إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

تفسير جزء عمّ

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • تفسير جزء عمّ

    سورة النباء


    عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)

    كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)

    وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)

    وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)

    وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)

    إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)

    حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37)

    يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39)

    إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)


    تفسير موجز لهذه السورة الكريمة

    كانَ كُفَّارُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ فِى مَجَالِسِهِمْ عَمَّا يَقُولُهُ النَّبِىُّ صلي الله عليه وسلم مِن أنَّ النَّاسَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِم يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأنَّهُم سَيُحَاسَبُونَ عَلَى أعْمَالِهِمِ التِى عَمِلُوهَا فِى الدُّنْيَا، وَسَيَنَالُ كُلُّ إنسَانٍ جَزَاءَ عَمَلِهِ، فإمَّا أنْ يَنْعَمَ بالخُلُودِ فِى الجَنَّةِ، وإمَّا أنْ يَشْقَى بالخُلُودِ فِى النَّارِ.

    وَشَغَلَ هَذَا المَوْضُوعُ اهْتِمَامَ كَثيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وكَانُوا يَتَسَاءَلونَ بِسُخْرِيَةٍ فِيمَا بَيْنَهُم عَنِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَيَسْألُونَ المُسلمين عَنْهُ فِى اسْتِهزَاءٍ، لأنَّهُم كَانُوا يُنكِرُونَ البَعْثَ، ولا يُصَدِّقُونَ حُدُوثَهُ، فأنْزَلَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ هَذِهِ السُّورَةَ.

    وفيها يَقولُ اللهُ تَعَالَى: عَنْ أىْ شَىءٍ يَتَسَاءلُ كُفَّارُ مَكَّةَ؟ أيَتَسَاءلُونَ عَنْ خَبَرِ يَومِ البَعْثِ الَّذِى هم مختلفون في شأنه , فبعضهم يُنْكِرُهُ تَمَامًا وَلا يُصَدِّقُ حُدُوثَهُ، وبَعْضُهم مُتَرَدِّدٌ فِى تصديقه وَقَدْ رَدَّ اللهُ عَلَيِهِم، وأنْكَرَ مَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَيَوْمُ البَعْثِ حَقِيقَةٌ لا شَكَّ فِيهَا، وَسَيَعْلَمونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذَابُ والعِقَابُ.

    وكُفَّارُ مَكَّةَ أمْرُهُمْ عَجِيبٌ يُنْكِرُونَ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ، وَحَوْلَهُم كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ مِنْ أرضٍ وجِبَالٍ وَسَمَاءٍ، فَكَيْفَ يَعْجِزُ مَنْ خَلَقَ هَذِهِ الأشْيَاءَ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِ الإنْسَانِ؟

    فاللهُ ـ تَعَالَى ـ هُوَ الَّذِى خَلَقَ الأرضَ، وَهَيَّأهَا لِحَيَاةِ النَّاسِ، يَعِيشُونَ فِيهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِخَيْرَاتِهَا وَكُنُوزِهَا، وَيَتَحَرَّكُونَ عَلَيْهَا بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ، وهَذِهِ الأرْضُ ثَبَّتَهَا اللهُ بالجِبَالِ حَتَّى لا يَخْتَلَّ تَوَازُنُهَا كَالأوتَادِ التِى تَشُدُّ الخَيْمَةَ وَتُمسِكُ بِهَا.

    وَخَلَقَ اللهُ النَّاسَ عَلَى هَذِهِ الأرضِ ذَكَرًا وأنثَى؛ لِيَتَحَابُّوا وَيَتَعَاوَنُوا ويَتَكَاثَرُوا، وَتَعْمُرَ بِهِمُ الحَيَاةُ، وجَعَلَ حَيَاتَهُم مُنْتَظِمَةً، فَالليلُ للنَّوْمِ والرَّاحَةِ، والنَّهَارُ لِلْسَّعْىِ والعَمَلِ.

    وَخَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ مُحْكَمَةَ البِنَاءِ، عَظِيمَةَ الارتِفَاعِ، لايَخْتَلُّ نِظَامُهَا بِمُرُورِ الأزْمَانِ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَجَعَلَهَا تَمُدُّ النَّاسَ بالضَّوْءِ والحَرَارَةِ، وأنْزَلَ مِنَ السُّحُبِ أمطَارًا غَزِيرَةً، أحْيَتِ الأرضَ، وأنبَتَتِ الزَّرْعَ الَّذِى يأكُلُ مِنهُ الإنسَانُ والحَيَوَانُ، كمَا أنْبَتَتِ الحَدَائقَ والبَسَاتِينَ ذَاتَ الأشجَارِ الملتَفَّةِ الأغْصَانِ.


    يُبَيِّنُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ أنَّ أمْرَ البَعْثِ حَقيقَةٌ لا شَكَّ فِيهَا، وأنَّ لِيَوْمِ القِيَامَةِ مَوْعِدًا مُحَدَّدًا يَحَاسِبُ اللهُ النَّاسَ فيهِ، ويَقْضِى بَيْنَهُم بِالعَدْلِ، وَفِى هَذَا اليَوْمِ يَأمُرُ اللهُ المَلَكَ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخِ فِى البُوقِ، فَيَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِم جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ، حَسَبَ أحْوَالِهِم، فَالمُؤمِنُونَ فِى جَمَاعَةٍ، والكَافِرونَ فِى جَمَاعَةٍ، وهَكَذَا.

    وَفِى هَذَا اليَوْمِ العَصِيبِ يَتَغَيَّرُ كُلُّ شَىءٍ فِى الكَوْنِ، فَالسَّمَاءُ تَتَشَقَّقُ وَتَتَفَتَّحُ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهَا، وَالجِبَالُ الرَّاسِخَةُ تَتَحَرَّكُ مِنْ أمَاكِنِهَا وَتَسْبَحُ فِى الجَوِّ، فَتُرَى كَأنَّهَا جِبَالٌ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، إنَّمَا هِىَ غُبَارٌ مُتَرَاكِمٌ يَرَاهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ جَبَلاً، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَىءٍ، كالسَّرابِ الَّذِى يَحسَبُهُ النَّاظِرُ وَقْتَ الظَّهيرَةِ مَاءً، فإذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.

    وَسَتَكُونُ جَهَنَّمُ مُعَدَّةً لاسْتِقْبَالِ الكَافِرينَ، حَيْثُ يَلْقَونَ جَزاءَ شِركِهِمْ باللهِ وتَكْذِيبِهم لأنْبِيَائهِ وَرُسُلِهِ، وهَؤلاءِ الكُفَّارُ سَيظلُّونَ فِى جَهَنَّمَ أزْمَانًا طَويلَةً لا نِهَايَةَ لَهَا، لا يَجِدُونَ فِيهَا هَواءً بَارِدًا مُنْعِشًا يُخَفِّفُ عَنْهُم حَرَّ جَهَنَّمَ وَلَهيبَ نَارِهَا، ولا مَاءً طَيِّبًا يَرْوِى عَطَشَهُم، وإنَّمَا يَذُوقُونَ مَاءً شَدِيدَ الغَلَيَانِ وَصَديدًا كَريهًا يَسيلُ مِنْ جُلُودِهِم.

