أما الآية في سورة الحديد فهي حجة على النصارى لا لهم.... من وجوه:
أولاً:
في هذه الآية إثباتٌ أن المسيح إنما هو رسول من جملة الرسل الذين أرسلهم الله إلى الناس.
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط....)
ثم قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون.
ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) سورة الحديد 25-27
فعيسى عليه السلام رسول أرسله الله على أثر من سبقوه من الرسل، فهو واحد من جملة الرسل...
ثانياً:
لو كان في الآية مدحٌ للنصارى فهو للذين آمنوا به على هذه الصفة... رسولاً من الرسل، وبشراً من الناس، لا إله من الآلهة.
وهم الموحدون من أتباع المسيح عليه السلام، والذين اعتقدوا فيه أنه بشر من الناس ورسولٌ من الرسل.
كما جاء ظاهراً في سورة آل عمران 53 ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
والرسول هنا هو المسيح عيسى ابن مريم ... فهذه الآية جاءت بعد قول الله ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله أمنا بالله واشهد بأنا مسلمون)
ثم قال الحواريون: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
ولذلك قال ابن تيميه رحمه الله في الجواب الصحيح: (ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضاً فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل...)]
ثالثاً:
لم يذكر القرءان في الآية كلمة (النصارى ) ولا قال الله (وجعلنا في قلوب النصارى رأفة ورحمة)
فأين مدحهم في الآية؟
لم يأت لهم بذكر، وإنما وصف بهذه الصفة (الذين اتبعوه) ولم يقل النصارى.
والذين أتبعوه هم من آمن به رسولاً (واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
واتبعوه لما قال لهم (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)
واتبعوه في قوله (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة)
فمن اتبعه في ذلك وآمن بالله الواحد ربَه وربَ المسيح، فهو من أنعم الله عليه بالرحمة والرأفة.
أما النصارى فلم يجعل في قلوبهم رأفة ورحمة، بل جعل فيها العداوة والبغضاء... بكفرهم وذنوبهم... كما قال فيهم (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) المائدة 14
فالعداوة والبغضاء لا الرأفة والرحمة هي حظهم من كفرهم بالله وإشراكهم به.
والدارس للتاريخ لا يمكن أن يقول أن النصارى على مدى هذا التاريخ كانوا أهل رأفة ورحمة!
رابعاً:
بينت الآية أن الله سبحانه هو صاحب النعمة على المسيح، أرسله إلى الناس، وآتاه الإنجيل، وهو الذي جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة.
فمنه سبحانه الإنعام عليه بالرسالة والإنجيل، ومنه سبحانه الإنعام على من اتبعوه بالرحمة والرأفة.
خامساً:
أن الرهبانية بدعة ابتدعها فريق من النصارى، والله تعالى ما كتبها عليهم.
لقد طلبوا بها الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبارِ والرهبانِ ليأكلون أموالَ الناسِ بالباطلِ ويصدون عن سبيل الله )
قال ابن تيميه : (أي وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، وهذه الرهبانية لم يشرعها الله، ولم يجعلها مشروعة لهم، بل نفى جعله عنها، كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) المائدة 103
ثم قال (إلا ابتغاء رضوان الله) أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر لا بما يبتدع، وهذا يسمى استثناءً منقطعاً.
....
ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله، فإن الله لا يفعل شيئاً ابتغاء رضوان نفسه، ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه.....
وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها، وليس في ذلك مدح لهم بل هو ذم.......
قال ابن تيميه: ( فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية، ولا إتمامها، ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأن تلك البدعة لم يرعوها حق رعايتها.
....
قال: فإن قيل قوله تعالى: (فما رعوها حق رعايتها) يدل على أنهم لو رعوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين.
قيل: ليس في الكلام ما يدل على ذلك، بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك، فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها، وإن لم يكن واحداً منهما محموداً بل مذموماً.
انتهى كلام شيخ الإسلام.
سادساً:
سؤال:
من المراد بقول الله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) ثم بقوله: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم)؟
يمكن أن يكونوا هم النصارى الموحدون الذين آمنوا بالمسيح بشراً ورسولاً كما بينا.
لكن أقوى من ذلك قول الذين قالوا أنهم الذين آمنوا بمحمد واتبعوا رسالته كما جاء في آيات كثيرة كقول الله (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً) آل عمران 199
بل وكما يتضح من هذه الآيات.
