إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

يا مسلم ... إقرأ ... واعتبر ...

Collapse
This is a sticky topic.
X
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • إنكار منكر

    استيقظ من نومه مبكرًا؛ ليذهب لعمله، لقد نام بعدما صلى الفجر،
    خرج من غرفته، وجد أمَّه تُعِدُّ الإفطار،
    أمُّه ليست ملتزمة،
    كان الكاسيت بجوارها في المطبخ، وكانت هناك أغنية، وكانت أمه تدندن بالأغنية،
    شعر بالتوتر؛ الموسيقى حرام،
    وأيضًا أن تشنف أذنه بمزمار الشيطان هذا في الصباح الباكر، هذا غير محتمل.

    حاول أن يضبط أعصابه، أطفأ الكاسيت فقط فنظرت له أمُّه: صباح الخير،
    قال في ضيق وقد فاض به الكيل: أمي، تحية الإسلام السلام عليكم،
    زمت الأم شفتيها في ضيق،
    ثم مدَّت يدها تفتح الكاسيت، قال لها في تأفُّف وازدراء:
    في الصباح نسمع القرآن أم الغناء؟!

    ردت الأم وقد أغضبتها طريقة ولدها:
    اسمع يا هذا، حينما يكون لك بيت افعل فيه ما شئت،
    أما هنا (وخبطت بيدها على المنضدة في حزم) فهذا بيتي أنا، وأنا حرة!

    ارتفع صوته، وارتفع صوت الأم الغاضب، ثم لما لم يجد بدًّا ارتدى ملابسَه،
    وخرج دون أن يتناول الإفطار، وصفق الباب خلفه في غضب،
    وصوت الأغنية يتعالى خلف الباب، ويتعالى.

    بعدما مشى عدة خطوات شعر بالندم؛ كانت الآية تتردد في أذنه:

    {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]،

    وقوله - تعالى -:

    {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
    وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[لقمان: 15]،


    اتَّصل بأمِّه على المحمول، راح يعتذر لها، ويستسمحها حتى رضيت،
    فأكمل طريقه وعيناه كالصقر تتربصان.



    ركب المترو، وجد فيه رجالاً غير مُلتحِين، لم يُلق السلام،
    ونظر لهم نظرة مفعمة بالازدراء والاحتقار،
    ثم أخرج المصحف من جيبه،
    وجعل يقرأ بصوت خفيض ما تيسَّر له من سورة سبأ.

    دخل المترو قس عجوز يتظاهر بالوداعة والطيبة،
    لم يجد مكانًا فوقف بجوار بطلنا الهمام، وابتسم له في مداهنة،
    نظر له الشاب شذرًا، ثم قرَّر رفع صوته بالتلاوة في تحدٍّ،
    وتحديدًا الآية رقم ثلاث وسبعين من سورة المائدة.

    كان يظن أنه بذلك قد آذى القس، وماذا في ذلك؟ ألا يجب عليه إيذاؤه في الله؟

    والدعوة والحكمة!

    ومنذ متى يهتم بطلنا بالدعوة والحكمة؟ إن اهتمامه منصب على إنكار المنكر.

    وماذا كان رد فعل القس؟ كعادة هؤلاء الخبثاء في الظهور بالمظهر المنكسر الطيب،
    نظر له القس في أسف مفتَعل،
    وهزَّ رأسه وهو يتمتم بعبارات، لم يسمع منها بطلنا سوى كلمات قليلة:
    الله يهديك، ابتسم الشاب في ظفر؛ فقد ظن أنه انتصر في الحرب،
    لقد انسحب العدو،
    بغض النظر هل بلغته رسالته أو لا؟ هل فهم ما يريد قوله أو لا؟
    يهمه فقط أن يقهرهم، ويحقر من شأنهم، في الحرب، ولِمَ لا؟
    أليس هو الداعية الذي ينكر المنكر في هذا الزمن؟

    بلغ المترو المحطةَ المنشودة،
    فنهض لينزل وهو يدير عينيه في عيون الركاب الناظرة إليه في بغض،
    والحقيقة أنه سَعِد بهذا البغض؛ فهو يظن أن بغضهم له دلالة على قوة موقفه؛
    كل ناجح له أعداء،
    ولو أحبوه فهذا يعني أنه مخطئ، وأنه مثلهم، فاسق،
    لكن كان ينتظره اليوم بالذات في العمل مفاجأةٌ، ترى ما هي؟



    دخل مكتبه، ألقى السلام في فتور على زملائه، مجبر هو على إلقاء السلام،
    فكيف يلقي السلام على أناس ليسوا ملتزمين؟! وما فائدة إنكار المنكر إذًا؟

    لفت انتباهَه شخصٌ يقف عند مكتب مديره،
    كان الشخص موليًا ظهرَه لباقي المكاتب ويتحدث مع المدير،
    ناداه المدير حين دخل المكتب، وقال له: تعال يا فلان، قد جاءك زميل جديد،
    ثم أردف في توتر وضيق: وهو مثلك.

    التفت الوافد، فإذا به شاب ملتحٍ، تبدو على وجهه علاماتُ التقوى والالتزام،
    أخيرًا، رفيق درب في هذا المكان الكئيب،
    رحبت به وعيناي تدور في وجوه زملائي في ظفر وزهو،
    إنه يا سادة زميلي أنا، إننا اليوم جبهة واحدة، كنت أعلم أنه لولا ثقتُهم فيَّ،
    ومهارتي في العمل، لفصلني المدير بلا تردد،
    فأنا ضميرهم الحي، الذي لا يفتر يذكِّرهم ليلَ نهارَ بأنهم عصاة فسقة،
    أحيانًا يتهمني الجميع بسوء الخلق، لكنهم لا يفقهون،
    يظنون حسن الخلق أن أهادن في الله، لكن كلاّ،
    فإن خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر
    (لاحظ كمَّ الخلط الذي يعانيه الأخ في المصطلحات الشرعية،
    وإنزالها على المواقف العملية)
    فعلى الأقل أنا أقولها في وجه مديري، حتى لو فصلني.

    أفقت من خواطري على صوت رفيق الدرب الجديد،
    كان صوته خفيضًا، مهذبًا، سألني عدة أسئلة عن العمل،
    ومرَّ اليوم سريعًا، كنت أراقب الفتى الجديد، وأختلس إليه النظرات،
    كان مهذبًا أكثر مما ينبغي، يتحدث مع الجميع بمودة وتهذيب،
    برغم أن الجميع كان في بداية اليوم يعامله بحذر؛
    باعتبار أن لهم خبرةً سابقة في التعامل مع "هذا النوع"،
    ثم سقط حذرُهم وتحفُّظهم؛ لما رأوا من دماثة خلقه،
    وطيب معشره، صاروا يتحدثون معه بود ظاهر،
    وخيِّل إليَّ أنهم يتقبَّلون كل ما يقول عن العمل بصدر رحب،
    بدون جدال كما يفعلون معي، غاظني هذا،
    ليس هذا من عقيدة الولاء والبراء، قررت الإنكار عليه.



