الحمد لله الملك العلام والصلاة والسلام على رسولنا محمد خير الانام
وبعد
فهذا موضوع طيب جدا
عن الخشوع
أنقله إليكم رجاء أن ينتفع به
الخشوع :
ضراعة القلب , وطمأنينته وسكونه لله ( تعالى ) وانكساره بين يديه , ذلا, وافتقارا , وإيمانا به وبلقائه .
ومحل الخشوع القلب, وثمرته : تظهر على الجوارح , ولذا قيل : إذا ضرع القلب , خشعت الجوارح وذلك لأن القلب ملك البدن وأمير الأعضاء ,تصلح بصلاحه , وتفسد بفساده ,فيمثل الخشوع إذن : الانقياد التام لأوامر الله ونواهيه , والعكوف على العمل من غير توان ولافتور .
والخشوع من الإيمان , الذي هو في القلب , وإنما يزيد الإيمان بحياة القلب , وذلك بالاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح , كما أنه ينقص بمرض القلب , ويذهب بموته, وذلك بالانصراف إلى الشبهات والشهوات , فعلى المسلم أن يتعهد قلبه في جميع أحواله ليدفع عنه القسوة ,فإنها إذا استبدت به منعته الخشوع .
والله – عز وجل – يريد من عباده الترقي في سلم الإيمان بحياة القلب , ودرجات اليقين , ولذا : عاتب المؤمنين الذين لم يبلغوا قمة الخشوع , حيث تدل حركتهم البطيئة على ضعف لا يرضاه الله للعصبة المؤمنة حاملة المنهج الرباني , لتبليغه للناس كافة , عاتبهم فقال : ) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ( الحديد : 16 , وفى الآية تلويح بما كان عليه أهل الكتاب من قسوة أورثتهم الفسق في الأعمال , ومن هنا كان التحذير الشديد من مالهم , حيث طال عليهم الزمان , واستمرت بهم الغفلة ,فاضمحل إيمانهم, وذهب إيقانهم .
ثم قطع الله دابر اليأس , وبعث الأمل , فإن القلب القاسي يمكن عودته إلى الله وإقباله عليه , كالأرض يحييها الله بعد موتها , قال ( تعالى ) ) اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ( الحديد : 17 ,خاطبهم بكل ذلك , ليزدادوا قربا منه – تعالى - فتوجل قلوبهم لذكره ,وتسكن قلوبهم لأمره , ليكونوا من المخبتين , فيتأهلوا لدار كرامته , ويصيروا من أهل النفوس المطمئنة لتنادى بالنداء الكريم العظيم , : ) يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ( الفجر : 27 . 30 .
هذا هو خشوع الإيمان الذي يريده الله من عباده . ليس منه الزعيق والصياح , ولا الرقص والتصفيق , ولاضرب الخدود وشق الجيوب .وشتان بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق الذي يبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا ومراءاة, مع كون القلب غير خاشع , والنفس منطوية على إرادة الشهوات .
وقد رأينا ثمرة هذا الخشوع الإيماني في حياة سيد الخاشعين الذي كان له في الانكسار لله – تعالى – والذل بين يديه أكمل الأحوال , فقد رؤى يصلى وفى صدره أزيز كأزيز الرحى . أي الطاحون , من البكاء , وربما بكى فبل حجره ولحيته ,والأرض تحته ,وكان كثير الذكر والاستغفار والتوبة , وكذا صاحبه الصديق – رضي الله عنه – كان وجلا رقيقا , إذا صلى أو قرأ القرآن بكى , وأما الفاروق فيكفيك أنه مرض مرة لسماع القرآن وعاده الناس في مرضه لا يدرون ما به , وقد أصاب سهم أحد الصحابة وهو في صلاته فأزاله ورماه وأتم صلاته .
ومن السلف من كان يقوم في الصلاة كأنه عمود تقع الطيور على رأسه من شدة سكونه وإطالته.
مكانة الخشوع وفضائله.
والخشوع علم نافع ، لأن العلم النافع ما أوجب خشية القلوب، لذا كان رسولنا يستعيذ من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعوة لا تسمع ، فان القلب الذي لا يخشع : علمه لا ينفع ،ودعاؤه لا يسمع.
