بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد .....
فهذا بحث ميسر نضعه كبيان وتوضيح ورد على شبهات المستشرقين والمنصرين حول مفهوم النسخ .
قال تعالى ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) ( البقرة 106 ) وفي لغة العرب : ننسخ أى نزيل وننقل , وننسها أي نمحوها . وفي الإصطلاح عند أهل الإسلام النسخ هو : رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة .
قال القرطبي : ( النسخ في كلام العرب على وجهين :
أحدهما : النقل ، كنقل كتاب من آخر . وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً ( أى منقولا) أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وهذا لا مدخل له في هذه الآية ، ومنه قوله تعالى : "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " أي نأمر بنسخه وإثباته ( يعنى نقله ) .
الثاني :الإبطال والإزالة ، وهو المقصود هنا ، وهو منقسم في اللغة على ضربين :
أحدهما : إبطال الشيء و زواله وإقامة آخر مقامه ، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قوله تعالى : "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها" وفي صحيح مسلم " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " أي تحولت من حال إلى حال ، يعني أمر الأمة . قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب ، والنسخ أن تزيل أمراً كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بأحاديث غيره ، كالآية تنزل بأمر ثم يسنخ بأخرى . وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه ، يقال : انتسخت الشمس الظل ، والشيب الشباب . وتناسخ الورثة :أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون ) ( تفسير القرطبي 1/26 ) .
والنسخ واقع شرعًا وجائز عقلاً , وفي هذا يقول الشيخ " محمد صالح العثيمين " عليه من الله جزيل الرحمات :
( أما وقوعه شرعًا فلأدلة منها :
1- قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( البقرة 106 ) .
2- قوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم ) ( الأنفال 66 ) , ( فالآن باشروهن ) ( البقرة 187 ) , فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق .
3- قوله صلى الله عليه وسلم : " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " ( رواه مسلم ) , فهذا نص في نسخ النهى عن زيارة القبور .
أما جوازه عقلا ً: فلأن الله بيده الأمر و له الحكم , لأنه الرب المالك , فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته , وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد ؟ ! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده , أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم , والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان , فقد يكون الحكم فى وقت أو حال أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح , والله عليم حكيم ) ( الأصول فى علم الأصول ص 53 ) .
واعلم أيها القارئ : أن تشريع الله للحكم تشريع ليس وليد اللحظة أو بطريق الصدفة أو بحسب تداعيات الموقف دون سابق علم , بل قرره الله وقدره فى علمه الأزلي قبل أن يكون هذا الكون , فسبحانه يعلم ما هو كائن قبل أن يكون وما لم يكن كيف كان سيكون !
وأيضًا بمقتضى هذا العلم الأزلي فهو سبحانه وتعالى يعلم أن هذا الحكم أو هذا الشرع له وقت محدود ينتهى فيه فيحل مكانه حكم أو شرع جديد وفقًا لقدرات العباد على تحمل هذا الشرع رأفة منه جل وعلا بعباده المكرمين , وليس معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد حكم بشىء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم ، كما نرى هذا فى أسفار اليهود و النصارى والعياذ بالله ، إن هذا غير صحيح , لأن الله عندما قدر هذا الحكم أو هذا التشريع قبل أن يقضي به , كان يعلم بعلمه الأزلي أن الحكم له زمن وسوف يطبق لفترة وفقًا لقدرات الخلق وطبائعهم وتقبلهم لهذا الحكم أو هذا التشريع مما يعود عليهم بالمصلحة فى أمور دينهم و دنياهم .
إذًا فالمشرع الذى وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهى وسيحل محله حكم جديد كما قال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجًا ) ( المائدة 48 ) .
يقول فضيلة الدكتور " عمر بن عبد العزيز قريشي " حفظه الله : ( اقتضى ذلك علم الله وحكمته , غاير بين الشرائع لاختلاف الزمان والمكان والمدارك والعقول وتفاوت الأحوال , لكن الدين فى أصوله واحد - فلا نسخ في الأصول - ) ( نقلاً عن إحدى خطب الجمعة لفضيلة الدكتور عمر بن عبد العزيز الأستاذ بجامعة الأزهر وكانت الخطبة بعنوان " حملات التنصير فى مصر " – بتصرف - ) .
