ثانيًا: إعتراف القرآن بالكتاب المقدس وعدم تغيره !
هذا هو العنوان الذي ابتدأ به القمص كلامه ، وهذا عمل أُريد به باطل ، فإن القرآن الكريم لم يعترف للحظة واحدة بأن الكتاب الذي يُدعى " الكتاب المقدس" هو التوراة و الإنجيــل أو أنــه لــم يتغير بل على العكس , وسوف ترى عزيزي القاريء خداع وتحريف القمص , والذي إن دل على شيء فإنما يدل على بطلان معتقده وفساد منهجه في البحث والنقل !
تفسير الآيات القرآنية التي تمدح التوراة والإنجيل
القاعدة العامة للتفسير : يمكننا أن نذكر هنا قاعدة عامة يستطيع القاريء أن يجعلها أساسًا لتفسير آيات القرآن الكريم , بشأن التوراة والإنجيل وأهل الكتاب , وهى أن مدح القرآن للتوراة والإنجيل إنما هو مدح للتوراة التي أنزلت على موسى حقًا , والإنجيل الذي أنزل إلى عيسى حقًا كذلك , وهذا لا يناقض مطلقًا أن الجهل والفساد قد أفضيا إلى تحريف كثير منهما , وفقدان الصحيح , وعدم تواتره , فلما نزل القرآن بجميع الفضائل التي في الكتب المنزلة من عند الله , وأقرها وحفظها , كما حفظ غيرها من الشرائع والأحكام التي أنزلها الله تعالى والمناسبة لكل أمة من الأمم التي أُرسل لها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , من لدن القرآن إلى انقراض العالم , لأنه مرسل للناس كافة , وخاتم النبيين , فتواترت المعاني الفاضلة التي أنزلها الله مجددًا للتوراة والإنجيل الحقيقين , حافظًا لهما من الضياع , فهو مهيمنًا ( حافظًا ) على التوراة والإنجيل الحقيقيين بدون شك , وكما أنه مهيمن على المعاني الصحيحة الموجودة في التوراة والإنجيل فقد نبه على الفساد الذي عرض لهما , سواء كان في باب العقائد , أو في باب المعاملات أو في باب العبادات . ( أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين والملحدين ص 26 ) .
يقول القمص ص7 : ( يعترف القرآن بالكتاب المقدس أنه واحد يشكل العهدين فقال : {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ }الأنعام156) .
وهذا هو الجهل البين ، فليس في الدين الإسلامي شيء اسمه العهد القديم والعهد الجديد ، فالتوراة والإنجيل الوارد ذكرهما في آيات القرآن الكريم هما التوراة ( توراة موسى ) والإنجيل( إنجيل عيسى ) –كما سنبين إن شاء الله- اللذان لم يحرفا واللذان يخلوان من تلك العقائد الباطلة التي تزعم أن لله ولد وأن المسيح إله أو إبن الإله والتي تجعل عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء أساس الإيمان , بل إن تلك العقائد هى أكبر دليل على أن هذه الكتب قد حرفت لأن القرآن الكريم نفاها نفيًا قاطعًا بل وكفَّر من يؤمن بها !
إن العهدين القديم والجديد ليسا التوراة والإنجيل – كما سنبين إن شاء الله – وإذا اطلعت على تفسير الآية التي أشار إليها القمص من سورة الأنعام سوف تعلم ما فعله من تحريف في تأويلها , إذ قال المفسرون في تفسير هذه الآية : وقوله تعالى ( عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ) أي اليهود والنصارى.
فأين إذاً إعتراف القرآن الكريم في هذه الآية بأن الكتاب المقدس يشكل العهدين ( القديم والجديد ) كما زعم القمص ؟! لكن هذا ما يروج له حضرة القمص لتضليل الآلاف من النصارى البسطاء الذين يطلعون على كتابه والذي لا يُرَوَج له إلا داخل الكنائس !
والآن لنستمع إلي القمص وهو يقول ص 7 : ( يدعو القرآن الكتاب المقدس أنه الكتاب المنير : {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ }آل عمران184. وفي تفسير الجلالين : " الْمُنِيرِ " أي الواضح وهو التوراة والإنجيل ) .
عجبتُ من أمر القسيس !
من الذي ادعى يا جناب القمص أن كتابك " منير " أصلاً ؟! , إن الكتاب المقدس نفسه لا يقول عن نفسه أنه " منير " , بل ولا حتى يقول عن نفسه أنه " مقدس " ، بل أنتم الذين قلتم عليه أنه مقدس عندما جئتم بالتوراة المحرفة التي لدى اليهود واخترتم أربعة أناجيل من بين أكثر من 200 إنجيل , ولم يكن بينهم إنجيلين متطابقين ولا بينهم إنجيل المسيح الذي وعظ وبشر به وكل ذلك كان بالإقتراع وليس بوحي من الله , ثم أطلقتم في النهاية عليهما بعد كل ذلك العهد القديم والعهد الجديد !
فكيف علمتم يا حضرة القمص من بين كل هذه النسخ أن هذا هو كلام الله ؟! , إنه عملكم أنتم ، وقولكم أنتم ، والله منه بريء , ثم في النهاية قلتم أن هذه هى التوراة وهذا هو الإنجيل !
فلقد ادعى القمص أنه قد جاء في القرآن الكريم أن " الْمُنِيرِ " هو الكتاب المقدس , وهذا من تحريفه وتزيفه للحقائق , لأنه وبكل بساطة لا توجد آية في القرآن الكريم تزعم ما زعمه القمص من أن القرآن الكريم يدعو ما يعرف بـ " الكتاب المقدس " أنه الكتاب المنير , والذي جاء في تفسير الجلالين أن كلمة " المنير " أي الواضح وهو التوراة والإنجيل – وليس الكتاب المقدس – ( تفسير الجلالين ص 93 ) .
وكما بينت وسوف أبين إن شاء الله أن الكتاب المقدس ليس التوراة والإنجيل ولكن هذا ما يروج له القمص لأنه يعلم قدر هذين الكتابين عندنا .
وفي تفسير نفس الآية قال ابن كثير : وقوله " الْكِتَابِ الْمُنِيرِ " أي الواضح الجلي . ولم يقل ابن كثيـر رحمــه الله أنه التوراة والإنجيل , فلماذا لم تنقل ما جاء في تفسير ابن كثير يا حضرة القمص وهو عندنا أصح وأدق من تفسير الجلالين ؟!
والإجابة : لأنه لا يوافق مخطط القمص ولا يوافق معتقــده الباطل بأن التوراة والإنجيل هما الكتاب المقدس .
قال ابن حزم – رحمه الله - : ( أما إقرارنا بالتوراة والإنجيل فنعم , وأي معنى لتمويهكم بهذا ونحن لن ننكرهما قط بل نكفر من أنكرهما ؟ إنما قلنا إن الله تعالى : أنزل التوراة على موسى عليه السلام حقًا , وأنزل الزبور على داود عليه السلام حقًا , وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام حقًا , وأنزل الصحف على إبراهيم وموسى عليهما السلام حقًا , وأنزل كتبًا لم تسم لنا على أنبياء لم يسموا لنا حقًا , نؤمن بكل ذلك .... وقلنا ونقول : إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة فزادوا ونقصوا , وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " الأنبياء23 . " لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِه "الرعد 41. وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا , وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء ) ( الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/314 ) .
ويستمر القمص في تحريفه قائلاً ص 7: ( يشهد القرآن للمسيحيين أنهم يتلونه حق تلاوة ( أي الكتاب المقدس ) – البقرة 121 ) .
لاحظ أيها القاريء أن القمص لم يذكر الآية كالمعتاد بل أشار للموضع فقط , أتعلمون لماذا ؟ لأن الآية تقول {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }البقرة121, فأين المسيحيون من الآية الكريمة ؟!
