إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

بين الهجر والهجرة في العصر الحديث

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • بين الهجر والهجرة في العصر الحديث

    بين الهجر والهجرة في العصر الحديث

    إذا تتبعنا الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع الهجرة نجد ثلاثة أنواع من الهجرة:
    النوع الأول : حيث تكون الهجرة من دار يحس فيها المسلم بالخطر على دينه وبأنه إن استمر فيها مقيما فإنه يتعرض لفتنة غالبة على العقيدة ، وأنه سوف يتعرض لإيذاء شديد ومحنة قاسية جراء التمسك بواجبات دينه وفرائضه ، في هذه الحالة حيث تكون الهجرة من هذه الدار إلى دار أخرى تتحقق فيها السلامة والفائدة للدين
    يدعو القرآن إلى الهجرة كما يدعو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم
    وفي مثل هذه الحال نجد قوله تعالى : { إِنَّ الَّذينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ قالوا فيمَ كُنْتُمْ قالوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ في الْأَرْضِ قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِروا فيها فَأولَئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصيراً ، إِلّا الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطيعونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدونَ سَبيلاً ، فَأولَئِكَ عَسى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفوّاً غَفوراً ، وَمَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً } النساء 96- 100
    فهذه الآيات تدل على وجوب الهجرة على من يخاف على عقيدته ودينه في أرض الكفر ، وتعد بالعفو عمن لا يستطيع حيلة تمكنه من الهجرة ، ولا سبيل يهتدي إليه ، وهي مع ذلك تعد الشجعان الذين يقدمون على الهجرة بما تنطوي عليه من مشقة وأهوال بالتيسير والتوفيق .
    ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات : ( هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين ، إذ يجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه .. ، والظاهر أن المراغَم المنع الذي يتخلص به ويراغِم به الأعداء ) والسعة المشار إليها في الآية يراد بها سعة من الضلالة إلى الهدى ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن القلة إلى الغنى ، وإذن فلا يصح في هذه الهجرة أن تكون هروبا ، ولكن لابد من رجحان المراغمة ضد العدو ، ورجحان المناصرة مع الإخوة
    ومن هنا يقول الإمام العيني في شرحه على صحيح البخاري : ( أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا ) .
    وفي هذه الحالة أيضا جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمر يقول: «لتكونَنّ هجرةٌ بعد هجرة، إِلى مُهَاجَرَ أَبيكم إِبراهيم صلى الله عليه وسلم، حتى لا يبقى في الارضينَ إِلاّ شِرارُ أَهلها، وتَلْقِطْهُم أَرضُوهم، وتَقْذَرُهم رُوح الرحمن ـ عز وجل ـ وتَحشرهم النارُ مع القردة والخنازير، تَقِيل حيثُ يقيلون، وتَبيت حيثُ يبيتون، وما سقط منهم فَلَها».
    وجاء في سنن أبي داود باب في الهجرة هل انقطعت ، بسنده عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبِي عَوْفٍ عن أبي هِنْدٍ عن مُعَاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
    وفي سنن النسائي بسنده عَنْ عَبْدِ الله السّعْدِيّ قَالَ وَفَدْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ أَصْحَابِي فَقَضَى حَاجَتَهُمْ ثُمّ كُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً فَقَالَ حَاجَتُكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَتَى تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفّارُ.)
    وفي هذا يقول العلماء : ( أما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا ) كما ذكر العيني في شرحه للحديث في صحيح البخاري .