ويقول العلامة " رحمة الله بن خليل الهندى " رحمه الله رحمة واسعة : ( هذا النسخ عندنا إنما يَرد على الأوامر والنواهى . ففي تفسير " معالم التنزيل " : " النسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهى دون الأخبار " .
ومحصله : أنه لا يعترض على القصص والأخبار , بل على الأوامر والنواهى فقط . فلا نعتقده في القصص والأخبار , وكذا لا نعتقده في الأمور العقلية القطعية , مثل : أن الله موجود . ولا في الأمور الحسية مثل ضوء النار وظلمة الليل . وفي الأوامر والنواهى أيضًا تفصيل . لأنه لابد أن تعلق بحكم عملي يحتمل الوجود و العدم . فالحكم الواجب مثل الإيمان بالله , أو الممتنع مثل الشرك و الكفر , ليس بمحل النسخ .
والحكم العملي المحتمل للوجود والعدم فيه قسمان : مؤبد مثل قوله تعالى : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ) ( النور : 4 ) وهو ليس بمحل النسخ وغير مؤبد وهذا أيضًا قسمان : مؤقت مثل قوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره ) ( البقرة : 109 ) وهذا أيضًا ليس بمحل النسخ قبل وقته المعين . و غير مؤقت – و يسمى الحكم المطلق – وهذا محله النسخ . بمعنى : أن الله كان يعلم أن هذا الحكم يكون باقيًا على المكلفين إلى الوقت الفلانى , ثم ينسخ . فإذا جاء الوقت أرسل حكمًا أخر , هو مخالف للحكم الأول , ولما لم يكن الوقت مذكورًا فى الحكم الأول فعند ورود الثانى يتخيل لقصور علمنا : أنه تغير للحكم الأول , لكنه في الحقيقة وبالنسبة إلى الله بيان انتهائه .
ونظيره بلا تشبيه : أن يأمر الأمير الخادم – الذى يعلم حاله – بخدمه من الخدم , ويكون عزمه أن يأخذ من هذا الخادم هذه الخدمة إلى سنة مثلا . فإذا مضت المدة , عزله من هذه الخدمة . فهذا بحسب الظاهر عند الخادم تغيير , وأما في الحقيقة وبالنسبة إلى الأمير فليس بتغيير .
أو نظيره أن حكام الوقت يأمرون في موسم الحر لأهل " دربار " أن يحضروا في وقت الصبح , ويكون قصدهم أن هذا الحكم يبقى إلى انتهاء الموسم , وإن لم يصرحوا فى الظاهر . فإذا انقضى الموسم , وصدر عنهم حكم أخر خلافه , فهذا الحكم الثانى ليس مغيرًا فى الأول في الحقيقة , بل مبين لانتهائه .
فالنسخ المصطلح عند أهل الإسلام : عبارة عن بيان مدة انتهاء الحكم العملي الشرعي , المحتمل للوجود والعدم , والمتخيل دوامه بحسب أوهامنا ) ( مناظرة الهند الكبرى ص 116 - 117 ) .
قال القرطبي : ( وليس هذا من باب البداء ( أى التشريع الوليد اللحظة دون سابق علم مع عدم معرفة للأمور المترتبة على هذا الحكم أو التشريع إذا شُرع ) بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة ، وحكم إلى حكم ، لضرب من المصلحة ، إظهاراً لحكمته وكمال مملكته . ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالماً بمال الأمور ، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك في خليفته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه و إرادته لا تتغير ، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى ) ( تفسير القرطبي 1/ 63 ) .
فالنسخ فى حد ذاته دليل على رحمة الله الغير متناهية بعباده المكرمين , فالله ينزل من الأوامر و النواهى ما يناسب طباع أهل كل فترة , سواء كانت هذه الفترة زمنية أو إيمانية , فهو سبحانه وتعالى أعلم بحال عباده من نفوسهم , بل أعلم بأحوالهم قبل وجودهم , أعلم بما يطيقون وبما يتحملون من التكاليف الشرعية وفقًا لطاقاتهم , ولهذا قال القرطبي : ( معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة ( أي النسخ ) ، لا يستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام . روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس ، فقال: ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا ، قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه . وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ! . ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما ) ( تفسير القرطبي 1 / 62 ) .
