, ولا يزال أبداً يحسن الظن بمولاه حتى يلقاه.



          الطريقة الثانية:
          --------------------

          إذا وقعت الوسوسة في النفس,دفعها المسلم المدرك, وأبطلها بستة أمور:
          الأمر الأول: الكف عن الاسترسال في
          -----------
          الوسوسة, والانتهاء عنها بقطع حبالها ومتعلقاتها, مستعيناً على ذلك بالاستعاذة بالله من شر الشيطان الرجيم, وذلك لما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته"(رواه مسلم) ، والمعنى: إذا عرض له هذا الوسواس, فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره, وليعرض عن الفكر في ذلك, وليعلم أنّ هذا الخاطر من وسوسة الشيطان, وهو أن يسعى بالفساد والإغواء, فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها, بالاشتغال عنها. وهذا كما قال تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ )( سورة الأعراف: الآيتان 201,200(.وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ للشيطان لـمَّة بابن آدم, وللمَلَك لـمَّة, فأما لـمَّة الشيطان, فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لـمَّة الملك, فإيعاد بالخير, وتصديق بالحق, فمن وجد ذلك, فليعلم أنه من الله, فليحمد الله, ومن وجد الأخرى, فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم".


          فلا بد إذن من ضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس, لأنّ الأضرار والعواقب المترتبة على التسليم لهذه الوساوس وخيمة.
          ==============

          الأمر الثاني: لا يسأل أسئلة صريحة عن هذه
          -----------
          الوساوس التي تدور بخاطره, أي لا يصرح بشيء من ذلك, فإنه في عافية, مادامت الوساوس محصورة في قلبه لم تنتقل بعد إلى لسانه, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله تجاوز لأمتي عما وسوست ـ أو حدثت ـ به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"(البخاري ).
          وهذا ما كان يتأدب به الصحابة إذا وقع لهم شيء من ذلك كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء, لأنْ أكون حُمَمَة أحب إليَّ من أن أتكلم به, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة"( رواه أبو داود.).
          =============



          الأمر الثالث: أن يقول إذا وجد الوسوسة
          -----------
          بثبات جنان ونطق لسان: "آمنت بالله", وذلك لحديث: ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا, خلق الله الخلق. فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله" (رواه مسلم) ، ومن المعلوم أنّ الإيمان به تعالى هو ركن الإيمان الأول بالغيب, ومنه ينطلق الإيمان ببقية الأركان, فالتأكيد عليه بالنطق كذلك تذكير بالله تعالى وطرد للشيطان.
          ============
          الأمر الرابع: قال ابن القيم رحمه الله:
          -----------
          "وأرشد ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ من بُلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلية, إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق, فمن خلق الله؟ أن يقرأ: (هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) سورة الحديد: الآية 3. كذلك قال ابن عباس لأبي زُميل سماك بن الوليد الحنفي وقد سأله: "ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به, قال: قال لي: أشيءٌ من شك؟ قلت: بلى. فقال لي: ما نجا من ذلك أحد, حتى أنزل الله عز وجل: (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ) قال: قال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئاً فقل: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل, وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء, ... فهو الأول الذي ليس قبله شيء, والآخر الذي ليس بعده شيء, والظاهر الذي ليس فوقه شيء, والباطن الذي ليس دونه شيء" .
          ============


          الأمر الخامس: الالتجاء إلى الله تعالى
          -------------
          بالدعاء, وطلب تثبيت القلب على الإيمان. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو فيقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"وكان يقول أيضاً: "إنّ الإيمان يبلى في جوف أحدكم كما يبلى الثوب؛فاسألوا الله أن يجدد إيمانكم".
          =========

          الأمر السادس: إذا استمرت الوساوس, فما
          --------------
          عليه إلا أن يردَّ ما يُشكل عليه ويؤرقه, ويكدر صفو اعتقاده بربه ويزعزعه إلى أهل العلم, لقول الله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ).


          وأما النوع الثاني وهو وسوسته في العبادات فهو أمر يوقع فيه الشيطان بعض الناس فيأتيهم في الصلاة مثلا فيخيل إليهم أنهم قد أحدثوا أو أن الواحد منهم صلى ثلاثا بدلا من أربع ركعات...وكأن يأتي العبد بعد الفراغ من الوضؤ فيوسوس له أنه لم يمسح رأسه ،أو لم يغسل العضو كما ينبغي...


          وعلاج هذا النوع أساسا بعدم الالتفات له خصوصا إذا صار عادة للشخص،وقد دل على هذا العلاج خير البشر صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث.ولم يحدث،فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوت ذلك بأذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه"(رواه الهيثمي في المجمع، وقال:رجاله رجال الصحيح).

          وعلى من ابتلي بهذا الداء أن يستعين بكثرة الذكر؛فإنه لا سلطان للشيطان على الذاكر،وعليه أيضا أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله ليصرف عنه ما يجد ، وليستعن بأهل الاختصاص من الأطباء.عافانا الله وإياكم والمسلمين من كل داء وبلاء ،ورد كيد الشيطان إلى نحره، والحمد لله رب العالمين.

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #20
            سوء الظن ورطة


            من أشد الآفات فتكًا بالأفراد والمجتمعات آفة "سوء الظن"؛ ذلك أنها إن تمكنت قضت على روح الألفة، وقطعت أواصر المودة، وولَّدت الشحناء والبغضاء.

            إن بعض مرضى القلوب لا ينظرون إلى الآخرين إلاَّ من خلال منظار أسود، الأصل عندهم في الناس أنهم متهمون، بل مدانون. ومما لا شك فيه أن هذه الظنون السيئة مخالفة لكتاب الله ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولهدي السلف رضي الله عنهم.

            أما الكتاب فقد جاء فيه قول ربنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}[الحجرات: 12].




            وأما السنة فقد ورد فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظنّ؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا".الحديث.

            وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين حُسن الظن، فقد جاءه رجل يقول: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرُ. قال: هل فيها من أورق؟ [يعني فيه سواد] قال: إن فيها لأورقًا. قال: فأنى أتاها ذلك. قال: عسى أن يكون نزعه عِرْقٌ. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عِرْق"[رواه البخاري ومسلم واللفظ له].




            وأما السلف رضي الله عنهم وأرضاهم؛ فقد نأوا بأنفسهم عن هذا الخلق الذميم، فتراهم يلتمسون الأعذار للمسلمين، حتى قال بعضهم: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرًا لا أعرفه. فهلا تأسى الخلف بالسلف، فنأوا بأنفسهم عن سوء الظن؟.


            إن هؤلاء الذين ساءت ظنونهم بالمسلمين أسوتهم في ذلك هو ذاك الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله إن هذه القسمة ما عُدل فيها وما أريد بها وجه الله".





            وقد قسَّم بعضهم سوء الظن إلى قسمين كلاهما من الكبائر وهما:

            1- سوء الظن بالله: وهو أعظم إثمًا وجرمًا من كثير من الجرائم؛ لتجويزه على الله تعالى أشياء لا تليق بجوده سبحانه وكرمه.


            2- سوء الظن بالمسلمين: وهو أيضًا من الكبائر، فمن حكم على غيره بشر بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره وعدم القيام بحقوقه وإطالة اللسان في عرضه والتجسس عليه، وكلها مهلكات منهيٌ عنها.


            وقد قال بعض العلماء: وكل من رأيته سيئ الظن بالناس طالبًا لإظهار معايبهم فاعلم أن ذلك لخبث باطنه، وسوء طويته؛ فإن المؤمن يطلب المعاذير لسلامة باطنه، والمنافق يطلب العيوب لخبث باطنه.

            فإياك أخي والظن، وادع ربك أن يصرف عنك خواطر السوء، وإن لم تستطع أن تدفع عن نفسك فلا أقل من السكوت وعدم الكلام بما ظننت لعلك تسلم.
            فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلاَّ فإني لا إخالك ناجيًا.