    ومن هنا كان الإذن بالهجرة إلى الحبشة عندما اشتد العذاب على المسلمين بمكة ، قبل الهجرة إلى المدينة .
    قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم : إذا خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ارض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.
    قال ابن إسحاق : وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه
    وكان فيمن هاجر من أعلام المسلمين الأولين مثل عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجعفر بن أبي طالب ، وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وغيرهم .
    ونحن نشك في أن هذا ينطبق على أية جماعة من المسلمين في العصر الحاضر ممن نعرف أن ليس لهم وضع كالذي كانت عليه مجموعة الهجرة إلى الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
    لكننا نبقيه صالحا للأخذ به من ناحية المبدأ بالشروط السابقة
    أما النوع الثاني من الهجرة فإنما تكون كذلك من دار يتحقق فيها الخطر على الدين ، لكنها لا تكون إلى دار يتحقق فيها السلامة فحسب ، كما في النوع الأول ، ولكنها تكون فوق ذلك مقدمة إلى نصر على أعداء الدين .
    إنه أشبه ما تكون بحركة في ميدان القتال، يرجع فيها الجيش خطوة أو يتحيز إلى فئة لينطلق بعد ذلك في طريق النصر، وهكذا كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة.
    لم تكن هجرة للسلامة، ولكنها هجرة للقتال والجهاد والكفاح؛ كانت بدء مرحلة جدية من الجهاد في سبيل الله.
    ومن هنا كان تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عند قدومهم إلى مكة يطلبون الحلف مع قريش ، فدعاهم إلى الإسلام ، أبطل بذلك حلفا محتملا للأعداء ، وأنشأ حلفا محققا لصالح الدعوة الإسلامية ، فكانت بيعة العقبة الأولى مع اثني عشر رجلا من الأنصار ، وأرسل معهم إلى المدينة من يعلمهم القرآن والشرائع ، وهنالك انتشر الإسلام فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلمون رجالا ونساء ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية وكان المبايعون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين ، بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأنفسهم وأن يرحل وأصحابه إليهم ، وكل ذلك تمهيدا للهجرة ، بين الغرض منها ، لم يكن الخروج لمجرد السلامة ، ولكنه التحفز لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية .
    ومن هنا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة فخرجوا إليها أرسالا ، وانتظر الرسول بمكة محتجزا معه أبا بكر وعليا رضي الله عنهما ، حتى أذن بالخروج فكانت الهجرة بأحداثها ونتائجها .
    وكانت بدءا لقتال تتابعت غزواته ضد المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم، وكانت بزوغا لشمس الإسلام بعد أن ظهر فجره في مكة.
    وكانت ظهورا للمجتمع الإسلامي بعد أن تكون أفراده في مرحلة الدعوة المكية .
    وكانت حجر الأساس في ظهور الدولة الإسلامية التي حملت الدعوة، ونشرت الإسلام في أرجاء العالم من بعد
    فهذا النوع من الهجرة ليس فرارا، وليس إيثارا للسلامة، وليس إيثارا للراحة، وإنما هو انتقال من مشقة إلى مشقة، ومن جهاد إلى جهاد، وهو واجب حيثما توافرت دواعيه، وتحققت أسبابه، وترقبت نتائجه في النصر.
    إنها ليست هربا من الجهاد ولكنها إعداد له .
    وجدير بنا نحن المسلمين اليوم أن نستحضر التاريخ الذي هو جوهر ذاتنا ومبنى شخصيتنا
    وجدير بنا أيضا ونحن نستحضره أن نلتفت إلى ما فيه من عناصر العمل الإيجابي وتحمل المسئولية ، والمسئولية القيادية ، وإخلاص التوجه إلى الله تعالى لا أن نكتفي بسرد ما فيه من نفحات الإعجاز وخوارق العادات ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقرب الناس إلى الله لم يدخر جهدا في التدبير للهجرة ، وقد بدأ هذا التدبير مبكرا بعرض نفسه على القبائل من العرب : أن يحموه وينصروه ، أخفى صلى الله عليه وسلم رسالته ثلاث سنين ثم أعلن بها في الرابعة ودعا إلى الإسلام عشرة سنين ، يوافي الموسم كل عام ، يتبع حجيج الجاهلية في منازلهم ، بمنى ، والموقف ، يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة ، ويسأل عن منازلهم ، ويأتي أسواق المواسم : عكاظ ، ومجنة ، وذو المجاز ، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه .
    وفي السيرة الهاشمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف في منازل القبائل من العرب ، بمنى ، فيقول : يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وان تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني ، حتى أبين عن الله عز وجل ما بعثني به . وكان خلفه أبو لهب ، كان إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله يقول : يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات واالعزى من أعناقكم ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه .
    وذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم عرض نفسه من بين ما عرض على بني عامر بن صعصعة ، فقال له رجل منهم : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث شاء . فقال له العامري : أنقاتل العرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه . وكانت نقطة فاصلة
    إنها الرسالة الصاخة أسماع العلمانية منذ أربعة عشر قرنا
    فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم قالوا : جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا ؟ فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ - أي تدارك هل لها من مطلب ؟ والذي نفسي بيده ما يقولها كاذبا أحد من بني إسماعيل قط ، وإنها لحق ، وإن رأيكم غاب عنكم .
    وذكر الواقدي أنه كان ممن عرض صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم : بني عبس ، وبني سليم ، وغسان ، وبني محارب ، وفزارة ، وبني نضر ، ومرة وعذرة والحضارمة ، فكانوا يردون عليه صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ، ويقولون : أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك
    ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بني حنيفة ، أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب .
    ويروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه سلم لقي جماعة من شيبان بن ثعلبة ، وكان معه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما ، وان أبا بكر سألهم ممن القوم : قالوا من بني شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر أي سادات في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ، ومثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك .
    وكان مفروق بن عمرو أقرب مجلسا إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال له : إنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة . فقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد الطاقة ولكل قوم جد أي حظ وسعادة ، أي علينا أن نجتهد وليس علينا أن يكون لنا الظفر لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء .
    فقال أبو بكر رضي الله عنه : فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى ، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللقاح ، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أو قد بلغكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ؟ - أي قريش هو ذا . فقال مفروق : بلغنا أنه يذكر ذلك ، فإلام تدعو يا أخا قريش ؟
    فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وإلى أن تؤووني وتنصروني ، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد .
    فقال : مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .
    قال مفروق : ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم عرفناه . ثم قال : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟
    فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، والبغي لعلكم تذكرون .فقال مفروق : دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك .
    وكان مفروق أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال: هذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا .
    فقال هانئ : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة ، فقال : هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا .
    فقال المثنى : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، والجواب جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا ، فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا وأن لا نؤوي محدثا ، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك . وما دروا أن وقت النظر لا يطول ، وأن رضا ملك الملوك أولى من رضا الملوك .
    هاهو النموذج العربي القديم في التبعية لملوك الدول الكبرى وأباطرتهم
    ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ما أسأتم في الرد ، إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه ، إن لم تلبثوا إلا قليلا ، حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ، ويعرسكم نساءهم : تسبحون الله وتقدسون ؟ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ، وَداعِياً إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبيراً } 45 48 الأحزاب . ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ائتهم ، فأتاهم ، فعرض عليهم ، فقال لهم : كيف العدد فيكم ؟ قالوا : كثير مثل الثرى . قال : فكيف المنعة ؟ قالوا : لا منعة ، جاورنا فارس ، فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم ، قال : فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم : أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين ، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين ، وتكبروه ثلاثا وثلاثين ؟ قالوا : ومن أنت ؟
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أنا رسول الله . ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له : هل تعرف هذا الرجل ؟ قال : نعم ، فاخبروه بما دعاهم إليه وأنه زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه .
    فقالوا : لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر .
    مرة أخرى : إنها التبعية المفضلة عند العرب قديما لمن يكون البوش القديم أو حديثا لمن يكون البوش الجديد
    وما دروا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء ليحررهم من عبادة العباد إلى عبادة الله . وأن الله أذن لدولة العبودية في الأرض أن تزول، وما بقي إلا أن يمدوا أيديهم ليبايعوا رسوله، وقد بايعوه قديما وما بقي إلا أن يجددوا البيعة !!
    ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ويقول : لا أكره أحدا على شيء ، من رضي الذي أدعو إليه فذاك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد منعي من القتل ، حتى أبلغ رسالات ربي . فلم يقبله أحد من تلك القبائل ويقولون : قوم الرجل أعلم به ، ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه !!
    وما دروا أن الفساد إنما هو في ساحة قومه من المشركين، وان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليصلح ما أفسدوه .
    وعن ابن إسحاق : لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم حيث تمت بيعة العقبة ومن ثم كانت بيعة العقبة الأولى ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية .
    كانت تخطيطا وتدبيرا محكما لا يعفى فيه المسلمون من الجد، والتخطيط اتكالا على نصر يتقاطر عليهم من السماء.

