إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

القرطبى يذكر زنى داود بامرأة أوريا

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • القرطبى يذكر زنى داود بامرأة أوريا

    زنى داود بإمرأة أوريا

    نقرأ أولاً قصة داود كما تخيلها كتبة التوراة: (2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدّاً. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟» 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فَقَالُوا لِدَاوُدَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لِآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجِعَ مَعَ امْرَأَتِي! وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ لاَ أَفْعَلُ هَذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لِأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضاً، وَغَداً أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوباً إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضاً. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ.) صموئيل الثانى 11: 2-18

    وبذلك جعلوا نبى الله داود عليه السلام يرتكب الزنى ، والخيانة لجيشه الذى ضحى بعدد من جنوده من أجل قتل أوريا ، واتهموه بالخسة ، وبذلك نفوا عنه النبوة والعصمة التى يؤمن بها كل مسلم فى حق كل أنبياء الله ، كما رموا امرأة أوريا الحثى بالزنى.

    يستشهد النصارى رداً على تعجب المسلمين أن يختار الرب عندهم الأنبياء ما بين الفاسق والزانى والسارق وعابد الأوثان ، فأتوا بهذه الشبهة من كتب تفسير المسلمين للقرآن الكريم لقول الله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *) سورة ص 21-25

    فيُحكى فى القرطبى عن ابن عباس وكذلك فى مناهل العرفان ج: 15 ص: 166 قوله:
    وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم ، فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلي فيه فخذ حذرك. فأخذ الزبور ، ودخل المحراب ، ومنع من الدخول عليه. فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير ، فجعل يدرج بين يديه ، فهم أن يتناوله بيده فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب ، فدنا منه ليأخذه فطار ، فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها بشعرها قال السدي، فوقعت في قلبه. قال ابن عباس: وكان زوجها غازيا في سبيل الله وهو أوريا بن حنان فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا فقدمه فيهم فقتل فلما انقضت عدتها خطبها داود واشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده وكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشب وتسور الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه ذكره الماوردي وغيره ولا يصح.)

    (ورواه مرفوعا بمعناه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن يزيد الرقاشي سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثا وأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو قرب فلانا وسماه قال فقربه بين يدي التابوت قال وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله فقدم زوج المرأة ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة وقال سعيد عن قتادة كتب إلى زوجها وذلك في حصار عمان مدينة بلقاء أن يأخذوا بحلقة الباب وفيه الموت الأحمر فتقدم فقتل وقال الثعلبي قال قوم من العلماء إنما امتحن الله داود بالخطيئة لأنه تمنى يوما على ربه منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأله أن يمتحنه نحو ما امتحنهم ويعطيه نحو ما أعطاهم وكان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوم يقضي فيه بين الناس ويوم يخلو فيه بعبادة ربه ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي فأوحى الله تعالى إليه إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها ابتلى إبراهيم بنمرود بالنار وبذبح ابنه وابتلى إسحق بالذبح وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره ولم تبتل أنت بشيء من ذلك فقال داود عليه السلام فابتلى بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم فأوحى الله تعالى إليه إنك مبتلي في شهر كذا في يوم الجمعة فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينما هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فوقف بين رجليه فمد يده ليأخذها فيدفعها لابن له صغير فطارت غير بعيد ولم تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت ونظر داود يرتفع في في إثرها ليبعث إليها من يأخذها فنظر امرأة في بستان على شط بركة)

    ألا ترى معى التدليس الواضح فى القصة؟ ففيها نقاط لو تناولها قصَّاص فى عصرنا هذا لحكمنا عليه بالفشل ، وعدم الموضوعية ، بل ولاتهمناه بالغباء:
    فكيف خرج داود من المحراب جرياً وراء الحمامة تاركا الصلاة؟ وخاصة أنه قد تواعد مع الرب أن يبتليه ، وأخبره الله (تبعا لما تقوله الروايات) أنه سوف يمتحنه فى وقت محدد معلوم: (فأوحى الله تعالى إليه إنك مبتلي في شهر كذا في يوم الجمعة). فكيف بنبى الله الذى طلب أن يدخله الله إمتحاناً يرتقى فيه إلى مراتب أعلى من النبوة والإصطفاء ، يغفل عن أنه فى لجنة إمتحان ، ويترك الإمتحان والإصطفاء جرياً وراء حمامة ، لا يملكها ولا تحق له؟

    فهذه عقلية طفل لم يتعد الرابعة من عمره. وهى تذكرنى بطفل صغير وقع منه الحمص أثناء السجود فى صلاة العشاء، فظل ساجداً يأكل الحمص ، حتى لا يطالبه أحد برميه بعد الصلاة لأنه وقع على الأرض.

    ألم يتذكر نبى الله داود عليه السلام عندما رأى المرأة العارية أن هذا هو الإمتحان فيستعصم للفوز برضاء الله؟ فالمتتبع لهذه القصة يشعر بإنه أمام مجرم ، لا يعرف الله، مجرم خان زوجاته ال 99 (كما تقول الرواية ************************************************، ولم يستغفر الله حتى أتم جرائمه ، وذكره المتخاصمان بذلك، ولم يفق من إجرامه إلا بعد أن أرسل فى طلب زوجها من جبهة القتال ، وأتى الرجل ، وبات ليلة حارساً لداود ، رافضاً أن يبات مع زوجته ، ثم أرسله مرة أخرى لقائد الجيش ، الذى تخلص منه بناءً على تعاليم داود (وهذا تبعاً للقصة التوراتية).