ويستمر قائلاً : ( أنه جاء في تفسير الجلالين أن هذا معناه : أن الكتاب هو هو لم يتغير كما أنزل بمعنى أنه لم يحدث فيه تغيير أو تبديل أو تحريف ولن يتبدل إلى الأبد ) !
هذا ما زعمه حضرة القمص أنه موجود في تفسير الجلالين , والآن لنستعرض ما جاء في تفسير الجلالين وهيئوا أنفسكم أيها السيدات والسادة للمفاجأة التالية , إذ جاء في تفسير الجلالين في تفسير هذه الآية ما نصه : ( ( الذين أتيناهم الكتاب ) مبتدأ ( يتلونه حق تلاوته ) أي يقرؤونه كما أُنزل والجملة حال و ( حق ) نصب على المصدر والخبر ( أولئك يؤمنون به ) نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا ( ومن يكفر به) أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه ( فأولئك هم الخاسرون ) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ) ( تفسير الجلالين ص 25 ) .
هذا ما جاء في تفسير الجلالين نصًا , ولا حول ولا قوة إلا بالله !
إن هذا التحريف الذي نراه بالمقارنة بما سوف نراه من القمص فيما بعد لا يعد شيئًا البتة !
فقوله تعالى : ( الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) أي الذين آتـيناهم الكتاب يا مـحمد – صلى الله عليه وسلم – من أهل التوراة الذين آمنوا بك (مثل عبد الله بن سلام وأصحابه وكعب الأحبار ومثل الآلاف من اليهود والنصارى الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا ) يتبعون كتابـي الذي أنزلته علـى رسولـي موسى – صلوات الله علـيه – فـيؤمنون به , ويقرّون بـما فـيه من نعتك وصفتك , وأنك رسولـي فرض علـيهم طاعتـي فـي الإيـمان بك والتصديق بـما جئتهم به من عندي, ويعملون بـما أحللتُ لهم , ويجتنبون ما حرّمت علـيهم فـيه , ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيرونه ، وقوله تعالى ( يَتْلُونَهُ حَقّ تِلاَوَتِهِ ) أي يتبعونه حقّ إتبـاعه ، فالله جل ثناؤه يخبرنا أن متبعي التوراة هم الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى :{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157, وهم العاملون بـما فـيها ، ولهذا تبعها الله جل وعلا بقوله (أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي : من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد لأن فيها وصفك ونعتك وخبرك , كما قال تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66, وقوله تعالـى ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَـاولَئِكَ هُمُ الـخَاسِرُونَ ) فيعنـي جل ثناؤه : ومن يكفر بـالكتاب الذي أخبر عز وجل أنه يتلوه من آتاه من الـمؤمنـين حقّ تلاوته , ويجحد ما فـيه من فرائض الله ونبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه , ويبدّله , ويحرفه أولئك هم الذين خسروا علـمهم وعملهم فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله واستبدلوا بها سخط الله وغضبه .( تفسير الطبري 1/566-596 , وابن كثير 1/196 بتصرف ) .
فهل اليهود والنصارى يقرون بذلك ؟!
فإن قلتم نعم يُلزمكم هذا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم والقول بأن الكتاب المقدس ليس التوراة والإنجيل ، وإن قلتم لا , فاقرؤوا إن شئتم تتمة الآية التي استشهد بها القمص (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَـاولَئِكَ هُمُ الـخَاسِرُونَ ) !
يقول القمص ص 7 : ( ويعتبر القرآن الكتاب المقدس أنه كلام الله الذي لا يتغير " وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ " آل عمران 3 ، " لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ " الأنعام 34 ، 115 والكهف 27 ، ويونس 64 ) .
وأستفتح الرد مستأنسًا بقول المولى سبحانه وتعالى : { إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم * أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } البقرة 175-176 .
ولنرى الأن ماذا فعل القمص بكلام الله :
قال تعالى : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ *مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}آل عمران3-4. لقد حذف القمص هذا الجزء من استشهاده ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) والذي هو دليل على أن القرآن الكريم هو كلام الله الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنزل عليه , ثم أخذ الجزء الباقي من الآية وهو (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) ووصله بالآية الرابعة ، وحذف من الآية الرابعة ( وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ )أي القرآن الكريم , ثم كتب نتاج ما حرفه فكان هكذا : (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ) , ثم قال بعدها(آل عمران 3) مخترعاً بذلك آية جديدة في كتاب الله !
ولم ينتهي الخداع إلى هذا فقط بل امتد بأن جاء بآية أخرى من سورة أخرى وهى سورة الأنعام الآية 34 : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34 ، فحذف الآية إلا جملة (وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) ووضعها بجانب الجزء المقطوع السابق , فكانت المحصلة : ( " وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ " آل عمران 3 ، " لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ " الأنعام 34 ) !
ويستدل القمص من قول المولى جل في علاه في سورة الأنعام : ( لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) أن كتابه المقدس لم يتغير أو يتبدل , والكل بالطبع يعلم أن قول المولى عز وجل : ( لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) أي مواعيده وسننه الكونية من تحقق النصر للمؤمنين ولو بعد حين كما قال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ }الصافات 171-172 . وقوله تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }المجادلة21. ( تفسير الجلالين ص 167 , تفسير ابن كثير 3/151 ) .
يقول فضيلة الدكتور/ محمد شوقي الجزيري في تعليقه على آية الأنعام 34 : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام 34: ( وهذا معناه البديهي الذي يدركه كل من له إلمام باللغة العربية : إن معنى الآية أن الله قد أنفذ وعده لرسله الصابرين فنصرهم , لأن وعده لا تبديل له , فالكلمات التي وعدهم بها في قوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51. لا تبديل لها , فأين هذا الذي فهمه المبشرون ؟ وهل يصح للمستدل أن يقدم دليلاً قبل أن يتثبت من معناه , ويتأكد أنه لا يحتمل إلا ما يقول ) ( أدلة اليقين ص 38 ) .
والأن سوف أورد بعضًا مما حرف فيه القمص في صفحة 7 من كتابه :
في قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66.
تفسير الآية : قال ابن كثير وغيره: ({وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ } أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي في أيديهم عن الأنبياء على ما هى عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى إتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمد صلى الله عليه وسلم فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر بإتباعه حتماً لا محالة ) ( تفسير ابن كثير 2/ 90 ) .
وقال ابن حزم : ( ولا سبيل إلى إقامة التوراة والإنجيل المنزلين بعد تبدليهما إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم , فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل حقًا لإيمانهم بالمنزَّل فيهما , وجحدهم ما لم ينزل فيهما , وهذه هى إقامتها حقًا ) ( الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/317 ) .
تحريف القمص : ( دعا معاصريه من اليهود والنصارى إلى العمل بالكتاب {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66. )
في قوله تعالى : {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام 89 ، 90 .
تفسير الآية : جاء في تفسير ابن كثير والجلالين والطبري والقرطبي وغيرهم في تفسير قوله تعالى : " فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء " أي قريش , " هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ " وهم المهاجرون والأنصار . ( تفسير ابن كثير 3/179 , تفسير الجلالين ص176, تفسير القرطبي 4/24 , تفسير الطبري 5/260) .
تحريف القمص : ( اعترف أن الكتاب المقدس هو المرجع الذي يهدي الكل في الشئون الدينية بما فيهم محمد- صلى الله عليه وسلم – نفسه " أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ( أي قريش ) فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ( وهم أهل الكتاب ) ) .
أعتقد أن القاريء قد لاحظ ما فعله القمص من تحريف وتزيف فلقد حرف في التفسير فبدل المهاجرون والأنصار بأهل الكتاب كما ترى .
في قوله تعالى : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }يونس94 .
