موقف الاسلام من أهل الكتاب
الكفار ـ بوجه عام ـ وأهل الكتاب بوجه خاص قسمان ( ) : محاربون وغير ُمحاربين ، قال تعالى : )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تَولّوهم ومَنْ يتولهم فأولئك هم الظالمون ) ( سورة الممتحنة 8 - 9 )
قال الإمام ابن كثير رحمه الله : ( أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم ، كالنساء والضَعَفة منهم (أن تبروهم (أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم )أي تعدلوا ) ( ) . وقال رحمه الله : ( وقوله تعالى )إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )أي إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ، ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم ويأمر بمعاداتهم ثم أَكَّد الوعيد على موالاتهم فقال : (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )كقوله تعالى : )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )( ) .
وقد خَصَّ الإسلام أهل الكتاب دون سائر الكفار ببعض الأحكام فأباح الزواج من الكتابيات العفيفات وأباح الأكل من طعامهم وبقاءهم على دينهم بين المسلمين على أن يدفعوا الجزية ويلتزموا بشروط العقد الذي يعقد بينهم وبين المسلمين ، ولأهل الذمة بين المسلمين أن لا يُكرهوا على ترك دينهم والدخول في الإسلام لأنه (لا إكراه في الدين ... (ولهم حرية التصرف في قضايا الزواج والطلاق والنفقة ونحو ذلك مما يخصهم فلهم أن يتصرفوا فيه كما يشاؤون بلا قيد ، كما أن الإسلام صان حقوقهم وحَمى كرامتهم وأموالهم وأعراضهم وعلى المسلمين الدفاع عنهم ما بذلوا الجزية ووفوا بما عاهدوا عليه المسلمين ، وعلى المسلمين أن يعاملوهم بالحسنى ولا يظلموهم ، وفرق عظيم بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع الذي يعيشون فيه وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة ، وسماحة الإسلام مع أهل الذمة ليس كلاماً وإنما هو واقع سَجَّله التاريخ ، ولذلك لما انسحب أبو عبيدة بن الجراج من حمص إلى اليرموك بكى النصارى في حمص وقالوا : ( يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا ، أنتم أَوْفَى لنا وأرأف بنا وَأكَفّ عن ظلمنا وأحسن ولايةً علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا ) كما ذكره البلاذري في فتوح البلدان ، وهذه الشهادة من النصارى أنفسهم يكررها المعاصرون منهم فهاهو المفكر المعروف أرنولد توينبي ـ وهو نصراني غربي متعصب ـ يقول في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) وهو يتحدث عن فتح مصر : ( يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غُزاةُ العرب قبل كل شئ إلى ما لَقُوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي لما عُرف به من الإرادة الظالمة ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت ) . ويقول أيضاً : ( إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فَعَلَتْ ذلك عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لَشَاهد على هذا التسامح ) ، وهذه شهادة أخرى من راهبة كاثوليكية : ( فلم يجد المسلمون قط مشكلة في أن يتعايشوا مع أهل الكتاب وقد استضافت الإمبراطورية الإسلامية المسيحيين واليهود لقرون عدة ، لكنها أوربا الغربية المسيحية هي التي وجدت أنه من شبه المستحيل أن تتقبل المسلمين واليهود في أراض مسيحية ) ( ) .
ويقول غوستاف لوبون متحدثاً عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وحاله مع المصريين : ( ... فقد عَرض على المصريين حرية دينية تامة وعدلاً مطلقاً واحتراماً للأموال وجزية سنوية ثابتة لا تزيد على خمسة عشر فرنكاً عن كل رأس بدلاً من ضرائب قياصرة الروم الباهظة ، فرضي المصريون طائعين شاكرين بهذه الشروط دافعين للجزية سلفاً ، وقد بالَغَ العربُ في الوقوف عند حد هذه الشروط والتقيد بها فأحبهم المصريون الذين ذاقوا الأَمَرَّيْن من ظُلم عمال قياصرة القسطنصينية النصارى ، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيما إقبال ، ونتائج مثل هذه لا تُنَال بالقوة كما قلت غير مرة ) ( ) .