    ذهبت إليه في آخر اليوم ووجهي ينطق بما سيتلفظ به لساني، ابتدرني في عذوبة: أأنت متزوج؟

    نسيت غضبي وإنكاري للمنكر أمام ابتسامته وحسن خلقه، قلت له وقد لانت عريكتي قليلاً: لا.

    اتسعت ابتسامته وقال: إذًا لن يطالبك أحد بسرعة العودة إلى المنزل، يمكنني أن أدعوَك لتناول الغداء،
    قلت له وقد عاد التوتر يكسو ملامحي: أنا، أنا لا آكُل في أماكنَ مشبوهةٍ، ابتسَم في لطف وقال:
    جيد، أنا أيضًا لا أفعل، سنأكل في مطعم يملكه بعض الإخوة يتحرون الحلال، فلا تَخْشَ شيئًا.

    تَبعتُه كالمسحور، وكانت بداية الانقلاب في حياتي.

    ترى ماذا دار في هذا اللقاء؟

    ركبنا وسيلة من وسائل المواصلات العامة، كنت متحفزًا جدًّا، لكن لا أستطيع النطق،
    وكان هو هاشًّا باشًّا، يبتسم في وجه كل مَن قابلنا، ويلقي التحية، استفزني هذا أيضًا.

    ثم قابلنا قسًّا، قام وأجلسه مكانه، ثم أخرج من جيبه مطويةً عن الإسلام، وابتسم في وجهه وأعطاها له،
    وقال مبتسمًا: هدية، هدانا الله وإياك، ثم سحبني من يدي في هدوء لننزل ونركب وسيلة أخرى،
    إلى هنا لم أحتمل: "تسلِّم على غير ملتحين، وغير ملتزمين، احتملت منك هذا، لكن تبتسم في وجه قس!
    لا وألف لا، أين البراء؟ تقر المنكر والكفر ؟!"، كذا انطلقت العبارة من فمي كالرصاص.

    التفتَ إليَّ والابتسامة لا تزال على وجهه، وقال:

    بل أنا أدعوهم إلى الله.



    توقفت فجأة حتى كدتُ أقع على الأرض، استندت إلى ذراعه، وحدقت في وجهه بغضب عارم،
    يخامره الكثير من الدهشة، ثم قلت في غضب: دعوة! وأين الدعوة مما تفعل؟!

    قال بهدوء: أنت تعلم ما يقولون في كل وسائل الإعلام؛ الملتحون إرهابيون، أليس كذلك؟

    قلت في حيرة: بلى.

    قال: الآن أنا أثبت لهم أن الملتحين هم الملتزمون حقًّا بشريعة الإسلام،
    وأنزع من رؤوسهم عمليًّا فكرةَ أن اللحية إرهاب، ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -:

    ((وتُسلِّم على مَن عرَفت ومن لم تعرف))؟

    قلت: بلى؛ لكنه أيضًا قال إن إنكار المنكر باليد أو اللسان أو القلب،
    فإذا عجزنا عن الإنكار باليد واللسان، فلا أقل من القلب، وهو الهجران.

    قال مبتسمًا: لا تَعارُض، لكن قل لي أخي أولاً:
    هل يصح أن تنكر على جاهل بالهجران، فلا يفهم لِمَ هجرتَه؟

    صمتُّ برهة، وأنا أحاول استيعاب كلماته، ثم قلت في حيرة: معذرة لم أفهم.

    قال: أعني أن اليوم الكثير ممن يفتي في وسائل الإعلام ليس ملتحيًا، ويقول: إن اللحية ليست فرضًا،
    بل لا بأس عليه إن قال أيضًا: إنها بدعة، وإن مصافحة النساء جائزة، وإن الأغاني شيء جميل جدًّا،
    ويبيح الحرام ويزينه؛ بل بلغ ببعضهم الجرأة بمساواة أهل السنة مع أهل البدع من الفرق الضالة؛
    بل مع النصارى واليهود، ويقول: إن الأديان عند الله سواء، أليس كذلك؟

    قلت في حيرة أكبر: بلى.

    قال: إذًا لو هجرتَ المجتمعَ كله، هل سيفهم الناس أنهم على خطأ، وأنك هجرتهم للمعاصي؟

    هل سيفهم النصراني أن الحق في الإسلام، وأن النصرانية واليهودية خطأ؟
    وقد ظهر أهل العمائم في الوسائل الإعلامية ليقولوا خلاف ما تقول أنت؟
    باختصار هل بلغت الرسالة؟



    صَمَتُّ وقد هزني منطقُه، قال وهو يبتسم في خفة:
    أخي قد بلغْنا المطعمَ، دخلت معه ورأسي يقلب كلامه على كل الوجوه، جلس وطلب الطعام،
    طال بنا الحديث، وتطرقنا إلى أمور شتى، لكنَّ ذهني كان مشغولاً بكلامه، رفعت رأسي فجأة،
    ثم قلت: حسنًا، أنت إذا وجدتَ أمك أو أختك تفعل شيئًا حرامًا، تسمع أغانيَ مثلاً، أو تشاهد التلفاز،
    وقد قلت لها مرارًا وتكرارًا: إن هذا حرام، ماذا تفعل؟

    أسند ذقنه على يديه وقال: أقف مع نفسي وقفة، وأسأل نفسي: ما الخطأ في طريقة دعوتي؟

    هل أستخدم طريقة حسنة في تفهيم أمي أو أختي؟ هل قدمت بين يدي نصيحتي هدية أو ابتسامة؟
    هل أجبت عن كل الشبهات التي في قلبهما؟ هل شعرت بالرحمة والرغبة في هدايتهما؟

    هل أشعرتهما بالتقدير والاحترام أو بلغهم عني شعور بالكبر والتطاول؟

    لاحظ أنت تتحدث عن أمك وأختك التي تحت ولاية أبيك،
    فإذا وقفت على الخطأ أصلحته واستعنت بالله،
    وقدمت بين يدي نصيحتي استغفارًا ودعاء، ونظرت في قلبي ونيتي،
    وإن لم أجد خطأ ظاهرًا، استعنت بالله وتضرعت له بالأسحار؛
    كي يهديهم ولا أفتأ أذكرهم ما حييت.