            وما أحسن ما قال الشاعر:

            فلا تظنن بربك ظـن سـوء.. ... ..فإن الله أولـى بالجميـل
            ولا تظنن بنفسك قطُّ خيـرًا.. ... ..فكيف بظـالم جانٍ جهولِ
            وظنَّ بنفسك السوءى تجدها.. ... ..كذلك خيرُهـا كالمستحيل
            وما بك من تقىً فيها وخـيرٍ.. ... ..فتلك مواهب الربِّ الجليل
            وليس لها ولا منها ولكـنْ.. ... ..من الرحمن فاشكـر للدليـل

            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • #21
              التشاؤم عادة من الجاهلية



              **تعريف التشاؤم والتطير:***

              التشاؤم لغة: تفاعلٌ من الشؤم وهو خلاف اليُمن، وأصل هذه الكلمة يدل على الجانب اليسار، ولذا سميت أرض الشام شاما لأنها عن يسار الكعبة.
              ===========
              والطيرة لغة: فِعَلَة بالكسر ففتحتين وقد تسكن العين من التطيُّر، وأصل الكلمة واحد يدل على خفة الشيء في الهواء ومن ذلك الطير،قال ابن الأثير رحمه الله: "وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما".
              ============
              والمراد بهما في لسان الشرع: توهُّم وتوقُّع حصول المكروه بمرئي أو معلوم أو مسموع.
              فمثال المرئي التطير برؤية أصحاب العاهات والبوم وغير ذلك.
              ومثال المعلوم التشاؤم ببعض الأيام، أو بعض الشهور، أو بعض السنوات.
              ومثال المسموع التشاؤم بسماع كلمة نحو: يا خسران، أو يا خائب،أو ما تم ونحو ذلك من الألفاظ.
              ================


              **حكم التطير***
              -----------------------

              لقد وردت أدلة الشرع الحنيف بالنهي عن التطير فأخبر الله تعالى عن المشركين أنهم كانوا يتطيرون بالمؤمنين ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (لأعراف:131)
              وقوله: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (النمل:47)
              ومما لا شك فيه أن هذا ورد على سبيل الذم لهذه العادة القبيحة.
              وأما السنة فقد ورد فيها النهي أيضا حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الطيرة شرك"
              وقال :" لا عدوى ولا طيرة.."الحديث.
              ----------------
              وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "واعلم أن التطير ينافي التوحيد ووجه منافاته له من وجهين، الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غيره، الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له؛ فأي رابطة بين هذا الأمر وبين ما يحصل لك؟! وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد؛ لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، إذن فالطيرة محرمة وهي منافية للتوحيد".


              ==================


              **أسباب التشاؤم والتطير: ***
              ---------------------------------
              ذكر العلماء أسبابا للتطير منها:

              1- ضعف اليقين والتوكلِ على الله تعالى الذي بيده مقاليد الأمور.


              2- ضعف الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.


              3- عدم استحضار نِعم الله الكثيرة عليه ، في نفسه وماله وأهله، قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح آمنا في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".


              4- جعل الدنيا أكبر الهم، والغفلة عن الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".


              5- الجهل وضعف العقل وقلة البصيرة.


              6- ضعف الإيمان وقلة ذكر الله عز وجل.


              7- الجبن والضعف والخور، وعدم الشجاعة والحزم والإقدام.

              =============
              **آثاره ونتائجه***
              ------------------------
              1- أنه يُنقص الإيمان، ويضعف اليقين، ويضادُّ التوكل، ويجعل صاحبه عبداً للخرافات والخزعبلات.


              2- أنه يفتح على العبد باب الوساوس على مصراعيه، فتضطرب نفسه، ويتبلبل فكره، ويصاب بالهوس، فيتمكن الشيطان منه.


              3- أنه سبب لعمَى القلب وطمس البصيرة:


              فلا يزال الشيطان بهذا المسكين يجعله يذوق الحسرات ويشعر بالمرارة في كل أمره، قال الماوردي رحمه الله: "اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خُوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدوراً فقد جهل".


              4- أنه يجعل حياة صاحبه نكَدا وكدَرا وهمًّا وغمًّا:
              فالمتطير المتشائم متعَب القلب، منكدِر الصدر، كاسف البال، سيئ الخلق، يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفاً، وأنكدهم عيشاً، وأضيقهم صدراً، وأحزنهم قلباً.


              5- أنه نفق يقود إلى الشرك بالله تعالى وهذه ولا شك أعظم أضرار التشاؤم.


              6- يقضي على معاني المحبة والإخاء بين أبناء المجتمع ويزرع الشك والتنافر.

              ===================



              **علاج التشاؤم: ***
              --------------------------
              من رحمة الله بعباده أنه ما أنزل من داء إلا جعل له دواء، ولا شك أن التشاؤم داء عظيم والواجب على من أصيب به أن يأخذ بأسباب دفعه وعلاجه ونجمل بعضها فيما يلي:

              1- الثقة بالله تعالى وصدق التوكل عليه، واطراح الوساوس والأوهام، وقطع دابرها واجتثاث أصولها، وعدم الالتفاف إليها بالكلية، والمضي في الشأن المقصود بعزم وحزم وقوة، فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم))، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصُدَّنَّهم)).

              قال الماوردي رحمه الله: "ينبغي لمن مُني بالتطير أن يصرف عن نفسه دواعي الخيبة وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطاناً في نقض عزائمه، ومعارضة خالقه، ويعلم أن قضاء الله تعالى عليه غالب، وأن رزقه له طالب، إلا أن الحركة سبب، فلا يثنيه عنها ما لا يضير مخلوقاً ولا يدفع مقدوراً، وليمض في عزائمه واثقاً بالله تعالى إن أعطى، وراضيا به إن منع".



              2- اليقين أنه لا يقع شيىء في هذا الكون إلا بقدر وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله لابن عباس رضي الله عنهما: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف"



              3- أن يقول الدعاء المشروع إذا حصل له تشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم:
              فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك))، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة تلك؟ قال: ((أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".

              4- استخارة الخالق، واستشارة المخلوق:
              فمن أكرمه الله تعالى بأن شرع له استخارته سبحانه في الأمور كلها، وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلا فجعل له عقلا يزِن به الأمور، وأرشده إلى أن يستشير غيره ليجمع عقله إلى عقله، كيف يرضى لنفسه بعد ذلك أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فيستقسم بالأزلام، أو يتبرك ويتشاءم بالطيور السوانح والبوارح، أو يستدل بأرقام وأشكال على حوادث ستحصل؟! فهذا غاية القبح ومنتهى السفه.
              عن جابر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن.
              وفي المأثور: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.

              5- احتساب الأجر العظيم الذي يناله المتوكلون، واستحضار الثواب الجزيل المعَدِّ للذين لا يتطيرون،فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولاعذاب وبين لهم صفتهم بأنهم:" لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".
              فنسأل الله بمنه وكرمه أن يصرف عنا وعن المسلمين كل سوء وأن يرزقنا صدق التوكل عليه.

              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • #22
                الترف


                بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه . أما بعد:

                فالترف آفة من أعظم الآفات التي تصيب الأفراد والدول و الجماعات ، و هو عبارة عن نعمة تورث طغياناً أو كفراً و يصاحبها البطر و الظلم ،فإن فعلوا ذلك أحلوا بأنفسهم سخط الله وعقوبته: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)
                ==============


                00 الاستدراج بالنعم 00




                والنعمة تنقلب إلى نقمة في حق البعض بسبب عدم تأدية شكرها ، قال تعالى: ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ )" سورة الأعراف : 183 " قال العلماء : يسبغ عليهم نعمه و يمنعهم شكرها ، و قالوا أيضا : كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة فيزدادون بها أشراً

                و بطراً و غروراً و كبراً حتى ينسوا ربهم و دينهم و أنفسهم: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )" سورة يس : 78 – 79 "

                إن المال و السلطان و الجاه و الصحة و القوة من نعم الله على الخلق و العباد ،و بدلاً من أن نزداد بها طاعة و عبودية لخالق الأرض و السماوات ، تستخدم أحياناً في مبارزة الله بالحرب: ( كَلا إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى. إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى )" سورة العلق : 6 – 8 ".
                ================


                00 الترف مذموم 00


                لم يذكر الترف في كتاب الله تعالى إلا في موضع الذم ، فقد ذكر القرآن أن المترفين كانوا أول من كفر بدعوات الأنبياء والمرسلين( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سـبأ:34ـ35).

                و قال تعالى ( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) " سورة المؤمنون : 33 " و الملأ هم الأشراف و القادة و الرؤساء الذين أنكروا البعث و الحساب ، وسع عليهم سبحانه نعم الدنيا حتى بطروا و صاروا يؤتون بالترفه و كان منهم الإعراض عن دعوة الأنبياء و المرسلين .