فقوله (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) كقوله في آية سورة المائدة (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) فهذه مودة الإيمان التي جعلتهم يؤمنون بالنبي وما أنزل عليه ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)
وهنا في هذه السورة جاء بيان لهذه المودة للإيمان وللمؤمنين بتعبير الرأفة والرحمة في قلوبهم، فليسوا أصلاب الرقاب، ولا قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه الرسول كما قال الذين كفروا من أهل الكتاب (وقالوا قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون) البقرة 88
أو كـ (قولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً) البقرة 155
فالمودة والرحمة التي في قلوبهم هي التي جعلتهم يؤمنون بالنبي وتفيض أعينهم من الدمع، ويخشعوا لآيات الله، ولا يستكبرون.
ثم قال بعدها (فآتينا الذين آمنوا أجرهم)
قال ابن تيميه: (وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكثير منهم فاسقون، ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضاً فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل....وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل، ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.) أ.هـ.
ودليل على أن المراد بالذين جعل في قلوبهم رأفة ورحمة الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم أنه ضاعف لهم أجرهم أجرين.... فقال بعدها سبحانه:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته )
والكفلان هما الأجران... أجر لإيمانهم بعيسى بن مريم عليه السلام .... وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم له.
كما في الحديث رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ )
ورواه مسلم:
( ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ .....)
وقد روى النسائي عن ابن عباس، أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب وأنهم يؤتون أجرهم مرتين، وهو اختيار ابن جرير في تفسيره.
ومثل هذه الآية ما جاء في سورة القصص (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) القصص 52
أي يؤمنون بالقرءان... ذلك أن الآية التي قبلها قالت (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) القصص 51
والقول الذي وصله الله هو القرءان. والخطاب كان للمشركين الذين كفروا بالقرءان.... فقال الله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) القصص 47
ومن أجل أن لا يكون لهم حجة عند الله يوم القيامة في أنهم لم يأتهم كتاب من الله كاليهود والنصارى، قال بعدها: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)
فـ(القول) الذي أوصله إليهم هو القرءان الذي أنزل عليهم قطعاً لحجتهم عند الله. فليس لأحد يوم القيامة حجة على الله، بل له سبحانه الحجة البالغة.... ثم أقام عليهم حجة أخرى بأهل الكتاب الذين آمنوا، فقال: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله...) أي من قبل القرءان الذي أوصله إليهم، (هم به يؤمنون) القصص 52
وكان من إيمانهم أنه إذا تلي عليهم القرءان أقروا أنه الحق من الله (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) القصص 53
قال القرطبي: ( هم به ) أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام ( يؤمنون )
( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ) أي إذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه ( إنا كنا من قبله ) أي من قبل نزوله أو من قبل بعثة محمد عليه السلام (مسلمين ) أي موحدين أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينـزل عليه القرآن.
ثم أثنى عليهم وجعل أجرهم أجرين (يؤتون أجرهم مرتين) كما في آية سورة الحديد (كفلين من رحمته) فقال سبحانه: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقنهم ينفقون) الآيات 53-54
أجر إيمانهم بنبيهم وتمسكهم بالتوحيد والصبر عليه والاستمساك به، والصبر على ما أصابهم في سبيل ذلك... ثم أجر إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم....
فليس في هذه الآيات إلا الإيمان بالله، وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب الذي أنزل إليه.
نأتي على آخر آية من الآيات التي جاءت في الموقع المذكور وهي آية سورة البقرة.
قول الله تعالى
(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ، أولئك يؤمنون به) سورة البقرة 121
ومن عجيب أمر النصارى استدلالهم بهذه الآية.
وهذه الآية سُبِقَتْ بقوله تعالى في شأنهم (وقالوا اتخذ الله ولدا. سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌ له قانتون. بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) البقرة 115-116
فهذا ذمٌ للنصارى الذين أشركوا مع الله، وجعلوا له ولداً ....(سبحانه)
ثم بينت الآية أن كل من في السموات والأرض إنما هو خاضع لله قانت له ، الله خالقه (سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌ له قانتون).
ثم بينت أن أمر الله في الخلق إنما بكلمة كن فيكون، فعيسى ابن مريم ومن سواه خاضع قانت بعبوديته لله ...
خلقه الله بكلمة (كن) (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون).
(فكيف مُدِحَ النصارى في هذه الآيات!)