ويقول الأستاذ فيكتور سحاب في كتابه ( مَنْ يحمي المسيحيين العرب ؟ ) ص 26 - 28 ، 32 - 35 : ( لا شك في أن المسيحيين المخضرمين الذين عاصروا الفتح الإسلامي هم أكثر مَنْ لمس الأمر بوضوح إِذْ انتقلوا فجأة من سلطان دولة كانت تضطهدهم اضطهاداً وصفه بعضُ المؤرخين العصريين في أوروبا بأنه لا يشبه حتى أعمال البهائم إلى سلطان دولة حافظت لهم على أديارهم وبِيَعهم كما خَيَّرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم بشرط الدخول في ذمة المسلمين أي بشرط الانضمام إلى دولة الإسلام ورَفْض المقاتلة مع أعدائها وكان ألكيروس الكنيسة المصرية متخفياً في الصحاري هرباً من المذابح البيزنطية فلما جاء الفتح الإسلامي عادت الكنيسة المصرية إلى حريتها الكاملة علناً ، ولقد كان في الإسلام متسع للنصارى لم يكن متاحاً لهم شئ منه في دولة بيزنطية ، وتمتعت المذاهب المسيحية العربية على اختلافها بعد ظهور الإسلام بالحرية التي كانت تقاتل من أجلها تحت حكم بيزنطة ووقت كانت جميع الدول لا ترضى بدين آخر داخل تخومها وكانت دولة الإسلام في عِز انتصارها وقوتها قد أحدثت نظامَ تعدد الأديان في الدولة الواحدة ، نظام أهل الذمة وهذا يعني أن دولة الإسلام كانت حليفاً طبيعياً للنصارى العرب ما داموا في صفها السياسي لا في صف الدول العَدُوّة ) ( ) .
وبالجملة فإن اليهود والنصارى لم يشعروا بالكرامة الحقيقية والشرف الحقيقي إلا وهم بين المسلمين في دولة الإسلام ، ولو كان الإسلام هو دين إراقة الدماء و ( محاكم التفتيش ) لا نقطع نسل اليهود والنصارى من منطقة الشرق الأوسط كما يسمونها منذ مئات السنين .
يقول ابن القيم رحمه الله : ( ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب لأن كفر المشركين أغلط من كفر أهل الكتاب فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عباد الأصنام ، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام ) .
وقال رحمه الله : ( كما أن إبقاء أهل الكتاب بالجزية بين ظهور المسلمين لا ينافي كون كلمة الله هي العليا وكون الدين كله لله فإن كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره ، وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم ( ) . فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة والله أعلم ) ( ) .
والجزية كما اتضح مما سبق ومما سيأتي بأذن الله هي العدل كله مع الكافرين جزاء تركهم أحياء يتنعمون بمرافق دولة المسلمين ويقيمون شعائر دينهم والمسلمون يدافعون عنهم ضد العدو لأنهم أهل ذمة وعهد يشرط التزامهم بالأحكام العامة للمسلمين لأنها قانون البلاد التي يسكنون فيها ، قال تعالى : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ( سورة التوبة 29 )
قال ابن القيم رحمه الله : ( والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية ، فإن التزام ذلك هو الصغار ) ( ) .
( ولا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ، ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم ولا ضربهم ) ( ) .
والجزية تقدر حسب أحوال الناس ، وتؤخذ من الرجال البالغين الأصحاء القادرين على العمل الأحرار ، ( ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ) ( ) . وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ( ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها ) ( ) ( ولا جزية على شيخ فانٍ ولا زَمِنٍ ولا أعمى ولا مريض لا يُرجَى برؤه بل قد أيس من صحته وإن كانوا موسرين ، وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد أقواله ، لأن هؤلاء لا يُقتلون ولا يقاتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية ) ( ) .
فهذه هي الجزية التي يتكلمون عنها كأنها قمة الظلم ، وقد عاش النصارى واليهود ينعمون بعدل المسلمين قروناً عديدة ، وكان الخلفاء والأمراء حريصين على عدم ظلمهم طاعة لله ورسوله لا خوفاً من اليهود أو النصارى ولا احتراماً لميثاق دولي مزعوم .
عن جبير بن نفير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبَيِ بمال كثير ـ أحسبه قال : من الجزية ـ فقال : (إني لأظنكم قد أهلكتم الناس ، قالوا : لا والله ما أخذنا إلا عَفْواً صفواً . قال : بِلا سَوْط ولا نَوْط ؟ قالوا : نعم ، قال : الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني )( ) .