                ===============

                00 عذاب المترفين 00


                و في نفس السورة يقول جل و علا: ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ) " سورة المؤمنون : 64 – 65 " يعني حتى إذا جاء مترفيهم عذاب الله و بأسه و نقمته بهم إذا هم يجأرون أي يصرخون و يستغيثون كما قال تعالى:(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا. إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالا وَجَحِيمًا ) " سورة المزمل : 11 – 12 " و قوله: ( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ )" سورة المؤمنون : 65 " أي لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال( قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُون ) " سورة المؤمنون : 66 " أي إذا دعيتم أبيتم و إن طلبتم امتنعتم.

                ===============

                00 معنى العذاب في الآية 00


                وقد فسر العذاب في قوله تعالى( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ )" سورة المؤمنون : 64 " بحصدهم بالسيف يوم بدر قاله ابن عباس ، و قال الضحاك يعني بالجوع حين قال النبي صلى الله عليه و سلم: " اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فابتلاهم الله بالقحط و الجوع حتى أكلوا العظام و الميتة و الكلاب و الجيف، و هلك الأموال و الأولاد ، و قد قتل يوم بدر بعض صناديد قريش كأبي جهل و عتبة بن ربيعه و شيبة بن ربيعه ، و قد كان لقريش مكانة كبيرة وسط العرب ، و قد ناصبت النبي صلى الله عليه و سلم العداء و كان لسادتها و أشرافها الحظ الأكبر من الصد عن سبيل الله . و بلغ بهم الأمر أن قالوا : نحن أهل الحرم ؛ فلا نخاف، واعتقدوا أن لهم أعظم الحقوق على الناس، فاستكبروا و ليس الاستكبار من الحق ، كما أحدث لهم سماع الآيات كبراً و طغياناً . و قال تعالى (َكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ )" سورة الأنبياء : 11 – 15 "


                و المقصود مدائن كانت باليمن قتلوا أنبياءهم فسلط عليهم بختنصر فقتل و سبى ، و هذا توبيخ و تقريع لهم " لا تركضوا " أي لا تفروا " وارجعوا إلى ما أترفتم فيه و مساكنكم " أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم ، و إنما أترفهم الله عز و جل كما قال ( وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )" سورة المؤمنون : 33 " لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به ، أو أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم قيل لهم ذلك استهزاء و توبيخاً .

                ===============

                00 إجرام المترفين 00

                و قد بينت النصوص إجرام المترفين ، قال تعالى(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ) " سورة هود : 116 " كما أوضحت كفرهم، قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) " سورة سبأ : 34 " . وهم مقلدة لا عقل لهم ولا دين عندهم ، أواخرهم كأوائلهم: (قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف: من الآية23) و قد بين سبحانه حالهم في الدنيا فقال: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) " سورة الإسراء : 16 " لم يهلك ربنا القرى قبل ابتعاث الرسل و هذا وعد منه سبحانه ولا خلف في وعده فإذا أراد إهلاك قرية أمر أهلها بطاعته واتباع رسله لكن المترفين يأبون إلا الفسق و الظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير ، و"أمرنا" بالتخفيف و التشديد ، أي أمرناهم بالطاعة إعذاراً و إنذاراً و تخويفاً ووعيداً ، و بالتشديد ( أمَّرنا ) أي جعلناهم أمراء ، و المعنى بعثنا مستكبريها ففسقوا فيها، و في الصحيح من حديث زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يوماً فزعاً محمراً وجهه يقول " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب ؛فتح اليوم من ردم يأجوج و ومأجوج مثل هذه " و حلق بإصبعه الإبهام و التي تليها ، قالت : فقلت يا رسول الله ، أنهلك و فينا الصالحون ؟ قال : "نعم إذا كثر الخبث " فالمعاصي إذا ظهرت و لم تغير كانت سبباً لهلاك الجميع .

                ===================

                00 حال المترفين في الآخرة 00


                إذا كان هذا هو حال المترفين في الدنيا فحالهم في الآخرة أشد، قال تعالى: ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ. لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ .إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ) " سورة الواقعة : 41 – 45 " . لقد كان قوم نوح و عاد و ثمود من جملة المترفين، كما قاد الترف فرعون إلى هلاكه و حتفه ، فقد أطغاه ملكه حتى قال " سورة الزخرف 51 " فأجراها سبحانه من فوق رأسه في الدنيا جزاء وفاقاً مع ما ينتظره من العذاب في القبر وفي النار: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46)


                و ما ربك بظلام للعبيد ، و أورث المالُ قارونَ بغياً و ظلماً و عدواناً ، و بدلاً من أن يشكر المنعم سبحانه قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) " سورة القصص : 78 " (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) " سورة القصص : 81 " و كان هذا جزاءه. فالكبرياء و العظمة لا تليق إلا بالله جل و علا ، أما العبد الذي خرج من مجرى البول مرتين فلا يليق به إلا التواضع ، و بينما عبد يسير متبختراً إذ خسف الله به الأرض فهو يتململ فيها إلى يوم القيامة و في الحديث " الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قصمته ولا أبالي " .

                و قد ضرب المثل في كتاب الله بالوليد بن المغيرة ، و هو الموصوف بالوحيد ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) " سورة المدثر : 11 – 17 " و قد خص الوليد والد خالد بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة و إيذاء الرسول صلى الله عليه و سلم ، و كان يسمى الوحيد في قومه ، قال ابن عباس : كان الوليد يقول : أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير و كان يسمى الوحيد ، و قد ذكر سبحانه نعمه عليه و أنه أمد له في المال و البنين ، و أنه بسط له في العيش بسطاً حتى أقام ببلدته مترفهاً يُرجع إلى رأيه ، و مع ذلك فلم يؤمن بل ازداد غياً و كفراً ، فلم يزل بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك .

                ==========

                00 التوسعة على النفس والأهل 00


                ليس من الترف أن يكون النعل حسناً و الثوب حسناً ، أو أن يتلذذ الإنسان بالطيبات و المباحات فيكون مركوبه و مسكنه مناسباً ، أو أن ينفق على نفسه و أهله النفقة العرفية اللائقة به تبعاً لإعساره و يساره لا حرج في ذلك كله ، ولا يسعنا تحريم الحلال ، قال تعالى :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق ) " سورة الأعراف : 32 " و نعم المال الصالح للعبد الصالح ، و كان سلفنا الصالح إذا وجدوا أكلوا أكل الرجال و إذا افتقدوا صبروا صبر الرجال . و كان النبي صلى الله عليه و سلم يعجبه الكتف من اللحم ، وارتدى حلة حمراء ، و قد جهز عثمان رضي الله عنه – جيش العسرة و حفر بئر رومة ، و كان عبد الرحمن بن عوف من أغنى أغنياء المدينة ، وقال البعض : كل ما لم يلهك عن طلب الآخرة فليس بمتاع غرور و لكن متاع بلاغ إلى حين . و قال الآخر : كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب به حياة، و أدرك بها طاعة أنال بها الجنة ؟ و قالوا : نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن و ذلك أنه عمل قليلاً و أخذ زاده منها إلى الجنة ،و بئست الدار كانت للكافر

                و المنافق و ذلك أنه ضيع لياليه و كان زاده منها إلى النار .

                =============

                00 ليس من الزهد 00

                و ليس الزهد بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ، و لكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يد نفسك ـ كما قال أبو حازم ـ، و أن تكون حالك في المصيبة و حالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون مادحك و ذامك في الحق سواء – لا بأس بشيء من المزاح و البسط و التنعم المباح ، كما قال أبو الدر داء – رضي الله عنه – روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإنها إن كلت عميت ، و كانت الحبشة تلعب بالحراب في المسجد و يقول لهم النبي صلى الله عليه و سلم : "دونكم بني أرفدة" ، و كانوا يلعبون في يوم العيد .

