الشريعة
احمد يسرى
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم .
قال الإمام العلامة الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي : أحق ما ابتدىء به الكلام : الحمد لله مولانا الكريم ، وأجل الحمد ما حمد به مولانا نفسه ، فانا أحمده به : الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين . و الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور . و الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . و الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا . شكراً لما يفضل به الله علينا من نعمه الدائمة ، وأياديه القديمة ، حمد الذي يعلم أن مولاه الكريم يحب الحمد . وله الحمد على كل حال .
وصلى الله على البشير النذير ، السراج المنير ، سيد ولد آدم المذكور نعته في التوراة والإنجيل ، الخاتم لجميع الأنبياء ، ذلك هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى أصحابه المنتخبين ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، ورزقنا الله وإياكم التمسك بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وبما كان عليه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم والتابعون لهم بإحسان ، وبما كان عليه الأئمة من علماء المسلمين ، وعصمنا وإياكم من الأهواء المضلة ، إنه سميع قريب مجيب .
حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي قال : حدثنا معان بن رفاعة السلامي قال : حدثنا عبد الوهاب ابن بخت المكي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم بلغها عني ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
قال محمد بن الحسين . . . بالسنه ، أولئك اتباع النبيين ، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن تحيا بهم السنن ، وتموت بهم البدع ، وتقوى بهم قلوب أهل الحق ، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء .
باب
ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي به [ عن الفرقة ] بل الاتباع وترك الابتداع
قال محمد بن الحسين : إن الله بمنه ، وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى : أنهم إنما هلكوا بما اقترفوا في دينهم ، وأعلمنا مولانا الكريم : أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة ، والميل إلى الباطل ، الذي نهوا عنه : إنما هو البغي والحسد ، بعد أن علموا ما لم يعلمه غيرهم ، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقاً فهلكوا ، فحذرنا مولانا الكريم في كتابه عن ذلك قال تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى قوله : إلى صراط مستقيم ، وقال عز وجل : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، وقال عز وجل : إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ، وقال عز وجل : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ، وقال عز وجل : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، وقال عز وجل : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ، وقال عز وجل : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة .
قال محمد بن الحسين : فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علماً، فبغى بعضهم على بعض ، وحسد بعضهم بعضاً ، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا .
فإن قال قائل : فأين المواضع من القرآن التي نهانا الله عز وجل فيها أن نكون مثلهم ، حتى نحذر ما حذرنا مولانا من الفرقة ، بل نلزم الجماعة ؟ .
قيل له : قال الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ، وقال عز وجل : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ، وقال عز وجل : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ، وقال عز وجل : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .
قال محمد بن الحسين : فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله عز وجل ؟ وقد مر ما حذرناه مولانا الكريم من الفرقة .
ثم اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أن الله عز وجل قد أعلمنا في كتابه : أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه ، ليضل من يشاء ويهدي من يشاء ، جعل الله عز وجل ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون ، فيحذرون الفرقة ، ويلزمون الجماعة ، ويدعون المراء والخصومات في الدين ، ويتبعون ولا يبتدعون .
فإن قال قائل : أين هذا من كتاب الله عز وجل ؟ .
قيل له : قال الله عز وجل : ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ، ثم إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما أنزل إليه ، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه . ففعل صلى الله عليه وسلم ، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب بالرأي ، واتباع الهوى . قال الله عز وجل : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ، ثم قال الله عز وجل : هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون .
حدثنا أبو بكر عمر بن سعيد القراطيسي قال : أنبانا أحمد بن منصور الرمادي قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً الآية ، وقوله عز وجل : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا الآية ، وقوله عز وجل : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وقوله عز وجل : فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً وقوله عز وجل : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ، وقوله عز وجل : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الاية . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمر الله عز وجل المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرفة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله عز وجل .
قال محمد بن الحسين : فهذا ما حضرني ذكره مما أمر الله عز وجل به أمة محمد صلى الله عليه وسلم : أن يلزموا الجماعة ، ويحذروا الفرقة .
فإن قال قائل : اذكر لنا من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمته ذلك .
قيل له : نعم ، وواجب عليك أن تسمعه ، وتحذر الفرقة ، وتلزم الجماعة وتستعين بالله العظيم جل جلاله على ذلك .
باب
ذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بلزوم الجماعة وتحذيره إياهم الفرقة
حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد .
حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام . فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قيامي فيكم ، فقال : من أراد بحبحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد .
وحدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : أخبرنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا أبان بن يزيد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، أن زيد بن سلام ، حدثه أن أبا سلام ، حدثه أن الحارث الأشعري حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تبارك وتعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل يعملون بهن - وذكر الحديث بطوله - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا امركم بخمس ، أمرني الله عز وجل بهن : الجماعة ، والسمع والطاعة، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله عز وجل . فمن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يراجع .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا أيوب عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح القيسي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلبة .
وحدثنا أبو بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني قال : حدثنا محمد بن بشار و محمد بن المثنى أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فارق الجماعة وخالف الطاعة مات ميتة جاهلية . ومن اعترض أمتي برها وفاجرها لا يحتشم من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس من أمتي . ومن قتل تحت راية عمية يعصب للعصبية ، ويقاتل للعصبية ، ويدعو للعصبية - أو قال : لعصبية - مات ميتة جاهلية ، لفظ حديث أبي موسى .
وحدثنا أبو محمد يحيى بن صاعد قال : حدثنا محمد بن سليمان قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج من الطاعة وفارق لجماعة مات ميتة جاهلية .
وحدثنا أبو بكرعبد الله قال : حدثنا محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا أبوهشام الرفاعي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ثم خط حوله خطاً وخط خطوطاً ، ثم قال : هذه السبل ، فما منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إلبه .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا سليمان بن جرير قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي وانل ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطا وقال : هذا سببل الله مستقيماً ، وخط عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه . ثم قرأ : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .
عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلا : صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتوحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً ولا تفرقوا ، وداع يدعو من فوق الصراط . فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له : ويحك ، لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط : الإسلام . والسوران : حدود الله ، والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود قال : حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد قال : حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن النواس بن سمعان الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران ببنهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعاً ، ولا تتفرقوا ، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له : ويحك ، لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام ، والستور حدود الله عز وجل ، والأبواب محارم الله تعالى ، والداعي على رأس الصراط كتاب الله جل وعلا ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله - تبارك وتعالى - في قلب كل مسلم .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير عن منصور ، عن أبي وائل قال : قال : عبد الله رضي الله عنه : إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين ، ينادون ، يا عبد الله هلم هذا الصراط ، ليصدوا عن سبيل الله تعالى ، فاعتصموا بحبل الله تبارك وتعالى . فإن حبل الله عز وجل هو كتاب الله جل وعلا .
وحدثنا أبوشعيب . .... يدعو إليه . ثم تلا صلى الله عليه وسلم : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .... الخطوط التي عن يمينه ويساره .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا البهلول القاضي قال : حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط ، فقال : هذا سبيل الله جل وعلا . ثم تلا عليه الصلاة والسلام : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به .
وحدثنا الفريابي قال حدثنا ميمون بن الأصبغ و أبو مسعود أحمد بن الفرات قالا : حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه ، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضرب الله مثلا صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران وأبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط . فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب . قال : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . فالصراط : الإسلام ، والسوران : حدود الله تعالى . والأبواب المفتحة : محارم الله تعالى . وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله عز وجل . والداعي فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم .
قال : حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثني جدي قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطبة قال : إن عبد الله بن مسعود قال في خطبته : يا أيها الناس ، عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله عز وجل الذي أمر به . وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا زهير بن حرب المروزي قال حدثنا عبد الله بن موسى ، عن عيسى الحناط ، عن الشعبي قال : كان يقال : من أراد بحبحة الجنة فعليه بجماعة المسلمين .
وحدثنا أيضا ابن عبد الحميد قال حدثنا زهير بن محمد قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول قال : قال أبو العالية : تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً ، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي عليه أصحابه ، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء . فحدثت به الحسن فقال : صدق ونصح . وحدثت به حفصة بنت سيرين ، فقالت : أحدثت بهذا محمداً ؟ قلت : لا . قالت : فحدثه إذاً .
قال محمد بن الحسين : علامة من أراد الله عز وجل به خيراً : سلوك هذه الطريق : كتاب الله عز وجل ، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنن أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم ، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء ، مثل الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام ، ومن كان على مثل طريقهم ، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء . وسنبين ما يدينون به إن شاء الله تعالى .
باب
ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة؟
قال محمد بن الحسين : أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمة موسى عليه الصلاة والسلام : أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة ، كلها في النار إلا واحدة ، وأخبرنا - صلوات الله وسلامه عليه - عن أمة عيسى عليه الصلاة والسلام : أنهم اختلفوا على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : وتعلو أمتي على الفريفين جميماً ، تزيد عليهم فرقة واحدة ، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة .
ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه سئل : من الناجية ؟ فقال عليه الصلاة والسلام في حديث : ما أنا عليه أنا وأصحابي . وفي حديث قال : السواد الأعظم ، وفي حديث قال : واحدة في الجنة ، وهي الجماعة .
قلت أنا : ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا المسيب بن واضح قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : أصول البدع أربع : الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، والمرجئة ، ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طانفة ، فتلك اثنتان وسبعون فرقة ، والثالثة والسبعون ، الجماعة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنها ناجية .
أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح البخاري قال حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال أخبرنا النضر بن شميل قال حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفرق اليهود والنصارى على إحدى ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا علي بن خشرم قال أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفرقت اليهود على إحدى او اثنتين وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا الهيثم بن خارجة قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل : تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ، تزيد عليهم ، كلها في النار إلا ملة واحدة ، فقالوا : من هذه الملة الواحدة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ما أنا عليه وأصحابي رضوان الله تعالى عليهم .
حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال : حدثنا سفيان - يعني الثوري - عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن زيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثل حذو النعل بالنعل . وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار إلا ملة واحدة . قيل : من هي يارسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : ما أنا عليه اليوم وأصحابي . رضي الله تعالى عنهم .
حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي الحزاني قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا أبو معشر .
ح . وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه - ذكر حديثاً طويلاً - قال فيه : وحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمم فقال : تفرقت أمة موسى صلى الله عليه وسلم على إحدى وسبعين ملة ، سبعون في النار وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمة عيسى صلى الله عليه وسلم على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وتعلو أمتي على الفريقين جميعاً بملة واحدة ، اثنتان وسبعون منها في النار وواحدة منهم في الجنة . قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الجماعة .
قال يعقوب بن زيد : وكان علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه إذا تحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، ثم ذكر أمة موسى فقرأ : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ، ثم ذكر أمتنا فقرأ : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون .
و أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال : حدثنا الحسن [ بن ] محمد بن الصباح الزعفراني قال : حدثنا شبابة - يعني ابن سوار- قال : أخبرنا سليمان بن طريف ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن سلام ، على كم تفرق بنو إسرائيل ؟ قال : على واحدة وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة ، كلهم يشهد بعضهم على بعض في الضلالة . قالوا : أفلا تخبرنا لو قد خرجت من الدنيا لتفرقت أمتك ، على مايصير أمرهم ؟ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : بلى ، إن بني إسرائيل تفرقوا على ما قلت ، وستفترق أمتي على ما تفرقت عليه بنو إسرائيل ، وستزيد فرقة واحدة لم تكن في بني إسرائيل ، وذكر الحديث .
وحدثنا أبو عبد الله بن أبي عوف الهروي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا مبارك بن سحيم ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار الا السواد الأعظم .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن موسى بن عبيدة ، عن ابنة سعد بن أبي وقاص ، عن أبيها رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة : ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها - أو قال : عن مثل ذلك - فكل فرقة منها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة .
أخبرنا إبراهيم بن موسى الخوزي قال : حدثنا محمد بن هارون أبو نشيط و إبراهيم بن هانىء النيسابوري قالا : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا صفوان قال : حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي عن أبي عامر الهوزني ، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال - حين صلى الظهر بالناس بمكة شرفها الله - فقال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا ، فقال : ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة .
قال محمد بن الحسين : رحمه الله تعالى : رحم الله عبداً حذر هذه الفرق ، وجانب البدع ، واتبع ولم يبتدع ، ولزم الأثر وطلب الطريق المستقيم ، واستعان بمولاه الكريم .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا محمد بن بشار - بندار- قال : حدثنا معاذ - يعني ابن معاذ - قال حدثنا عبد الله بن عوف ، عن محمد - يعني ابن سيرين - قال : كانوا يقولون : إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق .
باب
ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم
حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتأخذن أمتي مأخذ الأمم والقرون قبلها شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، قيل : يا رسول الله ، كما فعلت فارس والروم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن الناس إلا أولئك ؟ .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال حدثنا سنيد بن داود ، قال حدثني الحجاج قال : قال ابن جريج أخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع ، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضاً قال حدثنا زهير بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده في المدينة ، فجاءه جبريل - فذكر حديثاً قال فيه -: جاء جبريل - يتعاهد دينكم ، لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ، ولتأخذن مثل مأخذهم ، إن شبراً فشبر ، وإن ذراعاً فذراع ، وإن باعاً فباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه .
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال : أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال حدثنا شهر بن حوشب قال : حدثنا عبد الرحمن بن غنم أن شداد بن أوس رضي الله عنه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة .
حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال : حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشراء قال : حدثنا الأوزاعي قال حدثني يونس بن يزيد ، عن الزهري عن الصنابحي ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال : لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم ، ولتنقضن عرى الإسلام عروة فعروة ، ويكون أول نقضها الخشوع حتى لا ترى خاشعاً ، وحتى يقول أقوام : ذهب النفاق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فما بال الصلوات الخمس ؟ لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون بصلاة نبيهم ، أولئك المكذبون بالقدر ، وهم أسباب الدجال ، وحق على الله أن يمحقهم .
قال محمد بن الحسين : من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل ، علم أن أكثرهم والعام منهم تجري أمورهم على سنن أهل الكتابين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، أو على سنن كسرى وقيصر ، أو على سنن الجاهلية ، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم في العمال والأمراء وغيرهم ، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية ، والأكل والشرب والولانم ، والمراكب والخدام والمجالس والمجالسة ، والبيع والشراء ، والمكاسب من جهات كثيرة ، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها ، تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب ، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . والله المستعان .
ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس ، وأن يميز هذا : إلا عاقل عالم قد أدبه العلم . والله تعالى الموفق لكل رشاد ، والمعين عليه .
باب
ذم الخوارج وسوء مذهبهم وإباحة قتالهم ، وثواب من قتلهم أو قتلوه
قال محمد بن الحسين : لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قوم سوء ، عصاة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا وصاموا ، واجتهدوا في العبادة ، فليس ذلك بنافع لهم ، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس ذلك بنافع لهم ، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون ، ويموهون على المسلمين . وقد حذرنا الله عز وجل منهم ، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم ،وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده ، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم .
والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس ، ومن كان على مذهبهم من سانر الخوارج ، يتوارثون هذا المذهب قديماً وحديثاً ، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين .
وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم الغنائم بالجعرانة ، فقال : اعدل يا محمد ، فما أراك تعدل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ ، فأراد عمر رضي الله عنه قتله ، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتله ، وأخبر عليه الصلاة والسلام : أن هذا وأصحاباً له يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون في الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأمر عليه الصلاة والسلام في غير حديث بقتالهم ، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه .
ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى ، واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى قدموا المدينة ، فقتلوا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه . وقد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان في المدينة في أن لا يقتل عثمان ، فما أطاقوا ذلك .
ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يرضوا بحكمه ، وأظهروا قولهم ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : كلمة حق أرادوا بها الباطل ، فقاتلهم علي رضي الله عنه فأكرمه الله عز وجل بقتلهم ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه ، وقاتل معه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم . فصار سيف علي بن أبي طالب في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة .
باب
ذكر السنن والآثار فيما ذكرنا
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا عيسى بن حماد زغبة ، قال : أخبرنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من حنين ، وفي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي ، فقال : يا محمد ، اعدل . فقال صلوات الله وسلامه عليه : ويلك ، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ، هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
و حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر - يعني محمد العدني - قال حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة- غنائم حنين - والتبر في حجر بلال ، فقال رجل : يا رسول الله ، اعدل ، فإنك لم تعدل ، قال عليه الصلاة والسلام : ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن اعدل ؟ فقال عمر رضي الله عنه : يارسول الله ، دعني أضرب عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، دعه ، فإن هذا في أصحاب له يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا ابن المقري قال حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة ، فقال رجل : اعدل ، فإنك لم تعدل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويحك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ فقال عمر رضي الله عنه : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : دعه .
فإن هذا مع أصحاب له - أو في أصحاب له - يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا بزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن و الضحاك الهمداني ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً قال ذو الخويصرة التميمي : يا رسول الله اعدل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يارسول الله ، أتأذن لي أن أضرب عنقه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لا ، إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد منه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه ، فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء ، سبق الفرث والدم ، يخرجون على حين فرقة من الناس ، آيتهم : رجل أدعج مخدج ، وإحدى يديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة ، تدردر . قال أبو سعيد : أشهد ، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أني كنت مع علي بن أبي طالب حين قتلهم ، فالتمس في القتلى ، فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا عمر بن أيوب قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا أبو يوسف يزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن قتادة بن دعامة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون حتى يزيد على فرقته ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه ، يدعون إلى كتاب الله ، وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم ، قالوا : يارسول الله ما سيماهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم : التحليق .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا سيار بن حاتم قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح الأنصاري ، عن كعب الأحبار قال : للشهيد نوران ، ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار ، ولجهنم سبعة أبواب : باب منها للحرورية ، ولقد خرجوا على داود نبي الله في زمانه .
قال محمد بن الحسين : هذه صفة الحرورية ، وهم الشراة الخوارج الذين قال الله عز وجل : فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ممن هذه صفته .
حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة الاية ، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله عز وجل ، فاحذروهم .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا يحيى بن حكيم قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - إلى قوله عز وجل - وما يذكر إلا أولو الألباب ، فقال صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله عز وجل ، فاحذروهم .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا المثنى بن أحمد قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل وأخر متشابهات قال : أما المتشابهات فهن آي في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن ، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة كل فرقة يقرؤون آيات من القرآن ، ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى .
ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . ويقرؤون معها : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر . ومن كفرعدل بربه ، فقد أشرك ، فهؤلاء الأئمة مشركون ، فيخرجون فيفعلون ما رأيت ، لأنهم يتأولون هذه الآية .
وحدثنا أبو بكر بن عبد الحميد قال حدثنا ابن المقري حدثنا سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ذكر لابن عباس رضي الله عنهما الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن ؟ فقال رضي الله عنه : يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عند متشابهه ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون : آمنا به .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال حدثنا ابن المقري قال حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي يزيد ، قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما - وذكر له الخوارج ، واجتهادهم وصلاحهم - فقال رضي الله عنه : ليسوا هم بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى ، وهم على ضلالة .
وأخبرنا عبد الله بن صالح البخاري قال حدثنا مخلد بن الحسين بن أبي زميل قال حدثنا أبو المليح الرقي ، عن سليمان بن أبي نشيط ، عن الحسن - وذكر الخوارخ - قال : حيارى سكارى ، ليسوا يهوداً ولا نصارى ، ولا مجوساً فيعذرون .
وحدثنا أبو عبد الله بن محمد بن شاهين قال حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا المعلى بن زياد قال قيل للحسن : يا أبا سعيد ، خرج خارجي بالخريبة - محلة عند البصرة - فقال : المسكين رأى منكراً فأنكره ، فوقع فيما هو أنكر منه .
قال محمد بن الحسين : فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام ، عادلاً كان الإمام أم جائراً ، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه ، واستحل قتال المسلمين ، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ، ولا بطول قيامه في الصلاة ، ولا بدوام صيامه ، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قلته أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين ، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمه المسلمين .
حدثنا أبو شعيب بن عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا أبو معشر .
ح - و أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال أخبرنا محمد بن بكار قال حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ذو نكاية في العدو واجتهاد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أعرفه ، فبينما هم كذلك إذ طلع الرجل ، فقالوا : هذا هو يارسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : ماكنت أعرف هذا ، وهذا أول قرن رأيته في أمتي ، إن به سفعة الشيطان ، فلما دنا الرجل ، فسلم ، فرد عليه القوم السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناشدتك بالله ، هل حدثت نفسك حين طلعت علينا : أن ليس في القوم أفضل منك ؟ فقال : اللهم نعم . فدخل المسجد يصلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : قم فاقتله . فدخل أبو بكر المسجد فوجده قائماً يصلي ، فقال أبو بكر في نفسه : إن للصلاة لحرمة وحقاً ، فلو استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فجاء إليه ، فقال صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال : لا ، رأيته قائماً يصلي ، فرأيت في الصلاة حرمة وحقاً ، وإن شئت أن أقتله قتلته ، فقال عليه الصلاة والسلام : لست بصاحبه ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : اذهب يا عمر فاقتله ، فدخل عمر رضي الله عنه المسجد ، فإذا هو ساجد ، فانتظره طويلاً ، ثم قال في نفسه : إن للسجود لحقاً ، ولو أني استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد استأمره من هو خير مني ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : أقتلته ؟ قال : لا ، رأيته ساجداً ، ورأيت للسجود حقاً ، وإن شئت يارسول الله أن اقتله قتلته . قال صلى الله عليه وسلم : لست بصاحبه . قم يا علي فاقتله ، أنت صاحبه إن وجدته ، فدخل علي رضي الله عنه المسجد فلم يجده ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قتل اليوم ما اختلف من أمتي رجلان حتى يخرج الدجال وذكر باقي الحديث .
حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا فضل بن سهل الأعرج قال : حدثنا زيد بن الحباب قال : حدثنا موسى بن عبيدة قال : حدثني هود بن عطاء الحنفي ، عن أنس بن مالك قال : كان فينا شاب ذو عبادة وزهد ، فوصفناه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسميناه باسمه ، فلم يعرفه ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل ، فقلنا : يا رسول الله ، هو ذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إني لأرى على وجهه سفعة من شيطان ، فجاء فسلم على القوم ، فردوا السلام ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجعلت في نفسك أن ليس في القوم أحد خيراً منك ؟ فقال : نعم ، ثم ولى ، ودخل المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنا ، فدخل المسجد ، فوجده يصلي فقال أبو بكر رضي الله عنه : وجدته يصلي ، وقد نهينا عن قتل المصلين ، فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مه يا أبا بكر ، فقال صلى الله عليه وسلم : من يقتل الرجل ؟ فقال عمر رضي الله عنه أنا ، فدخل المسجد فوجده ساجداً ، فقال : أقتل رجلاً يصلي وقد نهينا عن ضرب المصلين ، فجاء ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مه يا عمر ، قال عمر رضي الله عنه : وجدته ساجداً وقد نهينا عن ضرب المصلين ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : من يقتل الرجل ؟ فقال علي رضي الله عنه : أنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : أنت تقتله إن وجدته ، فذهب علي رضي الله عنه فوجده قد خرج فعاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال علي رضي الله عنه : وجدته قد خرج . قال صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو قتلته لكان أولهم وآخرهم ، وما اختلف من أمتي اثنان .