تحريف القمص : ( أوصى القرآن محمد نفسه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يطمئن ويثبت إيمانه عند أهل الكتاب {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } يونس 14 . وهذه شهادة من القرآن لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) على صدق أمانة أهل الكتاب في حفظه وهى شهادة على صحة الكتاب ذاته الذي بين أيديهم ) .
يقول فضيلة الدكتور/عمر بن عبد العزيز قريشي : ( زعم قوم من النصارى أن هذه الأية تدل على أن الإسلام ليس حقًا , أو أن النبي صلى الله عليه وسلم شك فيما أنزل إليه , أو سألوا : هل كان نبيكم يشك فيما أنزل إليه ؟ .
والجواب على ذلك سهل وميسور : ذلك أن السائل لم يفرق بين ( إن ) الشرطية وبين ( إذا ) الشرطية , ذلك لأن ( إن) الشرطية لا تفيد تحقيق الوقوع , وإنما تفيد احتمال الوقوع , وافتراض الوقوع .
يعني : على افتراض أنك شككت- ولن تشك – فسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك من العلماء الذين قرأوا صفاتك , وعلموا الحق الذى أنت عليه وصدقوا بذلك , أمثال عبد الله بن سلام , ونحوه, ولذلك قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الأحقاف10.
وأما (إذا) فإنها تفيد تحقيق الوقوع ,و(إن) تفيد الإحتمال أو الإفتراض , من باب قوله تعالى : {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ }الزخرف 81 . ولن يكون للرحمن ولد , وإنما هو من باب الإفتراض , والآية هنا صدرت " بإن " التي هى للإفتراض وليست " إذا " التي هى لتحقيق الوقوع , والفارق بينهما واضح .
هذا ثم يقال للسائل : لماذا لم تكمل الآية ؟ كمن قرأ {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ }الماعون4.ثم سكت , فحكم على المصلين بالويل , أو قرأ { لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ }النساء 43. فمنع فريضة الله ! , وفي آخر الآية (لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ), وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية : " والله لا أشك ولا أسأل " )(آيات مظلومة بين جهل المسلمين وحقد المستشرقين ص 208-209) .
والآية الكريمة بها دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم مبشر به في أسفار اليهود والنصارى , ولهذا قال ابن كثير : " وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157 . ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهــم كما يعرفون أبنائهم يلبســون ذلك ويحرفونــه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم " . ( تفسير ابن كثير 4/175 ) .
يقول القمص في ص 8 : ( ويدعو القرآن المؤمنين منهم الرجوع لأهل الكتاب ليتعلموا : " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " النحل43 . وفي تفسير الجلالين أن أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل وهم يعلمون بهما ويدعوهم للهداية به لأنه يهدي المتقين : {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }المائدة46 ) .
ويستمر القمص في عادته التحريفية حيث ذكر النصف الثاني من آية سورة النحل ولم يذكر الآيات كاملة , فالآيات تقول : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون } النحل 43 ، 44 – وكما نرى فالسؤال هنا خاص وليس بعام !
قال الطبري: ( يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلنا من قبلك يا مـحمد إلـى أمة من الأمـم , للدعاء إلـى توحيدنا والإنتهاء إلـى أمرنا ونهينا , إلاّ رجالاً من بنـي آدم نوحي إلـيهم وحينا لا ملائكة , من قَبلهم من الأمـم من جنسهم وعلـى منهاجهم. ويقول الله لـمشركي قريش : وإن كنتـم لا تعلـمون أن الذين كنا نرسل إلـى من قبلكم من الأمـم رجال من بنـي آدم مثل مـحمد صلى الله عليه وسلم وقلتـم هم ملائكة أي ظننتـم أن الله كلـمهم قبلاً , فـاسْئَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ وهم الذين قد قرءوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنـجيـل , وغير ذلك من كتب الله التـي أنزلها علـى عبـاده ) ( تفسير الطبري 7/587) .
وقال ابن كثير : ( قال الضحاك عن ابن عباس : لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا فأنزل الله : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ }يونس2 , وقال : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يعني أهل الكتب الماضية أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة كفرتم , وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً .... والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا بشرًا كما هو بشر ) ( تفسير ابن كثير 4/327-328 ) .
وجاء في تفسير الجلالين : " أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل" . ( تفسير الجلالين ص 351 ) , وليس أهل الكتاب المقدس !
وقال القرطبي } : َفَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْر ِ} قال سفيان: ( يعني مؤمني أهل الكتاب ) ( تفسير القرطبي 5/72) .
ومؤمني أهل الكتاب كما هو معلوم من الدين بالضرورة هم أهل الكتاب الذين يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من صفته المكتوبة عندهم , فعليكم إذاً الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا كنتم تريدون أن تشير هذه الآية إليكم يا حضرة القمص !
قال السعدي : ( إعلم : أن أفضل أهل الذكر هم أهل هذا القرآن العظيم بإتفاق علماء الأمة ، فإنهم أهل الذكــر علــى الحقيقة وأولى من غيرهـم بهـذا الإســم ولهذا قال تعالى : " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ " أي القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العبــاد مــن أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة ) ( تفسير السعدي 1/592 ) .
وبعد كل هذا يقول القمص : ( يدعـو – القرآن – المؤمنيـن منهم الرجوع لأهل الكتاب ليتعلموا ) , فى حين أن القرآن الكريم ما دعا إلا مشركي قريش أن يسألوا أهل الكتاب عن أمر محدد ألا وهو : أكان رسل الله قبل محمد صلى الله عليه وسلم بشرًا أم ملائكة أم ماذا كانوا ؟!
وإني لأتسأل ما الذي عندكم للتعليم ؟ أو حتى يستحق التعليم يا جناب القمص ؟! تعلم الصفات المعيبة التي تنسبونها إلى الله عز وجل في كتابكم ( تعالى الله عما تصفون ) مثل أن موسى يرى أجزاء الله المؤخرة ؟ " ثم ارفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهـي فلا يرى " ( الخروج 33-23 ) , أو أن يعقوب تصارع مع الله وقدر عليه " فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله ومع النــاس وقدرت " ( التكوين 32-28 ) , أو أن الله مثـل الإنســان الثمـل " فاستيقــظ الرب كنائــم كجبـار معيط من الخمر " ( مزامير 78-65 ) , أو أنــه نـــدم علــى خلـــق الإنســان " فحــزن الرب أنه عمـل الإنسـان فــي الأرض وتأســف فــي قلبـــه " ( التكوين 6-6 ) !
يقول القمص ص 8 : ( يعتبر القرآن كل من لا يقيم أحكام الإنجيل فاسقاً : {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }المائدة47 ) .
ألا يضحك الذين يقرءون أدلة هؤلاء القساوسة , ويعجبون كيف يستدلون بدون أن يرجعوا إلى الإخصائيين الذين يمكنوهم من تعلم كيفية الإستدلال !
قال ابن كثير : ( " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ " أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمــروا به مما فيه البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بإتباعه وتصديقه ) ( تفسير ابن كثير 3/77 ) .
أما قوله تعالى : "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " أي الخارجون عن طاعة ربهم المائلون إلى الباطل التاركون للحق وهم النصارى ، وهذا أمر لهم للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم) ( تفسير القرطبي 3/136 بتصرف ) .
يقول القمص ص 8 : ( وأيضاً يقول القرآن كل من لا يؤمن بالكتاب فهو كافر : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء136 ) .
ونقول للقمص الذي أقام الحجة على نفسه في دعواه السابقة : إعلم أن المسلم هو الشخصية الوحيدة التي تؤمن بكل الكتب السابقة ، التوراة ( توراة موسى ) ، والزبور ( زبور داود ) ، الإنجيل ( إنجيل عيسى ) , ويؤمن بالكتاب الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن العظيم , بل إن الإسلام جعل هذا الإيمان جزء من أركان الإيمان التي لا ينعقد إسلام فرد إلا بتحقيق الإيمان كل ركن فيه .
