- 3-صدق رساله محمد صلى الله عليه وسلم
د. عادل مرعي الراوي
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ظهر الاسلام في فتره تاريخيه وصلت فيها البشريه الى درجه عاليه من الرقي والتقدم لم تبلغها في ايه مرحله من مراحلها السابقه , صاحبها حركه حضاريه وتجاريه نشطه وواسعه جاءت على اعقاب تشكيل الامبراطوريه العالميه التي ضمت العديد من البلدان والاقوام , تلك الامبراطوريات والامم التي وان كانت قد امتلكت بعض الخصائص الايجابيه في نظمها وقوانينها , الا انها في ذات الوقت امتلكت كل الجوانب السيئه . فلم يكن هنالك عدل على الارض , وكانت العبوديه منتشره , والظلم ضارب بجذوره في كل مكان , والشرك يعم زوايا الارض كلها , وقد عبر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن حال العالم انذاك في حديث له قال فيه : (( ان الله نظر الى اهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من اهل الكتاب )) ( 49) ان تلك البقايا من دون ريب كانوا اولئك النصارى الذين ظلو على التوحيد الذي جاء به عيسى ابن مريم عليه السلام واحتفظوا بامانه الوحي طوال تلك القرون الطويله رغم الضروف القاسيه والصعاب التي عانى منها اولئك الموحدون , وذلك لكي يكونوا حجه الله على عباده في الارض الذين انحرفوا عن جوهر الدين الذي جاء به المسيح . وخلاصه القول فانه البشريه كانت بحاجه الى رساله عالميه شامله لاتخص شعب واحد من الشعوب ولا امه واحده بعينها , بل للناس كافه , لافرق بين عربي واعجمي ولا بين ابيض واسود , رساله تقر التوحيد , وترفع الظلم , وتزيل التناحر الذي ساد بقاع الارض , وتحرر الانسان من اخيه الانسان وتنظم مختلف مجالات الحياة الاجتماعيه والاقتصاديه والعلاقات بين الامم , وقوانين الحرب والسلام . وتمهد لتطور حضاري عالمي لاحق وفق نظم ومعايير اخلاقيه توازن بين ماهو مادي وما هو روحي بحيث تصبح الحظاره في مسيرتها الصاعده مصدرا لسعاده الانسان لا وبالا عليه .
واذا نظرنا الى جغرافيه العالم لوجدنا ان شبه الجزيره العربيه هي انسب ارض للرساله العالميه . فهي تقع بين اسيا وافريقيا واقرب ماتكون الى اوربا مما يساعد على انتشار الدين الجديد . وكانت تحيط ببلاد العرب انذاك امبراطوريتين عظيمتين هما الامبراطوريه البيزنطيه والامبراطوريه الفارسيه , الا انهما اخذتا تعانيان من الوهن والانحلال . وكان الترف ونمو الحضاره المختل قد افسد عليها عاداتها وخصالها . اما الامه العربيه فقد كانت بمناى عن تلك الاثار السيئه المنتشره في الامم الاخرى (( المتمدنه )) في القرن السادس الميلادي , وكان فيها من الصفات الانسانيه جميع ما يمكن ان يكون في امه من الامم لم تصدمها المدنيه بعواصفها . وكان العرب شجعانا , قائمين بالعهود , محبين للحريه , وكانوا مستعدين دائما للموت في سبيل اعراضهم وحريتهم , لذا لم يكونوا خاضعين لحكم اجنبي . ومامن شك فانه كانت لدى العرب الكثير من الجوانب السلبيه وخاصه عباده الاوثان والشرك بالله . وكانت القبائل العربيه متناحره فيما بينها في حروب طاحنه, ولم يكن هنالك اعتبار للنفس البشريه . وكان القتل والسلب مسأله اعتياديه لدى اولئك البدو الذين لايعرفون الضوابط والحدود . وكانت الحريه قد بلغت بهم حدا جعلهم لا يتقيدون بقاعده ولا بقانون , ولا الخضوع لاي حاكم مهما كان . ولكنهم رغم ذلك كانوا مؤهلين بشجاعتهم لان يقوموا باكبر الادوار التاريخيه اذا ماعني بهم وباصلاحهم رجل عبقري . فلمثل هذا الرجل كانت تحتاج اليه الرساله العالميه , وكان ذلك الرجل المختار محمد صلى الله عليه وسلم . لقد استطاع هذا الرجل الامي من خلال تعاليم ومبادىء الاسلام توحيد القبائل العربيه المتناحره , والتي لم يستطع احد ان يوحدها طوال التاريخ , واخراجها من الهمجيه ليجعل منها امه عظيمه ذات حضاره راقيه . وبعد ان كان العرب امه من اضعف الامم تحولوا بفضل الاسلام الى امه قهرت الامبراطوريات التي كانت سائده انذاك , واخذوا يعلمون الامم الشرف والمدنيه , ونشروا تعاليم الاسلام بسرعه مذهله في اصقاع الارض المختلفه .
لقد احدث هذا الرجل ثوره في العالم وغير مجرى التاريخ البشري كله بفضل التعاليم والمبادىء التي اعلنها على الناس , فمن اين له هذه الامكانيات وهذا العلم ؟ فتراه قائدا محكنا وقاضيا ماهرا , ومقننا عظيما يدعو الى التمدن , وسياسيا ذو باع طويل . ورغم اشغاله كلها تراه يعبد ربه اناء الليل واطراف النهار , ويهتم بشؤون بيته ويخدم الفقراء واليتامى . وفي قمه مجده وانتصاراته ظل يعيش في بيته المتواضع مثلما يعيش فقراء المسلمين , ينام على الحصير ويبات الليل طاويا , لم تغره السلطه ولا الجاه ولا المال الوفير , ولم يغتر ولم يعلن نفسه فوق البشر بل ظل انسانا متواضعا لايحب الاطراء ولا المديح , مؤكدا في ذات الوقت ان كل مالديه من مواهب عظيمه ليست من عنده بل من عند الله رب العالمين .
