بين الهجر والهجرة في العصر الحديث
إذا تتبعنا الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع الهجرة نجد ثلاثة أنواع من الهجرة:
النوع الأول : حيث تكون الهجرة من دار يحس فيها المسلم بالخطر على دينه وبأنه إن استمر فيها مقيما فإنه يتعرض لفتنة غالبة على العقيدة ، وأنه سوف يتعرض لإيذاء شديد ومحنة قاسية جراء التمسك بواجبات دينه وفرائضه ، في هذه الحالة حيث تكون الهجرة من هذه الدار إلى دار أخرى تتحقق فيها السلامة والفائدة للدين …
يدعو القرآن إلى الهجرة كما يدعو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم
وفي مثل هذه الحال نجد قوله تعالى : { إِنَّ الَّذينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ قالوا فيمَ كُنْتُمْ قالوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ في الْأَرْضِ قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِروا فيها فَأولَئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصيراً ، إِلّا الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطيعونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدونَ سَبيلاً ، فَأولَئِكَ عَسى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفوّاً غَفوراً ، وَمَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً } النساء 96- 100
فهذه الآيات تدل على وجوب الهجرة على من يخاف على عقيدته ودينه في أرض الكفر ، وتعد بالعفو عمن لا يستطيع حيلة تمكنه من الهجرة ، ولا سبيل يهتدي إليه ، وهي مع ذلك تعد الشجعان الذين يقدمون على الهجرة – بما تنطوي عليه من مشقة وأهوال – بالتيسير والتوفيق .
ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات : ( هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين ، إذ يجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه .. ، والظاهر أن المراغَم المنع الذي يتخلص به ويراغِم به الأعداء ) والسعة المشار إليها في الآية يراد بها سعة من الضلالة إلى الهدى ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن القلة إلى الغنى ، وإذن فلا يصح في هذه الهجرة أن تكون هروبا ، ولكن لابد من رجحان المراغمة ضد العدو ، ورجحان المناصرة مع الإخوة
ومن هنا يقول الإمام العيني في شرحه على صحيح البخاري : ( أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا ) .
وفي هذه الحالة أيضا جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمر يقول: «لتكونَنّ هجرةٌ بعد هجرة، إِلى مُهَاجَرَ أَبيكم إِبراهيم صلى الله عليه وسلم، حتى لا يبقى في الارضينَ إِلاّ شِرارُ أَهلها، وتَلْقِطْهُم أَرضُوهم، وتَقْذَرُهم رُوح الرحمن ـ عز وجل ـ وتَحشرهم النارُ مع القردة والخنازير، تَقِيل حيثُ يقيلون، وتَبيت حيثُ يبيتون، وما سقط منهم فَلَها».
وجاء في سنن أبي داود باب في الهجرة هل انقطعت ، بسنده عن عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ أبِي عَوْفٍ عن أبي هِنْدٍ عن مُعَاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
وفي سنن النسائي بسنده عَنْ عَبْدِ الله السّعْدِيّ قَالَ وَفَدْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ أَصْحَابِي فَقَضَى حَاجَتَهُمْ ثُمّ كُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً فَقَالَ حَاجَتُكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَتَى تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفّارُ.)
وفي هذا يقول العلماء : ( أما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا ) كما ذكر العيني في شرحه للحديث في صحيح البخاري .
ومن هنا كان الإذن بالهجرة إلى الحبشة عندما اشتد العذاب على المسلمين بمكة ، قبل الهجرة إلى المدينة .
قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم : إذا خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ارض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.
قال ابن إسحاق : وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه
وكان فيمن هاجر من أعلام المسلمين الأولين مثل عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجعفر بن أبي طالب ، وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وغيرهم .
ونحن نشك في أن هذا ينطبق على أية جماعة من المسلمين في العصر الحاضر ممن نعرف أن ليس لهم وضع كالذي كانت عليه مجموعة الهجرة إلى الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
لكننا نبقيه صالحا للأخذ به من ناحية المبدأ بالشروط السابقة
أما النوع الثاني من الهجرة فإنما تكون كذلك من دار يتحقق فيها الخطر على الدين ، لكنها لا تكون إلى دار يتحقق فيها السلامة فحسب ، كما في النوع الأول ، ولكنها تكون فوق ذلك مقدمة إلى نصر على أعداء الدين .
