إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

بحث رائع وهام جدا مش هتقدر تغمض عنيك

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • #16
    وزر، يزر، وزرا فهو وازر (راجع في معجمك العربي مادة "وزر") يعني حمل ما يقل ظهره، ومنه في القرآن: {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (15) سورة الإسراء
    أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل نفس بما كسبت رهينة. ومنه "الوزر"، أي الحمل الثقيل، كما في قوله عز وجل: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (4) سورة محمد، أي أثقالها من سلاح وعتاد. واستعمل الوزر مجازاً بمعني الذنب، لأنه يثقل ظهر صاحبه يوم القيامة، كما في قوله عز وجل: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (100) سورة طـه.

    وقد سقط من المعجم العبري - الآرامي الجذر السامي "وزر". إلا في لفظ واحد هو "وزار" التي وردت اسما علماً في الأصل العبراني لأسفار التوراة على مجازها العربي بمعني "موزور" أي راكب الوزر(راجع الترجمة العربية لسفر الأمثال 21/8)، لم ترد في التوراة إلا في هذا الموضع، وبقيت في العبرية المعاصرة بمعنى الخاطئ الآثم، يفسرها علماء العبرية بردها إلي الجذر العربي "وزر".

    أما "الوزر" على أصل معناه في العربية، أي الحمل الثقيل، فهو في العبرية - الآرامية "طورح"، أخذاً من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، أي حمل ما يثقل ظهره، فهو المقابل العبري - الآرامي للجذر العربي "وزر". ولا تستعمل عبرية التوراة من الجذر "طرح" إلا "طورح" بمعني الحمل الثقيل، أي الوزر، وإلا صيغة "هفعيل"(وهي صيغة "أفعل" العربية المتعدية بالهمزة) فتقول" هطريح" بمعني "أوزره"، أي حمله ما يثقل ظهره.

    "طارح" إذن (أي "تارح" كما مر بك)، إن اشتققتها من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، معناها "الوازر" على التطابق، لا على المجاز بمعني الموزور راكب الوزر، وإنما على الأصل بمعني الحمول المحمل.
    أما لماذا ترجم القرآن اسم أبي إبراهيم إلي "آزر"، ولم يترجمه إلي "وازر" فهذا من دقيق القرآن كما سترى.

    **********

    "الأزر" عربيا ليس أصل معناها "القوة" كما وهمت بعض المعاجم (منها "المعجم الوسيط" الذي سكت عن تعريف "الأزر" بأنه "الظهر"، وعرف "الأزر" بأنه "القوة"، مستدلا بالقرآن {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31) سورة طـه، وهي على الضد من قوله)، وإنما أصل معناها "الظهر". والظهر يكنى به عن القوة، لا العكس. والإزار منه، لأنه يشد به على الظهر، أي على "الأزر". وأزر الزرع بمعني التف فقوي بعضه بعضا، يعني "تظاهر"، فكان بعضه لبعض "ظهيراً". وآزره مثله. ومنه أيضا "أزره" بمعني دعمه وقواه، أي كان له ظهراً، وآزره يعني كان له ظهيرا مظاهرا. وأزره أيضا يعني ألبسه الإزار، وأزر هو ، بكسر الزاي، فهو "آزر" (بفتح الزاي كاسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني لبس الإزار، ومنه "حصان آزر" يعني حصان أبيض العجز ومقاديمه غير بيض، وكان بياض عجزه على خلاف مقاديمه" إزار" ائتزر به.

    أما أن "الأزر" معناه "الظهر"، لا القوة، فهذا يتضح لك من قوله عز وجل على لسان موسي: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31:29) سورة طـه، والمعني "أشدد به ظهري"، لا "أشدد به قوتي" كما وقع في بعض التفاسير، وكما وقع في المعجم الوسيط استشهادا على معني "الآزر" بأنه القوة. وليس بشئ: القوة تشدد ولا "تُشَد" الثلاثي المجرد غير المضعف، حين يتعدي بذاته كما في الآيات التي تلوت توا. يقع على المادي ولايقع على المعنوي، ويكون بمعني الربط والإيثاق والإحكام: تقول شد الإسار، وشد العقدة، وشد العضد، وشد الرحال، وشد المئزر، وشد "الأزر"، أي الظهر، لا معني للقول بخلافه.

    وقد فسر القرطبي رحمه الله "الأزر" بمعني "الظهر" في تفسيره للآية 31 من سورة طه، فارجع إليه.
    والوزر من "الأزر" قريب، لا في مادته فحسب، ولكن لأن "الوزر" بمعني الحمل الثقيل لايكون إلا على "الظهر"، أي على "الأزر". تجد هذا فصيحاً بيناً في قوله عز وجل، يسلي بها نبيه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} (3:2) سورة الشرح، بل لا يمكن لك تفسير قول العرب "وزر إليه" بمعني لجأ واعتصم، ومنه "الوزر" بفتح الواو والزاي في قوله عز وجل: {كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (12:11) سورة القيامة، إلا أن تقول إن "الوزر" لغة في "الأزر" بمعني الظهر يركن إليه، أبدلت فيه الواو من الهمزة، وهو كثير الوقوع في كلام العرب، من مثل (أزف/ وزف) و (أكد / وكد) وغيره كثير. كما تجده في قوله صلي الله عليه وسلم لبعض تلك النسوة: " ارجعن مأزورات غير مأجورات"؛ وكانه يريد "موزورات" فهمز، أو كأن "وزر" و "أزر" سيان، أو كأن "المأزور" هو " المحمول على أزره" ، أي على ظهره، كما تقول "مكبود" ، "مبطون" ، "معيون" فيمن اعتل كبده وبطنه وعينه. والقياس من هذا – وإن لم يسمع من العرب- أن تقول "أزره" بمعني "أوقر أزره" (أي ظهره).

    و"أزر" ( اسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني موقر الظهر مثقله: إنها نفسها "الوازر" حامل الوزر، على أصلها لا مجازها، أي الحمول المحمل. وهو نفس معني "طارح" العبرية - الآرامية. وقد عدل القرآن عن "وازر" إلى "آزر" دفعا لشبهة فهمها بمعني الآثم الخاطئ (وهي "وزار" العبري كما مر بك)، وليست "طارح" أو "تارح" كذلك . وعدل أيضا عن استبقائها معربة على أصلها العبري - الآرامي "تارح" أو طارح"، لأن "تارح" تشتبه في العربية بمعني" المحزون" الترح، و "طارح" تشتبه في العربية بمعني "الطريح" المنبوذ، وليست أيضا "تارح" أو "طارح" في العبرية - الآرامية كذلك، على ما مر بك من منهجنا في تفسير أسباب عدول القرآن عن تعريب العلم الأعجمي إلي ترجمته.

    أما اشتقاق "طارح" (تارح في التوراة) من الجذر العبري "طرح" بمعني" حمل" ما يوقر ظهره، فهو عندي على الوزن "فعال" - وهو وزن في العبرية والآرامية يدل على الفاعل يكثر منه الفعل - فكان حقه أن يكون"طراح". ولكن الذي يجب أن تعلمه، وعلمه القرآن من قبل، أن هاتي اللغتين لا تجيزان تشديد الراء، وتستعيضان عن تشديد الراء بمد حركة ما قبلها ، فتؤول "طراح" إلي "طارح" (تارح في التوراة)، كما قالوا في "حراش" (أي الحراث) "حارش" ، يعني الحارث الذي يمتهمن الحراثة.

    ********

    لا سبيل أمامك إلي تفسير "تارح" البابلية (اسم أبي إبراهيم في التوراة) إلا بردها إلي "طارح" العبرية - الآرامية، أبدل البابليون من طائها تاء. ولا ترجمة إلي العربية لهذا الاسم البابلي أدق من "آزر" التي في القرآن، بمعني "الوازر" على أصلها، لا مجازها.

    ولا حرج على القرآن صاحب اللغة - على نحو ما رأيت في "صراط" و"قسطاس" - أن يشتق من الجذر العربي الأصيل مادة لم تسمع قبله من العرب، لاسيما في ترجمة الأسماء الأعلام كما مر بك في "إدريس"، بل في هذا إشارة إلي "عجمة" صاحب الاسم العلم.

    قد أصاب القرآن إذن في "آزر"، وسفه خصومه. فهل رغمت أنوف؟

    جهل خصوم القرآن معني اسم أبيهم "تارح"، وما زالوا يجهلونه، وعلمه القرآن. فأي إعجاز وأي علم؛
    كان أولي بالذين طعنوا على القرآن في "آزر" أن يتعلموا منه، ولكنهم لم يفعلوا، وصدق الحق سبحانه إذ يقول في تقريعهم: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.


    (2)
    إبراهيم


    "إبراهيم" في القرآن هي تعريب "أبراهام" في التوراة.
    ويقول سفر التكوين إن إيراهيم كان اسمه "أبرام" (المشتقة على المزجية من آب+رام بمعني"ابو العلاء") وظل اسمه كذلك حتى كان ابن تسع وتسعين سنة فسماه الله "أبراهام" (إبراهيم في القرآن).
    وعلماء التوراة يشتقون "أبراهام" هذه على المزجية من (آب+راب+هام)، حذفت الباء التي في "راب" للمزجية استثقالا، وخفف المد الذي في "آب" للمزجية أيضا، فأصبحت (أب+را+هام)، أي "أبراهام".
    أما معني "أبراهام" هذه عند علماء التوراة فهم يرون أن "راب" ها هنا يعني "كثير" وأن"هام" يعني "جمهور". ومن ثم فهذا الاسم يعني عندهم (أب+كثير+جمهور)، يريدون "أبو جمهور كثير".
    وقد تورط علماء التوراة في هذا التفسير اتباعا لسفر التكوين (تكوين 17/5) الذي أراد أن يكون معني"أبراهام" أباً لجمهور من الأمم (آب - هامون - جوييم)، نبوءة من الله عز وجل لإبراهيم بكثرة النسل. فألزم بها سفر التكوين علماء التوراة من بعده.

    ولكنك تستدرك على علماء التوراة هؤلاء متسلحا بنحو اللغة العبرية ذاتها ومعجمها، فتقول إن "راب" التي في آب+راب+هام (أب+كثير+جمهور) لا يصح عبريا أن تفهم في هذا الاسم على الصفة بمعني "كثير"، لأن المفرد (الأب) لا يوصف بالكثرة، فلا يجوز لك أن تقول "أب كثير". ولا يصح عبريا أيضا أن تكون "كثير" هذه صفة لما بعدها (الجمهور)، لأن الصفة لا تتقدم الموصوف، كما في العربية سواء بسواء. ولا يصح في عبرية التوراة كذلك - وإن صح في العربية - إعمال الصفة فيما بعدها، كأن تقول"أب كثير الجمهور". أقرب من هذا إلي الصواب أن تقول في "راب" العبرية هذه أنها صفة بمعنى"كبير" (وهو من معانيها في العبرية) تصف بها "الأب" على التوقير والتمجيد، فيكون المعني "أب كبير لجمهور". وليس هذا هو الذي يريده سفر التكوين، فهو يريد الكبر والكثرة للجمهور لا للأب، بدلالة تفسيره الاسم بقوله: "أب لجمهور من الأمم".

    أما الشديد النكر، فهو أن "هام" العبرية هذه لا تعني البتة "جمهور" كما أراد سفر التكوين وتابعه عليها من بعده علماء التوراة، وإنما معناها في العبرية "الناس" (راجع المعجم العبري"هملون هحداش لتناخ" )، أخذا من ضمير الجماعة العبري"هيم" (بإمالة الألف) وهي "هم" العربية.

    من هنا يتضح لك أن المعني الأقرب إلي الصواب عبريا في "أبراهام" هو فهمه بمعني "أب كبير للناس".
    ولكنك تعلم من العبرية أيضا أن "راب" على الإسمية لا الصفة، تعني "الرئيس"، "السيد"، "المعلم"، "الإمام". ومنها "الرباني" على ما مر بك في تضاعيف هذا الكتاب.ومنها في العبرية المعاصرة قولهم على النداء توقيراً: موري وربي؛ أي معلمي وأستاذي؛ إنها إذن الأستاذ الإمام.

    عندئذ تقطع غير ملتفت إلي تفسير سفر التكوين وعلماء التوراة، بأن "أبراهام" إنما تعني في لغة صاحب هذا الاسم العلم: إمام الناس. وهي عبريا "راب+هام"، لا تحتاج في أولها إلي "آب". ولكن بقيت "آب" مضافة غلي الاسم على الراجح عندي، دلالة على الانتقال بالاسم من (آب+رام) إلي (آب+ راب+ هام) على وجه الحشو المؤكد، لأن في "آب" من معني الإمامة بعض ما في "راب".

    وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني إبراهيم بالمرادف في قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن كما ستري.

    *********

    تكلم مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 124 من سورة البقرة) في معني اسم إبراهيم. منهم من أنصف فاكتفي بالقول بعجمته (الماوردي)، ومنهم من تصدى لتفسيره (ابن عطية) فقال إن معناه من السريانية هو "الأب الرحيم"، مؤكداً أن "رهيم" في السريانية معناها "رحيم" في العربية، فتندهش كيف تورط فيها الرجل على جلال قدره وعلمه، وليس في السريانية بالطبع من هذا شئ، بل ولا في الآرامية والعبرية، ولا تدري أيضا أي شقي في نواحي العراق دسها عليه، إلا أن يكون "هنديا" تسربل في ثياب السريان، ينطق حاءهم هاء!

    وعلل بعضهم سبب التسمية (السهيلي) بقوله في معرض التشابه القوى بين السريانية والعربية: (ألا تري أن "إبراهيم" تفسيره "الأب الرحيم"؟ لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلي يوم القيامة. وهذا - فوق سماجته - ضعيف، تشم فيه من قريب رائحة النقل عن أهل الكتاب من الملتين، وعندهم أن "الأبرار" يذهبون إلي حضن إبراهيم وسارة.

    بل ليس البر والرحمة هما أعظم مناقب إبراهيم عليه السلام، حتى يتكلف اشتقاق هذا الاسم منهما. وإنما كانت كبرى مناقبه عليه السلام، بشهادة الله عز وجل، أنه إبراهيم الذي وفي:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (37:36) سورة النجم.

    والطريف أن القرطبي رحمه الله تحمس للرؤيا الطويلة عن سمرة، وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس.