ثم قال الله لرسوله أنه أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وأن عليه البلاغ المبين، ولا يسأل بعد ذلك عن كفر من كفر ولا ضلال من ضل.
( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم)
وأصحاب الجحيم هم الذين كفروا به، سواء من اليهود والنصارى أو ممن كذبه من غيرهم..
ثم خص اليهود والنصارى وبين سبب كونهم من أصحاب الجحيم، أنهم لم يرضوا بما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ...) فلا اليهود سيرضون، ولا النصارى سيرضون بهذا الحق الذي أرسل الله به محمداً بشيراً ونذيراً.
فإذا كان الحق لا يرضون به، فهم إذن رضاهم في الباطل... وهم يدعون إليه، ويريدون من النبي أن يتبعهم عليه.
فما هو هذا الباطل؟
إنه الملة التي هم عليها (... حتى تتبع ملتهم)
فهل وجدت ذماً لليهود والنصارى أكبر من ذلك!
ثم بين له أن ما جاءه من الله وأوحاه إليه من كتاب ومن دين هو الهدى (قل إن هدى الله هو الهدى)
قال القرطبي: (المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدي الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدي الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء)
وقال الشوكاني في فتح القدير: [أمره بأن يقول لهم (إن هدى الله هو الهدى) الحقيقي لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة]
ثم حذره وتوعده إن اتبع ملتهم أو سعى لرضاهم... أو أتعب نفسه في طلب ما يوافقهم ... (... ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)
إن دينهم ليس ملة حق... إنما هي أهواء وباطل،
إنها جهل لا علم...
ومن يتبع ملة النصارى أو اليهود، فلن ينصره من الله أحد، ولا يحجزه من عذاب الله ولي.
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)
أين مدح النصارى في الآيات...
هل وجدوا مدحهم في وصفهم بالباطل... أو وجدوه في وصفهم بالضلال، أو الهوى، أو الجهل، أم الخذلان من الله!!
ثم قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)
وهذه كسابقتها التي في سورة القصص .... مدح للذين يتلون القرءان حق تلاوته.
فـ(الكتاب) الذي يتلى هو العلم الذي جاء محمداً والذي لو تركه لأهواء اليهود والنصارى فليس له من دون الله ولي ولا نصير.
وهو الحق الذي أَرْسَل الله به محمداً بشيراً ونذيراً كما في الآيات التي قبلها،.... ولا يسأل بعد ذلك عن كفرهم وضلالهم.
كقوله تعالى ( نحن أعلمُ بِما يقولون وما أنتَ عليهم بجبار فذكِّرْ بالقرآن من يخاف وعيد) سورة ق 45
فقوله (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) كقوله (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا)
وقوله (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) كقوله (وما أنت عليهم بجبار)
ولذلك كان مما نقل عن قتادة بن دعامة في قوله تعالى ((الذين آتيناهم الكتاب يتلونه...) قال هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو قلنا أن المراد بهم أهل الكتاب وأن المراد يتلونه حق تلاوته أي كتابهم، فليس في شيء للنصارى ولا لليهود.
قال ابن كثير: أي من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يامحمد.
كما قال تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) الآية
وقال ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) أي إذا أقمتموها حق الإقامة وآمنتم بها حق الإيمان وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره وموازرته قادكم ذلك إلى الحق وإتباع الخير في الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية
وقال تعالى ( قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) أي إن كان ما وُعِدْنـَا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعا.
وقال تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون )
وقال تعالى ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد )
ولهذا قال تعالى ( ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون )
كما قال تعالى ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) وفي الصحيح (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)
من تفسير ابن كثير.
بهذه الآيات نكون قد ذكرنا تأويل العلماء للآيات التي نقلتها الأخت من الموقع ...
لا تجد فيها مدحاً لكافر أشرك مع الله إلهاً آخر، وزعم أن له ولداً...
لكن الأمر كما ذكرنا قبل:
إن استدلالهم بالقرءان دليلٌ في نفسه على مدى شعورهم بشركهم ...
فلو كانوا يعلمون في أنفسهم توحيداً لله، وإيماناً بإله واحد، وكانوا يستطيعون التدليل عليه، ما اضطروا إلى الكذب على القرءان.
أولاً:
في هذه الآية إثباتٌ أن المسيح إنما هو رسول من جملة الرسل الذين أرسلهم الله إلى الناس.
