إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

الإنفراط العظيم ! .

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • الإنفراط العظيم ! .

    الإنفراط العظيم (1 )

    لـيـس مـن الـعقـلانية ولا من الأمانة نسيان المشكلات الكبرى لدى الغرب في خضم الدعوة للاقتداء به والسير على منواله

    الانفراط العظيم: اسم كـتـاب جديد لعالم الاجتماع والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما(1) الـذي كـان قـد ذاع صـيـته بعد أن أصدر كتابه: (نهاية التاريخ) الذي كان قد زعم فيه أن النظام الغربي: اللـيـبرالي في السياسة، والرأسمالي في الاقتصاد هما وحدهما النظامان اللذان يتناسبان مع الفطرة الإنسانية؛ لأنهما اللذان يحققان ما في تلك الفطرة من نشْدَانٍ للكرامة؛ فهما يمثلان لذلك نهاية التاريخ في هذا المجال، أعني مجال النظم السياسية والاقتصادية ، وأن هـذا هــو الذي يفسر سير العالم كله نحوهما(2). لكن فوكوياما كتب في هذا العام - بعد عشر سنوات من صدور كـتـابه ذاك - مقالاً تراجع فيه عن تلك الفكرة، وعزا تراجعه إلى أن فـكـرة الـكـتـاب كانت قـائـمـة على افتراض الثبات في الفطرة الإنسانية، وأن تتبعه للتطورات التي حدثت في علم الأحياء في هذه السنوات العشر، ولا سيما في مجال هـنـدسة الجينات، أقنعته بأن العلم الطبيعي يمكن أن يغير الطبيعة البشرية! وإذا كانت الطـبـيـعة الـبـشــريــة متغيرة فإن النظم السياسية والاقتصادية المناسبة لها ستكون أيضاً متغيرة. ولا يــدري المرء: أيـعـجـب أكـثـر من فكرة الكتاب الأولى، أم من السبب الذي دعاه للتراجع عنها؟

    أما في هذا الكتاب الجديد فإن الـكـاتــب يناقش قضية من أخطر القضايا التي لا تـقـتــصر أهميتها على المجتمعات الغربية التي هي موضوع الكتاب؛ بل تهم أو ينبغي أن تهـم كل المـعـنـيـيــن بقـضايا القيم الخلقية، وصلتها بالفطرة، وبما يحدث في المجتمع من تغيرات تقنية. إن دعاة التغريب في بلادنا ينظرون إلى الغرب نظرة مثالية تغض الطرف عن كل ما يحدث فيه من مــشـكـلات؛ لأنهم يخشون أن تكون معرفة تلك المشكلات صادة للناس عن الــسـيـر فـي طريقه الذي هو مبتغاهم. وهذا - كما ترى - ليس من العقلانية، بل ولا من الأمــانــة فـي شيء. إن غاية المواطن الأمين ينبغي أن تكون السعي لمصلحة بلده. والـسـعي للـمـصـلحة يـدخـل فيه التحذير من الطرق التي تؤدي إلى الضرر؛ لكن إذا كان المستغربون عندنا يحاولون إخفاء هذه الحقائق، فما هكذا يفعل عقلاء المفكرين الغربيين الـحـريـصـيـن على مصالح مجتمعاتهم وأقوامهم.

    إننا في العالم الإسلامي - كما هو الحال في بقية العالم - نسير في طريق الغرب في كثير من نـواحـي حـيـاتـنـا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء بضغط من الغرب نفسه، أو بتشجيع من أولئك المسـتـغـربين المبهورين به، أو لأسباب أخرى. فالاهتمام بما يحدث في الغرب من مشكلات هو إذن اهـتـمــام بمستقبلنا؛ لأن مشكلات الغرب الآنية هي مشكلاتنا المستقبلية إذا ظللنا نسير في طريقه غير معتبرين بمزالقه.