وهذا العلم النافع هو أول ما يرفع من الأمة ، كما في الحديث (أول ما يرفع من الناس الخشوع) وبذهاب الخشوع تكون العبادة بغير روح ، وهذا أمر يورث الخوف على القلب وتفقده دائما.
وفضائل الخشوع كثيرة : فهو يقرب القلب من الله ، فيمتلئ نورا ، فينتفع صاحبه بآيات الله الشرعية ، والكونية ، ويكون له في كل نظرة عبرة وعبرة ويقي صاحبه من غوائل العجب والغرور والإدلال والرياء. وبه تستنزل رحمة الله (تعالى) وأعظمها : حصول البشرى (وبشر المخبتين) الحج:34 ، وبه ينال الأجر العظيم ، فالخشوع طريق الفلاح الموصل إلى الجنة: ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون) المؤمنون:1 ، 2 ، ثم قال: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) المؤمنون 10 ، 11 .
مواطن الخشوع :
وهى كثيرة ، ولكنه ارتبط بالصلاة أكثر من غيرها ، فلا يذكر إلا وينصرف الذهن إليها ، لأن أعمالها تتضمن الذكر ، والدعاء ، وقراءة القرآن ، والركوع ، والسجود ، وهى مواطن الخضوع والبكاء والخشية والتخشع.
وقد أمر الله (تعالى ) بإقامة الصلاة ، وإقامتها تعنى: أداءها كما أمر الله ورسوله ، بتوجه القلب والجسد كلية إلى الله (تعالى) ، وبالخشوع فيها يجمع المصلى بين طهارة الظاهر والباطن ، ثم إن المغفرة وتكفير السيئات ورفعة الدرجات مرتبة على قدر الإحسان في أداء الصلاة ، وقد بلغ من منزلة الخشوع فيها أن الله (سبحانه) جعل الصلاة الخاشعة أول صفات المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس حتى اختلف الفقهاء في الاعتداد بالصلاة التي لاخشوع فيها !! وإن كان يسقط أداؤها ، لكن الأجر بعيد.
والصلاة مرآة لايمان المصلى ، فخشوعها الباطن مرآة القلب وخشوعها الظاهر مرآة الجوارح ، وفى بيان صلة الخشوع بالإيمان قال (تعالى) : ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم فى صلاتهم خاشعون ) المؤمنون: 1 ، 2 ، وكما أن كل زيادة فى الإيمان تزيد فى الخشوع ، فإن الصلاة من أعظم اعمال الإيمان وخشوعها يزيد الإيمان.
إن تفاعل المسلم مع صلاته لا ينبغى ان ينفصل عن تفاعله مع بقية اسلامه : علما ، وعبادة ، ودعوة ، فالذى يعيش الإسلام ، ويعيش للإسلام ، ويحاول أن يستأنف حياة إسلامية فى شخصه ومجتمعه ، تنفتح له آفاق من الخشوع عند الصلاة والذكر والتلاوة والتفكر ، لا تنفتح لغيره ، فيجد لعبادته هذه حلاوة.
موجبات الخشوع :
إن مما يحصل به المسلم الخشوع : تلقى أوامر الله ( تعالى ) بالقبول والامتثال وعدم معارضتها بشهوة أو رأى.
والحرص على الإخلاص. و إخفاء الأعمال عن الخلق قدر المستطاع, ومطالعة عيوب النفس ونقائص الأعمال ومفسداتها من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق والتقصير فى إكمال العمل و إتمامه .
ولإشفاق من رد الأعمال وعدم قبولها
ومشاهدة فضل الله وإحسانه والحياء منه لإطلاعه على تفاصيل ما فى القلوب وتذكر الموقف والمقام بين يديه والخوف من وإظهار الضعف والافتقار إليه والتعلق به دون غيره و طلب هدايته وتوفيقه وتسديده
ومن أعظم الطرق : معرفة الله ( جل جلاله ) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا .. والعلم النافع,وهو : العلم بآيات الله الكونية والشرعية , الذى يربط القلب بالله.