ويقول صاحب " الظلال " المرحوم الشهيد بإذن الله " سيد قطب " فى خواطره حول آية البقرة ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) : ( .... فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال – في فترة الرسالة – هو لصالح البشرية , ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها , والله خالق الناس , ومرسل الرسل , و منزل الآيات هو الذى يقدر هذا , فإذا نسخ آية ألقاها في عالم النسيان , سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكمًا من الأحكام , أو آية بمعنى علامة وخارقة تجئ لمناسبة حاضرة وتطوي كالمعجزات المادية التى جاء بها الرسل , فإنه يأتى بخير منها أو مثلها , ولا يعجزه شئ وهو مالك كل شئ , وصاحب الأمر كله فى السموات و الأرض , ومن ثم تجئ هذه التعقيبات ( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير ) ( البقرة 107 ) ) ( في ظلال القرآن 1/101 , 102 - بتصرف - ) .
وقال ابن كثير رحمه الله فى تفسيره لتلك التعقيبات الإلهية لآية النسخ : ( يرشد عباده تعالى بهذا ، إلى أنه المتصرف في خلقه ، بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ويصح من يشاء ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصحلة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا ، وامتثال ما أمروا ، وترك ما عنه زجروا وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً ) ( تفسير ابن كثير 1 /181- 182 ).
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : ( فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد ، أن لي ملك السموات والأرض وسلطانها دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير ، من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ، بما أشاء إذ أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء ، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطاباً من الله تعالى ، لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود ، الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة السلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة ، فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته ، وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه )( المصدر السابق ) .
وأضرب للقارئ مثلا من كتاب النصارى " الكتاب المقدس " على سبيل الإيضاح لا على سبيل الإيمان به :
الطلاق فى العهد القديم ثابت لا مرية فيه , إذ جاء فى سفر التثنية ما نصه " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها . فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شئ . وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وطلقها من بيته , ومتى ذهبت وصارت لرجل أخر , فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذى اتخذها زوجة له لا يقدر زوجها الأول الذى طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست . لأن ذلك رجس لدى الرب . فلا تجلب خطية على الأرض التى أعطاك الرب إلهك نصيبًا " .( تث 24 : ا - 4 )
فكما نرى النص في قمة الشدة والإلزام , لأن هذا يتوافق مع طبيعة اليهود المادية التى يَصعب عليها قبول كل ما هو إلهي وروحى , وعندما جاء المسيح قال لأتباعه - وفقًا لما جاء في الكتاب المقدس - " وقيل : من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق . وأما أنا فأقول لكم : إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزنى , ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى" ( مت 5 : 31) . فاعترض اليهود عليه قائلين " فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق ؟ " فقال المسيح لهم : " إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا النساء . لكن من البدء لم يكن هذا " (مت 19 : 3- 10) ....... فتأمل !
واليهود ومعهم النصارى ينكرون أمر النسخ رغم أنه ثابت فى أسفارهم , فهم يظنون أن معنى أن ينسخ الله حُكماً ، أنه أخطأ وندم على ذلك ويحاول إصلاح ما أفسده من قبل , وأهل العلم منهم يحاولون أن يخفوا خيبة كتابهم عندما ذكر أن الرب ندم لفعل أشياء معينة بعد أن اكتشف خطأه فى السماح لفعل هذه الأشياء ، وهم بذلك يريدون أن يرموا الإسلام بما تُتَّهم به كتبهم:
" فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ . الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ " ( تكوين 6: 6-7 )
" وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ: «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكاً, لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي» " ( صموئيل الأول 15: 10-11)
وأيضاً " فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ " ( خروج 32: 14 )
وأيضاً " َالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ" ( صموئيل الأول 15: 35 )
مع العلم أن " ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ " ( عدد 23: 19) !!