    وليس في هذا الحديث أيضا - وإن صح - ما يشهد لتفسير اسم إبراهيم بمعني الأب الرحيم، وإنما هذا هو ما أسميه "التفسير بالتخمين"، أو "التفسير بالفراسة": تسقط صورة في ذهنك على شخص صاحب الاسم العلم، ثم تستخلص من هذه الصورة التفسير الذي تريد، لا تكلف نفسك مؤونة تأصيل مبني الاسم ومعناه في لغة صاحبه.

    شبيه بهذا التفسير بالتخمين أو التفسير بالفراسة، ما تقرؤه في بعض التفاسير، وأيضا في بعض المعاجم، التي تقول لك إن لفظة "أمة" حين يوصف بها إنسان، تعين "الرجل الجامع لخصال الخير" يستشهدون لها بقوله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل، وليس هذا من اللغة في شئ. وإنما الأمة هنا يعني الإمام.

    ********

    شغل إبراهيم عليه السلام - وهو بعد صغير - بالنظر في النجوم، يطلب الحق المبين، فهداه الحق إلي الحق. انبرى وحده في قومه يدعو إلي الواحد، فابتلي بكفر أبيه آزر، ينحت الأصنام ويبيعها للناس، كالساخر بدعوته. لم يكن أبوه ردءاً له، وإنما كان حرباً عليه، يستغل سلطان الأبوة في إسكات الدعوة: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (46) سورة مريم،ولم يزد هذا إبراهيم بأبيه إلا براً: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (47) سورة مريم.

    وكاد لأصنامهم في غفلة منهم، ليريهم على أعين الناس أن الإله الذي لا يدفع الضر عن نفسه، لا يدفع الضر عن غيره، أو يضره. لكنه بفعلته هذه لم يهتك ستر أصنامهم فحسب، وإنما هتك ستر كهنتها وسدنتها، الذين يعلمون من قبل أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنهم يعللون بها المستضعفين ويسوسون الدهماء. هنا برح الخفاء ولم يعد يصح السكوت، فكان جزاؤه من أبيه وقومه أن يحرقوه بالنار، انتصارا لآلهتهم وكيلا يفتتن به الناس. أسلم إبراهيم أمره لله، فقد علم هو من قبل أن الله حسبه، وإذا النار على إبراهيم برد وسلام، فالنار لا تحرق مؤمنا، ناهيك بخليل الرحمن.

    ولكن القلوب تعمي عن الآية الكبرى، فاعتزلهم وما يعبدون من دون الله، لم يؤمن له منهم إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، فخرج بهما مهاجرا إلي ربه، لا شيعة ولا أتباع ، يرجو رحمة ربه في نسل صالح يعينه على أمر الله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100:99) سورة الصافات، ولكن العزيز الرحيم يبتلي إبراهيم فيرجئ الاستجابة إلي وقتها المكتوب عنده، ويصبر إبراهيم حتى يأتي أمر الله، لا يضار الزوجة التي صبرت ووفت، حتى جاوز الثمانين، فيولد له من هاجر بكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستا وثمانين، كما تقرأ في سفر التكوين (تكوين 16/16)، وعززه القرآن بقوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    فهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كيف، وهو عز وجل يريد لإبراهيم أن يكون المثل الأعلى لاصطبار المؤمن وإذعانه لأمر الله؟

    ما أقر الله عينه بإسماعيل حتى ابتلاه فيه، فأمره بفراقه فطيما تحمله أمه، ليضعه في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا طعام. ولكن إبراهيم يمضى لا يلتفت وراءه تاركا فلذة كبده عن أمر الله، لا ينفطر ولا يجزع، فقد علم هو من قبل أن الذي خلق وهدي هو الذي يطعم ويسقي: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } (79:78) سورة الشعراء. فأي طاعة، وأي إيمان!

    لم يخلق الله إسماعيل ليؤنس أباه في شيخوخته، وإنما خلقه ليكون شجرة إيمان أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، ألقيت بذرتها في واد أصم، يراد له بعد نحو أربعة وعشرين قرنا حمل لواء الدعوة الخاتمة والبلاغ المبين. ويشب الغلام بعيداً عن أبيه، ويمتثل إبراهيم، أفهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كلا. ما أن يبلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز إبراهيم تسعا وتسعين، حتى يجئ "البلاء المبين": يؤمر إبراهيم بذبح ابنه بيده، ويا لهول ما يؤمر... لأهون عليه أن يذبح نفسه بيده ولا يري ابنه يشك بشوكة تدميه. ولكن الله هو الآمر، والمأمور هو إبراهيم الذي علمت، ويمتثل إبراهيم. أفيتأبى إسماعيل على أمر الله، يضاعف على أبيه المحنة فيستغيثه الأبوة ويناشده الرحمة؟ فما علمك بير إسماعيل أباه؟
    كلا، بل يخفف عن أبيه البلاء، فيستحثه ويستنجزه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، لا يصطنع البطولة، وإنما يقدم المشيئة، مسلماً وجهه لله، فأي أب وأي ابن...

    تهيأ الابن للذبح، وتهيأ الأب لإجراء السكين، فقيل له قف... قد أتممت... فلم ير إبراهيم في المنام إلا أنه "يذبح" ابنه، لا أنه "ذبحه" بالفعل. وهذا هو معني قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (105:103) سورة الصافات.

    وإلي هنا تم بلاء إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} (106) سورة الصافات. بلاء لم يمتحن به قط إيمان رجل من قبل ومن بعد.

    أما "جزاء المحسنين"، فقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } (110:108) سورة الصافات، وأيضا بشراه بإسحاق يثني به إسماعيل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، وبارك الله على إبراهيم وآله، فصارت جزءاً من "تشهد" المسلم في كل صلاة.

    وكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (131:130) سورة البقرة، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (125) سورة النساء. وكان حق إبراهيم على الله عز وجل أن يستجيب دعوته في الملة الآخرة: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (128) سورة البقرة، فيكون إمام المذهب والطريقة، أي الملة: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} (78) سورة الحـج.

    كان إبراهيم المثل الأعلى للمسلم الحق، يسلم أمره كله لله. وكان إبراهيم المثل الأعلى للمؤمن الحق، تنهد الجبال ولا يتزعزع له إيمان. فكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل.

    قالت بعض التفاسير، كما قالت بعض المعاجم، إن لفظ "الأمة" هنا يعني "الرجل الجامع لخصال الخير"، وليس هذا من اللغة في شئ كما مر بك: لا يجوز للغوي الحاذق أن يشتق المعني بعيدا عن أصل المادة اللغوية، أي بعيدا عن المعني الرئيسي للجذر الثلاثي المشتق منه. ولا يجوز لغة التفسير بالحدس والفراسة، إن اصبت مرة فقد أخطأت مرات، بل يكون الجذر الثلاثي للمادة اللغوية هم إمامك. ليس في مادة الجذر العربي أ/م/م شيء يفيد الجمع بين خصال الخير، وإنما كل ما في العربية بألف وميم مضعفة أو مكررة يدور حول معني الأم التي ولدت، والأم بمعني المثابة، يثاب إليها، والأم يجتمع إليها صغارها، والأم يتبعها ولدها. والأمة في الآية اسم من هذا، إنه "القدوة" وزنا ومعنى.

    ********

    كان جزاء إبراهيم الذي وفى - وقد اجتاز البلاء المبين - أن جعله الله عز وجل إماما للناس:
    {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، وهذا هو المعني الدقيق لاسم إبراهيم (إمام الناس) الذي لا يصح في العبرية غيره كما مر بك، وتلك هي مناسبة الانتقال باسمه من "أبرام" إلي "أبراهام" يوم التمام، باجتياز "البلاء المبين".

    ولكنك لا تقرأ في سفر التكوين شيئا يعلل لك سبب العدول باسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام" وهو عندئذ ابن تسع وتسعين، دون أسباب أو مقدمات، إلا إرادة الوعد بكثرة النسل... "ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا".

    فسقط أبرام على وجهه. وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في الأصل العبراني). لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما.وملوك منك يخرجون" (تكوين 17/1-6). أما العهد الذي يلتزم به إبراهيم لقاء وعد الله إياه بكثرة النسل فهو (عهد الختان): "وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم" (تكوين 17/9-11)" فيكون عهدي في لحومكم عهدا أبديا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تكوين 17/13-14).

    في هذا اليوم أيضا، وفي مناسبة تعديل اسم أبرام إلي أبراهام، عدل الله كذلك كما يقول سفر التكوين، اسم زوجته من "ساراي" إلي "سارة": "وقال الله لإبراهيم ساراي امرأتك منها ابنا وأباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون"(تكوين 17/15-16). (حاول علماء التوراة المغايرة بين معني"ساراي" ومعني "سارة" ليبرروا تعديل التسمية، فقالوا غير جازمين أن الأولي من المساورة والمغالبة والثانية من السراوة والشرف. أما "سارة" فهي عبريا من الجذر "سرر" وكافئه العربي سرا / يسرو/ سرواة، فهي "سرية" بمعني "أميرة". وقد بقي من هذا في عربية المماليك في مصر المتأثرة برواسب آرامية لفظة "سارعسكر" أي أمير الجند)

    في هذا اليوم أيضا كان البشرى الأولى لإبراهيم بابنه إسحاق. هذا يتفق مع القرآن الذي يجعل توقيت البشرى الأولى بإسحاق تعقيبا على اجتياز إبراهيم اختبار "البلاء المبين"، كما تجد في قوله عز وجل لحظة فداء إسماعيل: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112:107) سورة الصافات.

    ولكن الكاتب يسقط عمدا من هذا السياق "اختبار الذبح"، لأنه يريد شرف هذا "البلاء المبين" لإسحاق، لا لإسماعيل، وإسحاق لم يولد بعد، فيرجئ الحديث عن هذا إلي أن يولد إسحاق. فيجئ الكلام مقطوعا عن سياقه، ولا تفهم وجه التناسب بين "عهد الختان" وبين "تكثير النسل"، ولا بين هذين وبين وجه الضرورة إلي تغيير اسم إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة من أبرام إلي أبراهام، إلا أن يكون معني "أبراهام" هو المنجاب المنسال، ذلك المعني الذي اضطر إليه الكاتب ، فألزمه به علماء التوارة من بعده على خلاف مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.

    ********

    كان إسماعيل يوم تبدل اسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام"، ابن ثلاث عشرة سنة، كما يقول سفر التكوين (تكوين 17/25)، يصح به "القربان" في اختبار الذبح (هذا يقارب عبارة القرآن: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102:101) سورة الصافات).

    وكان جديرا بكاتب سفر التكوين الذي بين يديك أن يتخذ من اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ، مناسبة لتعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أي من "أبي العلاء" إلي "إمام الناس" في الإسلام والإيمان، لحظة أثبت جدارته بهذا الوسام. ولكن كاتب سفر التكوين الذي بين يديك لا يهتم ولا يريده، لأنه يفوت على بني إبراهيم عبر إسحاق هذا الشرف، وإسحاق لم يولد بعد، فنقل "بطولة" اختبار الذبح من إسماعيل إلي إسحاق، كما كان يفعل بعض فراعنة مصر بنقوش أسلافهم: يرفعون اسم الفرعون صاحب النقش الذي يسجل أمجاده، ويضعون مكانه اسم الفرعون البطل "المزيف"، فيفضحهم علماء الآثار حين يكتشفون التدليس. هذا بالضبط هو ما فعله الكاتب. لأنك حين تقرآ له (تكوين 22/2) عبارة: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه...." تتوقع حتما أن تجئ بعدها مباشرة لفظة "إسماعيل"، ولكن الكاتب يضع مكانها بكل ثقة لفظة "إسحاق" ، يكررها في كل مواضع واقعة اختبار الذبح، غير عابئ بذاكرة القارئ الذي قص عليه من قبل أن "إسحاق" لم يكن قط ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وإنما الذي كان ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وظل كذلك حتى مولد "إسحاق" هو بكره "إسماعيل"، فتقطع بأن ثمة أحداً "ذا مصلحة" قد عبث بهذا النص "المقدس"، لأن اختبار الذبح بابن "وحيد" لا يمكن عقلا أن يقع وإسحاق يثني إسماعيل، بل لا يمكن عقلا أن يقع إلا قبل مولد إسحاق، فلا يكون إلا بإسماعيل صاحب لقب "الابن الوحيد" وحده، فتقطع بأن مكان الحديث عن واقعة اختبار الذبح هو هذا الإصحاح السابع عشر نفسه الذي تقرر فيه - جزاء لإبراهيم على اجتيازه هذا الاختبار الفذ - تعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أرجأه الكاتب إلي الإصحاح الثاني والعشرين ريثما يولد إسحاق ويشب.

    ولأن كاتب سفر التكوين يري محقا أن اجتياز إبراهيم البلاء المبين، أي اختبار الذبح، يستحق جزاء يكافئ بر إبراهيم، فقد عقب على واقعة اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) بقوله على لسان الله عز وجل: "من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (تكوين 22/16-18)، يجعل جزاء إبراهيم "كثرة النسل" كما مر بك، ويطنب في أمجاد هذا النسل "المبارك"، وكأنما المكافأة لنسل إبراهيم، لا لإبراهيم نفسه، ينزعها الكاتب عن إبراهيم ويخص بها نفسه وشعبه.