    نظرت إليه منبهرًا وقلت: لم يخطر هذا في بالي أبدًا.



    ابتسم وقال: ألم تقرأ قول الله - تعالى -:

    {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
    فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]؟


    نظرت إليه في دهشة، فكأنما أسمع هذه الآية للمرة الأولى، قلت له: هلاَّ شرحت الآية.

    قال: انظر، لقد منَّ الله - تعالى - على النبي - صلى الله عليه وسلم - برحمة في قلبه للأمة،
    فترى في كثير من الآيات كيف اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بهداية الخلق،
    وشق على نفسه ألا يستجيب الناس للحق؛ رحمة لهم، ورغبة منه - صلى الله عليه وسلم -
    في إنقاذهم من النار، فالذي يمارس الدعوةَ
    يجب أن يحرص على التماس هذا الشعور من نفسه، قال لي شيخي ذات مرة:
    لا ينبغي للداعية أن يكون كالجزار، ينتظر وقوع الضحية؛ ليجهز عليها بسكينه،
    فإن افتقد الداعية هذا الشعورَ، وغلبه الغضبُ، والرغبة في تدمير المدعو وجرحه،
    فليعلم أن فيه خللاً، وأن دعوته ستأتي بعكس النتائج المرجوة،
    وسينفض الناس مِن حوله، ومن ثم عدم قبولهم النصح.

    انظر كيف يأمر الله - عز وجل - أن يشاور النبيُّ الصحابة،
    ففيه إشارة خفية للداعية أن يشاور المدعو في أمور لا تمس الشريعة؛ إشعارًا منه بالاحترام،
    ومنعًا للتطاول، وهذا باب للقلوب لا يعدله شيء، فإن الإنسان إذا شعر أن مَن ينصحه ينتقص عقله،
    أو جنسه، أو بلده... إلخ، غضب لنفسه، فقد أخرجته إذًا من حالة قد يقبل فيها الحق،
    إلى حالة الغضب للنفس، والعصبية الجاهلية.

    انظر للنبي لما جاءه الفتى يطلب منه أن يبيح له الزنا، ماذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم؟
    شاوره في الأمر، حتى جعل الحق ينطق على لسانه هو.

    نظرت له مليًّا وقلت: لكن أحيانًا أشعر أن الشدة تنفع.

    ابتسم وقال: أحيانًا نعم، لكن غالبًا تفقد بالشدة ما قد تجلبه باللين.

    قلت: بمعنى؟

    قال: يعني كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

    ((إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)).



    فيمكنك أن تجبر ولدك على الصلاة، لكن هل يمكنك أن تجبره على الخشوع فيها؟

    قلت: لا.

    قال: لكن بالرفق، والتذكرة مرة بعد مرة، والتخويف والترغيب، تصل لمأربك، قال - تعالى -:

    {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]،

    فأنت بالصبر والمصابرة تبلغ مرادك، لكننا نقع في العجلة، نريد النتائج حاضرة، ننسى أننا كنا كذلك من قبل:

    {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94]،

    وننسى أن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، ولو أنك إذ وقفتَ أمام مدعوٍّ تذكرتَ أنك تريد نصحه؛ رحمةً به،
    ورغبة في الأجر ودخوله الجنة، وأنك لو كنت مكانه - عافانا الله - فكيف تحب أن يتحدث إليك الداعي،
    إذًا لاختلفتْ طرقنا في الدعوة، ولاحظ أنه حتى لو لم تكن الاستجابة لدعوتك تامة،
    سيظل في قلوب المدعو كلامُك مدويًا، يكفي أنك علَّمته أن هذا هو الحق،
    في مثل زمننا هذا الذي اختلط فيه الحق بالباطل بدعوة أهل الباطل،
    فصار كثير من الناس لا يعلمون شيئًا.




    كان كلامه يخترق أذني اختراقًا، فينفذ إلى قلبي فيهزه هزًّا، وطريقته في الإلقاء مؤثرة جدًّا؛
    عيناه تتفاعل معي، تخترق كياني، أرى فيهما الرحمة والعزة معًا.

    قلت: لكن الأنبياء يأتون يوم القيامة ومعهم الرجل والرجلان، وليس هذا عن عيب فيهم؟

    ابتسم وقال:

    لكنك لست موصولاً بالوحي، أنت تخمن أن مَن أمامك متكبر، أو لا يقبل الحق،
    فدعك ممن أمامك، عليك بنفسك، تعاهَدْها وتحرَّ أن تعمل ما يجب عمله،
    فإن أيقنت أنك عملت ما ينبغي عمله، ورأيت الشح المتبع، والهوى المؤْثَر،
    فعليك نفسَك؛ لكن لا تفتأ تُذكِّر بين الفينة والأخرى؛ عسى أن يهدي الله مَن تدعو،
    وانظر حال نبينا - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يدعو إلى الله؟ كيف كان يحرص على هدايتهم؟
    حتى المنافقين كان حريصًا على أن يؤمنوا، ولما لم يؤمنوا لم يزل بهم رحيمًا بعد موتهم،
    ولولا أمر الله له بترك الصلاة عليهم لصلى عليهم - صلى الله عليه وسلم - ما أرحمَه! ما أحلمه!

    كنت أستمع له بجسدي كله، أذني وقلبي وعقلي، يا لضيعتي! كم أضعت من العمر هباء!

    نهض وأصر على دفع الحساب،

    الجميع هنا يتعاملون معه بترحاب غير طبيعي،

    علمت فيما بعد أنه كان سببًا في التزام العاملين، فقط بحسن خلقه، وسخائه، وبسمته،
    علمت أيضًا أنه لمس غروري وتطاولي على الناس من أول لحظة قابلني فيها،
    علمت أنه رحمني وأشفق عليَّ، فكانت نيتُه بدعوتي للغداء الدعوةَ إلى الله بالحسنى.


    علمت كل هذا، أفتسألونني بعد ذلك لماذا أستشيره في كل أموري؟!



    منقول
    Last edited by pharmacist; 22-12-2012, 02:21 PM.





    îن îëéىهْ نçمùهْ?


    • احلق لحيتك!!

      يقول :

      كنت أسير أنا وصديقي في شارع من شوارع العاصِمة.

      صديقي هذا ملْتحٍ وملتزم، زوجتُه منتقبة.

      كمْ نصحتُه بحلْق لحيته،

      وأن تخلع زوجتُه ذلك الرِّداء الذي يَجعلها أشبهَ بالأشباح!

