إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

أحسن الخروج يا عمرو!

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • أحسن الخروج يا عمرو!



    كان ذلك في صبح الإسلام.. وقد انتهى المسلمون من فتح شبه الجزيرة العربية ودانت لهم من أدناها إلى أقصاها.. واتجهت أنظار المسلمين نحو الشام ومصر وفارس لنشر دين الوحدانية بين هذه الدول والأمم التي كانت تخضع للإمبراطوريتين الرومانية والفارسية.

    وفي يوم خالد من تلك الأيام، وحين انتهى عمرو بن العاص من فتح قيسارية واتجه ناحية غزة يبتغي فتحها أيضا.. ووصل إلى مقربة من سهولها.. وحالما توقفت رواحل المسلمين، وأخذوا يدقون أوتار الخيام... ويطعمون الإبل.. ويأخذون حظهم من الراحة بعد التعب والكفاح.. وصل رسول حاكمها المسمى «العلج» كما كان العرب يطلقون على حكام المدن، وبالقرب من خيمة عمرو بن العاص أوقف أحد المسلمين رسول حاكم غزة ونادى على عمرو.

    يا عمرو.. إن هنا رسولا من حاكم غزة يطلبك.

    وخرج عمرو بن العاص وحيا الرسول ثم سأله:

    ما حاجتك؟

    قال الرسول: إن مولاي حاكم غزة يرجو منك يا سيدي أن ترسل رجلا من أصحابك أو جندك إليه ليكلمه.

    قال عمرو بن العاص في نفسه: «ما لهذا أحد غيري» ثم توجه بحديثه بعد سكتة قصيرة وقال لرسول الحاكم: اسمع يا هذا.. اذهب وقل لمولاك إن عمرو بن العاص سوف يرسل لك واحدا من رجاله وأصحابه.

    وبعد قليل خرج عمرو وقد غير من ثيابه، وخفف من لحيته، وشد غطاء رأسه على جبينه قليلا، ولقيه أحد أصحابه وسأله:

    هل اخترت الرجل يا عمرو؟

    قال عمرو: نعم وقعت على اختياره.

    سأل الصاحب: ومن هذا الذي سيقوم بالسفارة إلى علج غزة وحاكمها.

    قال عمرو، وهو يبتسم ليخفف وقع الصدمة:

    هو أنا يا صاحبي.

    رد الصاحب:

    إن هذا لا يمكن أن يكون يا عمرو إننا لا نأمن عليك مكرهم خصوصا وأنهم أناس لا ذمة لهم ولا ميثاق.

    وهون عمرو بن العاص عليه الأمر وقال له:

    إن إرادة الله نافذة علي سواء كنت داخل خيمتي في يثرب.. أو كنت جالسا على بساط حاكم غزة... ولدينا من الإيمان ما يدفعنا.. ويدفع كل مسلم لأن يضع روحه على كفه.. ولقد وعدنا الله حقا.

    لم يحدث شيء غريب بالنسبة لعمرو بن العاص، فقد جلس مع حاكم غزة، ومع كبير حراسه، وذوي المهابة الذين كانوا خليطا من الرومان ومن أبناء البلاد... ثم دارت عليهم أقداح شراب التمر والزبيب.

    واستعمل كل منهما وسائله للتأثير في الآخر، عمرو بن العاص في جانب وبمفرده والحاكم وحاشيته في جانب آخر، وواجههم عمرو جميعا أعزلَ إلا من لسان ذرب وحكمة سديدة صائبة المرمى.

    وكبر عمرو بن العاص في نظر حاكم غزة، وما كان الحاكم بالشخص الهين حتى يفوته أن هذا العربي الذي بين يديه إنما هو رجل عزيز الجانب عظيم المكانة في قومه المسلمين.

    وعندما انتهى المجلس، وقف الحاكم الروماني إيذانا بانتهاء الجلسة فوقف عمرو بن العاص على الفور، واستعد للانصراف وتوجه الحاكم بسؤال أخير إليه:

    أيها العربي أود أن أسألك هل في أصحابك أحد مثلك.

