إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

علامات على الطريق .. (بكتول) وترجمة معانى القرآن الكريم

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • علامات على الطريق .. (بكتول) وترجمة معانى القرآن الكريم

    هذا الموضوع وجدت أهميته ليعلم الجميع مدى الصعوبات التى لاقاها بكثول فى نشر ترجمته لمعانى القرآن الكريم ، فقمت بترجمته لكم ... لأنها تعطى صورة واضحة عن إصرار هذا المسلم على نشر عمله خدمة لغير الناطقين بالضاد ، وكان رأيه صائبا ، فقد كانت هذه الخطوة علامة على طريق الدعوة للإسلام ... كما يعطى فكرة عن تزمت البعض وتحجر الفكر ، واستنارة آخرين هم المصابيح المضيئة التى تنير الطريق المظلم .

    كتب بكثول عن المعاناة التى لقيها مع الأزهر فى مصر فى سبيل نشر ترجمته لمعانى القرآن الكريم ، فقال :::

    الحلقة (1)


    حطت بى الطائرة فى العاشر من نوفمبر 1929 فى مصر ، حاملا معى المسودة كاملة لترجمة معانى القرآن الكريم ، والتى أخذت منى سنوات فى إعدادها على فترات ، وقد زودنى صاحب السمو "نظام" الراحة الكافية والكرم ، اللذان ساعدانى على إتمام المهمة . كان هدفى الأساسى من هذه الزيارة لمصر ، أن أطلع العلماء عليها وأراجعها تفصيلا معهم وتحت إشرافهم ، حتى لا تحتوى على أخطاء لتجنبها ، أو تنافى تعاليم الإسلام . وكان معى خطاب توصية للشيخ "مصطفى المراغى" ، الذى كان فى هذا الوقت شيخا للأزهر ، ولكنه كان قد استقال من هذا المنصب مضحيا بالمرتب المرتفع الذى كان يتقاضاه . وقد كنت قد راسلت قبل شهور صديق لى تعرفت عليه فى مصر وكان رئيسا للوزراء ، طالبا منه المساعدة فى هذا الأمر ، ولكنى لم أتلق الرد على رسالتى ، وبذلك كان إعتمادى الكلى على خطاب التقديم للشيخ المراغى ، وتأكيدات صديقى "فؤاد بك الحجازى" والذى كان بالإسكندرية ووعوده لى حينما تلاقينا فى باريس من قبل بأنه سيساعدنى بكل قوته . وكان قد نما إلى علمى أن نسخة مترجمة للغة الإنجليزية قد أحرقت بصحن المسجد االأزهر ، كان قد ترجمها أحد المسلمين ، ومنع من تداولها بمصر ، ومن المفترض أن يكون السبب بأنها احتوت على البدع . وكان من "فؤاد بك " حينما سمع بوصولنا أن حضر إلينا وحملنا لنقضى أسبوعا فى محطة الرمل بالإسكندرية ، بجوار الحدائق الجميلة المطلة على البحر ، ومنه علمت بأن كل الترجمات حتى لو كانت مخلصة ، فهى مرفوضة من قطاع قوى من العلماء . كما أخبرنى صديقى ، بأنه على كل حال ، فإنه قد سمع أن هناك مجموعة أخرى من العلماء منهم "الشيخ مصطفى المراغى" يعارضونهم الرأى ، وقد فرح بأن كتاب التوصبة موجه إليه من "لورد للويد" .
    تحركنا سويا للقاهرة ، حيث وجد لى فؤاد بك بنسيون قريب من قصر النيل ، وبعد يومين تحركنا فى طريقنا لحلوان عن طريق كورنيش النيل ، لمقابلة الشيخ المراغى . البلدة كانت حديثة ونظيفة وتطل على الصحراء ، وبها فنادق وفيلات . وقد علمت بأن الشيخ المراغى قد تقاعد بعد استقالته ، لأمور تتعلق بضميره ، رغم المرتب المغرى الذى كان يتقاضاه كشيخا للأزهر .