ويسير أهل الجهل منهم على دربهم ، على عمى دون وعي أو بصيرة , فما صدرت منهم دعواهم إلا من تأثير هذه النصوص فى عقولهم وصدورهم !
إن المرء إذا كان سليم النفس , حسن الطوية , عرف مراد الحديث وغايته , وإذا كان مريض النفس معوجًا , انحرف وضل سعيه ضلالاً مبينًا !
فهل ينضح البئر إلا بما فيه ؟!
قال القرطبي : ( أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ( أى النسخ ) ، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة . وأنكرته أيضاً طوائف من اليهود ، وهم محجوجون بما جاء في توارتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ، ما خلا الدم فلا تأكلوه . ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت ، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره ، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه ، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ، ثم أمرهم برفع السيف عنهم ) ( تفسير القرطبي 1 / 63 ) .
وقال ابن كثير : ( وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً...... والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه ) ( تفسير ابن كثير 1 / 181 , 182) .
وقال الشيخ رحمة الله بن خليل الهندى : ( .... فكذلك في نسخ الأحكام حكم ومصالح له - تبارك وتعالى - , نظرًا إلى حال المكلفين والزمان والمكان , ألا ترى أن الطبيب الحاذق يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التى يراها , ولا يحمل أحد فعله على العبث والسفاهة والجهل ؟ فكيف يظن عاقل هذه الأمور في الحكيم المطلق العالم بالأشياء بالعلم القديم الأزلي الأبدي ؟ ! ) ( إظهار الحق ص 232 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( ....فبين أنه ( أى الله سبحانه و تعالى ) أنزل هذا القرآن مهيمنًا على ما بين يديه من الكتب , والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم يشهد بما فيها من الحق وينفي ما حرف فيها , ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها وينسخ ما نسخه الله منها , وهو مؤتمن في ذلك عليها وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكًا بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى , وكذلك من كان متمسكًا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان والهدى وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل فضلا عمن تمسك بشرع منسوخ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبترك الإيمان بمحمد صلى الله عيه و سلم في غير موضع ) ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1 / 262 ) .
ويقول الشيخ " السيد سابق " رحمه الله : ( وللقرآن مزايا تميز بها عن الكتب السماوية التى تقدمته – نذكر منها – أنه تمضمن خلاصة التعاليم الإلهية التى تضمنتها التوراة والإنجيل وسائر ما أنزل الله من وصايا , وأنه مؤيد للحق الذى جاء بها : من عبادة الله وحده و الإيمان برسله , والتصديق بالجزاء , ووجوب إقامة الحق , والتخلق بمكارم الأخلاق ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) ( المائدة 48 ) أى أن الله أنزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم مقترنًا بالحق فى كل ما جاء به , ومصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية التى أنزلها الله على الأنبياء السابقين , ورقيبًا عليها : يقر ما فيها من حق , ويبين ما دخل عليها من تحريف وتصحيف , ثم يأمر الله نبيه أن يحكم بين الناس : مسلمين وكتابيين , بما أنزل الله فى القرآن متجنبًا أهواءهم , وأنه سبحانه جعل لكل أمة شريعة وطريقة في الأحكام العملية تناسب استعدادها , أما أصول العقائد والعبادات والآداب والحلال والحرام ومالا يختلف باختلاف الزمان والمكان فإنها واحدة فى الأديان كلها ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى 13 ) ثم نسخت الأحكام العملية السابقة بالشريعة الإسلامية , والأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان , و أصبحت العقيدة واحدة , والشريعة واحدة للناس جميعًا ) ( العقائد الإسلامية ص 142-143 ) .
ويقول العلامة " أبو بكر الجزائري " حفظه الله : ( .... وليس أدل على نسخ القرآن الكريم للكتب قبله من أمر الله تعالى لنبي القرآن صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين سائر الناس على اختلاف من ينتحلون من ديانات بالقرآن الحكيم , وذلك فى قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) وقوله تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) ( النساء 105 ) ) ( عقيدة المؤمن ص 150 ) .
فهذا بحث ميسر نضعه كبيان وتوضيح ورد على شبهات المستشرقين والمنصرين حول مفهوم النسخ .