                =========

                00 كثرة الضحك تميت القلب 00

                و لكن لا ينبغي أن تصبح الحياة لعباً أو أن يغلب المزاح و الترفه على الإنسان بحيث ينسيه ربه و دينه ، و قد عاتب سبحانه الصحابة في شئ من ذلك لما هاجروا إلى المدينة و نزل قوله تعالى( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) " سورة الحديد : 16 " .قال الحسن : استبطأهم وهم أحب خلقه إليه ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول : ما أحدثنا ؟ وروي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم لما ترفهوا بالمدينة فنزلت الآية ، ولما نزلت قال صلي الله عليه وسلم : " إن الله استبطأكم بالخشوع ، وقالوا عند ذلك : خشعنا . وقال محمد بن كعب : كانت الصحابة بمكة مجدبين ، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ، ففتروا عما كانوا فيه ، فقست قلوبهم ، فوعدهم الله فأفاقوا. لا بد من سد الذرائع التي تؤول بالبلاد والعباد إلى الترف المذموم الذي يجر إلى الذنوب والمعاصي ويورث دماراً وهلاكا ً، وهذا يتطلب منا العودة الصادقة لكتاب الله ولسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم - علما وعملا ً واعتقادا ـً و أن نبذل وسعنا في معاني التقدم والتحضر و التطور وفق منهج العبودية ، بحيث نقيم حضارة على منهاج النبوة ، فالنعمة لا تطغينا ، والمصيبة لا تجعلنا نيأس ونقنط من رحمة الله وأن نواجه النعم والغنى بالشكر، والفقرَ بالصبر ، وقد سئل الإمام أحمد: أيكون الإنسان ذا مال وهو زاهد؟ قال: نعم إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصانه، فأخرجوا الدنيا من قلوبكم وضعوها في أيديكم ،(و تزودوا فان خير الزاد التقوى ).واخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم ، وليعد كل منا للسؤال جوابا: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) "التكاثر : 8"

                وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • #23
                  الغفلة .. الداء الفتاك



                  إن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ورغَّبهم في الجنة، ورهَّبهم من النار، وذكرهم بما هم مقبلون عليه بعد الموت من أهوال وكربات عظام، لكن الكثير من الناس ينسى هذه الحقائق ويغفل عنها: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)[الأنبياء:1- 2]، حتى إن المرء لو نظر لأحوال هؤلاء لوجد جرأة عجيبة على الله، وسَيْرًا في طريق المعاصي والشهوات، وتهاونًا بالفرائض والواجبات، فيتساءل: هل يُصدِّق هؤلاء بالجنة والنار؟ أم تراهم وعدوا بالنجاة من النار وكأنها خلقت لغيرهم؟ يقول الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون:115].
                  ============

                  00 إن حال هؤلاء يصدق فيه قول القائل 00

                  نهارك يا مغرور سهو وغفـلةٌ.. ... ..وليلك نومٌ والردى لك لازمٌ
                  وشغلك فيما سوف تكره غبه ... ..كذلك في الدنيا تعيش البهائم





                  إن من أعظم أسباب الغفلة الجهل بالله عز وجل وأسمائه وصفاته.


                  والحق أن كثيرًا من الناس لم يعرفوا ربهم حق المعرفة، ولو عرفوه حق المعرفة ما غفلوا عن ذكره، وما غفلوا عن أوامره ونواهيه؛ لأن المعرفة الحقيقية تورث القلب تعظيم الرب ومحبته وخوفه ورجاءه، فيستحي العارف أن يراه ربه على معصية، أو أن يراه غافلاً. فأُنس الجاهلين بالمعاصي والشهوات، وأُنس العارفين بالذكر والطاعات.
                  ومن أعظم أسباب الغفلة الاغترار بالدنيا والانغماس في شهواتها. قال الله عز وجل: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر:3].




                  إن حال هؤلاء ليُنبئ عن سُكْر بحب الدنيا وكأنهم مخلدون فيها، وكأنهم لن يخرجوا منها بغير شيء من متاعها مع أن القرآن يهتف بنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[فاطر:5].إن سكران الدنيا لا يفيق منها إلا في عسكر الموتى نادما مع الغافلين.




                  ومن أسباب الغفلة أيضًا صحبة السوء، فقد قيل: الصاحب ساحب، والطبع يسرق من الطبع، فمن جالس أهل الغفلة والجرأة على المعاصي سرى إلى نفسه هذا الداء : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً)[الفرقان:27-29].
                  والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المرء على دين خليله ...." الحديث.
                  ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليتخير العبد أعجبهما إليه وأَولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.


                  إن الغفلة حجاب عظيم على القلب يجعل بين الغافل وبين ربه وحشة عظيمة لا تزول إلاَّ بذكر الله تعالى.

                  وإذا كان أهل الجنة يتأسفون على كل ساعة مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها، فما بالنا بالغافل اللاهي؟!!
                  (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[المؤمنون:99، 100].


                  إنهم عند نزول الموت بساحتهم يتمنون أن يؤخروا لحظات قلائل، والله ما تمنوا عندها البقاء حبًّا في الدنيا ولا رغبة في التمتع بها، ولكن ليتوبوا ويستدركوا ما فات، لكن هيهات (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)[سـبأ:54].

                  فيا أيها القارئ الكريم: لقد خُلقنا في هذه الدار لطاعة الله وليست الدنيا بدار قرار:

                  أما والله لو علم الأنام.. ... ..لم خلقوا لما غفلوا وناموا
                  لقد خلقوا لما لو أبصرته.. ... ..عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
                  مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ.. ... ..وتوبيخ وأهوالٌ عظامُ




                  هيا بنا نُقْبِلُ على طاعة الله مكثرين من ذكره، مستفيدين من الأوقات فيما يقربنا من جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر:

                  إن لله عبادًا فُطَنًا.. ... ..طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
                  نظروا فيها فلما علموا.. ... ..أنها ليست لحيٍّ وطنًا
                  جعلوها لُجَّةً واتخذوا.. ... ..صالح الأعمال فيها سُفُنا


                  اللهم اجعلنا منهم بمنِّك وكرمك يا رب العالمين.

                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • #24
                    طــول الأمــل


                    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وعلي آله وصحبه ومن والاه ,أما بعد :
                    فإن من أعظم أمراض القلوب طول الأمل ،فما معناه؟وماهي أضراره؟ وكيف نتخلص منه؟

                    **معني طول الأمل:***
                    =====================
                    إن طول الأمل هو الاستمرار في الحرص علي الدنيا ومداومة الانكباب عليها مع كثرة الإعراض عن الآخرة.
                    وفي تفسير قوله تعالي : ( ويُلهِهِمُ الأَملُ ) [ الحجر : 3] يقول القرطبي -رحمه الله- : أي يشغلهم عن الطاعة ،و قال ابن حجر : وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهني أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا ، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه ، وعدم الاستعداد لأمر الآخرة ، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته ، وسبب طول الأمل الجهل وحب الدنيا .

                    **طول الأمل مذموم في القرآن***
                    ==========================
                    تعددت في كتاب الله الآيات التي تذم طول الأمل ،وتنوعت الأساليب التي ينفر بها القرآن من ذلك الداء العضال والمرض الفتاك ، و من ذلك قوله تعالي : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) [ الحجر : 2-3 ]وقوله سبحانه عن اليهود : ( ولتجدنهم أحرص الناس علي حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) سورة البقرة : 96 ، وقوله تعالي ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ) [المؤمنون 112-115] وقال تعالي ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) [الحديد: 16 ]

                    **و في سنة رسول الله***
                    =====================
                    لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الاسترسال مع الآمال الملهية عن طاعة رب العباد ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله علية وسلم يقول : " لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنين : في حب الدنيا ، وطول الأمل " [رواه البخاري] .
                    وعن أنس رضي الله عنه قال : خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال: " هذا الأمل وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب " رواه البخاري .
                    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : خط النبي صلي الله علية وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً في الوسط خارجاً عنه ، وخط خططاً صغاراً إلي هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط ، وقال : " هذا الإنسان وهذا أجله محيطاً به ، أو قد أحاط به ، وهذا الذي هو خارج أمله ، وهذه الخطوط الصغار الأعراض ، فإن أخطأه هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه هذا" رواه البخاري . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلي الله علية وسلم بمنكبي فقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " ، وكان ابن عمر يقول : " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك " .[رواه البخاري .]



                    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلي الله علية وسلم لرجل وهو يعظه : " اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ". [ رواه الحاكم وقال: علي شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال " بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غني مطغياً أو مرضا مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتا مجهزاً أو الدجال فشر غائب منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمرُّ ؟!" رواه الترمذي وقال حديث حسن ولما سئل رسول الله صلي الله علية وسلم عن صحف موسي عليه السلام قال : " كانت عبراً كلها ، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح ، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب ، عجبت لمن رأي الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ، وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل " رواه البيهقي والبزار.

                    **والسلف يحذرون من طول الأمل***
                    ==========================
                    علم السلف رضي الله عنهم حقيقة الدنيا وتعلقت قلوبهم بالآخرة ونصحوا لمن جاء بعدهم ، فحذروا من الركون إلى الدنيا والإعراض عن الآخرة.
                    قال علي رضي الله عنه : " إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوي وطول الأمل ، فأما اتباع الهوي فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة " وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " لا يطولن عليكم الأمد ولا يلهينكم الأمل ، فإن كل ما هو آت قريب ، ألا وإن البعيد ليس آتيا " ، وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه : " ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني ، مؤمل الدنيا والموت يطلبه ، وغافل ليس يغفل عنه ، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض ؟ ".