    كان الشيخ رجلا طويلا ، ما زال فى نضرة الحياة ، يلبس لباس علماء الأزهر . ويضع وشاحا حول عنقه ، مرتفع فى ناحية عن الأخرى . وقد علمت سبب هذا ، فقد حكم لأيتام حينما كان قاضيا شرعيا ، بأحقيتهم فى ملكية مؤكدة ، مما لم يعجب الخصوم ، فانتظروه وألقوا عليه حامضا سبب له تشوهات فظيعة فى الرقبة ، ولكن والحمد لله لم يصب الوجه . وكما قال لى فيما بعد فؤاد بك بأنه لم يقبل يد أى عالم من العلماء إلا هذا الشيخ الجليل .
    قابلنا الشيخ مرحبا ، وقدم لنا الشاى فى الفراندة التى تطل على تلال الصحراء . فؤاد بك واسماعيل بك شرين ، مساعد محافظ القاهرة ، والذى جاء معنا ، ناقشا برنامجى الذى جئت من أجله ، مع مضيفنا ، الذى قال أنه حينما كان شيخا للأزهر ، فقد كلمه رئيس الوزراء عن ترجمتى للقرآن الكريم . وأنه كان شغوفا على أن تعقد لجنة من جامعة الأزهر لمراجعة الترجمة ، ولكن الملك منع ذلك ربما لأنه كان يعتبر ترجمة القرآن إلى لغة أخرى عمل غير شرعى . ولهذا كان التوجه للأزهر رسميا لتبنى الموضوع غير مجدى ، لأن المهيمن فى هذه المؤسسة هو الملك . ولذلك أعطى الشيخ اسم ثلاثة علماء أزهريين يعملون فى الجامعة المصرية لفؤاد بك ليتصل بهم ليقوموا بالتنقيح تحت إشرافهم . وأبدى أسفه الشديد بأنه لا يعرف اللغة الإنجليزية ليشارك فى الموضوع . وقال لى ، إذا وجدت أى صعوبة ، فاكتبها لى وأنا أقوم ببحثها والرد عليها . تحركنا راجعين للقاهرة معتقدين أن الأمور قد حلت . ولكن حينما قابلنا هؤلاء الثلاثة الذين رشحهم الشيخ المراغى فى حضور عميد جامعة فؤاد "لطفى السيد" ، توقف كل المشروع . فقد دعى لطفى بك السيد عميد اللغة العربية طه حسين ، الأستاذ الضرير ، فقد أثار أن هؤلاء الثلاثة لو تعاونوا معى سيفصلون لأنهم من الأزهر ، والملك لا يريد ترجمة للقرآن الكريم للغة أخرى .
    وللأسف فقد تابعه الأخرون فى رأيه قائلين بأنه مصيب . شعرت بمرارة وإحباط ، حينما اقترح طه حسين على بأن أقابل الملك شخصيا ربما يغير وجهة نظره تلك !!! فقلت له أنا لم أحضر لمصر للحصول على مقاطعة ملكية جديدة ، فقد حصلت عليها من قبل . وكذلك لم أحضر لاستصدار فتوى من العلماء المصريين ، فقد ناقشنا الموضوع مع علماء الهند ؛ جئت فقط لأجد من يساعنى فى اللغة العربية فى بعض النقاط . وخرجت غاضبا مزمعا ترك مصر إلى دمشق . ولكن فؤاد بك أكد لى بأنه سيجد طريقة لينفذ من هذا الطريق المسدود ؛ وفى الحقيقة فبعد فترة قصيرة قدمنى إلى "الدكتور محمد أحمد الغمراوى" محاضر فى علم الكيمياء بكلية الطب بجامغة مصر ، وخريج جامعة لندن ، وذو صلة وثيقة بالقرآن الكريم ... عملنا سويا لمدة ثلاثة أشهر ، تخللها زيارات متقطعة من فؤاد بك ، واتصالات كتابية مع الشخ المراغى بحلوان .



    يتبع

  • #2
    الحلقة (2)



