الوثيقة العمرية
الوثيقة العمرية لا تعدو أن تكون اجتهاداً من عمر رضي الله عنه قد يخالفه فيها أو بعضها غيره من المسلمين ، فليست الوثيقة آيةً من كتاب الله أو حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله لا خلاف بين المؤرخين أن عمر رضي الله عنه كتب عهداً لأهل الكتاب عند فتح بيت المقدس ، ولكن لم يتفق هؤلاء المؤرخون على نص هذا العهد مما يشكك في صحة نسبته بكل تفاصيله .
سند الوثيقة : أغلب من ذكر الوثيقة ذكرها بغير سند ( ) ومن أسنده فقد ذكر في سنده يحيى بن عقبة ابن أبي العيزار قال عنه البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وفيه الوليد بن نوح( أو روح )مجهول قال ابن القطان : لا يعرف ، وقال أبو حاتم : لم يكن بصاحب حديث ، وفي سند إحدى روايات الوثيقة: بقية بن الوليد وهو مدلس معروف حتى قيل عنه : أحاديث بقية ليست نقية فكن منها على تقية وفيه شهر بن حوشب ضعفه أبو حاتم والنسائي وغيرهما ( )
وتختلف الروايات في أمر عبد الرحمن بن غنم فمرة هو كاتب الوثيقة ومرة هو مجرد راوٍ لها ، مع العلم بأن عبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ،وتناقضت الروايات أيضاً في تحديد شخص الكاتب فهو ابن غنم في معظم صور العهد وهو عمر أو أهل الجزيرة أو نصارى مدينة كذا وكذا في صور أخرى ، ومن العجيب أن المغلوبين هم الذين شرطوا على أنفسهم ( ) متن الوثيقة : إذا نظرنا إلى العهد من الداخل وقمنا بدراسته تبين لنا كثير من الأمور التي تقدح في صحة هذه الوثيقة على التفضيل الوارد ، ففي معظم صور العهد أن عمر أضاف إليه ( ولا نضرب أحداً من المسلمين) وهذا لا يتلاءم مع روح العصر فكيف يتعهد المغلوب بعدم ضرب الغالب ثم إن ضربه للمسلم ـ بنص العهد ـ ينقض العهد ومعناه ـ بنص العهد أيضاً ـ أن يصير الذمي من أهل المعاندة والشقاق أي يُسفك دمه ، وهو أمر غريب أن تكون عقوبة الضرب القتل ولعله لهذا السبب لم يناقش ابن القيم هذه المسألة في شرحه للعهد ( ) . وقد ورد في العهد كلمة زنانير وكلمة قلاية وهما كلمتان أعجميتان عُرّبتا في مرحلة لاحقة بعد اختلاط العرب بالأعاجم ( ) .
يقول الأستاذ زكريا القضاة : ( ولو نظرنا في الزيادات الواردة في رواية الطبري فإن اشتراط أهل بيت المقدس أن لا يسكن معهم أحد من اليهود لم يتأيد بروايات أخرى ويبدو أنه منافٍ للواقع إذْ لم يُؤْثَر أن عمر بن الخطاب أخرج اليهود من بيت المقدس أو منعهم من سكناها ولا يمكن أن يكون شرطاً في الصلح ولا ينفذه عمرمع ما هو معلوم من احترام المسلمين للعهود والتزامهم بها بدقة .
أما اشتراط عمر على أهل بيت المقدس أن يُخرجوا منها الروم واللصوص فقد جاء بعبارة يكاد ينفي آخِرُهَا أولها فأول العبارة يفيد وجوب إخراج الروم إلا أنها بعد ذلك تخيرهم بين الخروج أو الإقامة مع أداء الجزية ولا يمكن فهم ذلك إلا بنوع من التأويل كأنْ يقال بأن أهل بيت المقدس الأصليين الذين عُقَد الصلح معهم مسؤولون عمن سكنها من الروم فعليهم تنفيذ هذا البند من الصلح وهو أن يدفع الروم الجزية أو يغادروا المدينة إلا أن هذا الفهم قد ينقص من السيادة الإسلامية على المدينة كما أن هذا التعبير المحتمل لأكثر من تفسير يبدو بعيداً عن روح نصوص المعاهدات المبنية على حُسْنِ النية والالتزام .
أما إعطاء الأجناس الأخرى حرية البقاء مع دفع الجزية أو مغادرة البلاد فقد جاء بعبارة لا يمكن معها التنفيذ إذ قال ( ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان ) هكذا بصيغة التجهيل دون ذِكْر اسم فلان هذا أو ما يدل عليه أو تاريخ مقتله ، وواضح أنه لا يمكن تحديد مَنْ ينطبق عليهم هذا الوصف فلا يمكن التنفيذ ، ويستحيل أن يكون هذا نصاً في معاهدة مُلْزِمة .
أما تاريخ الصلح سنة خمس عشرة فأمرُ لو صح لقَطع الخلاف في تاريخ فتح بيت المقدس إذْ لأمكن الرجوع إلى وثيقة الصلح لمعرفة تاريخها مع أن الخلاف في تاريخ الفتح كان قبل الطبري واستمر بعده ؛ على أنه من المعلوم أن المسلمين لم يبدأوا التاريخ الهجري إلا سنة ست عشرة فلا يُتَصَوَّر أن تؤرَّخ وثيقة قبل هذه السنة بالتاريخ الهجري ، مما يدل على أن هذا التاريخ ملحق بالوثيقة وليس أصلياً فيها )( ) .
وقال حفظه الله ( ولو نظرنا إلى متن هذه الشروط لوجدنا فيها أشياء لا تقبل ولا يمكن أن تكون نصاً في معاهدة مثل : ( ولا نظهر شركاً في نادي المسلمين ) ولا نحسب أن نصارى الروم يقرون على أنفسهم بالشرك ، ومثل ( ونقوم لهم من المجالس إن أرادوا الجلوس ) فهل يعقل أن يكون هذا من شروط الصلح وبنداً من بنود معاهدته رغم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يقيم الرجلُ من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا " رواه مسلم ( ) .
