لم يكن مستغربا أنه في الوقت الذي يحيي فيه الشعب الفلسطيني الذكرى الـ 60 لنكبته واغتصاب أرضه على أيدي عصابات القتل والإرهاب الصهيونية التي ارتكبت بحقه المجازر والمذابح، أن يعرب بابا الفاتيكان بندكيت السادس عشر، عن أمنياته الصادقة بمناسبة "الذكرى الستين لإقامة دولة إسرائيل"، "شاكرا الرب لامتلاك اليهود أرض أجدادهم".
خطيئة الشعب الذي رفض المسيح
كانت الكنيسة تنظر لليهودية على مدار القرون الماضية على أنها دين الماضي، فهي لم تعد شريعة سارية بعد أن نسخها العهد الجديد. كما اتهمت الكنيسة اليهود بأنهم قتلة المسيح؛ وهو ما جعل الأرض ممهدة لكراهية اليهود.
فقد أصدر البابا غريغوري الثالث عشر عام 1581م، حكماً بإدانة اليهود نص على "أن خطيئة الشعب الذي رفض المسيح وعذّبه تزداد جيلاً بعد جيل، وتحكم على كل فرد من أفراده بالعبودية الدائمة"، وسار على هذه السياسة الباباوات من بعده، ولذلك كان من الطبيعي أن يعمل اليهود على استهداف الكنيسة الكاثوليكية، والسعي إلى تقويض نفوذها في فرنسا، تمهيداً للانقضاض على الحصن الكاثوليكي في روما بالذات.
استمر هذا المفهوم مع نشأة الكيان الصهيوني فقد رفض الفاتيكان الدعوات البروتستانتية التي تقول بأن "على كل مسيحي أن يهتم بإعادة اليهود إلى أرضهم في فلسطين، والتي هي أرض آبائهم وأجدادهم".
وحدثت مواجهة بين الحركة الصهيونية والبابوية ممثلة بالبابا بيوس العاشر، الذي رفض الموافقة على المشروع اليهودي ـ الصهيوني، في جعل القدس مركزاً لدولة يهودية، وأكّد على البيان الذي كان أصدره الفاتيكان عند انعقاد مؤتمر بازل في سويسرا، وأوضح فيه أن "جعل القدس مركزاً لدولة يهودية يتعارض مع نبوءات المسيح نفسه". كما أنه أكد أثناء لقائه بهرتزل في اللقاء الذي حدث بينهما سنة 1904على مواقف الكنيسة الكاثوليكية من الحركة الصهيونية، وذلك بقوله: "لا أستطيع أبداً أن أتعاطف مع هذه الحركة ـ الصهيونية ـ فنحن لا نستطيع أن نمنع اليهود من التوجه إلى القدس، ولكن لا يمكننا أبداً أن نقره. إنني بصفتي قيِّماً على الكنيسة، لا أستطيع أن أجيبك في شكل آخر، لم يعترف اليهود بسيدنا، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي، وتالياً، فإذا جئتم إلى فلسطين، وأقام شعبكم هناك، فإننا سنكون مستعدين كنائس ورهباناً لتعميدكم جميعاً".
في هذا اللقاء قال هرتزل: "إن النكبات والاضطهادات لم تكن في اعتقادي خير وسيلة لإقناع قومي بما يكرهون"، فرد البابا: "إن سيدنا يسوع المسيح، أتى إلى هذا العالم ولا قوة له ولا سلاح... وهو لم يضطهد أحداً، وإنما هو الذي تعرض للاضطهاد وتخلى عنه الناس"...
وإذا كان هذا المقطع من كلام البابا بيوس العاشر، يمثل رداً على ادعاءات هرتزل، فإن البابا قد أوضح في مقطع آخر من الحديث نفسه المعتقد المسيحي وموقف الكنيسة من اليهود، ما نصه: ".. أما أن يظل اليهود محتفظين بمعتقدهم ينتظرون مجيء المسيح، والمسيح عندنا قد جاء وتمت بعثته للبشر، في هذه الحالة نعتبر اليهود منكرين للاهوت يسوع المسيح، ولا مجال هنا لمساعدتهم لا في فلسطين ولا في غيرها، وهذا هو الوجه الأول، والآخر أن يذهبوا إلى فلسطين شعباً بلا دين بالإطلاق، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا في مجال أضيق، وغير مستعدين لمؤازرتهم".