    أما الذي يستوقف النظر، الذي فات الكاتب أن يتذكره، فهو ان إبراهيم عقب اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) لم يكن في حاجة إلي "مكافأة" تكثير النسل، لأنه حصل على الوعد بها من قبل "مجانا"، منحها له الكاتب دون مناسبة، بل دون ابتلاء تطير له النفس شعاعا، حين أراد - وهو يمهد لتفسير اسم إبراهيم - النص على كثرة نسله، فقال في الإصحاح الخامس عشر: "فإذا كلام الرب إليه قائلا: لا يرثك هذا . بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلي خارج وقال انظر إلي السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن بالرب فحسبه له براً" (تكوين 15/4-6) ـ أي قالها الرب لإبراهيم جازما قاطعاً لا تحتاج إلي مزيد تأكيد، فما الداعي للمكافأة بها على اجتياز "البلاء المبين"؟ ثم ينتقل الكاتب إلي الإصحاح السابع عشر، يوم كان إبراهيم ابن تسع وتسعين، يريد توقيت الاسم من "أبرام" غلي "أبراهام"- ولم يولد بعد إسحاق - على ما مر بك فيقول إن الرب تراءى لإبراهيم يكرر له العهد (أي العهد بتكثير النسل) فيقول له: "أما أنا فهو ذا عهدي وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في النص العبراني)، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا وأجعلك أمما" (تكوين 17/4-6). أفلم يؤمن من قبل إبراهيم بالوعد الأول الذي في الإصحاح الخامس عشر، وحسب له ذلك براً، فلم التكرار ولم يحدث من إبراهيم شي ينم عن تشككه في ذلك الوعد؟ وما الذي فعله إبراهيم ها هنا حتى يكافأ عليه بالتلويح من جديد بوعد تكثير النسل، بل ما الذي يبرر علة تغيير الاسم من "أبرام" إلي "أبراهام" فجأة دون مناسبة ودون مقدمات وقد بلغ من الكبر عتيا"؟ أليس ها هنا موضع الحديث عن اختبار الذبح، فيكون تغيير الاسم مكافأة على اجتياز الاختبار؟ ولكن إسحاق لم يكن قد ولد بعد، والكاتب يريد أن يخصه هو من دون إسماعيل بهذا الشرف. ونسي الكاتب أنه في الإصحاح السابع عشر تنبأ لإبراهيم بأنه سيكون له من سارة زوجته ابن (أي إسحاق) منجاب كثير النسل: "وأباركها وأعطيك أيضا منها ابنا. أباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون" (تكوين 17/16)...
    فكيف يصدق إبراهيم الرؤيا بذبح إسحاق صبيا يافعاً لم ينجب بعد؟

    علي أن اقتطاع اختبار الذبح من الإصحاح السابع عشر (كيلا يكون بإسماعيل) ورده إلي الإصحاح الثاني والعشرين (كي يولد إسحاق ويشب)، يترك الكلام في الإصحاح السابع عشر قلقا، إذ لا معني لأن يقال لإبراهيم وهو في سن تسع وتسعين: لا يدعي اسمك بعد أبرام......، أي أن اسم "أبرام" لم يعد يليق بك. فلماذا؟ ما الذي حدث له أو منه في هذه السن كي ينبو عنه اسم "أبرام"؟ إنه بلا شك اجتياز اختبار الذبح، أي البلاء المبين الذي كان بإسماعيل ولم يكن بإسحاق الذي لم يولد بعد. ولكن الكاتب كما مر بك لا يريد ذلك، فماذا يفعل؟ تحايل على سد الثغرة فجعل لتكرمة إبراهيم باسمه الجديد مقابلا يلتزم به في نفسه وولده، وهو عهد الختان. ولكن الكاتب يعلم أن الختان من سنن الفطرة، هدى إليه إبراهيم كما هدى إليه المصريون من قبل. ويعلم أيضا أنه لا معني لربط الختان بكثرة النسل، فماذا يفعل؟ أفتعل للختان رمزاً غليظا، يخرج به عن أصله كقاعدة من قواعد النظافة الجسدية، ليصبح كالوسم، توسم به الماشية علامة على الانتماء والملكية: "أما الذكر الأغلف الذي لا يختن في غزلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه نكث عهدي" (تكوين 17/14), وكان "بولس" - رسول الحواريين إلي أوربا - قد فطن من بعد إلي أن تعليق الدخول في حظيرة إبراهيم على هذا الشرط الغليظ- شرط الختان - كفيل بأن يقطع "نسل" إبراهيم لا أن يكثر نسله كما تقول النبوءة التي في سفر التكوين، فقال بعدم وجوبيته. فعدل عنه المسيحيون جميعا، إلا من ولدوا بأرض ورثت الختان فطرة، ولم ترثه ديانة (شأن المصري المسيحي، على سبيل المثال).

    ولكن المعضلة لا تزال ماثلة أما م الكاتب: ها هو في الإصحاح الثاني والعشرين يوقع اختبار الذبح على إسحاق كما مر بك، فماذا بقي في جعبته من جائزة يكافئ بها بر إبراهيم حين اجتاز بنجاح لا نظير له هذا الاختبار الفذ؟ ليس في ذهنه إلا جائزة "تكثير النسل" يطنطن بها، لا يسأم ولا يمل، ناسيا أن إبراهيم يحمل على صدره هذا الوسام من قبل بمقتضي عهد الختان. ولكن الكاتب لا يعبأ بذاكرة قارئه كما مر بك، فحسبك الله ونعم الوكيل.

    بل ليس في كثرة النسل كم تعلم مجد لأحد، حتى يجازي بها الله بر إبراهيم. فضلا عن أن هذه النبوءة لم تتحقق إن أردت نسل إبراهيم عبر إسحاق، كما قالها سفر التكوين بالنص، خطابا من الله عز وجل لإبراهيم:"بإسحق يدعى لك نسل" (تكوين 21/12).

    ليست أبوة إبراهيم هي أبوة "الناسل"، وإنما هي أبوة "الإمامة". ولو فطن كاتب سفر التكوين - وفطن من بعده علماء التوراة - إلي هذا المعني الجليل في اسم إبراهيم عليه السلام، لعضوا عليه بالنواجذا. ولكن "ألهاهم التكاثر"، عقدة اليهود في كل عصر: أراد الكاتب مجده هو ومجد شعبه - إن كان في كثرة النسل مجد - ولم يطلب مجد إبراهيم، فأراد الأب المنجاب "الناسل"، ولم يرد الأب "الإمام".

    قال المسيح عليه السلام في تقريع هؤلاء. ينص على أبوة الإمامة: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون قتلي. ,و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم" (يوحنا 8/39-40). (ما فتئ المسيح، وكأنما يتنبأ بما سيكون من بعده، ينص على بشريته: إنسان يوحي إليه!)

    وقالها القرآن أيضا فأوجز وأبلغ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} (68) سورة آل عمران.

    وليس بعد هذا شرف لإبراهيم عليه السلام، النبي الإمام، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، وعلي كل من تبعهم بإحسان.
    ... يتبع
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 10:46 ص 0 التعليقات




































    =========================================


    ////////

    الجمعة، 15 يونيو، 2007
    آل إبراهيم
    السلام عليكم...

    "آل إبراهيم"... "لوط" ابن أخي إبراهيم و"إسماعيل" ابنه البكري و"إسحاق" الابن الأصغر هيا بنا نتابع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" ونقرأ كيف فسر القرآن الكريم أسماء هؤلاء الأنبياء.

    مع تحياتي


    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    آل إبراهيم
    ******

    (1)
    لوط

    لوط في التوراة ابن أخ لإبراهيم هو هاران، وإبراهيم (وهاران) ابنا آزر(أو تارح كما تقول التوراة). و"لوط" في القرآن هي نفسها "لوط" في التوراة، لا فرق بينهما في الكتابة، ولا فرق أيضا بينهما في النطق إلا أن لفظة "لوط" العبرية - الآرامية ينطق فيها المد لا بالواو، وإنما بالضم، مثلها مثل "يوم" العربية العامية، أو bought الإنجليزية.

    أما "لوط" العبرية فهي من الحجاب والخفاء والستر، تشتقها من الجذر العبري "لآط / لوط"، وقرينه العربي "لط"، وأيضا "لاط/ يلوط/ لوطاً" ، بمعني ستره وأخفاه، "لوط" العبرية إذن مصدر بمعني الحجب والستر، وأيضا اسم بمعني حجاب.

    إن نطقت "لوط" العبرية مداً بالواو، مثل لوط في القرآن، فهي على زنة اسم المفعول في العبرية، والمعنى محجوب أو مستور، وإن نطقتها مداً بالضم (مثل "يوم" العربية العامية) كما في التوراة، فهي على زنة المصدر في العبرية، والمعني ستر وحجاب. من ذلك في العبرية المعاصرة قولهم عن الشئ غيبه الضباب: "لوط بعرافل" أي "ليط بضباب"، و"عرافل" عبرياً يعني الضباب.

    ********

    في العبرية أيضا "لوط" بنفس نطق اسم نبي الله لوط في التوراة، ومعناها في العبرية "لاذن"، ذلك الصمغ "الراتينجي" الذي يعلك أو يستعمل عطراً أو دواء، صاغته العبرية على الراجح من معنى اللزوق والعلوق الذي بقي في "لط" و "لآط" العربيين ، وضاع من الجذر العبري"لاط/لوط".

    وفي السريانية كذلك "لوط" أخري معناها "فستق" وبعيد أن يكون اسم "لوط" منه، لأن اللغة السريانية لم تولد إلا بعد لوط بقرون وقرون. على أن علماء العبرية لا يفسرون اسم "لوط" باللاذن أو الفستق، وإنما يفسرونه بالستر والحجاب، فهو حجاب أو محجوب، وبهذا المعني نفسه فسره القرآن.

    وغير بعيد أن لوطاً عليه السلام لم يكن هذا اسمه، وإنما شهر به عشية البطشة الكبري بالقرية التي كانت تعمل الخبائث، رمزاً لآية طمس أعينهم عنه، وخروجه من بينهم بقطع من الليل، في "ساتر" الله عز وجل.

    *********

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 80 من سورة الأعراف) فقد قال الكثرة بعجمة هذا الاسم، ولم يتصدوا لتفسيره.ولكن منهم (الفراء) الذي حاول تفسيره من العربية، إلا أنه أخطأ معنى الستر والخفاء الذي في "لاط" العربي، وتعلق بمعني اللصوق والعلوق (وهو الأشهر في "لط", "لآط" العربيين) فقال إنه من قولك "هذا أليط بقلبي" يعني ألصق بقلبي، أي أحب إلي. وهو لم يفطن إلي معنى الخفاء والاستتار في هذا الجذر العربي لأنه بادئ بدء لم يقسه على قرينه العبري، فأخطأ ولم يصب.

    لم يكن بين يدي مفسري القرآن وقتئذ ذلك المنهج الذي هدانا الله إليه بفضل منه ونعمه: تفسير العلم الأعجمي في القرآن بالقرآن. فالحمد لله الذي هدانا لهذا. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    *******

    فسر القرآن اسم "لوط" عليه السلام بأدوات ثلاث: فسره بالتعريب، وفسره بالمقابلة، وفسره أيضا بالسياق العام، أي بالتصوير:
    فسره بالتعريب، لأن "لوط" نفسها تفهم عربيا على أنها اسم فعل بمعني مفعول، من لاط / يلوط / لوطاً، كما تقول مثلا "جعل" بضم فسكون وتعني "مجعول"، من جعل/ يجعل / جعلاً. فهو المستور المحجوب، أي "الذي ليط". وهو تعريب وليس ترجمة ، لأن "لوط" بضم اللام لم تسمع من العرب. ولكنه تعريب مفسر، إن تمعنت.

    وفسره بالمقابلة، أي بالضد من معناه كما مر بك، في مثل قوله عز وجل على لسان لوط: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} (68) سورة الحجر، وفضحة يعني هتك ستره. وأيضا في قوله عز وجل على لسان لوط يزجر قومه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (54) سورة النمل، أي أتأتون الفاحشة علانية لا تستترون؛ وكان الكفرة الفجرة يتلاوطون علنا، لا يستتر بعضهم من بعض، كما أخبر الله عز وجل على لسان لوط في خطاب قومه: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} (29) سورة العنكبوت.

    وفسره أيضا بالسياق العام أو الجو العام الذي توحي به إليك الآيات التي تصور لك لوطاً وهو " يراود" عن ضيفه ولا يملك ما يدافع به إلا أن يفتدي ببناته فلا يقبل منه، ويهمون به ليبطشوا به إلا أن يخلي بينهم وبين ضيفه هؤلاء ليفعلوا بهم ما أرادوا، ويجزع لوط أشد الجزع وقد غلب على ضيفه فيتوجع {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (80) سورة هود ، ولكن ضيفه يهونون عليه {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (81) سورة هود، ولكن الملائكة المكرمين لا يدافعون عن لوط، ولا يبطشون بالكفرة الفجرة ، فلم تحن بعد ساعتهم، بل يضربون بينه وبينهم بحجاب، فتغشي الذين ظلموا الظلمة { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } (37) سورة القمر فيحتجب منهم لوط كما تحتجب الملائكة ، ويضرب الليل بأستاره على القرية المجرمة ، ويمضي لوط في ساتر الليل متبعاً ما أمر به { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} (81) سورة هود، لينجو بسحر { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} (35- 34) سورة القمر، ولا ينجلي الليل عن القرية إلا وقد صبحهم عذاب مستقر {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} (38) سورة القمر، وهلك الظلمة ردما وعميانا {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(72 - 74) سورة الحجر.

    هذا الحجاب المضروب على لوط في إفلاته من بطش الذين كفروا، وفي فراره من القرية الظالم أهلها، حجاب باطنه من قبله الرحمة، وظاهره من ورائه العذاب ، ولذلك قيل له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (65) سورة الحجر، أي النجاة أمامك، وكل ما وراءك هالك ، فاجعلهم وراءك ، ولا تلتفت.

    هذا الجو العام، الذي توحيه الآيات ، سمة يتفرد بها القصص القرآني من دون كل قصص الحدث المروي في القرآن لا يسرد عليك كما يسرد الخير ولكنه - على خلاف ما تجد في التوراة والإنجيل - يبعث لك من غياهب التاريخ حيا نابضا مشخصا، وإذا أنت في قلب الحدث، تسمع وتري، وقد طويت المسافات واستدار الزمن .

    *******

    (2)
    إسماعيل

    "إسماعيل" في القرآن هي تعريب "يشمعيل" العبرية في التوراة.
    وهي في العبرية على المزجية من (يشمع + إيل)، ومعناها الحرفي "يسمع الله".
    وقد مر بك أن العبرية تستخدم المضارع وتريد اسم الفاعل منه، فيكون معنى هذا الاسم "الله سميع"، أو "سميع هو الله".