      أتعجَّب من حال أولئك القوْم حقًّا!

      رأيتُ امرأةً منتقبة، ترتدي عباءةً ضيِّقة، مطرَّزة جدًّا، رغم أنَّها تُغَطِّي وجهها،
      وكفَّاها بلا قفَّازين، وعيناها ظاهرة مع مكياج صارخ.

      كانت تقِف في وضع مريب.

      تتلفَّت حولها بطريقةٍ ملفتة.

      ثم توقَّفت أمامَها سيارة، وجعل قائدُها ينظر في المرآة الجانبيَّة.

      تلفَّتت الفتاةُ حولَها، ثُمَّ تقدَّمت وركبتْ جوارَ السَّائق.

      هذا هو حال المنتقبات!

      نظرتُ إلى صديقي، وقلْتُ له في هدوء لا يخلو من لكنة هجوميَّة:
      هل رأيتَ ما رأيتُ؟

      لهذا - يا صديقي - أنصحُك
      بأن تُجْبِر زوجتك على خلْع هذا الرداء الذي صار شبهة.

      تَخيَّل: لو مشت زوجتُك في الشارع سيظنُّها النَّاس مثل هذه!

      ولو تعاملتَ مع المُلْتحين اللُّصوص الذين تعاملت معهم في حياتي،
      لاقتنعتَ أنَّه يَجب عليْك حلق لحيتك؛ لئلا يظنَّك النَّاس مثلهم.
      ثم أردفْتُ في حكمة: النَّاس الآن صارت تستغلُّ الدِّين لتتظاهَر!

      سكت صديقي وهزَّ رأْسَه، وهو يبتسم ابتسامةً لم أفهم مغْزاها جيِّدًا.

      ثُمَّ مشيْنا قليلاً.



      وتوقَّف صديقي، وأشار إلى النَّاحية الأخرى من الشارع.

      نظرتُ فرأيت فتاةً ترتدي "إيشاربًا" على قدر رقبتها.

      وبنطلونًا ضيِّقًا جدًّا، وقميصًا مفتوحًا من أعلى، يُظْهِر صدرَها.

      كان مِكياجها صارخًا.

      منظر مألوف، هذا حجاب مألوف.

      غير ملفت مثل المنتقِبات، ابنتِي ترتدي هذا الزِّي.

      كانت الفتاةُ تَجلس على سور قصير، وأمامها شابٌّ حليق.

      و ... أسْتحيي في الواقع من ذِكْر وصفٍ لِما أرى.

      وهو منظر صار مألوفًا في بلادِنا مع الألم.

      تركني صديقي أتأمَّل الموقف لحظاتٍ، ثم قال لي:
      هذا هو حال بعْض حليقي اللحية، وبعض من لا ترتدي النِّقاب،
      أخشى أن يظنَّ النَّاس أنَّك أو أنَّ أي فتاة ممَّن يرتدون مثْلها يفعلون فعلَهُما.

      طأطأْتُ رأسي خجلاً وسكتُّ.

      قال لي في طيبة :

      يا أخي، الماسك على دينه كالماسك على جمرة من النَّار؛
      فابحث عمَّا يُرْضي ربَّك فافعله، وليس لنا شأن بِما يفعله الآخرون،ولا بِما يقولونه،


      وأنت تعلم أنَّ زوْجتي إذا ارتَدَت النِّقاب وخرجتْ، يظهر لمن يراها أنَّها محجَّبة حقًّا،
      لا مِثْل تلك التي أشرْتَ إليْها..

      وكل إناءٍ بِما فيه ينضح.

      منقول





      îن îëéىهْ نçمùهْ?


      • الجنرال الذي روّض مستهلكي المسلمين

        في أَحدِ فنادقِ الـ"خمسة نجوم" في مدينةِ مالٍ وأعمالٍ عربيةٍ،
        وبقاعةِ اجتماعاتٍ مجهّزةٍ، انغلق البابُ عليهم،
        بعد أن تمّ التنبيهُ على عدمِ تحويلِ مكالماتٍ للقاعة،
        وعدمِ السّماحِ بدُخولِ أيّ شخصٍ، تحتَ أيّ ظرفٍ.

        جلسَ ثلاثتُهُم يشْخصُونَ إلى مديرِ الجلسةِ الذي يطلُّ عليهم من الشاشة،
        في الاجتماع المنعقد عَبْرَ (فيديو اللقاءات المرئية)، رحّبَ بِهمْ،
        وابتدرَ بتلكَ الكلماتِ المعهودةِ في مِثلِ هذه الاجتماعاتِ المِهْنِيّةِ.
        ثُم استتلَى بهدوءٍ وجدِّية:

        إنّكم هناكَ تعملُونَ في سوقٍ واعدٍ لنا في العالم،
        لقدْ بدأتْ مُنتجاتُنا تواجِهُ حرباً شرسةً في الغَرب،
        وأصبحنا نتّخذُ أوضاعاً دفاعيةً لم نكن نتخيّلُها منذُ عقدينِ مِن الزّمانِ،
        ونتخوّفُ أنْ تتطوّرَ الأُمورُ للأسوأ.
        وتوسُّعُنا - أيّها السادةُ - في الشرق الأوسطِ أصبح خِياراً وحيداً
        لِلمحافظةِ على نُمُوِّ تِجارَتِنا.



        وأعتقدُ أنّكُم لا تحتاجونَ لِمَنْ يلفتُ انتِباهَكُم لكونِ هذه المنقطةِ شَهِدَتْ، عدّة مرّاتٍ،
        حملاتٍ لمقاطعةِ المنتجاتِ الغربيّة كردّةِ فعلٍ على توتُّراتٍ تمرُّ بها المنطقةُ،
        وقد كانت تُحْدِثُ مدًّا كبيراً في أحوالٍ كثيرةٍ، ثُمّ ما يلبثُ هذا المدُّ أنْ ينحسرَ...

        نعم، حوصِرَتِ السِّلَعُ الغربيّة هنا عدّةَ مراتٍ..
        أصنافٌ مِن الحليبِ البودرةِ والزبدةِ والشيكولاتة،
        ومساحيقِ الغسيل وحفّاظات الأطفال والعصائر والمياه الغازية، وغيرها.
        ولم يَفُكَّ الحصارَ إلاّ الجنرالُ العبقريّ، جنرالُنا الذي روَّض المستهلكين المسلمين!