    وإذا أردنا الاعتبار فإن مما يــسـاعــدنـا عليه كثيراً هو الحقائق التي ينشرها علماء الغرب ومفكروه أنفسهم. لكن استفادتنا من الحقائق لا تعني بالضرورة قبولنا لتفسيراتهم لها، ولا للحلول التي يقترحونها. نعم! قد نستفيد من تفسيراتهم ومن حلولهم؛ لكن يجب أن نفكر لأنفسنا فنجتهد في التفسير والحل مسترشدين بديننا ومعتبرين بما حدث لنا ولغيرنا في تاريخهم وتاريخنا، والكتاب الذي بين أيدينا من الكتب النافعة في هذا المجال.

    يبدأ الكتاب بإعطائنا ملخصاً للحقائق الإحصائية لما أسماه بالانفراط العظيم في مجال القيم الخلقية فيقول:

    ازدياد في الجريمة وفي تفكك النظام الاجتماعي جعل أواسط المدن في أغنى البلاد على وجه الأرض أماكن لا تكاد تُسكن. التدهور في علاقات القربى باعتبارها مؤسسة اجتماعية ظلت قائمة منذ أكثر من مئتي عام(3) ازداد زيادة كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين في كل البلدان الغربية الصناعية. انحط معدل الإنجاب في معظم الدول الأوروبية وفي اليابان إلى درجة من الدنو يجعلها عرضة لتناقص عدد سكانها في القرن القادم إذا لم تكن هنالك هجرة إليها، قلَّ الزواج وقلَّ الإنجاب، وتفاقمت معدلات الطلاق، بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين الثلث في الولايات المتحدة والنصف في الدول الاسكندنافية. وأخيراً فإن الثقة في المؤسسات ظلت تتناقص تناقصاً كبيراً لمدة أربعين عاماً. في الخمسينات عبَّر أغلبية الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا عن ثقتهم في حكوماتهم وفي زملائهم؛ لكن أقلية ضئيلة هي التي عبَّرت عن مثل هذه الثقة في التسعينات. تغيرت اهتمامات الناس بشؤون بعضهم بعضاً، ومع أنه لا يوجد دليل على تناقص في الصلات بين الناس؛ إلا أن العلاقات بينهم صارت أقل دوماً، وأقل جاذبية، ومع عدد أقل من الناس(4).

    يقول الكاتب: إن هذا التدهور في العلاقات الاجتماعية في هذه البلدان الغربية الصناعية في الفترة ما بين أواسط السـتـيـنات إلى أوائل التسعينات كان مواكباً لانتقالٍ في هذه البلاد من العصر الصناعي إلى العصر الذي سمي بما بعد الصناعي تارة، وبعصر المعلومات أخرى.

    فهل هناك من علاقة سببية بين ذلك التدهور وهذا التطور؟

    يجيب بأنه يفترض هذا، ويقول: إن تدهوراً كهذا أعقب الثورة الصناعية في الغرب.

    ما الحل إذن؟ يجيب بأنه ليس في الدين كما يظن المحافظون.

    فِيمَ إذن؟ هنا يعود الكاتب إلـى فـكـــرة الـفـطـــرة البشرية، فيقول: إن البشر هم بطبعهم مخلوقات اجتماعية تهديهم أعظم نوازعهم وغرائـزهــم أصالة إلى أن يُنشِئوا قواعد خلقية تربط بينهم فتحيلهم إلى مجتمعات. وهم كذلك عقلاء، وعـقـلانيتهم تجعلهم يُحْدِثون طرقاً للتعاون التلقائي بينهم.

    سنكتفي الآن بهذا التلخيص لفكرة الكتاب، ثم نعود لمناقشته في حلقات قادمة بإذن الله.