    وسفر التكوين لا يحدثك بشئ عن مناسبة هذه التسمية، لأن غاية همه بنو إبراهيم عبر إسحاق، لا يهتم لشي من أمر إسماعيل، إلا شذرات تجئ عبر السياق. ولكنك تجد مناسبة هذه التسمية في القرآن.
    فقد مر بك أن إبراهيم عليه السلام، حين انقطع ما بينه وبين أبيه وقومه، خرج مهاجرا إلي ربه يدعوه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100) سورة الصافات، فاستجاب له عز وجل بالبشرى {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (101) سورة الصافات، أي بإسماعيل، لا يصح أن تقول بإسحاق، لأن إبراهيم دعا بها لحظة خرج مهاجرا إلي ربه لا يصحبه إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، دعا بها وهو بعد "فتي يقال له إبراهيم" (راجع الآية 60 من سورة الأنبياء)، عقيم الزوج لم يولد له بعد إسماعيل، بل لم يلتق بعد بهاجر أمه، التي أهداها إليه ملك مصر بعد سنوات من الطواف والترحال، كما تقرأ في سفر التكوين.

    بشر الله عز وجل إبراهيم بهذا الغلام الحليم ولم يستجب له من فوره، وإنما أرجأ الاستجابة إلي أجل مسمى عنده، يبتلي صبر إبراهيم. كان مقدوراً لإسماعيل بكر إبراهيم ألا يجئ من زوجه سارة الآرامية ابنة عمه، وإنما من هاجر المصرية، لينبت في واد أصم غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، كي تقام فيه الصلاة: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} (37) سورة إبراهيم، ولو كانت سارة أم اسماعيل لما ارتضت فراقه، إلا أن تصحب ابنها في مهاجره فتفارق إبراهيم. ولكنه كان ابن ضرتها ، فشجعت ولم تمانع، بل كانت هي التي أوحت وألحت، في رواية سفر التكوين.

    صدق الله إبراهيم وعده ببكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستاً وثمانين، لم يعد بعد "فتي يقال له إبراهيم"، وإنما ولد له إسماعيل وقد بلغ به الكبر، كما تجد في قوله الله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    ويتذكر إبراهيم يوم ولد له إسماعيل دعوة منه سبقت، يوم خرج مهاجرا إلي ربه وحيدا إلا من زوجه وابن أخيه، يسأل ربه النسل الصالح الذي يعنيه على أمر الله، ويذكر ايضا بشرى الله إياه يومئذ "بغلام حليم"، أرجأها الله إلي أجل مسمي عنده وقد نيف إبراهيم على الثمانين، فيعلم فوق علم أن الله عز وجل - مهما طال الأجل - لا يخلف وعده رسله، وكأنه قال بالعبرية، يمجد بها الله: يشمع إيل؛ أي سميع هو الله؛ فسمي بها إسماعيل (يشمع + إيل).

    ***********

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 125 من سورة البقرة) وقد أجمعوا على عجمة "إسماعيل"، فلم يفتهم معنى "السمع" ومعني "الله" في (اسمع + إيل) ولكنهم فهموها بصيغة الطلب على الدعاء، فقالوا إن معنى هذا الاسم هو "اسمع يا ألله" أو "اللهم فاسمع".

    ولا يصح هذا من وجهين: الأول لمخالفته معنى "يشمع إيل" العبرية، التي تفيد حدوث السمع لا طلبه. والثاني لأن الذي يستمع الله دعاءه فيستجيب، لا يقول: اللهم فاسمع، وإنما يقول: قد سمعت يا ألله.

    وهذه هي آفة كل تفسير لاسم علم بغير لغة صاحبه.
    أما إن أردت ترجمة "إسماعيل" إلي العربية ترجمة تصح بها العلمية، فالأقرب إلي الصواب أن تقول "سمع الله"، على التقرير، لا على الدعاء، كما يتسمى الناس الآن بــ "جاد الله"، "جاد الحق"، وأشباههما.

    **********

    ولا ينقضي القول في "إسماعيل"- قبل حسم ذلك الإشكال الذي افتعله جمهرة، من المفسرين (راجع تفسير القرطبي للآيات 101 وما بعدها من سورة الصافات) قول الشخص الذي كان به "البلاء المبين" في القرآن: إسماعيل أم إسحاق؟

    تهيب هؤلاء المفسرون تكذيب التوراة في قولها إن "الذبيح" كان إسحاق بالاسم ، لا إسماعيل، فلم يروا بأساً من متابعة التوراة على هذا القول، لاسيما والقرآن لا ينص على الذبيح بالاسم، ووازنوا بين تكذيب التوراة بغير صريح القرآن وبين رد أحاديث من مثل قوله صلي الله عليه وسلم: "أنا ابن الذبيحين" (إشارة إلي أبيه عبد الله بن عبد المطلب وجده الأكبر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام)، فردوا تلك الأحاديث.

    والراجح عندي أن هؤلاء المفسرين "سمعوا" من أحبار يهود أن التوراة تنص على إسحاق ولا تنص على إسماعيل،
    ولكنهم لم "يقرأوا" تفاصيل ذلك في سفر التكونين نفسه، على ما مر بك في سياق تفسيرنا لاسم إبراهيم عليه السلام، وإلا لخلصوا كما خلصنا نحن من تحليل كلام الكاتب نفسه في الإصحاحات الخامس عشر والسابع عشر والثاني والعشرين إلي أن البلاء المبين ما كان ليصح إلا بإسماعيل، وحيد إبراهيم قبل عام من مولد إسحاق، ولجزموا - كما جزمنا نحن - بأن "إسحاق" هاهنا مقحمة على هذا السفر، مدسوسة من الكاتب أو الناسخ "ذي المصلحة"، وأن تكذيب التوراة في "إسحاق" ليس تكذيباً لله عز وجل فيما أنزل من التوراة، وإنما هو تكذيب لهذا الكاتب أو الناسخ.

    والذي ينبغي التنبيه إليه أن التوراة - شأنها شأن الأناجيل التي بين يديك - ليست كلها باعتراف الكتبة أنفسهم كلاماً من الله عز وجل على رسله وأنبيائه، يتحصن بحجية الشئ الموحى به، وإما يتخللها الكثير- بل الأكثر- من كلام الكاتب و الناسخ، يصح حين يصح، كما تصح أحاديث الرواة، لا أكثر ولا أقل ، لا يرد به حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتأول به قرآن.

    والذي ينبغي التنبيه إليه أيضا أن المسلم - المأمور بتصديق التوراة والإنجيل بمقتضي قوله عز وجل في وصف المتقين {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (4) سورة البقرة - إنما هو مأمور بتصديق ما أنزل الله فيهما فحسب، الذي صدقه القرآن، لا ما زاد فيهما الكاتب والناسخ.

    ويترتب على هذا مباشرة أن مقولات سفر التكوين الذي بين يديك لا ترد فحسب بصريح القرآن، وإنما ترد أيضا بالنقد التحليلي المباشر، على ما مر بك من القول في صحة "حساباته" أو من وصفه "جنة آدم" التي بعدن "شرقاً" أو تفسيره معنى "بابل" بالبلبلة، الخ... لو التزمت تصديق هذا الكاتب في كل مقولاته، فأوجبت على نفسك تصديقه في أن "البلاء المبين" كان بإسحاق لا بإسماعيل، لوجب عليك أيضا تصديقه في شناعات لا تصح في "نص مقدس"، من مثل زني ابنتي لوط بأبيهما على ما مر بك، أو من مثل انخلاع حق فخذ يعقوب (تكوين 32/26) وهو "يصارع" الله عز وجل، في محاولة بائسة لتفسير معنى شهرة "إسرائيل"،وتعليل تحريم بني إسرائيل أكل "عرق النسا" الذي على حق الفخذ.

    أما القرآن لم ينص صراحة على أن "البلاء المبين" كان بإسماعيل، لا بإسحاق، فهذه زلة لا يصح أن يقع فيها مفسر للقرآن جدير بهذا الاسم. يكفيك أن تتلو الآيات من 99 إلي 112 من سورة الصافات، كي تعلم أن إبراهيم عليه السلام بشر غداة خروجه مهاجرا إلي ربه بغلام حليم، وأن هذا الغلام نفسه بلغ معه السعي، فكان به "البلاء المبين"، وأن الله عز وجل عقب على اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ بأن بشر إبراهيم بغلام آخر يولد له، هو إسحاق: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، فكان إسحاق بعض "جزاء المحسنين" الذي جازي به الله بر إبراهيم، ولم يكن هو بداهة الذي كان به البلاء المبين، وإنما كان البلاء المبين بإسماعيل.

    (ربما أحرجت هذه الآية المفسرين الذين قالوا إن الذبيح هو إسحاق، فتمحك بعضهم بتأويلها على أنها بشري بالنبوة لإسحاق الذبيح، ولا يصح هذا من لغوي حاذق، لأن البشري في الآية تتعدي بالياء، فهي واقعة بإسحاق لا بالنبوة. وإنما النبوة والصلاح في الآية وصفان للابن المبشر به).

    ونحن نضيف إلي هذا دليلا آخر من القرآن، وردت "غلام حليم" مرة واحدة في القرآن ( الصافات: 101) وصف بها الله عز وجل الغلام الذي كان به البلاء المبين، لم يخص بها غيره من أبناء إبراهيم، ووردت "غلام عليم" في القرآن مرتين، يخص بها إسحاق بالنص: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} (53) سورة الحجر، {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (28) سورة الذاريات، والمعني في الآيتين هو إسحاق بلا خلاف، أفلا تدلك هذه المغايرة بين "عليم" و"حليم" على أن البلاء المبين لم يكن بالغلام "العليم" (إسحاق)، وإنما كان بالآخر، الغلام "الحليم" الذي في سورة الصافات، فهو إذن "إسماعيل"؟

    كذلك وردت "صادق الوعد" مرة واحدة في القرآن، خص بها الله عز وجل إسماعيل وحده دون غيره من النبين والمرسلين: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} (54) سورة مريم. إلا تجد في هذا إشارة بليغة إلي صدق إسماعيل وعده أبه بالصبر على الذبح إذعاناً لأمر الله حين شاوره إبراهيم في رؤياه {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، حتي "تله للجبين"، فأي صبر كان؛
    كان الذبيح إسماعيل، لا محل للقول بخلافه، ولا مجال للتردد فيه متابعة لقول أهل الكتاب.

    وإذا كان الذبيح هو إسماعيل - إحقاقا للحق لا غير- فليس معنى هذا أن إسحاق أدني منزلة في سلم الأنبياء من إسماعيل، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، بل الكل في كرامة الأنبياء عند الله سواء، وهو أعلم ببلاء أنبيائه حسبك قوله عز وجل في الأنبياء من ذرية إبراهيم، وفيهم إسماعيل وإسحاق {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (90) سورة الأنعام

    ********

    أما التفسير القرآني لاسم "إسماعيل"، وهو "يشمعيل" عبرياً، ومعناه كما علمت "سمع الله" أو "سميع هو الله"، فأنت تجد هذا التفسير في قوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    وتجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم أيضا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.

    *******

    (3)
    إسحاق

    إسحاق (وترسم اسحق في المصحف) هو الابن الثاني لنبي الله إبراهيم عليهما السلام، رزق به من زوجه سارة وقد ناهزت التسعين، عجوزاً عقيماً قد أيأستها السنون، وإبراهيم يومئذ قد بلغ المائة، فكان إنجابهما إسحاق في تلك السن آية من آيات رحمة الله بإبراهيم وأهل بيت إبراهيم: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} (72) سورة هود.

    وإسحاق عليه السلام سمته الملائكة، لم تسمه أمه ولم يسمه أبوه كما يقول سفر التكوين. بل سمت الملائكة أيضا "يعقوب" بن إسحاق، ولم يولد بعد إسحاق. تجد هذا في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (71) سورة هود

    ******

    وقد قالت الكثرة من مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 133 وما بعدها من سورة البقرة) بعجمة "إسحاق" ولم يتصدوا لتفسيره. إلا من شذ فحسبه من العربية، يشتقه من الجذر العربي "سحق" بمعنى بعد أشد البعد. وليس هذا بشئ لأنه يفسر الاسم بغير لغة صاحبه، فلا تلتفت إليه.

    *******

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #17
      "إسحاق" في القرآن هي تعريب "يصحاق" في التوراة. وهي صغية المضارعة في المفرد الغائب من الجذر العبري "صحق"، وقرينه في نهر العربية الجذر العربي "ضحك". و"يصحاق" العبري إذن يعني "يضحك"، لا يراد منه الفعل، وإنما يراد منه الفاعل، ومن ثم معنى "اسحاق"، وهو "يصحاق" عبريا، الضاحك أو الضحوك، وقد سمى العرب بمعناه على المبالغة فقالوا "الضحاك".

      والتسمية بالفعل المضارع يراد منه اسم الفاعل، شديدة الشيوع في العبرية كما مر بك في موضعه: رأيت هذا في "يشمعيل" (إسماعيل)، وتراه الان في "يصحاق"، أي إسحاق. وستجده كثيرا فيما يلي من أعلام التوراة.
      علي أن لهذا نظائر بقيت في العربية كما مر بك، تجدها في أمثال "يزيد" وغيرها من أعلام الأشخاص والمواضع. والأصل في هذا كما مر بك أن الفعل المضارع يفيد الحال كما يفيد الاستقبال، أي "يضحك" وسيظل، فهو "ضاحك" و "ضحوك".

      *******

      أما التفسير القرآني لهذا الاسم العلم، فأنت تجده في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ} (71) سورة هود، أي ضحكت سارة وهي قائمة تخدم ضيف إبراهيم من الملائكة عجبا وحياء وهي تسمع من الملائكة بشري لإبراهيم بمولود يولد منها، وهي في تلك السن عجوز عقيم. وكأن ضحكها كان مناسبة يصاغ منها اسم المولود المبشر فقيل لها أضحكت؟ بشراك إذن "بالذي يضحك"، وهي "يصحاق"، اسم نبي الله إسحاق عليه السلام.

      ********

      وربما قلت فلماذا جاءت "إسحاق" في القرآن بالسين، ولم تجئ على أصلها بالصاد "إصحاق"؟
      قال هذا بالفعل بعض المستشرقين، مماحكة، كدأبهم في معارضة القرآن.
      ولكنك تندهش إذ تعلم أن "يصحاق" هذه تجئ في عبرية التوراة بالسين كما تجئ بالصاد، والصاد أغلب، وأن "سحق" و"صحق" في المعجم العبري صنوان. وفي اللغة العربية تتعاقب السين والصاد مثل "السراط" و"الصراط" وقد قرئ بهما.