        عندما يقاطع المسلمُ البضائعَ الغربيّة لا يجدُ صُعوبةً كبيرةً في اتّخاذِ هذا القرار
        ولا في الاستمرار في تنفيذه، غيْرَ أنّهُ لا يستطيع أنْ يستغنيَ عن السيجارة،
        هو في أحوالٍ كثيرةٍ يعودُ إليها تحتَ التأثير والإلحاح المتفرّد للتبغِ،
        يعودُ فيجدُ نفسَهُ وقد خالفَ المقاطعة في بندٍ، فتنكسِرُ إرادةُ التّحدّي لديهِ،
        فيعود لاستهلاكِ كلِّ المنتجاتِ الّتي قاطعَها.


        والشاهدُ أنّهُ يجب أن يعرفَ هؤلاءِ المنتجون الغربيون هذا،
        عليهمْ أن يستوعِبوا جيداً كونَ (الجنرال تَبْغ) هو الذي يقومُ وَحْدَهُ - ودائماً -
        بفكّ الحِصارِ المفروضِ على المُنتجاتِ الغربيّةِ في الشرقِ الأوسط.

        وبناءً عليهِ، فيجبُ على قائمةٍ طويلةٍ من المنتجين،
        الحريصينَ على حصصهِم من السوق في الشرق الأوسطِ، وكذلكِ وكلائهم،
        أن لا يقدّمُوا أيّ دعمٍ ماديٍّ أو معنويٍّ لمجهودِ مكافحةِ التدخينِ في الإقليم
        وألاّ يكونوا رعاةً لأيّ فعاليةٍ لمكافحة التدخين، مَهْما كانت محدودة؛
        إذ ليس من العدل أن يعضّوا اليدَ التي امتدّتْ لتنتشِلَهُم.

        ونحن كمنتجينَ رئيسيّينَ للتَّبْغ، تعاونّا سويًّا في تصميمِ بحثٍ تسويقيٍّ ميدانيٍّ،
        في عِدّة دولٍ عربيةٍ، عن المقاطعة، وأنتم بذلْتُم – مشكورينَ - جهداً عظيماً في
        متابعةِ شركةِ (.....) لأبحاث التسويق، التي لها باعٌ طويلٌ وخبرةٌ متميزةٌ في
        تنفيذِ استِباناتٍ عن منتجاتِ التَّبغ، طوالَ مراحلِ تنفيذ الموجةِ الأُولى من الاستبانة،
        حتى نفّذت - في هدوءٍ وسلاسَةٍ - عشرينَ ألفَ استبيانٍ في عِدّةِ دولٍ
        عربيةٍ عن المقاطعة، وطبيعةِ المنتجات التي قررَ الناسُ مقاطعتَها،
        وتوقعاتِهم عن قدراتِهم على مقاطعةِ بعض السّلَع، ومنها التّبغ.



        .. يبتسمُ ابتسامة ثقةٍ، ثُم يستتلي:
        نحن نعرف جنرالنا جيّداً،
        ونعرف أنّ نتائج هذا البحث في صالحِنا مِن قبل أن ننفّذَه،
        وبالفعل قد استلمنا نتائج الموجةِ الأولى أوّلَ أمسِ، وجاءتْ طيّبةً ومبشِّرةً للغاية،
        الجمهورُ كانت إجاباتُه في الغالب متوافقةُ مع توقعاتِنا مِن زبائننا الكِرام.

        ستصلُكم نُسَخٌ مِن تقرير شركةِ بحوث التسويق، وخلاصةُ التقريرِ هو

        أنّ التبغ هو القادرُ وحدَه على فكّ الحصار المضروبِ على السّلَعِ الغربيةِ
        في المِنطقةِ في أيّ حملةٍ من حملاتِ المقاطعةِ، مهما اشتدّ أُوارها،
        التَّبغُ يمرُّ بقوّة وعنفٍ مِن عند صناديقِ المحاسبةِ في (السوبرماركت) ، ويمرّ
        خلْفَهُ طابورٌ طويلٌ من عربات التسوَّقِ الممتلئةِ لآخِرها بمنتجاتٍ غربيّة.


        ويسرّنا أنْ تعرِفوا أنّنا سنقدِّم نتائجَ البحثِ الميدانيّ في نسخةٍ ورقيةٍ
        وأخرى على هيئةِ قرصٍ مَرِنٍ لعديدٍ مِن الشركاتِ الغربية
        التي تعمل في المِنطقة والمهتمّةِ بشأنِ المقاطعة.

        سنلتقي مع ممثلِينَ لشركاتٍ عديدةٍ مرموقةٍ في حفلٍ ظريفٍ
        ستتولاّه شركةٌ للعلاقاتِ العامّة كلَّفناها بذلكَ، وهناك، ومِن أجل تأمين المستقبل،
        بكلّ تأكيدٍ علينا أن نَخرج بوعوٍد قاطعةٍ بالتعامل معَنا كمنتجاتٍ غربيّة قبلَ أيّ شيءٍ.
        وأنتم يا سادة، عليكم أن تكلِّفوا من يلزمُ بمتابعةِ حملاتِ وفعالياتِ مكافحةِ التدخين
        في الشرق الأوسط، ورصدِ الشركاتِ المموِّلةِ لها حتى نضعَها في حسبانِنا
        في خططِ الاتصالِ والعلاقاتِ العامة.

        والآن، أترككُم مع السيّد (....)، وإلى اللّقاء، معَ مزيدٍ مِن الأخبارِ السّارّة.

        وشكراً لِحُسنِ استِماعِكُم.



        منقول





        îن îëéىهْ نçمùهْ?


        • بوز المدفع

          رائحتها العطرة سبقتها إلى موقف الحافلات...
          تَسابق العاملون هناك على حمل حقائبها ووضعها في الصندوق المخصَّص لها،
          وعندما شارفوا على الانتهاء تناول صديقها يدها بحنان قائلاً: "دعيني أعاونكِ على الصعود".

          بغنج ودلال وبملابس تكشف أكثر مما تستر أخذت تتهادى فوق عتبات الحافلة الثلاث

          "ما هذا؟"، تساءلت بقرَف، بينما عيناها تقومان بجولة استطلاع في أرجاء الحافلة،

          وتصاعدت لهجة الازدراء والاحتقار حينما وقعت عينُها على (سمر) المنقَّبة التي تجلس
          في المقعد الأمامي يجاورها شابٌّ صغير السن؛ همست لصديقها بغرور وصلف :
          "ما هذه الأشكال الغريبة العجيبة؟"،

          تململت (سمر) في جلستها؛ فعبارة المرأة الحادة اخترقت أذنيها وقلبها بقوّة كالسيف المسنون،
          ولكنها مع ذلك لم تكترث كثيراً، فقد تعودت سماع مثل هذه التعليقات، وأكملت مطالَعَةَ كتابها.