وعن أبي رجاء الخراساني قال : شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عَدِيّ بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة : أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عَنَتاً وخسراناً مبيناً ، فَضَع الجزية على مَنْ أطاق حملها ، وخَلَِّ بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحاً لمعاشر المسلمين وقوة على عدوهم ، ثم انظر مَنْ قبلَكَ مَن أهل الذمة قد كبرت سَنُّه وضَعُفَت قوته وولت عنه المكاسب فَأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه ، وضعفتُ قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يُفَرّقِ بينهما موت أو عتق ، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مَرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال : ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيَّعناك في كبرك ، قال : ثم أجري عليه من بيت المال ما يصلحه ) ( ) .
وانظر إلى كلام الإمام ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية المتهم بالتطرف من أنعام البشر ، يقول ابن القيم رحمه الله : ( فإن بذلت المرأة الجزية أُخبِرَتْ أنه لا جزية عليها ، فإن قالت : أنا أتبرع بها قبل منها ولم تكن جزية ولو شرطته على نفسها ، ولها الرجوع متى شاءت ، وإن بذلت لتصير إلى دار السلام ولا تُسْتَرَقّ مُكِّنَتْ من ذلك بغير شيء ولكن يُشرَطُ عليها التزام أحكام الإسلام وتُعقَدُ لها الذمة ولا يؤخذ منها شيء
إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شئ عليها ) ( ) .
وقال رحمه الله : ( ولو حاصر المسلمون حصناً ليس فيه إلا نِساء فبذلن الجزية لُتْعَقَدَ لهن الذمة عُقدت لهن بغير شئ وحَرُم استرقاقهن ) (84) .
فهل تجد هذه الأخلاق عند غير المسلمين ؟ وهل يوجد تشريع كهذا عند البشر؟ !
وانظر كيف أن هذا الدين العظيم لما أباح زواج المسلم من الكتابيات ترك لهن حرية التعبد ولو في بيت المسلم مع علمه بكفرهن ، حتى ولو كانت عبادة الزوجة الكتابية على حساب زوجها المسلم ( وليس له منعها من صيامها الذي تعتقد وجوبه وإن فَوَّتَ عليه الاستمتاع في وقته ، ولا من صلاتها في بيته إلى الشرق ، وقد مَكَّنَ النبي S وَفْدَ نصارى نجران من صلاتهم في مسجده إلى قبلتهم ، وليس له إلزام اليهودية إذا حاضت بمضاجعته والاستمتاع بما دون الفرج ، هذا قياس المذهب ، وليس له حملها على كسر السبت ونحوه مما هو واجب في دينهم وقد أقررنا هم عليه ، وليس له حملها على أكل الشحوم واللحوم المحرمة عليهم ) ( ) .
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى : ( إذا أدى أهلُ الجزية جزيتهم التي ضُربت عليهم أو صولحوا عليها خّلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلها وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم يُعلنوا بيعها من مسلم ، ومُنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين ، فإن أظهروا شيئاً من ذلك أريقت الخمر عليهم وأُدَّب مَنْ أظهر الخنزير ، وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ويجب عليه الضمان ، وقيل لا يجب ، ولو غصبها وجب عليه ردها ، ولا يُعترض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم فيما بينهم بالربا ، فإنْ تحاكموا إلينا فالحاكم مخير إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أعرض ، وقيل يحكم بينهم في المظالم على كل حال ، ويؤخذ من قوتهم لضعيفهم لأنه من باب الدفع عنهم ، وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين في قتالهم ولا حَظَّ لهم في الفيء وما صولحوا عليه من الكناس لم يزيدوا عليها ولم يُمنعوا من إصلاح ما وَهَي منها ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها ، ويأخذون من اللباس والهيئة ما يبينون به من المسلمين ويُمنعون من التشبه بأهل الإسلام ) ( ) .
وقد شهد المنصفون من هؤلاء النصارى بعظمة هذا الدين الحق وسماحته وعدل شرائعه وسيأتيك بعض كلامهم بإذن الله فانتظر .
وقد أساء قوم فَهْمَ مصطلح ( أهل الذمة ) والذي يُعَدّ من مفاخر المسلمين ، وتكفيك نظرة في كتب السنة فهذا الإمام البخاري يبوب في صحيحه : ( باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذمة العهد ) ويذكر فيه عن جويرية بن قدامة التميمي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلنا : أوصنا يا أمير المؤمنين ، قال : (أوصيكم بذمة الله فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم )( ) .