حتى اخر حياته لم يغير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من طبيعه حياته , وفي الوقت الذي دانت له الجزيره العربيه كلها بقي في حياته ومعيشته رجلا عاديا زاهدا في الدنيا ومغرياتها حتى لحق بالرفيق الاعلى . وقد روى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه دخل حجره النبي صلى الله عليه وسلم (( فاذا هو مظطجع على رمال حصير , بينه وبينه فراش , قد اثر بجنبه , متكئا على وساده حشوها ليف , قلت يارسول الله ادع الله فليوسع على امتك , فان فارس و الروم قد وسع عليهم , وهم لايعبدون الله . فقال : اوفي هذا انت ياابن الخطاب ؟ اولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياه الدنيا , وفي روايه , اما ترضى عن ان تكون لهم الدنيا , ولنا الاخره )) . (50)
كما ورد عن عائشه رضي الله عنها انه (( كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاث اهله في شهرين وما توقد في ابيات الرسول صلى الله عليه وسلم نار , فسالها عروه بن الزبير , فما كانت معيشتكم ياخاله ؟ قالت الاسودان : التمر والماء . وقالت : وكان لنا جيران من الانصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها , جزاهم الله خيرا . (51) وفي حديث اخر : انها ذكرت (( ان ال محمد لم يشبعوا ثلاثه ايام من طعام بر , حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم )) . (52)
وبعد الا يخجل اؤلئك اليهود والنصارى الذين يزعمون ان محمد كان نبيا كاذبا وانه استمد تعاليمه من اليهوديه والمسيحيه وهو الذي عرضت عليه مغريات الدنيا فرفضها مصرا على تاديه رساله ربه .
عندما اعلن محمد صلى الله عليه وسلم رسالته لم يكن صدقه موضع شك لدى اهل مكه , ذلك لانهم كانوا على معرفه تامه بحياته الكامله , ولذلك لم يرميه احد بتهمه الكذب او الاحتيال , بل ذهبوا يدعون انه فقد صوابه , او انه شاعر او ساحر , او ان الجن استولت عليه , وما الى ذلك من الدعاوى التي تحفل بذكرها الكتب التاريخيه . الا ان هذه الكتب لم تشر الى ايه محاوله جرؤ صاحبها على النيل من صدقه وامانته , لا بل انه كان يسمى بالصادق الامين عندهم , ويسجل التاريخ انه ليس بمكه احد عنده شىء يخشى عليه الا وضعه عنده , لما يعلم من صدقه وامانته .
وهذا النضر ابن الحارث وقد كان من اكبر المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم , وكان من كبار زعماء مكه , وقف يوما يخاطب جمعا من قريش , وقال لهم :
(( يامعشر قريش , انه , والله قد نزل بكم امر مااتيتم له بحيله بعد , ولقد كان فيكم محمدا غلاما حدثا , ارضاكم فيكم واصدقكم حديثا , واعظمكم امانه , حتى اذا رايتم في صدغيه الشيب , وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر , لا والله , ما هو بساحر , لقد راينا السحره ونفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن , لا والله , ماهو بكاهن , قد راينا الكهنه وتخالجهم , وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر , لا والله , ماهو بشاعر ,قد راينا الشعر , وسمعنا اصنافه كلها , هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون , لا والله , ما هو بمجنون , لقد راينا الجنون , فما هو بخنقه , ولا وسوسته , ولا تخليطه . يامعشر قريش , فانظروا في شانكم , فانه والله لقد نزل بكم امر عظيم )) .
(( وقد كان هذا النظر من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينصب له العداوه )) (53)
ان القران الكريم يشير في ايات عديده من ان القران ليس من عمل محمد وانما موحى اليه , وانه قول رسول كريم , ذي قوه عند ذي العرش مكين , مطاع ثم امين , ذلكم هو جبريل عليه السلام , تلقاه من لندن حكيم عليم , ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم . وانه ما هو الا وحي يوحى ,: (( قل انما اتبع مايوحى الي من ربي . )) (54) وقوله تعالى : (( قل مايكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي , ان اتبع الا مايوحى الي )) (55) وقوله تعالى: (( سنقرئك فلا تنسى )) وغير ذلك من الايات العديده في القران الكريم التي تبين بشكل صريح في انه لا صنعه فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم , ولا لاحد من الخلق , وانما هو منزل من عند الله بلفضهه ومعناه .
وهنا يثور سؤال منطقي وهو اى مصلحه لمحمد صلى الله عليه وسلم في ان ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا ؟ فمن المعروف ان الكثير من الادباء يسطون على نتاجات غيرهم فيسرقونها او يسرقون بعظها فينسبونها لانفسهم . اما ان احدا ينسب لغيرهه انفس اثار عمله واغلى ماتجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد . لو كان محمد صلى الله عليه وسلم مجرد رجل اصلاحي يريد ان يخرج المجتمع الانساني من هوه الرذيه والضلال فان مثل هذا الاصلاح لا يمكن ان يتم على قاعده من الكذب والتمويه , وهذا امر ياباه علينا الواقع التاريخي كل الاباء . ان من تتبع سيرته الشريفه قبل النبوه وبعدها يعرف مدى صدقه وامانته وحسن اخلاقه وحلو شمائله وطيب سجاياه , وهذا ماشهد ويشهد به اصدقاؤه واعداؤه الى يومنا هذا (56) (( قل لو شاء الله ماتلوته عليكم ولا ادراكم به, فقد لبثت فيكم عمرا من قبله, افلا تعقلون)) (57)