قال تعالى ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) ( البقرة 106 ) وفي لغة العرب : ننسخ أى نزيل وننقل , وننسها أي نمحوها . وفي الإصطلاح عند أهل الإسلام النسخ هو : رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة .
قال القرطبي : ( النسخ في كلام العرب على وجهين :
أحدهما : النقل ، كنقل كتاب من آخر . وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً ( أى منقولا) أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وهذا لا مدخل له في هذه الآية ، ومنه قوله تعالى : "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " أي نأمر بنسخه وإثباته ( يعنى نقله ) .
الثاني :الإبطال والإزالة ، وهو المقصود هنا ، وهو منقسم في اللغة على ضربين :
أحدهما : إبطال الشيء و زواله وإقامة آخر مقامه ، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قوله تعالى : "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها" وفي صحيح مسلم " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " أي تحولت من حال إلى حال ، يعني أمر الأمة . قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب ، والنسخ أن تزيل أمراً كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بأحاديث غيره ، كالآية تنزل بأمر ثم يسنخ بأخرى . وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه ، يقال : انتسخت الشمس الظل ، والشيب الشباب . وتناسخ الورثة :أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون ) ( تفسير القرطبي 1/26 ) .
والنسخ واقع شرعًا وجائز عقلاً , وفي هذا يقول الشيخ " محمد صالح العثيمين " عليه من الله جزيل الرحمات :
( أما وقوعه شرعًا فلأدلة منها :
1- قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( البقرة 106 ) .
2- قوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم ) ( الأنفال 66 ) , ( فالآن باشروهن ) ( البقرة 187 ) , فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق .
3- قوله صلى الله عليه وسلم : " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " ( رواه مسلم ) , فهذا نص في نسخ النهى عن زيارة القبور .
أما جوازه عقلا ً: فلأن الله بيده الأمر و له الحكم , لأنه الرب المالك , فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته , وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد ؟ ! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده , أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم , والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان , فقد يكون الحكم فى وقت أو حال أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح , والله عليم حكيم ) ( الأصول فى علم الأصول ص 53 ) .
واعلم أيها القارئ : أن تشريع الله للحكم تشريع ليس وليد اللحظة أو بطريق الصدفة أو بحسب تداعيات الموقف دون سابق علم , بل قرره الله وقدره فى علمه الأزلي قبل أن يكون هذا الكون , فسبحانه يعلم ما هو كائن قبل أن يكون وما لم يكن كيف كان سيكون !
وأيضًا بمقتضى هذا العلم الأزلي فهو سبحانه وتعالى يعلم أن هذا الحكم أو هذا الشرع له وقت محدود ينتهى فيه فيحل مكانه حكم أو شرع جديد وفقًا لقدرات العباد على تحمل هذا الشرع رأفة منه جل وعلا بعباده المكرمين , وليس معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد حكم بشىء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم ، كما نرى هذا فى أسفار اليهود و النصارى والعياذ بالله ، إن هذا غير صحيح , لأن الله عندما قدر هذا الحكم أو هذا التشريع قبل أن يقضي به , كان يعلم بعلمه الأزلي أن الحكم له زمن وسوف يطبق لفترة وفقًا لقدرات الخلق وطبائعهم وتقبلهم لهذا الحكم أو هذا التشريع مما يعود عليهم بالمصلحة فى أمور دينهم و دنياهم .
إذًا فالمشرع الذى وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهى وسيحل محله حكم جديد كما قال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجًا ) ( المائدة 48 ) .
يقول فضيلة الدكتور " عمر بن عبد العزيز قريشي " حفظه الله : ( اقتضى ذلك علم الله وحكمته , غاير بين الشرائع لاختلاف الزمان والمكان والمدارك والعقول وتفاوت الأحوال , لكن الدين فى أصوله واحد - فلا نسخ في الأصول - ) ( نقلاً عن إحدى خطب الجمعة لفضيلة الدكتور عمر بن عبد العزيز الأستاذ بجامعة الأزهر وكانت الخطبة بعنوان " حملات التنصير فى مصر " – بتصرف - ) .