ومثل (ولا نعلم أولادنا القرآن ) فكيف يشترطون على أنفسهم هذا الشرط ؟ وأي جريمة يرتكبون في تعلم القرآن ؟ وكيف يرضى به المسلمون مع أنهم ما خرجوا إلا لنشر الدين الذي يعتبر إسماع القرآن وتعليمه أول أسبابه ووسائله ، وكيف نوفق بين قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )وبين هذا الشرط ؟ ! ( ) .
فإذا كان هذا شأن هذه الشروط من حيث ثبوتها سنداً ونقدها متناً ، ولم تتفق الروايات على نص واحد لها ودخلها الكثير من الإدراج والمدرج يصعب تمييزه كله من نص الشروط ، فلا يحق لنا أن نعتبرها أمراً مقطوعاً به ، بل هي شروط شرطها عمر أو غيره تُعرض على الكتاب والسنة ليجاز منها ما وافق الحق .
ومع ذلك فإن الشروط لو نوقشت على ضوء قواعد العدل والرحمة لما استطاع هؤلاء النصارى مضاهاتها في حكمهم لغيرهم لأنهم أهل بغي وعدوان .
نعم قد نعترض نحن المسلمين على بعضها لمخالفة الكتاب أو السنة لأن فيهما العدل المطلق الذي لا يطيقه إلا مؤمن بالله ينفذ أوامره دون نظر إلى هوى النفوس ، ونستعرض بعض فقرات الوثيقة التي يبدو لهم أنها ظالمة :
- شرط عليهم أن لا يُحدثوا ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب .
هذا أحد الشروط التي يرونها ظالمة مع أن تاريخهم ملئ بهدم المساجد ( ) لا بمجرد منع بنائها ، ثم إن هذا الشرط يتفق مع اعتقاد المسلمين بكفر النصارى فكيف نُعين الكفار على كفرهم ونسمح لهم ببناء أماكن يُكفر فيها بالله ويُعبد فيها غيره ؟ ! .
وهذا هو حكم كتابهم : ففي سفر التثينة ( 12 : 1 - 3 ) : ( هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحيون على الأرض . تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء وتهدمون مذابحهم وتُكسَّرون أنصابهم وتحرقون سواريهم بالنار وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون اسمهم من ذلك المكان ) .
وهذا هو حكم كتابهم الذي يقدسون في معابد غيرهم من المشركين ، وقد طبقوا هذه الأحكام ونفذوها في البلاد التي حكموها وهم في ذلك مأمورون بأوامر كتابهم وليسوا خارجين عنه كما يظن الجهال الذين يحسنون الظن بهم .
يقول النصراني الفرنسي غوستاف لوبون :
( وعندما أصبحت النصرانية دين دولة القسطنطينية الرسمي أمر القيصر ثيودوز في سنة 389 م. بهدم جميع تماثيل الآلهة المصرية القديمة ومعابدها وجميع ما يُذَكّر الناس بها ، واكتفى بتشويه كتابات المعابد التي كانت من المتانة بحيث لم يقدر على هدمها بسهولة ، ولا تزال مصر ملأى بأنقاض ذلك التخريب الذي أملاه التعصب ، وتُعَدّ تلك الأعمال من أفظع ما عرفه التاريخ من أثر عدم التسامح والبربرية ، ومن دواعي الأسف أنْ كان من بواكير أعمال ناشري الدين الجديد الذي حَلَّ محل دين الأغارقة والرومان : هدمُ المباني التي احترمها أكثر الفاتحين منذ خمسة آلاف سنة وأدت هذه الأعمال الوحشية بسرعة إلى امحاء الحضارة المصرية وزوال دَوْر الخط الهيروغليفي الذي حُلَّت رموزه في الزمن الحاضر ، وأكرهت مصر على انتحال النصرانية وهبطت بذلك إلى دركات الانحطاط مقداراً فمقداراًَ إلى أن جاء العرب )أ . هـ ( ) .
ومع ذلك فإن حكم بناء الكنائس في الإسلام وكذلك تجديدها وترميمها يعود للشروط التي أُخِذت عليهم حالَ الصلح ـ إذا كانت البلاد فُتحت صلحاً ـ قال ابن الماجشون : ( ويمنعون من رَمّ كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ذلك شرطاً في عقدهم فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة ) ( ) . وقال أحمد بن حنبل رحمه الله :( ... ولهم ما صولحوا عليه فإن كلن في عهدهم أن يزيدوا في الكنائس فلهم وإلا فلا ) ( ) .
والمسألة مع ذلك خلافية وترجع إلى مصلحة المسلمين إن لم يكن ثَمّ شرط فيوفي به .
- ومن شروط الصلح التي لا تعجبهم ويرونها ظالمة : ( ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم ) .
بدايةً لِيعلمْ هؤلاء النصارى إن لم يكونوا يعلموا أن المسلمين يستقذرون دخول كنائسهم بَلْهَ المبيت فيها ويستقذرون طعام النصارى واليهود مع أنه حلال لهم لقول الله ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حل لهم ) . ( سورة المائدة 5 ) .
ولعله من الغنيّ عن التدليل أنه لم يكن في تلك الأيام( فنادق) ينزل فيها المسافرون فلا بد للمسافر من النزول في مسجد أو دير أو كنيسة بالليل ليأمن من قُُُطَّاع الطريق والسباع ، فإن اشترط على النصارى هذا الشرط فهل فيه ظلم أَمْ هو مجرد مشاركة منهم في إيواء الغرباء ؟ !
وهذا الأمر لم يكن خاصاً بالكنائس بل هو في المساجد أشهر من أن يُذكر ، يقول غوستاف لوبون : ( ويوجد أمام أكثر المساجد القديمة ساحة محاطة بمساكن للغرباء واصطبلات للخيل والجِمال وحمامات للعامة ومناهل للشرب وذلك أن المساجد الأولى ليست أماكن للعبادة وحدها بل هي منازل للمسافرين أيضاً ) ( ) .
ومع ذلك ( فإن المسلمين لما ملكوا الأرض لم يستبقوا الكنائس والبِيَع على مِلْك الكفار بل دخلت في ملكهم كسائر أجزاء الأرض فإذا نزلها المارّة بالليل أو بالنهار فقد نزلوا في نفس ملكهم ..... فإن قيل فما فائدة الشرط إذا كان الأمر كذلك ؟ قيل فائدته أنهم لا يتوهمون بإقرارهم فيها أنها كسائر دورهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلا بإذنهم ) ( ) .