لقد دافع الكاتب الغربي (ا. ج ليونارد ) عن صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في كتابه (( القيمه الاخلاقيه والروحيه للأسلام )) , قائلا : (( من البدايه يجب الاعتراف بان محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مشعوذا ولا دجالا متشردا وانما كان واحدا من اخلص بني البشر واصدقهم واسماهم نفسا على مر الزمان . انه ليس عظيما فحسب , لكنه من اعظم الرجال الذين انجبتهم الانسانيه في كل عصورها . تجلت عظمته كنبي بنفس عظمته كمواطن من بني قومه, وكذلك كرجل دوله مسؤول فهو المؤسس المادي والروحي الذي بنى دوله عظمى وامبراطوريه متراميه الاطراف , واكثر من ذلك , بنى دينا عظيما لا يزال . وهو الصادق , لانه صادق مع نفسه ومع امته وفوق كل ذلك مع ربه . فاذا اعترفنا بذلك , فاننا سندرك ان الاسلام دين الحقيقه والصدق العميق الذي يهدي من اختاروه الى صراط مستقيم ويخرجهم من ظلمات الجهاله الانسانيه الى عوالم النور والحقيقة)) . (58)
لقد اخبر الانبياء السابقون ان المتنبىء الكذاب لايؤيد ولايتم امره بل مصيره الموت , كما جاء في سفر الثنية (( ...واما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاما لم اوصه ان يتكلم به او الذي يتكلم باسم الهه اخرى فيموت ذلك النبي . واذا قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصرفهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه )) (59)
كما جاء في الانجيل ان المسيح عليه السلام قال لحوارييه : (( احترزوا من الانبياء الكذبه الذين ياتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفه . من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا او من الحسك تينا . هكذا كل شجره جيده تصنع اثمارا جيده . واما الشجره الرديئه فتصنع اثمارا رديه . لاتقدر شجره جيده ان تصنع اثمارا رديه ولا شجره رديه ان تضع اثمارا جيده . كل شجره لاتصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار . فاذا من ثمارهم تعرفونهم )) . (60)
فتامل ايها القارىء هذه العلامه البينه التي يؤديها القران الكريم , في قوله تعالى : (( الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمه طيبه كشجره طيبه , اصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي اكلها كل حين )) . الى قوله عز وجل : (( ومثل كلمه خبيثه كشجره خبيثه , اجتثت من فوق الارض مالها من قرار )) . (61) وانظر بعين الاعتبار الانصاف ايها الكتابي في ثمار الشجره المحمدية, هل هي جيده ام رديئه ؟ فان كابرت قلت رديئه افختمك بقول المسيح : (( كل شجره رديئه تقطع وتلقى في النار )) . وشجره الاسلام ماقطعت بل نمت وبوركت وعلت الى ان وصلت الدرجه الدرجه القصوى , وعم ندائها الشرق والغرب , وانتشرت دعوتها في اقطار الارض جميعا . ( 62) بينما قطعت اشجار خبيثه كثيره قبل انبعاث الاسلام منها شجرتي . مونتا نوس montanus(في نهايه القرن الثاني ) (( وماني)) manes ( 216-276م ) اللذين ادعيا النبوه , وادعى كل منهما انه هو ( البرقليطس) الذي بشر به المسيح عليه السلام في انجيل يوحنا , فهلك الاول وقتل الثاني شر قتله وطوى الزمان اثارهم ولم تبق لهما بقيه .
وقد ادعى النبوه في جزيره العرب اناس كان مصيرهم القتل والزوال من دون ان يتركوا من خلفهم اثرا , منهم مسيلمه الكذاب , وطليحه الاسدي , وسجاح, والاسود العنسي, ذلك لان الله لايرضى ان يتكلم احد باسمه زورا وبهتانا . ويتضح ذلك في قوله تعالى : (( لو تقول علينا بعض الاقاويل . لاخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من احد عنه حاجزين )) . (63) وان من دلائل الرساله ان يعصم الله ورسوله ويحفظه من الناس حتى يبلغ ماكلف به . قال الله تعالى مخاطبا رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )) . (64) وقد ايد الله محمدا ونصره نصرا عزيزا على المشركين والكفره , ثم اظهر من بعده امته على سائر الناس.
ان حياه محمد صلى الله عليه وسلم معلومه منذ ميلاده الى ساعه وفاته للذين عاصروه وشهدوا عهده , وقد حفظها التاريخ منهم لمن بعدهم . ان جميع شؤونه واطوار حياته , من ولادته ورضاعته وطفولته الى ان صار يافعا كل ذلك ظاهر امره معلومه تفاصيله . ولقد اخبرنا التاريخ عن اشتغاله بالتجاره وعن كيفيه زواجه , وعلم الناس سجاياه وحسن خلقه ووفائه للناس قبل النبوه , وكيف ان قريش عرفت امانته لذلك حكموه فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الاسود في موضعه من الكعبه . ثم وقفوا على امره حين حبب الله اليه الخلوه فاعتزلهم في غار حراء , ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين , وحين بدا امر الاسلام يظهر للوجود اخذ يدعو الناس اليه ويبلغ ماانزل عليه وقد بين التاريخ كيف انهم كذبوه وحاربوه وبين مالقي صلى الله علي وسلم في نشر الاسلام من جهد وعناء , وما قابله به اهل الطائف حين دعاهم الى عباده الله وترك الاوثان , وكيف اخبر اهل مكه خبر اسراءه وعروجه الى السماء . ولم يخف عن التاريخ خبر هجرته من مكه الى المدينه , ولا الغزوات التي غزاها , والاسباب الباعثه عليها والعهود التي اقامها مع القبائل ومع اهل الكتاب من يهود ونصارى . كما حفظ لنا التاريخ مراسلته الى الملوك والامراء والحكام يدعوهم فيها الى دين الله , كما حفظ لنا جهاده في سبيل الحق ومابذله في تبليغ دعوه الاسلام الى الناس الى ان اكمل الله للا نسانيه دينها , وحج الرسول صلى الله عليه وسلم حجه الوداع وتوفاه الله اليه . وهكذا مامن شيىء في سيره الرسول ورسالته مااسدل الستار عليه او خفي عن الناس , وما من شيء يجهله التاريخ , فكل شيء واضح بين وضوح الشمس في وسط النهار .