قال ابن حجر : ( وفي رواية عمر بن ميمون : )وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لاُ يَكلَّفوا إلا طاقتهم ).
قلت : ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه ) ( ) .
وفي صحيح البخاري أيضاً (باب إثم مَنْ قتل مُعَاهداً بغير جُزْم (وساق فيه بسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال : " مَنْ قَتل مُعَاهَداً لم يَرِح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً " ؛ وكما كررنا مراراً فإن هذه الأحكام ليست نظرية بعيدة عن الواقع ، ولذلك لما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى غازان ملك التتار يطالبه بفك الأُسارَى فَكَّ المسلمين منهم فقط ، فقال له ابن تيمية : )بل جميع مَنْ معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإنا نَفْتَكُّهم ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة ) ( ) . ونختم هذه الكلمة بالتنبيه على أننا لا نقصد بهذه الكلمات التزلف إلي هؤلاء النَّتْنَى وإنما أردنا بيان شرع الله عز وجل وما فيه من العدل والرحمة ؛ فمن كَفَّ أذاه من الكفار ولم يقاتل المسلين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ، ولا يحبونه بقلوبهم لأن الله قال )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ... )( ) . ولم يقل توالونهم وتحبونهم ، فالصلة والمكافأة الدنيوية شئ والمودة شئ آخر ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيباً للكفار في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه ، وذلك يسبب عدم دعوته إلي الإسلام ( ) .
قلت: هذا المبحث استللته من كتابى (التعقب الحثيث لشبهات النصارى حول الحديث) والذى كتبته ردا على كتابهم (تعليقات على الحديث) وقد انتهيت منه بحمد الله ونسألكم الدعاء أن أوفق فى نشره وأن يكون خالصا لله
وأن ينفع الله به
أخوكم أبو عبد الله السلفى المتطبب
د0عزت بن عبد الرحمن
الكفار ـ بوجه عام ـ وأهل الكتاب بوجه خاص قسمان ( ) : محاربون وغير ُمحاربين ، قال تعالى : )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تَولّوهم ومَنْ يتولهم فأولئك هم الظالمون ) ( سورة الممتحنة 8 - 9 )
قال الإمام ابن كثير رحمه الله : ( أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم ، كالنساء والضَعَفة منهم (أن تبروهم (أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم )أي تعدلوا ) ( ) . وقال رحمه الله : ( وقوله تعالى )إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم )أي إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ، ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم ويأمر بمعاداتهم ثم أَكَّد الوعيد على موالاتهم فقال : (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )كقوله تعالى : )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )( ) .
وقد خَصَّ الإسلام أهل الكتاب دون سائر الكفار ببعض الأحكام فأباح الزواج من الكتابيات العفيفات وأباح الأكل من طعامهم وبقاءهم على دينهم بين المسلمين على أن يدفعوا الجزية ويلتزموا بشروط العقد الذي يعقد بينهم وبين المسلمين ، ولأهل الذمة بين المسلمين أن لا يُكرهوا على ترك دينهم والدخول في الإسلام لأنه (لا إكراه في الدين ... (ولهم حرية التصرف في قضايا الزواج والطلاق والنفقة ونحو ذلك مما يخصهم فلهم أن يتصرفوا فيه كما يشاؤون بلا قيد ، كما أن الإسلام صان حقوقهم وحَمى كرامتهم وأموالهم وأعراضهم وعلى المسلمين الدفاع عنهم ما بذلوا الجزية ووفوا بما عاهدوا عليه المسلمين ، وعلى المسلمين أن يعاملوهم بالحسنى ولا يظلموهم ، وفرق عظيم بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع الذي يعيشون فيه وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة ، وسماحة الإسلام مع أهل الذمة ليس كلاماً وإنما هو واقع سَجَّله التاريخ ، ولذلك لما انسحب أبو عبيدة بن الجراج من حمص إلى اليرموك بكى النصارى في حمص وقالوا : ( يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا ، أنتم أَوْفَى لنا وأرأف بنا وَأكَفّ عن ظلمنا وأحسن ولايةً علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا ) كما ذكره البلاذري في فتوح البلدان ، وهذه الشهادة من النصارى أنفسهم يكررها المعاصرون منهم فهاهو المفكر المعروف أرنولد توينبي ـ وهو نصراني غربي متعصب ـ يقول في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) وهو يتحدث عن فتح مصر : ( يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غُزاةُ العرب قبل كل شئ إلى ما لَقُوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي لما عُرف به من الإرادة الظالمة ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت ) . ويقول أيضاً : ( إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فَعَلَتْ ذلك عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لَشَاهد على هذا التسامح ) ، وهذه شهادة أخرى من راهبة كاثوليكية : ( فلم يجد المسلمون قط مشكلة في أن يتعايشوا مع أهل الكتاب وقد استضافت الإمبراطورية الإسلامية المسيحيين واليهود لقرون عدة ، لكنها أوربا الغربية المسيحية هي التي وجدت أنه من شبه المستحيل أن تتقبل المسلمين واليهود في أراض مسيحية ) ( ) .