    وَمَا يُلاقِيهِ هؤلاءِ الكُفَّارُ مِنَ العَذَابِ الأليمِ إنَّمَا هُوَ بِسَببِ أعْمَالِهِم السَّيِّئَةِ فىِ الدُّنيَا، وهَذَا العَذابُ جَزَاءٌ عَادلٌ لِهَذِهِ الأعْمَالِ، فاللهُ ـ تَعَالَى ـ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا.

    وَكَانَ هؤلاءِ الكُفَّارُ فَى حَيَاتِهِم الدُّنْيَا لا يَخَافُونَ مِنْ يَومِ الحِسَابِ الَّذِى يُحَاسَبُونَ فيهِ عَن أعْمالِهِم التِى ارْتَكبُوهَا فِى الدُّنيَا؛ لأنَّهُم يُنكِرونَ البَعْثَ يَومَ القِيامَةِ، ويُكَذِّبُونَ بالآياتِ القُرْآنِيَّةِ التِى تتَحدَّثُ عَنْ هَذَا اليَوْمِ العَظِيمِ.

    وكُلُّ مَا فَعَلَهُ هؤلاءِ الكَافِرونَ لا يَخْفَى عَلَى اللهِ ـ تَعَالَى ـ فَهُوَ مَحْفُوظٌ ومُسَجَّلٌ فِى كِتَابٍ، سَيُواجَهونَ بِهِ يَومَ القِيامَةِ، ويُحَاسَبُونَ عَلَى أعْمَالِهِم السَّيِّئَةِ، وسَيَكُونُ عِقَابُهِم شَديدًا يَزْدَادُ يَوْمًا بَعدَ يَوْمٍ.

    َبعْدَ أنْ ذَكَرَتِ الآياتُ السَّابِقَةُ مَا أعَدَّهُ اللهُ للكَافِرينَ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ، انتَقَلَتْ إلى الحَديثِ عَنِ النَّعيمِ الَّذِى سَيَتَمَتَّعُ بِهِ المؤمِنُونَ الذينَ فَازُوا بالجَنَّةِ بِسَببِ أعْمَالِهم الصَّالِحَةِ،

    فقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُم فيهَا حَدَائقَ وَاسِعَةً مَليئَةً بِأشجَارِ الفَاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ، وَخَاصَّةً أشْجَارَ العِنَبِ، يَأكُلونَ مِنْ ثِمَارِهَا النَّاضِجَةِ، ويسْتَمتِعُونَ بِشَرَابِهَا الحُلْوِ فِى كئوسٍ مُمتَلِئَةٍ، وجَعَلَ لِهُم نِسَاءً مُتَمَاثِلاتٍ فِى السِّنِّ والخِلْقَةِ، وعَلَى أحْسَنِ صُورَةٍ مِنْ صُورِ الشَّبَابِ والجَمَالِ يُعرَفْنَ بالحُورِ العينِ.

    ولَنْ يَسْمَعَ أهلُ الجَنَّةِ الكَلامَ القَبيحَ وَالحَديثَ السيِّئَ، والقَوْلَ المَكْذُوبَ، وإنَّمَا تُحييهِم المَلائكَةُ بِكَلامٍ طَيبٍ، وهَذَا النَّعيمُ العَظيمُ المَوْجُودُ فِى الجَنَّةِ جَعَلَهُ اللهُ مُكَافَأةً لِعِبَادِهِ المؤمِنينَ الصَّالِحينَ عَلَى مَا عَمِلُوا فِى الدُّنيَا.

    وَتَعرِضُ السُّورَةُ لِمَشْـهَدِ يَومِ القِيَامَةِ المَهيبِ، حَيثُ يَقِـفُ جِبريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ مُتَقَدِّمًا المَلائكَةَ أجْمَعينَ، وهُم فِى صُفُوفٍ خَاشِعينَ لِرَبِّ السَّمَاواتِ والأرضِ وَرَبِّ كُلِّ شَىءٍ، وَلا يَسْتطيعُ أحَدٌ مِنْهُمْ أنْ يَتَكَلَّمَ فِى هَذَا المَوْقِفِ إلا مَنْ أذِنَ اللهُ لهُ بالكَلامِ، ومَن تَكَلَّمَ مِنَ المَلائكَةِ فَإنَّهُ لا يَقُولُ إلا كَلامًا طَيِّبًا يَنتَفِعُ بهِ المؤمِنُونَ.

    وَيَوْمُ القِيامَة حَقٌّ لا شَكَّ فِى وُقُوعِهِ، وسَيَأتِى عَمَّا قَريبٍ، فَمَنْ شَاءَ أنْ يَنجُوَ بِنَفْسِهِ وَيَفُوزَ بالجَنَّةِ فَلْيَرْجِعْ إلى رَبِّهِ ويَعمَلْ عَملاً صَالِحًا.

    أمَّا الكَافِرُ الَّذِى أنْكَرَ البَعْثَ والحِسَابَ، فَسَيكونُ حِسَابُهُ شَديدًا فِى هذَا اليَومِ الَّذِى كَانَ يظنُّ أنَّهُ بَعيدٌ جدًّا، وسَاعَتُهَا يَتمَنَّى أن يُصْبِحَ تُرَابًا حَتَّى يَنجُوَ مِنَ العِقَابِ الَّذِى يَنتَظِرُهُ جَزَاءَ سَيِّئاتِهِ فِى الدُّنيَا، وهِىَ أمْنِيَةٌ لَنْ تتَحَقَّقَ أبَدًا.


    يتبع ان شاء الله مع سورة النازعات
    Last edited by خادم الإسلام والمسلمين; 11-10-2010, 01:30 AM.

  • #2
    سورة النازعات


    وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)

    يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10)

    أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15)

    إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20)

    فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27)

    رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)

    فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39)

    وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44)

    إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)


    تفسير موجز لهذه السورة الكريمة

    تتحدَّثُ السُّورَةُ الكَريمَةُ عَنْ بَعْثِ النَّاسِ وَقِيَامِهِم لِلْحِسَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُصَاحِبُهُ مِنْ خَوْفٍ وَفَزَعٍ، كَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ فِرْعَوْنَ الَّذِى ادَّعَى الألوهِيَّةَ، وتَمَادَى فِى الكُفْرِ والطُّغْيَانِ، فَكَانَتْ نِهَايَتُهُ الهَلاَكَ فِى الدُّنْيَا والعَذَابَ فِى الآخِرَةِ، وَبَيَّنَتِ السُّورَةُ أنَّ اللهَ هُو خَالِقُ الكَوْنِ وَوَاهِبُ الحَيَاةِ، وَرَافِعُ السَّمَاوَاتِ،

    وَبَاسِطُ الأرضِ، وأنَّ مَنِ استَطَاعَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، سَهْلٌ عَلَيْهِ أنْ يُعيدَ الحَيَاةَ إلَى النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِم لِحِسَابِهِم، حَيْثُ يَلْقَى كُلُّ إنْسَانٍ جَزَاءَ مَا فَعَلَ.