    استمرت الحياة هادئة جدا لفترة ؛ ومرة فى شهر ديسمبر دعيت للعشاء ؛ وللحظ جلست بجوار أكثر الكتاب المسلمين جرأة . وفى اليوم الثانى ، فى جريدة الأهرام ظهر مقال عن عملى تحت عنوان "ترجمة للقرآن" . بعدها بيومين فى نفس الجريدة وتحت نفس العنوان عمودين من الشجب للترجمة بقلم الشيخ محمد شاكر ، أستاذ متقاعد من علماء الأزهر "وكما علمت" كان من القادة الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بالنسبة لترجمة "محمد على" . معلنا ، أن المترجم وكل من يقرأ ترجمته أو يؤيدها ، أو يظهر موافقة عليها ، مدان وفى الجحيم الأبدى حسب رأيه !!! ... وينصحنى بكل قوة ، أن أترك ما أقوم به كلية وأتفرغ لترجمة (كل البدائل القابلة للتخيل) كتفسير الطبرى !!! علما بأن تفسير الطبرى حاليا من الضخامة بمكان (وقد اختصره تفسير البيضاوى) ، ويحتاج لترجمته حواشى جانبية طويلة ، للمتكلم باللغة الإنجليزية لكى يفهم ما ترجم ، وهو لم يسبق له معرفة شئ عن تفاسير القرآن الكريم .
    فور تلقى هذه الصدمة ، جلست لأدبج باللغة العربية ردا ، وعرضته على أحد أصدقائى المصريين ، الذى عدل فى كلماته ليصبح الخطاب رقيقا ، لا أعرف ما هو الذى عدله . وذهبت به إلى جريدة الأهرام بالنسخة المعدلة . وفى هذا الخطاب ، بعد المجاملات ، وبتواضع سألت :::
    "هل من المشروع لرجل مسلم إنجليزى قرأ تفاسير الرجال الأول ، وله شهرة أنه من أصحاب القلم فى قومه ، أن يحاول شرح القرآن الكريم لهم بلغتهم فى أيامنا هذه ؟؟؟" .
    وبعد فترة ظهر خطابى هذا ، ومعه تعليقات من آخرين ، كلها تقف فى صفى . وكتب أحد علماء الأزهر ، أن ذلك ليس مشروعا فحسب ، بل هو جدير بالتقدير ، وأنه على استعداد لمناظرة الشيخ محمد شاكر فى مناقشة عامة . وكان الشيخ محمد شاكر قد ذكر بأن هناك فتوى فى الموضوع . وقد أنكر المراسلون هذا بالقطع . وكان من الواضح أنه هناك رأيان متضاربان فى الأزهر الشريف . كما سمعت فى مناقشات خاصة ، أن كثيرا من المصريين المسلمين ، متعجبون ... كما أتعجب أنا كذلك ... من الجهل الغريب ممن يدعون أنهم العقول المفكرة ، لوضع العالم الآن - وأن هناك رجال يعتقدون أن العرب ما زالوا هم المسيطرون ، وأنهم هم "محرروا غير العرب" ؛ من هو الذى لا يرى أن الوضع قد انقلب ، وأن المسلمون من غير العرب يتحملون الآن عبء الجهاد لنشر الإسلام ، وأن مشاكل غير العرب ليست شبيهة بمشاكل العرب . وأن ترجمة القرآن الكريم هو لغير العرب ضرورة لهم ، وكما أن هناك بمصر الكثير ممن يفهمون الإسلام ويحرصون عليه ، فهناك أيضا بالهند من المتعلمين والمؤمنين به الكثير .
    وكما ذكرت من قبل ، أن إحدى الترجمات للقرآن أحرقت فى صحن المسجد الأزهر علنا ومنع دخول أية نسخة لمصر ، فقد كنت أسير فى أحد شوارع القاهرة ، فوجدت بواجهة إحدى المكتبات الأوربية ، نسختين مترجمتين للقرآن الكريم ، ترجمها غير مسلمين ، وعلى غلاف أحدهما صورة للنبى محمد ومعها صورة أخرى لجبريل "عليهما السلام" !!! حيث سألت نفسى ، كيف تحرق الترجمات المحترمة ويمنع تداولها ، وتحت الإتفاقات السياسية ، تدخل الترجمات الغير محترمة بمنتهى الحرية ؟؟؟