    هنـــــــــــــا


  • #2
    تعالوا إلى بيعة العقبة ، ففي سيرة مغلطاي ومستدرك الحاكم أن بيعة العقبة كانت في شهر رجب حيث استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة التي ترمي فيها الجمرة فيقال جمرة العقبة إذ لقي بها رهطا من الخزرج ، وكانوا ستة نفر وقيل ثمانية : فقال من أ نتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، فقال : أمن موالي يهود يعني من حلفاء يهود المدينة قريظة والنضير قالوا نعم . قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه ، صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم الإسلام ، ورأوا أمارات الصدق عليه صلى الله عليه وسلم لائحة ، فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله أنه للنبي الذي يوعدكم به يهود ، [ وهكذا سخر الله اليهود للتمهيد لظهور محمد صلى الله عليه وسلم ] فلا تسبقنكم إليه ، ذلك أن يهود كانوا إذا وقع بينهم وبينهم شيء من الشر قالوا لهم : سيبعث نبي قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتلة عاد [ نفس ما يردده اليهود اليوم من ظهور المسيح في هرمجدون لقتال المسلمين ] .
    فلما دعاهم الرسول إلى الإسلام أجابوه وصدقوه وأسلموا .
    وقالوا له : إنا تركنا قومنا - يعنون الأوس والخزرج بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وتطاولت بينهما الحروب ، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة ، أي مائة وعشرين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك .
    ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم .
    وفي رواية أنهم لما آمنوا به صلى الله عليه وسلم وصدقوه قالوا : إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك أي على حالك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا ، فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لعل الله يصلح ذات بينهم ، ونواعدك الموسم من العام المقبل ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة ، ويسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار .
    فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا ، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس ، وقيل كانوا أحد عشر رجلا ، منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم عند العقبة أولا في العام الماضي . فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم عند العقبة أيضا ، فبايعهم صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه البيعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار : أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك ، وعلى أن يرحل إليهم هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وعلى السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول الحق حيث كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم .
    ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن وفى فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا عوقب به في الدنيا ، فهو أي العقاب طهرة له ، وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله ، وإن شاء عذب وإن شاء غفر .
    فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم عبد الله ابن أم مكتوم ، ومصعب بن عمير ، رضي الله عنهما : يعلمان القرآن من أسلم منهم ، ويعلمان الإسلام من أراد أن يسلم ، ويفقهانه في الدين ، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام . وهذه المبايعة يقال لها بيعة العقبة الأولى ، لوجود هذه المبايعة عندها . وأسلم من رجالات المدينة : سعد بن معاذ ، وابن عمه أسيد بن حضير رضي الله عنهما ،
    وفي كلام ابن الجوزي : أن أول دار أسلمت من دور الأنصار دار بني عبد الأشهل .
    ثم ذهب مصعب إلى دار أسعد بن زرارة ، رضي الله تعالى عنه ، فأقام عنده يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من سكان عوالي المدينة ، أي قراها من جهة نجد .
    قال كعب : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة : أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن ، وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا ، وذلك ليلة النفر الأول .
    قال : فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين ، وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو سيد من ساداتنا فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم دعوناه للإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة .
    فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هدءة ، يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان [1][1]، قال : فلا زلنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم ، فلما تأخروا ذهب ثم جاء بعد مجيئهم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له ، وكان معه أيضا أبو بكر وعلي إلا أن العباس أوقف عليا على فم الشعب ، عينا له ، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا ، فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله اعلم .
    فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم فقال : يا معشر الخزرج قال ذلك لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس ، وكانت تغلب الخزرج على الأوس ويقولون " الخزرجيين " قال : إن محمدا منا حيث علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا ، فهو في عز من قومه ، ومنعة من بلده ، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه وما نعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه .. فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده .
    فقال البراء بن معرور : إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه ، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل أنفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وفي رواية أن العباس قال : قد أبى محمد الناس كلهم غيركم ، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم وائتمروا بينكم ولا تفرقوا إلا عن اجتماع ، فإن أحسن الحديث أصدقه .
    ولا يصح أن يفهم من قول العباس ( قد أبى محمد الناس كلهم غيركم ) أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم ، ولا أن المراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة الذين قالوا له ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ، لكن المراد بالناس الذين أباهم : أهله وعشيرته ، لأنه إنما أراد نصرة كاملة في الدين والدنيا والله أعلم .
    وعندما تكلم العباس بما ذكر قالوا له : قد سمعنا مقالتك ، فتكلم يارسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ، وفي رواية خذ لنفسك ما شئت واشترط لربك ما شئت .
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشترط لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وآباءكم .
    فقال ابن رواحة : فإذا فعلنا فما لنا ؟
    فقال صلى الله عليه وسلم : لكم الجنة .
    قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل .
    لم تكن صفقة دنيوية إذن . وما كان فيها شيء من مساومة .
    وفي رواية : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم .
    وفي رواية أنهم قالوا له : يا رسول الله نبايعك . قال : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في الله ، لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم ، وآباءكم ، ولكم الجنة .
    فأخذ البراء بن معرور بيده صلى الله عليه وسلم ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا أي نساءنا وأنفسنا - وكانت العرب تكني بالإزار عن المرأة والنفس فنحن والله أهل الحرب ، وأهل الحلقة أي السلاح ورثناها كابرا عن كابر .
    وبينا البراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو الهيثم بن التيهان بتشديد المثناة وتخفيفها نقبله على مصيبة المال وقتل الأشراف .
    فقال العباس : اخفوا جرسكم أي صوتكم فإن علينا عيونا
    ثم قال أبو الهيثم : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال يعني اليهود حبالا أي عهودا وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟
    فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم قال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم والهدم إهدار دم القتيل - ، دمي دمكم فدمي ودمكم واحد، هدمي وهدمكم واحد أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته وذمتي وذمتكم واحد ، ورحلتي مع رحلتكم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم .
    وعند ذلك قال لهم العباس : عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم ، في هذا الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، يد الله فوق أيديكم ، لتجدًّن في نصرته ولتشدن من أزره .
    قالوا جميعا : نعم .
    قال العباس : اللهم إنك سامع شاهد ، وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته ، واستحفظهم نفسه ، اللهم كن لابن أخي شهيدا .
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا إليَّ منكم اثنيى عشر نقيبا ، فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره ، فإنما يختار لي جبريل.
    فلما تخيرهم وهم سعد بن عبادة ، وأسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وسعد بن خثيمة ،والمنذر بن عمرو ، وعبد الله بن رواحة ، والبراء بن معرور ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وأسيد بن حضير ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعبادة بن الصامت، ورافع بن مالك : كل واحد على قبيلة ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
    وقال صلى الله عليه وسلم : لأولئك النقباء : انتم كفلاء على غيركم ، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ن وأنا كفيل على قومي : يعني المهاجرين .
    وفي رواية أن الذي تولى الكلام من الأنصار وشد العقدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسعد بن زرارة ، وهو من أصغرهم ، فإنه اخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال : رويدا يا أهل يثرب ، إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن إخراجه اليوم مفارقة لجميع العرب ، وقتل خياركم ، وأن تعطكم السيوف ، فإما انتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ، ومفارقة العرب كافة ، فخذوه وأجركم على الله تعالى ، وإما تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر لكم عند الله تعالى .
    فقالوا : يا سعد أمط عنا يدك ، فوالله لا نذر أي نترك هذه البيعة ولا نستقيلها ، أي لا نطلب الإقالة منها .
    وفي رواية أن العباس بن عبادة بن نضلة تكلم مع الأنصار وشد العقدة ، فقال : يا معشر االخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر ، والأسود من الناس أي على من حاربه منهم ثم ذكر مثل ما تقدم عن أسعد بن زرارة
    ثم توافقوا على ذلك .
    وقالوا : يا رسول الله ما لنا بذلك إن نحن قضينا ؟
    هنا يظهر جوهر الرسالة
    قال : رضوان الله والجنة
    قالوا : رضينا ابسط يدك
    فبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوه .
    وأول من بايعه صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ، وقيل اسعد بن زرارة ، وقيل أبو الهيثم بن التيهان ، ثم بايعه السبعون كلهم ، وبايعه المرأتان المذكورتان من غير مصافحة ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء ، إنما كان يأخذ عليهن ، فإذا أحرزن قال اذهبن فقد بايعتكن .
    ويروى أن أبا الهيثم قال : أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر نقيبا من بني إسرائيل موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام .
    وقال أسعد بن زرارة : أبايع الله عز وجل يا رسول الله ، فأبايعك على أن أتم عهدي بوفائي وأصدق قولي بفعلي في نصرك .
    وقال النعمان بن حارثة : أبايع الله عز وجل يا رسول الله ، وأبايعك على الإقدام في أمر الله عز وجل ، لا أرأف فيه القريب ولا البعيد .,
    وقال عبادة بن الصامت : أبايعك يا رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم .
    وقال سعد بن الربيع : أبايع الله وأبايعك يا رسول الله على أن لا أعصى لكما أمرا ولا أكذبكما حديثا .
    وهذه البيعة هي ما يقال لها بيعة العقبة الثانية .

    فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام إظهارا كليا وتجاهروا به .
    وأمر صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة .
    وكان ذلك تمهيدا للهجرة الغرض منها : لم يكن لمجرد السلامة ، لكنه التحفز لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية وانتقالا من مشقة إلى مشقة .
    وبدءا لجهاد تتابعت غزواته .
    وكانت بزوغا لشمس الإسلام بعد أن ظهر فجره بمكة .
    وكانت ظهورا للمجتمع الإسلامي بعد أن تكون أفراده في مرحلة الدعوة المكية
    وكانت حجر الأساس في ظهور الدعوة الإسلامية التي حملت الدعوة ونشرت الإسلام في الجزيرة العربية كلها ، ثم في أرجاء العالم من بعد ، ليتحقق للإسلام عالميته التي لا بد أن تصطدم بأية دعوة للعالمية أو العولمة ، تنطلق من غير داره : دار الهجرة في المدينة .

    إنه في هذا النوع من الهجرة- والذي قبله - جاء الحكم باستمرارها ما استمر الجهاد أو استمرت فرصة الحياة المشروطة بقبول التوبة ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد بمسنده بسنده عن أبي هند البجلي قال: «كنا عند معاوية وهو على سريره، وقد غمض عينيه، فتذاكرنا الهجرة ، والقائل منا يقول: قد انقطعت، والقائل منا يقول: لم تنقطع، فاستنبه معاوية فقال: ما كنتم فيه؟ فأخبرناه، وكان قليل الرد على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».وجاء مثله في سنن أبي داود والدارمي وغيرهما

    وفي هذا النوع من الهجرة جاءت الآيات الكثيرة التي ترفع من قدر المهاجرين ، ومنها :
    قوله تعالى : { الَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفائِزونَ } 20 التوبة
    و قوله تعالى : {إِنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ } 218 البقرة
    و قوله تعالى : { فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فالَّذينَ هاجَروا وَأُخْرِجوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأوذوا في سَبيلي وَقاتَلوا وَقُتِلوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِها الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ } 195آل عمران
    و قوله تعالى : { والَّذينَ هاجَروا في اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِموا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانوا يَعْلَمونَ ، الَّذينَ صَبَروا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ } 41 - 42 النحل
    وقوله تعالى { وَمَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً } 100 النساء
    وفي هذا النوع من الهجرة جاءت الإشارة إلى شرط قبولها عند الله في الحديث الصحيح ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) متفق عليه .

    هنـــــــــــــا

    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      أما النوع الثالث من الهجرة
      فتكون من دار يمكن لإنسان أن يحتفظ فيها بعقيدته ودينه وشعائره إلى دار أخرى تفضلها في ذلك كله ، تكون من دار يحدث للإنسان فيها شيء من الأذى ، يناله من المنافقين أو من أعداء الدين ، لكنه أذى محتمل ، إلى دار أخرى .. يستريح فيها من ذلك كله ، ويستمتع فيها بقوة المجتمع الإسلامي وغلبة الدولة الإسلامية .
      مثل هذه الهجرة لا فائدة منها للدين ، إنما هي تستهدف الراحة والدعة ، وفيها راحة من تبعات الدعوة والجهاد في بيئة تفيد فيها الدعوة ويفيد فيها الجهاد .
      مثل هذه الهجرة هي ما كان يستأذن فيه بعض المسلمين بعد فتح مكة ، كانوا يطلبون الهجرة من موطنهم إلى المدينة ، فلم يأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما طلب إليهم الاستمرار في أماكنهم مستمسكين بدينهم ، عاملين على نشره وتوكيده فيمن حولهم ، مستعدين للقتال عندما يدعون إليه .
      في هذا النوع من الهجرة جاء قوله صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري بسنده عن عن مُجاشِعِ بن مسعودٍ قال: «جاءَ مُجاشعٌ بأخيهِ مُجالِدِ بنِ مسعودٍ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مُجالدٌ يُبايعُكَ على الهجرِة. فقال: لا هِجرةَ بعدَ فتح مكةَ، ولكنْ أبايعهُ على الإسلام».
      و قول عائشة رضي الله عنها فيما جاء بصحيح البخاري بسنده عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: " زُرتُ عائشةَ مع عبيدِ ين عمير الليثيّ، فسألناها عن الهجرةِ فقالت: لا هجرةَ اليوم ، كان المؤمنونَ يَفِرّ أحدُهم بدينهِ إِلى اللّه تعالى وإلى رسولهِ صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن يُفتنَ عليه، فأما اليومَ فقد أظهرَ اللّه الإِسلام، واليومَ يَعبُدُ ربّهُ حيث شاء، ولكن جهادٌ ونيّة».وقول ابن عمر فيما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن مجاهد مثله : «قلتُ لابن عمرَ، فقال: لا هجرةَ اليوم ـ أَو بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ـ ».
      وما جاء فيما رواه البخاري في صحيحه بسنده عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ افتَتَحَ مكةَ: لا هِجرةَ، ولكِنْ جِهادٌ ونيّة، وإِذا استُنفِرتُم فانفِروا، فإنّ هذا بلدٌ حَرّمَ اللهُ يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامَةِ، وإِنهُ لم يَحِلّ القِتالُ فيهِ لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلّ لي إلاّ ساعةً من نهارٍ، فهوَ حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ القِيامةِ، لا يُعضَدُ شَوكِه، ولا يُنَفّرُ صَيدُهُ، ولا يَلتقِطُ لُقَطتَهُ إلاّ مَن عَرّفَها، ولا يُختلى خَلاها. قال العبّاسُ: يا رسولَ اللهِ إلاّ الإِذخِرَ، فإِنه لِقَينِهم ولِبُيوتهم. قال: قال: إلاّ الإِذخِرَ».

      ومن هنا جاء رده صلى الله عليه وسلم على من سأله متخوفا من ضياع الثواب على من لم يهاجر كما جاء في سنن النسائي بسنده عن عَنْ صَفْوَانَ بْنِ اُمَيّةَ قَالَ: ( قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنّهُمْ يَقُولُونَ إنّ الْجَنّةَ لا يَدْخُلُهَا إلاّ مَنْ هَاجَرَ قَالَ: لا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكّةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ فَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.) وقد روي مثله في سنن أبي داود والبيهقي والترمذي الذي قال فيه : حديث حسن صحيح .

      وللعلماء أقوال في تضعيف بعض روايات هذا الحديث ، ففي كتاب الجهاد لأحمد بن عمرو ابن أبي عاصم الضحاك ت 287 هـ روى الحديث بسنده عن ابن عباس ثم قال : إسناده ضعيف والحديث صحيح .