فالله عز وجل يوجه نداءً في الآية الكريمة إلى المؤمنين محددًا لهم أركان الإيمان علي سبيل الإجمال لينهاهم عن التفريق أو التجزئة في الإيمان بهذه الأركان التي بينتها الآية الكريمة , ومن لم يؤمن بهذه الأركان أو كفر بركن منها يكون كافرًا مستحقًا للعذاب والهلاك .
إن القضية التي صَعُبَ على النصارى فهمها هو لماذا لا يقبل المسلم هذه الأسفار , وقد أجاب العلامة/رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه الماتع " إظهار الحق " عن هذا السؤال قائلاً : ( فكما قلنا إن التوراة الأصلي وكذا الإنجيل الأصلي قد فقدا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والموجودان الآن بمنزلة كتابين من السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة ، ولا نقول أنهما كانا موجودين على أصالتهما إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقع فيهما التحريف ، وكلام بولس على تقدير صحة النسبة إليه أيضًا ليس بمقبول عندنا لأنه عندنا من الكاذبين الذين كانوا قد ظهروا في الطبقة الأولى وإن كان مقدساً عند أهل التثليث ، فلا نشتري قوله بحبة ، والحواريون الباقون بعد عروج عيسى عليه السلام إلى السماء نعتقد في حقهم الصلاح ولا نعتقد في حقهم النبوة وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ ، وفقدان السند المتصل إلى آخر القرن الثاني وفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتَّى وبقاء ترجمته التي لم يعلم إسم صاحبها أيضاً إلى الآن ثم وقوع التحريف فيها صارت أسباباً بإرتفاع الأمان عن قولهم ، أما لوقا ومرقص ليسا من الحواريين ولم يثبت بدليل كونهما من ذوي الإلهام أيضاً , والتوراة عندنا ما أوحى إلى موسى عليه السلام والإنجيل عندنا هو ما أوحي إلى عيسى عليه السلام كما قال الله عز : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى}البقرة87 . أي التوراة , وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام : {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ}المائدة46, ووقع في سورة البقرة 136 وآل عمران 84 : { وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى } أي التوراة والإنجيل , أما هذه التواريخ والرسائل الموجودة الآن ليست التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن فليست واجبة التسليم بل حكمهما وحكم سائر الكتب من العهد القديم هو الآتي : " أن كل رواية من رواياتها إن صدقها القرآن فهى مقبولة وإن كذبها القرآن فهى مردودة وإن كان القرآن ساكتًا عن التصديق والتكذيب فنسكت عنه فلا نصدق ولا نكذب ) ( إظهار الحق ص 133 ) .
وسوف يأتي بيان هذه القاعدة التي أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) ( سيأتي تخريجه ) .
يقول القمص في كتابه ص 14 : ( الله أنزل الكتاب المقدس وهو يؤكد بتأكيدات كثيرة حفظه من التحريف والتغيير والتبديل : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 . وهنا نجد أربعة توكيدات " إنا " " نحن " " إنا " التي تسبق لحافظون , أربعة توكيدات في أية من ست كلمات . وكلمة ( الحافظون ) في صفة إسم الفاعل تدل على أن الوعد بالحفظ يشمل الحال أي الحاضر وينسحب على المستقبل أيضًا ) .
وقبل أن نرد نستعرض الآيات المباركات من سورة الحجر , قال تعالى : { الَرَ* تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مّبِينٍ * رّبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * مّا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَأَيّهَا الّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَمَجْنُونٌ * لّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ مَا نُنَزّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مّنظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر1-9.
فالشبهة لا تحتاج إلى رد أصلاً لأن سياق الآيات كلها منذ البداية يتحدث عن القرآن الكريم كما لا يخفى على الجاهل فضلاً عن المتعلم المدرك لمحكم التنـزيل , ولكن لأن القمص يزيف الحقائق استخلص تلك الهراءات من مخيلته عمدًا لتضليل رعاياه !
الآيات كما قلت منذ البداية تتحدث عن القرآن الكريم , فلقد ذكر الله تبارك وتعالى القرآن الكريم صراحة فى بداية الآيات ثم ذكر تبارك وتعالى حال أهل الكفر مع الذي نزل عليه الذكر وهو محمد صلى الله عليه وسلم , وأسأل سؤالاً لا للمسلمين فقط بل للنصارى أيضًا , بل لأهل الأرض أجمعين : ما هو الذكر الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ إنه القرآن الكريم , ثم تحدث الله بعد ذلك عن حفظ ذلك الذكر الذي أخبر الله عنه في الآيات السابقة أنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم , إذًا ما هو هذا الذكر المقصود في الآيات ؟ أجيبوني يا أهل الأرض , الشقى منكم والسعيد , الكبير منكم والصغير , القوي منكم والضعيف , العالم فيكم والجاهل !
نعم .. إنه القرآن الكريم , فمن الذي أقحم الكتاب(المقدس) في الآيات ؟ إنه القمص الذي نعلم يقينًا كذبه وتزيفه للحقائق على مر ردنا عليه !
وننقل هنا بعض التفاسير التي جاءت في تفسير هذه الآية :
تفسير الجلالين ص 338 :
" (إِنّا نَحْنُ ) تأكيد لإسم إن أو فصل ( نَزّلْنَا الذّكْرَ ) القرآن ( وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) من التبديل والتحريف والزياده والنقص " .
تفسير ابن كثير 4/302 :
" ثم قرر الله تعالى أنه هو الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل " .
تفسير القرطبي 5/5 :
" قوله تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ} (الحجر: 9) يعني القرآن. {وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من أن يزاد فيه أو ينقص منه. قال قتادة وثابت البُنَانيّ: حفِظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلاً أو تنقُص منه حقاً فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظاً , وقال في غيره: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ} (المائدة: 44), فوَكَل حفظه إليهم فبدّلوا وغيروا " .
تفسير الطبري 7/493-494 :
" يقول تعالـى ذكره: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ} وهو القرآن , {وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال: وإنا للقرآن لـحافظون من أن يزاد فـيه بـاطل مّا لـيس منه, أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. والهاء فـي قوله: «لَهُ» من ذكر الذكر....وقال قتادة , قوله:{ إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال فـي آية أخرى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت 42 .... فأنزله الله ثم حفظه, فلا يستطيع إبلـيس أن يزيد فـيه بـاطلاً ولا ينتقص منه حقًّا فحفظه الله من ذلك " .
وأذكر هنا قصة رائعة , حكاية عن رجل يهودي نقلها الإمام القرطبي في ذيل تفسيره لآية الحجر وذلك بعد أن ساق سندها , هذا نصها :
( كان للمأمون ـ وهو أمير إذ ذاك ـ مجلس نظر, فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة, قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة , قال: فلما أن تقوّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلِم حتى أفعلَ بك وأصنع , ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مُسْلماً, قال: فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان , وأنت (مع ما) تراني حسن الخط , فعمَدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت , وأدخلتها الكنيسة فاشتُرِيت مني , وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت , وأدخلتها البِيعة فاشتُرِيت مني , وعمَدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت , وأدخلتها الورّاقين فتصفحوها , فلما أن أوجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ , فكان هذا سببَ إسلامي. قال يحيـى بن أكثم: فحججت تلك السنةَ فلقِيت سفيان بن عُيينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ} (المائدة: 44), فجعل حفظه إليهم فضاع, وقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضِع ) ( تفسير القرطبي 5/6 ) .