لاريب انه لا يوجد في الانبياء والرسل والمصلحين من يعرف الناس حياتة واحواله باكثر تفصيلا واشمل بيانا
من سيره محمد صلى الله عليه وسلم واحواله . ولقد بين القاضي (( ريورند باسورث سمث )) ( عظو كليه التثليث في اكسفورد ) بعض جوانب الحقيقه , في محاضره له عن (( محمد والمحمديه )) عام 1874 في الجمعيه الملكيه البريطانيه قال فيها : (( كل مايقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته , ومما يؤسف له ان هذا يصح اطلاقه على الديانات الثلاث * وعلى اصحابها الذين نعدهم تاريخيين لاننا لانعلم لهم وصفا احسن من هذا الوصف , فاننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوه الاولين . فالذي نعلمه من شئون زرد شت وكونفوشيوس اقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط . والذي نعلمه عن موسى , وبوذا اقل مما نعلمهه عن امبرس ambras وقيصر . ولا نعلم من سيره عيسى الا شذرات تتناول شعبا قليله من شعب حياته المتنوعه والكثيره . ومن ذا الذي يستطيع ان يكشف لنا عن الستار عن شؤون ثلاثين عاما هي تمهيد واستعداد لثلاثه اعوام التي علم بها من حياته , وما الذي نعلمه عن ام المسيح وعن حياته في بيته , وعيشته العائليه , وما الذي نعلمه عن اصحابه الاولين , وحوارييه , وكيف كان يعاملهم , وكيف تدرجت رسالته الروحيه في الظهور , وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته , وكم وكم من اسئله تجيش في نفوسنا ولن يستطيع احد ان يجيب عليها الى يوم القيامه ؟!
اما الاسلام فامره واضح كله , ليس فيه سر مكتوم عن احد , ولا غمه ينبهم امرها على التاريخ . ففي ايدي الناس تاريخه الصحيح , وهم يعلمون من امر محمد صلى الله عليه وسلم كالذي يعلمونه من امر لوثر وملتن . وانك لاتجد فيما كتبه عنه المؤرخون الاولون اساطير ولا اوهاما ولا مستحيلات واذا عرض لك طرف من ذلك امكنك تمييزه عن الحقائق التاريخيه الراهنه , فليس لاحد هنا ان يخدع نفسه او يخدع غيره , والامر كله واضح وضوح النهار , وكانه الشمس رأد الضحى يتبين تحت اشعه نورها كل شيء )) (65) ويضيف ((باسورث سميث )) قائلا: (( ترى الشمس هاهنا بيضاء تنير اشعتها كل شىء وتصل الى كل شيء . لاشك ان في الوجود شخصيات لانعلم عنها شيئا , ولانتبين حقيقتها ابدا , او تبقى منها امور مجهوله . بيد ان التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من نشاته الى شبابه , وعلاقته بالناس , وروابطه , وعاداته , ونعلم اول تفكيره , وتطوره وارتقاءه التدريجي ثم نزول الوحي العظيم عليه نوبه بعد نوبه , ونعلم تاريخه الداخلي بعد ظهور دعوته واعلان رسالته وان عندنا كتابه ( القران ) لامثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا وفي عدم التزام الترتيب في معانيه , وانه لم يستطع احد ان يشك في قيامه على اساس الصدق شكا يعتد به , فهو عندنا ممثل لروح عصره ومراه لبيئته , فهو لذلك بريء من كل تصنع او تكلف )) (66)
ان اعظم الناس واجلهم اذا انقلب الى بيته كان فيه رجلا من الرجال وواحد كاحاد الناس , ولقد صدق ( فولتير) في قوله المشهور : (( ان الرجل لايكون عظيما في داخل بيته , ولا بطلا في اسرته )) وهو يريد بهذا ان عظمه المرء لايعترف بها من هو اقرب الناس اليه , لاطلاعه على دخيلته ومعرفته بسجاياه , ولكن هذا الحكم وان كان صحيحا فانه يشذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم . يقول (( باسورث سمث)) ان ماقيل عن العظماء في مباذلهم لايصح – على الاقل – في محمد رسول الاسلام , ويستشهد بقول كبن : (( لم يمتحن رسول من الرسل اصحابه كما امتحن محمد اصحابه , انه قبل ان يتقدم الى الناس جميعا , تقدم الى الذين عرفوه انسانا المعرفه الكامله فطلب من زوجته وغلامه واخيه واقرب اصدقائه اليه واحب خلانه ان يؤمنوا به نبيا مرسلا . فكل منهم صدق دعواه وامن بنبوته وان حليله المرء اكثر الناس علما بباطن امره ودخيله نفسه والصقهم به , فلا يوجد من هو اعرف منها بهفواته ونقائصه , اليس ان اول من امن بمحمد رسول الله زوجته الكريمه التي عاشرته خمسه عشر عاما , واطلعت على دخائله في جميع اموره واحاطت به علما ومعرفه , فلمى ادعى النبوه كانت اول من صدق في نبوته (67) ويقول جيبن : (( لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الاولين من بدايه امره كما نجح محمد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادىء ذي بدء – بصفته رسولا يوحى اليه – على الذين عرفوا ضعفه البشري وعرفوه اكثر مما يعرفه غيرهم , فعرض رسالته على زوجته وعبده العنيد وابن عمه وصديقه القديم الذي لم يتحول عنه , ولم يخذله و هؤلاء هم الذين سبقوا الناس الى الايمان بنبوته . ان نصيب الانبياء انقلب في حق محمد وتغير عما كان عليه فيمن مظى من الرسل , فلم يكن محمد غير محبوب الا من الذين لم يعرفوه ( 68)
وقد اعترف الدكتور ((ليتز)) بصحه رساله نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قائلا : (( اني لاجرؤ بكل ادب ان اقول : ان الله الذي هو مصدر ينابيع الخير والبركات كلها , لو كان يوحي الى عباده فدين محمد هو دين الوحي , ولو كانت ايات الايثار , والامانه , والاعتقاد الراسخ القوي ,ووسائل التمييز بين الخير والشر , ودفع الباطل هي الشاهد على الالهام , فرساله محمد هي هذا الالهام )) . (69)
ومااصدق ماقاله البروفيسور باسورث سميث :