      ولعلك تدرك معي أن تتابع الصاد والحاء والقاف في "يصحاق" قعقعة تنبو عنها موسيقي القرآن، لذا فقد عرب القرآن "إسحاق" عن "يسحاق" ولم يعربها عن "يصحاق" عالماً أنه لم يبعد، لوجود كلا الرسمين في عبرية التوراة.

      لا يشاد القرآن أحد إلا غلبه القرآن، وسبحان العليم الخبير.


      ... يتبع


      http://e3gaz1.blogspot.com/
      مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 5:02 م 0 التعليقات






















































































































































      بحث اخر لمؤلف اخر

      الأبحاث المنشورة
      تحتوي هذه الصفحة على الأبحاث المنشورة في المؤتمرات والمجلات العلمية.

      1- لفظتا "عاقروعقيم " ودلالتهما اللغوية في القرآن الكريم ،.
      ألقي في المؤتمر العلمي الثالث(الإعجاز في القرآن الكريم) الذي أقيم في كلية التربية الحكومية بغزة(فلسطسن) في الفترة10-12 صفر 1421هـ/الموافق15017 مايو 200م،وهو منشور في (مجلة الأحمدية - دبي) العددالثامن ،1422هـ- 2001م،ص ص 61- 86.

      لفظتا (عاقر) و (عقيم) ودلالتهما اللُّغوية
      في القرآن الكريم
      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


      ملخص البحث

      يتتبع هذا البحث ورود هاتين اللفظتين في القرآن الكريم ،واستخدامهما اللغوي ، وتأصيل اشتقاقهما ، وما يحمله هذا الاشتقاق من دلالاتٍ ومعانٍ متعددة، سواء كانت هذه المعاني وظيفية أو معجمية .
      وتحاول هذه الدراسة النـَّصية استقراء المادة اللُّغوية (الجذر اللغوي) التي وردت في القرآن بصفة عامة ، والربط بينهما وبين معاني هاتين المفردتين على وجه الخصوص ، واكتشاف الفروق الدلالية بينهما ، إن كان ثـَمَّةَ فروق .
      *****
      نعمة الإنجاب نعمةٌ لا يعادلها شئٌ في حياة الإنسان ذكراً كان أم أنثى. وقد امتن الله على عباده بذلك، وجعلها آيةً من آياته الدالة على قدراته، وهبةً من هباته لعباده. يقول الله تعالى: ]واللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وجَعَلَ لَكُم مِّن أَزْواجِكُم بنينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّن الطَّيِّباتِ[(1) ويقول: ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّن أَنفُسِكُم أَزْوَاجاً لِّتسكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…[(2) ويقول: ]للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكور*أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإنَاثاً…[(3).
      والتناسل سنة الله التي قامت عليها الخليقة بدءاً بآدم –عليه السلام – وابنيه "قابيل" و"هابيل" ، بل هو سنة الله في جميع المخلوقات التي ذرأها في هذا الكون، ولذا عُدَّ هو الأصل، وما عداه خارجٌ عليه.
      ولو تأملنا الأنبياء – عليهم السلام – لوجدنا أن أكثرهم قد رزق بالبنين والبنات، يقول الله تعالى ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنْا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً…[(4)ولم تذكر المرويات التاريخية من الأنبياء الذين لم يُرْزقوا بأبناء سوى عيسى ويحيى – عليهما السلام -(1) .
      وقد حث الإسلام على التناكح ،والتناسل والإنجاب ، والسعي للحصول على الولد .فقال صلَّى الله عليه وسلم : " تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثرٌ بكم الأمم "(2) وقال لا تَزَوَّجُنَّ عاقراً، فإني مكاثرٌ بكم"(3).
      ولذا عُدَّت الرغبة في الأمومة والأبوَّة من المظاهر الفطرية عند الإنسان، ومن مظاهر غريزة النوع لديه بشكل عام، فهي مركوزةٌ في جِبِلَّته، ذاتيةٌ في كيانه .
      وقد استوقفني في القرآن الكريم-وما أكثر ما استوقفني فيه-ورود لفظتين تدوران في هذا الإطار-أعني الإنجاب، ولكن في الوجه المضاد له سلباً، وهما لفظتا (عاقر) و(عقيم)، فرأيت أن أخُصَّهما بدراسة أسلوبية لُغوية، تتتبَّع مواضع ومواقع ورودهما في القرآن، وتتأمل في استعمال النصِّ أو الأسلوب القرآني لهما، وما فيهما من قِيَمٍ صوتية ودلالية، سواء أكان ذلك على مستوى المفردة القرآنية، انتقاءً واختياراً لها دون سواها، أم على مستوى التراكيب القرآنية، خُصُوصيةً وترخُّصاً.
      وقد وردت هاتان اللفظتان في مواضع متعددة من القرآن الكريم، بلغت سبعة مواضع(4) ، منها ثلاثة مواضع للفظة (عاقر)، أولها في قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أنَّى يكون لي غلام وقد بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقرٌ…[(5) ، والموضعان الآخران هما قولـه تعـالى :


