شرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه ، التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره ، وفي الآخرة عدته وذخره ، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه ، فالقلب هو العالم بالله ، وهو المتقرب إلى الله ، وهو العامل لله ، وهو الساعي إلى الله ، وهو المكاشف بما عند الله ولديه ، وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات ، يستخدمها القلب ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة ، فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله ، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً بغير الله ، وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه ، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه ، وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى ، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره ، وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره ، وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه ، إذ كل إناء ينضح بما فيه ، وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ، ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل ، إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم ، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم ، فإن الله يحول بين المرء وقلبه. وحيلولته بأن بمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين مع أصابع الرحمن ، وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين ، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين. ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه ، فهو ممن قال الله تعالى فيه "نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين.
الأول: القلب :
وهو يطلق لمعنيين:
أحدهما : اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ، إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية.
والمعنى الثاني : هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب. ولها علاقة مع القلب الجسماني ، وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته ، فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات ، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة ، أو تعلق المتمكن بالمكان.
الثاني: الروح :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها ، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به ، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه.
المعنى الثاني: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله " قل الروح من أمر ربي " وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته.
الثالث: النفس :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التوصف ، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان ، فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك "
المعنى الثاني : هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة ، وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها :
1-فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة.
قال الله تعالى في مثلها " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله ، وهي من حزب الشيطان.
2-وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة
لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه.
قال الله تعالى " ولا أقسم بالنفس اللوامة "
3-وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء.
قال الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء "
وقد يجوز أن يقال: المراد بالأمارة بالسوء: هي النفس بالمعنى الأول ، فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم ، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.
الرابع : العقل :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما : أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب.
والثاني : أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة.
ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه ، والعلم صفة حالة فيه ، والصفة غير الموصوف ، والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم ، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك ، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: " أول ما خلق الله العقل "
فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة: وهي القلب الجسماني ، والروح الجسماني ، والنفس الشهوانية ، والعلوم. فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ، ومعنى خامس: وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان. والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها ، فالمعاني خمسة ، والألفاظ أربعة ، وكل لفظ أطلق لمعنيين ، وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها ، فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل ، وهذا خاطر الروح ، وهذا خاطر القلب ، وهذا خاطر النفس ، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ، ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي، وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة ، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب ، فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها .
( اقتباس مع تصرف )
الأول: القلب :
وهو يطلق لمعنيين:
أحدهما : اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ، إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية.
والمعنى الثاني : هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب. ولها علاقة مع القلب الجسماني ، وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته ، فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات ، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة ، أو تعلق المتمكن بالمكان.
الثاني: الروح :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها ، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به ، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه.
المعنى الثاني: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله " قل الروح من أمر ربي " وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته.
الثالث: النفس :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التوصف ، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان ، فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك "
المعنى الثاني : هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة ، وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها :
1-فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة.
قال الله تعالى في مثلها " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله ، وهي من حزب الشيطان.
2-وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة
لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه.
قال الله تعالى " ولا أقسم بالنفس اللوامة "
3-وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء.
قال الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء "
وقد يجوز أن يقال: المراد بالأمارة بالسوء: هي النفس بالمعنى الأول ، فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم ، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.
الرابع : العقل :
وهو أيضاً يطلق لمعنيين:
أحدهما : أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب.
والثاني : أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة.
ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه ، والعلم صفة حالة فيه ، والصفة غير الموصوف ، والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم ، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك ، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: " أول ما خلق الله العقل "
فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة: وهي القلب الجسماني ، والروح الجسماني ، والنفس الشهوانية ، والعلوم. فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ، ومعنى خامس: وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان. والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها ، فالمعاني خمسة ، والألفاظ أربعة ، وكل لفظ أطلق لمعنيين ، وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها ، فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل ، وهذا خاطر الروح ، وهذا خاطر القلب ، وهذا خاطر النفس ، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ، ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي، وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب ، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة ، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب ، فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها .
( اقتباس مع تصرف )