إنه أشبه ما تكون بحركة في ميدان القتال، يرجع فيها الجيش خطوة أو يتحيز إلى فئة لينطلق بعد ذلك في طريق النصر، وهكذا كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة.
لم تكن هجرة للسلامة، ولكنها هجرة للقتال والجهاد والكفاح؛ كانت بدء مرحلة جدية من الجهاد في سبيل الله.
ومن هنا كان تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عند قدومهم إلى مكة يطلبون الحلف مع قريش ، فدعاهم إلى الإسلام ، أبطل بذلك حلفا محتملا للأعداء ، وأنشأ حلفا محققا لصالح الدعوة الإسلامية ، فكانت بيعة العقبة الأولى مع اثني عشر رجلا من الأنصار ، وأرسل معهم إلى المدينة من يعلمهم القرآن والشرائع ، وهنالك انتشر الإسلام فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلمون رجالا ونساء ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية وكان المبايعون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين ، بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأنفسهم وأن يرحل وأصحابه إليهم ، وكل ذلك تمهيدا للهجرة ، بين الغرض منها ، لم يكن الخروج لمجرد السلامة ، ولكنه التحفز لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية .
ومن هنا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة فخرجوا إليها أرسالا ، وانتظر الرسول بمكة محتجزا معه أبا بكر وعليا رضي الله عنهما ، حتى أذن بالخروج فكانت الهجرة بأحداثها ونتائجها .
وكانت بدءا لقتال تتابعت غزواته ضد المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم، وكانت بزوغا لشمس الإسلام بعد أن ظهر فجره في مكة.
وكانت ظهورا للمجتمع الإسلامي بعد أن تكون أفراده في مرحلة الدعوة المكية .
وكانت حجر الأساس في ظهور الدولة الإسلامية التي حملت الدعوة، ونشرت الإسلام في أرجاء العالم من بعد
فهذا النوع من الهجرة ليس فرارا، وليس إيثارا للسلامة، وليس إيثارا للراحة، وإنما هو انتقال من مشقة إلى مشقة، ومن جهاد إلى جهاد، وهو واجب حيثما توافرت دواعيه، وتحققت أسبابه، وترقبت نتائجه في النصر.
إنها ليست هربا من الجهاد ولكنها إعداد له .
وجدير بنا نحن المسلمين اليوم أن نستحضر التاريخ الذي هو جوهر ذاتنا ومبنى شخصيتنا
وجدير بنا أيضا ونحن نستحضره أن نلتفت إلى ما فيه من عناصر العمل الإيجابي وتحمل المسئولية ، والمسئولية القيادية ، وإخلاص التوجه إلى الله تعالى لا أن نكتفي بسرد ما فيه من نفحات الإعجاز وخوارق العادات ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقرب الناس إلى الله لم يدخر جهدا في التدبير للهجرة ، وقد بدأ هذا التدبير مبكرا بعرض نفسه على القبائل من العرب : أن يحموه وينصروه ، أخفى صلى الله عليه وسلم رسالته ثلاث سنين ثم أعلن بها في الرابعة ودعا إلى الإسلام عشرة سنين ، يوافي الموسم كل عام ، يتبع حجيج الجاهلية في منازلهم ، بمنى ، والموقف ، يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة ، ويسأل عن منازلهم ، ويأتي أسواق المواسم : عكاظ ، ومجنة ، وذو المجاز ، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه .
وفي السيرة الهاشمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف في منازل القبائل من العرب ، بمنى ، فيقول : يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وان تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني ، حتى أبين عن الله عز وجل ما بعثني به . وكان خلفه أبو لهب ، كان إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله يقول : يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات واالعزى من أعناقكم ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه .
وذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم عرض نفسه من بين ما عرض على بني عامر بن صعصعة ، فقال له رجل منهم : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
قال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث شاء . فقال له العامري : أنقاتل العرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه . وكانت نقطة فاصلة
إنها الرسالة الصاخة أسماع العلمانية منذ أربعة عشر قرنا
فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم قالوا : جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا ؟ فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ - أي تدارك – هل لها من مطلب ؟ والذي نفسي بيده ما يقولها كاذبا أحد من بني إسماعيل قط ، وإنها لحق ، وإن رأيكم غاب عنكم .
وذكر الواقدي أنه كان ممن عرض صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم : بني عبس ، وبني سليم ، وغسان ، وبني محارب ، وفزارة ، وبني نضر ، ومرة وعذرة والحضارمة ، فكانوا يردون عليه صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ، ويقولون : أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك
ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بني حنيفة ، أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب .
ويروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه سلم لقي جماعة من شيبان بن ثعلبة ، وكان معه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما ، وان أبا بكر سألهم ممن القوم : قالوا من بني شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر – أي سادات في قومهم – وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ، ومثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك .
وكان مفروق بن عمرو أقرب مجلسا إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال له : إنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة . فقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد – الطاقة – ولكل قوم جد – أي حظ وسعادة ، أي علينا أن نجتهد – وليس علينا أن يكون لنا الظفر لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء .
فقال أبو بكر رضي الله عنه : فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى ، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللقاح ، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أو قد بلغكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ؟ - أي قريش – هو ذا . فقال مفروق : بلغنا أنه يذكر ذلك ، فإلام تدعو يا أخا قريش ؟
فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وإلى أن تؤووني وتنصروني ، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد .
فقال : مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .
قال مفروق : ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم عرفناه . ثم قال : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، والبغي لعلكم تذكرون .فقال مفروق : دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك .
وكان مفروق أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال: هذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا .
فقال هانئ : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة ، فقال : هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا .
فقال المثنى : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، والجواب جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا ، فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا وأن لا نؤوي محدثا ، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك . وما دروا أن وقت النظر لا يطول ، وأن رضا ملك الملوك أولى من رضا الملوك .
هاهو النموذج العربي القديم في التبعية لملوك الدول الكبرى وأباطرتهم
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ما أسأتم في الرد ، إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه ، إن لم تلبثوا إلا قليلا ، حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ، ويعرسكم نساءهم : تسبحون الله وتقدسون ؟ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ، وَداعِياً إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبيراً } 45 – 48 الأحزاب . ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ائتهم ، فأتاهم ، فعرض عليهم ، فقال لهم : كيف العدد فيكم ؟ قالوا : كثير مثل الثرى . قال : فكيف المنعة ؟ قالوا : لا منعة ، جاورنا فارس ، فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم ، قال : فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم : أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين ، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين ، وتكبروه ثلاثا وثلاثين ؟ قالوا : ومن أنت ؟
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أنا رسول الله . ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له : هل تعرف هذا الرجل ؟ قال : نعم ، فاخبروه بما دعاهم إليه وأنه زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه .
فقالوا : لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر .
مرة أخرى : إنها التبعية المفضلة عند العرب قديما لمن يكون البوش القديم أو حديثا لمن يكون البوش الجديد
وما دروا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء ليحررهم من عبادة العباد إلى عبادة الله . وأن الله أذن لدولة العبودية في الأرض أن تزول، وما بقي إلا أن يمدوا أيديهم ليبايعوا رسوله، وقد بايعوه قديما وما بقي إلا أن يجددوا البيعة !!
ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ويقول : لا أكره أحدا على شيء ، من رضي الذي أدعو إليه فذاك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد منعي من القتل ، حتى أبلغ رسالات ربي . فلم يقبله أحد من تلك القبائل ويقولون : قوم الرجل أعلم به ، ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه !!
وما دروا أن الفساد إنما هو في ساحة قومه من المشركين، وان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليصلح ما أفسدوه .
وعن ابن إسحاق : لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم حيث تمت بيعة العقبة ومن ثم كانت بيعة العقبة الأولى ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية .
كانت تخطيطا وتدبيرا محكما لا يعفى فيه المسلمون من الجد، والتخطيط اتكالا على نصر يتقاطر عليهم من السماء.


îن îëéىهْ نçمùهْ?