وأما مسألة إطعام النازلين ثلاثة أيام ، فهذا حق الضيف الذي ينزل بالمسلم سواء أكان الضيف مسلماً أو كافراً ففي صحيح البخاري : " الضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة " . فمن نزل به ضيف وجَب عليه أن يضيفه ثلاثة أيام فإن زاد عليها فما يقدمه له فهو صدقة وليس حقاً واجباً ) .
قال المناوي رحمه الله : ( الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة L . فيه عموم يشمل الغني والفقير والمسلم والكافر والبر الفاجر ... ) ( ) .
- وأما اشتراط (أن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ) .
فأمر لابد منه للتفريق بين المؤمن والكفار ولا سيما أن المسلمين قد يكونون قلة في البلاد المفتوحة فلولا مثل هذه الشروط فربما أذلهم النصارى ، والذل والصغار لا يليق إلا بما كفر بالله .
وسبق أن ذكرنا أن إذلال الكافر بترك التوسيع له في المجلس وترك ابتدائه بالسلام ونحو ذلك فيه خير لهم لأن هذا يدعوهم إلي البحث عما يكرمهم ويُدخلهم في عموم المسلمين الذين يكرم بعضهم بعضاً فيكون سبباً في بحثهم عن الحق ومعرفة دين الله .
وهؤلاء النصارى الذين يستنكفون من إذلال دين الله لهم ورد في كتابهم : ( حين تقترب من مدينةٍ لكي تحاربهم اسَتْدعها إلى الصلح ، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُسْتَعْبَدُ لك ) . (سفر التثنية 20 : 10 ) .
فَمن قَبِلَ الصلح يصير عبداً مستعبداً ، وأما إن لم يقبل الصلح فقد سبق أن حكمه عندهم القتل مع أهله وبهائمه .
- ومن الشروط التي تغيظهم ( ولا يتشبهوا بالمسلمين في شئ من لباسهم ولا يتكنَّوا بكُنَاهم ) فهذا من مقاصد شرع الله : أن يتمايز المسلمون عن الكفار لأن التشبه بالهَدْي الظاهر يؤدي إلى الأُلفة فالمحبة ، ولذا فالتشبه بالكفار في أي شيء من أمورهم من الكبائر .
فكما نُهي النصارى عن التشبه بالمسلمين في اللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها كذلك نُهي المسلمون عن التشبه بهم ، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس : ( إياكم وزي أهل الشرك) .
ولهذا اختلف العلماء فيما لو امتنع أهلُ الذمة عن الالتزام بزي معين هل يلزم المسلم أن يُغَيّر هو ملبسه ليتميز عنهم ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وقال القاضي أبو يعلي في مسألة حديث في وقته : ) أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار فإن امتنعوا لم يَجُز لأحد من المسلمين صَبْغُ ثوبٍ من ثيابهم لأنه لم يتعين عليهم صَبْغُ ثوب بعينه ( ( ) .
قلت ( ) : وهذا فيه خلاف ، هل يلزمون بالتغيير أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن نُغَيّر نحن ؟
وأما وجوب أصل المغايرة فما علمتُ فيه خلافاً ( ) .
وأَمْر أهل الذمة بلبس الغيار من الأمور التي لم يرد فيها نص من الكتاب أو السنة وإنما وردت النصوص بنهي المسلمين عن التشبه بالكفار ، وأما أمر الكفار بذلك فأمر يرجع إلى المصلحة العامة التي تختلف من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر في ضوء الضوابط الشرعية ، قال ابن القيم رحمه الله : ( وأما الغيار فلم يُلْزَموا به في عهد النبي ) وإنما اتُّبِعَ فيه أمرُ عمر رضي الله عنه وكان بدء أمره أن خالد بن عرفظة أمير الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية وأسلمت فذكرت أن زوجها يضربها على النصرانية ( ) . وأقامت على ذلك بينةً فضربه خالد وحَلَقهُ وفَرَّق بينه وبينها فشكاه النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأشخصه وسأله عن ذلك فقَصَّ عليه القصة فقال : الحكم ما حكمت به ، وكتب إلى الأمصار أن يجزوا نواصيهم ولا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يُعرفوا من بينهم ) ( ) .
هذا على فَرْض ثبوت الوثيقة بهذا التمام وبهذه الألفاظ وإلا فإنا قد بَيَّنا إنها لا تصح بهذا النص وبتمامه ، ومع ذلك فليس فيها ـ كما بَيَّنا ـ ظلم ولا حَيْف ، وعَدْل عمر رضي الله عنه لا ينكره منصف بل إن من هؤلاء النصارى مَنْ اضطر للاعتراف به لأن التاريخ خير شاهد على أخلاق الجميع ، يقول غوستاف لوبون ( وأَغَذَّ عمر في السير ليل نهار ليصل إلى القدس في وقت قصير فلما دخل القدس أبدى من التسامح العظيم نحو أهلها ما أَمِنوا به على دينهم وأموالهم وعاداتهم ، ولم يفرض سوى جزية زهيدة عليهم وأبدى العربُ تسامحاً مثل هذا تجاه المدن السورية الأخرى كلها ، ولم يلبث جميع سكانها أَنْ رضوا بسيادة العرب واعتنق أكثر أولئك السكان الإسلام بدلاً من النصرانية ... ) ( ) .
وقال أيضاً : ( وسار عمرو بن العاص في مصر على غرار عمر بن الخطاب في القدس فشمل الديانة النصرانية بحمايته وسمح للأقباط بأن يستمروا على اختيار بطْركٍ لهم كما في الماضي ومن تسامحه أن أذن للنصارى في إنشاء الكنائس في المدينة الإسلامية التي أسسها ) ( ) .
ولكن تُرى ما هو موقف النصارى من العهود مع غيرهم ؟ ! وأترك الإجابة على هذا السؤال لهم .