    وَفِى هَذِهِ الآياتِ يقْسم اللهُ ـ تَعَالَى ـ بِمَلائكَتِهِ التِى تَنْزِعُ أرْواحَ الكَافِرينَ مِنْ أجْسَادِهِم بِشِدَّةٍ وَقَسْوَةٍ، وبِمَلائكَتِهِ التِى تَقْبِضُ أرْوَاحِ المُؤمِنِينَ بِرِفْقٍ وَلِينٍ، وَبِالمَلائِكَةِ التِى تَسْبَحُ فِى الفَضَاءِ الفَسِيحِ فِى حَرَكَةٍ سَريعَةٍ تُؤدِّى وَظَائفَهَا، وتُنَفِّذُ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ، وبالمَلائِكَةِ التِى تَسْبِقُ بأرْوَاحِ المؤمِنينَ إلى الجَنَّةِ، وبالملائكَةِ التِى تُدَبِّرُ شُئُونَ الكَوْنِ مِنَ السَّمَاء إلَى الأرضِ بِأمْرِهِ تَعَالَى.

    وقَدْ أقْسَمَ اللهُ بِهَذِهِ المَخْلُوقَاتِ العَظِيمَةِ لِيؤكِّدَ وُقُوعَ البَعْثِ الَّذِى يُنْكِرُهُ الكَافِرُونَ، وَفِى هَذَا اليَوْمِ العَصِيبِ يَنْفُخُ المَلَكُ فِى البُوقِ النَّفْخَةَ الأولَى، فَيَخْتَلُّ نِظَامُ الكَونِ كُلُّهِ، وتَتَزَلْزَلُ الأرضُ، وَيَمُوتُ النَّاسُ جَميعًا.
    ثُمَّ تأتِى النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، فَيخْرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِم أحْيَاءً للحِسَابِ، ويَظهَرُ الخَوْفُ والفَزَعُ عَلَى الكَافِرينَ، وَيُصِيبُهُم الهَلَعُ والذُّهُولُ؛

    لأنَّهُم كَانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ فِى الدُّنيَا، وَسَيَعْلَمُونَ صِدقَ مَا كَانَ يَقُولُهُ لَهُمُ الرَّسُولُ، وَمَا كَانَ يُحَذِّرُهُم مِنْ عُقُوبَةِ الشِّرْكِ باللهِ -تعالي - وَإنكَارِ البَعْثِ.

    وَكَانَ هَؤلاءِ الكُفَّارُ فِى الدُّنْيَا يَسْتَبعِدُونَ قِيَامَ البَعْثِ، ويُنكِرونَ أنْ يَعُودُوا أحْيَاءً بَعْدَ أنْ يَمُوتُوا ويَصِيرُوا عِظَامًا بَالِيَةً، ويَقُولونَ عَلَى سَبيلِ السُّخْرِيَةِ والاستِهْزَاءِ: لَئنْ بُعِثنَا مِن جَديدٍ، وعُدْنَا إلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الحَيَاةِ فَنَحْنُ إذَنْ خَاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنَا بِالبَعْثِ!

    وماكان يَظُنُّهُ هَؤلاءِ الكافِرُون صَعْبًا، فَإنَّهُ سَهْلٌ عَلَى اللهِ، فَمَا هِىَ إلا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهِىَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، حَتَّى تَعودَ الحَيَاةُ إلَى كُلِّ الأمْوَاتِ، ويَخْرجُوا مِن قُبُورِهِم إلَى الأرْضِ انتِظَارًا لِلحِسَابِ


    يُخْبِرُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صلي الله عليه وسلم فِى رِفْقٍ وَمَوَدَّةٍ بِجُزْءٍ مِنْ قِصَّةِ نَبِى اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ نَادَى اللهُ مُوسَى وَكَلَّمَهُ وَهُوَ فِى الوَادِى المُقَدَّسِ طوي، بِالقُرْبِ مِنْ جَبَلِ الطُّورِ بِسَيْنَاءَ، وأيَّدَهُ بالمعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ، وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَى فِرْعَوْن مَلِكِ مِصْرَ، وَيَدْعُوَهُ فِى رِفْقٍ وَلِينٍ إلَى الإيمَانِ باللهِ، وتَطْهيرِ نَفْسِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعَاصِى، لَ

    كِنَّ فِرْعَوْنَ رَفَضَ دَعْوَةَ مُوسَى، وأنْكَرَ وجُودَ اللهِ، واعتبرَ فِرْعَوْنُ مُعْجِزَةَ العَصَا مِنْ أعْمَالِ السِّحْرِ، ونَادَى فِى النَّاسِ أنَّهُ رَبُّهُم الأعْلَى.

    وَكَانَت نِهَايَةُ فِرْعَوْنَ وَخِيْمَةً بِسَببِ كُفْرِهِ وَطُغيَانِهِ، وَقَدْ أغْرَقَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا، ويَنْتَظِرُهُ فِى الآخِرَةِ العَذَابُِ الشَّديدُ فِى نَارِ جَهنَّمَ، وَهَذِهِ القَصَّةُ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَتَدَبَّرُ وَيَخَافُ الله تَعَالَى ـ وَيَخْشَى عِقَابَهُ فِى الدُّنْيَا والآخِرَةِ


    خَاطَبَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ كُفَّارَ مَكَّةَ الذينَ أنْكَرُوا البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ، واسْتَبْعَدُوا حُدُوثَ ذَلِكَ، وقَالَ لَهُم: إنَّ خَلْقَكُمْ أسْهَلُ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاواتِ والأرضِ وَمَا فِيهِمَا, فاللهُ ـ تَعَالَى ـ هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاءَ وَجَعَلَهَا شَاهِقَةَ الارتِفَاعِ، مُحْكَمَةَ البِنَاءِ، خَالِيَةً مِنَ العُيُوبِ والأخطَاءِ،

    وَجَعَلَ لَيْلَهَا مُظْلِمًا، وَنَهَارَهَا مُضِيئًا، وَخَلَقَ اللهُ الأرْضَ، وهَيَّأهَا لِلسُّكْنَى وَالمَعِيشَةِ، وأخْرَجَ مِنهَا المَاءَ، وأنْبَتَ فِيهَا الزَّرْعَ والثَّمَرَ، وأرْسَى الجِبَالَ فِيهَا وَثَبَّتَهَا لِتَحْفَظَ تَوَازُنَهَا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أجْلِ نَفْعِ الإنْسَانِ وَالحَيَوَانِ.

    وإذَا كَانَ اللهُ هُوَ خَالِقَ الكَوْنِ وَوَاهِبَ الحَيَاةِ، وَرَافِعَ السَّمَاءِ وَبَاسِطَ الأرضِ، فَإنَّهُ لا يَعْجَزُ عَنْ بَعْثِ الإنْسَانِ بَعْدَ المَوْتِ وإعَادَتِهِ لِلحَياةِ مَرَّةً أخْرَى لِلحِسَابِ.


    يُخْبِرُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ أنَّهُ إذَا جَاءَ اليَومُ المَوْعُودُ، وَهُوَ يَومُ القِيَامَةِ، كَانَ ذَلِكَ طَامَّةً كُبْرَى وبَلاءً عَظِيمًا عَلَى أهْلِ الضَّلالِ والفَسَادِ، وفِى هَذَا اليَوْمِ الَّذِى يَجْتَمِعُ فيهِ النَّاسُ لِلحِسَابِ يَتَذَكَّرُ كُلُّ إنْسَانٍ مَا عَمِلَهُ فِى الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ،

    كَمَا تَبْرُزُ جَهَنَّمُ وَيَرَاهَا النَّاسُ جَميعًا؛ انتِظَارًا لِلحِسَابِ، فأمَّا مَنْ طَغَى واستَكْبَرَ وَعَصَى اللهَ تَعَالَى، وانْشَغَلَ بِلَذَائذِ الدُّنْيَا وَفَضَّلهَا عَلَى الآخِرَةِ، وَلَم يَسْتَعِدَّ لَهَا بالإيمَانِ والتَّقْوى. فإنَّ جَهَنَّمَ هَىَ مأوَاهُ وَمَنْزِلُهُ الَّذِى يَسْتَقِرُّ فِيهِ.