ويقول العلامة " رحمة الله بن خليل الهندى " رحمه الله رحمة واسعة : ( هذا النسخ عندنا إنما يَرد على الأوامر والنواهى . ففي تفسير " معالم التنزيل " : " النسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهى دون الأخبار " .
ومحصله : أنه لا يعترض على القصص والأخبار , بل على الأوامر والنواهى فقط . فلا نعتقده في القصص والأخبار , وكذا لا نعتقده في الأمور العقلية القطعية , مثل : أن الله موجود . ولا في الأمور الحسية مثل ضوء النار وظلمة الليل . وفي الأوامر والنواهى أيضًا تفصيل . لأنه لابد أن تعلق بحكم عملي يحتمل الوجود و العدم . فالحكم الواجب مثل الإيمان بالله , أو الممتنع مثل الشرك و الكفر , ليس بمحل النسخ .
والحكم العملي المحتمل للوجود والعدم فيه قسمان : مؤبد مثل قوله تعالى : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ) ( النور : 4 ) وهو ليس بمحل النسخ وغير مؤبد وهذا أيضًا قسمان : مؤقت مثل قوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره ) ( البقرة : 109 ) وهذا أيضًا ليس بمحل النسخ قبل وقته المعين . و غير مؤقت – و يسمى الحكم المطلق – وهذا محله النسخ . بمعنى : أن الله كان يعلم أن هذا الحكم يكون باقيًا على المكلفين إلى الوقت الفلانى , ثم ينسخ . فإذا جاء الوقت أرسل حكمًا أخر , هو مخالف للحكم الأول , ولما لم يكن الوقت مذكورًا فى الحكم الأول فعند ورود الثانى يتخيل لقصور علمنا : أنه تغير للحكم الأول , لكنه في الحقيقة وبالنسبة إلى الله بيان انتهائه .
ونظيره بلا تشبيه : أن يأمر الأمير الخادم – الذى يعلم حاله – بخدمه من الخدم , ويكون عزمه أن يأخذ من هذا الخادم هذه الخدمة إلى سنة مثلا . فإذا مضت المدة , عزله من هذه الخدمة . فهذا بحسب الظاهر عند الخادم تغيير , وأما في الحقيقة وبالنسبة إلى الأمير فليس بتغيير .
أو نظيره أن حكام الوقت يأمرون في موسم الحر لأهل " دربار " أن يحضروا في وقت الصبح , ويكون قصدهم أن هذا الحكم يبقى إلى انتهاء الموسم , وإن لم يصرحوا فى الظاهر . فإذا انقضى الموسم , وصدر عنهم حكم أخر خلافه , فهذا الحكم الثانى ليس مغيرًا فى الأول في الحقيقة , بل مبين لانتهائه .
فالنسخ المصطلح عند أهل الإسلام : عبارة عن بيان مدة انتهاء الحكم العملي الشرعي , المحتمل للوجود والعدم , والمتخيل دوامه بحسب أوهامنا ) ( مناظرة الهند الكبرى ص 116 - 117 ) .
قال القرطبي : ( وليس هذا من باب البداء ( أى التشريع الوليد اللحظة دون سابق علم مع عدم معرفة للأمور المترتبة على هذا الحكم أو التشريع إذا شُرع ) بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة ، وحكم إلى حكم ، لضرب من المصلحة ، إظهاراً لحكمته وكمال مملكته . ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالماً بمال الأمور ، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك في خليفته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه و إرادته لا تتغير ، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى ) ( تفسير القرطبي 1/ 63 ) .
فالنسخ فى حد ذاته دليل على رحمة الله الغير متناهية بعباده المكرمين , فالله ينزل من الأوامر و النواهى ما يناسب طباع أهل كل فترة , سواء كانت هذه الفترة زمنية أو إيمانية , فهو سبحانه وتعالى أعلم بحال عباده من نفوسهم , بل أعلم بأحوالهم قبل وجودهم , أعلم بما يطيقون وبما يتحملون من التكاليف الشرعية وفقًا لطاقاتهم , ولهذا قال القرطبي : ( معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة ( أي النسخ ) ، لا يستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام . روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس ، فقال: ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا ، قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه . وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ! . ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما ) ( تفسير القرطبي 1 / 62 ) .
