إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

شتان شتان

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • شتان شتان


    كانت مهنتي الأمن ومراقبة السير ومساعدة المحتاجين . .
    كان عملي متجددا وعشت مرتاحا . .
    أؤدي عملي بجد وإخلاص . . ولكني عشت مرحلة متلاطمة الأمواج . .
    تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه لكثرة فراغي وقلة معارفي ..
    ثم بدأت أشعر بالملل . . ولم أجد من يعينني على ديني . . بل العكس هو الصحيح . .
    مللت من المشاهد المتكررة في حياتي العملية للحوادث والمصابين . .
    ولكن كان يوم مميز. .في أثناء عملنا توقفت أنا وزميلي على جانب الطريق . .
    نتجاذب أطراف الحديث .فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي . .أدرنا أبصارنا . .
    فإذا بها سيارة مرتطمة بسيارة أخرى كانت قادمة من الاتجاه، المقابل . .
    هبينا مسرعين لمكان الحادث لإنقاذ المصابين . .حادث لا يكاد يوصف . .
    شخصان في السيارة في حالة خطيرة. . أخرجناهما من السيارة . . ووضعناهما ممددين . .
    أسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية . . وجدناه قد فارق الحياة . .
    عدنا للشخصين فإذا هما في حال الاحتضار..هب زميلي يلقنهما الشهادة. .
    قولا . لا إله إلا الله . . لا إله إلا الله . .لكن لسانيهما ارتفعا بالغناء . .
    أرهبني الموقف . . وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت . .
    أخذ يعيد عليهما الشهادة . .وقفت منصتا . . لم أحرك ساكنا . . شاخص العينين أنظر. .
    لم أر في حياتي موقفا كهذا. . بل قل لم أر الموت من قبل وبهذه الصورة . .
    أخذ زميلي يردد عليهما كلمة الشهادة . . وهما مستمران في الغناء. .لا فائدة. .
    بدأ صوت الغناء يخف شيئا فشيئا. . سكت الأول وتبعه الثاني . .لا حراك . .فارقا الدنيا .
    حملناهما إلى السيارة. . وزميلي مطرق لا ينبس ببنت شفه . . سرنا مسافة قطعها الصمت المطبق .
    مزق هذا السكون صوت زميلي . . فذكر لي حال الموت وسوء الخاتمة . .
    إن الإنسان يختم له إما بخير أو بشر. . وهذا الختام دلالة لما كان يعمله الإنسان في الدنيا غالبا .
    وذكر لي القصص الكثيرة التي رويت في الكتب الإسلامية وكيف يختم للمرء على ما كان عليه بحسب ظاهره وباطنه . .
    قطعنا الطريق إلى المستشفى في الحديث عن الموت والأموات .. وتكتمل الصورة عندما أتذكر أننا نحمل أمواتا بجوارنا . .
    خفت من الموت واتعظت من الحادثة. . وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة..
    ولكن مع مرور الأيام نسيت هذا الموقف بالتدريج . .
    بدأت أعود إلى ما كنت عليه . . وكأني لم أشاهد الرجلين وما كان منهما. .
    ولكن للحقيقة أصبحت لا أحب الأغاني ولا أتلهف عليها كسابق عهدي . .
    ولعل ذلك مرتبط بسماعي لغناء الرجلين حال احتضارهما . .
    ومن عجائب الأيام . .بعد مدة تزيد على ستة أشهر. . حصل حادث عجيب . .
    شخص يسير بسيارته سيرا عاديا . . وتعطلت سيارته . . في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة..
    ترجل من سيارته . . لإصلاح العطل في أحد العجلات . .
    وعندما وقف خلف سيارته. . لكي ينزل العجلة السليمة. .
    جاءت سيارة مسرعة وارتطمت به من الخلف . . سقط مصابا إصابات بالغة..
    حضرت أنا وزميل آخر غير الأول . . وحملناه معنا في السيارة وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله . .
    شاب في مقتبل العمر. . متدين يبدو ذلك من مظهره . .
    عندما حملناه سمعناه يهمهم . . ولعجلتنا في سرعة حمله لم نميز ما يقول ..
    ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا . .سمعنا صوتا مميزا. ...
    !نه يقرأ القرآن . . وبصوت ندي . . سبحان الله لا تقول هذا مصاب . .
    الدم قد غطى ثيابه . . وتكسرت عظامه . . بل هو على ما يبدو على مشارف الموت . .
    استمر يقرأ بصوت جميل .. يرتل القرآن . . لم أسمع في حياتي مثل تلك القراءة . .
    كنت أحدث نفسي وأقول سألقنه الشهادة مثل ما فعل زميلي الأول . .
    خاصة وأن لي سابق خبرة كما أدعي . . أنصتُّ أنا وزميلي لسماع ذلك الصوت الرخيم . .
    أحسست أن رعشة سرت في جسدي. . وبين أضلعي . .
    فجأة . . سكت ذلك الصوت . . التفت إلى الخلف . . فإذا به رافع إصبع السبابة يتشهد. . ثم انحنى رأسه . .
    قفزت إلى الخلف . .لمست يده ..أنفاسه .لا شيء ..فارق الحياة . .
    نظرت إليه طويلا. . سقطت دمعة من عيني . . أخفيتها عن زميلي . .
    التفتُّ إليه وأخبرته أن الرجل قد مات . . انطلق زميلي في البكاء . .
    أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف . . أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثرا ...
    وصلنا المستشفى . .أخبرنا كل من قابلنا عن قصة الرجل . . الكثيرون تأثروا من حادثة موته وذرفت دموعهم . .
    أحدهم بعدما سمع قصة الرجل ذهب وقبل جبينه . .
    الجميع أصروا على عدم الذهاب حتى يعرفوا متى يصلى عليه ليتمكنوامن الصلاة عليه .
    في الغد غص المسجد بالمصلين . . صليت عليه مع جموع المسلمين الكثيرة . .
    وبعد أن انتهينا من الصلاة حملناه إلى المقبرة . . أدخلناه في تلك الحفرة الضيقة . .
    وجهوا وجهه للقبلة . . باسم الله وعلى ملة رسول الله . .بدأنا نهيل عليه التراب .
    اسألوا لأخيكم التثبيت فإنه يسأل . .استقبل أول أيام الآخرة . .
    وكأنني استقبلت أول أيام الدنيا . .
    تبت مما عملت عسى الله أن يعفو عما سلف وأن يثبتني على طاعته وأن يختم لي بخير..
    وأن يجعل قبري وقبر كل مسلم روضة من رياض الجنة. .
    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بينناوبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا
    * منذ ولدت و أنت تفخر بالاسلام ..... فمتى يفخر الاسلام بك؟؟؟ *
Working...
X