    وأمَّا مَن خَشِىَ اللهَ، وخَافَ حِسَابَهُ وَعَذَابَهُ، وابتَعدَ عَنِ المَعَاصِى، فَإنَّهُ سَيدْخُلُ الجَنَّةَ وَتَكُونُ مَسْكَنَهُ الَّذِى يَهنَأُ فيهِ بِنَعيمِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ


    كَثِيرًا مَا كَانَ كُفَّارُ مَكَّةَ يَسْألونَ النَّبِىَّ صلي الله عليه وسلم عَنْ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَكَانَ النَّبِىُّ صلي الله عليه وسلم يتَمَنَّى أنْ يُجِيبَ عَمَّا يَسْألونَ،

    فَأرْشَدَهُ اللهُ أنْ لا يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ لأنَّ عِلمَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِى يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ أمْرِهَا وَوَقْتَ وُقُوعِهَا، وَيِكْفِيهِمْ أنْ يَعْلَمُوا أنَّهَا أصْبَحَتْ قَرِيبَةً، وأنَّ ظُهُورَ النَّبِىِّ صلي الله عليه وسلم عَلامَةٌ مِنْ عَلامَاتِهَا، ولَذَلِكَ فَلا مَعْنَى لِسُؤالِهِمْ.ثُمَّ يُوجِّهُ اللهُ ـ تَعَالىَ ـ رَسُولَهُ إلَى أنَّ مُهِمَّتَهُ لَيْسَتْ إِخْبَارَ النَّاسِ بِمَوعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَكِنْ عَلَيهِ أنْ يُنْذِرَ النَّاسَ بِهَا،

    ويُحَذِّرَهُم مِنهَا حَتَّى يَسْتَعِدُّوا لِمَا يُلاقُونَهُ فِى هَذَا اليَوْمِ مِنْ أهْوَالٍ وشَدَائدَ.

    وَحينَ تَقُومُ السَّاعَةُ وَيُبْعَثُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِم سَيَشْعُرُ هَؤلاءِ الكُفَّارُ الذِينَ كَانُوا يَسْألونَ عَنِ السِّاعَةِ وَيَسْتَعجِلُونَ حُدُوثَهَا اسْتِهْزَاءً وَسُخرِيَةً، أنَّ رِحْلَتَهُمْ إلَى هَذَا اليَوْمِ لَمْ تَكُنْ طَويلةً، وأنَّهُم لَمْ يَمكُثُوا مِن يَوْمِ خَلْقِهِم إلَى يَومِ بَعْثِهِم إلا سـاعَاتٍ قَليلةً.


    يتبع إن شاء الله مع سورة عبس

    Last edited by خادم الإسلام والمسلمين; 11-10-2010, 01:32 AM.

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      سورة عبس



      عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3)

      أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)

      وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا

      تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)

      بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ

      نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22)

      كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا

      (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا

      (30)

      وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)

      وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)

      وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ(38)

      ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)


      تفسير موجز لهذه السورة الكريمة

      عَاتَبَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ نَبِيَّهُ مُحمَّدًا صلي الله عليه وسلم عِتَابًا رَقيقًا؛ لأنَّهُ عَبَسَ فِى وجْهِ الصَّحَابِىِّ الجَليلِ عَبْدِ اللهِ بنِ أمِّ مَكْتُومٍ، وأعْرَضَ عَنْهُ حِينَ جَاءَهُ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يُقرِئهُ شَيئًا مِنْ آيَاتِ اللهِ، فِى الوَقْتِ الَّذِى كَانَ النَّبِىُّ صلي الله عليه وسلم مَشْغُولاً مَعَ عَدَدٍ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُم إلَى الإسْلامِ، فَفَضَّلَ النَّبِىُّ صلي الله عليه وسلم أنْ يَستَمِرَّ فِى دَعْوَتِهِ مَعَ هؤلاءِ السَّادَةِ طَمَعًا فِى إسْلامِهِم، وأنْ يؤجِّلَ تَعْليمَ ذَلِكَ الصَّحَابِىِّ وإرْشَادَهُ لِبَعْضِ الوَقْتِ.

      لَكِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلَى أنَّهُ كَانَ يَنبَغِى عَلَيْهِ أنْ يُجيبَ هَذَا الصَّحَابِىَّ إلَى مَا سَألَ عَلَى الفَوْرِ، لَعَلَّهُ يَنتَفِعُ بِمَا يَتَعَلَّمُهُ مِنَ النَّبِىِّ صلي الله عليه وسلم وَيَتَّعِظُ بِتَذْكيرِهِ لَهُ، فَقَدْ جَاءَهُ رَاغِبًا فِى طَلَبِ العِلْمِ وَسَمَاعِ القُرْآنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ كَفُّ بَصَرِهِ عَنِ الذَّهَابِ إلَيْهِ، وَلِذَلكَ كَانَ هُوَ أولَى بالاهتِمَامِ وعَدَمِ الإعْرَاضِ عَنْهُ مِمَّنِ اعْتَبَرُوا أنْفُسَهُم مُسْتَغْنينَ عَنِ الهُدَى والإيمَانِ،

      وَغَيرَ مُحتَاجينَ إلَى الإسْلامِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إقْبَالِ النَّبِىِّ صلي الله عليه وسلم وَحِرْصِهِ عَلَى هِدَايَتِهِم، وَمِثْلُ هَؤلاءِ لَسْتَ مُطَالَبًا أيُّهَا النَّبِىُّ بِأنْ تُدْخِلهُم فِى الإسْلامِ، وتُطَهِّرَ أنْفُسَهُم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيَانِ، ولَسْتَ مُلامًا إذَا لَمْ يُؤمِنُوا وَظَلُّوا عَلَى كُفْرِهِم، فَتَرَفَّقْ بِنَفْسِكَ وَلا تُحَمِّلْهَا فَوْق طَاقَتِهَا.

      واللهُ ـ تَعَالى ـ أنْزَلَ القُرآنَ الكَريمَ فِيهِ الهِدَايَةُ والرَّشَادُ، وَهُوَ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يَتَفَكَّرُ وَيَتَدَبَّرُ، وَمَوْعِظَةٌ نَافِعَةٌ لِكُلِّ إنْسَانٍ يُريدُ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ. وَيَتَخَلَّى عَنِ العِنَادِ والمُكَابَرَةِ، وَهَذَا القُرْآنُ كَانَ مَوْجُودًا فِى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، عَالى المكَانَة مُكَرَّمٌ عِندَ اللهِ تَعَالى، لا يَمَسُّهُ إلا المَلائكَةُ المُطَهَّرُونَ، وقَدْ نَزَلَ جِبريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ بِالقُرآنِ عَلَى النَّبِىِّ صلي الله عليه وسلم لِيَكونَ كِتَابَ هِدَايَةٍ وإصْلاحٍ.