    أى شهراً من الوقت أو أكثر وهو لاهى فى جرائمه ، هيمان فى حب امرأة ، فهل مثل هذه الشخصية يصطفيها الله العالم بما سيكون ، وبما كان ليكون نبياً ممثلاً لشريعة الله على الأرض؟

    ألا تفكرون؟ ولله المثل الأعلى: هل يرسل رئيس الجمهورية سفيراً من أسافل الناس ممثلاً لبلده؟ ألم يجد الرب نائباً عنه محترماً لإبلاغ الناس بشرعه؟

    وهل كان سيأخذ نبى الله داود الحمامة وهى ليست ملكه؟
    وكيف لم يسع واحد من الحراس لمساعدته ومحاولة الإمساك بالحمامة؟

    وكيف دخلت الحمامة عليه ولم يتعجب كما تعجب من المتخاصمين عند اكتشافه لهما فى محرابه؟ وكيف خرجت الحمامة من المحراب أو الغرفة وبابها مغلق وعليه حراسة، مما اضطر المتخاصمين فيما بعد إلى تسور الغرفة التى يتعبد بها داود؟ فلو خرجت من نفس المكان الذى أتيا منه المتخاصمان لكان على الملك داود فى سنه هذا أن يتسور هو أيضاً المحراب.

    وكيف رأى داود المرأة وهى تستحم ولم يراها حراسه بأعلى المنزل أو بقية جيرانها؟

    والأهم من ذلك كله: هل كان النساء يستحممن فى النهار أو على أسطح المنازل؟

    تقول دائرة المعارف الكتابية مادة (حمَّام - استحمام): (أماكن الاستحمام: كانت الأنهار والأحواض التي تتجمع فيها مياه الينابيع هي الأماكن المألوفة للاستحمام (خر 2: 5، 2مل5: 10 ... إلخ). كما كانت في المدن الكبيرة موارد مياه مخزونة في أحواض أو بحيرات صناعية، كانت مياهها تستخدم أحياناً الاستحمام (2صم 11: 2). ومع ذلك ـ كما يقول بزنجر ـ لم يكتشف أي أثر للحمامات في البيوت العبرية القديمة بما فيها القصور الملكية. ويبدو لنا من قصة سوسنة (في الجزء الأبوكريفي من نبوة دانيال - 13: 15) أنه كانت توجد أحواض للاستحمام في الحدائق في بابل، وإن كانت الإشارة هنا في الغالب الى الاستحمام في الهواء الطلق.

    ومن المؤكد أن الحمامات العمومية المعروفة لدينا الآن، وكذلك أحواض الغطس من الطراز اليوناني، لم تكن معروفة لدى العبرانيين إلى حين اتصالهم بالحضارة اليونانية . وقد ظهرت هذه الحمامات للمرة الأولى في عصر الحضارة اليونانية ـ الرومانية، حيث كانت توجد دائماً في "ساحات التدريبات الرياضية". وتوجد بقايا منها إلى وقتنا الحاضر، تدل على درجات متفاوتة من الثراء والكمال المعماري، في أماكن متفرقة من الشرق، كما في مدن ديكابوليس وبخاصة "جرش" و "عمان"، ففيهما أفضل الأمثلة لذلك، كما توجد أيضاً في بومبي في إيطاليا. وقد اكتشف مستر "ر.أ.س. مكاليستر" سلسلة من غرف الاستحمام في "جازر" بفلسطين متصلة بأحد المباني الذي يحتمل أنه كان قصر سمعان المكابي.)

    وهذا الاعتراف ينفى ويدمر هذه القصة من أساسها ، بل ويؤكد أن مصدرها الإسرائيليات التى تغلغلت فى كتب التفاسير ، والدليل على ذلك أنه لم توجد حمامات فى المنازل وليس على أسطحها إلا بعد اتصال العبرانيين بالحضارة اليونانية أى بعد نزول عيسى عليه السلام بعدة قرون.
    والدليل الآخر أن راوى القصة ينسب قصة الذبح لإسحاق وليس لإسماعيل ، ولا يقل بهذا مسلم.

    كيف تقولون إن إسماعيل محروماً من عهد الرب ونبوته ، لأنه ابن الجارية، على الرغم أن التوراة التى أنزلت على موسى لا تفرق بين المحبوب والمكروه أو بين بنى إسرائيل والغرباء. ففى التوراة نجد تأكيدات كثيرة على معاملة الغريب مثل الغريب (غير الإسرائيلى) بشرط الإيمان بالله وأن يكون مختوناً ، منها:

    من هو الذبيح؟
    حرَّفت التورة اسم الذبيح وجعلته إسحق بدلاً من إسماعيل ، إلا أن من قام بذلك لم يستطع تغيير القانون الأساسى للميراث ونقاط أخرى ألخصها فى الآتى:

    أقسم الله بذاته قائلاً: (16وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا الأَمْرَ وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ 17أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيراً كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ 18وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي».) تكوين 22: 16-18

    جاء قسم الله ولم يكن إسحاق بعد قد ولِدَ ، حيث إن الفارق فى العمر بينهما هو ( 14 ) عاماَ: (16كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأَبْرَامَ.) تكوين 16: 16 و (5وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ حِينَ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ ابْنُهُ.) تكوين 21: 5.