    تلقيت ردا من الشيخ محمد شاكر على صفحات جريدة الأهرام ، وهذه المرة لم يكن جافيا كمقالته السابقة ، بل كان مرحبا بأن أشرح القرآن الكريم لمواطنى بل ما أفعله جدير بالتقدير . ولكنه كان متحفظا على فقرة جاءت فى كلامى "عن نقل القرآن الكريم بطريقة يفهمهما مواطنى" . ربما ظن أن معنى ذلك هو أن أحور فى الكلام بالطريقة التى تلائم المفاهيم المودرن . كما أنى كنت أفكر أيضا ، فى اقتراحه بترجمة تفسير الطبرى الذى يحتوى على تعبيرات بعيدة كل البعد عن مفاهيم قومى .
    حضر لى فؤاد بك من الإسكندرية ، وقد كان يتابع المساجلات ، وقال لى أنه انزعج أولا من هجوم الشيخ شاكر ، وعندما قرأ ردى عليه اطمأن . وهو سعيد الآن ، لأن هذه فرصة للوصول لحل نهائى ، وإلا لكانت فضيحة كبرى لمصر . وأعطانى نسخة من إحدى الجرائد بها رسم كاريكاتور ينتقد فيه وجهة نظر الشيخ محمد شاكر ، وبذلك علمت أن رأى الجماهير كانت لا تؤيده فضيلته .
    فى هذه الأثناء ، جاء صديقى والآن معاونى ، دكتور غمراوى بدعوة من جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة على حفلة شاى ، ومع الدعوة طلب بأن ألقى خطبة بعد الحفلة . وكان هو نفسه مواظبا على حضور مقر الجمعية يوميا من منزله بهليوبوليس ، بعد عودته من عمله بكلية الطب ، وملحق بالجمعية ملعب للتنس . قال لى بأنه يعقد لقاءات منتظمة مع الشباب من كليته ، ولم تمنعهم دراستهم المدنية من أن يكونوا متدينين ، وبصفته عالم ، فقد كان يتكلم معهم عن الموضوع المثار ، ووصل إلى إقناع الكثير منهم بصحته . كان رجلا فاضلا ، وقد أمدنى بكثير من المساعدة بحيث لم أستطع رفض طلبه للدعوة لحفل الشاى .
    وفى نفس الوقت ، وجدت أن الخطاب المطلوب منى ، سيعكر على الهدوء الذى أتوخاه لعملى الذى أقوم به . ولذلك وافقت بشرط أن يكون خطابى باللغة الإنجليزية ، فإعداد خطاب باللغة العربية سيأخذ الكثير من وقتى الذى أريد أن أوفره للمراجعة . وقد وافق مشكورا على أن يقوم هو بالترجمة الفورية لخطابى ، لمن لا يعرف اللغة الإنجليزية .
    وبناء على ذلك ، طلبنى فى يوم قبل الغروب ، وذهبنا للجمعية حيث وصلنا فى موعد صلاة المغرب . ثم كان لقاء مع الأفاضل الذين كانوا مكلفين بلقائى ، ثم ذهبنا للحفل . وفى هذه الإثناء لاحظت الحضور ، فشعرت أن ما سأقوله لهم لن يكون مريحا .
    فمن منظر العمائم وزى رجال الأزهر ، وجدت عددا كثيرا ، وقد كنت أعتقد أن الحضور سيكونون من طلبة غير أزهريين . وبشئ من الهلع ، شعرت أنه لكى أكون مؤئرا لهم ، لابد أن يتضمن خطابى جزءا باللغة العربية ، كما أنه يجب على تغيير محتوى خطابى باللغة الإنجليزية . ويكون الخطاب باللغة الإنجليزية متأخرا . أما الآن فيجب على تركيز أفكارى على النقاط التى يجب على ذكرها بالعربية ، وأترك الباقى للقدر . فترة تناول الشاى انتهت ، وانتقلنا لقاعة المحاضرات المكتظة . وجلست على المنبر ، حيث كان د. الغمراوى بجوارى وبالقرب من على اليمين الشيخ رشيد رضا ، ومن الذين أعرفهم فى منتصف القاعة محمد على بك كامل وبجواره ابن فؤاد بك يحملقون تجاهى بفزع . هؤلاء فقط هم الذين أعرفهم من الحضور .