يقول غوستاف لوبون ( وعاهَد فرديناندُ العربَ على منحهم حرية الدين واللغة ولكن سنة 1499 م لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قروناً والذي لم ينته إلا ينته إلا بطرد العرب من إسبانية ، وكان تعميِدُ العرب كَرْهاً فاتحة ذلك الدور ثم صارت محاكم التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى ولم تتم عملية التطهير بالنار إلا بالتدريج لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعةً واحدة ، ونصح كردينالُ طليطلة التقي الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش بقطع رؤوس جميع مَنْ لم يتنصر من العرب رجالاً ونساء وشيوخاً وولداناً ولم ير الراهب الدومينيكي بليدا الكفاية في ذلك فأشار بضرب رقاب مَنْ تَنصر من العرب ومَنْ بقي على دينه منهم وحجته في ذلك أن مِن المستحيل معرفة صدق إيمان مَنْ تنصر من العرب ، فمن المستحب إذن قتل جميع العرب بحد السيف يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى ... ) ( ) .
ويقول ول ديورانت : ( وتم خروج اليهود الرهيب من أسبانيا بَيْدَ أن الوحدة الدينية لم تكن قد تحققت بعد فقد بقي المسلمين . ذلك أن غرناطة سقطت ولكنَّ سكانها من المسلمين مُنحو الحرية الدينية وانتُدب كبير الأساقفة هرناندوه تالافيرا حاكماً على غرناطة فنفذ الميثاق في شئ من السرية وحاول أن يستدرج المسلمين إلى التنصير بالرفق والعدل ، ولكن اكسيمينيس لم يوافق على مثل هذا الاعتناق للمسيحية فألح على الملكة بأن العهد لا يحافظ عليه مع الكافرين وأقنعها بأن تصدر مرسوماً (1499) يُخَيّر المسلمين بين الدخول في المسيحية وبين مغادرة أسبانيا وذهب بنفسه إلى غرناطة وتسلط على طلبيرة وأغلق المساجد ونصب المحارق العامة التي التهمت جميع الكتب والمخطوطات العربية التي وصلت إليها يده وأشرف على التنصير الإجباري بالجملة ...
.. واحتج المسلمون بأن أسلافهم عندما حكموا معظم أسبانيا فإنهم سمحوا بالحرية الدينية إلا في القليل النادر للمسيحيين الذين تحت سلطانهم ولكن الملكين لم يتأثرا بهذا الاحتجاج ، وحرم على الأطفال الذكور دون الرابعة عشرة والإناث دون الثانية عشرة أن يغادروا أسبانيا مع آبائهم ) ( ) .
فهذا هو رأي النصارى في العهود وهذه هي قيمة العهد عندهم ، وهذه نهاية المسلمين الذين عاهدوا النصارى وظنوا أنهم صاروا في مأمن مِن غدرهم ، ولا تظن أن هذا المرسوم الذي صدر عام 1502 ليخير المسلمين بين التنصُّر أو مغادرة البلاد ، لا ٍتظن أنه لم يكن نابعاً من عقيدة دينية عندهم ، يقول ول ديورانت : ووصف الكاردينال ريشلييه مرسوم عام 1502 بأنه ( أكبر حدث همجي في التاريخ ) بَيْدَ أن الراهب بليدا رآه ( أمجد حادث في أسبانيا منذ عهد الرسل ) واستطرد قائلا : ( الآن أصبحت الوحدة الدينية في مأمن وأوشك عهد من الازدهار أن يبزغ ) ( ) .
وهذه شهادة من نصراني ، والحق ما شهدت به الأعداء ، فلا مجال للكلام عن قيمة العهود عند النصارى ونظرتهم للمُعَاهَدين وأهل ذمتهم ، وصدق ربنا العليم الخبير إذ وصفهم بقوله : " كيف وإن يظْهَروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقُبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون " ( سورة التوبة ، الآيات 8 ، 9 ، 10 ) .
وهذا هو دأبهم عندما يكون المسلمون تحت حكمهم ، وتحكي الراهبة كارين آرمسترونج أنه بعد ما أصبح عشرات الآلاف من المسلمين يعيشون داخل الممالك النصرانية بدأوا في ممارسة الفصل العنصري(... وصدرت تشريعات كنيسة خاصة تربط المسلمين باليهود باعتبارهم العدو المشترك في المجلسين البابويين اللذين عقدا عامي 1179 و 1215 إذ قضت تلك التشريعات بفرض عقوبات تتمثل في الطرد من الكنيسة وما يترتب على ذلك من مصادرة الممتلكات عل كل مسيحي يقبل الخدمة في منازل المسلمين واليهود أو رعاية أطفالهم أو الاتجار معهم أو حتى مشاركتهم طعامهم وفي عام 1227 أضاف البابا غريفوريوس التاسع المراسيم التالية : يجب على المسلمين واليهود أن يرتدوا ملابس مميزة لهم ويجب ألا يظهروا في الشوارع أثناء الأعياد المسيحية أو أن يتولوا مناصب حكومية في البلدان المسيحية ، كما منع المؤذن من إيذاء أسماع المسيحيين بدعوة المسلمين إلى إقامة الصلاة بالأسلوب المعهود . وأعلن البابا كليمنت الخامس (1305 - 1314) أن وجود مسلم على الأرض المسيحية يعتبر إهانة لله ، وكان المسيحيون قد شرعوا قبل ذلك في التصدي لتلك الظاهرة التي اعتبروها مخزية فقام ملك فرنسا شارل آنشوا عام 301 بإبادة من بقي من المسلمين الصقليين ومن أبناء جنوب إيطاليا في محمية ( لوسيرا ) وكان وصفها بأنها ( وكر الوباء ... متوهجة التلوث ... مصدر الطاعون العضال والجراثين القذرة في أبوليا ) ( ) .
فهذه هي عهودهم وأخلاقهم كما وصفتها هذه الكاتبة الكاثوليكية ؛ فانظر كم بينها وبين
عهد عمر الذي يرونه قمة الظلم !