هذا هو العنوان الذي ابتدأ به القمص كلامه ، وهذا عمل أُريد به باطل ، فإن القرآن الكريم لم يعترف للحظة واحدة بأن الكتاب الذي يُدعى " الكتاب المقدس" هو التوراة و الإنجيــل أو أنــه لــم يتغير بل على العكس , وسوف ترى عزيزي القاريء خداع وتحريف القمص , والذي إن دل على شيء فإنما يدل على بطلان معتقده وفساد منهجه في البحث والنقل !
تفسير الآيات القرآنية التي تمدح التوراة والإنجيل
القاعدة العامة للتفسير : يمكننا أن نذكر هنا قاعدة عامة يستطيع القاريء أن يجعلها أساسًا لتفسير آيات القرآن الكريم , بشأن التوراة والإنجيل وأهل الكتاب , وهى أن مدح القرآن للتوراة والإنجيل إنما هو مدح للتوراة التي أنزلت على موسى حقًا , والإنجيل الذي أنزل إلى عيسى حقًا كذلك , وهذا لا يناقض مطلقًا أن الجهل والفساد قد أفضيا إلى تحريف كثير منهما , وفقدان الصحيح , وعدم تواتره , فلما نزل القرآن بجميع الفضائل التي في الكتب المنزلة من عند الله , وأقرها وحفظها , كما حفظ غيرها من الشرائع والأحكام التي أنزلها الله تعالى والمناسبة لكل أمة من الأمم التي أُرسل لها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , من لدن القرآن إلى انقراض العالم , لأنه مرسل للناس كافة , وخاتم النبيين , فتواترت المعاني الفاضلة التي أنزلها الله مجددًا للتوراة والإنجيل الحقيقين , حافظًا لهما من الضياع , فهو مهيمنًا ( حافظًا ) على التوراة والإنجيل الحقيقيين بدون شك , وكما أنه مهيمن على المعاني الصحيحة الموجودة في التوراة والإنجيل فقد نبه على الفساد الذي عرض لهما , سواء كان في باب العقائد , أو في باب المعاملات أو في باب العبادات . ( أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين والملحدين ص 26 ) .
يقول القمص ص7 : ( يعترف القرآن بالكتاب المقدس أنه واحد يشكل العهدين فقال : {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ }الأنعام156) .
وهذا هو الجهل البين ، فليس في الدين الإسلامي شيء اسمه العهد القديم والعهد الجديد ، فالتوراة والإنجيل الوارد ذكرهما في آيات القرآن الكريم هما التوراة ( توراة موسى ) والإنجيل( إنجيل عيسى ) –كما سنبين إن شاء الله- اللذان لم يحرفا واللذان يخلوان من تلك العقائد الباطلة التي تزعم أن لله ولد وأن المسيح إله أو إبن الإله والتي تجعل عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء أساس الإيمان , بل إن تلك العقائد هى أكبر دليل على أن هذه الكتب قد حرفت لأن القرآن الكريم نفاها نفيًا قاطعًا بل وكفَّر من يؤمن بها !
إن العهدين القديم والجديد ليسا التوراة والإنجيل – كما سنبين إن شاء الله – وإذا اطلعت على تفسير الآية التي أشار إليها القمص من سورة الأنعام سوف تعلم ما فعله من تحريف في تأويلها , إذ قال المفسرون في تفسير هذه الآية : وقوله تعالى ( عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ) أي اليهود والنصارى.
فأين إذاً إعتراف القرآن الكريم في هذه الآية بأن الكتاب المقدس يشكل العهدين ( القديم والجديد ) كما زعم القمص ؟! لكن هذا ما يروج له حضرة القمص لتضليل الآلاف من النصارى البسطاء الذين يطلعون على كتابه والذي لا يُرَوَج له إلا داخل الكنائس !
والآن لنستمع إلي القمص وهو يقول ص 7 : ( يدعو القرآن الكتاب المقدس أنه الكتاب المنير : {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ }آل عمران184. وفي تفسير الجلالين : " الْمُنِيرِ " أي الواضح وهو التوراة والإنجيل ) .
عجبتُ من أمر القسيس !
من الذي ادعى يا جناب القمص أن كتابك " منير " أصلاً ؟! , إن الكتاب المقدس نفسه لا يقول عن نفسه أنه " منير " , بل ولا حتى يقول عن نفسه أنه " مقدس " ، بل أنتم الذين قلتم عليه أنه مقدس عندما جئتم بالتوراة المحرفة التي لدى اليهود واخترتم أربعة أناجيل من بين أكثر من 200 إنجيل , ولم يكن بينهم إنجيلين متطابقين ولا بينهم إنجيل المسيح الذي وعظ وبشر به وكل ذلك كان بالإقتراع وليس بوحي من الله , ثم أطلقتم في النهاية عليهما بعد كل ذلك العهد القديم والعهد الجديد !
فكيف علمتم يا حضرة القمص من بين كل هذه النسخ أن هذا هو كلام الله ؟! , إنه عملكم أنتم ، وقولكم أنتم ، والله منه بريء , ثم في النهاية قلتم أن هذه هى التوراة وهذا هو الإنجيل !
فلقد ادعى القمص أنه قد جاء في القرآن الكريم أن " الْمُنِيرِ " هو الكتاب المقدس , وهذا من تحريفه وتزيفه للحقائق , لأنه وبكل بساطة لا توجد آية في القرآن الكريم تزعم ما زعمه القمص من أن القرآن الكريم يدعو ما يعرف بـ " الكتاب المقدس " أنه الكتاب المنير , والذي جاء في تفسير الجلالين أن كلمة " المنير " أي الواضح وهو التوراة والإنجيل – وليس الكتاب المقدس – ( تفسير الجلالين ص 93 ) .
وكما بينت وسوف أبين إن شاء الله أن الكتاب المقدس ليس التوراة والإنجيل ولكن هذا ما يروج له القمص لأنه يعلم قدر هذين الكتابين عندنا .
وفي تفسير نفس الآية قال ابن كثير : وقوله " الْكِتَابِ الْمُنِيرِ " أي الواضح الجلي . ولم يقل ابن كثيـر رحمــه الله أنه التوراة والإنجيل , فلماذا لم تنقل ما جاء في تفسير ابن كثير يا حضرة القمص وهو عندنا أصح وأدق من تفسير الجلالين ؟!
والإجابة : لأنه لا يوافق مخطط القمص ولا يوافق معتقــده الباطل بأن التوراة والإنجيل هما الكتاب المقدس .
قال ابن حزم – رحمه الله - : ( أما إقرارنا بالتوراة والإنجيل فنعم , وأي معنى لتمويهكم بهذا ونحن لن ننكرهما قط بل نكفر من أنكرهما ؟ إنما قلنا إن الله تعالى : أنزل التوراة على موسى عليه السلام حقًا , وأنزل الزبور على داود عليه السلام حقًا , وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام حقًا , وأنزل الصحف على إبراهيم وموسى عليهما السلام حقًا , وأنزل كتبًا لم تسم لنا على أنبياء لم يسموا لنا حقًا , نؤمن بكل ذلك .... وقلنا ونقول : إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة فزادوا ونقصوا , وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " الأنبياء23 . " لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِه "الرعد 41. وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا , وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء ) ( الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/314 ) .
ويستمر القمص في تحريفه قائلاً ص 7: ( يشهد القرآن للمسيحيين أنهم يتلونه حق تلاوة ( أي الكتاب المقدس ) – البقرة 121 ) .
لاحظ أيها القاريء أن القمص لم يذكر الآية كالمعتاد بل أشار للموضع فقط , أتعلمون لماذا ؟ لأن الآية تقول {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }البقرة121, فأين المسيحيون من الآية الكريمة ؟!