    لكن يحسن أن نبدأ قبل ذلك ببيان السبب الذي يدعو أمثال هؤلاء الكتاب الاجتماعيين إلى الـعـناية بقضايا القيم الخلقية الآن. لقد كان الرأي الشائع عند أمثال هؤلاء العلماء، والذي ما زال كـذلـك عـنـد عامة المثقفين الغربيين، أن القيم أمور نسبية، وأنها تختلف لذلك من ثقافة إلى أخرى، ومــن زمــــــان إلى زمان. وأن كلاً منها مقبول في إطار الثقافة التي توجد فيها، والزمان أو المكان الذي توجــد فـيـــه؛ فــلا مـجــال إذن للحكم عليها بالخيرية أو الشرية، ولا خوف إذن من تغيرها وتبدلها. ثم إنه تبين لبـعض علماء الاجتماع والاقتصاد أن الصورة ليست كما يرسمها هذا الرأي الشائع؛ بل إن هـنـالـك قـيـمـاً لا بــــد منها لكل مجـتـمـــــع بشري. لماذا؟ لأن الناس إذا اجتمعوا فإنما يجتمعون ليتعاونوا على تحـقـيـق مصالحهم؛ لـكــــــن هذا التعاون لا يتأتى إلا بالتزام المجتمع ببعض القيم الخلقية: قيم الصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحسن تبادل المنافع، وتوفر الثقة التي يقول فوكوياما عنها: إنها بمثابة الشحم الذي يجعل عجلة التجمعات والمنظمات البشرية تجري بطريقة أكثر كفاءة؛ فالقيم هــذه لـيـسـت - إذن - أمــــــوراً نسبية ولا «مجرد قيود تحكمية على الاختيارات الفردية؛ بل هي شرط سابق لأي عمل تعاوني».

    إنــه لا بــد لكل مجتمــع مــن نظام سياسي ونـظـــــام اقتصادي، لكن النظــم السياســية والاقتصاديـة لا تعمل ولا تنجح إلا في مجتمع متماســـــــك. ولكي يتماسك المجتمع فإنه بحاجة إلى تلك القيم التي صار الاقتصاديون وعلماء الاجتماع يطلقون عليها اسم: الرأسمال الاجتماعي.

    الهوامش:

    (1) Fukuyama, Francis. The Great Disruption: human nature and the reconstruction of social order, The Free Press, New York, 1999 والمؤلف هو الآن أستاذ السياسات العامة بجامعة جورج ميسن بولاية فرجينيا، وقد عمل قبل ذلك بوزارة الخارجية الأمريكية.

    (2) ذكر المؤلف في كتابه ذاك بأن المسلمين هم الوحيدون الذين ما يزالون يعتقدون أن عندهم بديلاً أحسن.

    (3) لعله يعني في الولايات المتحدة.

    (4) انظر: ص 4 من الكتاب.

    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
    أَنَا وَمَنِ
    اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ





  • #2
    الانفراط العظيم ( 2 ) الأسباب والآثار

    الانفراط العظيم ( 2 ) الأسباب والآثار

    مـا زلـنــا نستعرض بعض ما جاء في كتاب الانفراط العظيم لعالم السياسة الأمريكي الشهير فوكوياما.

    الأسباب:

    يـبـدأ الكاتب في شرحه للأسباب التي أدت إلى ذلك التمزق في المجتمعات الغربية بمقدمة منهجية معقولة هي أنه ما دامت مظاهر هذا التمزق عامة في كل الدول الغربية الصناعية، ومـــا دامت قد حدثت مجتمعة، وفي فترة زمنية محددة، فإن هذا يدعونا لأن نبحث لها عـن أسباب في أمر أو أمور مشتركة بين هذه الأقطار، لا في الأسباب الخاصة ببعضها دون بعض.

    ويــرى تـبـعاً لذلك أن السبب الأساس لها كان تحولاً ثقافياً، تحولاً قيمياً تمثل في اشتداد النزعـــة الفردية، وأن أعظم ما أثرت فيه هذه النزعة الفردية هو العلاقات بين الجنسين، والأسرة على وجـــه الخصوص. وأن مظاهر ذلك الانفراط أو التمزق نشأت كلها تقريباً عن التفكك الذي أصاب الأسرة.

    لكنه يعود فيقول: إن الـقـــول بـأن عــــزو سبب الانفراط إلى تغير في الثقافــة -في القيم- مصادرة على المطلوب؛ إذ إن السؤال ما يزال باقياً: لماذا حدث هذا التغير في القيم في كل هذه البلاد المتقدمة صناعياً، وفي فترة معينة من الزمان؟

    ويعترف بأن التحولات القيمية لها أسباب كثيرة؛ لكنه يرى أن أهم أسبابها في هذه الفترة التي يدرسها أمران جاء بهما التطور العلمي، هما: حبوب منع الحمل، والإجهاض الآمن.