هذا المبحث استللته من كتابى (التعقب الحثيث لشبهات النصارى حول الحديث) يسر الله نشره،ونفع به وجعله فى ميزان حسناتى آمين
وكتب: أبو عبد الله السلفى المتطبب عزت بن عبد الرحمن عفا الله عنه
الوثيقة العمرية لا تعدو أن تكون اجتهاداً من عمر رضي الله عنه قد يخالفه فيها أو بعضها غيره من المسلمين ، فليست الوثيقة آيةً من كتاب الله أو حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله لا خلاف بين المؤرخين أن عمر رضي الله عنه كتب عهداً لأهل الكتاب عند فتح بيت المقدس ، ولكن لم يتفق هؤلاء المؤرخون على نص هذا العهد مما يشكك في صحة نسبته بكل تفاصيله .
سند الوثيقة : أغلب من ذكر الوثيقة ذكرها بغير سند ( ) ومن أسنده فقد ذكر في سنده يحيى بن عقبة ابن أبي العيزار قال عنه البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وفيه الوليد بن نوح( أو روح )مجهول قال ابن القطان : لا يعرف ، وقال أبو حاتم : لم يكن بصاحب حديث ، وفي سند إحدى روايات الوثيقة: بقية بن الوليد وهو مدلس معروف حتى قيل عنه : أحاديث بقية ليست نقية فكن منها على تقية وفيه شهر بن حوشب ضعفه أبو حاتم والنسائي وغيرهما ( )
وتختلف الروايات في أمر عبد الرحمن بن غنم فمرة هو كاتب الوثيقة ومرة هو مجرد راوٍ لها ، مع العلم بأن عبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ،وتناقضت الروايات أيضاً في تحديد شخص الكاتب فهو ابن غنم في معظم صور العهد وهو عمر أو أهل الجزيرة أو نصارى مدينة كذا وكذا في صور أخرى ، ومن العجيب أن المغلوبين هم الذين شرطوا على أنفسهم ( ) متن الوثيقة : إذا نظرنا إلى العهد من الداخل وقمنا بدراسته تبين لنا كثير من الأمور التي تقدح في صحة هذه الوثيقة على التفضيل الوارد ، ففي معظم صور العهد أن عمر أضاف إليه ( ولا نضرب أحداً من المسلمين) وهذا لا يتلاءم مع روح العصر فكيف يتعهد المغلوب بعدم ضرب الغالب ثم إن ضربه للمسلم ـ بنص العهد ـ ينقض العهد ومعناه ـ بنص العهد أيضاً ـ أن يصير الذمي من أهل المعاندة والشقاق أي يُسفك دمه ، وهو أمر غريب أن تكون عقوبة الضرب القتل ولعله لهذا السبب لم يناقش ابن القيم هذه المسألة في شرحه للعهد ( ) . وقد ورد في العهد كلمة زنانير وكلمة قلاية وهما كلمتان أعجميتان عُرّبتا في مرحلة لاحقة بعد اختلاط العرب بالأعاجم ( ) .
يقول الأستاذ زكريا القضاة : ( ولو نظرنا في الزيادات الواردة في رواية الطبري فإن اشتراط أهل بيت المقدس أن لا يسكن معهم أحد من اليهود لم يتأيد بروايات أخرى ويبدو أنه منافٍ للواقع إذْ لم يُؤْثَر أن عمر بن الخطاب أخرج اليهود من بيت المقدس أو منعهم من سكناها ولا يمكن أن يكون شرطاً في الصلح ولا ينفذه عمرمع ما هو معلوم من احترام المسلمين للعهود والتزامهم بها بدقة .
أما اشتراط عمر على أهل بيت المقدس أن يُخرجوا منها الروم واللصوص فقد جاء بعبارة يكاد ينفي آخِرُهَا أولها فأول العبارة يفيد وجوب إخراج الروم إلا أنها بعد ذلك تخيرهم بين الخروج أو الإقامة مع أداء الجزية ولا يمكن فهم ذلك إلا بنوع من التأويل كأنْ يقال بأن أهل بيت المقدس الأصليين الذين عُقَد الصلح معهم مسؤولون عمن سكنها من الروم فعليهم تنفيذ هذا البند من الصلح وهو أن يدفع الروم الجزية أو يغادروا المدينة إلا أن هذا الفهم قد ينقص من السيادة الإسلامية على المدينة كما أن هذا التعبير المحتمل لأكثر من تفسير يبدو بعيداً عن روح نصوص المعاهدات المبنية على حُسْنِ النية والالتزام .
أما إعطاء الأجناس الأخرى حرية البقاء مع دفع الجزية أو مغادرة البلاد فقد جاء بعبارة لا يمكن معها التنفيذ إذ قال ( ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان ) هكذا بصيغة التجهيل دون ذِكْر اسم فلان هذا أو ما يدل عليه أو تاريخ مقتله ، وواضح أنه لا يمكن تحديد مَنْ ينطبق عليهم هذا الوصف فلا يمكن التنفيذ ، ويستحيل أن يكون هذا نصاً في معاهدة مُلْزِمة .
أما تاريخ الصلح سنة خمس عشرة فأمرُ لو صح لقَطع الخلاف في تاريخ فتح بيت المقدس إذْ لأمكن الرجوع إلى وثيقة الصلح لمعرفة تاريخها مع أن الخلاف في تاريخ الفتح كان قبل الطبري واستمر بعده ؛ على أنه من المعلوم أن المسلمين لم يبدأوا التاريخ الهجري إلا سنة ست عشرة فلا يُتَصَوَّر أن تؤرَّخ وثيقة قبل هذه السنة بالتاريخ الهجري ، مما يدل على أن هذا التاريخ ملحق بالوثيقة وليس أصلياً فيها )( ) .
وقال حفظه الله ( ولو نظرنا إلى متن هذه الشروط لوجدنا فيها أشياء لا تقبل ولا يمكن أن تكون نصاً في معاهدة مثل : ( ولا نظهر شركاً في نادي المسلمين ) ولا نحسب أن نصارى الروم يقرون على أنفسهم بالشرك ، ومثل ( ونقوم لهم من المجالس إن أرادوا الجلوس ) فهل يعقل أن يكون هذا من شروط الصلح وبنداً من بنود معاهدته رغم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يقيم الرجلُ من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا " رواه مسلم ( ) .