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط....)
ثم قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون.
ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) سورة الحديد 25-27
فعيسى عليه السلام رسول أرسله الله على أثر من سبقوه من الرسل، فهو واحد من جملة الرسل...
ثانياً:
لو كان في الآية مدحٌ للنصارى فهو للذين آمنوا به على هذه الصفة... رسولاً من الرسل، وبشراً من الناس، لا إله من الآلهة.
وهم الموحدون من أتباع المسيح عليه السلام، والذين اعتقدوا فيه أنه بشر من الناس ورسولٌ من الرسل.
كما جاء ظاهراً في سورة آل عمران 53 ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
والرسول هنا هو المسيح عيسى ابن مريم ... فهذه الآية جاءت بعد قول الله ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله أمنا بالله واشهد بأنا مسلمون)
ثم قال الحواريون: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
ولذلك قال ابن تيميه رحمه الله في الجواب الصحيح: (ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضاً فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل...)]
ثالثاً:
لم يذكر القرءان في الآية كلمة (النصارى ) ولا قال الله (وجعلنا في قلوب النصارى رأفة ورحمة)
فأين مدحهم في الآية؟
لم يأت لهم بذكر، وإنما وصف بهذه الصفة (الذين اتبعوه) ولم يقل النصارى.
والذين أتبعوه هم من آمن به رسولاً (واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)
واتبعوه لما قال لهم (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)
واتبعوه في قوله (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة)
فمن اتبعه في ذلك وآمن بالله الواحد ربَه وربَ المسيح، فهو من أنعم الله عليه بالرحمة والرأفة.
أما النصارى فلم يجعل في قلوبهم رأفة ورحمة، بل جعل فيها العداوة والبغضاء... بكفرهم وذنوبهم... كما قال فيهم (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) المائدة 14
فالعداوة والبغضاء لا الرأفة والرحمة هي حظهم من كفرهم بالله وإشراكهم به.
والدارس للتاريخ لا يمكن أن يقول أن النصارى على مدى هذا التاريخ كانوا أهل رأفة ورحمة!
رابعاً:
بينت الآية أن الله سبحانه هو صاحب النعمة على المسيح، أرسله إلى الناس، وآتاه الإنجيل، وهو الذي جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة.
فمنه سبحانه الإنعام عليه بالرسالة والإنجيل، ومنه سبحانه الإنعام على من اتبعوه بالرحمة والرأفة.
خامساً:
أن الرهبانية بدعة ابتدعها فريق من النصارى، والله تعالى ما كتبها عليهم.
لقد طلبوا بها الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبارِ والرهبانِ ليأكلون أموالَ الناسِ بالباطلِ ويصدون عن سبيل الله )
قال ابن تيميه : (أي وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، وهذه الرهبانية لم يشرعها الله، ولم يجعلها مشروعة لهم، بل نفى جعله عنها، كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) المائدة 103
ثم قال (إلا ابتغاء رضوان الله) أي لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر لا بما يبتدع، وهذا يسمى استثناءً منقطعاً.
....
ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله، فإن الله لا يفعل شيئاً ابتغاء رضوان نفسه، ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه.....
وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها، وليس في ذلك مدح لهم بل هو ذم.......
قال ابن تيميه: ( فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية، ولا إتمامها، ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأن تلك البدعة لم يرعوها حق رعايتها.
....
قال: فإن قيل قوله تعالى: (فما رعوها حق رعايتها) يدل على أنهم لو رعوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين.
قيل: ليس في الكلام ما يدل على ذلك، بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك، فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها، وإن لم يكن واحداً منهما محموداً بل مذموماً.
انتهى كلام شيخ الإسلام.
سادساً:
سؤال:
من المراد بقول الله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) ثم بقوله: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم)؟
يمكن أن يكونوا هم النصارى الموحدون الذين آمنوا بالمسيح بشراً ورسولاً كما بينا.
لكن أقوى من ذلك قول الذين قالوا أنهم الذين آمنوا بمحمد واتبعوا رسالته كما جاء في آيات كثيرة كقول الله (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً) آل عمران 199
بل وكما يتضح من هذه الآيات.