باب
ذكر قتل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - للخوارج مما أكرمه الله تعالى بقتالهم
حدثنا الفريابي قال : حدثنا صفوان بن صالح قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة قال : إن الحرورية لما خرجوا وهم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقالوا : لاحكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : أجل ، كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أناساً ، إني لأعرف صفتهم ، يقولون الحق لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - هم أبغض خلق الله عز وجل ، فيهم أسود إحدى يديه طبي شاة ، أو حلمة ثدي شاة . فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً ، فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت ، مرتين أو ثلاثة ، ثم وجد في خربة ، فأتوا به علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله بن أبي رافع : وأنا حضرت ذلك من أمرهم .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث - عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الحرورية لما خرجت وهم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً ، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم ، ولا يجاوز تراقيهم ، وأشار إلى حلقه . هم أبغض خلق الله عز وجل إليه ، منهم أسود ، إحدى ثدييه طبي شاة ، أو حلمة شاة ، فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً ، فقال : ارجعوا ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، مرتين أو ثلاثا ، ثم وجدوه في القتلى فأتوا به عليا رضي الله عنه حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله : وأنا حاضر ذلك من أمرهم ، وقول علي رضي الله عنه فيهم .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي قال : حدثنا عوف و هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة - يعني السلماني - قال : شهدت ، مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه النهر ، فلما قتلت الخوارج ، قال علي رضي الله عنه : إن فيهم رجلاً مخدج اليد ، أو مودن فنظروا فلم يقدروا عليه ، فقال ذلك ثلاثاً ثم قال : انظروا وقلبوا القتلى ، فاستخرجوا رجلا آدم مثدنا ، يده اليمنى كأنها ثدي المرأة ، فلما رآه استقبل القبلة ورفع يديه فحمد الله عز وجل فأثنى عليه وشكر الله عز وجل الذي ولاه قتلهم ، والذي أكرمه بقتالهم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لولا أن تبطروا لحدثتكم بما سبق على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من الكرامة لمن قاتل هؤلاء القوم ، قال عبيدة : فقلت : يا أمير المؤمنين ، أشيء بلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شيء سمعته منه ؟ قال : بل شيء سمعته منه ورب الكعبة .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح البخاري قال : حدثنا عبد الله بن عمر الكوفي قال : حدثنا وكيع ، عن جرير بن حازم ، و أبي عمرو بن العلاء النحوي ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيخرج قوم فيهم رجل مودن اليد ، أو مثدون اليد ، أو مخدج ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله عز وجل الذين يقتلونهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . قال عبيدة : فقلت لعلي رضي الله عنه : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، سمعته إي ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة سمعته .
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا لوين محمد بن سليمان قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن عبد الله بن شريك العامري ، عن جندب رضي الله عنه قال : لما كان يوم قاتل علي رضي الله عنه الخوارج نظرت إلى وجوههم وإلى شمائلهم ، فشككت في قتالهم ، فتنحيت عن العسكر غير بعيد ، فنزلت عن دابتي ، وركزت رمحي ، ووضعت درعي تحتي ، وعلقت ترسي ستراً من الشمس ، وأنا معتزل من العسكر ناحية ، إذ طلع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت في نفسي : ما لي وله ؟ أنا أفر منه ، وهو يجيء إلي ، فقال لي : يا جندب ، ما لك في هذا المكان ، تنحيت عن العسكر ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أصابني وعك ، فشق علي الغبار ، فلم أستطع الوقوف ، فقال : أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر ؟ ثم ثنى رجله ، فنزل ، فأخذت برأس دابته ، وقعد فقعدت ، فأخذت الترس بيدي فسترته من الشمس ، فوالله إني لقاعد إذ جاء فارس يركض ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين ، فالتفت إلي ، وقال : إن مصارعهم دون النهر ، وإن الذي أجده عنده واقف ، إذ جاء رجل آخر، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد والله عبروا ، فما بقي منهم أحد ، قال : ويحك ، إن مصارعهم دون النهر. فجاء فارس آخر يركض . فقال : يا أمير المؤمنين ، والذي بعث نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رجعوا ، ثم جاء الناس ، فقالوا : قد رجعوا ، حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاماً على العبور ، ثم إن رجلاً جاء ، فقال : يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف ، ورموا فينا ، وقد جرحوا فلاناً ، فقال علي رضي الله عنه : هذا حين طاب القتال ، فوثب فقعد على بغلته ، فقمت إلى سلاحي فلبسته ، ثم شددته علي ، ثم قعدت على فرسي ، وأخذت رمحي ، ثم خرجت ، فلا والله يا عبد الله بن شريك ، ما صليت العصر- قال أبو جعفر لوين : أو قال : الظهر - حتى قتلت بيدي سبعين .
وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن يزيد بن أبي زياد قال : سألت سعيد بن جبير عن أصحاب النهر ؟ فقال : حدثني مسروق قال : سألتني ، عائشة رضي الله عنها عنهم ، فقالت : أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية ؟ قلت : لم أره ، ولكن قد شهد عندي من قد راه ، قالت : فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي شهادة نفر قد رأوه أمناء ، فجئت والناس أسباع ، فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه ، فقلت : كل هؤلاء عدول رضي الله عنهم ، فقالت : قاتل الله تعالى فلاناً ، فإنه كتب إلي : أنه أصابه بمصر .
قال إسماعيل : قال يزيد : وحدثني من سمع عائشة رضي الله تعالى عنها تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنهم شرار أمتي ، يقتلهم خيار أمتي ، وما كان بيني وبينه إلا ما كان بين المرأة وأحمائها .
قال محمد بن الحسين : رضي الله تعالى عن علي بن أبي طالب ، ورضي الله تعالى عن عائشة أم المؤمنين ، ونفعنا بحبهم جميعاً ، وبحب جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
باب
ذكر ثواب من قاتل الخوارج فقتلهم أو قتلوه
حدثنا موسى بن هارون - أبو عمران - قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زرعة بن عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول الناس ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، من لقيهم
فليقتلهم ، فإن قتلهم أجر عند الله عز وجل .
أخبرنا أبو سعيد المفضل بن محمد الجندي ، في المسجد الحرام ، قال : حدثنا علي بن زياد اللخمي ، قال : حدثنا أبو قرة موسى بن طارق ، قال : سمعت الأزهر بن صالح يقول : حدثني أبو غالب : أنه سمع أبا أمامة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خرجت خارجة بالشام فقتلوا ، وألقوا في جب ، أو في بئر ، فأقبل أبو أمامة رضي الله وأنا معه ، حتى وقف عليهم ، ثم بكى ، ثم قال : سبحان الله ، ما فعل الشيطان بهذه الأمة ؟ كلاب النار ، كلاب النار ، كلاب النار - ثلاثا - شر قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء من قتلوه ، قلت : يا أبا أمامة ، أشيء تقول برأيك ، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء - ثلاثا - بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاثا ، حتى عد عشراً ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيأتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، أو لا يعدو تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يعودون في الإسلام حتى يعود السهم على فوقه ، طوبى لمن قتلهم ، او قتلوه .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عمر ، قال : حدثنا عقبة بن المتوكل الحداني قال : حدثني المبارك بن فضالة ، عن أبي غالب قال : كنت بالشام ، وبها صدي بن عجلان أبو أمامة ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صديقاً ، فجيء برؤوس الحرورية ، فألقيت بالدرج ، فجاء أبو أمامة رضي الله عنه فصلى ركعتين ، ثم توجه نحو الرؤوس ، فقلت : لأتبعنه حتى أسمع ما يقول ، فتبعته حتى وقف عليه فبكى ، ثم قال : سبحان الله ما صنع إبليس بأهل هذه الأمة ، ثم قال : كلاب أهل النار ، كلاب أهل النار ، كلاب أهل النار ، ثلاثاً ، قتلوا ، ثم قال : شر قتلى تحت ظل السماء ، وخير قتلى الذين قتلوهم ، ثم تلا هذه الاية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود أيضاً قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا بكر بن خلف ، قال : حدثنا قطن بن عبد الله الحراني ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني أبوغالب ، قال : كنت في مسجد دمشق ، فجاؤوا بسبعين رأساً من رؤوس الخوارج ، فنصبت على درج المسجد ، فجاء أبو أمامة رضي الله عنه ، فنظر إليهم فقال : كلاب جهنم ، شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء ، ومن قتلوه خير قتلى تحت ظل السماء ، وبكى ونظر إلي ، فقال : يا أبا غالب ، إنك ببلد هؤلاء كثير ، قلت : نعم ، أعاذك الله تعالى منهم ، ثم قال : يقرؤون القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله : والراسخون في العلم يقولون آمنا ، قلت : يا أبا أمامة : إني رأيتك تغرغرت لهم عيناك . قال : رحمة لهم ، إنهم كانوا من أهل الإسلام ، فقال رجل : يا أبا أمامة ، أمن رأيك تقول ، أم شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ، ولا ثلاثاً ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع .
حدثنا حامد بن شعيب البلخي قال : حدثنا أبوخيثمة زهير بن حرب ، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن الأعمش ، عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخوارج كلاب النار .
قال محمد بن الحسين : قد ذكرت من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله عز وجل الكريم عن مذهب الخوارج ، ولم ير رأيهم ، وصبر على جور الأئمة ، وحيف الأمراء ، ولم يخرج عليهم بسيفه ، وسأل الله العظيم أن يكشف الظلم عنه ، وعن جميع المسلمين ، ودعا للولاة بالصلاح ، وحج معهم ، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين ، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين ، وإن أمروه بطاعتهم فأمكنته طاعتهم أطاعهم ، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم ، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم ، وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته ، وكف لسانه ويده ، ولم يهو ما هم فيه ، ولم يعن على فتنة ، فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم إن شاء الله تعالى.
باب
في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين ، والصبر عليهم وإن جاروا ، وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة
أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد البحتري الجبائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا عمرو بن يزيد صاحب الطعام ، قال : سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلب يقول : - وأتاه رهط - فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ، ويغلقوا عليهم أبوابهم ، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم ، وذلك أنهم يفزعون الى السيف فيوكلون إليه ، ووالله ما جاؤوا بيوم خير قط ، ثم تلا : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .
حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثني يحيى بن سعيد عن هشام قال : حدثنا الحسن عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يكون أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن أنكر فقد برىء ، ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، فقالوا : يا رسول الله : ألا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا .
و حدثنا أيضاً أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة عن الحسن ، عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن عرف فقد برىء ، ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا .
و حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال : حدثني أبو التياح ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة .
و حدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد قال : أخبرني عبادة بن الوليد قال : أخبرني أبي ، عن أبيه رضي الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وإن بغوا ، وأن نقول بالحق حيثما كنا ، لانخاف في الله لومة لائم .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب - يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبادة بن الوليد ، أن أباه الوليد بن عبادة بن الصامت قال : أخبرني أبي رضي الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره فذكر مثله .
حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا فرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اسمعوا لهم وأطيعوا في عسركم ويسركم ومنشطكم ومكرهكم ، وأثرة عليكم ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وإن كان لكم .
و أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل الحضرمي ، عن أبيه رضي الله عنه قال : سأل يزيد بن سلمة الجعفي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت إن قامت علينا أمراء ، فسألونا حقهم ، ومنعونا حقنا ، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله الثانية والثالثة ، فجبذه الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه وقال : اسمعوا واطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا ، وعليكم ما حملتم .
حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثني جدي قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لعلك أن تخلف بعدي ، فأطع الإمام ، وإن كان عبداً حبشياً ، وإن ظلمك فاصبر ، وإن ضربك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر منقصة في دينك فقل : سمع وطاعة ، دمي دون ديني .
وأخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد الجبائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا ليث ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا أدري لعلك أن تخلف بعدي أطع الإمام وإن أمر عليك عبداً حبشياً مجدعاً ، وإن ظلمك فاصبر، وإن ضربك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر ينقصك في دينك فقل : سمع وطاعة ، دمي دون ديني .
قال محمد بن الحسين : فان قال قائل : أين الذي يحتمل عندك قول عمر رضي الله عنه فيما قاله ؟ قيل له : يحتمل - والله تعالى أعلم - أن نقول : من أمر عليك من عربي أو غيره ، أسود أو أبيض أو أعجمي فأطعه فيما ليس لله عز وجل فيه معصية ، وإن ظلمك حقاً لك ، وإن ضربك ظلماً لك ، وانتهك عرضك ، وأخذ مالك ، فلا يحملك ذلك على أنه يخرج عليه سيفك حتى تقاتله ، ولا تخرج مع خارجي حتى تقاتله ، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه ، ولكن اصبر عليه .
وقد يحتمل به أن يدعوك إلى منقصة في دينك من غير هذه الجهة ، ويحتمل أن يأمرك بقتل من لا يستحق القتل ، أو بقطع عضو من لا يستحق ذلك ، أو بضرب من لا يحل ضربه ، أو بأخذ مال من لا يستحق أن يؤخذ ماله ، أو بظلم من لا يحل له ولا لك ظلمه ، فلا يسعك أن تطيعه ، فإن قال لك : إن لم تفعل ما امرك به قتلتك ، أو ضربتك ، فقل : دمي دون ديني ،لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الطاعة في المعروف .