(( عندما القي نظره على اجماليه استعرض فيها صفاته وبطولاته ماكان منها في بدء نبوته , وماحدث منها فيما بعد , وعندما ارى اصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياه , وكم من البطولات المعجزه احدثوا – اجده اقدس الناس , والاعلاهم مرتبه , حتى ان الانسانيه لم تعرف له مثيلا )) (70)
(( لقد ادعى محمد لنفسه في اخر حياته نفس ماادعاه في بدايه رسالته . واني لاجدني مدفوعا الى الاعتقاد بان كلا من الفلسفه العليا و المسيحيه الصادقه سوف تضطران , يوما ما , الى التسليم بانه كان نبيا ... نبيا صادقا من عند الله )) (71)
د. عادل مرعي الراوي
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ظهر الاسلام في فتره تاريخيه وصلت فيها البشريه الى درجه عاليه من الرقي والتقدم لم تبلغها في ايه مرحله من مراحلها السابقه , صاحبها حركه حضاريه وتجاريه نشطه وواسعه جاءت على اعقاب تشكيل الامبراطوريه العالميه التي ضمت العديد من البلدان والاقوام , تلك الامبراطوريات والامم التي وان كانت قد امتلكت بعض الخصائص الايجابيه في نظمها وقوانينها , الا انها في ذات الوقت امتلكت كل الجوانب السيئه . فلم يكن هنالك عدل على الارض , وكانت العبوديه منتشره , والظلم ضارب بجذوره في كل مكان , والشرك يعم زوايا الارض كلها , وقد عبر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن حال العالم انذاك في حديث له قال فيه : (( ان الله نظر الى اهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من اهل الكتاب )) ( 49) ان تلك البقايا من دون ريب كانوا اولئك النصارى الذين ظلو على التوحيد الذي جاء به عيسى ابن مريم عليه السلام واحتفظوا بامانه الوحي طوال تلك القرون الطويله رغم الضروف القاسيه والصعاب التي عانى منها اولئك الموحدون , وذلك لكي يكونوا حجه الله على عباده في الارض الذين انحرفوا عن جوهر الدين الذي جاء به المسيح . وخلاصه القول فانه البشريه كانت بحاجه الى رساله عالميه شامله لاتخص شعب واحد من الشعوب ولا امه واحده بعينها , بل للناس كافه , لافرق بين عربي واعجمي ولا بين ابيض واسود , رساله تقر التوحيد , وترفع الظلم , وتزيل التناحر الذي ساد بقاع الارض , وتحرر الانسان من اخيه الانسان وتنظم مختلف مجالات الحياة الاجتماعيه والاقتصاديه والعلاقات بين الامم , وقوانين الحرب والسلام . وتمهد لتطور حضاري عالمي لاحق وفق نظم ومعايير اخلاقيه توازن بين ماهو مادي وما هو روحي بحيث تصبح الحظاره في مسيرتها الصاعده مصدرا لسعاده الانسان لا وبالا عليه .
واذا نظرنا الى جغرافيه العالم لوجدنا ان شبه الجزيره العربيه هي انسب ارض للرساله العالميه . فهي تقع بين اسيا وافريقيا واقرب ماتكون الى اوربا مما يساعد على انتشار الدين الجديد . وكانت تحيط ببلاد العرب انذاك امبراطوريتين عظيمتين هما الامبراطوريه البيزنطيه والامبراطوريه الفارسيه , الا انهما اخذتا تعانيان من الوهن والانحلال . وكان الترف ونمو الحضاره المختل قد افسد عليها عاداتها وخصالها . اما الامه العربيه فقد كانت بمناى عن تلك الاثار السيئه المنتشره في الامم الاخرى (( المتمدنه )) في القرن السادس الميلادي , وكان فيها من الصفات الانسانيه جميع ما يمكن ان يكون في امه من الامم لم تصدمها المدنيه بعواصفها . وكان العرب شجعانا , قائمين بالعهود , محبين للحريه , وكانوا مستعدين دائما للموت في سبيل اعراضهم وحريتهم , لذا لم يكونوا خاضعين لحكم اجنبي . ومامن شك فانه كانت لدى العرب الكثير من الجوانب السلبيه وخاصه عباده الاوثان والشرك بالله . وكانت القبائل العربيه متناحره فيما بينها في حروب طاحنه, ولم يكن هنالك اعتبار للنفس البشريه . وكان القتل والسلب مسأله اعتياديه لدى اولئك البدو الذين لايعرفون الضوابط والحدود . وكانت الحريه قد بلغت بهم حدا جعلهم لا يتقيدون بقاعده ولا بقانون , ولا الخضوع لاي حاكم مهما كان . ولكنهم رغم ذلك كانوا مؤهلين بشجاعتهم لان يقوموا باكبر الادوار التاريخيه اذا ماعني بهم وباصلاحهم رجل عبقري . فلمثل هذا الرجل كانت تحتاج اليه الرساله العالميه , وكان ذلك الرجل المختار محمد صلى الله عليه وسلم . لقد استطاع هذا الرجل الامي من خلال تعاليم ومبادىء الاسلام توحيد القبائل العربيه المتناحره , والتي لم يستطع احد ان يوحدها طوال التاريخ , واخراجها من الهمجيه ليجعل منها امه عظيمه ذات حضاره راقيه . وبعد ان كان العرب امه من اضعف الامم تحولوا بفضل الاسلام الى امه قهرت الامبراطوريات التي كانت سائده انذاك , واخذوا يعلمون الامم الشرف والمدنيه , ونشروا تعاليم الاسلام بسرعه مذهله في اصقاع الارض المختلفه .
لقد احدث هذا الرجل ثوره في العالم وغير مجرى التاريخ البشري كله بفضل التعاليم والمبادىء التي اعلنها على الناس , فمن اين له هذه الامكانيات وهذا العلم ؟ فتراه قائدا محكنا وقاضيا ماهرا , ومقننا عظيما يدعو الى التمدن , وسياسيا ذو باع طويل . ورغم اشغاله كلها تراه يعبد ربه اناء الليل واطراف النهار , ويهتم بشؤون بيته ويخدم الفقراء واليتامى . وفي قمه مجده وانتصاراته ظل يعيش في بيته المتواضع مثلما يعيش فقراء المسلمين , ينام على الحصير ويبات الليل طاويا , لم تغره السلطه ولا الجاه ولا المال الوفير , ولم يغتر ولم يعلن نفسه فوق البشر بل ظل انسانا متواضعا لايحب الاطراء ولا المديح , مؤكدا في ذات الوقت ان كل مالديه من مواهب عظيمه ليست من عنده بل من عند الله رب العالمين .