      ]وَإِنيِّ خِفْتُ المَوالىَ مِن وَرائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً…[(1)، وقوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أَنَّىا يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً[(2).
      وأربعة مواضع للفظة (عقيم)، أولها قوله تعالى: ]…حَتَّى تَأْتِيهُمُ السَّاعَة بَغْتةً أوْ يأتِيَهُمْ عَذَابُ يَومٍ عَقِيمٍ[(3)، وثانيها قوله تعالى: ]فأقْبَلَتِ امْرأتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[(4)، وثالثها قوله تعالى: ]وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلنَا عَلَيْهمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ[(5)، ورابعها قوله تعالى: ]أوْ يُزَوجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإنِاثاً وَيَجْعلُ مَن يَشَاء عَقِيماً إِنَّهُ عَليِمٌ قَدِيرٌ[(6).
      وهذه المواضع السبعة منها خمسةٌ متصلةٌ بالمعنى الاصطلاحي لهاتين اللفظتين، وهو عدم إمكانية الإنجاب، أمَّا الموضعان الآخران فيدوران حول الجذر اللغوي لمادة (عقم)، مما يعني أن لفظة (عاقر) جاء استخدامها في القرآن بالمعنى الاصطلاحي لها، أما لفظة (عقيم) فقد اسْتُخْدِمَتْ في المعنى اللغوي لها، وفي المعنى الاصطلاحي أيضاً.
      على أنه ينبغي التنويه إلى أن الجذر اللغوي للفظة (عاقر) لم يكن القرآن خِلْواً منه، فقد ورد في خمسة مواضع(7)، كلها جاءت بصيغة الفعل (عقر)، حديثاً عن قوم صالح-عليه السلام-، وما صنعوه في آية الله التي أرسلها إليهم وهي الناقة.
      فأمَّا لفظة (عاقر) ومواضعها الثلاثة في القرآن الكريم، فقد وردت على لسان نبي الله زكريا-عليه السلام-حينما بُشِّر بحمل زوجه منه، وولادة يحيى-عليه السلام-له، على كِبَرٍ منه وعُقْرٍ فيها، أو على شيخوخةٍ فيه وداءٍ فيها، وكلتاهما صفةٌ أو حالةٌ تحول دون الحمل والولادة، أو الإنجاب بصفة عامة.
      وبتتبُّع المواضع الثلاثة التي وردت فيها لفظة (عاقر)، نجد أن القرآن أشار في موضع واحد منها إلى العُقْر مباشرةً ، واستخدم عبارة ]وامْرَأَتِي عَاقِرٌ[، وهنا لم يُبَيِّنْ هل كان العُقْر أيام شباب زوج زكريا أو حدث لها في فترة متأخرة من حياتها؟
      والتعبير هنا بالجملة الاسمية يدل على أن كونَها عاقراً وصفٌ لازمٌ لها، وليس أمراً طارئاً عليها(1).
      أما الموضعان الآخران فقد استخدم القرآن فيهما عبارة ]وكانتِ امْرَأَتِي عَاقِراً[، مما يدل على أنها كانت عاقراً قبل كبرها.
      والتعبير بـ"كانت" يدل-كما يذكر ابن الجوزي-على أحد شيئين: إمَّا للتوكيد، أي وهي عاقر، وإمَّا لإفادة أنها كانت منذ كانت عاقراً، ولم يحدث لها العُقْر في الكِبَر(2).
      وشيءٌ آخر، أن في قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أنَّى يكونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ[، وقوله تعالى: ]قَالَ رَبّ أَنَّى يكُونُ لِي غُلامٌ وَامْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ من الْكِبَرِ عِتيًّاْ[ ذكراً لسببين مانعين من الإنجاب وهما: كِبَرُ سن الزوج، وعُقْر الزوجة، ولكنه في الموضع الثالث اكتفى بذكر سبب واحد يحول دون الإنجاب، وهو عُقْر الزوجة. وفي هذا ما يدل على أن زكريا-عليه السلام-"كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكِبَر ولم يذكر العُقْر"(3).
      ويستوقفنا في هذين الموضعين-أيضاً-أن القرآن قدَّم في "آل عمران" على لسان زكريا كِبَرَ سِنَّه وأخَّر عُقْر زوجه، ولكن قَدَّم في "مريم" عُقْر زوجه، وأخَّر كِبَرَ سِنِّه!، ومثل هذا التقديم والتأخير حَفِيٌ بالنظر والتأمل، والتماس وجهه البلاغي.
      وقد ذكر بعض العلماء تعليلاً لذلك فقالوا: لكي تتناسب رؤوس الآي في "مريم" بقوله: عتياً، ولياً، رضياً، وعشياً…إلخ، وأيضاً لما قَدَّمه أولاً بقوله:]وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي[ و]وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً[ آخًّره ثانياً؛ تفنُّناً في الفصاحة(1).
      على أنني ألمس شيئاً آخر غير ما ذكر في التقديم والتأخير هنا، وهو أن العُقْر يُعَدُّ السبب الرئيس في عدم حدوث الإنجاب، أما كِبَر السنِّ فليس فيه-في الغالب-ما يحول دون ذلك، فقد ينجب الرجل وهو في سنٍّ متقدمة من العمر، أماَّ المرأة فتقلُّ-أو تنعدم-فرص إنجابها إذا تجاوزت سناً مُعَيَّنة، وذلك حينما ينقطع عنها دم الحيض وتصبح يائساً، وهذا ما أيَّده الطبُّ الحديث.
      ولذلك اكتفى القرآن في موضع من هذه المواضع الثلاثة بذكر عُقْر المرأة، سبباً وحيداً لعدم إمكانية الإنجاب-كما تقدم-.
      وإذا كان هناك من العلماء من ذكر أن العاقر من النساء هي التي لا تلـد لِكِبَرِ سِنِّها(2)، وكأنه يجعل كبر السن سبباً للعُقْر، فإن هناك منهم- أيضاً- من يُفسر العاقر من النساء بأنها هي التي لا تلد من غير كِبَر(3)، وكأنه يَعدُّ العُقْر غايةً لا سبباً، أي أنه ينظر إلى العُقْر على أنه داءٌ مطلقٌ في ذاته،دون تحديد بِكِبَر سنٍّ أو غيره،وهذا ما أميل إلى القول به.
      ثم إن في قوله تعالى: ]وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ[ إسناداً مجازياً(4) لبلوغ الكِبَر إياه، بمعنى أن الكِبَر هو الذي بلغ زكريا، ولم يقل على الحقيقة "قد بلغت الكبر"، وهذا من باب التوسُّع في الكلام.
      والتعبير هنا بالجملة الفعلية يدل على أن "الكِبَر يتجدد شيئاً فشيئاً، ولم يكن وصفاً لازماً"(1). ويلاحظ في هذه الآية أنه لم يبين القدر الذي بلغه الكِبَر منه، ولكنه في آية أخرى حدَّد ذلك القدر وهو العِتِيّ، الذي يعني الغاية (النهاية) في الكِبَر، واليُبْسَ، والجفافَ في العظام والمفاصل(2).
      ومما يستوقفنا في هذا المقام هو مدى التشابه الحاصل بين يحيى-ابن زكريا-وعيسى-عليهما السلام-في المعجزة التي كانت لكليهما.
      فمعجزة يحيى أنه بشارة الله على لسان الملائكة، أو جبريل-عليه السلام-وحده، لأبيه وأمّه، اللَّذين كانا على حالة تحول دون الإنجاب، فأبوه زكريا-عليه السلام-بلغ من العمر أرذله، حيث ذكر المفسرون أنه يوم بُشِّر بيحيى كان ابن تسعين سنة، وقيل: عشرين ومائة سنة(3)، وأمَّا أمه(4) فكانت-كما ذكر القرآن-عاقراً لا تلد، ولهذا فمجيئه إلى الدنيا على كِبَر سن أبيه وعُقْر أمّه معجزةٌ من المعجزات.
      وأما معجزة عيسى فقد كانت أيضاً-بشارة الله به لأمّه مريم التي كانت عذراء لم تُنكح من قبل، فمجيئه إلى الدنيا من غير أب معجزةٌ وأيُّ معجزة.
      ومن أجل هذا التوافق في المعجزة والتشابه في الظروف، لا يجيء القرآن "بذكر مولد يحيى إلا ويُعقبه بذكر مولد عيسى، يُمهِّد لإعجاز بإعجاز، فكلتا الولادتين آيةٌ تنقطع دونها رقاب البشر"(5).
      يقول الله تعالى عن زكريا ويحيى:]فَنَادَتْهُ الْمَلائِكةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيِحْيَى مُصَدقاً بكلمةٍ مّن اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنبَيّاً مِّن الصَّالِحينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وامْرأَتِي عَاقِرٌ قالَ كذلِكَ اللهُ يفْعلُ مَا يَشَاءُ[(1)، ويقول عن مريم وعيسى: ]إذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكلمَةٍ مِّنْهُ اسمهُ المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ وَجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربينَ * ويكلمُ النَّاسَ في المهدِ وكهلاً ومن الصالحين * قالتْ ربِّ أنَّى يكونُ لي ولدٌ ولمْ يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلقُ ما يشاءُ…[(2)
      ولابد لنا- ونحن نستلهم الدلالات اللغوية من خلال خصوصية العبارة القرآنية- أن نتوقف قليلاً عند استخدام النص القرآني لبعض الألفاظ، وإيثاره لها دون بعضها الأخر في الآيات السابقة، وبخاصة تعبيرُه في الرد على زكريا حينما تعجب من مجيء ابن له وهو وزوجه على ما تقدم من حال، وذلك بقوله: ]كَذَلِك اللهُ يفْعَلُ ما يَشَاءُ[، حيث عبَّر عن تلك المعجزة بالفعل.
      وكذلك تعبيره في الرد على مريم حينما تعجبت من مجيء ابن لها دون أن يمسَّها بشر بقوله: ]كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ[، فهنا عبَّر عن هذه المعجزة بالخلق.
      ويبدو لي-والله أعلم-أن معجزة يحيى كانت معجزة فعْل-إن صَحَّ التعبير-لشيء هو كائن أصلاً، أما معجزة عيسى فمعجزة خلْق لشيء غير كائن أصلاً.
      وبيان ذلك أن ولادة يحيى تمَّت بعد أن وُجد طرفا الإنجاب، الأمُّ والأب، وانتفت-بمشيئة الله وقدرته-أسباب عدم الإنجاب: كِبَر سن الأب، وعُقْر رَحم الزوجة، فالمعجزة إذن كانت في شفاء داء الزوج، وإصلاح ما فسد من أعضاء الحمل في الزوجة، كما عبَّر القرآن بذلك فقال: ]وَزَكَرِيَّا إذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تذَرْنِي فَرداً وأنتَ خَيْرُ الْوارِثينُ* فاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ…[(3).
      فالإصلاح هنا-كما قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسِّرين-هو أنها "كانت عاقراً فَجُعِلَتْ ولوداً"(1)، أو كما يقول الفرَّاء: "إنها كانت عقيماً فجعلناها تلد، فذلك صلاحها"(2)، أو كما يقول أحد المعاصرين: "استحيينا فيها وهي العجوز العاقر آلة الحمل والولادة"(3)، ولذا كان الأنسب أن تُذكر المعجزة على هذه الصفة مقرونةً بالفعْل ]يَفْعَلُ[.
      أمَّا ولادة عيسى-عليه السلام-فجاءت دون توفُّر أحد طرفي المعادلة في الإنجاب، وهو الأب، حيث لم تكن الأمُّ متزوجةً قط، فالمعجزة إذن كانت في الخلْق، وهو من الوجهة اللغوية والعلمية "إنشاءٌ لشيء ابتداءً، أي إيجاده من عدم"(4).
      ويُفَسِّر بعض المعاصرين هذه المعجزة بقوله: هي "إخصاب بويضة بغير مُخْصب، أو خَلْق هذه البويضة مُخصبة ابتداء…"(5)، ولهذا كان الأنسب أن تذكر المعجزة هنا مقرونةً بالخلْق ]يَخْلُقُ[، دون أيِّ لفظ آخر.
      وهكذا نرى أن هاتين الحالتين كانتا مختلفتين في الغرابة، ولهذا آثر القرآن في الحالة الأولى التعبير بلفظة ]يَفْعَلُ[ ؛ "إذ العادة جرت أن الفعل يستعمل كثيراً في كل ما يحدث على النواميس المعروفة، والأسباب الكونية المألوفة"(6)، كما آثر في الحالة الأخرى التعبير بلفظة ]يَخْلُقُ[؛ لأن "الخلْق يُقال فيما فيه إبداعٌ واختراع، ولو بغير ما يُعرف من الأسباب"(7)، وهكذا جاء اختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين.
      وقد استوقفتْ هذه المغايرة الأسلوبية وخصوصيتها في النص القرآني، أستاذنا الدكتور تمام حسَّان، وحاول تفسيرها تفسيراً آخر يختلف كُلِّياً عما ذُكر، وهو "أن التعبير بلفظ (يَفْعَل) في حالة زكريا لا يثير خواطر سيئة؛ لأن زكريا وامرأته زوجان فلا شُبْهَة إن حملت المرأة؛ لأن زوجها بجانبها، وقد كان إخصابها بواسطة تسخير زوجها لذلك، والتسخير والإخصاب من فعل الله، أما في حالة مريم فإن التعبير بلفظ (يَفْعَل) ربما أثار خواطر سيئة، فاللفظ لهذا غير مناسب، ومن هنا جاء الفعل (يَخلُقُ)(1).
      وقصارى القول: أن هذه الإيحاءات في الدلالات الهامشية للألفاظ والعبارات قد عُني بها النصُّ القرآني أيما عناية، فما كان حسناً منها ومؤدياً بكل دقة للمعنى المراد توصيله للقارئ أو السامع، اختار له اللفظ المناسب الذي لا يمكن أن يقوم غيره مقامه، وما كان عكس ذلك اطَّرحه وأهمله(2).
      ذلك من جهة، ومن جهة أخرى يستوقفنا-أيضاً-مدى التشابه الواقع بين يحيى وإسحاق-عليهما السلام-، وزكريا وإبراهيم-عليهما السلام، وأمِّ يحيى وأمِّ إسحاق.
      فيحيى وإسحاق معجزتهما واحدة، وهي مجيئهما إلى الدنيا وأمُّهُما وأبواهما على حالة تحول دون الحمل والولادة، وزكريا وإبراهيم كلاهما شيخٌ كبيرٌ، وأمُّ يحيى وإسحاق كلتاهما عجوزٌ عقيمٌ، أو عجوزٌ عاقرٌ.
      وقد استخدم القرآن لفظة (عاقر) مع امرأة زكريا، في حين أنه استخدم لفظة (عقيم) مع امرأة إبراهيم (سارة). يقول عزَّ وجل: ]…فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[(3).
      وثمة شيءٌ آخر، هو أن القرآن ذكر في حق امرأة زكريا أن الذي كان يمنعها ويحول بينها وبين الحمل هو داءٌ واحدٌ هو العُقْر، أما امرأة إبراهيم فقد تراوح ذكر المانع لها مَرّةً بين العجز (كبر السنّ) والعُقْم مجتمعين، حيث قال تعالى: ]…فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[، ومرة أخرى اكتفى بذكر العجز دون العقم، فقال تعالى: ]قالت يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخاً…[(1).
      وهذا يدعونا إلى التأمُّل وطرح السؤال التالي: هل العُقْر والعُقْم شيءٌ واحدٌ، ومعناهما واحدٌ؟ أو أنهما شيئان مختلفان؟
      وإن كانا ذَوَي دلالة واحدة، فلماذا استخدم القرآن لفظة (عاقر) في مواضع ثلاث، واستخدم لفظة (عقيم) في موضع واحد؟.
      وللإجابة على الشقِّ الثاني من السؤال أقول: إن القرآن آثر استخدام لفظة (عقيم)، وتأخيرها، لاعتبارين متلازمين-فيما أرى-، أحدهما مراعاة الفاصلة القرآنية، أو رؤوس الآيات - كما يسميها الفرَّاء (207هـ)(2)-، والآخر مراعاة مقتضى المعنى.
      فأما الاعتبار الأول، فالفاصلة في سورة "الذاريات" تنتهي بحرف النون في أغلب الآيات، وبحرف الميم في بعضها الآخر، وكلاهما-كما هو مُقَرَّرٌ في علم الأصوات-مجهورٌ، متوسطٌ بين الشدة والرخاوة، مُرَقَّقٌ، منفتحٌ، مَغْنُونٌ (أنفى)، فجاءت الفاصلة بين حروف متقاربة، ولم يكن ممكناً وضع (عاقر) بدلاً من (عقيم)، كما لم يكن ممكناً تقديم لفظة (عقيم) على لفظة (عجوز)؛ لتناسب رؤوس الآي.
      وأمَّا الاعتبار الآخر، فبيانه أن العَجْز قُدِّم هنا-وهو وصفٌ طارئٌ عليها-على العُقْر-وهو وَصْفٌ لازمٌ لها-،فكأنها قدَّمت سبباً حاضراً يمنع من الحمل على سبب ماض، أو بعبارة أخرى كأنها أضافت مانعاً متجدداً إلى مانع ثابت، من باب المبالغة في استبعاد حصول الشيء واستحالته، والتعجب من حدوثه لو حدث.
      ولذلك ورد في موضع آخر من القرآن على لسان زوج إبراهيم أنها قرنت عجزها بشيخوخة بعلها، حيث قالت ]أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخاً[، فَتُنُوسي هنا ذكر العُقْر، وجُعِلَ كِبَر سنِّهما مانعاً قوياً من حدوث الحمل.
      ويُذكرنا تقديم العجز على العُقْم هناك بالمريض الذي لا يُرجى برؤ مرضه، وحينما يحدث له عارضٌ آخر فإن الأطباء يُوجِّهون جهودهم لعلاج ما استجد من مرض، ويتركون ما عداه؛ لاقتناعهم بأن ما يكون أولى مما كان، وبخاصة أن ما كان هو عندهم في حكم الميئوس شفاؤه، فيؤثرون معالجة ماجدَّ على ما قَدُم .
      ويلاحظ أن لفظ (عجوز) جاء على وزن "فعول"، وهو بمعنى "فاعل"، أي أنها عاجزةٌ عن المجيء بولد وهي في هذه السن المتقدمة.
      أما لفظ (عقيم) فعلى وزن "فعيل"،وهو بمعنى "مفعول"،أي أنها معقومة الرَّحِمِ لا تلد.
      ونعود لنحاول الإجابة على الشقِّ الأول من السؤال السابق، فنقول: إن مادة (عقم) في اللغة تدل-كما يذكر ابن فارس-على غموض، وضيق، وشدة(1).
      ومن المعنى اللُّغوي لهذه المادة اشتق أو استُعير-كما يقول الزمخشري(2)- عُقْم المرأة والرجل، وهما اللذان لا يولد لهما، وعُقم الملك: وهو قتل الرجل لابنه، أو الابن لأبيه، إذا خافه على الملك، والدَّاء العُقام: الذي لا يُرْجى البُرْء منه، والكلام العُقْمي: أي العويص الذي لا يُعرف وجهه، والعقل العقيم: الذي لا يجدي على صاحبه شيئاً، والريح العقيم: التي لا تُلْقح شجراً، ولا تُنشئ سحاباُ، ولا تحمل مطراً…إلخ(3).
      وسبق لنا القول إن الجذر اللغوي للفظة (عقيم) ورد في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما كان وصفاً للريح التي أرسلها الله على قوم عاد، والموضع الآخر كان وصفاً ليوم القيامة أو يوم بدر-كما ذكر ذلك المفسرون(1).
      وهكذا نرى أن هذه المادة اللغوية تدل أصلاً واستعارةً على الشيء الذي لا فائدة فيه، ولا ثمرة له.
      والعقيم من النساء التي لا تلد، والعُقْم وصفٌ للرحم الذي لا يعطي الولد، أو كما يقول أصحاب المعاجم: العَقْم-بفتح العين-والعُقْم- بضم العين-هَزْمَةٌ تقع في الرحم فلا تقبل الولد، والرحم المعقومة-كما يذكر الكسائي: المسدودة التي لا تلد(2).
      وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال: امرأةٌ عقيمٌ، ورجلٌ عقيمٌ. يقول سيبويه: "وأما فعيل إذا كان في معنى مفعول، فهو في المذكر والمؤنث سواء"(3)، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ]...وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً[ شاملاً للاثنين الرجل والمرأة، وذلك ما أكده العلم الحديث، فالعُقْم مرضٌ يصيب الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وليس كما كان يُعْتَقَدُ قديماً من أنه خاصٌّ بالنساء دون الرجال.
      وهو من الوجهة الطبية "عدم القدرة على الإلقاح، بالرغم من إمكانية الرجل على ممارسة العملية الجنسية"(4).
      ويُعَدُّ عُقْم الرجال من الأمور الصعبة، حيث قد بلغت نسبة نجاح علاجه-كما تذكر بعض الدراسات الإحصائية- 15%، في حين أن عُقْم النساء وصلت نسبة نجاح علاجه إلى 50%(5).
      أما مادة (عقر) في اللغة، فقد ذكر ابن فارس أن لها أصلين "متباعد ما بينهما، وكل واحد منهما مُطَّردٌ في بابه، جامعٌ لمعاني فروعه. فالأول: الجرْح، أو ما يشبه الجرْح من الهزْم في الشيء، والثاني دال على ثبات ودوام"(1). وأصل العُقْر في اللغة قطع الرِّجل، فكأنه قطع الولادة(2).
      وعُقْر المرأة يعني أن رحمها يعقد ماء الرجل، أو هو عجزْها عن تقبل مَنِّي الرجل. وذلك ما يمكن تفسيره في الطب الحديث بأن حموضة المهبل تقتل الحيوانات المنوية بصورة غير اعتيادية، أو وجود تضاد بين خلايا المهبل والحيوانات(3).
      وتتعدد معاني هذه المادة في المعاجم اللغوية(4)، ولكن هذا التعدُّد الدلالي لا يكاد يخرج عن الأصلين اللَّذَين ذكرهما ابن فارس في "المقاييس"، وقد تقدم ذكرهما. والذي يهمنا في هذا الباب هو عُقْر النساء، الذي عليه مدار حديثنا.
      وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث أيضاً،فيقال:رجلٌ عاقرٌ،وامرأةٌ عاقرٌ(5).
      وقد سبق القول إن الجذر اللغوي لهذه اللفظة جاء في خمسة مواضع من القرآن الكريم، كلها وصفٌ لما فعله قوم صالح-عليه السلام-بناقة الله من ذَبْح ونَحْر لها.
      والمتأمل للجذر اللغوي لكلٍّ من (عقم) و(عقر)، يجد أنه ثلاثي الأصل، رغم ما قد يبدو فيه من ثنائية.