      وقال عبد الرحمن الرازي ت 327 هـ : سألت أبي عن حديث رواه الوليد عن شيبان عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فقال أبي : هذا وهم أي في السند وإنما هو الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

      وفي تفسير ابن كثير قال : ( وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال : لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها فقال الناس : حيز وأنا وأصحابي حيز ، وقال أي النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " يقول ابن كثير : وهذا الحديث الذي أنكره مروان على أبي سعيد الخدري ليس بمنكر ، فقد ثبت من رواية ابن عباس ، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما . )

      وقال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم " لا هجرة بعد الفتح " ( قال العلماء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة ، وفي تأويل هذا الحديث قولان : الأول : لا هجرة بعد الفتح لأنها صارت دار إسلام ، وإنما تكون من دار الحرب
      والثاني : معناه لا هجرة بعد الفتح أي نفي أن يكون فضلها بعد الفتح كفضلها ما قبل الفتح كما قال تعالى : { وَما لَكُمْ أَلّا تُنْفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ ميراثُ السَّماواتِ والْأَرْضِ لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلونَ خَبيرٌ } الحديد 10 )
      وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَدّوا لَوْ تَكْفُرونَ كَما كَفَروا فَتَكونونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِروا في سَبيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذوهُمْ واقْتُلوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ وَلا تَتَّخِذوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصيراً } النساء 89
      قال القرطبي : ( والهجرة أنواع :
      منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال : لا هجرة بعد الفتح "
      وهجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات
      وهجرة من أسلم من دار الحرب فإنها واجبة [ أقول بشروطه التي ذكرناها في النوع الأول والثاني مما قدمناه ]
      وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما قال صلى الله عليه وسلم " والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه " وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن
      وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم ، فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه )

      والخلاصة أن الحكم يختلف باختلاف المقصود من الهجرة وظروفها :
      إذا كانت تستهدف الفرار بالدين من دار يتحقق فيها الخطر عليه فهي واجبة، وهكذا كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة.

      وإذا كانت تستهدف الإعداد لحال جديد من الجهاد في سبيل الله والتمهيد لنصر حاسم على الأعداء فهي واجبة، وهكذا كانت هجرة المسلمين إلى المدينة .

      وإذا كانت تستهدف الراحة والتخلص من مشقة الجوار مع المنافقين أو من هم أقل درجة في الإسلام فتلك هي الهجرة التي منعها رسول الله صلى الله عليه وسلم
      هذه الهجرة غير المشروعة إسلاميا هي التي تكون في مثل ظروف المسلمين بعد فتح مكة حيث قد توفر لهم شيء من القوة والمنعة : تحميهم وتدافع عنهم ، هي تلك الهجرة التي تكون من أجل التخلص من أذى محتمل إلى دار أخرى يستمتع فيها المسلم بالدعة ، والراحة ، أو يتخلص فيها من متاعب الدعوة وتبعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يفلت فيها من مشقات الجهاد في بيئة تفيد فيها الدعوة ويفيد فيه الجهاد .


      ونحن اليوم ندفع ثمن " الهجر " عندما تركنا سنن الهجرة :
      يتساءلون : لماذا ننهزم في معاركنا جميعا : عسكرية ، واقتصادية ، وتربوية ، و.. على جميع المستويات ، هزائم في أدنى المستويات ؟
      والجواب : لأننا ندفع فاتورة الحساب ، ولابد أن تدفع بعد أن تأجلت . ولأن فاتورة الحساب هذه هي من وارد ما أقمنا عليه البناء من قبل .
      أهملنا السنة أو هجرناها سواء في القيام بواجب الهجرة عند ما تقتضي مراغمة للمشركين ونصرا للمهاجرين المسلمين كما كان الحال في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو النوع الثاني الذي قدمناه ، أو في عدم القيام بها إذ يقتضي ذلك تشبثا بالأرض واستعدادا ليوم الكريهة " جهاد ونية "

      نحن اليوم ندفع ثمن هجرنا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان علينا أن نهاجر معه أو إليه : إلى سنته فنعمل بها .
      كان علينا أن نهاجر إلى سنته ولكننا هجرناها .
      هجرنا سنته في سنن الحرب والجهاد ، فخسرنا فتح فرنسا : نعم خسرنا فتح فرنسا على يد عبد الرحمن الغافقي ، خسرناها بمخالفة استمرارنا على الجهاد ، خسرنا فتح فرنسا بمخالفة شبيهة بمخالفة بعض المسلمين في غزوة أحد ، وخسرنا فرنسا بمخالفة سنته صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بأمر المسلمين ، بمعرفة أحوال المسلمين ، بمعرفة تاريخ الإسلام ، وليسأل القارئ عمن يعرف شيئا عن هذه القضية
      وخسرنا الأندلس ، وخسرنا الهند ، وخسرنا شرق أوربا ، وخسرنا فلسطين ، وخسرنا المسجد الأقصى ، وها نحن نخسر العراق ، ثم نخسر أمن الشرق الأوسط ، ثم نخسر أمن المسجد الحرام

      وهجرناها في سنة الوحدة
      هجرنا سنته صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بأمر المسلمين وهو أقل درجات الوحدة فأسقطنا المسلمين المضطهدين من حسابنا خوفا من تهمة الإرهاب

      وهجرنا سنته صلى الله عليه وسلم عند ما هاجرنا حيث لا تجوز الهجرة ، حيث منعها الرسول صلى الله عليه وسلم : في الأندلس مثلا ( النوع الثالث ) ، وقد يتساءل البعض : وكيف كانوا لا يهاجرون وقد انصب عليهم العذاب ، نقول : يستعدون لهذا اليوم قبل أن يقع فربما - أو أغلب الظن - أنه كان لا يقع ، " جهاد ونية " ، "جهاد ونية " نستعد له لا بالاستمتاع بالدنيا وعيش النعومة ، والأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها .
      إنه ليس من طبيعة الأشياء بالنسبة للمسلم أن يأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها ، لأن أرضه التي يقف عليها إنما فتحت له بالجهاد والنية ، فإذا تخلى عن الجهاد والنية وشرع يأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه منها أهلها كان لا بد من أن ينفصل عن فيزيائيته الخاصة ، وكان من ثم لابد من أن تتزلزل أرضه تحت قدميه
      إن أفقر الفقراء فينا اليوم يأخذون بدين هذه الحياة الدنيا فيتقاتلون بعضهم مع بعض ، ويتقاتلون بالانضمام إلى صفوف أعدائهم الذين يعملون على إبادة المسلمين ، يتقاتلون هكذا للأخذ من هذه الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها ، بينما كان أغنى الأغنياء في جيل الصحابة والسلف الصالح يأخذون بدين الآخرة فيأخذون من الدنيا بتواضع ، يأخذون ما يوصلهم لثواب الآخرة . وهذه هي المفارقة .
      أنظروا إلى بعض الأقليات في بعض البلاد الإسلامية : لقد أصبحت سرا ترسانات أسلحة ..هكذا الرجال ، واليوم نبكي كما تبكي النساء ملكا لم نحافظ عليه كما يحافظ الرجال .
      إن المسلمين في قضية الهجرة إنما يقيمون على أرضهم بتأشيرة إقامة إلهية باسم الإسلام ، فإذا فقدوا هذه التأشيرة أو تنازلوا عنها لم يكن لهم أرض ولا وطن ولا هجرة .