ويقول صاحب " الظلال " المرحوم الشهيد بإذن الله " سيد قطب " فى خواطره حول آية البقرة ( ما ننسخ من آية أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) : ( .... فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال – في فترة الرسالة – هو لصالح البشرية , ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها , والله خالق الناس , ومرسل الرسل , و منزل الآيات هو الذى يقدر هذا , فإذا نسخ آية ألقاها في عالم النسيان , سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكمًا من الأحكام , أو آية بمعنى علامة وخارقة تجئ لمناسبة حاضرة وتطوي كالمعجزات المادية التى جاء بها الرسل , فإنه يأتى بخير منها أو مثلها , ولا يعجزه شئ وهو مالك كل شئ , وصاحب الأمر كله فى السموات و الأرض , ومن ثم تجئ هذه التعقيبات ( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير ) ( البقرة 107 ) ) ( في ظلال القرآن 1/101 , 102 - بتصرف - ) .
وقال ابن كثير رحمه الله فى تفسيره لتلك التعقيبات الإلهية لآية النسخ : ( يرشد عباده تعالى بهذا ، إلى أنه المتصرف في خلقه ، بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ويصح من يشاء ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصحلة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا ، وامتثال ما أمروا ، وترك ما عنه زجروا وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً ) ( تفسير ابن كثير 1 /181- 182 ).
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : ( فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد ، أن لي ملك السموات والأرض وسلطانها دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير ، من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ، بما أشاء إذ أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء ، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطاباً من الله تعالى ، لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود ، الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة السلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة ، فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته ، وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه )( المصدر السابق ) .
وأضرب للقارئ مثلا من كتاب النصارى " الكتاب المقدس " على سبيل الإيضاح لا على سبيل الإيمان به :
الطلاق فى العهد القديم ثابت لا مرية فيه , إذ جاء فى سفر التثنية ما نصه " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها . فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شئ . وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وطلقها من بيته , ومتى ذهبت وصارت لرجل أخر , فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذى اتخذها زوجة له لا يقدر زوجها الأول الذى طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست . لأن ذلك رجس لدى الرب . فلا تجلب خطية على الأرض التى أعطاك الرب إلهك نصيبًا " .( تث 24 : ا - 4 )
فكما نرى النص في قمة الشدة والإلزام , لأن هذا يتوافق مع طبيعة اليهود المادية التى يَصعب عليها قبول كل ما هو إلهي وروحى , وعندما جاء المسيح قال لأتباعه - وفقًا لما جاء في الكتاب المقدس - " وقيل : من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق . وأما أنا فأقول لكم : إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزنى , ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى" ( مت 5 : 31) . فاعترض اليهود عليه قائلين " فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق ؟ " فقال المسيح لهم : " إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا النساء . لكن من البدء لم يكن هذا " (مت 19 : 3- 10) ....... فتأمل !
واليهود ومعهم النصارى ينكرون أمر النسخ رغم أنه ثابت فى أسفارهم , فهم يظنون أن معنى أن ينسخ الله حُكماً ، أنه أخطأ وندم على ذلك ويحاول إصلاح ما أفسده من قبل , وأهل العلم منهم يحاولون أن يخفوا خيبة كتابهم عندما ذكر أن الرب ندم لفعل أشياء معينة بعد أن اكتشف خطأه فى السماح لفعل هذه الأشياء ، وهم بذلك يريدون أن يرموا الإسلام بما تُتَّهم به كتبهم:
" فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ . الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ " ( تكوين 6: 6-7 )
" وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ: «نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكاً, لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي» " ( صموئيل الأول 15: 10-11)
وأيضاً " فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ " ( خروج 32: 14 )
وأيضاً " َالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ" ( صموئيل الأول 15: 35 )
مع العلم أن " ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ " ( عدد 23: 19) !!
ويسير أهل الجهل منهم على دربهم ، على عمى دون وعي أو بصيرة , فما صدرت منهم دعواهم إلا من تأثير هذه النصوص فى عقولهم وصدورهم !