حتى اخر حياته لم يغير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من طبيعه حياته , وفي الوقت الذي دانت له الجزيره العربيه كلها بقي في حياته ومعيشته رجلا عاديا زاهدا في الدنيا ومغرياتها حتى لحق بالرفيق الاعلى . وقد روى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه دخل حجره النبي صلى الله عليه وسلم (( فاذا هو مظطجع على رمال حصير , بينه وبينه فراش , قد اثر بجنبه , متكئا على وساده حشوها ليف , قلت يارسول الله ادع الله فليوسع على امتك , فان فارس و الروم قد وسع عليهم , وهم لايعبدون الله . فقال : اوفي هذا انت ياابن الخطاب ؟ اولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياه الدنيا , وفي روايه , اما ترضى عن ان تكون لهم الدنيا , ولنا الاخره )) . (50)
كما ورد عن عائشه رضي الله عنها انه (( كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاث اهله في شهرين وما توقد في ابيات الرسول صلى الله عليه وسلم نار , فسالها عروه بن الزبير , فما كانت معيشتكم ياخاله ؟ قالت الاسودان : التمر والماء . وقالت : وكان لنا جيران من الانصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها , جزاهم الله خيرا . (51) وفي حديث اخر : انها ذكرت (( ان ال محمد لم يشبعوا ثلاثه ايام من طعام بر , حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم )) . (52)
وبعد الا يخجل اؤلئك اليهود والنصارى الذين يزعمون ان محمد كان نبيا كاذبا وانه استمد تعاليمه من اليهوديه والمسيحيه وهو الذي عرضت عليه مغريات الدنيا فرفضها مصرا على تاديه رساله ربه .
عندما اعلن محمد صلى الله عليه وسلم رسالته لم يكن صدقه موضع شك لدى اهل مكه , ذلك لانهم كانوا على معرفه تامه بحياته الكامله , ولذلك لم يرميه احد بتهمه الكذب او الاحتيال , بل ذهبوا يدعون انه فقد صوابه , او انه شاعر او ساحر , او ان الجن استولت عليه , وما الى ذلك من الدعاوى التي تحفل بذكرها الكتب التاريخيه . الا ان هذه الكتب لم تشر الى ايه محاوله جرؤ صاحبها على النيل من صدقه وامانته , لا بل انه كان يسمى بالصادق الامين عندهم , ويسجل التاريخ انه ليس بمكه احد عنده شىء يخشى عليه الا وضعه عنده , لما يعلم من صدقه وامانته .
وهذا النضر ابن الحارث وقد كان من اكبر المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم , وكان من كبار زعماء مكه , وقف يوما يخاطب جمعا من قريش , وقال لهم :
(( يامعشر قريش , انه , والله قد نزل بكم امر مااتيتم له بحيله بعد , ولقد كان فيكم محمدا غلاما حدثا , ارضاكم فيكم واصدقكم حديثا , واعظمكم امانه , حتى اذا رايتم في صدغيه الشيب , وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر , لا والله , ما هو بساحر , لقد راينا السحره ونفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن , لا والله , ماهو بكاهن , قد راينا الكهنه وتخالجهم , وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر , لا والله , ماهو بشاعر ,قد راينا الشعر , وسمعنا اصنافه كلها , هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون , لا والله , ما هو بمجنون , لقد راينا الجنون , فما هو بخنقه , ولا وسوسته , ولا تخليطه . يامعشر قريش , فانظروا في شانكم , فانه والله لقد نزل بكم امر عظيم )) .
(( وقد كان هذا النظر من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينصب له العداوه )) (53)
ان القران الكريم يشير في ايات عديده من ان القران ليس من عمل محمد وانما موحى اليه , وانه قول رسول كريم , ذي قوه عند ذي العرش مكين , مطاع ثم امين , ذلكم هو جبريل عليه السلام , تلقاه من لندن حكيم عليم , ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم . وانه ما هو الا وحي يوحى ,: (( قل انما اتبع مايوحى الي من ربي . )) (54) وقوله تعالى : (( قل مايكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي , ان اتبع الا مايوحى الي )) (55) وقوله تعالى: (( سنقرئك فلا تنسى )) وغير ذلك من الايات العديده في القران الكريم التي تبين بشكل صريح في انه لا صنعه فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم , ولا لاحد من الخلق , وانما هو منزل من عند الله بلفضهه ومعناه .
وهنا يثور سؤال منطقي وهو اى مصلحه لمحمد صلى الله عليه وسلم في ان ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا ؟ فمن المعروف ان الكثير من الادباء يسطون على نتاجات غيرهم فيسرقونها او يسرقون بعظها فينسبونها لانفسهم . اما ان احدا ينسب لغيرهه انفس اثار عمله واغلى ماتجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد . لو كان محمد صلى الله عليه وسلم مجرد رجل اصلاحي يريد ان يخرج المجتمع الانساني من هوه الرذيه والضلال فان مثل هذا الاصلاح لا يمكن ان يتم على قاعده من الكذب والتمويه , وهذا امر ياباه علينا الواقع التاريخي كل الاباء . ان من تتبع سيرته الشريفه قبل النبوه وبعدها يعرف مدى صدقه وامانته وحسن اخلاقه وحلو شمائله وطيب سجاياه , وهذا ماشهد ويشهد به اصدقاؤه واعداؤه الى يومنا هذا (56) (( قل لو شاء الله ماتلوته عليكم ولا ادراكم به, فقد لبثت فيكم عمرا من قبله, افلا تعقلون)) (57)