      هنـــــــــــــا

      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • #4
        لحظة من فضلك هل تريد أن تحيا في نور الهجرة الي الله

        في خضم الأمواج المتلاطمة من التيارات الفكرية والعقدية، وفي خضم المدنية المرهقة وثورة الجسد وهزال الروح، يقف الإنسان حائراً يبحث عن طريق للخلاص، ومنفذ للنجاة، وسبيل يأنس إليه ويعيش في كنفه، موفور الكرامة مستريح البال.. مطمئن النفس.. ويتساءل بلهفة: أين أجد الحياة الطيبة والسعادة الحقيقة؟، أين أجد ربيع النفس وسلو القلب وبهجة الروح؟، أين أجد راحة البال وأنس الخاطر؟، أفي هذه الحياة الدنيا محل للسعادة أم هي دار للعمل والنصب والكدح؟!

        الحياة في القرآن.. نظرات.. وتأملات:

        إن هذه الحياة الدنيا خلقها الله جل وعلا للابتلاء والاختبار ليتميز العاملون {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة الملك:2 ].

        وهذه الحياة أنسها منقطع ولذتها فانية وراحتها يتبعها أتراح، وهي دار ممر لا دار مقر، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [سورة غافر: 39]، بل إن الاطمئنان إلى هذه الحياة الدنيا والرضا بها والإعراض عن الآخرة من صفات الغافلين {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} [سورة يونس: 7].

        ومن أسباب العقوبة عند الله تعالى محبة الدنيا الملهية عن الآخرة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سورة النحل: 107]، وقد نهى الله عموم الناس عن الاغترار بالحياة الدنيا فقال سبحانهَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة لقمان: 33]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [سورة فاطر: 5].

        ويقول سبحانه: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت: 64].

        إن هذه النصوص المتكاثرة تدل على أن الدنيا إن هي إلا دار الترحل منها قريب، وإنما هي للإعداد والعمل والنصب والكدح، وصدق الله {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} [سورة الرعد: 26].

        وفهم هذه النصوص هام لفهم معنى العبودية ولفهم معنى الجزاء في الآخرة ولفهم الفرق في السعادة بين الدارين.

        وهذه الدنيا وان كانت متاعاً وبلغة فإن فيها زادنا إلى الآخرة وفيها العمل الصالح، يقول أبي بن كعب رضي الله عنه: "هل تدري ما الدنيا؟!، فيها زادنا إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نجزى بها" (سير أعلام النبلاء)، يقول تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [سورة الكهف: 46].

        وفيها نصر الله للمؤمنين وارتفاع شأنهم في الحياة الدنيا، قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر: 51].

        فالحياة الدنيا مزرعة يحصد منها كل زارع ما ذراه، ويبقى قول الحق تبارك وتعالى أنها ليست محط الرحال بل هي دار للمرور، ونكدها أكثر من سعدها، قال تعالى مؤكداً هذا المعنى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد: 20].

        ومع هذا كله فإن ثمة حياة طيبة يستروحها المؤمنون، تصبرهم على ضنك العيش، وبؤس الدنيا، ونكد العشير، تبدلهم بالهم أنساً وبالضيق سعادة وحبوراً.

        قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولتجزينهم أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 97].

        وهذه الحياة المنشودة بها وصف زائد عن كونها حياة فهي حياة (طيبة).

        يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مجلياً هذا المعنى: "الحياة الطيبة أول طريقها: أن تعرف الله، وتهتدي إليه طريقاً يوصلك إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة؛ فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكلِّيَتِه، ويزهد في التعلُّقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة".

        يقول ابن القيم رحمه الله: "وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً.

        وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح فإنه ملكها؛ ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره وهي عكس الحياة الطيبة" (مدارج السالكين).

        فالحياة الطيبة مليئة بالراحة والهناء الحسي والمعنوي الظاهر والباطن من رزق حلال وسعادة ودوام الصلة بالله وانشراح الصدر، يشعر بها المؤمن ويذوق حلاوتها الموحد، فهي لذة تعتلج في القلب ولا تصفها الكلمات، فإذا استطعنا أن نحدد معنى تغريد العندليب وهبوب النسيم وعبيره وصدى الروابي، استطعنا وصف هذه الحياة إنها حياة تجيء إلى حشاشة الفؤاد من دون استئذان، وتسري فيه دون ممانعة من صاحب القلب الحي.

        هل يمكن أن نحبس النسيم أو نمسك الظلال السابحة فوق المروج؟

        فوصف هذه الحياة بـ(الطيبة) هو وصف لازم لها، فليس المراد حياة اللعب واللهو بل الحياة الطيبة المؤمنة المتصلة بخالقها التي تجسد العبودية في سكناتها.. في أفراحها.. في ألمها.. في كل منقلب لها.. فهي لله.. وبالله.. وعلى الله.. وثمة السعادة.

        إن الصلة بالله هي قوام الحياة الطيبة، بها يسكن القلب، وتهفو الروح وتصلح الجوارح، ويُلم شعث الفؤاد؛ لأن "القلب لا يصلح ولا يفلح، ولا ينعم ولا يسر، ولا يطيب ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده، وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه بالفطرة من حيث هو معبودة ومحبوبة ومطلوبة، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسطون والطمأنينة، وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له...

        ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصوده.. ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة(لا إله إلا الله) ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله.

        وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك" (العبودية: ص54).

        ولكي نشعر بهذه الحياة الطيبة ثمة شرط لا بد من توافره ألا وهو العمل الصالح، والأعمال الصالحة كثيرة متفاوتة في درجاتها وشعبها.

        ولكن أعظمها وأهمها توحيد الله تعالى وطاعته، فكلما كان المرء أعظم توحيداً وأكثر طاعة كلما اكتمل طيب حياته وسرورها، وكلما ابتعد عن حقائق التوحيد ومعاني الطاعة كلما ازداد وحشةً وهماً وألماً.

        فلننظر كيف يعيش الموحد الذي جعل رضا الله غاية له في جميع أعماله كيف يبدله الله بثقل التكليف راحة واطمئناناً وسكينة؟، ولننظر أخرى إلى من شرد عن هدى الله كيف يبدله الله بالمشتهيات المحرمة ألماً وحيرة واضطراباً {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة الملك: 22].

        الحياة.. التوحيد.. الطاعة:

        قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} [سورة إبراهيم: 24].

        يقول سيد قطب رحمه الله: "وهذه الآيات تدل على أن التوحيد هو الأساس الذي يقوم عليه البناء، ولكن هذا الأساس لا يكفي في النجاة دون العمل الصالح وتزكية النفس واستقامة السلوك، كما لا يكفي أساس البناء دون رفع الأعمدة والجدران ليتم الانتفاع من البناء، ولا تكفي جذور الأشجار دون أن تنبت الأغصان وتثمر الثمار.

        أما كلمة الشرك فهي كالشجرة الخبيثة التي لا أصل لها ولا ثبات، وقد تهيج وتتعالى ويخيل إلى الناظر أنها أقوى من الشجرة الطيبة، لكنها تظل هشة لا جذور لها تترسخ بها، وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض، فلا يبقى له قرار، وهذا هو حال المشرك في اضطرابه وقلقه وعدم رسوخه وهو مقطوع الأصل لا صلة له بالفطرة السليمة التي أوجدها الله في النفس" (في ظلال القرآن).

        يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع" (إعلام الموقعين لا بن القيم).

        فأثر هذه الكلمة الطيبة التثبيت في الدنيا وفي الآخرة كما قال الحق تبارك وتعالى في آخر الآيات: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [سورة إبراهيم: 27].

        فتوحيد الله جل وعلا من حققه دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهو سبب لمغفرة الذنوب وتكفيرها، وسبب لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما، ويمنع الخلود في النار، إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.

        ويحصل لصاحبه الهدى والكمال والأمن التام في الدنيا والآخرة، وهو السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من قال: (لا إله إلا الله خالصاً) من قلبه.

        وجميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، وتوحيد الله جل وعلا يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والتوحيد يخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، وبقدر زيادة العبد من الطاعة الخالصة لله تعالى بقدر ما ينال من الراحة والاطمئنان والحياة الطيبة.

        يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة، والله أعلم" (القول السديد في مقاصد التوحيد).

        إن التوحيد الذي ننشده هو الذي يملئ النفس حركة وفعلاً، يملئ الروح تقىً وخشية، إنه التوحيد الذي يلتجئ صاحبه إلى الله في كل ملماته، فلا يخشى إلا الله ولا يرجو إلا الله، وبه يستدفع آلام الحياة الدنيا وأوصابها وعذاباتها، وعلى الله يتوكل في جميع أموره، ومن كان هذا حاله صار الله سمعه وبصره... وثمة الحياة.

        في ظلال الحياة الطيبة:

        إن العمل الصالح أصل عام لتحصيل الحياة الطيبة بشموله وعمومه، فمن فروعه الجالبة للحياة الطيبة ذكر الله تعالى ومن أعظمه قراءة القرآن.

        {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} [سورة الإسراء: 82].

        وقال سبحانه عن القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [سورة فصلت: 44].

        ويقول سبحانه عن أثر ذكره على قلوب المؤمنين: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].

        إن الذاكر لله هو الحي حقيقة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» [رواه البخاري].

        يقول الصحابي الفقيه معاذ بن جبل رضي الله عنه: "ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]" (سير أعلام النبلاء).

        قيل لأبي الدرداء وكان لا يفتر من الذكر: "كم تسبح في كل يوم؟"، قال: "مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع" (سير أعلام النبلاء).

        قال أبو الحسين الوراق: "حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير، ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟" (إغاثة اللهفان).

        يقول ابن القيم رحمه الله عن حال شيخه شيخ الإسلام وما مر به من سعادة وهناء وراحة وهو مستغرق في ذكر الله مع أنه مسجون:

        "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة"، وقال لي مرة: "ما يصنع أعدائي بي؟!، أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة"، وكان يقول في محبسه في القلعة: "لو بذلت ملىء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة"، أو قال: "ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا"، وكان يقول في سجوده وهو محبوس: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله"، وقال لي مرة: "المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه".

        ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [سورة الحديد: 13]، وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه.

        وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها" (الوابل الصيب).

        ومن أغذية الحياة الطيبة أداء الفرائض:

        إن الإنسان قد طبع بطابع الهلع، فإن أصابه الخير منع، وإن أصابه الشر جزع، وهذا ولا شك اضطراب يعتري الإنسان إلا إذا كان مصلياً قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّين} [سورة المعارج: 19-22]، إنها صورة للأمن النفسي وسكينة الحياة التي يشعر بها المصلي.

        عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» [رواه مسلم].

        وقال صلى الله عليه والسلام: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها» [صححه الألباني].

        وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» [صححه الألباني].

        وصدق ابن رواحة حين قال:
        وفينا رسول الله يتلو كتابه *** إذا انشق معروف من الفجر ساطع
        أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا *** به موقنات أن ما قال واقع
        يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

        إنها لذة الطاعة، وحلاوة المناجاة، وأنس الخلوة بالله، وسعادة العيش في مرضاة الله؛ حيث يجد العبد في نفسه سكينة، وفي قلبه طمأنينة، وفي روحه خفة وسعادة، مما يورثه لذة لا يساويها شيء من لذائذ الحياة ومتعها، فتفيض على النفوس والقلوب محبة للعبادة وفرحًا بها، وطربًا لها، لا تزال تزداد حتى تملأ شغاف القلب فلا يرى العبد قرة عينه وراحة نفسه وقلبه إلا فيها... وثمة الحياة.
        عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» [رواه مسلم].

        فالصلاة تورث السكينة والاطمئنان، وتغسل الذنوب، وتمحوها، وبها تحصل راحة الفؤاد، وبها قرة العين، وهي تكفر الذنوب والخطايا... وثمة الحياة.

        يقول عدي بن حاتم رضي الله عنه: "ما دخل وقت الصلاة حتى أشتاق اليها"، وعنه: "ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء" (سير أعلام النبلاء).

        "إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة؛ وتجد فيها النفس زاداً أنفس من أعراض الحياة الدنيا.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام.. وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زاداً للطريق، وريّاً في الهجير، ومدداً حين ينقطع المدد، ورصيداً حين ينفد الرصيد.." (في ظلال القرآن).

        ومن أغذيتها الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [سورة الأنفال: 24].

        قال ابن قتيبة: "{لِمَا يُحْيِيكُمْ} يعني الشهادة، وقال بعض المفسرين: (لما يحيكم) يعني الجنة فإنها دار الحيوان وفيها الحياة الدائمة الطيبة، والآية تتناول هذا كله، فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحيي القلوب، الحياة الطيبة وكمال الحياة في الجنة والرسول داع إلى الإيمان والى الجنة فهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة" (الفوائد بتصرف يسير).

        إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة..

        إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء..

        فهذه هي الحياة الطيبة وفي سبل تحصيلها فليتنافس المتنافسون، وإليها فليسارع المسارعون، ومن أجلها فليسابق المسابقون.. "ولكن كيف يصل إليها من عقله مسبي في بلاد الشهوات، وأمله موقوف على اجتناء اللذات، وسيرته جارية على أسوأ، العادات ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات، وهمته واقفة مع السفليات، وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات" (مدارج السالكين).

        الحياة.. الشرك.. البدعة.. المعصية:

        فكما أن الموحد يشعر بالهناء والسعادة والغبطة والطمأنينة فبعكسه المشرك يطارده الشقاء والألم، وإن بدا للناظر عكس ذلك فإن اختلال الوجهة وسوء المنقلب وضعف البصيرة تورث هماً وعنتاً في الفؤاد واختلالاً في المفاهيم حتى يتبدا للرائي الخطأ صواباً والصواب خطأً، وهذا كله مرده الإعراض عن طريق الحق، ولا شك أن هذا مصدر ضنك عظيم للإنسان.

        ليس من مات فاستراح بميت** إنما الميت ميت الأحياء

        إن الفرق بين من حقق توحيد الله وبذل وسعه في طاعة الله وبين المشرك المتدنس بأنواع المعاصي كالفرق بين الحي والميت قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122].