    وأبرام المذكور فى الفقرة الأولى عنا هو إبراهيم الذى ذكِرَ فى الفقرة التى تليها ، فقد غيَّرَ الله سبحانه وتعالى اسمه قائلاً: (5فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ.) تكوين 17: 5

    يقول اليهود إن الابن الوحيد والبكر (تغيرت فى التراجم إلى الابن المفضَّل) لم يكن إسماعيل قط ، لأن إسماعيل ابن الجارية ، وعلى ذلك يكون إسحاق هو الابن الحقيقى لإبراهيم.

    والعجيب أن التوراة لم تقل أبداً إن إسماعيل ابن غير شرعى لإبراهيم ، فهذه سارة امرأة إبراهيم أيقنت أنها لن تنجب لإبراهيم نسلاً فآثرت أن تزوجه بهاجر: (وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ 2فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ. 3فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ. 4فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا.) تكوين 16: 1-4

    (15فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ابْناً. وَدَعَا أَبْرَامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ «إِسْمَاعِيلَ». 16كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأَبْرَامَ.) تكوين 16: 15-16

    إذن فـ (ساراى) أعطت (هاجر) لـ (أبرام) رجلها زوجة له ، أى إن نسلها يجب أن يكون نسلاً شرعياً، ويؤكد ذلك: (13وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ») تكوين 21: 13، أى إن الله اعتبر إسماعيل من نسل إبراهيم. وعلى ذلك يكون إسماعيل هو البكر.

    وعندما غارت سارة من هاجر: (10فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لأَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدّاً فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».) تكوين 21: 10-13

    وفى برية بئر سبع (17فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ. وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. 18قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً».) تكوين 21: 17-18

    سأجعله أمة عظيمة. فالأمة تختلف عن الشعب. فالأمة هى عدة دول يجمعهم شىء مشترك: مثل اللغة أو الدين فنقول الأمة العربية أى البلاد الناطقة باللغة العربية ، ونقول الأمة الإسلامية أى الدول التى تُدين بالإسلام.

    وإذا قرأت نص الذبيح فى (تكوين 22: 2) تجد أنه يقول له: خذ ابنك وحيدك الذى تحبه. فلو كان وُلِدَ إسحاق ، فلا يمكن أن يكون له ابن وحيد ، أو لكان سأله أيهما! ولو أراد الله بالذبيح إسحاق أو لو كان إسحاق قد ولِدَ عند هذا الإختبار الصعب ، أو لو كان الذبيح غير محبوب ومقبول عند أبيه ومرضى عليه منه ، فلا تتبقى قيمة للأضحية! ولو كان يحب إسحاق فقط لكان نبى الله ظالماً ، ولكان إلهه أيضاً ظالماً أن يُشجعه على التمادى فى الظلم بهذه التسمية! ولما قبح الكلام فى عينى إبراهيم عندما طردت سارة هاجر وابنها.


    هل كان إسماعيل مغضوباً عليه أو محروماً من الميراث؟
    على العكس. ندرك قمة الحب لإسماعيل عند إبراهيم فى هذه النصوص: (18وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلَّهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» 19فَقَالَ اللهُ بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. 20وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً.) تكوين 17: 18 ، و (10فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لأَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدّاً فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضاً سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».) تكوين 21: 10-13

    أى سيكون عهدى الأول مع إسحاق وفى نسله ، ثم سيكون من بعد ذلك فى نسل إسماعيل، لهذا عمل اليهود ألا ينتهى هذا العهد ، وأرادوا خلع صفة المسيح الرئيس (المسيا) على عيسى عليه السلام ، لكى لا ينتظروا المسيا ، خاتم الأنبياء ، الذى سينهى شريعتهم ، ويأتى بالدين الخاتم لكل أهل الأرض.

    (وهذه مواليد إسماعيل بن ابراهيم الذى ولدته هاجر المصرية جارية سارة لإبراهيم) تكوين 25: 12

    وعند وفاة إبراهيم (ودفنه إسحق وإسماعيل ابناه فى مغارة المكفيلة) تكوين 25: 7 ، والاشتراك فى الدفن يعنى الاشتراك فى الميراث.

    هل ابن الجارية كان من المغضوب عليهم؟
    وإلا فماذا نقول عن (دان) و (نفتالى) ابنى يعقوب من بلهة جارية راحيل؟ وماذا نقول عن (جاد) و (أشير) ابنى يعقوب أيضاً من زلفة جارية ليئة؟ إن هؤلاء من الأسباط الاثنى عشر ، ذرية يعقوب عليه السلام ، واقتران يعقوب لبلهة جارية راحيل ، وزلفة جارية ليئة مماثل لاقتران إبراهيم لهاجر جارية سارة.