حدثنا أبو جعفر أحمد بن خالد البردعي - في المسجد الحرام سنة تسع وسبعين ومائتين - قال : حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جابر ، قال : حدثني زريق مولى بني فزارة قال : سمعت مسلم بن قرظة الأشجعي يقول : سمعت عمي عوف بن مالك الأشجعي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ، فقلنا : يارسول الله ، أفلا ننابذهم على ذلك ؟ قال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا من ولي عليكم منهم ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله عز وجل ، فلينكر ما ياتي من معصية الله عز وجل ، ولا تنزعن يداً من طاعة الله عز وجل قلت لزريق : الله يا أبا المقدام لسمعت مسلم بن قرظة يقول : سمعت عمي عوف بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أخبرت به عنه ، قال ابن جابر : فجثا زريق على ركبتيه ، واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه ، قال ابن جابر : ولم أستحلفه اتهاماً له ، ولكن استحلفته استثباتاً .
باب
فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها وتخويف العقلاء على قلوبهم أن يهووا ما يكرهه الله عز وجل ولزوم البيوت والعبادة لله عز وجل
حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من يستشرف لها تستشرف له ، ومن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به .
حدثنا الفريابي قال : حدثنا وهب بن بقية الواسطي قال : أخبرنا خالد - يعني ابن عبد الله الواسطي - عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون فتنة كرياح الصيف ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، من استشرف لها استشرفته .
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا شيبان بن فرخ قال : أخبرنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن رجل كان مع الخوارج ثم فارقهم .
[ ح ] قال أبو القاسم : وحدثني جدي و أبو خيثمة قالا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن رجل من عبد القيس - كان مع الخوارج ثم فارقهم - قال : دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب رضي الله عنه ذعراً ، يجر رداءه ، فقالوا : لم تدعو ؟ لم تدعو ؟ مرتين ، فقال : والله لقد ذعرتموني ، قالوا : أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحدثناه ؟ قال : سمعته يقول : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قال : فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول ، قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال : ولا تكن عبد الله القاتل ، قالوا : أنت سمعت هذا من أبيك ، فحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه ، فسال دمه كأنه شراك نعل ما أمذقه ، يعني ما اختلط بالماء الدم ، وبقروا أم ولده عما في بطنها .
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد أيضاً قال : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : أخبرنا عاصم عن أبي كبشة قال : سمعت أبا موسى رضي الله عنه يقول على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : كونوا أحلاس بيوتكم .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عبد الملك بن شعيب قال : حدثني ابن وهب قال : حدثني الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن خالد بن أبي عمران : أن الحكم بن مسعود البحراني حدثه أن أنس بن أبي مرثد الأنصاري رضي الله عنه ، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ستكون فتنة بكماء صماء عمياء ، المضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، ومن أبى فليمدد عنقه .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أسد بن عاصم الأصبهاني قال : أخبرنا إسماعيل بن عمرو قال : أخبرنا قيس ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن شقيق بن سلمة ، عن حذيفة .
[ ح ] وعن مجالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تتقارب الفتن ، ولا ينجو منها إلا من كرهها ، ولم يأخذ المال ، فإن أخذ المال فهو شريكهم في الدماء وغيرها .
قال محمد بن الحسين : قد ذكرت هذا الباب في كتاب الفتن في أحاديث كثيرة ، وقد ذكرت هنا طرفاً منه ، ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه ، فإن الفتن على وجوه كثيرة ، قد مضى منها فتن عظيمة ، نجا منها أقوام ، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى ، وإيثارهم للدنيا ، فمن أراد الله تعالى به خيراً فتح له باب الدعاء ، والتجأ إلى مولاه الكريم ، وخاف على دينه ، وحفظ لسانه ، وعرف زمانه ، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم ، ولم يتلون في دينه ، وعبد ربه عز وجل ، فترك الخوض في الفتنة ، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير ، ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحذر أمته الفتن ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً .
حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري قال : حدثنا محمد بن المصفى قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : أخبرنا الوليد بن سيمان بن أبي السائب ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم بن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ، إلا من أحياه الله جل وعلا بالعلم .
حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن المجدر قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش قال : حدثنا عمرو بن عاصم قال : حدثنا معمر قال : سمعت أبي يحدث عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بادروا بالأعمال ، ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع الرجل دبنه بعرض من الدنيا .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا عبد الوهاب الوراق قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، عن الأشجعي ، عن سفيان - يعني الثوري - عن أبي سنان الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : قال لي راهب : يا سعيد : في الفتنة يتبين لك من يعبد الله تعالى ، ومن يعبد الطاغوت .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن العلاء بن زياد ، عن معاوية بن قرة ، عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العبادة في الهرج كالهجرة إلي وحدثنا علي بن إسحاق بن زاكيا قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، وذكر الحديث مثله إلى آخره .
باب
الحث على التمسك بكتإب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم ، وترك البدع ، وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة ، وقول الصحابة رضي الله عنهم
أخبرنا الفريابي قال : حدثنا حبان بن موسى قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : يحمد الله عز وجل بما هو أهله ثم يقول صلى الله عليه وسلم : من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب الله عز وجل ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
حدثنا أبو بكر محمد بن الليث الجوهري : قال : حدثنا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا أبو حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحسن الحديث كتاب الله عز وجل ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
أخبرنا إبراهيم بن موسى الحوذي قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور بن بزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي و حجر الكلاعي قالا: دخلنا على العرباض بن سارية رضي الله عنه ، وهو الذي نزلت فيه : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الاية . وهو مريض فقلنا له : إنا جئناك زائرين وعامدين ، ومقتبسين ، فقال عرباض رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فوعظنا موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله : إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد الينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، والطاعة والسمع ، وإن عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .
وحدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال : حدثنا الفضل بن زياد قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ثور بن يزيد - وذكر حديث مثله إلى آخره -.
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح المصري قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثني معاوية بن صالح قال : حدثنا ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع عرباض بن سارية رضي الله عنه يقول : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلواب ، قلنا: يا رسول الله ، إن هذه موعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، فلا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وعليكم بالطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، عضوا عليها بالنواجذ .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا إبراهيم بن زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن ثور بن يزيد - وذكر الحديث نحواً منه إلى آخره - .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضاً قال : حدثنا ابن زهير قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني قال : أخبرني يزيد بن عميرة أنه سمع معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول في كل مجلس يجلسه : هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتناً يكون فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان فيقول : ما بال الناس لا يتبعوني فيه ، قد قرأت القرآن ، ثم يقول : ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإنما ابتدع ضلالة .
وأخبرنا إبراهيم بن موسى الخوذي قال : حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : سمعت أبا إدريس الخولاني يقول : أدركت أبا الدرداء رضي الله عنه ، ووعيت عنه ، وأدركت عبادة بن الصامت رضي الله عنه ووعيت عنه ، وأدركت شداد بن أوس رضي الله عنه ووعيت منه ، وفاتني معاذ بن جبل ، فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه : الله تعالى حكم عدل مقسط ، تبارك اسمه ، هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان ، فيقول : قد قرأت القرآن ، فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ، ثم يقول : ما هم بمتبعي
حتى ابتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، اتقوا أربعة : العالم ، فإن الشيطان يلقي على في الحكيم كلمة الضلالة ، قال : اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه ، الذي إذا سمعته قلت : ما هذه ؟ ولا يثنيك ذلك عنه ، فإنه لعله أن يراجع ، وتلقى الحق إذا سمعته ، فإن على الحق نورا .
حدثنا الفريابي قال : حدثنا الحسن بن علي الحلواني بطرطوس سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ، قال : سمعت مطرف بن عبد الله يقول : سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول : قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً ، الأخذ بها اتباع لكتاب الله عز وجل ، واستكمال لطاعة الله عز وجل ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن انتصر بها فهو منصور ، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله تعالى ما تولاه ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا .
حدثنا أبو محمد الحسين بن علويه القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال : إن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه قال : إن ناساً يجادلونكم بشبه القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل .
باب
التحذير من طوائف تعارض سنن النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل وشدة الإنكارعلى هذه الطبقة
قال محمد بن الحسين : ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلاً يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد ثبت عند العلماء ، فعارض إنسان جاهل ، فقال : لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله عز وجل ، قيل له : أنت رجل سوء ، وأنت ممن حذرناك النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذر منك العلماء .
وقيل له : يا جاهل إن الله عز وجل أنزل فرائضه جملة ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أنزل إليه ، قال الله عز وجل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ، فأقام الله عز وجل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم مقام البيان عنه ، وأمر الخلق بطاعته ، ونهاهم عن معصيته ، وأمرهم بإلانتهاء عما نهاهم عنه ، وقال عز وجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وقال تبارك وتعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ، ثم فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعاً من كتابه عز وجل .
وقيل لهذا المعارض لسنن الرسول صلى الله عليه وسلم : يا جاهل ، قال الله عز وجل : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أين تجد في كتاب الله عز وجل أن الفجر ركعتان ، وأن الظهر أربع ، وأن العصر أربع ، وأن المغرب ثلاث ، وأن العشاء أربع ؟ وأين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها ، وما يصلحها وما يبطلها ، إلا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ومثلها الزكاة ، أين تجد في كتاب الله عز وجل من مائتي درهم خمسة دراهم ، ومن عشرين ديناراً نصف دينار ، ومن أربعين شاة شاة ، ومن خمس من الإبل شاة ، ومن جميع أحكام الزكاة ، أين تجدها في كتاب الله عز وجل ؟
وكذلك جميع فرائض الله عز وجل ، التي فرضها الله جل وعلا في كتابه ، لا يعلم حكم فيها ، إلا بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم .
هذا قول علماء المسلمين ، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ، ودخل في ملة الملحدين ، نعوذ بالله تعالى من الضلالة بعد الهدى.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضي الله تعالى عنهم : مثلما بينت لك فاعلم ذلك .
و حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه رضي الله عنه ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يبلغه الأمر عني ، فيقول : لم أجد هذا في كتاب الله عز وجل .
و حدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود العجلي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن سالم أبي النضر ، عن عبيد الله بن أبي رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعرفن أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله عز وجل اتبعناه .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا أبو معشر ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث ، وهو متكىء على أريكته ، فيقول : أتل به قرآناً .
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد عفير الأنصاري قال : أخبرنا نصر بن علي الجهضمي ، قال : حدثنا أبو قتادة قال : حدثنا حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عوف ، عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله - مرتين - ألا إنه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وذكر الحديث .
حدثنا أحمد بن سهل الإسفراييني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال لرجل : إنك أحمق ، أتجد في كتاب الله عز وجل الظهر أربعاً ، لايجهر فيها بالقراءة ؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما ، ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله عز وجل مفسراً ؟ إن كتاب الله جل وعلا أحكم ذلك ، وإن السنة تفسر ذلك .
وحدثنا أحمد بن سهل قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ثوبان ، عن حماد بن سلمة ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديثاً فقال رجل : إن الله عز وجل قال في كتابه : كذا وكذا ، فقال : لا أراك تعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل سبحانه وتعالى .
حدثنا أحمد بن سهل ، قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا قطبة بن عبد العزيز ، و أبو بكر بن عياش ، عن عبد الرحمن بن يزيد : أنه رأى محرماً ، عليه ثيابه ، فنهر المحرم ، فقال : ائتني بآية من كتاب الله عز وجل بنزع ثيابي ، فقرأ عليه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
قال : حدثنا أبو محمد الحسين بن علويه القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حد
احمد يسرى
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم .
قال الإمام العلامة الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي : أحق ما ابتدىء به الكلام : الحمد لله مولانا الكريم ، وأجل الحمد ما حمد به مولانا نفسه ، فانا أحمده به : الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين . و الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور . و الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . و الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا . شكراً لما يفضل به الله علينا من نعمه الدائمة ، وأياديه القديمة ، حمد الذي يعلم أن مولاه الكريم يحب الحمد . وله الحمد على كل حال .
وصلى الله على البشير النذير ، السراج المنير ، سيد ولد آدم المذكور نعته في التوراة والإنجيل ، الخاتم لجميع الأنبياء ، ذلك هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى أصحابه المنتخبين ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، ورزقنا الله وإياكم التمسك بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وبما كان عليه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم والتابعون لهم بإحسان ، وبما كان عليه الأئمة من علماء المسلمين ، وعصمنا وإياكم من الأهواء المضلة ، إنه سميع قريب مجيب .
حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي قال : حدثنا معان بن رفاعة السلامي قال : حدثنا عبد الوهاب ابن بخت المكي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم بلغها عني ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
قال محمد بن الحسين . . . بالسنه ، أولئك اتباع النبيين ، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن تحيا بهم السنن ، وتموت بهم البدع ، وتقوى بهم قلوب أهل الحق ، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء .
باب
ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي به [ عن الفرقة ] بل الاتباع وترك الابتداع
قال محمد بن الحسين : إن الله بمنه ، وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى : أنهم إنما هلكوا بما اقترفوا في دينهم ، وأعلمنا مولانا الكريم : أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة ، والميل إلى الباطل ، الذي نهوا عنه : إنما هو البغي والحسد ، بعد أن علموا ما لم يعلمه غيرهم ، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقاً فهلكوا ، فحذرنا مولانا الكريم في كتابه عن ذلك قال تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى قوله : إلى صراط مستقيم ، وقال عز وجل : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، وقال عز وجل : إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ، وقال عز وجل : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ، وقال عز وجل : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، وقال عز وجل : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ، وقال عز وجل : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة .
قال محمد بن الحسين : فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علماً، فبغى بعضهم على بعض ، وحسد بعضهم بعضاً ، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا .
فإن قال قائل : فأين المواضع من القرآن التي نهانا الله عز وجل فيها أن نكون مثلهم ، حتى نحذر ما حذرنا مولانا من الفرقة ، بل نلزم الجماعة ؟ .
قيل له : قال الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ، وقال عز وجل : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ، وقال عز وجل : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ، وقال عز وجل : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .
قال محمد بن الحسين : فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله عز وجل ؟ وقد مر ما حذرناه مولانا الكريم من الفرقة .
ثم اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أن الله عز وجل قد أعلمنا في كتابه : أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه ، ليضل من يشاء ويهدي من يشاء ، جعل الله عز وجل ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون ، فيحذرون الفرقة ، ويلزمون الجماعة ، ويدعون المراء والخصومات في الدين ، ويتبعون ولا يبتدعون .
فإن قال قائل : أين هذا من كتاب الله عز وجل ؟ .
قيل له : قال الله عز وجل : ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ، ثم إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما أنزل إليه ، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه . ففعل صلى الله عليه وسلم ، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب بالرأي ، واتباع الهوى . قال الله عز وجل : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ، ثم قال الله عز وجل : هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون .
حدثنا أبو بكر عمر بن سعيد القراطيسي قال : أنبانا أحمد بن منصور الرمادي قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً الآية ، وقوله عز وجل : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا الآية ، وقوله عز وجل : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وقوله عز وجل : فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً وقوله عز وجل : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ، وقوله عز وجل : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه الاية . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمر الله عز وجل المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرفة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله عز وجل .
قال محمد بن الحسين : فهذا ما حضرني ذكره مما أمر الله عز وجل به أمة محمد صلى الله عليه وسلم : أن يلزموا الجماعة ، ويحذروا الفرقة .
فإن قال قائل : اذكر لنا من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمته ذلك .
قيل له : نعم ، وواجب عليك أن تسمعه ، وتحذر الفرقة ، وتلزم الجماعة وتستعين بالله العظيم جل جلاله على ذلك .
باب
ذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بلزوم الجماعة وتحذيره إياهم الفرقة
حدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد .
حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام . فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قيامي فيكم ، فقال : من أراد بحبحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد .
وحدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال : أخبرنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا أبان بن يزيد ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، أن زيد بن سلام ، حدثه أن أبا سلام ، حدثه أن الحارث الأشعري حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تبارك وتعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل يعملون بهن - وذكر الحديث بطوله - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا امركم بخمس ، أمرني الله عز وجل بهن : الجماعة ، والسمع والطاعة، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله عز وجل . فمن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يراجع .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا أيوب عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح القيسي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلبة .
وحدثنا أبو بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني قال : حدثنا محمد بن بشار و محمد بن المثنى أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فارق الجماعة وخالف الطاعة مات ميتة جاهلية . ومن اعترض أمتي برها وفاجرها لا يحتشم من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس من أمتي . ومن قتل تحت راية عمية يعصب للعصبية ، ويقاتل للعصبية ، ويدعو للعصبية - أو قال : لعصبية - مات ميتة جاهلية ، لفظ حديث أبي موسى .
وحدثنا أبو محمد يحيى بن صاعد قال : حدثنا محمد بن سليمان قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن غيلان بن جرير ، عن زياد بن رباح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج من الطاعة وفارق لجماعة مات ميتة جاهلية .
وحدثنا أبو بكرعبد الله قال : حدثنا محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا أبوهشام الرفاعي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ثم خط حوله خطاً وخط خطوطاً ، ثم قال : هذه السبل ، فما منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إلبه .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا سليمان بن جرير قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي وانل ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطا وقال : هذا سببل الله مستقيماً ، وخط عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه . ثم قرأ : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .
عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلا : صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتوحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً ولا تفرقوا ، وداع يدعو من فوق الصراط . فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له : ويحك ، لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط : الإسلام . والسوران : حدود الله ، والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود قال : حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد قال : حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن النواس بن سمعان الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران ببنهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعاً ، ولا تتفرقوا ، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب قال له : ويحك ، لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام ، والستور حدود الله عز وجل ، والأبواب محارم الله تعالى ، والداعي على رأس الصراط كتاب الله جل وعلا ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله - تبارك وتعالى - في قلب كل مسلم .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير عن منصور ، عن أبي وائل قال : قال : عبد الله رضي الله عنه : إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين ، ينادون ، يا عبد الله هلم هذا الصراط ، ليصدوا عن سبيل الله تعالى ، فاعتصموا بحبل الله تبارك وتعالى . فإن حبل الله عز وجل هو كتاب الله جل وعلا .
وحدثنا أبوشعيب . .... يدعو إليه . ثم تلا صلى الله عليه وسلم : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .... الخطوط التي عن يمينه ويساره .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا البهلول القاضي قال : حدثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط ، فقال : هذا سبيل الله جل وعلا . ثم تلا عليه الصلاة والسلام : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به .
وحدثنا الفريابي قال حدثنا ميمون بن الأصبغ و أبو مسعود أحمد بن الفرات قالا : حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه ، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضرب الله مثلا صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران وأبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط . فإذا أراد إنسان فتح شيء من تلك الأبواب . قال : ويحك لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . فالصراط : الإسلام ، والسوران : حدود الله تعالى . والأبواب المفتحة : محارم الله تعالى . وذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله عز وجل . والداعي فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم .
قال : حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثني جدي قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطبة قال : إن عبد الله بن مسعود قال في خطبته : يا أيها الناس ، عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله عز وجل الذي أمر به . وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا زهير بن حرب المروزي قال حدثنا عبد الله بن موسى ، عن عيسى الحناط ، عن الشعبي قال : كان يقال : من أراد بحبحة الجنة فعليه بجماعة المسلمين .
وحدثنا أيضا ابن عبد الحميد قال حدثنا زهير بن محمد قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول قال : قال أبو العالية : تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً ، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي عليه أصحابه ، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء . فحدثت به الحسن فقال : صدق ونصح . وحدثت به حفصة بنت سيرين ، فقالت : أحدثت بهذا محمداً ؟ قلت : لا . قالت : فحدثه إذاً .
قال محمد بن الحسين : علامة من أراد الله عز وجل به خيراً : سلوك هذه الطريق : كتاب الله عز وجل ، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنن أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم ، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء ، مثل الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام ، ومن كان على مثل طريقهم ، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء . وسنبين ما يدينون به إن شاء الله تعالى .
باب
ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة؟
قال محمد بن الحسين : أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمة موسى عليه الصلاة والسلام : أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة ، كلها في النار إلا واحدة ، وأخبرنا - صلوات الله وسلامه عليه - عن أمة عيسى عليه الصلاة والسلام : أنهم اختلفوا على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : وتعلو أمتي على الفريفين جميماً ، تزيد عليهم فرقة واحدة ، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة .
ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه سئل : من الناجية ؟ فقال عليه الصلاة والسلام في حديث : ما أنا عليه أنا وأصحابي . وفي حديث قال : السواد الأعظم ، وفي حديث قال : واحدة في الجنة ، وهي الجماعة .
قلت أنا : ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا المسيب بن واضح قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : أصول البدع أربع : الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، والمرجئة ، ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طانفة ، فتلك اثنتان وسبعون فرقة ، والثالثة والسبعون ، الجماعة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنها ناجية .
أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح البخاري قال حدثنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال أخبرنا النضر بن شميل قال حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفرق اليهود والنصارى على إحدى ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا علي بن خشرم قال أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفرقت اليهود على إحدى او اثنتين وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا الهيثم بن خارجة قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل : تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ، تزيد عليهم ، كلها في النار إلا ملة واحدة ، فقالوا : من هذه الملة الواحدة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ما أنا عليه وأصحابي رضوان الله تعالى عليهم .
حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال : حدثنا سفيان - يعني الثوري - عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن زيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثل حذو النعل بالنعل . وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار إلا ملة واحدة . قيل : من هي يارسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : ما أنا عليه اليوم وأصحابي . رضي الله تعالى عنهم .
حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي الحزاني قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا أبو معشر .
ح . وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه - ذكر حديثاً طويلاً - قال فيه : وحدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمم فقال : تفرقت أمة موسى صلى الله عليه وسلم على إحدى وسبعين ملة ، سبعون في النار وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمة عيسى صلى الله عليه وسلم على اثنتين وسبعين ملة ، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وتعلو أمتي على الفريقين جميعاً بملة واحدة ، اثنتان وسبعون منها في النار وواحدة منهم في الجنة . قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الجماعة .
قال يعقوب بن زيد : وكان علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه إذا تحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، ثم ذكر أمة موسى فقرأ : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ، ثم ذكر أمتنا فقرأ : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون .
و أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال : حدثنا الحسن [ بن ] محمد بن الصباح الزعفراني قال : حدثنا شبابة - يعني ابن سوار- قال : أخبرنا سليمان بن طريف ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن سلام ، على كم تفرق بنو إسرائيل ؟ قال : على واحدة وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة ، كلهم يشهد بعضهم على بعض في الضلالة . قالوا : أفلا تخبرنا لو قد خرجت من الدنيا لتفرقت أمتك ، على مايصير أمرهم ؟ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : بلى ، إن بني إسرائيل تفرقوا على ما قلت ، وستفترق أمتي على ما تفرقت عليه بنو إسرائيل ، وستزيد فرقة واحدة لم تكن في بني إسرائيل ، وذكر الحديث .
وحدثنا أبو عبد الله بن أبي عوف الهروي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا مبارك بن سحيم ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار الا السواد الأعظم .
وحدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن موسى بن عبيدة ، عن ابنة سعد بن أبي وقاص ، عن أبيها رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة : ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها - أو قال : عن مثل ذلك - فكل فرقة منها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة .
أخبرنا إبراهيم بن موسى الخوزي قال : حدثنا محمد بن هارون أبو نشيط و إبراهيم بن هانىء النيسابوري قالا : حدثنا أبو المغيرة قال : حدثنا صفوان قال : حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي عن أبي عامر الهوزني ، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال - حين صلى الظهر بالناس بمكة شرفها الله - فقال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا ، فقال : ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة .
قال محمد بن الحسين : رحمه الله تعالى : رحم الله عبداً حذر هذه الفرق ، وجانب البدع ، واتبع ولم يبتدع ، ولزم الأثر وطلب الطريق المستقيم ، واستعان بمولاه الكريم .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا محمد بن بشار - بندار- قال : حدثنا معاذ - يعني ابن معاذ - قال حدثنا عبد الله بن عوف ، عن محمد - يعني ابن سيرين - قال : كانوا يقولون : إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق .
باب
ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم
حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتأخذن أمتي مأخذ الأمم والقرون قبلها شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، قيل : يا رسول الله ، كما فعلت فارس والروم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن الناس إلا أولئك ؟ .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال حدثنا سنيد بن داود ، قال حدثني الحجاج قال : قال ابن جريج أخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع ، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضاً قال حدثنا زهير بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده في المدينة ، فجاءه جبريل - فذكر حديثاً قال فيه -: جاء جبريل - يتعاهد دينكم ، لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل ، ولتأخذن مثل مأخذهم ، إن شبراً فشبر ، وإن ذراعاً فذراع ، وإن باعاً فباع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه .
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال : أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال حدثنا شهر بن حوشب قال : حدثنا عبد الرحمن بن غنم أن شداد بن أوس رضي الله عنه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة .
حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال : حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشراء قال : حدثنا الأوزاعي قال حدثني يونس بن يزيد ، عن الزهري عن الصنابحي ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال : لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم ، ولتنقضن عرى الإسلام عروة فعروة ، ويكون أول نقضها الخشوع حتى لا ترى خاشعاً ، وحتى يقول أقوام : ذهب النفاق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فما بال الصلوات الخمس ؟ لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون بصلاة نبيهم ، أولئك المكذبون بالقدر ، وهم أسباب الدجال ، وحق على الله أن يمحقهم .
قال محمد بن الحسين : من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل ، علم أن أكثرهم والعام منهم تجري أمورهم على سنن أهل الكتابين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، أو على سنن كسرى وقيصر ، أو على سنن الجاهلية ، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم في العمال والأمراء وغيرهم ، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية ، والأكل والشرب والولانم ، والمراكب والخدام والمجالس والمجالسة ، والبيع والشراء ، والمكاسب من جهات كثيرة ، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها ، تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب ، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . والله المستعان .
ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس ، وأن يميز هذا : إلا عاقل عالم قد أدبه العلم . والله تعالى الموفق لكل رشاد ، والمعين عليه .
باب
ذم الخوارج وسوء مذهبهم وإباحة قتالهم ، وثواب من قتلهم أو قتلوه
قال محمد بن الحسين : لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قوم سوء ، عصاة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا وصاموا ، واجتهدوا في العبادة ، فليس ذلك بنافع لهم ، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس ذلك بنافع لهم ، لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون ، ويموهون على المسلمين . وقد حذرنا الله عز وجل منهم ، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم ،وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده ، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله تعالى عليهم .
والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس ، ومن كان على مذهبهم من سانر الخوارج ، يتوارثون هذا المذهب قديماً وحديثاً ، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين .
وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم الغنائم بالجعرانة ، فقال : اعدل يا محمد ، فما أراك تعدل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ ، فأراد عمر رضي الله عنه قتله ، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتله ، وأخبر عليه الصلاة والسلام : أن هذا وأصحاباً له يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون في الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأمر عليه الصلاة والسلام في غير حديث بقتالهم ، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه .
ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى ، واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى قدموا المدينة ، فقتلوا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه . وقد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان في المدينة في أن لا يقتل عثمان ، فما أطاقوا ذلك .
ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم يرضوا بحكمه ، وأظهروا قولهم ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : كلمة حق أرادوا بها الباطل ، فقاتلهم علي رضي الله عنه فأكرمه الله عز وجل بقتلهم ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه ، وقاتل معه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم . فصار سيف علي بن أبي طالب في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة .
باب
ذكر السنن والآثار فيما ذكرنا
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا عيسى بن حماد زغبة ، قال : أخبرنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من حنين ، وفي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي ، فقال : يا محمد ، اعدل . فقال صلوات الله وسلامه عليه : ويلك ، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ، هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
و حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال : حدثنا ابن أبي عمر - يعني محمد العدني - قال حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة- غنائم حنين - والتبر في حجر بلال ، فقال رجل : يا رسول الله ، اعدل ، فإنك لم تعدل ، قال عليه الصلاة والسلام : ويلك ، فمن يعدل إذا لم أكن اعدل ؟ فقال عمر رضي الله عنه : يارسول الله ، دعني أضرب عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، دعه ، فإن هذا في أصحاب له يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا ابن المقري قال حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم بالجعرانة ، فقال رجل : اعدل ، فإنك لم تعدل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويحك ، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ فقال عمر رضي الله عنه : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : دعه .
فإن هذا مع أصحاب له - أو في أصحاب له - يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا بزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن و الضحاك الهمداني ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً قال ذو الخويصرة التميمي : يا رسول الله اعدل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يارسول الله ، أتأذن لي أن أضرب عنقه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لا ، إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد منه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه ، فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء ، سبق الفرث والدم ، يخرجون على حين فرقة من الناس ، آيتهم : رجل أدعج مخدج ، وإحدى يديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة ، تدردر . قال أبو سعيد : أشهد ، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أني كنت مع علي بن أبي طالب حين قتلهم ، فالتمس في القتلى ، فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا عمر بن أيوب قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا أبو يوسف يزيد بن يوسف ، عن الأوزاعي ، عن قتادة بن دعامة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون حتى يزيد على فرقته ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه ، يدعون إلى كتاب الله ، وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم ، قالوا : يارسول الله ما سيماهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم : التحليق .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا سيار بن حاتم قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح الأنصاري ، عن كعب الأحبار قال : للشهيد نوران ، ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار ، ولجهنم سبعة أبواب : باب منها للحرورية ، ولقد خرجوا على داود نبي الله في زمانه .
قال محمد بن الحسين : هذه صفة الحرورية ، وهم الشراة الخوارج الذين قال الله عز وجل : فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ممن هذه صفته .
حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف قال حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة الاية ، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله عز وجل ، فاحذروهم .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا يحيى بن حكيم قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - إلى قوله عز وجل - وما يذكر إلا أولو الألباب ، فقال صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله عز وجل ، فاحذروهم .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا المثنى بن أحمد قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل وأخر متشابهات قال : أما المتشابهات فهن آي في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن ، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة كل فرقة يقرؤون آيات من القرآن ، ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى .
ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . ويقرؤون معها : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر . ومن كفرعدل بربه ، فقد أشرك ، فهؤلاء الأئمة مشركون ، فيخرجون فيفعلون ما رأيت ، لأنهم يتأولون هذه الآية .
وحدثنا أبو بكر بن عبد الحميد قال حدثنا ابن المقري حدثنا سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ذكر لابن عباس رضي الله عنهما الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن ؟ فقال رضي الله عنه : يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عند متشابهه ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون : آمنا به .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضا قال حدثنا ابن المقري قال حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي يزيد ، قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما - وذكر له الخوارج ، واجتهادهم وصلاحهم - فقال رضي الله عنه : ليسوا هم بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى ، وهم على ضلالة .
وأخبرنا عبد الله بن صالح البخاري قال حدثنا مخلد بن الحسين بن أبي زميل قال حدثنا أبو المليح الرقي ، عن سليمان بن أبي نشيط ، عن الحسن - وذكر الخوارخ - قال : حيارى سكارى ، ليسوا يهوداً ولا نصارى ، ولا مجوساً فيعذرون .
وحدثنا أبو عبد الله بن محمد بن شاهين قال حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا المعلى بن زياد قال قيل للحسن : يا أبا سعيد ، خرج خارجي بالخريبة - محلة عند البصرة - فقال : المسكين رأى منكراً فأنكره ، فوقع فيما هو أنكر منه .
قال محمد بن الحسين : فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام ، عادلاً كان الإمام أم جائراً ، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه ، واستحل قتال المسلمين ، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ، ولا بطول قيامه في الصلاة ، ولا بدوام صيامه ، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج .
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قلته أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين ، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمه المسلمين .
حدثنا أبو شعيب بن عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا أبو معشر .
ح - و أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال أخبرنا محمد بن بكار قال حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ذو نكاية في العدو واجتهاد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أعرفه ، فبينما هم كذلك إذ طلع الرجل ، فقالوا : هذا هو يارسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : ماكنت أعرف هذا ، وهذا أول قرن رأيته في أمتي ، إن به سفعة الشيطان ، فلما دنا الرجل ، فسلم ، فرد عليه القوم السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناشدتك بالله ، هل حدثت نفسك حين طلعت علينا : أن ليس في القوم أفضل منك ؟ فقال : اللهم نعم . فدخل المسجد يصلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : قم فاقتله . فدخل أبو بكر المسجد فوجده قائماً يصلي ، فقال أبو بكر في نفسه : إن للصلاة لحرمة وحقاً ، فلو استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فجاء إليه ، فقال صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال : لا ، رأيته قائماً يصلي ، فرأيت في الصلاة حرمة وحقاً ، وإن شئت أن أقتله قتلته ، فقال عليه الصلاة والسلام : لست بصاحبه ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : اذهب يا عمر فاقتله ، فدخل عمر رضي الله عنه المسجد ، فإذا هو ساجد ، فانتظره طويلاً ، ثم قال في نفسه : إن للسجود لحقاً ، ولو أني استأمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد استأمره من هو خير مني ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : أقتلته ؟ قال : لا ، رأيته ساجداً ، ورأيت للسجود حقاً ، وإن شئت يارسول الله أن اقتله قتلته . قال صلى الله عليه وسلم : لست بصاحبه . قم يا علي فاقتله ، أنت صاحبه إن وجدته ، فدخل علي رضي الله عنه المسجد فلم يجده ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قتل اليوم ما اختلف من أمتي رجلان حتى يخرج الدجال وذكر باقي الحديث .
حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا فضل بن سهل الأعرج قال : حدثنا زيد بن الحباب قال : حدثنا موسى بن عبيدة قال : حدثني هود بن عطاء الحنفي ، عن أنس بن مالك قال : كان فينا شاب ذو عبادة وزهد ، فوصفناه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسميناه باسمه ، فلم يعرفه ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل ، فقلنا : يا رسول الله ، هو ذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إني لأرى على وجهه سفعة من شيطان ، فجاء فسلم على القوم ، فردوا السلام ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجعلت في نفسك أن ليس في القوم أحد خيراً منك ؟ فقال : نعم ، ثم ولى ، ودخل المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنا ، فدخل المسجد ، فوجده يصلي فقال أبو بكر رضي الله عنه : وجدته يصلي ، وقد نهينا عن قتل المصلين ، فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مه يا أبا بكر ، فقال صلى الله عليه وسلم : من يقتل الرجل ؟ فقال عمر رضي الله عنه أنا ، فدخل المسجد فوجده ساجداً ، فقال : أقتل رجلاً يصلي وقد نهينا عن ضرب المصلين ، فجاء ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مه يا عمر ، قال عمر رضي الله عنه : وجدته ساجداً وقد نهينا عن ضرب المصلين ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : من يقتل الرجل ؟ فقال علي رضي الله عنه : أنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : أنت تقتله إن وجدته ، فذهب علي رضي الله عنه فوجده قد خرج فعاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال علي رضي الله عنه : وجدته قد خرج . قال صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو قتلته لكان أولهم وآخرهم ، وما اختلف من أمتي اثنان .