        لقد ضرب الله الأمثال ليبين لنا حال المشرك واضطرابه وبؤسه وشقائه، فمثل المشرك كمن يسقط في هوة سحيقة فتخطفه الطير الجارح فتمزقه تمزيقاً: {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [سورة الحج: 31].

        إنها صورة بائسة تقشعر لها الأبدان وتهلع لرؤيتها الأعين وتضطرب لهولها القلوب تأمل المشرك وقد سقط في محيط سحيق فتهتوشه الطيور الجارحة من كل حدب وصوب، وتمزقه بمناقيرها وقوادمها، فلا يدري أين رأسه من رجليه؟ بل صار هباء منثوراً.

        وصورة أخرى تخلع القلوب فمثل المشرك كمن يسقط في هوة سحيقة ليس لها قرار سقوط تضطرب لأجل الأفئدة... وما لجرح بميت إيلام.

        والمشرك حيران لا يدري إلى أين يتجه وأي طريق يسلك بل هو يتخبط تخبطاً، قال الله تعالى: {قُل ْأَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: 71].

        ولكن... من هو المشرك الذي يستحق هذه الأمثال المضروبة؟

        إن المشرك هو من اتخذ نداً مع الله سواء كان هذا الند في ربوبية الله أو ألوهيته قال الله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 22]، واتخاذ الند لله أعظم الذنوب فقد روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الذنب أعظم عند الله؟"، قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» [رواه البخاري ومسلم]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [رواه مسلم].

        يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله معرفا الشرك بأنه: "إشراك دعاء غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة" (التحرير والتنوير).

        فمن صرف عبادة لله وجعلها لغيره فقد أشرك بالله، كمن يدعو غير الله أو يسجد لقبر آدمي ولو كان صالحاً أو ذبح لغير الله أو نذر لغيره فقد وقع في الشرك ووقع في الحيرة ووقع في الاضطراب ولابد.. وثمة الشقاء.

        والابتداع بريد الشرك وطريق من طرقه وسبيل من سبله، إن فساد الاعتقاد في الله يولد وحشة في القلب، فإلى من يلتجئ من اعتقد أن الله ليس بخارج العالم ولا داخله؟، وإلى من يرجع من اعتقد أنه حال في ذات الله؟، أو أن الله متوحد معه؟... نعوذ بالله من الخذلان.

        يقول ابن تيمية رحمه الله: "وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة بل وبالتصوف الذين لم يحققوا ما جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه لما قال:
        لقد طفت في تلك المعاهد كلها ** وسيرت طرفي بين تلك المعالم
        فلم أر إلا واضعاً كف حائر ** على ذقن أو قارعاً سن نادم

        وأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات:
        نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال
        وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانا أذى ووبال
        ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

        لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ: وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة، وله أشعار في هذا الباب كقوله:
        فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري
        سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
        إيابه بعد سفره بأذى السفر!

        وابن رشد الحفيد يقول لما حضره الموت: "أموت ولم أعرف شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الممتنع"، ثم قال: "الافتقار وصف سلبي، أموت ولم أعرف شيئاً" ـ حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت-.

        وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف، وكان يقول: "يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به"، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وهأنذا أموت على عقيدة أمي"، أو قال: "عقيدة عجائز نيسابور".

        وابن الفارض من متأخري الاتحادية صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، لما حضرته الوفاة أنشد: "إن كان منزلتي في الحب عندكم... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي... أمنية ظفرت نفسي بها زمناً... واليوم أحسبها أضغاث أحلام..." (انظر: الدرء (1/89)، ومجموع الفتاوى (4/73)، ومنهاج السنة النبوية(5/ 271)).

        إنه الجهل بالله والعلم بأغلوطات العقائد التي تورث الوحشة
        وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
        وأرواحهم في وحشة من جسومهم فليس لهم حتى النشور نشور

        قال ابن تيمية رحمه الله: "إن القلب إذا كان خالياً من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به كان معرضاً لأن يعتقد نقيضه ويصدق به لا سيما في الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية، وهي أفضل العلوم وأعلاها وأشرفها وأسماها، والناس الأكابر لهم إليه غاية التشوف والاشتياق، وإلى جهته تمتد الأعناق، فالمهتدون فيه أئمة الهدى كإبراهيم الخليل وأهل بيته، وأهل الكذب فيه أئمة الضلال كفرعون وقومه، فمن لم يكن فيه على طريق أئمة الهدى كان ثغر قلبه مفتوحا لأئمة الضلال" (درء تعارض العقل والنقل).

        أما من يتدنس بشيء من المعصية فإنه يقع في شيء من الألم والشقاء بحسب عصيانه؛ فكلما زاد عصيان العبد كلما زاد ضنكه وبؤسه، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [سورة طه: 124].

        يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "أي ضنكاً في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيش" (تفسير ابن كثير).

        في جفنه أرقٌ، في نفسه فرقٌ في جسمه سقمٌ، في عقله دخل...

        إن الذنوب والمعاصي ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟، وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء إلى الشقاء الدائم؟

        إن العبد الذي يكثر من الطاعات ويكثر كذلك من إيذاء المؤمنين هو كمن يبني جبال راسيات ولكن على طبقة الماء! فأنى لها الصمودِ.

        عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أتدرون ما المفلس؟»، قالوا: "المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع". فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار» [رواه مسلم].

        إن باغي الجنة لا بد له أن ينحر المعصية على أعتاب الطاعة إكراما لجنة عرضها السماوات والأرض.
        إنَّ سنّةَ الله لا تحابي أحَدًا، ونواميسه لا مجال فيها للاستثناء، قال تبارَكَ وتعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ} [سورة القمر: 43].

        وقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يفقهون شؤم المعصية، فهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه يسير في العسكر فيقول: "ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات" (سير أعلام النبلاء).

        حينما احتضر أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قال: "لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت" (سير أعلام النبلاء).

        خطب عبد الملك يوماً خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء شديداً ثم قال: "يا رب، إن ذنوبي عظيمة وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام، وقد روي عن غير واحد نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن" (البداية والنهاية).

        إنها الخطيئة المثبطة عن البصيرة الإيمانية، والتدفق الفكري، والتوفيق الرباني، والقوة الشرعية، إنها خطايا السمع والبصر، خطايا الفؤاد، خطايا القدمين واليدين: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [سورة الإسراء: 36].

        إن اصطحاب هذه الخطايا وأمثالها لقمن أن يورث وحشة في القلب، وتأنيباً للضمير، وازوراراً عن الحق، وبطئاً في السير إلى الجنة، وضعفاً في الزاد الإيماني، وقبل ذلك وبعده بعد عن الله واستحقاق للعقوبة.

        يقول ابن القيم رحمه الله: "إن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلا وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله" (الجواب الكافي)... وثمة الشقاء. وختاما وليس الختام الا بما قضي ولي القضاء سبحانه وتعالي لكم تحية الاسلام دائما من ابراهيم مرعي داعية اسلمي وظيفة ورسالة

        îن îëéىهْ نçمùهْ?

        Working...
        X