وكذلك الإكثار من ذكر الموت , والجنة والنار, والإكثار من ذكر الله تضرعاً وخيفة ودعاءه تضرعاً وخيفة فإن ذلك أعظم إيماناً وأبلغ فى الأدب والتعظيم والتضرع , والخشوع و الإخلاص , وجمعية القلب على الله ( تعالى ).
ويمكن تحصيل ذلك كله بالإقبال على كتاب الله الكريم مع تعاهد التلاوة و إدامة النظر وطول التأمل وكثرة التدبر الذى يورث الصلة بالله ( تعالى )والمسارعة فى الطاعات واستباق الخيرات وهو الأمر الذى لأجله أنزل الله القرآن الكريم.
و أما الصلاة : فإن تفصيل الطرق الموصلة إلى الخشوع فيها يطول ولكن هذه بعض مفاتيحها :
العلم بمنزلة الصلاة, والإلمام ببعض أسرارها, وهو المر الذى لا يهتم به إلا قليل من الناس
والمحافظة على آدابها الظاهرة حال التطهر والاستعداد لها والخروج إليها والاعتدال والاطمئنان فى كل أركان الصلاة و أجزائها مما يحقق خشوع الباطن
والتحقق بخشوع القلب وتجريده من الرياء فإنه لا خشوع بلا إخلاص ولابد منهما جميعاً فإن ذهاب أحدهما يتعلق به ذهاب الآخر,قال ( تعالى ) : " فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ " الماعون 4 : 6
أما الوساوس والخطرات فأفضل شئ لها : التخلص من الشواغل قبل الدخول فى الصلاة والتحصن ضدها بعد الدخول فى الصلاة وذلك أمر يحتاج إلى طول المجاهدة و إدامة الصبر حتى يبدأ القلب فى الخشوع مرة تليها ثانية حتى يصير الخشوع صفة من صفات القلب اللازمة له والله المستعان
ونتدبر معانى الأقوال و أسرار الأفعال فى الصلاة وهى مجال خصب وبحر لا ساحل له
ومن المهم النظر فى سير الخاشعين أحياء و أمواتاً كما أن قيام الليل هو مدرسة تعلم الخشوع والإخلاص.
علامات الخشوع :
وهى إمارات يتعرف بها الإنسان على حال قلبه , ومنها :
حب الصلاة والاشتياق اليها , والمسارعة اليها , وكونها سهلة خفيفة تشرح الصدر ويطمئن لها القلب .
وحضور القلب عند تلاوة القرآن , والذكر والدعاء , وسماع المواعظ والخطب , وتدبر كل ذلك بيسر وسهولة .
دوام الشكر عند حصول النعم واندفاع النقم , وبقاء القلب على وجل من كون ذلك استدراجاً .
دوام الصبر عند وقوع البلاء وتليقه بالرضى والاستسلام والطمأنينة , وكثرة التدبر والتأمل والتفكر في مخلوقات الله , وفى حال النفس , وأحوال العصاة , والشفقة عليهم , وسؤال الله العافية .
ومما ذكر الله من صفات الخاشعين : الخوف من الله بمجرد ذكر اسمه , والبكاء من خشيته , وعند سماع كلامه , والصبر , واقامه الصلاة , والإنفاق , وتعظيم شعائر الله , واليقين بملاقاة الله ( تعالى ) , والمسارعة فى الخيرات , ودعاء الله راغباً ورهباً .
آثار الخشوع :
يضفى الخشوع على الأفراد والأمم أثاراً كثيرة منها :
أنه يبعث الحياة فى العمل , فيؤدى ثمرته المرجوة وغايته المقصودة .
كما انه يجعل العبادة محببة للنفس , خفيفة غير ثقيلة .
والمسارعة الى الإذعان للحق والدعوة إليه , وبذل غاية الوسع فى التعليم والدعوة والتربية والمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
وتوحيد المشاعر والاتجاهات والمقاصد نحو الله ( تعالى ) لا شريك له , فيتوجه العمل والنشاط والعبادة نحو غاية واحدة , فيحصل من ذلك :
إحياء الأمة وقوتها وانتصارها , بصلاة الخاشعين ودعائهم وإخلاصهم , و لا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
فهذا موضوع طيب جدا
عن الخشوع
أنقله إليكم رجاء أن ينتفع به
الخشوع :
ضراعة القلب , وطمأنينته وسكونه لله ( تعالى ) وانكساره بين يديه , ذلا, وافتقارا , وإيمانا به وبلقائه .