ومثل (ولا نعلم أولادنا القرآن ) فكيف يشترطون على أنفسهم هذا الشرط ؟ وأي جريمة يرتكبون في تعلم القرآن ؟ وكيف يرضى به المسلمون مع أنهم ما خرجوا إلا لنشر الدين الذي يعتبر إسماع القرآن وتعليمه أول أسبابه ووسائله ، وكيف نوفق بين قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )وبين هذا الشرط ؟ ! ( ) .
فإذا كان هذا شأن هذه الشروط من حيث ثبوتها سنداً ونقدها متناً ، ولم تتفق الروايات على نص واحد لها ودخلها الكثير من الإدراج والمدرج يصعب تمييزه كله من نص الشروط ، فلا يحق لنا أن نعتبرها أمراً مقطوعاً به ، بل هي شروط شرطها عمر أو غيره تُعرض على الكتاب والسنة ليجاز منها ما وافق الحق .
ومع ذلك فإن الشروط لو نوقشت على ضوء قواعد العدل والرحمة لما استطاع هؤلاء النصارى مضاهاتها في حكمهم لغيرهم لأنهم أهل بغي وعدوان .
نعم قد نعترض نحن المسلمين على بعضها لمخالفة الكتاب أو السنة لأن فيهما العدل المطلق الذي لا يطيقه إلا مؤمن بالله ينفذ أوامره دون نظر إلى هوى النفوس ، ونستعرض بعض فقرات الوثيقة التي يبدو لهم أنها ظالمة :
- شرط عليهم أن لا يُحدثوا ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب .
هذا أحد الشروط التي يرونها ظالمة مع أن تاريخهم ملئ بهدم المساجد ( ) لا بمجرد منع بنائها ، ثم إن هذا الشرط يتفق مع اعتقاد المسلمين بكفر النصارى فكيف نُعين الكفار على كفرهم ونسمح لهم ببناء أماكن يُكفر فيها بالله ويُعبد فيها غيره ؟ ! .
وهذا هو حكم كتابهم : ففي سفر التثينة ( 12 : 1 - 3 ) : ( هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحيون على الأرض . تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء وتهدمون مذابحهم وتُكسَّرون أنصابهم وتحرقون سواريهم بالنار وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون اسمهم من ذلك المكان ) .
وهذا هو حكم كتابهم الذي يقدسون في معابد غيرهم من المشركين ، وقد طبقوا هذه الأحكام ونفذوها في البلاد التي حكموها وهم في ذلك مأمورون بأوامر كتابهم وليسوا خارجين عنه كما يظن الجهال الذين يحسنون الظن بهم .
يقول النصراني الفرنسي غوستاف لوبون :
( وعندما أصبحت النصرانية دين دولة القسطنطينية الرسمي أمر القيصر ثيودوز في سنة 389 م. بهدم جميع تماثيل الآلهة المصرية القديمة ومعابدها وجميع ما يُذَكّر الناس بها ، واكتفى بتشويه كتابات المعابد التي كانت من المتانة بحيث لم يقدر على هدمها بسهولة ، ولا تزال مصر ملأى بأنقاض ذلك التخريب الذي أملاه التعصب ، وتُعَدّ تلك الأعمال من أفظع ما عرفه التاريخ من أثر عدم التسامح والبربرية ، ومن دواعي الأسف أنْ كان من بواكير أعمال ناشري الدين الجديد الذي حَلَّ محل دين الأغارقة والرومان : هدمُ المباني التي احترمها أكثر الفاتحين منذ خمسة آلاف سنة وأدت هذه الأعمال الوحشية بسرعة إلى امحاء الحضارة المصرية وزوال دَوْر الخط الهيروغليفي الذي حُلَّت رموزه في الزمن الحاضر ، وأكرهت مصر على انتحال النصرانية وهبطت بذلك إلى دركات الانحطاط مقداراً فمقداراًَ إلى أن جاء العرب )أ . هـ ( ) .
ومع ذلك فإن حكم بناء الكنائس في الإسلام وكذلك تجديدها وترميمها يعود للشروط التي أُخِذت عليهم حالَ الصلح ـ إذا كانت البلاد فُتحت صلحاً ـ قال ابن الماجشون : ( ويمنعون من رَمّ كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون ذلك شرطاً في عقدهم فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة ) ( ) . وقال أحمد بن حنبل رحمه الله :( ... ولهم ما صولحوا عليه فإن كلن في عهدهم أن يزيدوا في الكنائس فلهم وإلا فلا ) ( ) .
والمسألة مع ذلك خلافية وترجع إلى مصلحة المسلمين إن لم يكن ثَمّ شرط فيوفي به .
- ومن شروط الصلح التي لا تعجبهم ويرونها ظالمة : ( ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم ) .
بدايةً لِيعلمْ هؤلاء النصارى إن لم يكونوا يعلموا أن المسلمين يستقذرون دخول كنائسهم بَلْهَ المبيت فيها ويستقذرون طعام النصارى واليهود مع أنه حلال لهم لقول الله ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حل لهم ) . ( سورة المائدة 5 ) .
ولعله من الغنيّ عن التدليل أنه لم يكن في تلك الأيام( فنادق) ينزل فيها المسافرون فلا بد للمسافر من النزول في مسجد أو دير أو كنيسة بالليل ليأمن من قُُُطَّاع الطريق والسباع ، فإن اشترط على النصارى هذا الشرط فهل فيه ظلم أَمْ هو مجرد مشاركة منهم في إيواء الغرباء ؟ !
وهذا الأمر لم يكن خاصاً بالكنائس بل هو في المساجد أشهر من أن يُذكر ، يقول غوستاف لوبون : ( ويوجد أمام أكثر المساجد القديمة ساحة محاطة بمساكن للغرباء واصطبلات للخيل والجِمال وحمامات للعامة ومناهل للشرب وذلك أن المساجد الأولى ليست أماكن للعبادة وحدها بل هي منازل للمسافرين أيضاً ) ( ) .
ومع ذلك ( فإن المسلمين لما ملكوا الأرض لم يستبقوا الكنائس والبِيَع على مِلْك الكفار بل دخلت في ملكهم كسائر أجزاء الأرض فإذا نزلها المارّة بالليل أو بالنهار فقد نزلوا في نفس ملكهم ..... فإن قيل فما فائدة الشرط إذا كان الأمر كذلك ؟ قيل فائدته أنهم لا يتوهمون بإقرارهم فيها أنها كسائر دورهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلا بإذنهم ) ( ) .