      وتفسير هذه الثنائية أن هاتين اللفظتين أصلهما العين والقاف (عَقَّ)، الذي ذكرت معاجم اللغة وما جرى مجراها أنه يدل على الشّقَّ ، والخرْق، والحفْر، والقطْع(1). وسبق أن ذكرنا الدلالة الأصلية (المركزية بتعبير المحدثين) لهاتين اللفظتين، التي تتفق إلى حد كبير مع الدلالة العامة لمادة (عَقَّ).
      ولعل هذا ما دعا أحد الباحثين المعاصرين إلى القول بثنائية الجذر اللغوي لمادة (عقم)، وذلك بعد أن لاحظ وجود علاقة معنوية تربط بين الثنائي المضعَّف والثلاثي المشترك معه في حرفين(2).
      والواقع أن هذه النظرة، بالرغم مما قد يبدو من منطقيتها في هذا المقام، لا تستقيم في كل مادة من مواد اللغة، وهذا ما يحملني على القول بثلاثية الجذر اللغوي لهاتين اللفظتين.
      وقد وردت هاتات اللفظتان-إحداهما أو كلتاهما-في مؤلفات غريبي القرآن والحديث، مقرونتين بالمعاني المتعددة لهما، وكذلك في مؤلَّفات التَّصْويب اللغوي، وخاصةً فصيح ثعلب والشروح التي عليه.
      كما وردتا في المؤلَّفات الخاصَّة بالأفعال، من حيث ضبطُ فعليهما، ومصادرهما، ومعانيهما(3).
      وقد تبين لي فيما اطَّلعت عليه من تلك المصنَّفات أن العلماء جمعوا بين هاتين اللفظتين في المعنى، واشتراكهما في الدلالة الواحدة.
      فهذا الخليل بن أحمد يذكر أن العَقْر: هو العُقْم، والذي يعني استعقام الرحم، وهو ألا تحمل(4).
      ويؤكد هذا المعنى صراحة أبو بكر السجستاني (330هـ)، حيث يقول: "عاقر وعقيم: بمعنى واحد، وهي التي لا تلد، والذي لا يولد له"(1).
      وذكر ابن فارس (395هـ) أنهم "يقولون: لقحت الناقة عن عقر، أي بعد حِيَال، كما يقال عن عُقْم"(2).
      وذكر أبو سهل الهروي (433هـ) أن لفظة العاقر "مثل العقيم سواء، وهي التي لاتحبل ولا تلد"(3)، كما ذكر الزمخشري (538هـ) أنه يقال "للمرأة العاقر: معقومة، كأنها مسـدودة(*) الرحم"(4)، وفسّر أبو حيان الأندلسي (745هـ) لفظ عاقر بقوله: "عقيم لا يلد ولا يولد له"(5).
      وهكذا يبدو لنا من خلال هذه النصوص مدى اتفاق هاتين اللفظتين واتحادهما في الدلالة اللغوية، المعجمية منها والوظيفية، الأمر الذي يجعلنا نستنتج منه مبدئياً أن هاتين اللفظتين تُعدَّان من الألفاظ المترادفة في العربية!
      ولم تكن المعاجم الحديثة بعيدةً عن هذا التصوُّر، فهي تُسَوِّي بينهما أيضاً في المعنى.(6)
      على أن هناك بعض العلماء الذين ألَّفوا في المشترك اللفظي Homonymy، أورد هاتين اللفظتين على أن كل واحدة منهما مما يتفق لفظه ويتعدد معناه(7)، وهذا يعني أنهما تقفان في الواقع اللغوي على النقيض من الاعتبار أو التصوُّر السابق.
      ومن المقرَّر في الدراسات اللغوية الحديثة أن قياس درجة التطابق Range of application بين الدلالتين المركزية والهامشية من خلال استعمال الكلمة يؤدي إلى وضوح الفرق بينهما، ومن ثَمَّ الحكم عليها بأنها من المترادفات أو لا.
      فإن كان التطابق تاماً بين الألفاظ أو الكلمات، بحيث تقبل التبادل أو الاستعاضة بينها في أي سياق، فذلك يعني الترادف الحقيقي Absolute synonymy، وإن كان التطابق غير تام، بحيث يتفاوت استعمال الكلمة من سياق إلى آخر، فهذا يعني شبه الترادف Near synonymy (1).
      وما قيل هنا يجري على المشترك اللفظي أيضاً، سواء بسواء، "فدرجة التطابق هذه تصلح معياراً في حالات المشترك اللفظي والترادف، بحيث إذا تطابقتا في الدلالة كان هناك ثَمَّة ترادف أو اشتراك، أمَّا إذا لم تتطابقا في الدلالة فليس ثَمَّة ترادف أو اشتراك"(2).
      ونحن حينما نتأمل العبارة القرآنية، والمغايرة بين ألفاظها، وإيثار بعض الألفاظ دون بعضها الآخر، ندرك أن وراء ذلك سرّاً بيانياً، وإيحاءً دلالياً، ووجهاً إعجازياً، يدفع بالباحث إلى تتبعه، ومحاولة الوقوف على فقه أساليبه.
      وإزاء هذا لا يَتَأَتَّى لنا-وإن جاز لغيرنا-أن نُفَسِّر لفظة (عاقر) بـ(عقيم)، أو العكس، ونُسَوِّي بينهما في الدلالات، ونغفل ما بينهما من إشارات؛ حيث صنيعُ القرآن يومئ إلى وجود فرق دقيق في المعنى بين اللفظتين، إضافةً إلى أن الحسَّ الراشد-كما يُسَمِّيه أستاذنا الدكتور محمد أبو موسى(3)-قد لا يقنع بهذا التفسير وهذه التسوية.
      وفي ضوء ذلك، فإني أكاد ألمس في استخدام النص القرآني لهاتين اللفظتين أن كلمة (عقيم) ذات مدلول أوسع من كلمة (عاقر)، فهي أعمُّ دلالة، في حين أن (عاقر) ضَيِّقَةُ الدلالة.
      وبيان ذلك أن العُقْم مرضٌ يقع على الجنسين من الرجال والنساء، يوصف به من كان كذلك منهما . وهو في واقعه الـطـبي إمَّا أن يـكون أوَّلـيـاً ، بمعـنى أن تكون المـرأة لا تستطيع الحمل أصلاً، أو أن يكون الرجل في أصله غير مُهّيَّأٍ للإنجاب، لأسباب تتصل بأعضاء التناسل في كل منهما، وهذا-كما يذكر أطباء العقم-من الصعوبة بمكان علاجه، إلا عن طريق التلقيح الصناعي أو ما يعرف بطفل الأنابيب.
      وإمَّا أن يكون ثانوياً، بمعنى أن يحدث لهما إنجابٌ ثم يفقدان قدرتهما التناسلية على ذلك، وهذا أكثر قابلية للشفاء(1)، وفي كل هذا ما يدل على عمومية الدلالة في هذه اللفظة.
      أما لفظة (عاقر) فيظهر لي أنها تُطلق فتنصرف دلالتها إلى النساء لاغير ، فهي وصفٌ خاصٌ بهن فحسب.
      وهذا التصوُّر لم أجد أحداً من العلماء-فيما وقع بين يديَّ من مصادر-أشار أو تنبَّه إليه، سوى بعض المعاصرين المهتمين بتفسير القرآن الكريم، حيث ذكروا في تفسير قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وامْرَأَتِي عَاقِرٌ…[(2) أن العاقر وصفٌ خاصٌ بالنساء ولا يوجد في الرجال، ولذا يقال عاقرٌ ولا يُلْبس(3)، مما يعني أنه لفظٌ وُضِعَ خاصاً لمعنى خاصَ .
      هذا شيء، وشيءٌ آخر أن هذه اللفظة توحي دلالتها بعدم الإنجاب مطلقاً، واستحالة الحمل والولادة.
      وفيما تقدم نلمس خصوصية دلالة هذه اللفظة، وهذا ما يجعلني أميل إلى القول بأن هاتين اللفظتين ليستا مترادفتين ترادفاً تاماً، بحيث يحملان الدلالة نفسها في أيِّ سياق لغوي، بل هما أقرب ما يكون إلى شبه الترادف، أو الترادف غير التام Incomplete synonymy ، فاللفظتان بينهما تقاربٌ في المعنى إلى درجة الإلباس، دون أن يَتَّحدا فيه.
      وبعد، فهذا ما اتضح لي في هذه الدراسة الأسلوبية واللغوية للنصِّ القرآني، فإن كان صواباً ما كَشَفَتْ عنه دراستي، أو كان قريباً منه-وآمل أن يكون ذلك كذلك-، فهو فَضْلٌ من الله ونعمة، وإن كان غير ذلك فحسبي أنني مجتهدٌ في رحاب القرآن، ينشد الحقيقة التي هي ضالَّة المؤمن، ويبتغي ما عند الله من أجرٍ وثواب.
      وأختتم هذه المحاولة التي أُقَدِّمُها على استحياءٍ إلى المكتبة القرآنية-وأنا أعلم الناس بعجْزي وقلَّة بضاعتي-بقول صاحب (مفتاح السعادة): "ولعلَّ العمر لو أنْفقَ في اكتشاف أسرار القرآن، وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها، لانقطع العمر قبل استيفائها، وما من كلمة في القرآن إلا وتحقيقها مُحْوِجٌ إلى مثل ذلك…، وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن"(1).
      وهذا كلُّه حَقٌ، فما من كلمةٍ أو لفظةٍ يختارها القرآن إلا وهناك سرٌّ يقف وراء هذا الاختيار، ربما عرفناه فأخبرْنا به، وربما غَمُضَ علينا أو قَصُر إدراكنا عنه، بعد أن نكون قد اجتهدنا في تحصيله، وحاولنا الكشف عن مخبوئه وخفيِّه، فلم نستطع الاهتداء إليه، والوقوف عليه.
      والله أسأل أن يجعل من محبتي لكتابه، ورغبتي الجامحة في إدراك دلائل مفرداته وألفاظه، سبباً في تجنيبي خَطَلَ الرأي، وسطحية التأمل، ومزالق التأويل، وزلَّة القلم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله أولاً وآخراً.