فقوله (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) كقوله في آية سورة المائدة (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) فهذه مودة الإيمان التي جعلتهم يؤمنون بالنبي وما أنزل عليه ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)
وهنا في هذه السورة جاء بيان لهذه المودة للإيمان وللمؤمنين بتعبير الرأفة والرحمة في قلوبهم، فليسوا أصلاب الرقاب، ولا قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه الرسول كما قال الذين كفروا من أهل الكتاب (وقالوا قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون) البقرة 88
أو كـ (قولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً) البقرة 155
فالمودة والرحمة التي في قلوبهم هي التي جعلتهم يؤمنون بالنبي وتفيض أعينهم من الدمع، ويخشعوا لآيات الله، ولا يستكبرون.
ثم قال بعدها (فآتينا الذين آمنوا أجرهم)
قال ابن تيميه: (وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكثير منهم فاسقون، ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضاً فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل....وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل، ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.) أ.هـ.
ودليل على أن المراد بالذين جعل في قلوبهم رأفة ورحمة الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم أنه ضاعف لهم أجرهم أجرين.... فقال بعدها سبحانه:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته )
والكفلان هما الأجران... أجر لإيمانهم بعيسى بن مريم عليه السلام .... وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم له.
كما في الحديث رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ )
ورواه مسلم:
( ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ .....)
وقد روى النسائي عن ابن عباس، أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب وأنهم يؤتون أجرهم مرتين، وهو اختيار ابن جرير في تفسيره.
ومثل هذه الآية ما جاء في سورة القصص (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) القصص 52
أي يؤمنون بالقرءان... ذلك أن الآية التي قبلها قالت (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) القصص 51
والقول الذي وصله الله هو القرءان. والخطاب كان للمشركين الذين كفروا بالقرءان.... فقال الله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) القصص 47
ومن أجل أن لا يكون لهم حجة عند الله يوم القيامة في أنهم لم يأتهم كتاب من الله كاليهود والنصارى، قال بعدها: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)
فـ(القول) الذي أوصله إليهم هو القرءان الذي أنزل عليهم قطعاً لحجتهم عند الله. فليس لأحد يوم القيامة حجة على الله، بل له سبحانه الحجة البالغة.... ثم أقام عليهم حجة أخرى بأهل الكتاب الذين آمنوا، فقال: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله...) أي من قبل القرءان الذي أوصله إليهم، (هم به يؤمنون) القصص 52
وكان من إيمانهم أنه إذا تلي عليهم القرءان أقروا أنه الحق من الله (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) القصص 53
قال القرطبي: ( هم به ) أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام ( يؤمنون )
( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ) أي إذا قرئ عليهم القرآن قالوا صدقنا بما فيه ( إنا كنا من قبله ) أي من قبل نزوله أو من قبل بعثة محمد عليه السلام (مسلمين ) أي موحدين أو مؤمنين بأنه سيبعث محمد وينـزل عليه القرآن.
ثم أثنى عليهم وجعل أجرهم أجرين (يؤتون أجرهم مرتين) كما في آية سورة الحديد (كفلين من رحمته) فقال سبحانه: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقنهم ينفقون) الآيات 53-54
أجر إيمانهم بنبيهم وتمسكهم بالتوحيد والصبر عليه والاستمساك به، والصبر على ما أصابهم في سبيل ذلك... ثم أجر إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم....
فليس في هذه الآيات إلا الإيمان بالله، وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب الذي أنزل إليه.
نأتي على آخر آية من الآيات التي جاءت في الموقع المذكور وهي آية سورة البقرة.
قول الله تعالى
(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ، أولئك يؤمنون به) سورة البقرة 121
ومن عجيب أمر النصارى استدلالهم بهذه الآية.
وهذه الآية سُبِقَتْ بقوله تعالى في شأنهم (وقالوا اتخذ الله ولدا. سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌ له قانتون. بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) البقرة 115-116
فهذا ذمٌ للنصارى الذين أشركوا مع الله، وجعلوا له ولداً ....(سبحانه)
ثم بينت الآية أن كل من في السموات والأرض إنما هو خاضع لله قانت له ، الله خالقه (سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌ له قانتون).
ثم بينت أن أمر الله في الخلق إنما بكلمة كن فيكون، فعيسى ابن مريم ومن سواه خاضع قانت بعبوديته لله ...
خلقه الله بكلمة (كن) (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون).
(فكيف مُدِحَ النصارى في هذه الآيات!)