    يتبع

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      جزاكم الله خيرا

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        ( 3 )


        قدمنى أحدهم للحضور - أعتقد أنه كان دكتور الغمراوى . ثم جاء دورى فى الكلام . شاعرا بمدى صغرى ، قلت : "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" ، والإستجابة السريعة من الحضور أعطتنى بعض الشجاعة فى قلبى .
        تكلمت لمدة خمس دقائق باللغة العربية ، معتذرا بأنى سأقوم بعد ذلك بالتكلم باللغة الإنجليزية ، شارحا السبب لماذا سأفعل ذلك ، مستشهدا بقصة قصيرة توضح السبب . هذه المقدمة لم تكن بالكثير ، ولكن الغرض منها أن أضم الجزء المعمم من الحضور . ثم بدأت الخطاب باللغة الإنجليزية وكان الدكتور الغمراوى بك يقوم بترجمة الفقرات واحدة تلو الأخرى . كنت أعنى أن أطلع الحضور على النشاطات التى تمت بالهند ، بحيدر آباد ، بخصوص ترجمة القرآن الكريم ، وكيف أن المسلمين الذين لا ينطقون اللغة العربية كانوا فى منتهى السعادة للفكرة ، وذكرت لهم أيضا تأسيس الجامعة العثمانية ، ووصفت لهم صلاة الجمعة بالمسجد الحرام بمكة ، وكيف أن سمو الأمير كان يحضر معنا كل جمعة بالمسجد ، "وبصوت مرتفع علق أحد الحضور قائلا : ياليت كل هذا النشاط حدث بمصر !!!" ... وحينما شعرت أنى قد قلت ما يكفى لبيان الموضوع ، وأنى لم آت من أرض جاهلية ، تكلمت معهم عن مستقبل الإسلام .
        المسلمون فى يأس لأنهم مقهورون !!! هذا أمر طبيعى . ولكن هل هناك أى سبب لليأس ؟؟؟ أليس هناك نشابه بين موقفنا الآن وموقف رسول الله صلى الله عليه فى الحديبية ، حينما سأله المسلمون "أين هو النصر الذى وعدنا به ؟؟؟" ... حتى أن سيدنا عمر بن الخطاب علق على الموقف ، ولو أنه تاب بعد ذلك . وبالرغم من أن صلح الحديبية كان فى صورته مخز للمسلمين ، إلا أنه فى الحقيقة وبعلم الله كان فتحا مبينا أعز المسلمين ... (مداخلة : كان عدد المسلمين فى صلح الحديبية فى العام السادس من الهجرة ، أزيد بقليل من ألف مسلم ، وحين فتح مكة فى العام الثامن زاد عدد المسلمين بمن لحق بهم من القبائل عن اثنتى عشرة مسلم) ... وقد تم بعد ذلك غزو مكة وتحطيم الأصنام .
        لقرون كثيرة ، نتيجة للحروب ، فهناك حاجز كثيف بين العالم الإسلام والعالم النصرانى ، ولقد تحطم هذا الحاجز الآن ، بالرغم من المرارة التى يشعر بها المسلمون . إنهيار هذا الحاجز ، هو نصر عظيم للإسلام ، ولكن هناك شرط ... وهو شرط قاسى ... وهو أن يظهر المسلمون جميعا قيم الإسلام فيهم ليكونوا قدوة لغيرهم . "أو هل تظنون" .. سألتهم !!! "أن الإسلام انتشر بالسيف ؟؟؟" ... حينما ترجم هذه الفقرة الدكتور الغمراوى ، ارتفعت الأصوات "لا لا لا ... الله لا يرضى بذلك" ... سألتهم "كيف لغير العرب من المسلمين أن يحترموا المسلمين العرب ، خصوصا مسلمى الهند ، كيف ننظر إليهم ... فكروا جيدا فى هذا السؤال !!!" ... وبذلك انتهت كلمتى ليعقب عليه الشيخ "رشيد رضا" ، وقد وافقنى فى كل ما قلته .