ومحل الخشوع القلب, وثمرته : تظهر على الجوارح , ولذا قيل : إذا ضرع القلب , خشعت الجوارح وذلك لأن القلب ملك البدن وأمير الأعضاء ,تصلح بصلاحه , وتفسد بفساده ,فيمثل الخشوع إذن : الانقياد التام لأوامر الله ونواهيه , والعكوف على العمل من غير توان ولافتور .
والخشوع من الإيمان , الذي هو في القلب , وإنما يزيد الإيمان بحياة القلب , وذلك بالاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح , كما أنه ينقص بمرض القلب , ويذهب بموته, وذلك بالانصراف إلى الشبهات والشهوات , فعلى المسلم أن يتعهد قلبه في جميع أحواله ليدفع عنه القسوة ,فإنها إذا استبدت به منعته الخشوع .
والله – عز وجل – يريد من عباده الترقي في سلم الإيمان بحياة القلب , ودرجات اليقين , ولذا : عاتب المؤمنين الذين لم يبلغوا قمة الخشوع , حيث تدل حركتهم البطيئة على ضعف لا يرضاه الله للعصبة المؤمنة حاملة المنهج الرباني , لتبليغه للناس كافة , عاتبهم فقال : ) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ( الحديد : 16 , وفى الآية تلويح بما كان عليه أهل الكتاب من قسوة أورثتهم الفسق في الأعمال , ومن هنا كان التحذير الشديد من مالهم , حيث طال عليهم الزمان , واستمرت بهم الغفلة ,فاضمحل إيمانهم, وذهب إيقانهم .
ثم قطع الله دابر اليأس , وبعث الأمل , فإن القلب القاسي يمكن عودته إلى الله وإقباله عليه , كالأرض يحييها الله بعد موتها , قال ( تعالى ) ) اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ( الحديد : 17 ,خاطبهم بكل ذلك , ليزدادوا قربا منه – تعالى - فتوجل قلوبهم لذكره ,وتسكن قلوبهم لأمره , ليكونوا من المخبتين , فيتأهلوا لدار كرامته , ويصيروا من أهل النفوس المطمئنة لتنادى بالنداء الكريم العظيم , : ) يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ( الفجر : 27 . 30 .
هذا هو خشوع الإيمان الذي يريده الله من عباده . ليس منه الزعيق والصياح , ولا الرقص والتصفيق , ولاضرب الخدود وشق الجيوب .وشتان بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق الذي يبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا ومراءاة, مع كون القلب غير خاشع , والنفس منطوية على إرادة الشهوات .
وقد رأينا ثمرة هذا الخشوع الإيماني في حياة سيد الخاشعين الذي كان له في الانكسار لله – تعالى – والذل بين يديه أكمل الأحوال , فقد رؤى يصلى وفى صدره أزيز كأزيز الرحى . أي الطاحون , من البكاء , وربما بكى فبل حجره ولحيته ,والأرض تحته ,وكان كثير الذكر والاستغفار والتوبة , وكذا صاحبه الصديق – رضي الله عنه – كان وجلا رقيقا , إذا صلى أو قرأ القرآن بكى , وأما الفاروق فيكفيك أنه مرض مرة لسماع القرآن وعاده الناس في مرضه لا يدرون ما به , وقد أصاب سهم أحد الصحابة وهو في صلاته فأزاله ورماه وأتم صلاته .
ومن السلف من كان يقوم في الصلاة كأنه عمود تقع الطيور على رأسه من شدة سكونه وإطالته.
مكانة الخشوع وفضائله.
والخشوع علم نافع ، لأن العلم النافع ما أوجب خشية القلوب، لذا كان رسولنا يستعيذ من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعوة لا تسمع ، فان القلب الذي لا يخشع : علمه لا ينفع ،ودعاؤه لا يسمع.