      يَذُمُّ اللهُ ـ تَعَالَى ـ الكَافِرَ المُنكِرَ للبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَدَعَا عَلَيْهِ باللَّعْنِ والطَّرْدِ مِنْ رَحْمَتِهِ لأنَّهُ كَفَرَ بِهِ، وأنكَرَ قُدْرَتَهُ عَلَى إعَادَةِ خَلْقِ الأجْسَامِ بَعْدَ فَنَائِهَا، ومَا أشَدَّ كُفْرَ هَذَا الإنْسَانِ الَّذِى أفَاضَ اللهُ عَلَيْهِ بالنِّعَمِ والخَيْرَاتِ، ثُمَّ هُوَ يَكفُرُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُمعِنُ فِى العِصْيَانِ والتَّكْذِيبِ، وَهَذَا الكَافِرُ الجحُودُ يَنسَى أنَّ لَهُ خَالِقًا مُبْدِعًا، خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ صَغِيرَةٍ، وأحْسَنَ تصْويرَهُ وجَعَلَهُ خَلْقًا كَريمًا جَميلاً،

      وسَهَّلَ لَهُ الطَّريقَ الَّذِى يَسْلُكُهُ فِى الحَيَاةِ، مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ، وهُدًى وضَلالٍ، وإيمَانٍ وكُفْرٍ، وجَعَلَهُ حُرًّا فى اخْتيِارِ الطَّريقِ الَّذِى يُريدُه، بَعْدَ أن بَيَّنَ لَهُ أنَّ طَريقَ الخَيْرِ يَقُودُهُ إلَى الجَنَّةِ والنَّعيمِ المُقيمِ، وَطَريقَ الشَّرِّ يؤدِّى بِهِ إلَى الخُلودِ فى النَّارِ وَبِئسَ المصِيرُ.

      وَبَعْدَ أنْ تَنتَهى رِحْلَةُ الحَياَةِ يَصيرُ الإنسَانُ إلى النِّهايَةِ التِى لا مَفَرَّ مِنهَا لَكُلِّ حَىٍّ، وَهِىَ المَوْتُ، فَالذى أخْرَجَهُ إلَى الحَيَاةِ بِقُدْرَتِهِ هُوَ الَّذِى أنهَى حَيَاتَهُ حِينَ شَاءَ، وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُدْفَنُ فِيهِ وَيُوارِى جَسَدَهُ إكْرَامًا لَهُ، حَتَّى لا يَبْقَى مَطْروحًا عَلَى وَجْهِ الأرضِ، فَيَصيرُ جِيفَةً تُثيرُ الاشمئزازَ ويَتَأذَّى مِنهَا النَّاس، ثُمَّ إذَا شَاء أحيَاهُ بَعْدَ المَوتِ.

      غَيْر أنَّ ذَلكَ الإنسَانَ الكَافِرَ لَمْ يَزَلْ عَلَى كُفرِهِ، وَلَمْ يَسْتَجِبْ لِمَا أمَرَهُ اللهُ بِهِ ودَعَاهُ إلَيهِ مِنَ الإيمَانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَا حَوْلَهُ وإلى النِّعَمِ التِى مَنحهَا اللهُ لَهُ ـ لَقَابَلهَا بالشُّكْرِ والامتِنَانِ،

      فَهَذَا الطَّعامُ الَّذِى يَأكُلُهُ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ، والنَّبَاتُ الَّذِى تَرْعَاهُ مَوَاشيهِ ودَوَابُّه دَليلٌ عَلَى قُدرَةِ اللهِ عَلَى البَعْثِ بَعْدَ المَوتِ، فالأرضُ كَانتْ جَرْدَاءَ لَيسَ فيهَا نَبَاتٌ ولا أشْجَارٌ فأنزَلَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ عَليْهَا الماءَ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَفَتَّحَتِ الأرْضُ، وأنْبَتَتِ الحُبُوبَ وَالخَضْرَاواتِ والفَوَاكِهَ، والأشجَارَ والأعْشَابَ.


      وفَى يَومِ القِيامَة، ذَلِكَ اليومُ العَصيبُ، يَنشَغِلُ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ، طَالبًا النَّجَاةَ مِنْ هَذَا الهَوْلِ العَظيمِ، وَلَيسَ عِندَهُ ما يُعطيهِ لِغَيرِهِ، ولوْ كَانَ أحبَّ النَّاسِ إلَيهِ وأقْرَبَهُم إلى قَلبِهِ، يَتَهَرَّبُ الإنسَانُ مِن أخيهِ الَّذِى كَانَ لَه نِعْمَ المُعينُ والسَّاعِدُ، ويَفِرُّ مِن أمِّهِ التِى حَمَلتْهُ وَرَبَّتْهُ، وَمِن أبيهِ الَّذِى أنفَقَ عَلَيهِ وأحَاطَهُ بِعَطْفِهِ وعِنَايَتِهِ، وَمِنْ زَوْجَتِهِ التِى كَان يُحبُّها كثيرًا،

      ومن أبْنَائهِ الذين كَانَ يُفضِّلُهم علَى نَفسِه ويَهتَمُّ بأمرِهِم، وَليسَ فِى هَذَا غَرابَةٌ، فأهوَالُ يَومِ القِيامَةِ وانتظارُ الحِسَابِ، والخوفُ من المصيرِ تَجْعَلُ كُلَّ إنسَانٍ يَفِرُّ مِنْ كُلِّ هَؤلاءِ الذينَ كَانُوا أعْوَانَهُ فِى الدُّنيَا، وَلَمْ يَعُدْ يَنفَعُهُ سِوَى عَمَلِهِ فِى الدُّنيَا.

      والنَّاسُ فِى يَومِ القِيامَةِ فَريقَانِ: فَريقٌ مُضِىءُ الوجهِ، مسْرورٌ مُستَبشِرٌ، مُطمَئنُ القَلبِ بِمَا قَدَّمَ منْ أعمَالَ صَالحةٍ، وَينتَظِرُ ثَوابَ اللهِ وَرِضْوانَهُ فِى جَنَّةِ الخُلْدِ، وأمَّا الفَريقُ الآخَرُ فَهُوَ عَابِسُ الوَجهِ، يَكسُوهُ الغَمُّ والحُزنُ، كِئيبُ النَّفْسِ، فأعْمَالُهُ السَّيِّئةُ التِى عَمِلهَا فى الدُّنْيَا سَيُعاقَبُ عَلَيهَا بالنَّارِ، وهذَا الفَريقُ هُمُ الكَفَرَةُ الفجَرَةُ الذينَ لا يُبَالونَ بِمَا ارتكبوهُ مِن المَعاصى


      يتبع إن شاء الله مع سورة التكوير
      Last edited by خادم الإسلام والمسلمين; 11-10-2010, 01:45 AM.