ويقول غوستاف لوبون متحدثاً عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وحاله مع المصريين : ( ... فقد عَرض على المصريين حرية دينية تامة وعدلاً مطلقاً واحتراماً للأموال وجزية سنوية ثابتة لا تزيد على خمسة عشر فرنكاً عن كل رأس بدلاً من ضرائب قياصرة الروم الباهظة ، فرضي المصريون طائعين شاكرين بهذه الشروط دافعين للجزية سلفاً ، وقد بالَغَ العربُ في الوقوف عند حد هذه الشروط والتقيد بها فأحبهم المصريون الذين ذاقوا الأَمَرَّيْن من ظُلم عمال قياصرة القسطنصينية النصارى ، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيما إقبال ، ونتائج مثل هذه لا تُنَال بالقوة كما قلت غير مرة ) ( ) .
ويقول الأستاذ فيكتور سحاب في كتابه ( مَنْ يحمي المسيحيين العرب ؟ ) ص 26 - 28 ، 32 - 35 : ( لا شك في أن المسيحيين المخضرمين الذين عاصروا الفتح الإسلامي هم أكثر مَنْ لمس الأمر بوضوح إِذْ انتقلوا فجأة من سلطان دولة كانت تضطهدهم اضطهاداً وصفه بعضُ المؤرخين العصريين في أوروبا بأنه لا يشبه حتى أعمال البهائم إلى سلطان دولة حافظت لهم على أديارهم وبِيَعهم كما خَيَّرتهم بين اعتناق الإسلام والبقاء على دينهم بشرط الدخول في ذمة المسلمين أي بشرط الانضمام إلى دولة الإسلام ورَفْض المقاتلة مع أعدائها وكان ألكيروس الكنيسة المصرية متخفياً في الصحاري هرباً من المذابح البيزنطية فلما جاء الفتح الإسلامي عادت الكنيسة المصرية إلى حريتها الكاملة علناً ، ولقد كان في الإسلام متسع للنصارى لم يكن متاحاً لهم شئ منه في دولة بيزنطية ، وتمتعت المذاهب المسيحية العربية على اختلافها بعد ظهور الإسلام بالحرية التي كانت تقاتل من أجلها تحت حكم بيزنطة ووقت كانت جميع الدول لا ترضى بدين آخر داخل تخومها وكانت دولة الإسلام في عِز انتصارها وقوتها قد أحدثت نظامَ تعدد الأديان في الدولة الواحدة ، نظام أهل الذمة وهذا يعني أن دولة الإسلام كانت حليفاً طبيعياً للنصارى العرب ما داموا في صفها السياسي لا في صف الدول العَدُوّة ) ( ) .
وبالجملة فإن اليهود والنصارى لم يشعروا بالكرامة الحقيقية والشرف الحقيقي إلا وهم بين المسلمين في دولة الإسلام ، ولو كان الإسلام هو دين إراقة الدماء و ( محاكم التفتيش ) لا نقطع نسل اليهود والنصارى من منطقة الشرق الأوسط كما يسمونها منذ مئات السنين .
يقول ابن القيم رحمه الله : ( ولا يصح إلحاق عبدة الأوثان بأهل الكتاب لأن كفر المشركين أغلط من كفر أهل الكتاب فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عباد الأصنام ، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام ) .