    يقـــول: إن حبوب منع الحمل وتوفُّر الإجهاض أَذِنا للنساء - لأول مرة في التاريخ - بأن يتعاطـين الجنس بلا خوف من العواقب، وأن هذا جعل الذكور يشعرون بالتحرر من القيم التي كانت تفرض عليهم مسؤولية العناية بالنساء اللاتي حملن منهم.

    ويقول: إن الذي كان يمنع النساء من استبدال زوج يناسبهن مكان الزوج الذي يعشن معه، ويكتـشـفـن أنه لا يناسبهن هو أنهن لم يكُنَّ قادرات على الإنفاق على أنفسهن بسبب أنهن لم يكن يعـمـلـــن، فلما عمل النساء وصارت دخولهن تزداد باطراد وجدن أنه بإمكانهن أن يربين أطفالهن مــــــــن غير عون من الأزواج، لكن إنجاب الأطفال يقلل من فرص المرأة في العمل؛ فلكي تنجب المرأة فإما أن لا تعمل إطلاقاً، وإما أن تتوقف عن العمل لفترات، فإذا كانت حريصة على العـمــــل فإنها ستلجأ إلى الحد من الإنجاب، ثم إن قلة الأطفال تزيد بدورها من احتمالات الطلاق؛ لأن الأطفال هم (الرأسمال المشترك) بين الزوجين. ويقول: إن هناك دلائل تجريبية كـثـيــرة تـؤكــــد الصلة بين الدخول العالية للنساء وبين الطلاق والإنجاب خارج نطاق الزوجية، ثم إن ازديـــاد معدلات الطلاق يؤدي بدوره إلى عدم ثقة النساء باستمرار الحياة الزوجية، ويدفعهن إلـى تـأهـيـــل أنفـسـهـــن للعـمـل، كي يضمَنَّ مستقبلهن. ثم إن التحول من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات زاد مــن فـرص النساء في العمل؛ وذلك لأن الأعمال ذوات الرواتب العالية لم تعد تلك التي تحتاج إلى جهد جسدي لا يقــــوى عـلـيـه إلا الرجال، بل تلك التي تحتاج إلى جهد عقلي، كالعمل في مجــــال الحاسوبات، وهو أمر ينافس فيه النساءُ الرجالَ.

    الآثار:

    يذكرنا الكـاتـب بـمـا قال في بداية كتابه من أن الجريمة وانهيار الأسرة وتناقص الثقة هي معايير سلبية لما سمي بالـرأسـمـــال الاجتماعي (معايير سلبية بمعنى أن زيادتها تدل على نقص في رأس المال هذا)، وكيف أثر ذلك التغيير في القيم على رأس المال الاجتماعي هذا؟ وكيف أثر في مقدرة الناس على الاجتماع لتحقيق غايات تعاونية؟ وكيف أثر على مستوى الثقة بينهم؟ يذكر الكاتب آثاراً نوجزها فيما يلي:

    1 - إن نصف السكان في أوروبا والـيـابان ستكون أعمارهم أكثر من خمسين عاماً في غضون العقدين القادمين، وسيؤدي هذا - بالإضافة إلى ما يصحبه من نقص في عدد السكان - إلى نقص في الدخل القومي، ثم يؤدي هذا كله إلى ضعف هذه الأقطار وقلة تأثيرها على المسرح العالمي.

    2 - وأن الدول الاسكندنافية التي هي الأعلى في نسبة التفكك الأسري، هي الأعلى أيضاً في نسبة التوحد؛ إذ إن خمسين بالمائة من البيوت صارت تتكون من شخص واحد، بل إنه في مدينة أوسلو (عاصمة السويد) بلغت النسبة خمساً وسبعين بالمئة!