          "ما رأيكِ بالجلوس هنا عزيزتي؟"، أشار الرجل بيدٍ إلى المقعد الأمامي ؛
          نظرات فزعٍ فرّت من عينيها، وأجابت مستنكرة:
          "لا.. لا أحب الجلوس هنا... بل في الخلف، في الخلف... لا يعرف المرء ما قد يصيبه،
          قد نتعرّض لحادثٍ ما؛ فَلِمَ نكون في بوز المدفع؟".
          (بوز المدفع : مَثَل شعبي في بلاد الشام يقول: فلان في بوز المدفع،
          أي في المقدمة والواجهة في الأزمة.)



          "سبحان الله؛ عجيب هذا الحرص من قِبَل الناس على الحياة الدنيا مع علمهم أنها دار فناء،
          والأعجب تهاونهم بالحياة الآخرة والاستعداد لها مع أنها دار بقاء؛ صدق قول الله تعالى فيهم:

          {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}"؛

          أسرّت (سمر) لنفسها وبصرُها لم يفارق صفحة الكتاب.

          - "أَبِك شيء أمي؟"، استفسر ابنها الجالس بجوارها.

          - "لا، أبداً. كنت أقرأ أبياتاً من الشعر أعجبتني..."،

          وانقطع حديثهما عندما صعد السائق إلى الحافلة مؤْذناً بانطلاقها.

          {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.

          أغمضت (سمر) عينيها ولسانها يُدندن بدعاء الركوب.

          فجأة تذكّرت محمداً!..

          التفتت إلى ابنها تتأكد من أنه يتلو الدعاء مثلما تفعل،
          وعندما اطمأنت عاودت إغلاق عينيها متمتمة:

          {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}،

          ثم استسلمت بعدها لذكر الله، مما أنعش قلبها الظَّمآن.



          نصفُ ساعة مرّت يعكّرها صوت الأغاني من المذياع،
          ولكن (سمر) تبدو كالطرشاء لا تسمع شيئاً، تسبح في ملكوت خاصٍّ بها؛
          فمرةً تتنقّل بين دفَّتيِ الكتاب الذي أحضرته معها ليؤنسها في سفرها،
          ومرة تغرق في تلاوة الأذكار واستحضار ما حفظت من آي الذكر الحكيم.
          أما ابنها فملامح وجهه تدل على أنه مستمتع بغفوة بسيطة
          على وقع الأناشيد التي ينبعث صوتها من جهازه الصغير.

          - فجأة تمايلت الحافلة بقوّة كشجرة هَرِمة تواجه إعصاراً شديداً...
          صرخ السائق صرخة عظيمة انخلعت لها قلوب الركّاب وأخذ يصيح كالمجنون:
          "فقدتُ السيطرة على الحافلة... فقدتُ السيطرة".

          "يا ألله، لطفك ورحمتك"،
          آخر عبارة تدحرجت من فِي (سمر) قبل أن تفقد الوعي...

          لمْ تستفق إلا على صوت السائق وهو يصيح بأعلى صوته:
          "هل أصاب أحداً منكم مكروه؟... هل أصاب أحداً منكم مكروه؟"...



          عندما اطمأنّ عليها وعلى ابنها انطلق بين الركّاب يتفقدهم الواحد تِلو الآخر...
          النحيب والنُّواح اللذان تصاعدا من الخلف دفعا الجميع للتوجه إلى هناك فوراً
          ليفاجئوا بالحادث المروِّع...
          سيارة اصطدمت بمؤخرة الحافلة، وكانت الضحية:
          (الراكبة) التي فرّت من "بوز المدفع" لتلقَى حَتفها في آخره.

          أمسكت (سمر) بذراع ابنها وهو يعاونها على الترجل من الحافلة المنكوبة،
          ولم تنسَ - رغم أنها ما زالت تحت وقع الصدمة - أن تقبض بيدها الأخرى على الكتاب،
          وسارت كالعمياء باتجاه حافلة أخرى تُقِلّهم.

          لاشعورياً فتحت دفتَي الكتاب حيث توقفت عند أبيات الشعر التي أعجبتها...
          امتزجت دموعها بالكلمات التي غابت معالمها قليلاً،
          وبصعوبة أخذت تقرأها بصوتٍ خفيض:

          سهِّلْ عليكَ فإنّ الأمــرَ مَقدورُ *** وكلُّ مستأنَفٍ في اللوحِ مَسطورُ
          يأتي القضاءُ بمـــــا فيهِ لمدَّتهِ *** فكلُّ ما لمْ يكن فيــــــه فمَحظورُ
          لا تَكْذِبَنَّ، وخيرُ القولِ أصدَقُهُ *** إنّ الحريصَ على الدُّنيا لَمغرُورُ




          منقول
          Last edited by pharmacist; 24-12-2012, 12:35 PM.





          îن îëéىهْ نçمùهْ?


          • هل ترى الفروق؟

            يوميًا يستيقظ قبل الفجر بساعة، يتوضأ، يصلِّي ما تيسَّر له،
            ولا يفتأُ بين كلِّ ركعتَين يُنادي زوجتَه برفق، داعيًا إيَّاها للصَّلاة
            حتَّى يؤذَّن للفجْر.ثم ينزل للصَّلاة في المسجد كعادته،
            لا يفوِّتُ صلاةً في المسجد أبدًا؛ بل يجلس إلى الشروق، يذْكُر الله تعالى،
            قد تغلبه عيناهُ وينام في المسجد، وله عذره، فيومُه شاق جدًّا.

            يصلي الضُّحى في المسجد، ثُمَّ يصعد إلى بيته،
            يسأل زوجته هل صلَّت، فإذا تأكَّد من صلاتِها، نام نصف ساعة،
            ثم يقوم فيرتدي ملابسَه ويفطر - ما عدا يومَي الاثنيْن والخميس -
            ويصلِّي ركعتيْن، ويذهب إلى العمل.

            كل يوم يتكرر المشهد.
            ثم يعود غالبًا مع أذانِ المغرِب،
            أحيانًا مع أذان العصْر لكن هذا نادر جدًّا، بالتأكيد يوم شاق.

            يدخل البيت، يُسلم على زوجته وهو مرهق جدًّا،
            ينظُر إلى أولادِه في ودٍّ، يُصافِحُهم، يتناولون الطَّعام جَميعًا.