                    ودخل رجل علي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته فقال : " يا أبا ذر ، أين متاعكم ؟! قال : إن لنا بيتاً نتوجه إليه ، فقال : " إنه لابد لك من متاع ما دمت ها هنا " ، فقال : إن صاحب المنزل لايدعنا هاهنا ".
                    وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال : " من ذا الذي يبني علي موج البحر داراً ؟ تلكم الدنيا فلا تتخذونها قراراً " .
                    وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : " لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم فإنه والله ما بسط أملاً من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه ولا يمسي بعد صباحه ، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا " قال أبو محمد بن علي الزاهد : " خرجنا في جنازة بالكوفة وخرج فيها داود الطائي : فانتبذ وقعد ناحية وهي تدفن ، فجئت فقعدت قريباً منه فتكلم فقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل ما هو آت قريب واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور إنما يندمون علي ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون فما ندم عليه أهل القبور, أهل الدنيا عليه يقتتلون ، وفيه يتنافسون وعليه عند القضاء يختصمون " وقال الغزالي : لقد قصم الموت رقاب الجبابرة ، وكسر ظهر الأكاسرة وقصر آمال القياصرة الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة ، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة - فانظر هل وجدوا من الموت حصناً وعزاً ، وقال البعض: كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غداً لا يبلغه لو أدركتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره ،وقالوا : كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره ، وشهره يهدم سنته ، وسنته تهدم عمره ، وعمره يقوده إلي أجله ، وحياته تقوده إلي موته ".



                    وقيل لمحمد بن واسع : كيف تجدك؟ قال قصير الأجل ، طويل الأمل ، مسييء العمل.
                    و كتب رجل إلي أخ له : " إن الحزن علي الدنيا طويل ، والموت من الإنسان قريب ، وللنقص في كل يوم منه نصيب ، وللبلاء في جسمه دبيب ، فبادر قبل أن تنادي بالرحيل ، والسلام ".

                    **مضار طول الأمل***
                    ==================
                    إن طول الأمل يدفع إلي المعاصي ، ويبعد عن الطاعات ، وهو من أسباب انتهاك الحرمات والتعدي علي الآخرين وسلب حقوقهم ، فأثبت أجلك بين عينيك ، واستحي من الله حق الحياء.

                    **ما العلاج؟!!***
                    =============
                    =======
                    ==
                    إن الجهل وحب الدنيا هما سبب طول الأمل فالعلاج يكمن في العلم بخطورة ومضار طول الأمل ، وقيمة طاعة الوقت وأن التسويف يورد صاحبه موارد الهلكة وأن العبد يجب أن يكون حيث أمره مولاه وأن يحذر أن يراه حيث نهاه. وينبغي أن يكون شعار الواحد منا كما كان شعار حاتم الأصم إذ يقول : "...وعلمت أن عملي لن يعمله غيري فأنا مشغول به , ورأيت الناس ينظرون إلي ظاهري والله ينظر إلي باطني فعلمت أن مراقبته أولي وأحرى , ورأيت الموت يأتي بغتة فقلت أبادره" .





                    والفارق كبير بين الرجاء وطول الأمل ، فمن رجا شيئاً طلبه ،ومن خاف شيئاً هرب منه فأين هذا من طول الأمل الذي آل بك لعدم الاستعداد لأمر الآخرة؟. وعلي العبد الذي يطلب العلاج أن يعرف حقيقة هذه الدار وأنها حقيرة وإلي كل نذل أميل، والأصل أن تلقاك بكل ما تكره فإذا لاقتك بما تحب فهو استثناء, دخل ابن السماك علي هارون الرشيد فقال له الرشيد : عظني- وكان بيده شربة ماء- فقال له: يا أمير المؤمنين لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك ؟ قال : نعم قال : يا أمير المؤمنين لو شربتها وحبست عن الخروج أكنت تفديها بملكك؟ قال : نعم، فقال له الأخير : فملك لا يساوي شربة ولا بولة , قال الفضيل ابن عياض : جعل الخير كله في بيت واحد وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجعل الشر كله في بيت واحد وجعل مفتاحه حب الدنيا.




                    وقيل :إن الدنيا مثل ظل الإنسان إذا طلبته فرّ وإن تركته تبعك،فقل لنفسك أين الأولون والآخرون؟ أين الذين ملأوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً ؟ أين الذين فرشوا القصور حريراً وخزاً ؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وعزا هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً ؟ أفناهم الله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم وأخرجهم من سعة القصور إلي ضيق القبور تحت الجنادل والصخور فأصبحوا الأسري إلي مساكنهم ،لم ينفعهم ما جمعوا ولا أغني عنهم ما اكتسبوا ،أسلمهم الأحياء والأولياء، وهجرهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم الأقرباء والبعداء ،وكأن الموت فيها علي غيرنا كتب وكأن الحق فيها علي غيرنا وجب وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قريب إلينا راجعون ونأكل تراثهم كأنا بعدهم مخلدون.فيا قومنا: عمرٌّوا الدنيا بطاعة ربكم وأقيموا الحياة علي منهاج النبوة ولسان حالكم ينطق: (وعجلت إليك ربِّ لترضي) .
                    وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • #25
                      مرض القلب

                      علامات مرض القلب











                      فمن علامات مرض القلب أن يتعذر على العبد ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة ، فيقدم العبد حظه وشهوته على طاعة الله ومحبته ، كما قال الله عز وجل : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) (الفرقان:43) . قال بعض السلف: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه . فيحيا في هذه الحياة الدنيا حياة البهائم لا يعرف ربه عز وجل ولا يعبده بأمره ونهيه كما قال تعالى : ( يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ)(محمد: من الآية12) .


                      والجزاء من جنس العمل فكما لا يحيا الحياة التي يحبها الله عز وجل ويرضاها وهو كذلك ليس جمادا لا يحس ، بل يحيا من أجل أن يعصى الله عز وجل بنعمه ، فهو كذلك في الآخرة لا يحيا حياة يجد فيها راحته ، ولا يموت فيفقد الإحساس بالألم، فلا يموت ولا يحيا (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (إبراهيم:17) .

                      ومن علامات مرضه أن صاحبه لا تؤلمه جراحات المعاصي كما قيل




                      " وما لجرح بميت إيلام " ، فالقلب الصحيح يتوجع بالمعصية ويتألم لها فيحدث له ذلك توبة ، وإنابة إلى ربه عز وجل ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (لأعراف:201) .


                      وقال تعالى في وصف المتقين : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)(آل عمران: من الآية135) . الآية أي ذكروا عظمة الله عز وجل وتوعده وعقابه فأحدث لهم ذلك استغفارا : فمريض القلب يتبع السيئة السيئة كما قال الحسن في قوله عز و جل : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب أما سليم القلب فيتبع السيئة



                      00 الحسنة والذنب التوبة 00
                      ===============
                      ومن علامات مرضه أن صاحبه لا يوجعه جهله بالحق ، فإن القلب السليم يتألم بورود الشبهات عليه ، ويتألم بجهله بالحق وبعقائده الباطلة ، فالجهل مصيبة من أكبر المصائب يتألم بها من كان في قلبه حياة، قال بعض العلماء : " ما عصى الله بذنب أقبح من الجهل ؟ ، " وقيل للإمام سهل : يا أبا محمد أي شيء أقبح من الجهل؟ قال " الجهل بالجهل " ،قيل : صدق لأنه يسد باب العلم بالكلية .
                      ويقول القائل :
                      وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
                      وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور




                      ومن علامات مرضه عدول صاحبه عن الأغذية النافعة إلى السموم الضارة ، كما يعرض أكثر الناس عن سماع القرآن الذي أخبر الله عز وجل عنه فقال :
                      ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (الإسراء : 82). ويستمعون إلى الغناء الذي ينبت النفاق في القلب ويحرك الشهوات وفيه من الكفر بالله عز وجل ما فيه ، فالعبد يقدم على المعصية لمحبته لما يبغضه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فالإقدام على المعصية نتيجة لمرض القلب ويزيد في مرض القلب ، وكلما سلم القلب أحب ما يحبه الله عز وجل وما يحبه رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7)
                      وقال صلى الله عليه وسلم : ( ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا " .(رواه مسلم وغيره )
                      وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين " . ( البخاري ومسلم )

                      ومن علامات مرضه أن يستوطن صاحبه الدنيا ويرضى بها ويطمئن فيها ولا يحس فيها بغربة ولا يرجو الآخرة ولا يسعى لها سعيها، وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة ، فيعطي الناس ظاهره ويخالفهم بباطنه ، يرى ما هم فيه ولا يرون ما هو فيه ، ويكون حاله في الدنيا كما وصى الرسول الله عليه وسلم :" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " . ( البخاري وغيره )



                      00 أسباب مرض القلب وسمومه الضارة 00

                      ====================

                      اعلم أن المعاصي كلها سموم للقلب وأسباب لمرضه وهلاكه ، وهي منتجة لمرض القلب وإرادته غير إرادة الله عز وجل ، وضررها للقلب كضرر السموم للأبدان .
                      قال الإمام ابن المبارك :
                      رأيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ وقد يورثُ الذّل إدمانُهَــا
                      وتركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ وخَيْرٌ لِنَفْسِـكِ عِصْيَانُهَـا

                      وللمعاصي من الآثار المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، وليس في الدنيا والآخرة شرٌ وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي .
                      قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ ما ملخصه : " فما الذي أخرج الوالدين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب ؟ .