    3 - أثبتت كثير من الدراسات في الولايـات المـتـحـــدة أن تأثير الأسرة والأقران على أداء الطلاب أعظم مراراً من كل العوامل التي هـــي بيد السـياســــــة التعليمية العامة كرواتب المدرسين، وأحجام الفصول الدراسية، والصرف على التسهيلات الـطـلابية؛ لكنه يرى أن النساء لسن هن المسؤولات عن هذا، وأن الحل لا يكون بعدم خروجهن إلى مكان العمل. لكنه يرى في الوقت نفسه أن قائدات الحركة النسوية قد بالغن في إطراء عمل المرأة، وغفلن عن تأثيره على الأطفال، وهو تأثير لازم وواقع، وسيستمر كذلك حتى يـتـطـــــور الـعـلــم فيريحهن من عبء الحمل والإنجاب!!

    4- إن ضرر الجريمة لا يقتصر على من يقع ضحية لها، بل يتعداه إلى المجتمع كـلـــــه، وذلـك أن انـتـشـــــار الـجـريمة يقلل من ثقة الناس بعضهم ببعض، ويعوق أو يحول دون تعاونهم؛ بل إن الجريمة لتؤدي إلـى جـعــل المجتمع مجتمعاً ذرياً يحصر كل إنسان فيه اهتمامه في نفسه وفي أقرب الناس إليه. من ذلـك - مـثـلاً - أن الـجـيـران كانوا يتعاونون جميعاً على تربية أولادهم، وأما الآن - وبعد أن كثر الاعتداء على الأطـفـــال - فإذا رأى والد شخصاً يؤنب ولده فالاحتمال الأقرب أن يتصل بالشرطة.

    ما المخرَج؟

    هل كان الانفراط هذا ضربة لازب؟ هل كان أمراً حتَّمه التطور التقني، أم أنه كان بملك الـناس أن يـتـفادوه؟ يرى الكاتب أن الوسائل الاختيارية المتاحة للناس للتأثير في سير أحداثهم الاجتماعـية تتمثل في أمرين، هما: السياسات العامة "يعني ذلك التي ترسمها وتنفذها الجهات المسؤولة"، والثقافة الشائعة بين المواطنين وما تتضمنه من قيم، ويقول: إن كوريا واليابان وبـعض الدول الكاثوليكية استطاعت أن تقلل من تأثير التطور التقني بسبب اختلاف ثقافاتها عـــن الـثـقـافة الشائعة في المجتمعات الغربية؛ لكنه يرى أن محاولاتهم هذه إن أخرت حصول تلك الـنـتـائج التي حصلت في البلاد الغربية، فلن تستطيع الحيلولة دون وقوعها، ثم يتساءل: هل مـعـنـى ذلــك أن المجتمـعـات الليبرالية الـمـعاصرة صائرة لا محالة إلى مستويات أدنى فأدنى من الانحطاط الخلقي والفـوضـى الاجتماعية حتى تنفجر من الداخل؟ يرى أن الأمر ليس ميئوساً منه إلى هذه الدرجة وأن هنالك حلاً. فما هو؟ نجيب عن هذا في مقالنا القادم - إن شاء الله -.

    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
    أَنَا وَمَنِ
    اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ




    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • #3
      الإنفراط العظيم ( 3 ) الأسباب و الآثار

      الانفراط العظيم ( 3 ) الأسباب والآثار

      هـذا أوان أن نرجع إلى الانفراط العظيم ونتساءل: ما الذي سيحدث بعد هذا؟ هل كُتب علـيـنا أن ننحدر إلى مستويات أدنى فأدنى من الفوضى الاجتماعية والخلقية؟ أم أن هناك سبباً معقولاً يدعونا لأن نتوقع بأن هذا الانفراط حالة طارئة، وأن الولايات المتحدة والدول الأخرى التي عانت منه ستنجح في أن تكــون لها قيم من جديد؟ وإذا حدثت هذه الإعادة للقيم، ففي أي صورة ستكون؟ هل ستحدث تـلـقـائـياً، أم أنها ستتطلب تدخل الدولة عـن طريــق السياسات العامة؟ أم أنه لا بـد لنا من أن نـنـتـظـر حـدوث بعث ديني لا يمكن التكهن بمداه، ولا يمكن السيطرة عليه، لنعيد القيم الاجتماعية؟

      هكذا بدأ الكاتب الأمريكي فوكوياما الفصل الأخير من كتابـه (الانفراط العظيم) الذي كان قد قدم له بعدة فصول استغرقت أكثر من مائة صفحة، كان قــد ذكـر فيها مصادر النظام الاجـتـماعي، وحـصـرهـا في أربعة هي: الطبيعة البشرية، والتنظيم الذاتي، والـديـن، والسياسة، ثم تساءل هنا: عـن أي مصدر منها سنستمد في المستقبل؟ سنذكر فيما يلي رأي الكاتب ملخصاً مع تعليقات على بعض فقراته.