    فتقول التوراة بشأن (دان) و (نفتالى) أن راحيل (3فَقَالَتْ: «هُوَذَا جَارِيَتِي بَلْهَةُ. ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضاً مِنْهَا بَنِينَ». 4فَأَعْطَتْهُ بَلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ 5فَحَبِلَتْ بَلْهَةُ وَوَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ ابْناً 6فَقَالَتْ رَاحِيلُ: «قَدْ قَضَى لِيَ اللهُ وَسَمِعَ أَيْضاً لِصَوْتِي وَأَعْطَانِيَ ابْناً». لِذَلِكَ دَعَتِ اسْمَهُ «دَاناً». 7وَحَبِلَتْ أَيْضاً بَلْهَةُ جَارِيَةُ رَاحِيلَ وَوَلَدَتِ ابْناً ثَانِياً لِيَعْقُوبَ 8فَقَالَتْ رَاحِيلُ: «قَدْ صَارَعْتُ أُخْتِي مُصَارَعَاتِ اللهِ وَغَلَبْتُ». فَدَعَتِ اسْمَهُ «نَفْتَالِي».) تكوين 30: 3-8

    وتقول التوراة بشأن (جاد) و (أشير): (9وَلَمَّا رَأَتْ لَيْئَةُ أَنَّهَا تَوَقَّفَتْ عَنِ الْوِلاَدَةِ أَخَذَتْ زِلْفَةَ جَارِيَتَهَا وَأَعْطَتْهَا لِيَعْقُوبَ زَوْجَةً 10فَوَلَدَتْ زِلْفَةُ جَارِيَةُ لَيْئَةَ لِيَعْقُوبَ ابْناً. 11فَقَالَتْ لَيْئَةُ: «بِسَعْدٍ». فَدَعَتِ اسْمَهُ «جَاداً». 12وَوَلَدَتْ زِلْفَةُ جَارِيَةُ لَيْئَةَ ابْناً ثَانِياً لِيَعْقُوبَ 13فَقَالَتْ لَيْئَةُ: «بِغِبْطَتِي لأَنَّهُ تُغَبِّطُنِي بَنَاتٌ». فَدَعَتِ اسْمَهُ «أَشِيرَ») تكوين 30: 9-13

    وقد حُسِبوا ضمن أولاده الشرعيين ، فكيف يعترفون بهؤلاء أبناء شرعيين ليعقوب وينكرون ذلك على إسماعيل؟! وإلا لقلنا أن نبى الله ، أبو الأنبياء ، إبراهيم عليه السلام كان عنده ابن غير شرعى من الحرام؟ حاشاه أن يزنى أبو الأنبياء عليه السلام.

    وهؤلاء هم أبناء يعقوب الاثنى عشر: (وَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ: 23بَنُو لَيْئَةَ: رَأُوبَيْنُ بِكْرُ يَعْقُوبَ وَشَمْعُونُ وَلاَوِي وَيَهُوذَا وَيَسَّاكَرُ وَزَبُولُونُ. 24وَابْنَا رَاحِيلَ؛ يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ. 25وَابْنَا بِلْهَةَ جَارِيَةِ رَاحِيلَ: دَانُ وَنَفْتَالِي. 26وَابْنَا زِلْفَةَ جَارِيَةِ لَيْئَةَ: جَادُ وَأَشِيرُ. هَؤُلاَءِ بَنُو يَعْقُوبَ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهُ فِي فَدَّانَِ أَرَامَ.) تكوين 35: 22-26

    ومن الدلائل الجلية أن (دان) ابن بلهة جارية راحيل جاء من ذريته شمشون ، ذلك الإنسان الممسوح بالروح القدس منذ ولادته ، وقد كان قاضياً لبنى إسرائيل لمدة 20 سنة ، فها هو ملاك الرب يبشر امرأة منوح العاقر بولادتها لشمشون قائلاً: (5فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً, وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ, لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيراً لِلَّهِ مِنَ الْبَطْنِ, وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ».) القضاة 13: 5

    (24فَوَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ابْناً وَدَعَتِ اسْمَهُ شَمْشُونَ. فَكَبِرَ الصَّبِيُّ وَبَارَكَهُ الرَّبُّ. 25وَابْتَدَأَ رُوحُ الرَّبِّ يُحَرِّكُهُ فِي مَحَلَّةِ دَانٍَ بَيْنَ صُرْعَةَ وَأَشْتَأُولَ.) القضاة 13: 24-25 ، (وهو قضى لاسرائيل عشرين سنة) القضاة 16: 31

    ويدافع (جيمس هيستنج) عن حق البكورية لإسماعيل فيقول: لقد جانب التوفيق كُتَّاب سِفر التكوين ، أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا نسل إسماعيل واستحقاقه لحقوق البكورية أقل مرتبة زعماً أن انتماءه لأمه هاجر جارية إبراهيم يفقده حق البكورية ، وبهذا الصنيع فهم يغفلون قانون الأسرة الواضح الصريح المنصوص عليه فى التوراة فى سفر التثنية ؛ ووفقاً لهذا القانون فإن حقوق الابن البكر لا يمكن إسقاطها بسبب الوضع الاجتماعى للأم. هذا الحق الشرعى قد بيَّنَه الناموس بالنسبة للرجل الذى يجمع أكثر من زوجة.

    فتقول التوراة: (15«إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ فَوَلدَتَا لهُ بَنِينَ المَحْبُوبَةُ وَالمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الاِبْنُ البِكْرُ لِلمَكْرُوهَةِ 16فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لهُ لا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المَحْبُوبَةِ بِكْراً عَلى ابْنِ المَكْرُوهَةِ البِكْرِ 17بَل يَعْرِفُ ابْنَ المَكْرُوهَةِ بِكْراً لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لهُ حَقُّ البَكُورِيَّةِ.) تثنية 21: 15-17

    ويُستنتَج من كل ما سبق أنه:
    لم يكن هناك ابناً بكراً لإبراهيم عليه السلام إلا إسماعيل.
    وأن إسماعيل من أبناء إبراهيم المقربين إلى إسماعيل والمرضى عنهم لدى الله سبحانه وتعالى ، فقد استجاب الله لدعاء أبيه فى إكثار نسله ، وباركه (أى جعل النبوة فى نسله).