وهذا العلم النافع هو أول ما يرفع من الأمة ، كما في الحديث (أول ما يرفع من الناس الخشوع) وبذهاب الخشوع تكون العبادة بغير روح ، وهذا أمر يورث الخوف على القلب وتفقده دائما.
وفضائل الخشوع كثيرة : فهو يقرب القلب من الله ، فيمتلئ نورا ، فينتفع صاحبه بآيات الله الشرعية ، والكونية ، ويكون له في كل نظرة عبرة وعبرة ويقي صاحبه من غوائل العجب والغرور والإدلال والرياء. وبه تستنزل رحمة الله (تعالى) وأعظمها : حصول البشرى (وبشر المخبتين) الحج:34 ، وبه ينال الأجر العظيم ، فالخشوع طريق الفلاح الموصل إلى الجنة: ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون) المؤمنون:1 ، 2 ، ثم قال: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) المؤمنون 10 ، 11 .
مواطن الخشوع :
وهى كثيرة ، ولكنه ارتبط بالصلاة أكثر من غيرها ، فلا يذكر إلا وينصرف الذهن إليها ، لأن أعمالها تتضمن الذكر ، والدعاء ، وقراءة القرآن ، والركوع ، والسجود ، وهى مواطن الخضوع والبكاء والخشية والتخشع.
وقد أمر الله (تعالى ) بإقامة الصلاة ، وإقامتها تعنى: أداءها كما أمر الله ورسوله ، بتوجه القلب والجسد كلية إلى الله (تعالى) ، وبالخشوع فيها يجمع المصلى بين طهارة الظاهر والباطن ، ثم إن المغفرة وتكفير السيئات ورفعة الدرجات مرتبة على قدر الإحسان في أداء الصلاة ، وقد بلغ من منزلة الخشوع فيها أن الله (سبحانه) جعل الصلاة الخاشعة أول صفات المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس حتى اختلف الفقهاء في الاعتداد بالصلاة التي لاخشوع فيها !! وإن كان يسقط أداؤها ، لكن الأجر بعيد.
والصلاة مرآة لايمان المصلى ، فخشوعها الباطن مرآة القلب وخشوعها الظاهر مرآة الجوارح ، وفى بيان صلة الخشوع بالإيمان قال (تعالى) : ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم فى صلاتهم خاشعون ) المؤمنون: 1 ، 2 ، وكما أن كل زيادة فى الإيمان تزيد فى الخشوع ، فإن الصلاة من أعظم اعمال الإيمان وخشوعها يزيد الإيمان.
إن تفاعل المسلم مع صلاته لا ينبغى ان ينفصل عن تفاعله مع بقية اسلامه : علما ، وعبادة ، ودعوة ، فالذى يعيش الإسلام ، ويعيش للإسلام ، ويحاول أن يستأنف حياة إسلامية فى شخصه ومجتمعه ، تنفتح له آفاق من الخشوع عند الصلاة والذكر والتلاوة والتفكر ، لا تنفتح لغيره ، فيجد لعبادته هذه حلاوة.
موجبات الخشوع :
إن مما يحصل به المسلم الخشوع : تلقى أوامر الله ( تعالى ) بالقبول والامتثال وعدم معارضتها بشهوة أو رأى.
والحرص على الإخلاص. و إخفاء الأعمال عن الخلق قدر المستطاع, ومطالعة عيوب النفس ونقائص الأعمال ومفسداتها من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق والتقصير فى إكمال العمل و إتمامه .
ولإشفاق من رد الأعمال وعدم قبولها
ومشاهدة فضل الله وإحسانه والحياء منه لإطلاعه على تفاصيل ما فى القلوب وتذكر الموقف والمقام بين يديه والخوف من وإظهار الضعف والافتقار إليه والتعلق به دون غيره و طلب هدايته وتوفيقه وتسديده
ومن أعظم الطرق : معرفة الله ( جل جلاله ) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا .. والعلم النافع,وهو : العلم بآيات الله الكونية والشرعية , الذى يربط القلب بالله.