            ثم: "زوجتي العزيزة،
            هلاَّ أعددتِ لي مشروبًا منعشًا؛ فهذا وقتُ المراجعة...".
            تنهضُ الزَّوجة تلبِّي الطلب، يدخل غُرْفة المكتب، ويُغْلِق الباب.

            يُحاول أحد الأولاد أن يُخرج والده من عزلته، ينادي الأب زوْجَته،
            يقول بابتسامة عذبة: "زوجتي الحبيبة، إذا أردتم راحتي،
            فلا يزعجْني أحد؛ فهذا وقت المُراجعة".

            تحاول الزوجة أن تخبر زوجها:
            هناك أمور في البيت تَحتاج منك بعض الاهتمام.

            يردُّ - ولا تزالُ ابتسامتُه تعلو وجهَه -:
            "فيما بعد، فيما بعد، يوم الجمعة لِناظره قريب".

            كان هذا حاله من زمن طويل، استسلمت الزَّوجة.
            كانت تقوم بالأعباء وحدها.
            شيء انكسر، طفل مريض، أي شيء وكل شيء.

            تظنُّون أنَّه يَجلس مع أولاده ليحفظهم؟
            بالطبع لا؛ هُناك شيخ يقوم بهذه المهمَّة.
            لم يقصِّر؛ شيخ يَحضر أسبوعيًّا، مدارس إسلاميَّة.

            حتى الآن الحياة تقليديَّة جدًّا.
            فأين المشكلة؟



            صورة أخرى:

            يوميًا يستيقظ قبل الفجر بساعة، يتوضأ، يصلِّي ما تيسَّر له،
            ولا يفتأُ بين كلِّ ركعتَين يُنادي زوجتَه برفق، داعيًا إيَّاها للصَّلاة حتَّى يؤذَّن للفجْر.
            ثم ينزل للصَّلاة في المسجد كعادته، لا يفوِّتُ صلاةً في المسجد أبدًا.
            يذْكُر الله تعالى، بل يجلس إلى الشروق، قد تغلبه عيناهُ وينام في المسجد،
            وله عذره، فيومُه شاق جدًّا.

            يصلي الضُّحى في المسجد، ثُمَّ يصعد إلى بيته، يسأل زوجته هل صلَّت،
            فإذا تأكَّد من صلاتِها، نام نصف ساعة، ثم يقوم فيرتدي ملابسَه ويفطر مع زوجته
            وأولاده - ما عدا يومَي الاثنيْن والخميس - لأنَّ كلهم صائمون، ويصلِّي ركعتيْن،
            ويذهب إلى العمل.

            يوصِّل أبناءه للمدرسة.
            لا ينسى ملاطفة زوجته، يوصيها خيرًا، وتوصيه خيرًا.
            كذا تعوَّدا من أوَّل يومٍ جَمَعهما الله - تعالى - في ذلك البيْت الطيِّب.

            كل يوم يُجدِّد إيمانه بِهذه الجلسة، بهذه الوصيَّة.

            ثم يعود غالبًا مع أذان المغرب، أحيانًا مع أذان العصْر لكن هذا نادرٌ جدًّا.
            بالتأكيد يوم شاق، لكنَّه يستعين بالله ولا يعجِز.

            يدخل البيت، يطرح إرْهاقه جانبًا، يُسلِّم على زوجتِه.
            ينظر إلى أولادِه في ودٍّ، يَحتضنهم في شوق.
            يصافح هذا ويداعب هذا.

            يتناولون الطَّعام جميعًا، وهم يتبادلون حوارًا لطيفًا نافعًا.

            ثم: "زوجتي العزيزة، هلاَّ أحضَرْتِ المصحف فهذا وقت المراجعة".

            ذهبت الزَّوجة وهي تبتسِم في سعادة.
            أحضرت المصحف، بدأ الزَّوْج يقرأ وِرْدَه اليومي.

            أطفاله من حوله يسمعون أباهم يتلو القُرآن.
            يا له من صوتٍ عذْب!

            يبدأ الزوج يستمع لأولاده، وهم يتنافسون على القِراءة وتَحسين الصوت.

            تقول له زوجته معاتبة: "ألا تُحضر لهم شيخًا بدلاً من أن تُرْهِق نفسك؟".

            يردُّ مُستنْكِرًا: "وأين أذْهَب أنا؟! ألا تُريدين لي أجرًا بعد موتي؟!".

            تبتسم في سعادة.
            تقرأ وِرْدَها.

            ثم نصف ساعة، تجتمع فيه العائلة على درس مفيد،
            يومًا يستمعون فيه شريطًا، يومًا يقرؤون في السيرة،
            يومًا في التَّوحيد، يومًا آخر أسئلة فقهيَّة، وهكذا.

            كل يوم يتجدَّد اللِّقاء.
            ويَجتمع شمل الأُسرة على الخير.

            هل علمتُم الآن الفرق؟ وأين كانت المشكلة؟



            منقول
            Last edited by pharmacist; 25-12-2012, 09:46 PM.





            îن îëéىهْ نçمùهْ?


            • التوبة

              استَيْقظ من نومِه مذعورًا، يتَصَبَّب عرقًا،
              وكانت عقارب الساعة تغازل الثالثة فجرًا،
              بقي مذهولاً للحظات، وهو يستحضر صورة الحلم الرهيب،
              فقد رأى في منامه أنه يتقيَّأ في برميلٍ لا يمتلئ أبدًا، بل يغور قعره كلما زاد تقيؤُه.

              لم يغمض جفنيه حتى لاح نور الصباح، وبقي لساعات يتدبَّر حلمه،
              وأمعاؤه تتمَزَّق كأنه تقيَّأ فعلاً، اختلط لديه الحلم بالواقع،وبدأ التغيُّر يدبُّ في تصوُّره للأحلام
              شيئًا فشيئًا، فبعدما كان هواه فرويديًّا في تفسير الأحلام، تبَيَّن له أنها قد تحمل معانيَ أعمق
              من ذلك بكثير، فقرَّر البحث عن تفسير ديني أو روحاني لحلمه الرهيب.

              قام باكرًا من فراشه على غير عادته، وقد عافت نفسه الطعام،
              ولم يستطعْ أن يقرب الإفطار؛ استشار أخته في الأمر، فدَلَّتْه على فقيه سوسي
              [نسبة إلى سوس، وهي منطقة جنوب المغرب، اشتهر أهلها بالفقه وعلوم القرآن]،
              مشهور بين الناس بتفسيره الأحلام على طريقة ابن سيرين.