ويستمر قائلاً : ( أنه جاء في تفسير الجلالين أن هذا معناه : أن الكتاب هو هو لم يتغير كما أنزل بمعنى أنه لم يحدث فيه تغيير أو تبديل أو تحريف ولن يتبدل إلى الأبد ) !
هذا ما زعمه حضرة القمص أنه موجود في تفسير الجلالين , والآن لنستعرض ما جاء في تفسير الجلالين وهيئوا أنفسكم أيها السيدات والسادة للمفاجأة التالية , إذ جاء في تفسير الجلالين في تفسير هذه الآية ما نصه : ( ( الذين أتيناهم الكتاب ) مبتدأ ( يتلونه حق تلاوته ) أي يقرؤونه كما أُنزل والجملة حال و ( حق ) نصب على المصدر والخبر ( أولئك يؤمنون به ) نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا ( ومن يكفر به) أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه ( فأولئك هم الخاسرون ) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ) ( تفسير الجلالين ص 25 ) .
هذا ما جاء في تفسير الجلالين نصًا , ولا حول ولا قوة إلا بالله !
إن هذا التحريف الذي نراه بالمقارنة بما سوف نراه من القمص فيما بعد لا يعد شيئًا البتة !
فقوله تعالى : ( الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) أي الذين آتـيناهم الكتاب يا مـحمد – صلى الله عليه وسلم – من أهل التوراة الذين آمنوا بك (مثل عبد الله بن سلام وأصحابه وكعب الأحبار ومثل الآلاف من اليهود والنصارى الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا ) يتبعون كتابـي الذي أنزلته علـى رسولـي موسى – صلوات الله علـيه – فـيؤمنون به , ويقرّون بـما فـيه من نعتك وصفتك , وأنك رسولـي فرض علـيهم طاعتـي فـي الإيـمان بك والتصديق بـما جئتهم به من عندي, ويعملون بـما أحللتُ لهم , ويجتنبون ما حرّمت علـيهم فـيه , ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيرونه ، وقوله تعالى ( يَتْلُونَهُ حَقّ تِلاَوَتِهِ ) أي يتبعونه حقّ إتبـاعه ، فالله جل ثناؤه يخبرنا أن متبعي التوراة هم الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى :{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157, وهم العاملون بـما فـيها ، ولهذا تبعها الله جل وعلا بقوله (أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي : من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد لأن فيها وصفك ونعتك وخبرك , كما قال تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66, وقوله تعالـى ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَـاولَئِكَ هُمُ الـخَاسِرُونَ ) فيعنـي جل ثناؤه : ومن يكفر بـالكتاب الذي أخبر عز وجل أنه يتلوه من آتاه من الـمؤمنـين حقّ تلاوته , ويجحد ما فـيه من فرائض الله ونبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه , ويبدّله , ويحرفه أولئك هم الذين خسروا علـمهم وعملهم فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله واستبدلوا بها سخط الله وغضبه .( تفسير الطبري 1/566-596 , وابن كثير 1/196 بتصرف ) .
فهل اليهود والنصارى يقرون بذلك ؟!
فإن قلتم نعم يُلزمكم هذا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم والقول بأن الكتاب المقدس ليس التوراة والإنجيل ، وإن قلتم لا , فاقرؤوا إن شئتم تتمة الآية التي استشهد بها القمص (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَـاولَئِكَ هُمُ الـخَاسِرُونَ ) !
يقول القمص ص 7 : ( ويعتبر القرآن الكتاب المقدس أنه كلام الله الذي لا يتغير " وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ " آل عمران 3 ، " لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ " الأنعام 34 ، 115 والكهف 27 ، ويونس 64 ) .
وأستفتح الرد مستأنسًا بقول المولى سبحانه وتعالى : { إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم * أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } البقرة 175-176 .
ولنرى الأن ماذا فعل القمص بكلام الله :
قال تعالى : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ *مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}آل عمران3-4. لقد حذف القمص هذا الجزء من استشهاده ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) والذي هو دليل على أن القرآن الكريم هو كلام الله الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنزل عليه , ثم أخذ الجزء الباقي من الآية وهو (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) ووصله بالآية الرابعة ، وحذف من الآية الرابعة ( وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ )أي القرآن الكريم , ثم كتب نتاج ما حرفه فكان هكذا : (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ) , ثم قال بعدها(آل عمران 3) مخترعاً بذلك آية جديدة في كتاب الله !
ولم ينتهي الخداع إلى هذا فقط بل امتد بأن جاء بآية أخرى من سورة أخرى وهى سورة الأنعام الآية 34 : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34 ، فحذف الآية إلا جملة (وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) ووضعها بجانب الجزء المقطوع السابق , فكانت المحصلة : ( " وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ " آل عمران 3 ، " لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ " الأنعام 34 ) !
ويستدل القمص من قول المولى جل في علاه في سورة الأنعام : ( لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) أن كتابه المقدس لم يتغير أو يتبدل , والكل بالطبع يعلم أن قول المولى عز وجل : ( لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) أي مواعيده وسننه الكونية من تحقق النصر للمؤمنين ولو بعد حين كما قال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ }الصافات 171-172 . وقوله تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }المجادلة21. ( تفسير الجلالين ص 167 , تفسير ابن كثير 3/151 ) .
يقول فضيلة الدكتور/ محمد شوقي الجزيري في تعليقه على آية الأنعام 34 : {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام 34: ( وهذا معناه البديهي الذي يدركه كل من له إلمام باللغة العربية : إن معنى الآية أن الله قد أنفذ وعده لرسله الصابرين فنصرهم , لأن وعده لا تبديل له , فالكلمات التي وعدهم بها في قوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51. لا تبديل لها , فأين هذا الذي فهمه المبشرون ؟ وهل يصح للمستدل أن يقدم دليلاً قبل أن يتثبت من معناه , ويتأكد أنه لا يحتمل إلا ما يقول ) ( أدلة اليقين ص 38 ) .
والأن سوف أورد بعضًا مما حرف فيه القمص في صفحة 7 من كتابه :
في قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66.
تفسير الآية : قال ابن كثير وغيره: ({وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ } أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي في أيديهم عن الأنبياء على ما هى عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى إتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمد صلى الله عليه وسلم فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر بإتباعه حتماً لا محالة ) ( تفسير ابن كثير 2/ 90 ) .
وقال ابن حزم : ( ولا سبيل إلى إقامة التوراة والإنجيل المنزلين بعد تبدليهما إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم , فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل حقًا لإيمانهم بالمنزَّل فيهما , وجحدهم ما لم ينزل فيهما , وهذه هى إقامتها حقًا ) ( الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/317 ) .
تحريف القمص : ( دعا معاصريه من اليهود والنصارى إلى العمل بالكتاب {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66. )
في قوله تعالى : {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ }الأنعام 89 ، 90 .
تفسير الآية : جاء في تفسير ابن كثير والجلالين والطبري والقرطبي وغيرهم في تفسير قوله تعالى : " فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء " أي قريش , " هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ " وهم المهاجرون والأنصار . ( تفسير ابن كثير 3/179 , تفسير الجلالين ص176, تفسير القرطبي 4/24 , تفسير الطبري 5/260) .
تحريف القمص : ( اعترف أن الكتاب المقدس هو المرجع الذي يهدي الكل في الشئون الدينية بما فيهم محمد- صلى الله عليه وسلم – نفسه " أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ( أي قريش ) فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ( وهم أهل الكتاب ) ) .
أعتقد أن القاريء قد لاحظ ما فعله القمص من تحريف وتزيف فلقد حرف في التفسير فبدل المهاجرون والأنصار بأهل الكتاب كما ترى .
في قوله تعالى : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }يونس94 .