    وأنه لو كان إسحاق قد ولِدَ قبل رؤيا الذبح ، لما كان لها معنى فى إثبات حب إبراهيم لله ، لأنه سيكون فى هذه الحالة عنده البديل.

    وأن بشارة الله بميلاد إسحاق هى مكافأة لإبراهيم عليه السلام على طاعته لله.

    أنه لو كان الذبيح هو إسحاق ، لكان إسماعيل فى وقت خروجه مع أمه ابن 14 سنة على الأقل ، ولما كانت حملته أمه أثناء طردها من جوار سارة، ولما قال لها الرب أن تحمل وليدها ، ولما ذهبت هى لتبحث له عن مياه!
    (14فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحاً وَأَخَذَ خُبْزاً وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ وَاضِعاً إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا وَالْوَلَدَ وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ. 15وَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ طَرَحَتِ الْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى الأَشْجَارِ 16وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيداً نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ لأَنَّهَا قَالَتْ: «لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ الْوَلَدِ». فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ. 17فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ. وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. 18قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً».) تكوين 21: 14-18

    وأن بنو إسرائيل قد وضعوا إسحاق بدلاً من إسماعيل ، ليكون هو شعب الله المختار الذى افتداه الله ليرث الأرض الموعودة ، وإبعاد أى نسل آخر ينازعها هذا الميراث. لذلك صحّحَ عيسى عليه السلام هذه المفاهيم بقوله: (42قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا؟ 43لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. 44وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ».) متى 21: 42-44

    لذلك أراد اليهود أن يتخلصوا أيضاً من عيسى عليه السلام واتهموه أنه هو المسيا المنتظر ليرجموه ويخلصوا من بشارته به، وكان رد عيسى عليه السلام أنه رفض هذه الفرية ، وكذلك برأه بيلاطس ، إلا أن اليهود أصرَّوا على صلبه ، فتدخلت العناية الإلاهية التى كان يحظى بها دائماً ونجته.

    ولو كان إسحاق هو الذبيح ، لاتخذ بنو إسرائيل من الفداء سنة لهم ولذكروها فى مناسبات مختلفة ، ولكننا نجد أن الفداء عند بنى إسرائيل يرتبط بالخروج من مصر ، ولا نجد إشارة من قريب أو بعيد لذكرى فداء إسحق: («وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ .. .. 12أَنَّكَ تُقَدِّمُ لِلرَّبِّ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ وَكُلَّ بِكْرٍ مِنْ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لَكَ. الذُّكُورُ لِلرَّبِّ. .. .. 14«وَيَكُونُ مَتَى سَأَلَكَ ابْنُكَ غَداً: مَا هَذَا؟ تَقُولُ لَهُ: بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أَخْرَجَنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. 15وَكَانَ لَمَّا تَقَسَّى فِرْعَوْنُ عَنْ إِطْلاَقِنَا أَنَّ الرَّبَّ قَتَلَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بِكْرِ النَّاسِ إِلَى بِكْرِ الْبَهَائِمِ. لِذَلِكَ أَنَا أَذْبَحُ لِلرَّبِّ الذُّكُورَ مِنْ كُلِّ فَاتِحِ رَحِمٍ وَأَفْدِي كُلَّ بِكْرٍ مِنْ أَوْلاَدِي.) خروج 13: 11-16

    والقصة كما ترون فيها نقاط لا تليق لا بالنبوة ولا بألوهية هذا الرب:
    1- تمنى داود عليه السلام التخلص من أوريا زوج هذه المرأة لأجل الفوز بامرأته ، وهو زوج للعديد من النساء ، غير السرارى التى يملكها ، والاتى يبلغ عددهن أكثر من 76 امرأة.

    2- سعيه لذلك بأن جعل زوجها فى حراسة تابوت الرب ، وهذه خسَّة يترفع عنها خيار الناس ، فما بالك بالأنبياء؟

    3- اشتراط هذه المرأة على داود إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة بعده وكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل. وهو لا يملك ذلك ، لأن الملك فى بنى إسرائيل هو من الأنبياء.

    والمدقق يعلم أن ابنهما قد مات: (14غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهَذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ فَالاِبْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ». 15وَذَهَبَ نَاثَانُ إِلَى بَيْتِهِ. وَضَرَبَ الرَّبُّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ امْرَأَةُ أُورِيَّا لِدَاوُدَ فَثَقِلَ. 16فَسَأَلَ دَاوُدُ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْماً، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعاً عَلَى الأَرْضِ. 17فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزاً. 18وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «هُوَذَا لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيّاً كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ!». 19وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجُونَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ مَاتَ الْوَلَدُ؟» فَقَالُوا: «مَاتَ». 20فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزاً فَأَكَلَ. 21فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «مَا هَذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيّاً صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزاً». 22فَقَالَ: «لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيّاً صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. 23وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟) صموئيل الثانى 12: 14-23

    لكن الحكاية هكذا لم تنتهى، فقد تآمرت بتشبع (امرأة أوريا سابقاً) فيما بعد مع ناثان ابن داود لتنصيب ابنها سليمان ملكاً. (ملوك الأول 1: 11-31) وقال لها ناثان أن تذهب للملك وتقول له: (13اِذْهَبِي وَادْخُلِي إِلَى الْمَلِكِ دَاوُدَ وَقُولِي لَهُ: أَمَا حَلَفْتَ أَنْتَ يَا سَيِّدِي الْمَلِكُ لأَمَتِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ابْنَكِ يَمْلِكُ بَعْدِي، وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّي. فَلِمَاذَا مَلَكَ أَدُونِيَّا؟).