وأما مسألة إطعام النازلين ثلاثة أيام ، فهذا حق الضيف الذي ينزل بالمسلم سواء أكان الضيف مسلماً أو كافراً ففي صحيح البخاري : " الضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة " . فمن نزل به ضيف وجَب عليه أن يضيفه ثلاثة أيام فإن زاد عليها فما يقدمه له فهو صدقة وليس حقاً واجباً ) .
قال المناوي رحمه الله : ( الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة L . فيه عموم يشمل الغني والفقير والمسلم والكافر والبر الفاجر ... ) ( ) .
- وأما اشتراط (أن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ) .
فأمر لابد منه للتفريق بين المؤمن والكفار ولا سيما أن المسلمين قد يكونون قلة في البلاد المفتوحة فلولا مثل هذه الشروط فربما أذلهم النصارى ، والذل والصغار لا يليق إلا بما كفر بالله .
وسبق أن ذكرنا أن إذلال الكافر بترك التوسيع له في المجلس وترك ابتدائه بالسلام ونحو ذلك فيه خير لهم لأن هذا يدعوهم إلي البحث عما يكرمهم ويُدخلهم في عموم المسلمين الذين يكرم بعضهم بعضاً فيكون سبباً في بحثهم عن الحق ومعرفة دين الله .
وهؤلاء النصارى الذين يستنكفون من إذلال دين الله لهم ورد في كتابهم : ( حين تقترب من مدينةٍ لكي تحاربهم اسَتْدعها إلى الصلح ، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُسْتَعْبَدُ لك ) . (سفر التثنية 20 : 10 ) .
فَمن قَبِلَ الصلح يصير عبداً مستعبداً ، وأما إن لم يقبل الصلح فقد سبق أن حكمه عندهم القتل مع أهله وبهائمه .
- ومن الشروط التي تغيظهم ( ولا يتشبهوا بالمسلمين في شئ من لباسهم ولا يتكنَّوا بكُنَاهم ) فهذا من مقاصد شرع الله : أن يتمايز المسلمون عن الكفار لأن التشبه بالهَدْي الظاهر يؤدي إلى الأُلفة فالمحبة ، ولذا فالتشبه بالكفار في أي شيء من أمورهم من الكبائر .
فكما نُهي النصارى عن التشبه بالمسلمين في اللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها كذلك نُهي المسلمون عن التشبه بهم ، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس : ( إياكم وزي أهل الشرك) .
ولهذا اختلف العلماء فيما لو امتنع أهلُ الذمة عن الالتزام بزي معين هل يلزم المسلم أن يُغَيّر هو ملبسه ليتميز عنهم ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وقال القاضي أبو يعلي في مسألة حديث في وقته : ) أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار فإن امتنعوا لم يَجُز لأحد من المسلمين صَبْغُ ثوبٍ من ثيابهم لأنه لم يتعين عليهم صَبْغُ ثوب بعينه ( ( ) .
قلت ( ) : وهذا فيه خلاف ، هل يلزمون بالتغيير أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن نُغَيّر نحن ؟
وأما وجوب أصل المغايرة فما علمتُ فيه خلافاً ( ) .
وأَمْر أهل الذمة بلبس الغيار من الأمور التي لم يرد فيها نص من الكتاب أو السنة وإنما وردت النصوص بنهي المسلمين عن التشبه بالكفار ، وأما أمر الكفار بذلك فأمر يرجع إلى المصلحة العامة التي تختلف من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر في ضوء الضوابط الشرعية ، قال ابن القيم رحمه الله : ( وأما الغيار فلم يُلْزَموا به في عهد النبي ) وإنما اتُّبِعَ فيه أمرُ عمر رضي الله عنه وكان بدء أمره أن خالد بن عرفظة أمير الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية وأسلمت فذكرت أن زوجها يضربها على النصرانية ( ) . وأقامت على ذلك بينةً فضربه خالد وحَلَقهُ وفَرَّق بينه وبينها فشكاه النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأشخصه وسأله عن ذلك فقَصَّ عليه القصة فقال : الحكم ما حكمت به ، وكتب إلى الأمصار أن يجزوا نواصيهم ولا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يُعرفوا من بينهم ) ( ) .
هذا على فَرْض ثبوت الوثيقة بهذا التمام وبهذه الألفاظ وإلا فإنا قد بَيَّنا إنها لا تصح بهذا النص وبتمامه ، ومع ذلك فليس فيها ـ كما بَيَّنا ـ ظلم ولا حَيْف ، وعَدْل عمر رضي الله عنه لا ينكره منصف بل إن من هؤلاء النصارى مَنْ اضطر للاعتراف به لأن التاريخ خير شاهد على أخلاق الجميع ، يقول غوستاف لوبون ( وأَغَذَّ عمر في السير ليل نهار ليصل إلى القدس في وقت قصير فلما دخل القدس أبدى من التسامح العظيم نحو أهلها ما أَمِنوا به على دينهم وأموالهم وعاداتهم ، ولم يفرض سوى جزية زهيدة عليهم وأبدى العربُ تسامحاً مثل هذا تجاه المدن السورية الأخرى كلها ، ولم يلبث جميع سكانها أَنْ رضوا بسيادة العرب واعتنق أكثر أولئك السكان الإسلام بدلاً من النصرانية ... ) ( ) .
وقال أيضاً : ( وسار عمرو بن العاص في مصر على غرار عمر بن الخطاب في القدس فشمل الديانة النصرانية بحمايته وسمح للأقباط بأن يستمروا على اختيار بطْركٍ لهم كما في الماضي ومن تسامحه أن أذن للنصارى في إنشاء الكنائس في المدينة الإسلامية التي أسسها ) ( ) .
ولكن تُرى ما هو موقف النصارى من العهود مع غيرهم ؟ ! وأترك الإجابة على هذا السؤال لهم .