وقال رحمه الله : ( كما أن إبقاء أهل الكتاب بالجزية بين ظهور المسلمين لا ينافي كون كلمة الله هي العليا وكون الدين كله لله فإن كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره ، وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم ( ) . فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة والله أعلم ) ( ) .
والجزية كما اتضح مما سبق ومما سيأتي بأذن الله هي العدل كله مع الكافرين جزاء تركهم أحياء يتنعمون بمرافق دولة المسلمين ويقيمون شعائر دينهم والمسلمون يدافعون عنهم ضد العدو لأنهم أهل ذمة وعهد يشرط التزامهم بالأحكام العامة للمسلمين لأنها قانون البلاد التي يسكنون فيها ، قال تعالى : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ( سورة التوبة 29 )
قال ابن القيم رحمه الله : ( والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية ، فإن التزام ذلك هو الصغار ) ( ) .
( ولا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ، ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم ولا ضربهم ) ( ) .
والجزية تقدر حسب أحوال الناس ، وتؤخذ من الرجال البالغين الأصحاء القادرين على العمل الأحرار ، ( ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ) ( ) . وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ( ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها ) ( ) ( ولا جزية على شيخ فانٍ ولا زَمِنٍ ولا أعمى ولا مريض لا يُرجَى برؤه بل قد أيس من صحته وإن كانوا موسرين ، وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد أقواله ، لأن هؤلاء لا يُقتلون ولا يقاتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية ) ( ) .
فهذه هي الجزية التي يتكلمون عنها كأنها قمة الظلم ، وقد عاش النصارى واليهود ينعمون بعدل المسلمين قروناً عديدة ، وكان الخلفاء والأمراء حريصين على عدم ظلمهم طاعة لله ورسوله لا خوفاً من اليهود أو النصارى ولا احتراماً لميثاق دولي مزعوم .
عن جبير بن نفير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبَيِ بمال كثير ـ أحسبه قال : من الجزية ـ فقال : (إني لأظنكم قد أهلكتم الناس ، قالوا : لا والله ما أخذنا إلا عَفْواً صفواً . قال : بِلا سَوْط ولا نَوْط ؟ قالوا : نعم ، قال : الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني )( ) .
وعن أبي رجاء الخراساني قال : شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عَدِيّ بن أرطاة قرئ علينا بالبصرة : أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عَنَتاً وخسراناً مبيناً ، فَضَع الجزية على مَنْ أطاق حملها ، وخَلَِّ بينهم وبين عمارة الأرض فإن في ذلك صلاحاً لمعاشر المسلمين وقوة على عدوهم ، ثم انظر مَنْ قبلَكَ مَن أهل الذمة قد كبرت سَنُّه وضَعُفَت قوته وولت عنه المكاسب فَأَجْرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه ، وضعفتُ قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يُفَرّقِ بينهما موت أو عتق ، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مَرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال : ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيَّعناك في كبرك ، قال : ثم أجري عليه من بيت المال ما يصلحه ) ( ) .
وانظر إلى كلام الإمام ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية المتهم بالتطرف من أنعام البشر ، يقول ابن القيم رحمه الله : ( فإن بذلت المرأة الجزية أُخبِرَتْ أنه لا جزية عليها ، فإن قالت : أنا أتبرع بها قبل منها ولم تكن جزية ولو شرطته على نفسها ، ولها الرجوع متى شاءت ، وإن بذلت لتصير إلى دار السلام ولا تُسْتَرَقّ مُكِّنَتْ من ذلك بغير شيء ولكن يُشرَطُ عليها التزام أحكام الإسلام وتُعقَدُ لها الذمة ولا يؤخذ منها شيء
إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شئ عليها ) ( ) .
وقال رحمه الله : ( ولو حاصر المسلمون حصناً ليس فيه إلا نِساء فبذلن الجزية لُتْعَقَدَ لهن الذمة عُقدت لهن بغير شئ وحَرُم استرقاقهن ) (84) .
فهل تجد هذه الأخلاق عند غير المسلمين ؟ وهل يوجد تشريع كهذا عند البشر؟ !