        وحينما حضر "الشيخ رشيد رضا" فى زيارة للهند ، تزاحم الناس عليه يستقبلوا ذلم العربى القادم من بلاد النبى "يوسف عليه السلام" . وقد ردد كلمات الشيخ محمد عبده " بسلوكنا نحن المسلمين ، فنحن عقبة فى انتشار الإسلام فى الغرب . فهم يرون ديننا من خلال تصرفاتنا البائسة ، ويقيسون الإسلام عليها بالتالى " .
        وقف بعد ذلك أحد رجال الأزهر ، وبعاطفة فياضة شكرنى باسم الأزهر الشريف على كل ماقلته . بعد هذا اللقاء ، لم يحدث أى اعتراض جماهيرى لترجمة القرآن الكريم .
        انتقلت لهوليوبليس فى شهر رمضان لأكون قريبا حيث يقطن الدكتور الغمراو ، لنكمل المراجعة ، والحمد لله انتهت المراجعة فى هذا الشهر الفضيل .
        حضر فؤاد بك للقاهرة من الإسكندرية ، فى أجازة العيد . وتحركنا نحن الثلاثة لحلوان لرؤية الشيخ مصطفى المراغى ، حيث لخص الدكتور الغمراوى لفضيلته ما أنجزناه من عمل . وكتب لى الشيخ المراغى ، كلمات معضدة ودافئة ، أعتز بها أيما أعتزاز ، فقد جاءت من رجل فاضل ، لا يكتب شيئا لا يؤمن به .
        وفى لقاء سابق ، قرأ لى الشيخ المراغى ، ما يقول به بعض تلاميذ أبو حنيفة القريبين منه والذين يعتبرونه أستاذا لهم ، بأن ترجمة القرآن الكريم جائزة . وكان فضيلته حريصا على أن يبين لى موقعه العلمى ، وأنه ليس مجرد خصم للرأى الآخر دون تفكير . وفى هذه الزيارة الأخير ، شعرت أنه من واجبى أن أشرح له بأن ترجمتى للكتاب تنقصها شروط مما قال به الأحناف فى موضوع واحد : بأنى لن أظهر النص العربى بجوار الترجمة للغة الإنجليزية . سألنى لما لا ؟؟؟ شرحت له لم لا ، كرجل يعيش فى الغرب ، وأن ذلك لعدة أسباب ... أولا : هذا سيرفع من ثمن النسخة وربما أحجم البعض عن شرائها .. ثانيا : حينما يتصفح المشترى للترجمة الكتاب ويجد به نصا باللغة العربية سيحجم أيضا عن شرائه ، معتبرا أن الموضوع خارج إهتماماته ، خصوصا أن الإسلام فى العهود السابقة قد هوجم بعنف وشوهت معالمه ، خصوصا من أولئكم الذين ترجموا القرآن الكريم ونشروه بين غير المسلمين . حتى لو كانت ترجمة القرآن الكريم غير مشروعة ، ففى ظروفنا هذه يمكن إقرارها حسب نص الآية التالية :::
        الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ
        الْمُتَّقِينَ {194}
        بمعنى ، أن بعض المحرمات ، كالقتال فى الشهر الحرام ، يباح لظروف ، وهذه الظروف يقدرها العلماء الذين يمكنهم الإستنباط . ويظهر أنى كنت أتكلم بحرارة ، فقد توقفت قليلا لألتقط أنفاسى ، فقال لى فضيلة الشيخ المراغى : "إذاكنت مقتنعا بقوة بما تعمل فسر على بركة الله فى الطريق الواضح أمامك ، ولا تلفت لأى قول يصدر من أحدنا" . وبينما يردد كلماته نظر إلى مبتسما ، وكأن كلانا قد خرج من بوتقة واحدة ، من مدرسة رجال الإسلام فى العصور الماضية .