                      وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه؛ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع ، وبدل بالقرب بعدًا وبالرحمة لعنة ، وبالجمال قبحـًا ، وبالجنة نارًا تلظى ، فهان على الله غاية الهوان وسقط من رحمته غاية السقوط ، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت فأرداه ، فصار قوادًا لكل فاسق ومجرم ، رضى لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة ، فعياذًا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك .


                      وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال ؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ؟

                      وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم ؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعـًا ، ثم أتبعهم حجارة من سجيل فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم ، ولإخوانهم أمثالها ، وما هي من الظالمين ببعيد؟

                      وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل ، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى ؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم ، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق ؟
                      وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله ؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوحٍ بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا ؟
                      وما الذي بعث على بني إسرائيل قومـًا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء ، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا ، وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ، ومرة بجور الملوك ، ومرة بمسخهم قردة وخنازير ، وآخر ذلك الرب تبارك وتعالى : (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)(الأعراف/167) .




                      00 فمن آثار الذنوب والمعاصي 00
                      ==============

                      -أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه ، وجيش يقويه به على حربه .
                      - ومنها : أنها تجرئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه .
                      -ومنها : الطبع على القلب إذا تكاثرت ، حتى يصير صاحب الذنب من الغافلين كما قال بعض السلف في قوله تعالى : (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(المطففين/14) هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب ، وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية ، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانـًا ، ثم يغلب حتى يصير طبعـًا وقفـلاً فيصير القلب في غشاوة وغلاف .


                      - ومنها : أن ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة .
                      - ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضـًا .
                      - ومنها : ظلمة يجدها في قلبه يحس بها كما يحس بظلمة الليل ، كما روى عن ابن عباس أنه قال : " إن للحسنة نورًا في الوجه ، وضياءً في القلب ، وسعة في الرزق ، ومحبة في قلوب الخلق ، وإن للمعصية سوادًا في الوجه وظلامـًا في القلب ، وضيقـًا في الرزق ، وبُغْضَةً في قلوب الخلق " .
                      - ومنها : أن المعاصي توهن القلب والبدن ، أما وهنها للقلب فأمر ظاهر ، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية ، وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته في قلبه وكلما قوي قلبه قوي بدنه .
                      - ومنها : تعسير أموره فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقـًا دونه أو متعسرًا عليه كما قال بعض السلف : إني لأعصي الله فأجد ذلك في خُلق دابتي وامرأتي .
                      - ومنها : الوحشة التي تحصل بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير ، قال أبو الدرداء : ليتق أحدكم أن تعلنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر ، يخلو بمعاصي الله فيلقى الله له البغض في قلوب المؤمنين .
                      - ومنها سقوط الجاه والكرامة عند الله وعند خلقه : (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم)(الحج/18) .
                      - ومنها : أنها تطفئ في القلب نار الغيرة .
                      - ومنها : ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب .
                      - ومنها : أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة .
                      - ومنها : أن العبد لا يزال يرتكب المعاصي حتى تهون عليه وتصغر في قلبه ، قال ابن مسعود : " إن المؤمن يرى ذنبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا "(رواه الترمذي) .
                      وقال أنس ـ رضي الله عنه ـ : " إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا لنعدها على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الموبقات "(رواه البخاري) .
                      وقال بلال بن سعد : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن إلى عظمة من عصيت.
                      ونخص بالذكر هنا إن شاء الله تعالى خمسة سموم للقلب ، وهي من أكثر السموم انتشارًا ، وأشدها تأثيرًا في حياة القلب : وهي فضول الكلام ، وفضول النظر ، وفضول المخالطة ، وفضول الطعام ، وفضول النوم

                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • #26
                        العصبية



                        هي: مناصرة المرء قومه، أو أسرته، أو وطنه، فيما يخالف الشرع، وينافي الحق والعدل.

                        وهي: من أخطر النزعات وأفتكها في تسيب المسلمين، وتفريق شملهم، وإضعاف طاقاتهم، الروحية والمادية، وقد حاربها الإسلام، وحذر المسلمين من شرورها.

                        فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية)(3الوافي ج3 ص149 عن الكافي).

                        وقال الصادق (عليه السلام): (من تعصب عصبه الله بعصابة من نار)(4الوافي ج3 ص149 عن الكافي).

                        وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (إن الله تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم ، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم ) (1الوافي ج14 ص48 عن الفقيه).




                        وقال الباقر (عليه السلام): جلس جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان. فقال عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله،كنت ضالا فهداني الله بمحمد، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد، فهذا حسبي ونسبي يا عمر.

                        ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول الله: (يا معشر قريش إن حَسَب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، قال الله تعالى:((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم))

                        ثم أقبل على سلمان فقال له: (إنه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه) (2البحار م15 ج2 ص348 أمالي أبي علي الشيخ الطوسي).

                        وعن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: (وقع بين سلمان الفارسي رضي الله عنه، وبين رجل كلام وخصومه، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم،ومن خف ميزانه فهو اللئيم) (3 سفينة البحار ج2 ص348 عن أمالي الصدوق(رحمه الله)).

                        وأصدق شاهد على واقعية الإسلام، واستنكاره النعرات العصبية المفرقة، وجعله الإيمان والتقى مقياسا للتفاضل، أن أبا لهب ـ وهو من صميم العرب، وعم النبي ـ صرح القرآن بثلبه وعذابه ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب))وذلك بكفره ومحاربته لله ورسوله.

                        وكان سلمان فارسيا، بعيدا عن الأحساب العربية، وقد منحه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وساما خالدا في الشرف والعزة، فقال: (سلمان منا أهل البيت). وما ذلك إلا لسمو إيمانه، وعظم إخلاصه، وتفانيه في الله ورسوله.




                        00 حقيقة العصبية 00
                        ===========



                        لا ريب أن العصبية الذميمة التي نهى الإسلام عنها هي: التناصر على الباطل، والتعاون على الظلم، والتفاخر القيم الجاهلية.

                        أما التعصب للحق، والدفاع عنه، والتناصر على تحقيق المصالح الإسلامية العامة، كالدفاع عن الدين، وحماية الوطن الإسلامي الكبير، وصيانة كرمات المسلمين وانفسهم وأموالهم، فهو التعصب المحمود الباعث على توحيد الأهداف والجهود، وتحقيق العزة والمنعة للمسلمين، وقد قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام): (إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خير من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم)(1الوافي ج3 ص149 عن الكافي).


                        00 غوائل العصبية 00
                        ========



                        من استقرأ التاريخ الإسلامي، وتتبع العلل والأسباب، في هبوط المسلمين، علم أن النزعات العصبية، هي المعول الهدام، والسبب الأول في تناكر المسلمين، وتمزيق شملهم، وتفتيت طاقاتهم، مما أدى بهم إلى هذا المصير القاتم.

                        فقد ذل المسلمون وهانوا، حينما تفشت فيهم النعرات المفرقة، فانفصمت بينهم عرى التحابب، ووهت فيهم أواصر الإخاء، فأصبحوا مثالا للتخلف والتبعثر والهوان، بعد أن كانوا رمزا للتفوق والتماسك والفخار، كأنهم لم يسمعوا كلام الله تعالى حيث قال:

                        ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمة الله إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها))(2آل عمران: 103).

                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • #27
                          الشره



                          وهو: الإفراط في شهوات المأكل والجنس، ضد [العفة].وهو: من النزعات الخسيسة، الدالة على ضعف النفس، وجشع الطبع، واستعباد الغرائز، وقد نددت الشريعة الإسلامية وحذرت منه أشد التحذير.