لقد دافع الكاتب الغربي (ا. ج ليونارد ) عن صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في كتابه (( القيمه الاخلاقيه والروحيه للأسلام )) , قائلا : (( من البدايه يجب الاعتراف بان محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مشعوذا ولا دجالا متشردا وانما كان واحدا من اخلص بني البشر واصدقهم واسماهم نفسا على مر الزمان . انه ليس عظيما فحسب , لكنه من اعظم الرجال الذين انجبتهم الانسانيه في كل عصورها . تجلت عظمته كنبي بنفس عظمته كمواطن من بني قومه, وكذلك كرجل دوله مسؤول فهو المؤسس المادي والروحي الذي بنى دوله عظمى وامبراطوريه متراميه الاطراف , واكثر من ذلك , بنى دينا عظيما لا يزال . وهو الصادق , لانه صادق مع نفسه ومع امته وفوق كل ذلك مع ربه . فاذا اعترفنا بذلك , فاننا سندرك ان الاسلام دين الحقيقه والصدق العميق الذي يهدي من اختاروه الى صراط مستقيم ويخرجهم من ظلمات الجهاله الانسانيه الى عوالم النور والحقيقة)) . (58)
لقد اخبر الانبياء السابقون ان المتنبىء الكذاب لايؤيد ولايتم امره بل مصيره الموت , كما جاء في سفر الثنية (( ...واما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاما لم اوصه ان يتكلم به او الذي يتكلم باسم الهه اخرى فيموت ذلك النبي . واذا قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي يتكلم به الرب. فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصرفهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه )) (59)
كما جاء في الانجيل ان المسيح عليه السلام قال لحوارييه : (( احترزوا من الانبياء الكذبه الذين ياتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفه . من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا او من الحسك تينا . هكذا كل شجره جيده تصنع اثمارا جيده . واما الشجره الرديئه فتصنع اثمارا رديه . لاتقدر شجره جيده ان تصنع اثمارا رديه ولا شجره رديه ان تضع اثمارا جيده . كل شجره لاتصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار . فاذا من ثمارهم تعرفونهم )) . (60)
فتامل ايها القارىء هذه العلامه البينه التي يؤديها القران الكريم , في قوله تعالى : (( الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمه طيبه كشجره طيبه , اصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي اكلها كل حين )) . الى قوله عز وجل : (( ومثل كلمه خبيثه كشجره خبيثه , اجتثت من فوق الارض مالها من قرار )) . (61) وانظر بعين الاعتبار الانصاف ايها الكتابي في ثمار الشجره المحمدية, هل هي جيده ام رديئه ؟ فان كابرت قلت رديئه افختمك بقول المسيح : (( كل شجره رديئه تقطع وتلقى في النار )) . وشجره الاسلام ماقطعت بل نمت وبوركت وعلت الى ان وصلت الدرجه الدرجه القصوى , وعم ندائها الشرق والغرب , وانتشرت دعوتها في اقطار الارض جميعا . ( 62) بينما قطعت اشجار خبيثه كثيره قبل انبعاث الاسلام منها شجرتي . مونتا نوس montanus(في نهايه القرن الثاني ) (( وماني)) manes ( 216-276م ) اللذين ادعيا النبوه , وادعى كل منهما انه هو ( البرقليطس) الذي بشر به المسيح عليه السلام في انجيل يوحنا , فهلك الاول وقتل الثاني شر قتله وطوى الزمان اثارهم ولم تبق لهما بقيه .
وقد ادعى النبوه في جزيره العرب اناس كان مصيرهم القتل والزوال من دون ان يتركوا من خلفهم اثرا , منهم مسيلمه الكذاب , وطليحه الاسدي , وسجاح, والاسود العنسي, ذلك لان الله لايرضى ان يتكلم احد باسمه زورا وبهتانا . ويتضح ذلك في قوله تعالى : (( لو تقول علينا بعض الاقاويل . لاخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من احد عنه حاجزين )) . (63) وان من دلائل الرساله ان يعصم الله ورسوله ويحفظه من الناس حتى يبلغ ماكلف به . قال الله تعالى مخاطبا رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (( ياايها الرسول بلغ ماانزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )) . (64) وقد ايد الله محمدا ونصره نصرا عزيزا على المشركين والكفره , ثم اظهر من بعده امته على سائر الناس.
ان حياه محمد صلى الله عليه وسلم معلومه منذ ميلاده الى ساعه وفاته للذين عاصروه وشهدوا عهده , وقد حفظها التاريخ منهم لمن بعدهم . ان جميع شؤونه واطوار حياته , من ولادته ورضاعته وطفولته الى ان صار يافعا كل ذلك ظاهر امره معلومه تفاصيله . ولقد اخبرنا التاريخ عن اشتغاله بالتجاره وعن كيفيه زواجه , وعلم الناس سجاياه وحسن خلقه ووفائه للناس قبل النبوه , وكيف ان قريش عرفت امانته لذلك حكموه فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الاسود في موضعه من الكعبه . ثم وقفوا على امره حين حبب الله اليه الخلوه فاعتزلهم في غار حراء , ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين , وحين بدا امر الاسلام يظهر للوجود اخذ يدعو الناس اليه ويبلغ ماانزل عليه وقد بين التاريخ كيف انهم كذبوه وحاربوه وبين مالقي صلى الله علي وسلم في نشر الاسلام من جهد وعناء , وما قابله به اهل الطائف حين دعاهم الى عباده الله وترك الاوثان , وكيف اخبر اهل مكه خبر اسراءه وعروجه الى السماء . ولم يخف عن التاريخ خبر هجرته من مكه الى المدينه , ولا الغزوات التي غزاها , والاسباب الباعثه عليها والعهود التي اقامها مع القبائل ومع اهل الكتاب من يهود ونصارى . كما حفظ لنا التاريخ مراسلته الى الملوك والامراء والحكام يدعوهم فيها الى دين الله , كما حفظ لنا جهاده في سبيل الحق ومابذله في تبليغ دعوه الاسلام الى الناس الى ان اكمل الله للا نسانيه دينها , وحج الرسول صلى الله عليه وسلم حجه الوداع وتوفاه الله اليه . وهكذا مامن شيىء في سيره الرسول ورسالته مااسدل الستار عليه او خفي عن الناس , وما من شيء يجهله التاريخ , فكل شيء واضح بين وضوح الشمس في وسط النهار .