    إذن فالأيمان والعهد الذى قطعه داود أمام خمسين من بنى إسرائيل ، لم يكن لسليمان ، ولكنه كان لإبنها الذى مات. فهذا يثبت كذب القصة من ناحية ، والتدليس الواضح فيها، كما أنه تعمد تشويه نبى الله داود ، وامرأة قائده ، وشهود الملك ، وأبنائه.

    4- كذلك لا يليق أن يوصف الإله بأنه ظلم أوريا الحثى ، ورضاه بما فعله داود ، واكتفى بأن عاتبه فقط.

    5- تضارب الروايات فى هذه القصة: فمنهم من قال رآها تستحم فوق سطح منزلها، ومنهم من قال إنه رأها تستحم على شاطىء بركة.

    وهذه القصة تتشابه مع قصص التوراة عن أنبيائهم والنبوة فيهم ، فالمراقب لأى نبى فى التوراة يجد أن اليهود جعلوه مجرماً بأى صورة كانت: سواء جعلوه مرتداً ، أو متصارعاً مع الرب ، أو كاذباً ، أو سارقاً ، أو غير متبعاً لشرع الله:

    اقرأ: نبى الله يعقوب يصارع الرب ويهزمه: (تكوين 32: 22-30)

    اقرأ: نبى الله يعقوب يكذب على أبيه ويسرق البركة والنبوة من أخيه وبذلك فرض على الله أن يوحى إليه أو اتهم الله بالجهل وعدم علم هذه الحادثة: (تكوين الإصحاح 27)

    اقرأ: نبى الله يعقوب يشترى النبوة من أخيه عيسو بطبق عدس: (29وَطَبَخَ يَعْقُوبُ طَبِيخاً فَأَتَى عِيسُو مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ قَدْ أَعْيَا. 30فَقَالَ عِيسُو لِيَعْقُوبَ: «أَطْعِمْنِي مِنْ هَذَا الأَحْمَرِ لأَنِّي قَدْ أَعْيَيْتُ. (لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهُ أَدُومَ). 31فَقَالَ يَعْقُوبُ: «بِعْنِي الْيَوْمَ بَكُورِيَّتَكَ». 32فَقَالَ عِيسُو: «هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى الْمَوْتِ فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ؟» 33فَقَالَ يَعْقُوبُ: «احْلِفْ لِيَ الْيَوْمَ». فَحَلَفَ لَهُ. فَبَاعَ بَكُورِيَّتَهُ لِيَعْقُوبَ. 34فَأَعْطَى يَعْقُوبُ عِيسُوَ خُبْزاً وَطَبِيخَ عَدَسٍ فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى. فَاحْتَقَرَ عِيسُو الْبَكُورِيَّةَ.) تكوين 25: 29-34

    اقرأ: نبى الله ناثان يتآمر مع أمه ويكذبان وينصبان على أبيهما داود لإختيار سليمان نبياً: (ملوك الأول 1: 11-31)

    ونسبوا إلى الرب قوله عن الأنبياء المصطفين الأخيار:

    (11لأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالْكَهَنَةَ تَنَجَّسُوا جَمِيعاً بَلْ فِي بَيْتِي وَجَدْتُ شَرَّهُمْ يَقُولُ الرَّبُّ.) إرمياء 23: 11

    (13وَقَدْ رَأَيْتُ فِي أَنْبِيَاءِ السَّامِرَةِ حَمَاقَةً. تَنَبَّأُوا بِالْبَعْلِ وَأَضَلُّوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ.) إرمياء 23: 13

    ويُنسب إلى عيسى عليه السلام القول: (8جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ وَلَكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ.) يوحنا 10: 8

    (ووصف الثعلبى هذه القصة بعدم الصحة ، كما شكك فى نسبتها لابن عباس. [الجزء الرابع ص 34) ، وأضاف أنه: (في كتب بني اسرائيل في هذه القصة صور لا تليق وقد قال علي بن أبي طالب من حديث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله قدره.)

    وعن سعيد بن المسيب أن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: (من حدثكم بحديث داود على مايرويه القصاص جلدته مائة وستين)

    وقال ابن حزم الأندلسي الظاهرى فى الفصل فى الملل والنحل ج2 ص294-317 نقلاً عن Moonshadow6 بمنتدى الجامع:
    http://www.aljame3.com/forums/index.php?showtopic=1983

    قال أبو محمد وهذا قول صادق صحيح لا يدل على شيء مما قاله المستهزؤن الكاذبون المتعلقون بخرافات ولدها اليهود وإنما كان ذلك الخصم قوماً من بني آدم بلا شك مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم بغى أحدهما على الآخر على نص الآية ومن قال أنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء فقد كذب على الله عز وجل وقوله ما لم يقل وزاد في القرآن ما ليس فيه وكذب الله عز وجل وأقر على نفسه الخبيثة أنه كذب الملائكة لأن الله تعالى يقول ‏"‏ هل أتاك نبأ الخصم ‏"‏ فقال هو لم يكونوا قط خصمين ولا بغي بعضهم على بعض ولا كان قط لأحدهما تسع وتسعون نعجة ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له أكفلنيها فاعجبوا لم يقحمون فيه أهل الباطل أنفسهم ونعوذ بالله من الخذلان

    ثم كل ذلك بلا دليل بل الدعوى المجردة وتالله أن كل أمرئ منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره ثم يعرض زوجها للقتل عمداً ليتزوجها وعن أن يترك صلاته لطائر يراه هذه أفعال السفهاء المتكهوكين الفساق المتمردين لأفعال أهل البر والتقوى فكيف برسول الله داود صلى الله عليه وسلم الذي أوحي إليه كتابه وأجرى على لسانه كلامه لقد نزهه الله عز وجل عن أن يمر مثل هذا الفحش بباله فكيف أن يستضيف إلى أفعاله .