      هل سيستمر الانحدار؟ يجيب الـكـاتـب بــأن الانفراط العظيم الذي حدث في المدة التي حددها ليس نهاية المطاف، بل إنه ستكون عودة إلى الـقـيم اللازمة للمجتمع. لماذا؟

      لأنه قد حدث مثل هذا الانفراط من قبل في التاريخ الأوروبـي والأمريكي، بل وفي اليابان؛ لكنه لم يستمر؛ بل عاد الناس بعده إلى الالتزام بالقيم الضرورية لكل مجتمع إنساني. فهل سـيـحدث مثل هذا الرجوع إلى تلك القيم الآن كما حدث من قبل؟ يتفاءل الكاتب بأن هذا سيحدث، بل يرى أنه بدأ يحدث فعلاً؛ فمعدلات الزيادة فـي الـجـريـمـة، والـطـــلاق، والأطفال غير الشرعيين، وفقدان الثقة، بدأت تتباطأ كثيراً في التسعينات، بل إن بعضها انعكس. كما أنه حدث تحول بقدر مائة وثمانين درجة في آراء الأكاديميين بالنسبة للقيم؛ فهم الآن يقولون: إن القيم وتركيب الأسرة تؤثر تأثيراً كبيراً في ما يحدث في المجتمع. إن فترة تعاظم الفردية قد انتهت، وبعض القيم التي محتها فترة الانفراط بدأت تعود، وبدأت أصوات مؤثرة تنادي بضرورة الانضباط في السلوك وتحمل مسؤوليات الأسرة والأطفال. وهــذه الأصوات أشد ما تكون مخالفة لما كان يقوله المعالجون النفسيون للناس في الستينات والـسـبـعـيـنـات. لـقــد كـانــوا ينصـحـونهم بمماشاة شهواتهم، وأن لا يلقوا بالاً للضوابط الاجتماعية التي تقف في طريق "نموهم الشخصي".

      وهو يرى أن هذا الاتجاه سيستمر. لماذا؟ لأن الناس بطبيعتهم حيوانات اجتماعية، وهم ـ إلى ذلك ـ صناع عقلانيون للقيم الحضارية. والـفـطـــرة والـعـقـلانية يعين كلاهما على نمو الفضائل العادية مثل: الأمانة، والثقة اللذين يكونان أساس الرأسمال الاجتماعي. ويضرب مثلاً على ذلك بالقيم المتعلقة بالأسرة. لقد حدث تغير هائل بـعـــد الستينات في القيم التي تضبط سلوك الرجال والنساء فيما يتعلق بالأسرة، تغيرٌ كانت نتـيـجـتـــه الإضرار بمصالح الأطفال: فالرجال عزفوا عن الأسر، والنساء أنجبن بطريقة غير شرعية، والأزواج تفارقوا لأتفه الأسباب. وكثيراً ما تضاربت مصالح الآباء والأبناء؛ فالوقت الذي يُـقــضـى في أخـذ الولد إلى المدرسة أو الملعب، يكون على حساب وقت يُقضى في وظيفة، أو مع صـديقـة، أو فـي أي نشــاط ترفيهي. لكن الوالدين لهم مصلحة فطرية في العناية بأطفالهم، فإذا ما بُيِّن لهم أن سلوكهم هذا يضر بأولادهم، فمن المحتمل أن يغيروا سلوكهم تغييراً يكون فيه عون للأولاد. لكن الوصول إلى مثل هذا القرار العقلاني لا يتأتى آلياً؛ ففي فترة الانفراط العظيم أفرزت الثقافــــة العامة صوراً إدراكية أعمت الناس عن رؤية الآثار الضارة لسلوكهم حتى على أقرب الـنــاس إليهم؛ فقد كان علماء الاجتماع يقولون لهم: إن النشأة في أسرة مفككة ليس بأضر من النشأة في أسرة متماسكة. بينما كان المختصون في معالجة المشكلات الأسرية يطمئنونهم بأنه من الأفضل للأطفال أن يتفرق الوالدان بدلاً من أن يبقيا متشاكسيْن. وقالوا لهم بأن سعادة أبـنـائـكــم فـي سـعـادتـكـم، فلا بأس عليكم من أن تقدموا مصلحتكم على مصلحتهم. هذا وكانت الثقافة العامة تـصــبُّ عـلــى الوالدين وابلاً من الأفكار التي تبرز الجنس بطريقة فاتنة، وتصور الحياة العائلية الـتـقـلـيـديــة بأنـهــا مرتع للنفاق، والقهر والخبث. إن تغيير هذا كله يحتاج إلى نقاش، وحجج، بل وحروب ثقافية.