ثم قال الله لرسوله أنه أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وأن عليه البلاغ المبين، ولا يسأل بعد ذلك عن كفر من كفر ولا ضلال من ضل.
( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم)
وأصحاب الجحيم هم الذين كفروا به، سواء من اليهود والنصارى أو ممن كذبه من غيرهم..
ثم خص اليهود والنصارى وبين سبب كونهم من أصحاب الجحيم، أنهم لم يرضوا بما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ...) فلا اليهود سيرضون، ولا النصارى سيرضون بهذا الحق الذي أرسل الله به محمداً بشيراً ونذيراً.
فإذا كان الحق لا يرضون به، فهم إذن رضاهم في الباطل... وهم يدعون إليه، ويريدون من النبي أن يتبعهم عليه.
فما هو هذا الباطل؟
إنه الملة التي هم عليها (... حتى تتبع ملتهم)
فهل وجدت ذماً لليهود والنصارى أكبر من ذلك!
ثم بين له أن ما جاءه من الله وأوحاه إليه من كتاب ومن دين هو الهدى (قل إن هدى الله هو الهدى)
قال القرطبي: (المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدي الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدي الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء)
وقال الشوكاني في فتح القدير: [أمره بأن يقول لهم (إن هدى الله هو الهدى) الحقيقي لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة]
ثم حذره وتوعده إن اتبع ملتهم أو سعى لرضاهم... أو أتعب نفسه في طلب ما يوافقهم ... (... ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)
إن دينهم ليس ملة حق... إنما هي أهواء وباطل،
إنها جهل لا علم...
ومن يتبع ملة النصارى أو اليهود، فلن ينصره من الله أحد، ولا يحجزه من عذاب الله ولي.
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)
أين مدح النصارى في الآيات...
هل وجدوا مدحهم في وصفهم بالباطل... أو وجدوه في وصفهم بالضلال، أو الهوى، أو الجهل، أم الخذلان من الله!!
ثم قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)
وهذه كسابقتها التي في سورة القصص .... مدح للذين يتلون القرءان حق تلاوته.
فـ(الكتاب) الذي يتلى هو العلم الذي جاء محمداً والذي لو تركه لأهواء اليهود والنصارى فليس له من دون الله ولي ولا نصير.
وهو الحق الذي أَرْسَل الله به محمداً بشيراً ونذيراً كما في الآيات التي قبلها،.... ولا يسأل بعد ذلك عن كفرهم وضلالهم.
كقوله تعالى ( نحن أعلمُ بِما يقولون وما أنتَ عليهم بجبار فذكِّرْ بالقرآن من يخاف وعيد) سورة ق 45
فقوله (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) كقوله (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا)
وقوله (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) كقوله (وما أنت عليهم بجبار)
ولذلك كان مما نقل عن قتادة بن دعامة في قوله تعالى ((الذين آتيناهم الكتاب يتلونه...) قال هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو قلنا أن المراد بهم أهل الكتاب وأن المراد يتلونه حق تلاوته أي كتابهم، فليس في شيء للنصارى ولا لليهود.
قال ابن كثير: أي من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يامحمد.
كما قال تعالى ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) الآية
وقال ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) أي إذا أقمتموها حق الإقامة وآمنتم بها حق الإيمان وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره وموازرته قادكم ذلك إلى الحق وإتباع الخير في الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية
وقال تعالى ( قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) أي إن كان ما وُعِدْنـَا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعا.
وقال تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون )
وقال تعالى ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد )
ولهذا قال تعالى ( ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون )
كما قال تعالى ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) وفي الصحيح (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)
من تفسير ابن كثير.
بهذه الآيات نكون قد ذكرنا تأويل العلماء للآيات التي نقلتها الأخت من الموقع ...
لا تجد فيها مدحاً لكافر أشرك مع الله إلهاً آخر، وزعم أن له ولداً...
لكن الأمر كما ذكرنا قبل:
إن استدلالهم بالقرءان دليلٌ في نفسه على مدى شعورهم بشركهم ...
فلو كانوا يعلمون في أنفسهم توحيداً لله، وإيماناً بإله واحد، وكانوا يستطيعون التدليل عليه، ما اضطروا إلى الكذب على القرءان.

: ( كيف و اي يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم الا و لا ذمة يرضونكم بأفواههم و تأبي قلوبهم و اكثرهم فاسقون )
îن îëéىهْ نçمùهْ?