    وأما استغفاره وخروره ساجداً ومغفرة الله تعالى له فالأنبياء عليهم السلام أولى الناس بهذه الأفعال الكريمة والاستغفار فعل خير لا ينكر من ملك ولا من نبي ولا من مذنب ولا من غير مذنب فالنبي يستغفر الله لمذنبي أهل الأرض والملائكة كما قال الله تعالى ‏"‏ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم "‏.

    وأما قوله تعالى عن داود عليه السلام ‏"‏وظن داود إنما فتناه "‏ وقوله تعالى ‏"‏فغفرنا له ذلك "‏ فقد ظن داود عليه السلام أن يكون ما أتاه الله عز وجل من سعة الملك العظيم فتنة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في أن يثبت الله قلبه على دينه فأستغفر الله تعالى من هذا الظن فغفر الله تعالى له هذا الظن إذ لم يكن ما أتاه الله تعالى من ذلك فتنة‏.‏

    ويقول إمامنا الكبير الرازى فى شرحه لهذه الآيات فى المجلد الثالث عشر بتصرف: إن هذه القصة تدل على صدور الكبيرة منه. لأنه عشق امرأة أوريا واحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ، ثم تزوج بها.

    وأرد عليها قائلاً:
    1- أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجوراً لا ستنكف منها ، ولبالغ فى تنزيه نفسه ، وربما لعن من ينسبها إليه. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه.

    2- إن من سعى فى دم مسلم لا تدركه رحمة الله: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سعى فى دم مسلم ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله)

    3- أن من يفعل هذا لا يُعد مسلماً: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وإن أوريا لو يسلم من داود لا فى روحه ، ولا فى زوجته. ولا يمكن أن يختار الله نبياً ليس على دينه لتبليغ رسالته للبشر.

    4- أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشر المذكورة ، ووصفه بصفات كثيرة بعد هذه القصة ، وكل من هذه الصفات تنافى كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح ، وهى:

    الصفة الأولى: قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدَنا داود) فأمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدى فى الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام لداود حيث أمر الله أفضل الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدى به فى مكارم الأخلاق. ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى فى إراقة دم إمرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل رسل الله أن يقتدى بداود فى الصبر على طاعة الله.

    الصفة الثانية: أنه قال فى حقه (عَبدَنا داود) فوصفه بكونه عبداً له ، وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم ، وذلك غاية التشريف. والمقصود من ذلك الوصف بيان كون الموصوف كاملاً فى موقف العبودية ، تاماً فى القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذ ما كان داود كاملاً فى عبوديته لله تعالى ، بل كان كاملاً فى طاعة الهوى والشهوة.

    الصفة الثالثة: قوله تعالى (ذَا الأَيْدِ) أى ذا القوة على أداء الطاعة والاحتراز عن المعاصى ، لأنه تعالى لما مدحه بالقوة ، وجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح ، والقوة التى توجب المدح العظيم هى القوة فى الدين، أى القوة على فعل ما أمر به ، وترك ما نهى عنه ، لأن القوة فى غير الدين كانت موجودة عند ملوك الكفار والطغاة فى كل عصر ، وهى لا تستوجب المدح بل الذم.

    الصفة الرابعة: قوله تعالى (إنَّهُ أَوَّاب) أى إن داود كان رجَّاعاً فى أموره كلها إلى طاعتى ، أى كثير الرجوع بصيغة فعَّال التى هى أبلغ من فاعل ، فكيف يليق هذا السخف بمن يكون قلبه مشغوفاً بالقتل والفجور؟

    الصفة الخامسة: قول الله تعالى (إنَّا سخَّرنا الجبال معه) أفترى أن الله سخر له الجبال ليتخذه وسيلة للقتل والفجور؟ فهذا سب لله تعالى واعتباره شريكا فى الأمر. وهذا
    لا يقول به ضعاف العقول.

    الصفة السادسة: قوله تعالى (والطير مَحشورة) ، وقيل إنه كان محرماً عليه صيد شىء من الطير. وكيف يُعقَل أن يكون الطير آمناً منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه وزوجته؟ ناهيك عن أن القصة فى كتب التفاسير تقول بجريه وراء حمامة ليصطادها ، فكيف ذلك والصيد عليه محرم؟

    الصفة السابعة: قوله تعالى (كل له أوَّاب) ومعناه كل واحد من الجبال والطير أوَّاب أى رجَّاع ، أى كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته ، فهذهالأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها. والفرق بين هذه الصفة وبين ما قبلها أم فيما سبق علمنا أن الجبال سبحت مع تسبيح داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فمنها داوم تلك الموافقة. ومن كانت هذه صفته لا ينشغل قلبه بامرأة غيره ، ولا يفكر فى قتل مسلماً. ولا يعطى الله سبحانه وتعالى هذه الصفات لعبد يعلم أنه سيكون من الكفرة الفجرة. مما ينفى عن داود عليه السلام إتيانه لهذه المنكرات.