                          قال الصادق (عليه السلام): ( كل داء من التخمة، ما خلا الحمى فإنها ترد ورودا)(2الوافي ج11 ص67 عن الكافي).وقال (عليه السلام):( إن البطن إذا شبع طغى) (1الوافي ج11 ص67 عن الفقيه).وقال (عليه السلام): (إن الله يبغض كثرة الأكل)(2الوافي ج11 ص67 عن الكافي).



                          وقال أبو الحسن (عليه السلام): (لو أن الناس قصدوا في المطعم، لاستقامت أبدانهم) (3البحار م14 ص 876 عن المحاسن للبرقي(رحمه الله)).

                          وعن الصادق عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من أراد البقاء ولا بقاء، فليخفف الرداء، وليباكر الغداء، وليقل مجامعة النساء)(4البحار م14 ص545 عن طب الأئمة).من أراد البقاء أي طول العمر، فليخفف الرداء أي يخفف ظهره من ثقل الدين.وأكل أمير المؤمنين (عليه السلام) من تمر دَقَل، ثم شرب عليه الماء، وضرب يده على بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله. ثم تمثل :وإنك مهما تُعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (5 سفينة البحار م1 ص27).مساوئ الشرهالشره مفتاح الشهوات، ومصدر المهالك، وحسب الشرِه ذما، أن تسترقه الشهوات العارمة، وتعرضه لصنوف المساوئ، المعنوية والمادية.


                          ولعل أقوى العوامل في تخلف الأمم، استبداد الشره بهم، وافتتانهم بزخارف الحياة، ومفاتن الترف والبذخ، مما يفضي بهم إلى الضعف والإنحلال.

                          00 ولشره الأكل آثار سيئة ومساوئ عديدة 00
                          =================

                          فقد أثبت الطب (أن الكثير من الأمراض والكثير من الخطوط التجعدات التي تشوه القسمات الحلوة في النساء والرجال، والكثير من الشحم والمتراكم، والعيون الغائرة، والقوى المنهكة، والنفوس المريضة كلها تعزى إلى التخمة المتواصلة، والطعام الدسم المترف).وأثبت كذلك أن الشره يرهق المعدة ويسبب ألوان المآسي الصحية كتصلب الشرايين، والذبحة الصدرية، وارتفاع ضغط الدم، والبول السكري.وهكذا يفعل الشره الجنسي في إضعاف الصحة العامة، وتلاشي الطاقة العصبية، واضمحلال الحيوية والنشاط، مما يعرض المسرفين للمخاطر.


                          0000 علاج الشره 0000
                          ========
                          ====
                          ==

                          أما شره الأكل فعلاجه:
                          ---------------------------

                          1ـ أن يتذكر الشرِه ما أسلفناه من محاسن العفة، وفضائلها.

                          2ـ أن يتدبر مساوئ الشره، وغوائله الماحقة.

                          3ـ أن يروض نفسه على الاعتدال في الطعام، ومجانبة الشره جاهدا في ذلك، حتى يزيل الجشع. فإن دستور الصحة الوقائي والعلاجي هو الاعتدال في الأكل وعدم الإسراف فيه، كما لخصته الآية الكريمة ((كلوا واشربوا ولا تسرفوا))(الأعراف: 31).



                          وقد أوضحنا واقع الاعتدال في بحث [العفة].وأما الشر الجنسي فعلاجه:

                          1ـ أن يتذكر المرء أخطار الإسراف الجنسي، ومفاسده المادية والمعنوية.

                          2ـ أن يكافح مثيرات الغريزة، كالنظر إلى الجمال النسوي، واختلاط الجنسين، وسروح الفكر في التخيل. وأحلام اليقظة، ونحوها من المثيرات.

                          3ـ أن يمارس ضبط الغريزة وكفها عن الإفراط الجنسي، وتحري الاعتدال فيها، وقد مر بيانه في بحث العفة

                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • #28
                            الحسد


                            الحسد خُلُق ذميم مع إضراره للبدن وإفساده للدِّين ، حتى لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شره : (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)(الفلق/5) .
                            وناهيك بحال ذلك شرًا ، ولو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيء ، يتوجه نحو الأقارب والأكفاء ، ويختص بالمخالط والصاحب ، لكانت النزاهة عنه كرمـًا ، والسلامة منه مغنمـًا ، فكيف وهو بالنفس مُضر ، وعلى الهم مُصِرٌّ ، حتى ربما أفضى بصاحبه إلى التلف من غير نكاية في عدوٍ ، ولا إضرار بمحسود .
                            إن الحاسد صاحب نفس خبيثة تكره رؤية النعمة بادية على الآخرين ؛ ولهذا يتمنى الحاسد زوال النعمة عن المُنْعَم عليه .




                            00 دواعي الحسد00
                            =============
                            ذكر العلماء دواعي الحسد ، فأورد الماوردي أنها ثلاثة :

                            1) بُغض المحسود ، فإذا كانت له فضيلة تُذكر أو منقبة تُشكر ثارت نفس من أبغضه حسدًا .
                            2) أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه الحاسد فيكره تقدمه فيه ، فيثير ذلك حسدًا ، فالحسد هنا يختص بمن علا مع عجز الحاسد عن إدراكه .
                            3) السخط على قضاء الله تعالى ، فيحسد الآخرين على ما منحهم الله تعالى إياه ، وإن كانت نعم الله عنده أكثر ، ومِنَحه عليه أظهر .
                            وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها ؛ إذ ليس لصاحبه راحة ، ولا لرضاه غاية .





                            00 دفع شر الحاسد 00
                            ==============
                            قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : ويندفِعُ شرُّ الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب :

                            السبب الأول : التعوذ بالله من شره ، والتحصن به واللجوء إليه .


                            السبب الثاني : تقوى الله تعالى ، وحفظه عند أمره ونهيه .
                            فمن أتقى الله تعالى تولَّى الله عز وجل حفظه ، ولم يكِلْه إلى غيره .


                            السبب الثالث : الصبر على عدوه ، وألا يقاتله ولا يشكوه ، ولا يحدّث نفسه بأذاه أصلاً فما نُصِرَ على حاسده وعدُوِّه بمثل الصبر عليه .


                            السبب الرابع : التوكل على الله .


                            فمن توكل على الله فهو حسبُه ، والتوكُّل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يُطيق من أذى الخلق وظلمهم وعُدوانهم .
                            وهو من أقوى الأسباب في ذلك ، فإن الله تعالى حسبُهُ ، أي كافيه ، ومن كان الله عز وجل كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوّه .


                            السبب الخامس : فراغُ القلب من الاشتغال به والفكر فيه ، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له .
                            فلا يلتفت إليه ، ولا يخافه ، ولا يملأُ قلبهُ بالفكر فيه .
                            وهذا من أنفع الأدوية ، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره .





                            السبب السادسُ : الإقبالُ على الله تعالى والإخلاص له ، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محلِّ خواطرِ نفسه وأمانِيِّها تدِبُّ فيها دبيب تلك الخواطرِ شيئـًا ، حتى يقهرها ويغمرها ويذيبها بالكلية ، فتبقى خواطره وهواجسُهُ وأمانيُّه كُلُّها في محابِّ الرَّبِّ ، والتقرُّب إليه .


                            السبب السابع : تجريد التوبة إلى الله تعالى من الذنوب التي سَلَّطَتْ عليه أعداءه .
                            فإن الله تعالى يقول : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)(الشورى/30) .


                            السبب الثامن : الصدقة والإحسانُ ما أمكنه ، فإن لذلك تأثيرًا عجيبـًا في دفع البلاء ، ودفع العين ، وشر الحاسد ، ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديمـًا وحديثـًا لكُفي به .
                            فما حَرَسَ العبدُ نعمة الله عليه بمثل شُكرها ، ولا عرَّضها للزَّوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله تعالى ، وهو كُفرانُ النعمة ، وهو بابٌ إلى كفران المُنْعِمِ .