لاريب انه لا يوجد في الانبياء والرسل والمصلحين من يعرف الناس حياتة واحواله باكثر تفصيلا واشمل بيانا
من سيره محمد صلى الله عليه وسلم واحواله . ولقد بين القاضي (( ريورند باسورث سمث )) ( عظو كليه التثليث في اكسفورد ) بعض جوانب الحقيقه , في محاضره له عن (( محمد والمحمديه )) عام 1874 في الجمعيه الملكيه البريطانيه قال فيها : (( كل مايقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته , ومما يؤسف له ان هذا يصح اطلاقه على الديانات الثلاث * وعلى اصحابها الذين نعدهم تاريخيين لاننا لانعلم لهم وصفا احسن من هذا الوصف , فاننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوه الاولين . فالذي نعلمه من شئون زرد شت وكونفوشيوس اقل من الذي نعلمه عن سولون وسقراط . والذي نعلمه عن موسى , وبوذا اقل مما نعلمهه عن امبرس ambras وقيصر . ولا نعلم من سيره عيسى الا شذرات تتناول شعبا قليله من شعب حياته المتنوعه والكثيره . ومن ذا الذي يستطيع ان يكشف لنا عن الستار عن شؤون ثلاثين عاما هي تمهيد واستعداد لثلاثه اعوام التي علم بها من حياته , وما الذي نعلمه عن ام المسيح وعن حياته في بيته , وعيشته العائليه , وما الذي نعلمه عن اصحابه الاولين , وحوارييه , وكيف كان يعاملهم , وكيف تدرجت رسالته الروحيه في الظهور , وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته , وكم وكم من اسئله تجيش في نفوسنا ولن يستطيع احد ان يجيب عليها الى يوم القيامه ؟!
اما الاسلام فامره واضح كله , ليس فيه سر مكتوم عن احد , ولا غمه ينبهم امرها على التاريخ . ففي ايدي الناس تاريخه الصحيح , وهم يعلمون من امر محمد صلى الله عليه وسلم كالذي يعلمونه من امر لوثر وملتن . وانك لاتجد فيما كتبه عنه المؤرخون الاولون اساطير ولا اوهاما ولا مستحيلات واذا عرض لك طرف من ذلك امكنك تمييزه عن الحقائق التاريخيه الراهنه , فليس لاحد هنا ان يخدع نفسه او يخدع غيره , والامر كله واضح وضوح النهار , وكانه الشمس رأد الضحى يتبين تحت اشعه نورها كل شيء )) (65) ويضيف ((باسورث سميث )) قائلا: (( ترى الشمس هاهنا بيضاء تنير اشعتها كل شىء وتصل الى كل شيء . لاشك ان في الوجود شخصيات لانعلم عنها شيئا , ولانتبين حقيقتها ابدا , او تبقى منها امور مجهوله . بيد ان التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من نشاته الى شبابه , وعلاقته بالناس , وروابطه , وعاداته , ونعلم اول تفكيره , وتطوره وارتقاءه التدريجي ثم نزول الوحي العظيم عليه نوبه بعد نوبه , ونعلم تاريخه الداخلي بعد ظهور دعوته واعلان رسالته وان عندنا كتابه ( القران ) لامثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا وفي عدم التزام الترتيب في معانيه , وانه لم يستطع احد ان يشك في قيامه على اساس الصدق شكا يعتد به , فهو عندنا ممثل لروح عصره ومراه لبيئته , فهو لذلك بريء من كل تصنع او تكلف )) (66)
ان اعظم الناس واجلهم اذا انقلب الى بيته كان فيه رجلا من الرجال وواحد كاحاد الناس , ولقد صدق ( فولتير) في قوله المشهور : (( ان الرجل لايكون عظيما في داخل بيته , ولا بطلا في اسرته )) وهو يريد بهذا ان عظمه المرء لايعترف بها من هو اقرب الناس اليه , لاطلاعه على دخيلته ومعرفته بسجاياه , ولكن هذا الحكم وان كان صحيحا فانه يشذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم . يقول (( باسورث سمث)) ان ماقيل عن العظماء في مباذلهم لايصح – على الاقل – في محمد رسول الاسلام , ويستشهد بقول كبن : (( لم يمتحن رسول من الرسل اصحابه كما امتحن محمد اصحابه , انه قبل ان يتقدم الى الناس جميعا , تقدم الى الذين عرفوه انسانا المعرفه الكامله فطلب من زوجته وغلامه واخيه واقرب اصدقائه اليه واحب خلانه ان يؤمنوا به نبيا مرسلا . فكل منهم صدق دعواه وامن بنبوته وان حليله المرء اكثر الناس علما بباطن امره ودخيله نفسه والصقهم به , فلا يوجد من هو اعرف منها بهفواته ونقائصه , اليس ان اول من امن بمحمد رسول الله زوجته الكريمه التي عاشرته خمسه عشر عاما , واطلعت على دخائله في جميع اموره واحاطت به علما ومعرفه , فلمى ادعى النبوه كانت اول من صدق في نبوته (67) ويقول جيبن : (( لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الاولين من بدايه امره كما نجح محمد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادىء ذي بدء – بصفته رسولا يوحى اليه – على الذين عرفوا ضعفه البشري وعرفوه اكثر مما يعرفه غيرهم , فعرض رسالته على زوجته وعبده العنيد وابن عمه وصديقه القديم الذي لم يتحول عنه , ولم يخذله و هؤلاء هم الذين سبقوا الناس الى الايمان بنبوته . ان نصيب الانبياء انقلب في حق محمد وتغير عما كان عليه فيمن مظى من الرسل , فلم يكن محمد غير محبوب الا من الذين لم يعرفوه ( 68)
وقد اعترف الدكتور ((ليتز)) بصحه رساله نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قائلا : (( اني لاجرؤ بكل ادب ان اقول : ان الله الذي هو مصدر ينابيع الخير والبركات كلها , لو كان يوحي الى عباده فدين محمد هو دين الوحي , ولو كانت ايات الايثار , والامانه , والاعتقاد الراسخ القوي ,ووسائل التمييز بين الخير والشر , ودفع الباطل هي الشاهد على الالهام , فرساله محمد هي هذا الالهام )) . (69)
ومااصدق ماقاله البروفيسور باسورث سميث :
(( عندما القي نظره على اجماليه استعرض فيها صفاته وبطولاته ماكان منها في بدء نبوته , وماحدث منها فيما بعد , وعندما ارى اصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياه , وكم من البطولات المعجزه احدثوا – اجده اقدس الناس , والاعلاهم مرتبه , حتى ان الانسانيه لم تعرف له مثيلا )) (70)
(( لقد ادعى محمد لنفسه في اخر حياته نفس ماادعاه في بدايه رسالته . واني لاجدني مدفوعا الى الاعتقاد بان كلا من الفلسفه العليا و المسيحيه الصادقه سوف تضطران , يوما ما , الى التسليم بانه كان نبيا ... نبيا صادقا من عند الله )) (71)