    فقال عمرو وكأنه أعد الجواب سلفا:

    لا تسأل عن هذا إني هين إذ بعثوا بي إليك، وعرضوني لما عرضوني له.. ولا يدرون ما تصنع بي.. أخيرا هو أو شرا.

    فتمتم الروماني:

    حسنا.. حسنا.. تصحبك السلامة أيها العربي الأريب.

    ثم نادى أحد رجاله بصوت عال، وقال له وهو يودع عمرو بن العاص.

    أمرنا للعربي بجائزة وكسوة.

    وبعد أن انصرف عمرو بن العاص أمر الحاكم اليوناني بإبلاغ حرس باب المدينة أن يقتل العربي الذي سيصله بعد قليل وأن يأخذ الهدايا التي معه هدية له.

    أما عمرو بن العاص فكان مبتسما من أعماق القلب لما حققه من تأثير في نفوس أعدائه.. غير أن هذه الفرصة كان يخالطها شك لا يدرك كنهه تجاه الحاكم الروماني... لكن لم يظهر لعمرو أي إيماءة ولو صغيرة منه.

    كان عمرو بن العاص يسير متوثبا، وهو يدرس ويدرس ويخطط كل دروب المدينة وطرقها.. وكأنه يحضرها ويحضر تفاصيلها.. وأنواع الأبنية والحجارة المستخدمة فيها.. وكل ما يمكن أن يعين المسلمين على اقتحام المدينة بعد ذلك.

    - أهلا بك يابن العاص.

    وصافح عمرو الرجل الذي عارض طريقه:

    - أهلا بك.. كيف أحوالك يابن شرحبيل.. كيف الحال عندكم؟ وكيف حال نصارى غسان.. لقد عرفتني يا غسانى.

    - وهل يتوه عنى ذكاؤك يا عمرو.. لكن دعك من كل هذا.. وإني ألحظ رجالا من رجال الروماني حاكم المدينة.. أود أن أقول لك يا عمرو «لقد أحسنت الدخول فأحسن الخروج».. وسلام لأن العيون ترصدنا.

    ولمست هذه العبارة عقل عمرو في الصميم.. وترك التفكير في رسم خطة دخول المدينة، وابتدأ يعمل عقله بسرعة، للنجاة من المصير الذي يكاد أن يقع له.. وتوقف في منتصف الطريق ثم عاد أدراجه إلى قصر الحاكم وسرعان ما عرف الرومي أن صاحب السفارة العربي، قد عاد مرة ثانية، فنزل وجلس في مجلسه المختار.

    وعندما وقف عمرو بن العاص بالقرب منه قال له الحاكم الروماني:

    - ما ردك إلينا أيها العربي

    فتبسم عمرو وهو يقول:

    - نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسعني وبني عمي فأردت أن آتيك بعشرة منهم تعطيهم مثل هذه العطايا فيكون معروفك عند عشرة خيرا من أن يكون عند واحد.

    - حسن أيها العربي.. اذهب وأعجل بهم.

    وقبل أن يصل عمرو بن العاص إلى باب الحصن بوقت طويل، وصل جندي من حرس الحاكم إلى حرس باب المدينة وأبلغهم أن خلوا سبيل العربي.. ولا تقتلوه.. ولا تلمسوه بشيء.

    بعد أن عبر عمرو بن العاص من باب الحصن، وتأمل عيون حرس باب المدينة، ظل يردد في نفسه «لا عدت إلى مثلها أبدا.. لا عدت إلى مثلها أبدا».

    لكل قصة خاتمة.. فهذه سنة الكون.. ولما انتصر المسلمون بعد ذلك بقليل على مدينة غزة.. ودخلها عمرو بن العاص فجلس في أحد بيوتها، وانتظر عمرو مقدم حاكمها الرومي.. وأدخل عليه الحاكم.. وعندما تعرف الحاكم على عمرو بن العاص اتسعت عيناه وظن أن ما رآه إنما هو أضغاث أحلام.. ثم قال بعد أن تماسك قليلا لعمرو:

    - أنت هو؟

    فأجاب عمرو:

    - نعم يا رومي.. على ما كان من غدرك وخبث نفسك.
Working...
X