وكذلك الإكثار من ذكر الموت , والجنة والنار, والإكثار من ذكر الله تضرعاً وخيفة ودعاءه تضرعاً وخيفة فإن ذلك أعظم إيماناً وأبلغ فى الأدب والتعظيم والتضرع , والخشوع و الإخلاص , وجمعية القلب على الله ( تعالى ).
ويمكن تحصيل ذلك كله بالإقبال على كتاب الله الكريم مع تعاهد التلاوة و إدامة النظر وطول التأمل وكثرة التدبر الذى يورث الصلة بالله ( تعالى )والمسارعة فى الطاعات واستباق الخيرات وهو الأمر الذى لأجله أنزل الله القرآن الكريم.
و أما الصلاة : فإن تفصيل الطرق الموصلة إلى الخشوع فيها يطول ولكن هذه بعض مفاتيحها :
العلم بمنزلة الصلاة, والإلمام ببعض أسرارها, وهو المر الذى لا يهتم به إلا قليل من الناس
والمحافظة على آدابها الظاهرة حال التطهر والاستعداد لها والخروج إليها والاعتدال والاطمئنان فى كل أركان الصلاة و أجزائها مما يحقق خشوع الباطن
والتحقق بخشوع القلب وتجريده من الرياء فإنه لا خشوع بلا إخلاص ولابد منهما جميعاً فإن ذهاب أحدهما يتعلق به ذهاب الآخر,قال ( تعالى ) : " فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ " الماعون 4 : 6
أما الوساوس والخطرات فأفضل شئ لها : التخلص من الشواغل قبل الدخول فى الصلاة والتحصن ضدها بعد الدخول فى الصلاة وذلك أمر يحتاج إلى طول المجاهدة و إدامة الصبر حتى يبدأ القلب فى الخشوع مرة تليها ثانية حتى يصير الخشوع صفة من صفات القلب اللازمة له والله المستعان
ونتدبر معانى الأقوال و أسرار الأفعال فى الصلاة وهى مجال خصب وبحر لا ساحل له
ومن المهم النظر فى سير الخاشعين أحياء و أمواتاً كما أن قيام الليل هو مدرسة تعلم الخشوع والإخلاص.
علامات الخشوع :
وهى إمارات يتعرف بها الإنسان على حال قلبه , ومنها :
حب الصلاة والاشتياق اليها , والمسارعة اليها , وكونها سهلة خفيفة تشرح الصدر ويطمئن لها القلب .
وحضور القلب عند تلاوة القرآن , والذكر والدعاء , وسماع المواعظ والخطب , وتدبر كل ذلك بيسر وسهولة .
دوام الشكر عند حصول النعم واندفاع النقم , وبقاء القلب على وجل من كون ذلك استدراجاً .
دوام الصبر عند وقوع البلاء وتليقه بالرضى والاستسلام والطمأنينة , وكثرة التدبر والتأمل والتفكر في مخلوقات الله , وفى حال النفس , وأحوال العصاة , والشفقة عليهم , وسؤال الله العافية .
ومما ذكر الله من صفات الخاشعين : الخوف من الله بمجرد ذكر اسمه , والبكاء من خشيته , وعند سماع كلامه , والصبر , واقامه الصلاة , والإنفاق , وتعظيم شعائر الله , واليقين بملاقاة الله ( تعالى ) , والمسارعة فى الخيرات , ودعاء الله راغباً ورهباً .
آثار الخشوع :
يضفى الخشوع على الأفراد والأمم أثاراً كثيرة منها :
أنه يبعث الحياة فى العمل , فيؤدى ثمرته المرجوة وغايته المقصودة .
كما انه يجعل العبادة محببة للنفس , خفيفة غير ثقيلة .
والمسارعة الى الإذعان للحق والدعوة إليه , وبذل غاية الوسع فى التعليم والدعوة والتربية والمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
وتوحيد المشاعر والاتجاهات والمقاصد نحو الله ( تعالى ) لا شريك له , فيتوجه العمل والنشاط والعبادة نحو غاية واحدة , فيحصل من ذلك :
إحياء الأمة وقوتها وانتصارها , بصلاة الخاشعين ودعائهم وإخلاصهم , و لا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