تحريف القمص : ( أوصى القرآن محمد نفسه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يطمئن ويثبت إيمانه عند أهل الكتاب {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } يونس 14 . وهذه شهادة من القرآن لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) على صدق أمانة أهل الكتاب في حفظه وهى شهادة على صحة الكتاب ذاته الذي بين أيديهم ) .
يقول فضيلة الدكتور/عمر بن عبد العزيز قريشي : ( زعم قوم من النصارى أن هذه الأية تدل على أن الإسلام ليس حقًا , أو أن النبي صلى الله عليه وسلم شك فيما أنزل إليه , أو سألوا : هل كان نبيكم يشك فيما أنزل إليه ؟ .
والجواب على ذلك سهل وميسور : ذلك أن السائل لم يفرق بين ( إن ) الشرطية وبين ( إذا ) الشرطية , ذلك لأن ( إن) الشرطية لا تفيد تحقيق الوقوع , وإنما تفيد احتمال الوقوع , وافتراض الوقوع .
يعني : على افتراض أنك شككت- ولن تشك – فسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك من العلماء الذين قرأوا صفاتك , وعلموا الحق الذى أنت عليه وصدقوا بذلك , أمثال عبد الله بن سلام , ونحوه, ولذلك قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الأحقاف10.
وأما (إذا) فإنها تفيد تحقيق الوقوع ,و(إن) تفيد الإحتمال أو الإفتراض , من باب قوله تعالى : {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ }الزخرف 81 . ولن يكون للرحمن ولد , وإنما هو من باب الإفتراض , والآية هنا صدرت " بإن " التي هى للإفتراض وليست " إذا " التي هى لتحقيق الوقوع , والفارق بينهما واضح .
هذا ثم يقال للسائل : لماذا لم تكمل الآية ؟ كمن قرأ {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ }الماعون4.ثم سكت , فحكم على المصلين بالويل , أو قرأ { لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ }النساء 43. فمنع فريضة الله ! , وفي آخر الآية (لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ), وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية : " والله لا أشك ولا أسأل " )(آيات مظلومة بين جهل المسلمين وحقد المستشرقين ص 208-209) .
والآية الكريمة بها دليل واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم مبشر به في أسفار اليهود والنصارى , ولهذا قال ابن كثير : " وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157 . ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهــم كما يعرفون أبنائهم يلبســون ذلك ويحرفونــه ويبدلونه ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم " . ( تفسير ابن كثير 4/175 ) .
يقول القمص في ص 8 : ( ويدعو القرآن المؤمنين منهم الرجوع لأهل الكتاب ليتعلموا : " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " النحل43 . وفي تفسير الجلالين أن أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل وهم يعلمون بهما ويدعوهم للهداية به لأنه يهدي المتقين : {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }المائدة46 ) .
ويستمر القمص في عادته التحريفية حيث ذكر النصف الثاني من آية سورة النحل ولم يذكر الآيات كاملة , فالآيات تقول : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون } النحل 43 ، 44 – وكما نرى فالسؤال هنا خاص وليس بعام !
قال الطبري: ( يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلنا من قبلك يا مـحمد إلـى أمة من الأمـم , للدعاء إلـى توحيدنا والإنتهاء إلـى أمرنا ونهينا , إلاّ رجالاً من بنـي آدم نوحي إلـيهم وحينا لا ملائكة , من قَبلهم من الأمـم من جنسهم وعلـى منهاجهم. ويقول الله لـمشركي قريش : وإن كنتـم لا تعلـمون أن الذين كنا نرسل إلـى من قبلكم من الأمـم رجال من بنـي آدم مثل مـحمد صلى الله عليه وسلم وقلتـم هم ملائكة أي ظننتـم أن الله كلـمهم قبلاً , فـاسْئَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ وهم الذين قد قرءوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنـجيـل , وغير ذلك من كتب الله التـي أنزلها علـى عبـاده ) ( تفسير الطبري 7/587) .
وقال ابن كثير : ( قال الضحاك عن ابن عباس : لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا فأنزل الله : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ }يونس2 , وقال : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يعني أهل الكتب الماضية أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة كفرتم , وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً .... والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا بشرًا كما هو بشر ) ( تفسير ابن كثير 4/327-328 ) .
وجاء في تفسير الجلالين : " أهل الذكر هم العلماء بالتوراة والإنجيل" . ( تفسير الجلالين ص 351 ) , وليس أهل الكتاب المقدس !
وقال القرطبي } : َفَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْر ِ} قال سفيان: ( يعني مؤمني أهل الكتاب ) ( تفسير القرطبي 5/72) .
ومؤمني أهل الكتاب كما هو معلوم من الدين بالضرورة هم أهل الكتاب الذين يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من صفته المكتوبة عندهم , فعليكم إذاً الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا كنتم تريدون أن تشير هذه الآية إليكم يا حضرة القمص !
قال السعدي : ( إعلم : أن أفضل أهل الذكر هم أهل هذا القرآن العظيم بإتفاق علماء الأمة ، فإنهم أهل الذكــر علــى الحقيقة وأولى من غيرهـم بهـذا الإســم ولهذا قال تعالى : " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ " أي القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العبــاد مــن أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة ) ( تفسير السعدي 1/592 ) .
وبعد كل هذا يقول القمص : ( يدعـو – القرآن – المؤمنيـن منهم الرجوع لأهل الكتاب ليتعلموا ) , فى حين أن القرآن الكريم ما دعا إلا مشركي قريش أن يسألوا أهل الكتاب عن أمر محدد ألا وهو : أكان رسل الله قبل محمد صلى الله عليه وسلم بشرًا أم ملائكة أم ماذا كانوا ؟!
وإني لأتسأل ما الذي عندكم للتعليم ؟ أو حتى يستحق التعليم يا جناب القمص ؟! تعلم الصفات المعيبة التي تنسبونها إلى الله عز وجل في كتابكم ( تعالى الله عما تصفون ) مثل أن موسى يرى أجزاء الله المؤخرة ؟ " ثم ارفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهـي فلا يرى " ( الخروج 33-23 ) , أو أن يعقوب تصارع مع الله وقدر عليه " فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله ومع النــاس وقدرت " ( التكوين 32-28 ) , أو أن الله مثـل الإنســان الثمـل " فاستيقــظ الرب كنائــم كجبـار معيط من الخمر " ( مزامير 78-65 ) , أو أنــه نـــدم علــى خلـــق الإنســان " فحــزن الرب أنه عمـل الإنسـان فــي الأرض وتأســف فــي قلبـــه " ( التكوين 6-6 ) !
يقول القمص ص 8 : ( يعتبر القرآن كل من لا يقيم أحكام الإنجيل فاسقاً : {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }المائدة47 ) .
ألا يضحك الذين يقرءون أدلة هؤلاء القساوسة , ويعجبون كيف يستدلون بدون أن يرجعوا إلى الإخصائيين الذين يمكنوهم من تعلم كيفية الإستدلال !
قال ابن كثير : ( " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ " أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمــروا به مما فيه البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بإتباعه وتصديقه ) ( تفسير ابن كثير 3/77 ) .
أما قوله تعالى : "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " أي الخارجون عن طاعة ربهم المائلون إلى الباطل التاركون للحق وهم النصارى ، وهذا أمر لهم للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم) ( تفسير القرطبي 3/136 بتصرف ) .
يقول القمص ص 8 : ( وأيضاً يقول القرآن كل من لا يؤمن بالكتاب فهو كافر : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء136 ) .
ونقول للقمص الذي أقام الحجة على نفسه في دعواه السابقة : إعلم أن المسلم هو الشخصية الوحيدة التي تؤمن بكل الكتب السابقة ، التوراة ( توراة موسى ) ، والزبور ( زبور داود ) ، الإنجيل ( إنجيل عيسى ) , ويؤمن بالكتاب الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن العظيم , بل إن الإسلام جعل هذا الإيمان جزء من أركان الإيمان التي لا ينعقد إسلام فرد إلا بتحقيق الإيمان كل ركن فيه .