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        سورة التكوير




        إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)

        وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)

        وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11)وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)الْجَوَارِ الْكُنَّسِ(16)وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(17)

        وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ(23)

        وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ(24)وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25)فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ(26) إنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(27)لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)

        وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)


        تفسير موجز لهذه السورة الكريمة

        تُبَيِّنُ السُّورَةُ الأهْوَالَ التِى سَتَحْدُثُ قَبْلَ وأثْنَاءَ يَوْمِ القِيَامَةِ ومَا يُصِيبُ الكَونَ مِنْ تَغييرَاتٍ هَائلَةٍ، فالشَّمسُ سَتتَكَوَّرُ وَيَذهَبُ نُورُهَا بَعْدَ أنْ كَانَتْ سَاطِعَةً مُشْرِقَةً، والنُّجُومُ سَوْفَ تَتسَاقَطُ وَتَتنَاثَرُ وَينطَفِئُ بَريقُها بَعْدَ أنْ كَانَتْ مُضِيئَةً مُتَلألِئةً، والجِبَالُ سَتَتَحَرَّكُ مِنْ أمَاكِنِها وَتَصِيرُ كَالغُبَارِ سَابِحَةً فِى الفَضَاءِ،

        والسُّحُبُ التِى تَملأُ السَّمَاءَ تَتَوقَّفُ عَنْ إنْزالِ المَطَرِ، فَيَعُمُّ القَحْطُ الأرضَ، وتُصبِحُ الحَيَاةُ علَى وَشَكِ الفَنَاءِ، والوُحُوشُ تتَجَمَّعُ فِى مَكَانٍ واحِدٍ، لا تُفَكِّرُ فِى العُدْوَانِ، سَوَاءٌ عَلَى بَعْضِهَا، أمْ عَلى الإنْسَانِ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ والهَلَعِ، والبِحَارُ يَفيضُ بَعضُهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَصِيرَ بَحْرًا وَاحِدًا.

        ثُمَّ تَنتَقِلُ الآياتُ إلَى مَا سَيَحدُثُ فِى يَومِ القِيَامَةِ بَعْدَ العَلامَات السَّابِقَةِ التِى تَدُلُّ عَلَى اقتِرَابِ نَهَايةِ العَالَمِ، فَفِى هَذَا اليَومِ تَقْتَرِنُ الأروَاحُ بالأجْسَادِ، ويُبعَثُ النَّاسُ للحِسَابِ، بَعْدَ أنْ عَادَتْ إليهِمُ الحَيَاةُ، وتَتجَمَّعُ كُلُّ طَائفَةٍ مَعَ مَنْ يُمَاثِلُهَا، فالمُؤمِنونَ مَعَ المؤمِنينَ، والكَافِرونَ مَع الكافِرينَ، وتُسْألُ المَوءودَةُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِى مِنْ أجْلِهِ قُتِلَتْ، مَعَ أنَّهَا لَمْ تَرْتَكِبْ ذَنبًا حَتَّى تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ القَتْلَ، وَفِى هَذَا تَهْديدٌ وَوَعيدٌ لِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

        كَمَا تُنشَرُ صَحَائفُ أعْمَالِ النَّاسِ جَميعًا، التِى تَحْتَفِظُ بَكُلِّ شَىءٍ فَعَلَهُ الإنسَانُ كَبيرًا كَانَ أمْ صَغِيرًا، خَيْرًا أمْ شَرًّا، وَسَيَأخُذُ كُلٌّ مِنَّا صَحيفَتَهُ وَيَعلَمُ مَا فِيهَا.

        وَمِن أحْدَاثِ هَذَا اليَومِ العَصِيبِ انشِقَاقُ السَّمَاء وتصدُّعُهَا، فَتَتَبَدَّلُ وتَتَغَيَّرُ، ولم تَعُدْ هَى التِى يَعْرِفُهَا الإنسَانُ مِنْ قَبْلُ، فَلا تُنيرُ فِيهَا الشَّمسُ، ولا يَضىءُ القَمَرُ، ولا تَلمَعُ عَلَى صَفحَتِها النُّجُومُ، ثُمَّ يُؤتَى بجَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ وَقَدِ اشتَدَّتْ حَرَارَتُهَا وَزَادَ لِهيبُهَا استِعدَادًا لاستِقْبَالِ الكُفَّارِ والعُصَاةِ، أمَّا الجَنَّةُ فَقَد قُرِّبَت إلى أهلِهَا الصَّالِحينَ، حَتَّى لا يَجِدُوا مَشَقَّةً فِى الوُصُولِ إليهَا تَكريمًا لَهُم، وَفِى هَذَا اليَوْمِ سَتَعلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا أحضَرَتْ مَعَهَا مِنْ أعمَالٍ عَمِلتهَا فِى الدُّنْيَا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.


        أقْسَمَ اللهُ – تَعَالَى - بالنُّجُومِ فِى حَالَةِ ظُهُورِهَا وَاختِفَائِهَا، وباللَّيْلِ إذَا أقْبَلَ بَظَلامِهِ، وبالصُّبْحِ إذَا أشْرَقَ نُورُه، عَلَى أنَّ هَذَا القُرآنَ أنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلي الله عليه وسلم عَنْ طريقِ جِبْريلَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ صَاحِبِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ والمَكَانَةِ العَالِيَةِ،

        والكَلِمَةِ المَسْمُوعَةِ عِنْدَ المَلائكَةِ الذينَ يُطيعُونَهُ ويَأتَمِرُونَ بأمْرِهِ، وَهُوَ أمينٌ علَى وحْىِ السَّمَاءالَّذِى يَنْزِلُ بِهِ إلَى الأنْبِيَاءِ والرُّسُلِ، لا يُبَدِّلُ فيهِ ولا يُحَرِّفُ.

        وإذَا كَانَ الأمرُ كذَلِكَ، فإنَّ مُحمدًا الَّذِى بُعِثَ إلِيْكُم لا يُمكِنُ أنْ يَكونَ مَجْنُونًا كَمَا تَزْعُمونَ، وكَانَ بَعْضُ المشْرِكينَ يَرْميهِ بِذَلِكَ عِندَمَا يَسمَعُ مِنهُ أخبَارًا عَنْ يَومِ القِيامَةِ والبَعْثِ والحِسَابِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَهُم.

        وَكانَ المشرِكُونَ إذَا بَلغَهُم أنَّ الرَّسُولَ صلي الله عليه وسلم يُخبِرُ أنَّ جِبريلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بالوَحْىِ ـ يستَهزِئونَ وَيقُولونَ: إنَّ الَّذِى يَظهَرُ لِهُ إنَّمَا هُوَ مِنَ الجِنِّ، فَكَذَّبَهُم الله، وأكَّدَ عَلى أنَّ الَّذِى يَرَاهُ النَّبِىُّ صلي الله عليه وسلم ¬هُوَ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ القَوىُّ الأمينُ، وأنَّهُ رآهُ فِى الأفُقِ عَلى الصُّورَةِ العَظيمَةِ التِى خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا.

        ثُمَّ يَصِفُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ نَبِيَّهُ بِأنَّهُ لا يَبْخَلُ بِمَا يأتيهِ مِنَ الوَحْىِ، ولا يُقصِّرَ فِى تَبْليغِهِ لَكُم وَتَعليمِكُم إيَّاهُ، وَلا ينتَظِرُ مِنكُم أجْرًا نظيرَ ذَلِكَ، وأنَّهُ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وأن هذا القرآن الذي يتلوه عليكو لايمكن أن يكون كلام شيطان ملعون ومطرود من رحمة الله -تعالي- وبَعْدَ أنْ ثَبَتَ لَكُمْ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ كَلامُ اللهِ، ولَيسَ كَلامَ مَجْنُونٍ أوْ كَاهِنٍ، فَأىَّ طَريقٍ تَسْلُكُونَهُ بَعْدَ هَذَا البَيَانِ والوُضُـوحِ؟ وكلُّ طَريقٍ غَيْرَ مَا ذَكَـرَهُ اللهُ ـ تَعَالىَ ـ هُوَ الهَلاكُ والضَّلالُ.