باب
ذكر قتل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - للخوارج مما أكرمه الله تعالى بقتالهم
حدثنا الفريابي قال : حدثنا صفوان بن صالح قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة قال : إن الحرورية لما خرجوا وهم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقالوا : لاحكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : أجل ، كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أناساً ، إني لأعرف صفتهم ، يقولون الحق لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - هم أبغض خلق الله عز وجل ، فيهم أسود إحدى يديه طبي شاة ، أو حلمة ثدي شاة . فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً ، فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت ، مرتين أو ثلاثة ، ثم وجد في خربة ، فأتوا به علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله بن أبي رافع : وأنا حضرت ذلك من أمرهم .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث - عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الحرورية لما خرجت وهم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً ، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم ، ولا يجاوز تراقيهم ، وأشار إلى حلقه . هم أبغض خلق الله عز وجل إليه ، منهم أسود ، إحدى ثدييه طبي شاة ، أو حلمة شاة ، فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال : انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً ، فقال : ارجعوا ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، مرتين أو ثلاثا ، ثم وجدوه في القتلى فأتوا به عليا رضي الله عنه حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله : وأنا حاضر ذلك من أمرهم ، وقول علي رضي الله عنه فيهم .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي قال : حدثنا عوف و هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة - يعني السلماني - قال : شهدت ، مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه النهر ، فلما قتلت الخوارج ، قال علي رضي الله عنه : إن فيهم رجلاً مخدج اليد ، أو مودن فنظروا فلم يقدروا عليه ، فقال ذلك ثلاثاً ثم قال : انظروا وقلبوا القتلى ، فاستخرجوا رجلا آدم مثدنا ، يده اليمنى كأنها ثدي المرأة ، فلما رآه استقبل القبلة ورفع يديه فحمد الله عز وجل فأثنى عليه وشكر الله عز وجل الذي ولاه قتلهم ، والذي أكرمه بقتالهم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لولا أن تبطروا لحدثتكم بما سبق على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من الكرامة لمن قاتل هؤلاء القوم ، قال عبيدة : فقلت : يا أمير المؤمنين ، أشيء بلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شيء سمعته منه ؟ قال : بل شيء سمعته منه ورب الكعبة .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح البخاري قال : حدثنا عبد الله بن عمر الكوفي قال : حدثنا وكيع ، عن جرير بن حازم ، و أبي عمرو بن العلاء النحوي ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيخرج قوم فيهم رجل مودن اليد ، أو مثدون اليد ، أو مخدج ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله عز وجل الذين يقتلونهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم . قال عبيدة : فقلت لعلي رضي الله عنه : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، سمعته إي ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة ، سمعته إي ورب الكعبة سمعته .
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا لوين محمد بن سليمان قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن عبد الله بن شريك العامري ، عن جندب رضي الله عنه قال : لما كان يوم قاتل علي رضي الله عنه الخوارج نظرت إلى وجوههم وإلى شمائلهم ، فشككت في قتالهم ، فتنحيت عن العسكر غير بعيد ، فنزلت عن دابتي ، وركزت رمحي ، ووضعت درعي تحتي ، وعلقت ترسي ستراً من الشمس ، وأنا معتزل من العسكر ناحية ، إذ طلع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت في نفسي : ما لي وله ؟ أنا أفر منه ، وهو يجيء إلي ، فقال لي : يا جندب ، ما لك في هذا المكان ، تنحيت عن العسكر ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أصابني وعك ، فشق علي الغبار ، فلم أستطع الوقوف ، فقال : أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر ؟ ثم ثنى رجله ، فنزل ، فأخذت برأس دابته ، وقعد فقعدت ، فأخذت الترس بيدي فسترته من الشمس ، فوالله إني لقاعد إذ جاء فارس يركض ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين ، فالتفت إلي ، وقال : إن مصارعهم دون النهر ، وإن الذي أجده عنده واقف ، إذ جاء رجل آخر، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد والله عبروا ، فما بقي منهم أحد ، قال : ويحك ، إن مصارعهم دون النهر. فجاء فارس آخر يركض . فقال : يا أمير المؤمنين ، والذي بعث نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رجعوا ، ثم جاء الناس ، فقالوا : قد رجعوا ، حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاماً على العبور ، ثم إن رجلاً جاء ، فقال : يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف ، ورموا فينا ، وقد جرحوا فلاناً ، فقال علي رضي الله عنه : هذا حين طاب القتال ، فوثب فقعد على بغلته ، فقمت إلى سلاحي فلبسته ، ثم شددته علي ، ثم قعدت على فرسي ، وأخذت رمحي ، ثم خرجت ، فلا والله يا عبد الله بن شريك ، ما صليت العصر- قال أبو جعفر لوين : أو قال : الظهر - حتى قتلت بيدي سبعين .
وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن يزيد بن أبي زياد قال : سألت سعيد بن جبير عن أصحاب النهر ؟ فقال : حدثني مسروق قال : سألتني ، عائشة رضي الله عنها عنهم ، فقالت : أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية ؟ قلت : لم أره ، ولكن قد شهد عندي من قد راه ، قالت : فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي شهادة نفر قد رأوه أمناء ، فجئت والناس أسباع ، فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه ، فقلت : كل هؤلاء عدول رضي الله عنهم ، فقالت : قاتل الله تعالى فلاناً ، فإنه كتب إلي : أنه أصابه بمصر .
قال إسماعيل : قال يزيد : وحدثني من سمع عائشة رضي الله تعالى عنها تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنهم شرار أمتي ، يقتلهم خيار أمتي ، وما كان بيني وبينه إلا ما كان بين المرأة وأحمائها .
قال محمد بن الحسين : رضي الله تعالى عن علي بن أبي طالب ، ورضي الله تعالى عن عائشة أم المؤمنين ، ونفعنا بحبهم جميعاً ، وبحب جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
باب
ذكر ثواب من قاتل الخوارج فقتلهم أو قتلوه
حدثنا موسى بن هارون - أبو عمران - قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زرعة بن عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول الناس ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، من لقيهم
فليقتلهم ، فإن قتلهم أجر عند الله عز وجل .
أخبرنا أبو سعيد المفضل بن محمد الجندي ، في المسجد الحرام ، قال : حدثنا علي بن زياد اللخمي ، قال : حدثنا أبو قرة موسى بن طارق ، قال : سمعت الأزهر بن صالح يقول : حدثني أبو غالب : أنه سمع أبا أمامة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خرجت خارجة بالشام فقتلوا ، وألقوا في جب ، أو في بئر ، فأقبل أبو أمامة رضي الله وأنا معه ، حتى وقف عليهم ، ثم بكى ، ثم قال : سبحان الله ، ما فعل الشيطان بهذه الأمة ؟ كلاب النار ، كلاب النار ، كلاب النار - ثلاثا - شر قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء ، خير قتلى تحت ظل السماء من قتلوه ، قلت : يا أبا أمامة ، أشيء تقول برأيك ، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء ، إني إذا لجريء - ثلاثا - بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاثا ، حتى عد عشراً ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيأتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، أو لا يعدو تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يعودون في الإسلام حتى يعود السهم على فوقه ، طوبى لمن قتلهم ، او قتلوه .
وحدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عمر ، قال : حدثنا عقبة بن المتوكل الحداني قال : حدثني المبارك بن فضالة ، عن أبي غالب قال : كنت بالشام ، وبها صدي بن عجلان أبو أمامة ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لي صديقاً ، فجيء برؤوس الحرورية ، فألقيت بالدرج ، فجاء أبو أمامة رضي الله عنه فصلى ركعتين ، ثم توجه نحو الرؤوس ، فقلت : لأتبعنه حتى أسمع ما يقول ، فتبعته حتى وقف عليه فبكى ، ثم قال : سبحان الله ما صنع إبليس بأهل هذه الأمة ، ثم قال : كلاب أهل النار ، كلاب أهل النار ، كلاب أهل النار ، ثلاثاً ، قتلوا ، ثم قال : شر قتلى تحت ظل السماء ، وخير قتلى الذين قتلوهم ، ثم تلا هذه الاية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله .
حدثنا أبو بكر بن أبي داود أيضاً قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا بكر بن خلف ، قال : حدثنا قطن بن عبد الله الحراني ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني أبوغالب ، قال : كنت في مسجد دمشق ، فجاؤوا بسبعين رأساً من رؤوس الخوارج ، فنصبت على درج المسجد ، فجاء أبو أمامة رضي الله عنه ، فنظر إليهم فقال : كلاب جهنم ، شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء ، ومن قتلوه خير قتلى تحت ظل السماء ، وبكى ونظر إلي ، فقال : يا أبا غالب ، إنك ببلد هؤلاء كثير ، قلت : نعم ، أعاذك الله تعالى منهم ، ثم قال : يقرؤون القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله : والراسخون في العلم يقولون آمنا ، قلت : يا أبا أمامة : إني رأيتك تغرغرت لهم عيناك . قال : رحمة لهم ، إنهم كانوا من أهل الإسلام ، فقال رجل : يا أبا أمامة ، أمن رأيك تقول ، أم شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ، ولا ثلاثاً ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع .
حدثنا حامد بن شعيب البلخي قال : حدثنا أبوخيثمة زهير بن حرب ، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن الأعمش ، عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخوارج كلاب النار .
قال محمد بن الحسين : قد ذكرت من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله عز وجل الكريم عن مذهب الخوارج ، ولم ير رأيهم ، وصبر على جور الأئمة ، وحيف الأمراء ، ولم يخرج عليهم بسيفه ، وسأل الله العظيم أن يكشف الظلم عنه ، وعن جميع المسلمين ، ودعا للولاة بالصلاح ، وحج معهم ، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين ، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين ، وإن أمروه بطاعتهم فأمكنته طاعتهم أطاعهم ، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم ، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم ، وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته ، وكف لسانه ويده ، ولم يهو ما هم فيه ، ولم يعن على فتنة ، فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم إن شاء الله تعالى.
باب
في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين ، والصبر عليهم وإن جاروا ، وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة
أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد البحتري الجبائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا عمرو بن يزيد صاحب الطعام ، قال : سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلب يقول : - وأتاه رهط - فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ، ويغلقوا عليهم أبوابهم ، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم ، وذلك أنهم يفزعون الى السيف فيوكلون إليه ، ووالله ما جاؤوا بيوم خير قط ، ثم تلا : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .
حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثني يحيى بن سعيد عن هشام قال : حدثنا الحسن عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يكون أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن أنكر فقد برىء ، ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، فقالوا : يا رسول الله : ألا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا .
و حدثنا أيضاً أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا هدبة بن خالد ، قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة عن الحسن ، عن ضبة بن محصن ، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون ، فمن عرف فقد برىء ، ومن كره فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا .
و حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال : حدثني أبو التياح ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة .
و حدثنا الفريابي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد قال : أخبرني عبادة بن الوليد قال : أخبرني أبي ، عن أبيه رضي الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وإن بغوا ، وأن نقول بالحق حيثما كنا ، لانخاف في الله لومة لائم .
وحدثنا الفريابي قال : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب - يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني عبادة بن الوليد ، أن أباه الوليد بن عبادة بن الصامت قال : أخبرني أبي رضي الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره فذكر مثله .
حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال : حدثنا محمد بن بكار قال : حدثنا فرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اسمعوا لهم وأطيعوا في عسركم ويسركم ومنشطكم ومكرهكم ، وأثرة عليكم ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وإن كان لكم .
و أخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل الحضرمي ، عن أبيه رضي الله عنه قال : سأل يزيد بن سلمة الجعفي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت إن قامت علينا أمراء ، فسألونا حقهم ، ومنعونا حقنا ، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله الثانية والثالثة ، فجبذه الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه وقال : اسمعوا واطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا ، وعليكم ما حملتم .
حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثني جدي قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لعلك أن تخلف بعدي ، فأطع الإمام ، وإن كان عبداً حبشياً ، وإن ظلمك فاصبر ، وإن ضربك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر منقصة في دينك فقل : سمع وطاعة ، دمي دون ديني .
وأخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد الجبائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا ليث ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا أدري لعلك أن تخلف بعدي أطع الإمام وإن أمر عليك عبداً حبشياً مجدعاً ، وإن ظلمك فاصبر، وإن ضربك فاصبر ، وإن دعاك إلى أمر ينقصك في دينك فقل : سمع وطاعة ، دمي دون ديني .
قال محمد بن الحسين : فان قال قائل : أين الذي يحتمل عندك قول عمر رضي الله عنه فيما قاله ؟ قيل له : يحتمل - والله تعالى أعلم - أن نقول : من أمر عليك من عربي أو غيره ، أسود أو أبيض أو أعجمي فأطعه فيما ليس لله عز وجل فيه معصية ، وإن ظلمك حقاً لك ، وإن ضربك ظلماً لك ، وانتهك عرضك ، وأخذ مالك ، فلا يحملك ذلك على أنه يخرج عليه سيفك حتى تقاتله ، ولا تخرج مع خارجي حتى تقاتله ، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه ، ولكن اصبر عليه .
وقد يحتمل به أن يدعوك إلى منقصة في دينك من غير هذه الجهة ، ويحتمل أن يأمرك بقتل من لا يستحق القتل ، أو بقطع عضو من لا يستحق ذلك ، أو بضرب من لا يحل ضربه ، أو بأخذ مال من لا يستحق أن يؤخذ ماله ، أو بظلم من لا يحل له ولا لك ظلمه ، فلا يسعك أن تطيعه ، فإن قال لك : إن لم تفعل ما امرك به قتلتك ، أو ضربتك ، فقل : دمي دون ديني ،لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الطاعة في المعروف .