    الصفة الثامنة: قوله تعالى (وشددنا ملكه) ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا ، بل المراد أنه تعالى شدد ملكه بما يقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه فى الدين والدنيا ، ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور ، فكيف يليق به ذلك؟

    الصفة التاسعة: قوله تعالى (وءَاتيناه الحكمة) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علماً وعملاً ، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى (وءَاتيناه الحكمة وفصل الخطاب) مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه فى الروح والزوجة ، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب.

    الصفة العاشرة: قوله تعالى (وفصل الخطاب) فلما بين الله تعالى كمال حال جوهر النفس التى لداود بقوله (وءاتيناه الحكمة) أردفه ببيان كمال حاله فى النطق واللفظ والعبارة فقال (وفصل الخطاب) ، وبذلك يكون فضله على كل سائر خلقه من الذين يملكون الحكمة.

    ثم امتدحه الله بعد هذه الحكاية قائلاً: (وإنَّ له عندنا لزلفى وحُسن مآب) وهذا لدليل على براءة ساحته مما نسب إليه من الفجور والقتل ، وأنه لم يكن قد نال هذه المرتبة إلا بطاعته لله. وكذلك جاء قوله (يا داود إنَّا جعلناك خليفة فى الأرض) فلو كان قد وصل إلى مرتبة الملك الكبيرة فى الأرض بسفك الدماء ، والإعتداء على محارم المسلمين من أموال ونساء، لما مدحه الله ، بل لقبحه وقبح أفعاله على ملأ من الناس. ولكننا نجد العكس فى نهايتها ، فهى تبرىء ساحته عن المعاصى والذنوب ، وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى.

    وبذلك دلت مقدمة هذه القصة فى القرآن على مدح الله لداود ، ودلت آخرتها أيضاً على مدح الله له ، ولا يعقل أن يذم فى وسطها ، وإلا لكان معناها: (فلان هذا عظيم ، أحبه الله وقربه إليه لأنه تدرج إلى المراتب العليا فى طاعته ، فقتل وسرق وزنى ، ولذلك جعله الله خليفة فى أرضه.) وهذا لا يقول به عاقل.

    فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة ، فكيف الحال فيها؟

    أقول:
    1- إنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد ، كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى.

    2- الأصل براءة الذمة.

    3- طريقة الاحتياط توجب ترجيح براءته.

    4- عندما يتعارض دليل التحريم والتحليل ، كان جانب التحريم أولى.

    5- نحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لم لم تسعوا فى تشهير هذه الواقعة؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا فى ذكرها أعظم العقاب.

    6- قال صلى الله عليه وسلم: (إذا علمت مثل الشمس فاشهد) ، وههنا لم يحصل العلم ، ولا الظن فى صحة هذه الحكاية. وأيضاً لم يتفق كل المفسرين على الأخذ بفساد هذه الرواية ، بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ، ويحكمون عليه بالكذب والفساد.

    7- القاعدة التفسيرية تقول: إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت ، وبقى الرجوع إلى الدلائل التى ذكرناها.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

    وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم

    أبو بكر_3

  • #2
    يا اخى فى الله اذا قلت اي شيء يمس الانبياء سواء كان كلاما للقرطبى او لابن كثير او ابن الاثير وغيرهم فاكتب اسم الكتا قبل كل شيء ورقم الصفحه

    اخيكم فى الله احمد يسري
    الشيخ احمد يسرى

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      بارك الله فيك أخانا الحبيب ابا بكر

      إنك فعلاً من الفرسان النادرين الذين يمتطون صهوات جيادهم و ينطلقون رافعين سيوفهم البتارة لتمزق جسد كل خسيس لئيم تسول له نفسه مس حمى الإسلام بسوء !
      قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم )) مجموع الفتاوى (4/186-187) .

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        بارك الله فيكم اخوانى الأحباء

        أستاذى أحمد يسرى
        يكفى أن أذكر أن هذا فى تفسير القرطبى أو الطبرى أو الجلالين ، فمن الطبيعى أننا نتعرض لتفسير آية فى سورة ص ، فمكانها سيكون فى تفسير سورة ص ، لكننى لم أذكر فى أى صفحة ذكرها الجلالين أو ابن كثير أو غيره ، لأن هذه كانت شبهة للمحاكى ، أثناء رده على ، ووعدته أن أرد عليه ، وهى أيضا شبهة لغيره ، وما يكتبونه لا يذكرون فيه إلا اسم المرجع، وصفحة الوب على النت ، ولست فى الحقيقة فى حاجة إلى أن أعيد ما يكتبونه ، فكأننى أسب نبى الله داود بقولهم هذا ، فترفعت عنه ، ومع ذلك كنت أتضرر وأشيح بوجهى عن الجهاز وعما أكتب ، لكننى أعدت الضرورى ، والقصة بها خلافات كثيرة.

        وقد قرأت أولا ما تقوله التفاسير فى هذا من اسطوان عندى عليها الكثير من التفاسير ، فذكرت ما اقتبسته منها بالصفحة ، لكن مع الرازى ذكرت تفسير اسم السورة وهى (ص) فى الجزء 13 ابتداءً من صفحة 300

        ولك جزيل الشكر على دقتك فى التحرى عن مصدر المعلومات.

        îن îëéىهْ نçمùهْ?

        Working...
        X