        وَهَذَا القُرآنُ يَنتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِى صَلاحِ الدِّينِ والدُّنيَا، وفِى تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، والمُحَافَظَةِ عَلَى الحُقُوق وانتِظَامِ الحَيَاةِ، وطَريقُ الهِدايَةِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ يُريدُ أنْ يَسْتَقِيم وَيَدْخُلَ فِى الإسْلامِ، وأمَّا مَنِ ابتَعَدَ عَنْ هَذَا الطَّريقِ فَهُوَ مَسْئولٌ عَنِ اختِيَارِهِ، غَيْرَ أنَّ كُلَّ شَىءٍ فِى هَذَا الوُجودِ مَرَدُّهُ إلَى مَشيئةِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الإنسَانَ، وَأحَاطَ عِلْمُه بَكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ منْ خَيْرٍ أو شَرٍّ، ومن كُفْرٍ أوْ إيمَانٍ، فَإن فَعَلَ خَيْرًا أعَانَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وإنْ كَانَ شَرًّا تَرَكَهُ لِنفسِهِ تَتَحَكَّمُ فِيهِ، وللشَّيَاطينِ تُغويهِ، حَتَّى يكُونَ مَسئولاً عنْ أعمَالِهِ التِى عَمِلَهَا باختيارِهِ.ويحاسب عليها يوم القيامة


        يتبع إن شاء الله مع سورة الإنفطار
        Last edited by خادم الإسلام والمسلمين; 11-10-2010, 02:04 AM.

        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • #5
          سورة الإنفطار



          إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)

          عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ

          (7)
          فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)

          كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

          (13)
          وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15)

          وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)


          تفسير موجز لهذه السورة الكريمة

          تتَّفِقُ هَذِهِ السُّورَةُ الكَريمَةُ مَعَ السُّورَةِ التِى قَبْلهَا وَهِىَ سُورَةُ "التكْويرِ" فِى أنَّ كُلاًّ مِنَ السُّورَتينِ تَتَحَدَّثُ عَنِ التَّغييرَاتِ التِى تُصِيبُ الكَوْنَ، والأهْوَالِ التِى تَحدُثُ فيهِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، يَوْمِ الحِسَابِ والجَزَاءِ.
          فتَتَحَدَّثُ الآياتُ هنا عَمَّا يُصِيبُ الكَونَ مِنْ أهْوَالٍ،


          ومَا يَحدُثُ فيهِ مِنْ تَغييرَاتٍ رَهِيبَةٍ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَالسَّمَاءُ سَوْفَ تَتَشَقَّقُ وَتتصَدَّعُ، وتُصبِحُ أبْوَابًا مَفْتُوحَةً تنزِلُ منهَا الملائكَةُ، والنُّجُومُ اللامِعَةُ فِى السَّمَاءِ سَتتسَاقَطُ مُتَفَرِّقَةً مِن غَيرِ نِظَامٍ، كمَا تتسَاقَطُ حَبَّاتُ الجَوَاهِرِ مِنَ العِقْدِ، والبِحَارُ العَظيمَةُ سَتَزُولُ الحَواجِزُ التِى بينهَا، ويَختَلِطُ مَاؤهَا، وتُصْبِحُ بَحْرًا واحِدًا هَائلاً، والقُبُورُ سَتُخرِجُ ما بِداخِلِها منَ الأمْواتِ.


          وعِندَمَا تَحدُثُ هَذِهِ الأشيَاءُ تَعلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ مِن أعْمَالٍ صَالِحَةٍ، أوْ مَا ارتَكبَتْ مِنْ ذُنُوبٍ وآثَامٍ، وأنَّ الحِسَابَ قَدْ بَدَأ، وأنَّ مصِيرَ كُلِّ إنسَانٍ مُعلَّقٌ بِعَمَلِهِ، فَإمَّا إلَى الجَنَّةِ وإمَّا إلَى النَّارِ.

          يُعَاتِبُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ الإنسَانَ عِتَابًا جَميلاً قَائلاً لهُ: مَاذَا أصَابَكَ أيُّهَا الإنسانُ حَتَّى جَعَلَكَ تُقَصِّرُ فِى حَقِّ اللهِ وتَتَهَاونُ فِى أمْرِهِ؟ وَهُوَ رَبُّكَ الكَريمُ الَّذِى أنْعَمَ عَلَيكَ بِكرَمِهِ وفضْلِهِ، وجَعَلَكَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الجَميلَةِ السَّوِيَّةِ التِى اختَارَهَا لَكَ، وَلَوْ شَاء لَرَكَّبَكَ فِى صُورَةٍ أخْرَى،


          وَكَانَ هَذَا أمْرًا يستَحِقُّ مِنْكَ الشُّكرَ العَميقَ للهِ ـ تَعَالَى ـ والأدَبَ الرَّفيعَ مَعَهُ، ولَكِنَّكَ لَمْ تَفْعَلْ، وقَابَلْتَ الإحسَانَ بالكُفْرِ والجُحُودِ، وكَذَّبْتَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنْكَرْتَ أنَّ هُنَاكَ حِسَابًا وجَزَاءً.


          واعْلَم أنَّ اللهَ قدْ جَعَلَ عَلَى كُلِّ إنسَانٍ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ الملائكَةِ التِى تُحصِى كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ، وتُسَجِّلُ كُلَّ أعْمَالِهِ بِدِقَّةٍ وأمَانَةٍ، كَبيرَةً كَانتْ أمْ صَغِيرَةً، ونَحْنُ لا نَدْرِى كَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا ؟ ولَكِنْ يَكْفِى أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ غَيْرُ مَتْروكٍ فِى الدُّنْيَا بِلا رَقيبٍ يُدَوِّنُ كُلَّ حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ، حَتَّى تُحاسَبَ عَلَيْهَا يَومَ القِيَامَةِ


          وبَعْدَ أنْ يُحَاسِبَ اللهُ النَّاسَ عَلى أعمَالِهِم التِى عَمِلُوهَا فِى الدُّنيَا، والتِى سَجَّلتهَا المَلائكَةُ بِدِقَّةٍ وأمَانَةٍ، يُصبِحُ النَّاسُ فَريقَينِ، الفَريقُ الأوَّلُ: المؤمِنُونَ، وهُم أسْعَدُ النَّاسِ حَالاً فِى هذَا اليَومِ، وفَرْحَتُهُم لا تُوصَفُ؛ لأنَّ الجَنَّةَ تَنتَظِرُهُم حَيْثُ يَنْعَمُونَ فِيهَا بِكُلِّ شىءٍ.