      لكن الكاتب يذكرنا بأن النظام الاجتماعي لا يعاد تكوينه بجهود الأفــراد وحدها، بل لا بد من أن تساعد عليه السياسة العامة للدولة، عن طريق قوات الأمن وعن طريق التعليم.

      يبدو من هذا الذي ذكره الكاتب أن السبب الحقيقي للانفراط لم يكن في التطور التقني كما تقول نطريته التي بسطها في بداية كتابه، وإنما كان في بعض الأفكار الـضـالـة التي قُدِّمت للناس باسم بـعـض العلوم فصدقوها. وهذا يعني أنه لو كانت قد شاعت بين الـنــاس أفكار صـحـيـحـــة فلربما لم يكن للتطور التقني تلك الآثار التي ذكرها. كان بإمكان الـنــاس أن يستفيدوا من حبوب منع الحمل مثلاً من غير أن تشجعهم على الإباحية الجنسية.

      يتساءل الكاتب: إلى أي مدى ستستمر هذه العودة إلى القيم؟ من المحتمل - فيما يرى - أن نرى تغيراً في مـسـتـويــــات الـجـريـمــة، ومستوى ثقة الناس بعضهم ببعض وبالمؤسسات والحكومات، أكبر مما نرى في القيم الـمتعلقة بالجنس، والإنجاب، والحياة الأسرية؛ لأن التطور التقني والاقتصادي جعل الرجــــوع إلى القيم السابقة بالنسبة لهذه الأخيرة أمراً في غاية البعد؛ لأن الخوف من الحمل قد زال بـسـبـب الحبوب، ولأن الخوف من أن يعيش الطفل غير الشرعي حياة بائسة قد زال بسبب عمل المرأة وبسبب الإعانات الحكومية. وقلة الإنجاب لن تتغير؛ لأن الوالدين يريان أن مـن مصلحة أولادهم أن لا تكثر أعدادهم.

      وما يقوله الكاتب هنا مبني على تصور غالط لـمـضار الـعلاقات الجنسية غير الشرعية. إن مضارها ليست محصورة فيما ذكر؛ بل إنها لتؤثـر عـلـى العلاقة بين الزوجين وتتسبب في الطلاق، وفي اختلاط الأنساب، كما تؤثر على العلاقة بـيـن الوالدين وأبنائهم، بل إن هذه الفاحشة لتؤثر تأثيراً نفسياً سيئاً على كل مرتكب لها.

      والـفـرديـــــة التي عدها الكاتب من أسباب الانفراط لا علاقة ضرورية بينها وبين التطور التقني، بل كان بإمكان الناس أن يبقوا على أريحيتهم وهم يتطورون تقنياً.

      لكن الذي يرجــــوه الـكــاتب هو أن تتغير القيم المتعلقة بعمل المرأة. إن القيم السائدة الآن - ولا سيما في البلاد الاسـكـنـدنافـية - تعلي من قدر المرأة التي تعمل، وتنظر باحتقار إلى التي تبقى في البيت. فإذا ما تـبـيـن أن عدم بقاء الأم مع أطفالها الصغار ضار بهم فإن هذه القيمة الشائعة الآن قد تتغير فيما يرى. وقـــــد يساعد عصر المعلومات في حل إشكال عمل المرأة بأن يمكنها من أن تعمل من داخل بيتها.