يقول غوستاف لوبون ( وعاهَد فرديناندُ العربَ على منحهم حرية الدين واللغة ولكن سنة 1499 م لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قروناً والذي لم ينته إلا ينته إلا بطرد العرب من إسبانية ، وكان تعميِدُ العرب كَرْهاً فاتحة ذلك الدور ثم صارت محاكم التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى ولم تتم عملية التطهير بالنار إلا بالتدريج لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعةً واحدة ، ونصح كردينالُ طليطلة التقي الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش بقطع رؤوس جميع مَنْ لم يتنصر من العرب رجالاً ونساء وشيوخاً وولداناً ولم ير الراهب الدومينيكي بليدا الكفاية في ذلك فأشار بضرب رقاب مَنْ تَنصر من العرب ومَنْ بقي على دينه منهم وحجته في ذلك أن مِن المستحيل معرفة صدق إيمان مَنْ تنصر من العرب ، فمن المستحب إذن قتل جميع العرب بحد السيف يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى ... ) ( ) .
ويقول ول ديورانت : ( وتم خروج اليهود الرهيب من أسبانيا بَيْدَ أن الوحدة الدينية لم تكن قد تحققت بعد فقد بقي المسلمين . ذلك أن غرناطة سقطت ولكنَّ سكانها من المسلمين مُنحو الحرية الدينية وانتُدب كبير الأساقفة هرناندوه تالافيرا حاكماً على غرناطة فنفذ الميثاق في شئ من السرية وحاول أن يستدرج المسلمين إلى التنصير بالرفق والعدل ، ولكن اكسيمينيس لم يوافق على مثل هذا الاعتناق للمسيحية فألح على الملكة بأن العهد لا يحافظ عليه مع الكافرين وأقنعها بأن تصدر مرسوماً (1499) يُخَيّر المسلمين بين الدخول في المسيحية وبين مغادرة أسبانيا وذهب بنفسه إلى غرناطة وتسلط على طلبيرة وأغلق المساجد ونصب المحارق العامة التي التهمت جميع الكتب والمخطوطات العربية التي وصلت إليها يده وأشرف على التنصير الإجباري بالجملة ...
.. واحتج المسلمون بأن أسلافهم عندما حكموا معظم أسبانيا فإنهم سمحوا بالحرية الدينية إلا في القليل النادر للمسيحيين الذين تحت سلطانهم ولكن الملكين لم يتأثرا بهذا الاحتجاج ، وحرم على الأطفال الذكور دون الرابعة عشرة والإناث دون الثانية عشرة أن يغادروا أسبانيا مع آبائهم ) ( ) .
فهذا هو رأي النصارى في العهود وهذه هي قيمة العهد عندهم ، وهذه نهاية المسلمين الذين عاهدوا النصارى وظنوا أنهم صاروا في مأمن مِن غدرهم ، ولا تظن أن هذا المرسوم الذي صدر عام 1502 ليخير المسلمين بين التنصُّر أو مغادرة البلاد ، لا ٍتظن أنه لم يكن نابعاً من عقيدة دينية عندهم ، يقول ول ديورانت : ووصف الكاردينال ريشلييه مرسوم عام 1502 بأنه ( أكبر حدث همجي في التاريخ ) بَيْدَ أن الراهب بليدا رآه ( أمجد حادث في أسبانيا منذ عهد الرسل ) واستطرد قائلا : ( الآن أصبحت الوحدة الدينية في مأمن وأوشك عهد من الازدهار أن يبزغ ) ( ) .
وهذه شهادة من نصراني ، والحق ما شهدت به الأعداء ، فلا مجال للكلام عن قيمة العهود عند النصارى ونظرتهم للمُعَاهَدين وأهل ذمتهم ، وصدق ربنا العليم الخبير إذ وصفهم بقوله : " كيف وإن يظْهَروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقُبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون " ( سورة التوبة ، الآيات 8 ، 9 ، 10 ) .
وهذا هو دأبهم عندما يكون المسلمون تحت حكمهم ، وتحكي الراهبة كارين آرمسترونج أنه بعد ما أصبح عشرات الآلاف من المسلمين يعيشون داخل الممالك النصرانية بدأوا في ممارسة الفصل العنصري(... وصدرت تشريعات كنيسة خاصة تربط المسلمين باليهود باعتبارهم العدو المشترك في المجلسين البابويين اللذين عقدا عامي 1179 و 1215 إذ قضت تلك التشريعات بفرض عقوبات تتمثل في الطرد من الكنيسة وما يترتب على ذلك من مصادرة الممتلكات عل كل مسيحي يقبل الخدمة في منازل المسلمين واليهود أو رعاية أطفالهم أو الاتجار معهم أو حتى مشاركتهم طعامهم وفي عام 1227 أضاف البابا غريفوريوس التاسع المراسيم التالية : يجب على المسلمين واليهود أن يرتدوا ملابس مميزة لهم ويجب ألا يظهروا في الشوارع أثناء الأعياد المسيحية أو أن يتولوا مناصب حكومية في البلدان المسيحية ، كما منع المؤذن من إيذاء أسماع المسيحيين بدعوة المسلمين إلى إقامة الصلاة بالأسلوب المعهود . وأعلن البابا كليمنت الخامس (1305 - 1314) أن وجود مسلم على الأرض المسيحية يعتبر إهانة لله ، وكان المسيحيون قد شرعوا قبل ذلك في التصدي لتلك الظاهرة التي اعتبروها مخزية فقام ملك فرنسا شارل آنشوا عام 301 بإبادة من بقي من المسلمين الصقليين ومن أبناء جنوب إيطاليا في محمية ( لوسيرا ) وكان وصفها بأنها ( وكر الوباء ... متوهجة التلوث ... مصدر الطاعون العضال والجراثين القذرة في أبوليا ) ( ) .
فهذه هي عهودهم وأخلاقهم كما وصفتها هذه الكاتبة الكاثوليكية ؛ فانظر كم بينها وبين
عهد عمر الذي يرونه قمة الظلم !
هذا المبحث استللته من كتابى (التعقب الحثيث لشبهات النصارى حول الحديث) يسر الله نشره،ونفع به وجعله فى ميزان حسناتى آمين
وكتب: أبو عبد الله السلفى المتطبب عزت بن عبد الرحمن عفا الله عنه

îن îëéىهْ نçمùهْ?