فالله عز وجل يوجه نداءً في الآية الكريمة إلى المؤمنين محددًا لهم أركان الإيمان علي سبيل الإجمال لينهاهم عن التفريق أو التجزئة في الإيمان بهذه الأركان التي بينتها الآية الكريمة , ومن لم يؤمن بهذه الأركان أو كفر بركن منها يكون كافرًا مستحقًا للعذاب والهلاك .
إن القضية التي صَعُبَ على النصارى فهمها هو لماذا لا يقبل المسلم هذه الأسفار , وقد أجاب العلامة/رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه الماتع " إظهار الحق " عن هذا السؤال قائلاً : ( فكما قلنا إن التوراة الأصلي وكذا الإنجيل الأصلي قد فقدا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والموجودان الآن بمنزلة كتابين من السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة ، ولا نقول أنهما كانا موجودين على أصالتهما إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقع فيهما التحريف ، وكلام بولس على تقدير صحة النسبة إليه أيضًا ليس بمقبول عندنا لأنه عندنا من الكاذبين الذين كانوا قد ظهروا في الطبقة الأولى وإن كان مقدساً عند أهل التثليث ، فلا نشتري قوله بحبة ، والحواريون الباقون بعد عروج عيسى عليه السلام إلى السماء نعتقد في حقهم الصلاح ولا نعتقد في حقهم النبوة وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ ، وفقدان السند المتصل إلى آخر القرن الثاني وفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتَّى وبقاء ترجمته التي لم يعلم إسم صاحبها أيضاً إلى الآن ثم وقوع التحريف فيها صارت أسباباً بإرتفاع الأمان عن قولهم ، أما لوقا ومرقص ليسا من الحواريين ولم يثبت بدليل كونهما من ذوي الإلهام أيضاً , والتوراة عندنا ما أوحى إلى موسى عليه السلام والإنجيل عندنا هو ما أوحي إلى عيسى عليه السلام كما قال الله عز : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى}البقرة87 . أي التوراة , وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام : {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ}المائدة46, ووقع في سورة البقرة 136 وآل عمران 84 : { وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى } أي التوراة والإنجيل , أما هذه التواريخ والرسائل الموجودة الآن ليست التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن فليست واجبة التسليم بل حكمهما وحكم سائر الكتب من العهد القديم هو الآتي : " أن كل رواية من رواياتها إن صدقها القرآن فهى مقبولة وإن كذبها القرآن فهى مردودة وإن كان القرآن ساكتًا عن التصديق والتكذيب فنسكت عنه فلا نصدق ولا نكذب ) ( إظهار الحق ص 133 ) .
وسوف يأتي بيان هذه القاعدة التي أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) ( سيأتي تخريجه ) .
يقول القمص في كتابه ص 14 : ( الله أنزل الكتاب المقدس وهو يؤكد بتأكيدات كثيرة حفظه من التحريف والتغيير والتبديل : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 . وهنا نجد أربعة توكيدات " إنا " " نحن " " إنا " التي تسبق لحافظون , أربعة توكيدات في أية من ست كلمات . وكلمة ( الحافظون ) في صفة إسم الفاعل تدل على أن الوعد بالحفظ يشمل الحال أي الحاضر وينسحب على المستقبل أيضًا ) .
وقبل أن نرد نستعرض الآيات المباركات من سورة الحجر , قال تعالى : { الَرَ* تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مّبِينٍ * رّبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * مّا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَأَيّهَا الّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَمَجْنُونٌ * لّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ مَا نُنَزّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالحَقّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مّنظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ } الحجر1-9.
فالشبهة لا تحتاج إلى رد أصلاً لأن سياق الآيات كلها منذ البداية يتحدث عن القرآن الكريم كما لا يخفى على الجاهل فضلاً عن المتعلم المدرك لمحكم التنـزيل , ولكن لأن القمص يزيف الحقائق استخلص تلك الهراءات من مخيلته عمدًا لتضليل رعاياه !
الآيات كما قلت منذ البداية تتحدث عن القرآن الكريم , فلقد ذكر الله تبارك وتعالى القرآن الكريم صراحة فى بداية الآيات ثم ذكر تبارك وتعالى حال أهل الكفر مع الذي نزل عليه الذكر وهو محمد صلى الله عليه وسلم , وأسأل سؤالاً لا للمسلمين فقط بل للنصارى أيضًا , بل لأهل الأرض أجمعين : ما هو الذكر الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ إنه القرآن الكريم , ثم تحدث الله بعد ذلك عن حفظ ذلك الذكر الذي أخبر الله عنه في الآيات السابقة أنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم , إذًا ما هو هذا الذكر المقصود في الآيات ؟ أجيبوني يا أهل الأرض , الشقى منكم والسعيد , الكبير منكم والصغير , القوي منكم والضعيف , العالم فيكم والجاهل !
نعم .. إنه القرآن الكريم , فمن الذي أقحم الكتاب(المقدس) في الآيات ؟ إنه القمص الذي نعلم يقينًا كذبه وتزيفه للحقائق على مر ردنا عليه !
وننقل هنا بعض التفاسير التي جاءت في تفسير هذه الآية :
تفسير الجلالين ص 338 :
" (إِنّا نَحْنُ ) تأكيد لإسم إن أو فصل ( نَزّلْنَا الذّكْرَ ) القرآن ( وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) من التبديل والتحريف والزياده والنقص " .
تفسير ابن كثير 4/302 :
" ثم قرر الله تعالى أنه هو الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل " .
تفسير القرطبي 5/5 :
" قوله تعالى: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ} (الحجر: 9) يعني القرآن. {وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من أن يزاد فيه أو ينقص منه. قال قتادة وثابت البُنَانيّ: حفِظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلاً أو تنقُص منه حقاً فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظاً , وقال في غيره: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ} (المائدة: 44), فوَكَل حفظه إليهم فبدّلوا وغيروا " .
تفسير الطبري 7/493-494 :
" يقول تعالـى ذكره: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ} وهو القرآن , {وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال: وإنا للقرآن لـحافظون من أن يزاد فـيه بـاطل مّا لـيس منه, أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. والهاء فـي قوله: «لَهُ» من ذكر الذكر....وقال قتادة , قوله:{ إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال فـي آية أخرى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت 42 .... فأنزله الله ثم حفظه, فلا يستطيع إبلـيس أن يزيد فـيه بـاطلاً ولا ينتقص منه حقًّا فحفظه الله من ذلك " .
وأذكر هنا قصة رائعة , حكاية عن رجل يهودي نقلها الإمام القرطبي في ذيل تفسيره لآية الحجر وذلك بعد أن ساق سندها , هذا نصها :
( كان للمأمون ـ وهو أمير إذ ذاك ـ مجلس نظر, فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة, قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة , قال: فلما أن تقوّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلِم حتى أفعلَ بك وأصنع , ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مُسْلماً, قال: فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألستَ صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان , وأنت (مع ما) تراني حسن الخط , فعمَدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت , وأدخلتها الكنيسة فاشتُرِيت مني , وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت , وأدخلتها البِيعة فاشتُرِيت مني , وعمَدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت , وأدخلتها الورّاقين فتصفحوها , فلما أن أوجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ , فكان هذا سببَ إسلامي. قال يحيـى بن أكثم: فحججت تلك السنةَ فلقِيت سفيان بن عُيينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ} (المائدة: 44), فجعل حفظه إليهم فضاع, وقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضِع ) ( تفسير القرطبي 5/6 ) .

îن îëéىهْ نçمùهْ?