        يتبع


        ( 4 )
        وقبل يوم من رحيلى وزوجتى تاركين القاهرة ، أحد زعماء البدو ، وهو عضو بالبرلمان ، دعانا عن طريق فؤاد بك لمأدبة غداء ؛ وفى هذه المأدبة حضر شيخ الأزهر الحالى ، ويعتبر كبير العلماء بالأزهر ، وهو من المعارضين لترجمة القرآن الكريم - رجل مسن ، ووسيم جدا ويلبس زى رجال الأزهر بعمامة بيضاء . وقد جاء موقعى على المائدة على يمينه . فيما عدا حلمى باشا عيسى "وزيير سابق" ، فقد كان الحضور ممن أثبتوا ولاءهم للدين الإسلامى فى رأى العلماء ؛ كلهم كانوا مجاهدين بما فيهم فؤاد بك مع مصطفى كامل باشا بقناة السويس قبل أن يصبح وزيرا تركيا ببرن . وقد تعجب شييخ الأزهر من أن يرى رجلا انجليزيا فى هذا الجمع ، وحينما قلت له بأنى الرجل الذى ترجم القرآن الكريم للإنجليزية شعرت أنه صدم .
        بعد الغداء ، مدح فؤاد بك فى ترجمتى للقرآن ، وأمن الحضور على أنها جديرة بالتقدير ، ظهرت علامات الإمتعاض أكثر على الشيخ ، إلى أن قال له فؤاد بك ، أن عنوان الترجمة سيكون "معانى القرآن المجيد" . حينئذ انفرجت أساريه وابتسم . وقال بما أنه سيفعل ذلك فلا إعتراض وسنكون سعداء . حينما قال ذلك فكأنى عدت من قرون بعيدة ووصلت إلى بر الأمان ، وكنت سعيدا بالنهاية .
        كان هذا فى شهر مارس 1930 . وكانت الترجمة قد نشرت فى ديسمبر من نفس العام . وفى إبريل 1931 ، تلقيت خطابا من الدكتور الغمراوى ، يخبرنى فيه أنه تلقى رسالة من شيخ الأزهر يثير فيها أسئلة كثيرة عن الترجمة . ويظهر من هذا الإتجاه أنه كان يريد أن يدين الترجمة بعد كل ما حدث . وانتشرت إشاعة فى ذلك الوقت أن الأزهر يريد ترجمة الترجمة كلمة كلمة ، ويطرح ما تم فى صورته هذه المشوه للحكم على الترجمة ، حيث أنه لا يوجد بالأزهر من يتكلم الإنجليزية . كان هذا وضع عظيم جديد ، بإلا تتم الإدانة بدون نوع من المحاكمة ، كما حدث فى ترجمة مولاى محمد على للإنجليزية ، هذا يعنى أنه الآن بالأزهر فريق قوى متفتح يمكنه التأثير . وقد أجبت على جميع النقاط التى استعان بها دكتور الغمراوى فى مناقشته مع العلماء . والفترة التى قضيتها بمصر واحتككت فيها بكثير من الناس ومنهم علماء بالأزهر ، جعلتنى أوقن بأن هناك تغير كبير فى المفاهيم مما جعلنى مطمئن بأن أية مناقشات ستنتهى إلى خير بإذن الله .
        وقد علمت فيما بعد من تقرير نشر بالجرائد ، وذلك بعد فحص الترجمة ، بأن فضيلة شيخ الأزهر ذكر أنها أفضل ترجمة لمعانى القرآن الكريم ، ولكن مع ذلك فهى ليس مسموح بتداولها بمصر . وقال التقرير ، أن السبب ، أننى ترجمت عبارات تعبيرية ومجازية من القرآن الكريم بشكل حرفى إلى اللغة الإنجليزية ، وذلك يدل على أننى لم أفهم معناها .
        ولحسن الحظ ، فقد أعطى مثالا على ذلك فى الصحف ، مما جعلنى أفهم سبب الإتهام . فقد ترجمت الآية رقم ( 29 ) من سورة الإسراء ، "وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً" ، هكذا ::: “And let not thy hand be chained to thy neck nor open it with a complete opening lest thou sit down rebuked, denuded.”
        فهمت قصده ، بأن الترجمة الحرفية حولت المعنى إلى المفهوم الحسى لا المجازى للكرم والبخل ، وأصبحت المسألة مسألة يد وعنق فقط لقارئ الإنجليزية !!! والحقيقة ، أن قارئ اللغة الإنجليزية يفهم من هذه الترجمة بالضبط ما يفهمه قارئ اللغة العربية من نص القرآن الكريم . وبذلك فالإتهام يقوم على أساس غير صحيح بالمرة .
        من طرح السؤال بالتقرير الذى فى جريدة الأهرام ، علمت أنه هناك اختلاف وجهات النظر بين وزارة الداخلية والأزهر الشريف ، فوزارة الداخلية دافعت بحماس عن العمل وقدرته ، ولكن المعروف أن الأزهر وراءه الملك يعتبر الجهة الأقوى .
        كان هناك تفاؤل فى الإدانة هذه المرة ، فقد كانت معتدلة بشكل رائع ، ويمكن القول بأنها كانت مناسبة تماما ، فبالنسبة للمترجم ، بالنظر إلى ما حدث لترجمات أخرى من نفس المؤسسات ، فتعتبر ممتازة . وهذا فتح جديد بين المسلمين العرب وغير العرب - فالإتهام بأن ترجمة معانى القرآن غير شرعي وتخالف الدين قد سقط تماما ، وأصبحت المناقشات فى فحوى الترجمة التى يقوم بها مسلم ، ومدى مطابقتها للدقة اللازمة لكتاب مقدس . خطوة رائعة للأمام .


        انتهى كلام "محمد مارمادوك بكثول"

        îن îëéىهْ نçمùهْ?

        Working...
        X