إن المرء إذا كان سليم النفس , حسن الطوية , عرف مراد الحديث وغايته , وإذا كان مريض النفس معوجًا , انحرف وضل سعيه ضلالاً مبينًا !
فهل ينضح البئر إلا بما فيه ؟!
قال القرطبي : ( أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ( أى النسخ ) ، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة . وأنكرته أيضاً طوائف من اليهود ، وهم محجوجون بما جاء في توارتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ، ما خلا الدم فلا تأكلوه . ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت ، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره ، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه ، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ، ثم أمرهم برفع السيف عنهم ) ( تفسير القرطبي 1 / 63 ) .
وقال ابن كثير : ( وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً...... والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه ) ( تفسير ابن كثير 1 / 181 , 182) .
وقال الشيخ رحمة الله بن خليل الهندى : ( .... فكذلك في نسخ الأحكام حكم ومصالح له - تبارك وتعالى - , نظرًا إلى حال المكلفين والزمان والمكان , ألا ترى أن الطبيب الحاذق يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التى يراها , ولا يحمل أحد فعله على العبث والسفاهة والجهل ؟ فكيف يظن عاقل هذه الأمور في الحكيم المطلق العالم بالأشياء بالعلم القديم الأزلي الأبدي ؟ ! ) ( إظهار الحق ص 232 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( ....فبين أنه ( أى الله سبحانه و تعالى ) أنزل هذا القرآن مهيمنًا على ما بين يديه من الكتب , والمهيمن الشاهد المؤتمن الحاكم يشهد بما فيها من الحق وينفي ما حرف فيها , ويحكم بإقرار ما أقره الله من أحكامها وينسخ ما نسخه الله منها , وهو مؤتمن في ذلك عليها وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكًا بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها فإنه من أهل الإيمان والهدى , وكذلك من كان متمسكًا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان والهدى وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل فضلا عمن تمسك بشرع منسوخ ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل وما أنزل إليه من الكتب بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول وبترك الإيمان بمحمد صلى الله عيه و سلم في غير موضع ) ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1 / 262 ) .
ويقول الشيخ " السيد سابق " رحمه الله : ( وللقرآن مزايا تميز بها عن الكتب السماوية التى تقدمته – نذكر منها – أنه تمضمن خلاصة التعاليم الإلهية التى تضمنتها التوراة والإنجيل وسائر ما أنزل الله من وصايا , وأنه مؤيد للحق الذى جاء بها : من عبادة الله وحده و الإيمان برسله , والتصديق بالجزاء , ووجوب إقامة الحق , والتخلق بمكارم الأخلاق ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) ( المائدة 48 ) أى أن الله أنزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم مقترنًا بالحق فى كل ما جاء به , ومصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية التى أنزلها الله على الأنبياء السابقين , ورقيبًا عليها : يقر ما فيها من حق , ويبين ما دخل عليها من تحريف وتصحيف , ثم يأمر الله نبيه أن يحكم بين الناس : مسلمين وكتابيين , بما أنزل الله فى القرآن متجنبًا أهواءهم , وأنه سبحانه جعل لكل أمة شريعة وطريقة في الأحكام العملية تناسب استعدادها , أما أصول العقائد والعبادات والآداب والحلال والحرام ومالا يختلف باختلاف الزمان والمكان فإنها واحدة فى الأديان كلها ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى 13 ) ثم نسخت الأحكام العملية السابقة بالشريعة الإسلامية , والأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان , و أصبحت العقيدة واحدة , والشريعة واحدة للناس جميعًا ) ( العقائد الإسلامية ص 142-143 ) .
ويقول العلامة " أبو بكر الجزائري " حفظه الله : ( .... وليس أدل على نسخ القرآن الكريم للكتب قبله من أمر الله تعالى لنبي القرآن صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين سائر الناس على اختلاف من ينتحلون من ديانات بالقرآن الحكيم , وذلك فى قوله تعالى ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ) وقوله تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) ( النساء 105 ) ) ( عقيدة المؤمن ص 150 ) .

îن îëéىهْ نçمùهْ?