وانظر كيف أن هذا الدين العظيم لما أباح زواج المسلم من الكتابيات ترك لهن حرية التعبد ولو في بيت المسلم مع علمه بكفرهن ، حتى ولو كانت عبادة الزوجة الكتابية على حساب زوجها المسلم ( وليس له منعها من صيامها الذي تعتقد وجوبه وإن فَوَّتَ عليه الاستمتاع في وقته ، ولا من صلاتها في بيته إلى الشرق ، وقد مَكَّنَ النبي S وَفْدَ نصارى نجران من صلاتهم في مسجده إلى قبلتهم ، وليس له إلزام اليهودية إذا حاضت بمضاجعته والاستمتاع بما دون الفرج ، هذا قياس المذهب ، وليس له حملها على كسر السبت ونحوه مما هو واجب في دينهم وقد أقررنا هم عليه ، وليس له حملها على أكل الشحوم واللحوم المحرمة عليهم ) ( ) .
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى : ( إذا أدى أهلُ الجزية جزيتهم التي ضُربت عليهم أو صولحوا عليها خّلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلها وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم يُعلنوا بيعها من مسلم ، ومُنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين ، فإن أظهروا شيئاً من ذلك أريقت الخمر عليهم وأُدَّب مَنْ أظهر الخنزير ، وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ويجب عليه الضمان ، وقيل لا يجب ، ولو غصبها وجب عليه ردها ، ولا يُعترض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم فيما بينهم بالربا ، فإنْ تحاكموا إلينا فالحاكم مخير إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أعرض ، وقيل يحكم بينهم في المظالم على كل حال ، ويؤخذ من قوتهم لضعيفهم لأنه من باب الدفع عنهم ، وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين في قتالهم ولا حَظَّ لهم في الفيء وما صولحوا عليه من الكناس لم يزيدوا عليها ولم يُمنعوا من إصلاح ما وَهَي منها ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها ، ويأخذون من اللباس والهيئة ما يبينون به من المسلمين ويُمنعون من التشبه بأهل الإسلام ) ( ) .
وقد شهد المنصفون من هؤلاء النصارى بعظمة هذا الدين الحق وسماحته وعدل شرائعه وسيأتيك بعض كلامهم بإذن الله فانتظر .
وقد أساء قوم فَهْمَ مصطلح ( أهل الذمة ) والذي يُعَدّ من مفاخر المسلمين ، وتكفيك نظرة في كتب السنة فهذا الإمام البخاري يبوب في صحيحه : ( باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذمة العهد ) ويذكر فيه عن جويرية بن قدامة التميمي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلنا : أوصنا يا أمير المؤمنين ، قال : (أوصيكم بذمة الله فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم )( ) .
قال ابن حجر : ( وفي رواية عمر بن ميمون : )وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لاُ يَكلَّفوا إلا طاقتهم ).
قلت : ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه ) ( ) .
وفي صحيح البخاري أيضاً (باب إثم مَنْ قتل مُعَاهداً بغير جُزْم (وساق فيه بسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال : " مَنْ قَتل مُعَاهَداً لم يَرِح رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً " ؛ وكما كررنا مراراً فإن هذه الأحكام ليست نظرية بعيدة عن الواقع ، ولذلك لما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى غازان ملك التتار يطالبه بفك الأُسارَى فَكَّ المسلمين منهم فقط ، فقال له ابن تيمية : )بل جميع مَنْ معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإنا نَفْتَكُّهم ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة ) ( ) . ونختم هذه الكلمة بالتنبيه على أننا لا نقصد بهذه الكلمات التزلف إلي هؤلاء النَّتْنَى وإنما أردنا بيان شرع الله عز وجل وما فيه من العدل والرحمة ؛ فمن كَفَّ أذاه من الكفار ولم يقاتل المسلين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ، ولا يحبونه بقلوبهم لأن الله قال )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ... )( ) . ولم يقل توالونهم وتحبونهم ، فالصلة والمكافأة الدنيوية شئ والمودة شئ آخر ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيباً للكفار في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه ، وذلك يسبب عدم دعوته إلي الإسلام ( ) .
قلت: هذا المبحث استللته من كتابى (التعقب الحثيث لشبهات النصارى حول الحديث) والذى كتبته ردا على كتابهم (تعليقات على الحديث) وقد انتهيت منه بحمد الله ونسألكم الدعاء أن أوفق فى نشره وأن يكون خالصا لله
وأن ينفع الله به
أخوكم أبو عبد الله السلفى المتطبب
د0عزت بن عبد الرحمن

îن îëéىهْ نçمùهْ?