      الهوامش والتعليقات:
      (1) النحل :72
      (2) الروم :21 . وقد فُسِّرت الرحمة هنا عند ابن عباس ومجاهد والحسن بأنها الولد ، أو الإنجاب بصفة عامة .
      ينظر : الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ،14/17
      (3) الشورى :49 ،50
      (4) الرعد :38
      (1) ينظر :تفسير القرطبي 16/49، الكشاف للزَّمخشري ، 4/183
      (2) أخرجه النسائي في سننه ، 6/65-66(كتاب النكاح –كراهية تزويج العقيم) ، ورواه أبو داود في السنن2/542(كتاب النكاح–4- باب النهي عن كراهية تزويج من لم يلد من النساء ،حديث رقم /2049)
      (3) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، 3/273، وينظر: غريب الحديث، لأبي إسحاق الحربي، 3/996.
      (4) اعتمدت في حصر هذه المواضع على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص468و469.
      (5) آل عمران: 40
      (1) مريم : 5
      (2) مريم : 8
      (3) الحج: 55
      (4) الذاريات: 29
      (5) الذاريات:41
      (6) الشورى: 50
      (7) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص468.
      (1) روح المعاني، للألوسي، 3/149، 8/62.
      (2) زاد المسير، لابن الجوزي 5/211. وينظر: أضواء البيان، للشنقيطي، 1/244.
      (3) روح المعاني 8/67.
      (1) كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لبدر الدين بن جماعة، ص127-128. وينظر: الدر المصون، للسَّمين الحلبي، 3/159، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي يحيى زكريا الأنصاري، ص85، روح المعاني 8/66-67.
      (2) ينظر: تفسير القرطبي 11/79.
      (3) المصدر السابق .
      (4) الإسناد المجازي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له ، بقرينة تصرفه عن إرادة الظاهر. ويطلق عليه عبد القاهر الجرجاني مصطلح (المجاز العقلي) أو (الحكْمي). للمزيد ينظر: التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د.أحمد سعد محمد، ص380 فيما بعدها.
      (1) روح المعاني ، 3/149.
      (2) ينظر: تفسير القرطبي 11/83 ، أضواء البيان، للشنقيطي، 1/243-244.
      (3) ينظر: تفسير القرطبي 4/79.
      (4) قيل: إن أمه هي إيشاع بنت فاقودْ ابن قبيل ، وقيل: إنها إيشاع بنت عمران، وعلى هذا القول تكون أمُّه أختاً لمريم-أُمّ موسى-، ومن ثمَّ يكون يحيى وعيسى ابني خالة.
      (5) من إعجاز القرآن ، رؤوف أبو سعدة ، 2/228.
      (1) أل عمران: 39-40.
      (2) أل عمران: 45-47.
      (3) الأنبياء: 89-90.
      (1) تفسير القرطبي 11/336 ، وينظر : الكشاف 3/104، زاد المسير 5/384.
      (2) معاني القرآن ، 2/201، وهنالك تفسيرٌ آخر للإصلاح هنا وهو أنها كانت سيئة الخُلُق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخُلُق. وقد جمع القرطبي بين المعنيين على سبيل الاحتمال. ينظر: تفسير القرطبي ، 11/336 ، وعلى المعنيين يتوقف التوجيه الإعرابي (النحوي) للعطف في قوله تعالى: ]وأصلحنا[. ينظر: روح المعاني ، 9/87.
      (3) من إعجاز القرآن ، 2/228.
      (4) أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد أحمد سلامة، ص14. ويرى بعض المعاصرين أن الخَلْق لا يعني الإيجاد من العدم، وإنما هو الإيجاد من شيء. ينظر: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، د.محمد شحرور، ص429-430، وليس هذا بصحيح، فالمعنيان كلاهما واردٌ ومستعملٌ في كتاب الله عزَّ وجل. ينظر: المفردات في غريب القرآن، ص224، 225.
      (5) من إعجاز القرآن ، 2/228.
      (6) تفسير المراغي ، 1/156.
      (7) المصدر السابق ، وينظر: روح المعاني، 3/164، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي يحيى زكريا الأنصاري، ص86، تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، 3/242و249.
      (1) البيان في روائع القرآن، ص297. وينظر: ص323.
      (2) جعل الإمام الخطابي (338هـ) مناط البلاغة في النص القرآني وإعجازه البياني قائماً على وقوع اللفظ في مكانه فإذا أُبدل فسد معناه ، أو ضاع الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة. ينظر: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص29.
      (3) الذاريات: 29
      (1) هود: 72.
      (2) ينظر: معاني القرآن، 3/260،274. ومراعاة الفاصلة القرآنية عدَّها الزركشي والسيوطي وغيرهما من العلماء أحد أسباب وأسرار التقديم والتأخير في القرآن الكريم. ينظر: البرهان 3/274، الإتقان2/20. وللمزيد حول هذه المسألة ينظر: التقديم والتأخير في القرآن الكريم، حميد العامري، ص114 فما بعدها، الإعجاز البياني للقرآن، د. عائشة عبدالرحمن، ص235 فما بعدها.
      (1) معجم مقاييس اللغة 4/75 (عقم).
      (2) أساس البلاغة 2/134 (عقم).
      (3) ينظر: العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، 1/210-211، الصحاح، للجوهري، 5/1988، لسان العرب، لابن منظور، 12/412 (عقم).
      (1) ينظر: تفسير القرطبي 12/87، الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، للدامغاني، ص330، معجم ألفاظ القرآن الكريم، أمين الخولي، 4/238-239.
      (2) ينظر: الصحاح 5/1988، لسان العرب 12/412، معجم مقاييس اللغة 4/75 (عقر).
      (3) الكتاب 3/647. وينظر: غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، ص349، فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السِّجِسْتاني، تحقيق: د.خليل إبراهيم العطية، ص133، الريح، لابن خالوية، تحقيق د.حسين محمد شرف، ص50، ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري، ص252.
      (4) العقم عند الرجال والنساء، د. سبيرو فاخوري، ص36. وينظر أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، ص28.
      (5) ينظر: العقم وعلاجه، د. نجم عبد الله عبد الواحد، ص 91.
      (1) معجم مقاييس اللغة 4/90. وينظر: النوادر، لأبي مسحل الأعرابي، 1/397-398، الاشتقاق، لابن دريد، ص346-347.
      (2) شرح الفصيح، لابن هشام اللَّخمي، ص72، شرح الفصيح، المنسوب للزمخشري، 1/119.
      (3) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار، ص 518، وينظر: روعة الخلق –أسرار كينونة الجنين، ترجمة: ماجد طيفور، ص176.
      (4) ينظر: العين 1/170-173، معجم مقاييس اللغة 4/90-96، أساس البلاغة 2/132، لسان العرب 4/591، تاج العروس 13/98 (عقر).
      (5) ينظر: غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، ص104، فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السجستاني، ص133، الزاهر، لأبي بكر الأنباري، تحقيق: د.حاتم الضامن، 1/582، شرح الفصيح، لابن هشام اللخمي، ص72، المفردات في غريب القرآن، ص511.
      (1) ذكر الخليل بن أحمد أن أصل العقِّ الشقٌّ، وإليه يرجع عقوق الوالدين، وهو قطعهما؛لأن الشقَّ والقطع واحدٌ. العين1/72. وينظر: معجم مقاييس اللغة 4/3، إصلاح المنطق، لابن السكِّيت، ص236، الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، 3/12، النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/271.
      (2) ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية، د.أمين فاخر، ص 202-203. وينظر ما ذكره الأب مرمرجي الدومنكي عن علاقة الجذر الثنائي (عق) بمادة (عقل)، في كتابه: هل العربية منطقية، ص 125-130.
      (3) ينظر: الأفعال، لابن القوطية، ص15،192،193، الأفعال، للسرقسطي 1/294.
      (4) العين 1/170.
      (1) غريب القرآن، ص140. وينظر: العمدة في غريب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي، ص99، 282.
      (2) معجم مقاييس اللغة 4/92 (عقر).
      (3) التلويح في شرح الفصيح، تحقيق: د.محمد عبد المنعم خفاجي، ص15، وينظر: شرح الفصيح، لابن الجبان، ص126.
      (*) وردت هذه الكلمة في الكتاب المطبوع "مشدودة"-كذا-بالشين، وهو تصحيفٌ، والصَّواب ما أثبتُّ.
      (4) الفائق في غريب الحديث 3/16.
      (5) تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، ص182. ولمزيد من هذه النصوص التي لا تُفَرِّقُ بين دلالة هاتين اللفظتين. ينظر: تصحيح الفصيح، لابن درستويه، 1/209، أمالي المرتضى، 2/379، تدبير الحبالى والأطفال والصبيان…، لأحمد بن محمد البلدي، تحقيق: د. محمود الحاج قاسم، ص80، الأفعال، للسرقسطي 1/295.
      (6) ينظر-على سبيل المثال-: المعجم الوسيط 2/621 (عقر).
      (7) ينظر: ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري، ص 252-254، إصلاح الوجوه والنظائر، للدامغاني، ص330 (لم يرد في هذا الكتاب سوى لفظة "عقيم").
      وقد استعرضت ما وصلنا من هذا النوع من التأليف – سواء أكان ذلك خاصاً بالقرآن أو بالحديث أو بلغة العرب – فلم أجد ذكراً لهذين اللفظين ضمن مواد هذه المصنفات . على أنه ينبغي التنبيه إلى أن كتاب ابن الشجري المتقدم يُعدَّ أوسع ما ألف في بابه، كما تبين من خلال قراءة مواده اللغوية ، وموازنتها بالمؤلفات المماثلة .
      (1) ينظر: الكلمة-دراسة لغوية معجمية، د.حلمي خليل، ص132.
      (2) علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، د. فريد عوض حيدر، ص50.
      (3) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، ص221.
      (1) أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، ص31-38.
      (2) آل عمران: 40
      (3) ينظر: تفسير التحرير والتنوير 3/242، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري 1/313.
      (1) مفتاح السعادة، لطاش كبرى زاده، 3/113.

      مصادر البحث ومراجعه
      *القرآن الكريم.
      *الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (911هـ)، ط4، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، 1398هـ-1978م.
      *أساس البلاغة، لأبي القاسم جار الله الزمخشري (538هـ)،دار الكتب المصرية بالقاهرة، 1341هـ-1923م.
      *الاشتقاق، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (321هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1378هـ-1958م.
      *إصلاح المنطق، لابن السكيت (244هـ)، شرح وتحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، ط3، دار المعارف بمصر، 1970م.
      *إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، لأبي عبد الله محمد بن علي الدامغاني (478هـ)، تحقيق: عبد العزيز سيد الأهل، ط2، دار العلم للملايين، بيروت، 1977م (نُسِبَ خَطَأً إلى الحسن بن محمد الدامغاني).
      *أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1408هـ-1988م.
      *أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد أحمد سلامة، ط1، الدار العربية للعلوم، بيروت، لبنان، 1417هـ-1996م.
      * الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف بمصر، 1971م.
      * الأفعال، لابن القوطية (367هـ)، تحقيق: د. علي فودة، ط1، مطبعة مصر، 1952م.
      * الأفعال، لأبي عثمان السرقسطي، تحقيق: د.حسين محمد شرف، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1395هـ-1975م.
      * أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، للشريف المرتضى علي بن الحسين (436هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1373هـ-1954م.
      * أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، ط4، راسم للدعاية والإعلان، جدة، السعودية، 1412هـ-1992م.
      * البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (794هـ)، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1377هـ-1958م.
      * البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية، د.محمد حسنين أبو موسى، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت.
      * البيان في روائع القرآن-دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني، د.تمام حسان، ط1، عالم الكتب، القاهرة، 1413هـ-1993م.
      * تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الزَّبيدي (1305هـ)، الجزء الثالث عشر ، تحقيق: د.حسين نصار، وزارة الإعلام، الكويت، 1394هـ-1974م.
      * تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم، لأحمد بن محمد بن يحيى البلدي، تحقيق: د.محمود الحاج قاسم محمد، دار الرشيد للنشر، العراق، 1980م.
      * تفسير التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1969م.
      * تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1365هـ-1946م.
      * تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي (1371هـ)، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، د.ت. "نسخة مصورة".
      * التقديم والتأخير في القرآن الكريم، حميد أحمد عيسى العامري، ط1، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1996م.
      * التلويح في شرح الفصيح، لأبي سهل محمد بن علي الهروي (433هـ)، ضمن كتاب (فصيح ثعلب والشروح التي عليه)، تحقيق: د.محمد عبد المنعم خفاجي، ط1، مكتبة التوحيد، القاهرة، 1368هـ-1949م.
      * التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، ط1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1418هـ-1998م.
      * ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرُّماني والخطَّابي وعبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد خلف الله والدكتور محمد زغلول سلام، ط2، دار المعارف بمصر، 1387هـ-1968م.
      * ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية وعلاقتها بالأصول الثلاثية، د. أمين فاخر، ط1، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1398هـ-1978م.
      * الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي.
      * خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد على البار، ط5، الدار السعودية للنشر، جدة، 1404هـ-1984م.
      * الدُّر المصون في علوم الكتاب العزيز، لأحمد بن يوسف المعروف بالسَّمين الحلبي (756هـ)، تحقيق: د.أحمد محمد الخراط، ط1، دار القلم، دمشق، 1407هـ-1987م.
      * روح المعاني، لأبي الفضل شهاب الدين الألوسي (1270هـ)،دار الفكر، بيروت،لبنان، د.ت.
      * روعة الخلق-أسرار كينونة الجنين، ترجمة: ماجد طيفور، ط1، الدار العربية للعلوم، بيروت، 1412هـ-1991م.
      * الريح، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (370هـ)، تحقيق: د.حسين محمد شرف، ط1، مكتبة إبراهيم حلبي العلمية، المدينة المنورة، 1404هـ-1984م.
      * زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (597هـ)، المكتب الإسلامي، دمشق، 1964م-1968م = 1384هـ-1388م.
      * الزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328هـ)، تحقيق: د.حاتم صالح الضامن، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1399هـ-1979م.
      * سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (275هـ)، تعليق :عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، ط1، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1389هـ-1969م.
      * سنن النسائي (303هـ) بشرح السيوطي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، د.ت.
      * شرح الفصيح، (المنسوب) للزمخشري، تحقيق: د. إبراهيم بن عبد الله بن جمهور الغامدي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1416هـ.
      * شرح الفصيح، لابن هشام اللخمي (577هـ)، تحقيق: د. مهدي عبيد جاسم، ط1، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1409هـ-1988م.
      * شرح الفصيح في اللغة، لأبي منصور ابن الجبان، تحقيق: د.عبد الجبار جعفر القزار، ط1، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1991م.
      * العقم عند الرجال والنساء-أسبابه وعلاجه،د.سبيرو فاخوري،ط1،دار العلم للملايين،بيروت،1979م.
      * العقم وعلاجه، د.نجم عبد الله عبد الواحد، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 1988م.
      * علم الدلالة- دراسة نظرية وتطبيقية، د. فريد عوض حيدر، ط1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1419هـ-1999م.
      * العمدة في غريب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي (437هـ)، تحقيق: د.يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ-1984م.
      * (كتاب) العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، تحقيق: د. عبد الله درويش، مطبعة العاني، بغداد، 1386هـ-1967م.
      * غريب الحديث-المجلدة الخامسة، لأبي إسحاق إبراهيم الحربي (285هـ)، تحقيق: د.سليمان ابن إبراهيم العايد، ط1، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1405هـ-1985م.
      * غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عزيز السجساتي (330هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء،مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، 1382هـ-1963م.
      * غريب القرآن وتفسيره، لأبي عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى اليزيدي (237هـ)، تحقيق: محمد سليم الحاج، ط1، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1405هـ-1985م.
      * الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، سنة الإيداع 1971م.
      * فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي بكر يحيى زكريا الأنصاري، تحقيق: الشيخ محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، لبنان، 1403هـ-1983م.
      * فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السجستاني (255هـ)، تحقيق: د.خليل إبراهيم العطية، مطبعة جامعة البصرة، 1979م.
      * قاموس القرآن = إصلاح الوجوه والنظائر.
      * الكتاب،لسيبويه(181هـ)،تحقيق:عبد السلام هارون،ط2،الهيئة المصرية العامة للكتاب،1977م.
      * الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة،د.محمد شحرور، ط6،الأهالي للطباعة والنشر، دمشق،1994م.
      * الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، تصحيح: مصطفى حسين أحمد، ط2، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، 1373هـ-1953م.
      * كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لبدر الدين بن جماعة (733هـ)، تحقيق: د. عبد الجواد خلف، ط1، منشورات جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، باكستان، 1410هـ-1990م.
      * الكلمة –دراسة لغوية معجمية،د.حلمي خليل،الهيئة المصرية العامة للكتاب،الإسكندرية،1980م
      * لسان العرب، لابن منظور (711هـ)، دار صادر، ودار بيروت، 1374هـ-1955م.
      * ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري هبة الله بن علي (542هـ)، تحقيق: د. عطية رزق، ط1، دار المناهل، بيروت، لبنان، 1413هـ-1992م. (سلسلة النشرات الإسلامية التي تصدرها جمعية المستشرفين الألمانية).
      * معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء (207هـ) الجزء الثالث، تحقيق: د.عبد الفتاح إسماعيل شلبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972م.
      * معجم ألفاظ القرآن الكريم، الجزء الرابع، إعداد: أمين الخولي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1388هـ-1968م.
      * المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم،وضعه:محمد فؤاد عبد الباقي،مطابع الشعب، القاهرة،1378هـ
      * معجم مقاييس اللغة ، لأبي الحسين أحمد بن فارس (395هـ) ، تحقيق: عبد السلام هارون، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1369هـ-1371هـ.
      * المعجم الوسيط، قام بإخراجه: إبراهيم مصطفى وزملاؤه، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1381هـ-1961م.
      * مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لأحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده، تحقيق: كامل بكري وعبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1968م.
      * المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني (502هـ)، أعدَّه للنشر: د.محمد أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية، سنة الإيداع 1970م.
      * من إعجاز القرآن-العلم الأعجمي في القرآن مُفَسَّراً بالقرآن، رؤوف أبو سعدة، دارة الهلال، القاهرة، سنة الإيداع 1973-1974م.
      * النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير مجد الدين المبارك بن محمد (606هـ) ، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي،ط1،دار إحياء الكتب العربية،القاهرة،1383هـ-1963م
      * (كتاب) النوادر، لأبي مسحل الأعرابي، تحقيق: د. عزة حسن، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1380هـ-1961م.
      * هل العربية منطقية-أبحاث ثنائية ألسنية، للأب أ.س.مرمرجي الدومنكي، مطبعة المرسلين اللبنانيين، جونيه، لبنان، 1947م.

      îن îëéىهْ نçمùهْ?

      Working...
      X