      وكما كان للدين تأثير في إعادة بناء المجتمع في الماضي فيتوقع أن يكون له تأثير الآن، لكن الرجــوع إلى الدين هذه المرة لن يكون رجوعاً إلى التصديق بالوحي، بل سيكون رجوعاً إليه بسبب تأثيره الحسن على الحياة الاجتماعية.

      يـبـدو أن الكاتب ليس رجلاً متديناً؛ لكنه مع ذلك يعترف في كتابه بما للدين من تأثير في ما سمي بالرأسمال الاجتماعي. فالدين في رأيه هو الذي جعل القيم قيماً إنسانية عالمية، لا قيماً فردية أو أسرية أو قبلية. لكنه يعتقد - كما رأينا - بأنه من غير المحتمل أن ترجع المجـتـمـعــــــات الحديثة إلى التصديق بحقائق الدين. لكن قيم الدين مبنية على الإيمان بحقائقه؛ فهي تـابـعــة لهذا الاعتقاد ومنبثقة عنه، فإذا ضعف أو انعدم الإيمان بحقائقه ضعف أو انعدم الإيـمـــان بالقيم الخلقية المتصلة به. إن مشكلة الغربيين أنهم يفترضون أن كل ما يصدق على الدين الـذي عرفـــوه يصدق على الأديان الأخرى، فكأن الأديان كلها عندهم دين واحد هو الدين النصراني. ومـن الـبـداهـة أن هذا ليس بصحيح، وإذن فإن التطور العلمي والعقلاني الذي أدى إلى ضعف الإيمان بالـنـصــرانية لن يؤدي بالضرورة إلى ضعف الإيمان بالإسلام، بل المتوقع أن يؤدي إلى الإيمان به، لـمـا يجده فيه من يعرفه من عدم التناقض مع مقتضيات العقل، أو المخالفة لحقائق العلم. فلـماذا لا يكون الرجوع إلى القيم اللازمة للمجتمعات عن طريق هذا الدين الذي لا يجد الـشـخص المعاصر مشكلة في الإيمان بحقائقه؟ هذا الذي نتوقع أن يحدث:((سنريهم آياتنا في الآفـاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) [{فصلت: 53].}

      يختم المؤلف كتابه بتخوفه على المجـتـمـعات الليبرالية السائدة في الغرب الآن؛ وذلك لسببين:

      أولهما: القيم الخلقية الوحيدة التي تقدمها الليبرالية للمجتمع هي قيم التسامح والاحترام الـمـتـبـادل. لكن حين تتحول هذه القيم إلى عودة إلى التعدد الثقافي بدلاً من التسامح معه، وحين تـصـل النسبية الخلقية إلى غايتها، فإن الليبرالية تكون قد بدأت تتسبب في انهيار الأرض التي تقف عليها.

      وثانيهما: أن الـتطــور قد يجعل الالتزام ببعض القيم عسيراً مع أنها لازمة للمجتمع، فإذا ما تسارع هذا التطور لـم يـعـط الـناس فرصة للتكيف، فتكون النتيجة تأثيراً سيئاً على المجتمعات.

      ونختم نحن تعليقنا بتكرار القول بأن في الحقائق التي ذكرها الكاتب ما يؤكد أن علة العلل بالنسبة للمجتمـعات الغربية ليست في التطور التقني متسارعاً كان أم متباطئاً، وإنما هي في بعدهم عن الديـن الحق الذي يمدهم بالقيم الفاضلة، واستعاضتهم عنه بأفكار قد ثبت الآن بـطـلانـهـا وعقمها الخلقي. وعليه فلا حل لمشكلة التدهور الخلقي الذي صحب التطور العلمي والتقني إلا في الاستمسـاك بدين لا تتناقض مقرراته مع الحقائق العلمية ولا تتنافى مع القوانين المنطقية.

      والله الهادي إلى سواء السبيل

      قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
      أَنَا وَمَنِ
      اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ




      îن îëéىهْ نçمùهْ?

      Working...
      X