وثيقة "1985" تمهد لتطبيع العلاقات
وهكذا ظلت العلاقات متوترة بين الفاتيكان و"إسرائيل" منذ الحقبة النازية حتى حلول عام 1994 عندما أقيمت علاقات دبلوماسية بين البلدين، والذي سبق بإصدار البابا يوحنا بولس الثاني ما عرف "بوثيقة 1985".
تقول الوثيقة-وفقا لكتاب "التاريخ اليهودي العام" لصابر طعيمة-: "لا يتوقف الأمر فقط على استئصال رواسب العداء للسامية، هذا العداء الذي مازال قائماً إلى الآن في نفوس المسيحيين الكاثوليك، بل يضمن لهم من خلال مجهود تربوي، فهماً صحيحاً للعلاقات الفريدة التي تربطنا بها كنيستنا بالعبرانيين والعبرية". وتقول الوثيقة إنهم "يرثون للجهل المحزن لتاريخ وتقاليد اليهودية، هذه التقاليد التي تظهر فقط الأوجه السلبية منها، والتي كثيراً ما تكون مضحكة، هي وحدها التي تظهر في الفهم العادي الشائع عند الكثيرين من المسيحيين"، وتشفع الوثيقة باليهود فتقول: "إنه لا يجوز أن يحسب شأن اليهود اليوم كشأن الذين عرفوا المسيح ولم يؤمنوا به"، ثم تقول: "إن المسيح كان عبرانياً وسيكون كذلك دائماً"، وتدعو كاثوليك العالم "ليفهموا تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم".
وتصل الوثيقة ذروة هدفها بالقول: "إن الشعبين المسيحي واليهودي، على الرغم من أنهما ينطلقان من وجهات نظر مختلفة، غير أنهما يتجهان نحو أهداف متماثلة، تركز على مجيء المسيح أو عودة المسيح". وتقول الوثيقة: "إنه من الضروري أن نتقدم لحمل مسؤولية تهيئة العالم لذلك لحضور المنقذ".
إلا أن الفاتيكان أصر على رأيه بأن سيطرة اليهود على القدس أمر غير أخلاقي وغير قانوني، وهو الموقف الذي يصعب التخلي عنه في ظل رعاية الفاتيكان للمسيحيين العرب هناك.
مواساة اليهود وتبرئتهم
ولكن البابا يوحنا بولس الثاني، وفي خطوة تاريخية لم يكن يحلم بها اليهود، اعترف عام 2000 بذنب الكنيسة تجاه معتنقي الديانة اليهودية في العالم، وطلب صفحهم عن كل ما حاق بهم من آلام على مدار القرون الماضية، لكنه لم يحمل الباباوات السابقين مسئولية توسيع رقعة الفكر النازي والهولوكست ومعاداة السامية.
وفي أغسطس 2005 أثبت البابا بنديكت الـ 16 أنه يسير على خطى سلفه في التقرب من اليهود، حيث دخل للمرة الأولى في تاريخ البابوية معبدا يهوديا داخل ألمانيا، معقل النازية. ولم تكن مصادفة أن ذلك اليوم كان يوم إحياء ذكرى مقتل يهود مدينة كولونيا في فترة النازي، وأطلق الإعلام الألماني حينئذ على بنديكت لقب "البابا الثاني لليهود" مثلما وصف يوحنا بأنه "بابا اليهود الأول" بسبب تعاطفه معهم.
وجاء في البيان الذي أقره بنديكت السادس عشر وصاغ جزءًا منه بحسب ما أكدته مصادر بالفاتيكان: "إن علاقات الكنيسة مع اليهود لا تزال تستند إلى البيان التاريخي لمجمع الفاتيكان الثاني عام 1965 الذي نبذ مفهوم المسئولية الجماعية لليهود عن دم المسيح ودشن حوارًا معهم.
وأضاف أن الكنيسة "ترفض أي موقف ازدراء أو تمييز ضد اليهود.. وتنبذ بشدة أي نوع من معاداة السامية". وقالت مصادر كاثوليكية ويهودية: إن البيان سُلّم إلى أمانة مكتب كبير حاخامات إسرائيل.
وقال الفاتيكان: "إنه يأمل أن تساعد التوضيحات التي وردت في هذا البيان على تصفية أي سوء فهم. إنه يجدد التأكيد على رغبة لا تتزعزع في أن يستمر تطور التقدم الملموس الذي تحقق بخصوص التفاهم المتبادل ونمو الاحترام بين اليهود والمسيحيين".
الكاتب :أحمد مخيمر
المصدر:رسالة الإسلام