          والفَريقُ الآخَرُ: الكُفَّارُ، ومَصِيرُهُم النَّارُ خَالِدينَ فِيهَا، يَحْتَرِقونَ بِنَارِهَا، وَلا يَغيبونَ عَنْهَا، ولا يُمكِنُهُم النَّجَاةُ مِنهَا، وَفِى يَومِ القِيامَةِ يَتَجَرَّدُ كُلُّ إنسَانٍ مِنْ كُلِّ سُلطَانٍ وجَاهٍ، فَلا يَملِكُ أحدٌ لأحد شيئا ولاتجدي المعاونة والمساعدة , ولايستطيع أحد أن يَدْفَعَ عَنْ غَيرِهِ مَكروهًا أوْ يَجْلِبَ لَهُ نَفْعًا، فَكُلُّ إنسَانٍ مِشْغُولٌ بِنفسِهِ وَبِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ مُدَوَّنٍ فِى صَحيفَتِهِ، وأصْبَحَ الأمرُ كُلُّهُ بيَدِ اللهِ يُصَرِّفُهُ كَمَا يَشَاءُ.

          يتبع إن شاء الله مع سورة المطففين
          Last edited by خادم الإسلام والمسلمين; 17-10-2010, 01:00 AM.

          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • #6
            سورة المطففين

            وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)

            يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)

            إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16)

            ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)

            عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27)

            عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)

            وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)

            عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)


            تفسير موجز لهذه السورة الكريمة


            أمر الإسلام بالأمانة ورد الحقوق ونهدى عن الخيانة وأكل أموال الناس والغش في الكيل والميزان وقد عذب الله قوم شعيب وأهلكهم لأنهم يغشون الناس في الكيل والميزان وقد توعد الله المطففين بالعقاب في الأخرة

            فالتاجر المسلم يجب أن يكون صادقا أمينا في البيع والشراء يعطي للناس حقوقهم ويأخذ منهم حقه..

            وقد حذر الله في بداية السورة الذين يغشون ويعتدون على حقوق الناس ويأكلون أموالهم بالباطل في أثناء البيع والشراء فإذا اشتروا من الناس أخذوا منهم حقهم كاملا وإذا باعوا لم فإنهم ينقصون في الوزن ولا يعطونهم ما يستحقون

            وهؤلاء المطففين قد توعدهم الله بالعذاب والعقاب وأنكر فعلهم القبيح الذي يأتي به من يظن أن ليس هناك بعث بعد الموت ولا جزاء على الأعمال ولا وقوف للحساب بين يدي الله تعالى يوم القيامة لأنهم لو تيقنوا ذلك لما تجرءوا على أكل حقوق الناس بالباطل ولمنعهم الخوف من الله من القيام بهذا العمل السيئ

            في هذه الأيات يحذر الله تعالى من يطفف ويغش في الكيل والميزان فإن عمال الفجار تسجل في كتاب بطريقة واضحة لا يمكن أن تمحى وهذا الكتاب محفوظ في شر مكان في جهنم يسمى سجينا

            ويتوعد الله المكذبين بيوم البعث بأن لهم الويل والهلاك والعذاب الاليم في الأخرة وهؤلاء المكذبون يستحقون عقاب الله لأنهم أشركوا بالله وكذبوا رسله وارتكبوا كثيرا من المعاصي والأثام وزعموا أن القران أكاذيب السابقين من الأمم وخرافاتهم


            ولكن الأمر ليس كذلك فالقران الكريم كلام الله ووحيه نزله على رسوله محمد صل الله عليه وسلم ويم يمنعهم عن الإيمان به إلا قلوبهم التي امتلأت بالمعاصي والذنوب وأحاطت بها من كل جانب فلم تعد ترى الهداية في القران الكريم

            وهؤلاء الكفار لن يتمتعوا بالنظر الى الله يوم القيامة مثلما يتمتع بهذه النعمة العظيمة أهل الجنة

            وليس حرمانهم من رؤية الله هو كل جزائهم في الأخرة بل سيدخلون جهنم ويقاسون حرها ويحترقون بلهيبها ويتعرصون للتأنيب والتوبيخ من ملائكة العذاب الذين يقولون لهم : هذا العذاب هو ما كان الرسل يحذرونكم منه لكنكم كنتم تستهزئون بهم وتنكرون حدوثه

            وبعد أن ذكر الله حال أهل النار في الأيات السابقة عرض صورة أهل الجنة والمنزلة العالية التي أعدها للمؤمنين ليتضح الفارق بين الفريقين ومصير كل منهم

            لقد تقبل الله من الأبرار أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وسجلها لهم في كتاب كريم حفظه لهم في مكان عال فيب الجنة تشهد عليه الملائكة المقربون وترعاه

            ثم يذكر الله حال الأبرار أصحاب هذا الكتاب الكريم ويصف ما هم فيه من نعيم فهم يسجلون- والسعادة تكسوا وجوههم- على الأرائك التي فرشت بأفخر الفرش وزينت بأجمل الزينات تعلوها الستائر البديعة ينظرون الى ما أعده الله من الوان النعيم الذي لم يكن يخطر على بال أبدا

            ويشربون شرابا خالصا لذيذ الطعم وقد ختم بخاتم من المسك فإذا نزع هذا الخاتم أو السدادة خرجت رائحة المسك الطيبة تملأ المكان عطرا فتنتعش النفوس لشربه

            ومثل هذا النعيم يجب أن يتنافس الناس في طلبه بعمل الصالحات لأن ما عدا هذا النعيم لا قيمة له وهذا الشراب الذي يسقى منه الأبرار في الجنة وتملأ رائحته الطيبة أجواء الكان ممزوج بتسنيم وهي عين ماء من عيون الجنة أعدها الله ليشرب منها عباده المقربون


            ثم ذكرت الأيات ما كان يفعله هؤلاء المجرمون في الحياة الدنيا مع المؤمنين حيث كانوا يسخرون منهم ويستهزئون بهم ويضحكون من أعمالهم الحسنة مثلما كان يفعل كفار قريش مع المؤمنين

            وكانوا إذا مروا بهم سخروا منهم ومن دينهم يشيرون اليهم بحواجبهم وأيديهم إمعانا للسخرية والتهكم بهم وإذا رجعوا الى أهلهم من مجالسهم رجعوا فرحين مسرورين بما فعلوه بالمسلمين وكلما رأوا المؤمنين قاموا بسبهم واتهامهم بالضلال

            وينكر الله ما قاله الكفار في حق المؤمنين وتغامزهم عليهم لأن الله لم يبعثهم رقباء على المؤمنين يحصون عليهم أعمالهم ويحاسبونهم على تصرفاتهم

            وفي يوم القيامة سيتغير الحال بعد أن تعرض الأعمال وتحاسب كل نفس على ما عملت من خير أو شر وسينال المؤمنون درجاتهم العالية في الجنة ويجلسون على أسرة مرفوعة يتمتعون بنعيم الجنة وينظرون في خرح واستبشار الى الكفار وهم يعذبون في النار ويلقون فيها أشد العذاب

            وما يلقاه هؤلاء الكفار إنما كان بسب أعمالهم السيئة في الدنيا وكانوا فيها يسخرون من المؤمنين وقد نالوا جزاء ما فعلوا مثلما نال المسلمون جزاء ما عملوا في الدنيا من الأعمال الصالحة


            يتبع إن شاء الله مع سورة الإنشقاق

            îن îëéىهْ نçمùهْ?

            Working...
            X