                            السبب التاسع : وهو من أصعب الأسباب على النفس ، وأشقها عليها ، ولا يُوفَّق له إلا من عظُم حظُّهُ من الله تعالى ، وهو إطفاءُ نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه ، فكلما ازداد أذى وشرًا وبغيـًا وحسدًا ازددْت إليه إحسانـًا ، وله نصيحة ، وعليه شفقةً .
                            وما أظُنُّك تُصدِّقُ بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه ، فاستمع الآن إلى قوله عز وجل : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(فصلت/34 - 36) .
                            السبب العاشر : وهو الجامع لذلك كله ، وعليه مدارُ هذه الأسباب ، وهو تجريدُ التوحيد ، والتَّرَحُّلُ بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم ، والعلمُ بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح ، وهي بيد مُحركها ، وفاطرها وبارئها ، ولا تضرُّ ولا تنفعُ إلا بإذنه ، فهو الذي يُحسنُ عبدُهُ بها ، وهو الذي يصرفها عنه وحدهُ لا أحد سواه ، قال تعالى : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ)(يونس/107).

                            والحاسد صاحب معصية عظيمة ، فقد قال بعض السلف : " الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء ، يعني حسد إبليس لآدم - عليه السلام - ، وأول ذنب عصي الله به في الأرض ، يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله " .
                            كما أن الحاسد لا ينقطع همه .
                            قال بعض الأدباء : " ما رأيت ظالمـًا أشبه بمظلوم من الحسود ، نَفَسٌ دائم ، وهَمٌّ لازم ، وقلبٌ هائم " .


                            والحاسد مسيء للأدب مع الله سبحانه وتعالى .


                            قال الشاعر :


                            يا حاسـدًا لـي على نعمـتي أتدري على مَنْ أسأت الأدبْ ؟
                            أسـأت علـى الله في حُكمـه لأنك لم تـرضَ لي ما وهبْ
                            فأخـزاك ربـي بأن زادنـي وسَـدَّ عليك وجـوه الطلبْ

                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • #29
                              داء العجب


                              اعلم رعاك الله أن العجب مذموم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً)[التوبة:25] وقال عز وجل : ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا )[الحشر: 2]فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم . و قال تعالى : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) [ الكهف : 104]. وهذا يرجع أيضا إلى العجب بالعمل وقال صلى الله عليه وسلم : " ثلاث منجيات وثلاث مهلكات ، فأما المنجيات فتقوى الله في السر والعلانية ، والقول بالحق في الرضا والسخط ، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات فهوى متبع ، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن " .



                              وقال صلى الله عليه وسلم : " بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . " قوله : يتجلجل في الأرض أي ساخ فيها .
                              وقال ابن مسعود : الهلاك في اثنتين : القنوط والعجب .
                              وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمير ، و الإنسان القنوط لا يسعى ولا يطلب ، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وظفر بمراده فلا يسعى ، وقال الله تعالى : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) [البقرة:264] . والمن نتيجة استعظام العمل وهو العجب .



                              00 بيان خطر داء العجب 00
                              ===============
                              إن خطر داء العجب عظيم فإنه يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر آفات كثيرة لا تخفى، هذا مع العباد، وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى إهمال الذنوب ونسيانها ، فلا يحدث لها توبة ويستعظم أعماله وطاعاته ويمن على الله بفعلها ، والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ ، ويمنعه عجبه عن سؤال أهل العلم فهذا وأمثاله من آفات العجب ، فلذلك كان من المهلكات .ومن أعظم الآفات التي تدخل على المعجب أن يفتر في العمل الصالح الذي هو سب النجاة لظن المعجب أنه قد فاز ، وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح، نسأل الله العظيم حسن التوفيق لطاعته .
                              وبسبب هذه الآفات المهلكة التي تنتج عن العجب كان السلف رضي الله عنهم يحذرون منه أشد التحذير، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:لو كان العجب رجلا لكان رجل سوء.وكان يحيى بن معاذ يقول :إياكم والعجب فإن العجب مهلكة لأهله،وإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ورأى محمد بن واسعولده يختال فدعاه وقال:أتدري مَن أنت؟ أما أمك فاشتريتها بماتي درهم،وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثلَه.

                              وقال ابن عوف رحمه الله:


                              عجبت من مُعجبٍ بصورته وكان بالأمس نطفةً مَذِرة
                              وفي غدٍ بعد حُسْنِ صورته يصير في اللحد جيفة قذرة
                              وهـو على تِيهه و نَخْوَته ما بين ثوبيه يحمل العذرة

                              00 بيان علاج العجب على الجملة 00
                              ===================
                              اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده وعلة العجب الجهل المحض ، أي جهل العبد بنفسه وبربه عز وجل فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل ، فالعجب إما بالعلم أو المال أو النسب وكل ذلك بفضل الله عز وجل ومنه ، قال تعالى :
                              ( وما بكم من نعمة فمن الله ) [ النحل : 53)]وقال تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) [ النساء : 79] والحسنة في الآية هي النعمة، والسيئة هي المصيبة ، وأعظم النعم هي نعمة الهداية والتوفيق للعلم والعمل فمنشأ العجب هو الجهل وكفران نعمة الله عز وجل على العبد قال تعالى : ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدا)
                              [النور: 21).



                              و العبد مهما بلغ في العلم والعمل فإنه لا يدخل به الجنة حتى يتغمده الله عز وجل برحمته كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وأفضلهم لأصحابه وهم خير الناس : " ما منكم من أحد ينجيه عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " .
                              قال بعضهم : لا تغتر بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ، ولا تأمن من الذنوب فإنك لا تدري كفرت عنك أم لا ، إن عملك كله مغيب عنك . أما المال فليس للعبد فضل فيه بل هو محض فضل من الله عز وجل وقد أخبر الله عز وجل عن الكافر الذي أعجب بماله فقال : ( أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ).
                              [الكهف : 34] .




                              وقال عن قارون : ( إنما أوتيته على علم عندي ) [ القصص : 78]وأخبر الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]. وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية ـ أي كبرها ـ كلكم بنو آدم وآدم من تراب ".
                              فحري بالعبد أن يتذكر دائما نعم الله تعالى عليه وأن هدايته وتوفيقه للعمل إنما هو محض فضل وإنعام من الله تعالى وليس للعبد في ذلك نصيب،وأن يخاف من سيئاته أن توبقه وتهلكه ،نسأل الله الكريم أن يطهر قلوبنا من كل ما لا يرضيه.

                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • #30
                                الفجور فى الخصام


                                يقول تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ .
                                سورة البقرة ~ 204



                                تفسير الأية :

                                إبن كثير : وقوله " وهو ألد الخصام " الألد في اللغة الأعوج" وتنذر به قوما لدا " أي عوجا وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه بل يفتري ويفجر كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر "

                                الجلالين : وهو ألد الخصام" شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك ..

                                الطبري : الألد من الرجال : الشديد الخصومة (...) , ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وهو ألد الخصام } يقول : شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل , وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة .


                                00 تعريف الفجور في الخصومة 00
                                ====================

                                الفجور في الخصومة هو المضي في كل السبل غير المشروعة ضد شخص إختلفنا معه في أمر ما .

                                بين يدي الأية :

                                قتل شاب أخاه بسبب بيضة كان ينوي أن يأكلها .. و تخاصم الشابان فقط لأن أحدهما قال أنه لا يعجبه رونالدو .. و رمت الزوجة زوجها في السجن لأنه أراد أن يعف إبنته .. وقتل المراهق كل عائلته لأن والده رفض أن يعطيه المال ليسافر إلى ليبيا .. و القائمة طويلة ..
                                هذه قصص واقعية و ليست من وحي الخيال تبين المستوى الذي وصلنا إليه عند إختلافنا .. حيث أصبحنا و كأننا ننتظر ابسط سبب لنهجم على الأخرين و نحاول الإضرار بهم فقط لأنهم خالفونا الرأي .. فنبحث عن أي شيء يسوؤهم و لا نترك أي وسيلة للثأر منهم فقط لأنهم قالوا أن وجهة نظرهم لا تتوافق مع وجهة نظرنا .. فتمزقت الروابط الأسرية .. و تقطعت الروابط الأخوية بين المسلمين .. و تناثرت الصلات بين المجتمعات .. فأصبحنا أعداءا ما لم تتطابق أراؤنا .. و لن نرى هذا الذي أمامنا سوى من نظارة سوداء بعد أن كنا نراه أخا طيبا .


                                علاج المشكلة :

                                على الإنسان أن يترك التسرع , و أن يعي أن الناس مختلفين , و أن الإختلاف رحمة في شريعة الله فما بالك بوجهات نظر البشر , و أن يجعل شعاره في الحياة : الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية .. و الأهم من هذا كله أن نحكم الشرع و أن نجعله الضابط لتصرفاتنا .. فهي أولا و أخيرا قضية أخلاق و تعاملات محاسبون عليها .


                                سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين

                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X