حدثنا أبو جعفر أحمد بن خالد البردعي - في المسجد الحرام سنة تسع وسبعين ومائتين - قال : حدثنا علي بن سهل الرملي ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جابر ، قال : حدثني زريق مولى بني فزارة قال : سمعت مسلم بن قرظة الأشجعي يقول : سمعت عمي عوف بن مالك الأشجعي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ، فقلنا : يارسول الله ، أفلا ننابذهم على ذلك ؟ قال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا من ولي عليكم منهم ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله عز وجل ، فلينكر ما ياتي من معصية الله عز وجل ، ولا تنزعن يداً من طاعة الله عز وجل قلت لزريق : الله يا أبا المقدام لسمعت مسلم بن قرظة يقول : سمعت عمي عوف بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أخبرت به عنه ، قال ابن جابر : فجثا زريق على ركبتيه ، واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه ، قال ابن جابر : ولم أستحلفه اتهاماً له ، ولكن استحلفته استثباتاً .
باب
فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها وتخويف العقلاء على قلوبهم أن يهووا ما يكرهه الله عز وجل ولزوم البيوت والعبادة لله عز وجل
حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من يستشرف لها تستشرف له ، ومن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به .
حدثنا الفريابي قال : حدثنا وهب بن بقية الواسطي قال : أخبرنا خالد - يعني ابن عبد الله الواسطي - عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون فتنة كرياح الصيف ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، من استشرف لها استشرفته .
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا شيبان بن فرخ قال : أخبرنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن رجل كان مع الخوارج ثم فارقهم .
[ ح ] قال أبو القاسم : وحدثني جدي و أبو خيثمة قالا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن رجل من عبد القيس - كان مع الخوارج ثم فارقهم - قال : دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب رضي الله عنه ذعراً ، يجر رداءه ، فقالوا : لم تدعو ؟ لم تدعو ؟ مرتين ، فقال : والله لقد ذعرتموني ، قالوا : أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحدثناه ؟ قال : سمعته يقول : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قال : فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول ، قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال : ولا تكن عبد الله القاتل ، قالوا : أنت سمعت هذا من أبيك ، فحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه ، فسال دمه كأنه شراك نعل ما أمذقه ، يعني ما اختلط بالماء الدم ، وبقروا أم ولده عما في بطنها .
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد أيضاً قال : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : أخبرنا عاصم عن أبي كبشة قال : سمعت أبا موسى رضي الله عنه يقول على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : كونوا أحلاس بيوتكم .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا عبد الملك بن شعيب قال : حدثني ابن وهب قال : حدثني الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن خالد بن أبي عمران : أن الحكم بن مسعود البحراني حدثه أن أنس بن أبي مرثد الأنصاري رضي الله عنه ، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ستكون فتنة بكماء صماء عمياء ، المضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، ومن أبى فليمدد عنقه .
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أسد بن عاصم الأصبهاني قال : أخبرنا إسماعيل بن عمرو قال : أخبرنا قيس ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن شقيق بن سلمة ، عن حذيفة .
[ ح ] وعن مجالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تتقارب الفتن ، ولا ينجو منها إلا من كرهها ، ولم يأخذ المال ، فإن أخذ المال فهو شريكهم في الدماء وغيرها .
قال محمد بن الحسين : قد ذكرت هذا الباب في كتاب الفتن في أحاديث كثيرة ، وقد ذكرت هنا طرفاً منه ، ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه ، فإن الفتن على وجوه كثيرة ، قد مضى منها فتن عظيمة ، نجا منها أقوام ، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى ، وإيثارهم للدنيا ، فمن أراد الله تعالى به خيراً فتح له باب الدعاء ، والتجأ إلى مولاه الكريم ، وخاف على دينه ، وحفظ لسانه ، وعرف زمانه ، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم ، ولم يتلون في دينه ، وعبد ربه عز وجل ، فترك الخوض في الفتنة ، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير ، ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحذر أمته الفتن ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً .
حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري قال : حدثنا محمد بن المصفى قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : أخبرنا الوليد بن سيمان بن أبي السائب ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم بن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ، إلا من أحياه الله جل وعلا بالعلم .
حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن المجدر قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش قال : حدثنا عمرو بن عاصم قال : حدثنا معمر قال : سمعت أبي يحدث عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بادروا بالأعمال ، ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع الرجل دبنه بعرض من الدنيا .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا عبد الوهاب الوراق قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، عن الأشجعي ، عن سفيان - يعني الثوري - عن أبي سنان الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : قال لي راهب : يا سعيد : في الفتنة يتبين لك من يعبد الله تعالى ، ومن يعبد الطاغوت .
حدثنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن العلاء بن زياد ، عن معاوية بن قرة ، عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العبادة في الهرج كالهجرة إلي وحدثنا علي بن إسحاق بن زاكيا قال : حدثنا محمد بن سليمان لوين قال : حدثنا حماد بن زيد ، وذكر الحديث مثله إلى آخره .
باب
الحث على التمسك بكتإب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم ، وترك البدع ، وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة ، وقول الصحابة رضي الله عنهم
أخبرنا الفريابي قال : حدثنا حبان بن موسى قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : يحمد الله عز وجل بما هو أهله ثم يقول صلى الله عليه وسلم : من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب الله عز وجل ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
حدثنا أبو بكر محمد بن الليث الجوهري : قال : حدثنا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش قال : حدثنا أبو حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحسن الحديث كتاب الله عز وجل ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
أخبرنا إبراهيم بن موسى الحوذي قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور بن بزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي و حجر الكلاعي قالا: دخلنا على العرباض بن سارية رضي الله عنه ، وهو الذي نزلت فيه : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم الاية . وهو مريض فقلنا له : إنا جئناك زائرين وعامدين ، ومقتبسين ، فقال عرباض رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغداة ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فوعظنا موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله : إن هذه لموعظة مودع ، فما تعهد الينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، والطاعة والسمع ، وإن عبداً حبشياً ، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .
وحدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال : حدثنا الفضل بن زياد قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا ثور بن يزيد - وذكر حديث مثله إلى آخره -.
و حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال : حدثنا أحمد بن صالح المصري قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثني معاوية بن صالح قال : حدثنا ضمرة بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع عرباض بن سارية رضي الله عنه يقول : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلواب ، قلنا: يا رسول الله ، إن هذه موعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، فلا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وعليكم بالطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، عضوا عليها بالنواجذ .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا إبراهيم بن زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن ثور بن يزيد - وذكر الحديث نحواً منه إلى آخره - .
وحدثنا ابن عبد الحميد أيضاً قال : حدثنا ابن زهير قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني قال : أخبرني يزيد بن عميرة أنه سمع معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول في كل مجلس يجلسه : هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتناً يكون فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان فيقول : ما بال الناس لا يتبعوني فيه ، قد قرأت القرآن ، ثم يقول : ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإنما ابتدع ضلالة .
وأخبرنا إبراهيم بن موسى الخوذي قال : حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري قال : سمعت أبا إدريس الخولاني يقول : أدركت أبا الدرداء رضي الله عنه ، ووعيت عنه ، وأدركت عبادة بن الصامت رضي الله عنه ووعيت عنه ، وأدركت شداد بن أوس رضي الله عنه ووعيت منه ، وفاتني معاذ بن جبل ، فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه : الله تعالى حكم عدل مقسط ، تبارك اسمه ، هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن في ذلك الزمان ، فيقول : قد قرأت القرآن ، فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ، ثم يقول : ما هم بمتبعي
حتى ابتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، اتقوا أربعة : العالم ، فإن الشيطان يلقي على في الحكيم كلمة الضلالة ، قال : اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه ، الذي إذا سمعته قلت : ما هذه ؟ ولا يثنيك ذلك عنه ، فإنه لعله أن يراجع ، وتلقى الحق إذا سمعته ، فإن على الحق نورا .
حدثنا الفريابي قال : حدثنا الحسن بن علي الحلواني بطرطوس سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ، قال : سمعت مطرف بن عبد الله يقول : سمعت مالك بن أنس رضي الله عنه إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول : قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً ، الأخذ بها اتباع لكتاب الله عز وجل ، واستكمال لطاعة الله عز وجل ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن انتصر بها فهو منصور ، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله تعالى ما تولاه ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا .
حدثنا أبو محمد الحسين بن علويه القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال : إن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه قال : إن ناساً يجادلونكم بشبه القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل .
باب
التحذير من طوائف تعارض سنن النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل وشدة الإنكارعلى هذه الطبقة
قال محمد بن الحسين : ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلاً يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد ثبت عند العلماء ، فعارض إنسان جاهل ، فقال : لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله عز وجل ، قيل له : أنت رجل سوء ، وأنت ممن حذرناك النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذر منك العلماء .
وقيل له : يا جاهل إن الله عز وجل أنزل فرائضه جملة ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أنزل إليه ، قال الله عز وجل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ، فأقام الله عز وجل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم مقام البيان عنه ، وأمر الخلق بطاعته ، ونهاهم عن معصيته ، وأمرهم بإلانتهاء عما نهاهم عنه ، وقال عز وجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وقال تبارك وتعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ، ثم فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعاً من كتابه عز وجل .
وقيل لهذا المعارض لسنن الرسول صلى الله عليه وسلم : يا جاهل ، قال الله عز وجل : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أين تجد في كتاب الله عز وجل أن الفجر ركعتان ، وأن الظهر أربع ، وأن العصر أربع ، وأن المغرب ثلاث ، وأن العشاء أربع ؟ وأين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها ، وما يصلحها وما يبطلها ، إلا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ومثلها الزكاة ، أين تجد في كتاب الله عز وجل من مائتي درهم خمسة دراهم ، ومن عشرين ديناراً نصف دينار ، ومن أربعين شاة شاة ، ومن خمس من الإبل شاة ، ومن جميع أحكام الزكاة ، أين تجدها في كتاب الله عز وجل ؟
وكذلك جميع فرائض الله عز وجل ، التي فرضها الله جل وعلا في كتابه ، لا يعلم حكم فيها ، إلا بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم .
هذا قول علماء المسلمين ، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ، ودخل في ملة الملحدين ، نعوذ بالله تعالى من الضلالة بعد الهدى.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضي الله تعالى عنهم : مثلما بينت لك فاعلم ذلك .
و حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه رضي الله عنه ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يبلغه الأمر عني ، فيقول : لم أجد هذا في كتاب الله عز وجل .
و حدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود العجلي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن المنكدر ، عن سالم أبي النضر ، عن عبيد الله بن أبي رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعرفن أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله عز وجل اتبعناه .
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال : حدثنا زهير بن محمد المروزي قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حدثنا أبو معشر ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث ، وهو متكىء على أريكته ، فيقول : أتل به قرآناً .
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد عفير الأنصاري قال : أخبرنا نصر بن علي الجهضمي ، قال : حدثنا أبو قتادة قال : حدثنا حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عوف ، عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله - مرتين - ألا إنه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وذكر الحديث .
حدثنا أحمد بن سهل الإسفراييني قال : حدثنا الحسين بن علي بن الأسود قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال لرجل : إنك أحمق ، أتجد في كتاب الله عز وجل الظهر أربعاً ، لايجهر فيها بالقراءة ؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما ، ثم قال : أتجد هذا في كتاب الله عز وجل مفسراً ؟ إن كتاب الله جل وعلا أحكم ذلك ، وإن السنة تفسر ذلك .
وحدثنا أحمد بن سهل قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ثوبان ، عن حماد بن سلمة ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديثاً فقال رجل : إن الله عز وجل قال في كتابه : كذا وكذا ، فقال : لا أراك تعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل سبحانه وتعالى .
حدثنا أحمد بن سهل ، قال : حدثنا الحسين بن علي قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا قطبة بن عبد العزيز ، و أبو بكر بن عياش ، عن عبد الرحمن بن يزيد : أنه رأى محرماً ، عليه ثيابه ، فنهر المحرم ، فقال : ائتني بآية من كتاب الله عز وجل بنزع ثيابي ، فقرأ عليه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
قال : حدثنا أبو محمد الحسين بن علويه القطان قال : حدثنا عاصم بن علي قال : حد