              استقلَّ سيارته متَّجهًا صوب المدينة، حيث الفقيه، وفي ذهنِه تتدافَع الأسئلة
              ليصلَ بعد سبع ساعات من السفر، فكان استرشاده بأول شخص يلقاه على مداخل المدينة
              كافيًا ليبلغ ضالته، فقد كانتْ شهرة الفقيه تطبق الآفاق كنار القرى ليلاً على علم.



              انتظر ساعات قبل أن يحل دوره لكثْرة المترَدِّدين على الفقيه،
              وما أن حدثه بالرؤيا حتى بادره بالقول: "أفطرت رمضان عمدًا ولسنوات عدَّة".

              اقْشَعَرَّ بدنه، وهو يسمع هذا التفسير من رجلٍ لا يعرف عنه شيئًا،
              وهو الذي عاش ملحدًا يساريًّا منذ ما يزيد عن عشرين عامًا،
              ينكر كل شيء يتجاوز المادة، ويرى أن العلوم المادية وحدها ما يفسر العالم ووقائعه،
              وأن كل الارتباطات التي تفَسِّر الأشياء سببيَّة، يُمكن تفسيرُها بقواعد علميَّة دقيقة،
              دونما الحاجة إلى الإيمان بقُوى خفيَّة تحكمها،
              وأن نظام الوجود لا يحتاج إلى إلهٍ بتاتًا!

              دمعتْ عينا الرجل،
              وهو ينظُر إلى الفقيه الذي يعلوه الوقار بِلِحْيته الكثَّة البيضاء،
              والتي يتخلَّلها بضع شعيرات سوداء، ثم نطق قائلاً:

              "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".

              فابْتَسَم الفقيه برِقَّة دون أن تظهرَ أسنانُه، وهو يقول:

              "كأنِّي بك لم تسلمْ إلا اليوم"،

              فردَّ الرجل بكلمات مخنوقة بالبكاء:

              "لقد عشتُ ملحدًا منذ سن الواحدة والعشرين،
              وهأنذا اليوم قد قاربتُ الثانية والأربعين،
              وقد أفطرت رمضان عمدًا كل هذه السنوات".

              نظر الفقيه إليه مليًّا بعينيه المغرورقتين بالدمع،
              وتنَهَّد بعمق قبل أن يحدثه قائلاً:

              "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله".

              تلمظ الرجل وعلى وجنتيه يلمع الدمع الذي جادتْ به عيناه، وقال:
              "لا أجد رقابًا أُحَرِّرها، ولا أملك المال لإطعام مئات المساكين،
              وصيام يكفر عن واحد وعشرين رمضان أمرٌ بعيد المنال، ولا طاقة لي به".

              ضحك الفقيه من كلمات الرجل وقرأ:

              {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]،

              ثم قرأ:

              { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
              إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]،


              فتابع كلامه قائلاً: على أي حال تُبْ إلى الله،
              وأَكْثِر من الصلاة والاستغفار والصدَقات،
              ولاَ تنْسَ أن رحمة الله وسعتْ كل شيء، والإسلامُ يجبُّ ما قبله.

              قام الرجل وقد دَبَّ الإحساس بالطمأنينة والأمان في قلبه،
              وتثاقَلَتْ خُطاه، وهو يغادر مجلس الفقيه، ثم وقف هنيهة على خطوات منه،
              وأصاخ إليه السمع، وهو يقرأ بصوت رخيم:

              {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124].

              منذ ذلك اليوم لم ينسَ الرجلُ أنَّ الله أعظم مِن أن يحيط به عقله الصغير.



              منقول





              îن îëéىهْ نçمùهْ?


              • قصة الأمير و رامي الإبر

                يحكى انه دخل على احد الأمراء شخص بارع في رمي الإبر،وقام
                أمامه بعرض مدهش إذ وضع إبرة كبيرة أمامه و رماها بإبرة ثانية
                فدخلت من فتحة الإبرة الأولى و استقرت فيها، ثم رمى الإبرة الثانية بثالثة
                فدخلت في فتحة الإبرة الثانية، ثم جاء بإبرة رابعة و أدخلها بتلك الطريقة في الإبرة الثالثة.
                و هكذا دواليك و لأكثر من عشر إبر حتى استحسن الحضور براعته.
                فما كان من الأمير الصامت إلا أن أمر له بعشرة دنانير و عشر جلدات.
                و لمّا استفسر أحد الحضور من الأمير قائلا:
                قد فهمنا يا مولاي منحك هذا الرجل عشرة دنانير ، فما سبب الجلد بعشرة جلدات ؟!
                فقال الأمير : عشرة دنانير مكافأة له على براعته و عشرة جلدات
                عقوبة له على إضاعته لوقته فيما لا يفيد و لا ينفع.



                يقضي الكثير من الناس معظم وقتهم في القيام بأشياء غير مهمة مطلقا
                و لا علاقة لها بأهدافهم. فالوقت هو عمر الإنسان وحياته كلها
                وهو مورد غير قابل للتخزين أو التعويض


                لذا علينا احترام وقتنا و توظيفه و الاستفادة منه لئلا يضيع هدرا
                فيضيع عمرنا و قدراتنا و مستقبلنا ثمّ ننظر إلى ما ضيّعنا بعين
                الحسرة و الندم و لكن بعد فوات الأوان.

                منقول





                îن îëéىهْ نçمùهْ?


                • رحمة

                  يقول أحدهم :

                  ولدت زوجة صاحبي في الشهر السابع
                  و لم يستمر إلا أيام معدودات حتى توفي المولود
                  فأعطوه لأبيه ليدفنه !!

                  أركبته معي في السيارة و انطلقت أقود به إلى المقبرة
                  وهو واضع ابنه في حجره و عينه بوجه ابنه

                  أثر بي الموقف و لكن تمالكت نفسي

                  انحنى بنا الطريق .. فاستقبلتنا الشمس

                  فقام بحركة غريبة جداً !
                  نزع سترته و ظلل بها أبنه ليقيه حر الشمس !

                  يا الله !
                  لقد نسي الأب أن ابنه ميت !

                  غلبتني دمعة .. قفزت من عيني ..
                  فصددت و انفجرت باكياً من رحمته بولده ؛

                  و فهمت حينها معنى الآية و أخذت أرددها :

                  (( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا‎))..!!

                  منقول
                  Last edited by pharmacist; 29-12-2012, 10:03 PM.





                  îن îëéىهْ نçمùهْ?


                  • حوار مع قلبي

                    جَلسَتْ وَحِيدةً في غُرْفتِها،
                    بعد أن أمضتْ يومًا مُمِلاًّ دون أن تفعل شيئًا،
                    لم يكن هذا اليوم يُشبه البارحةَ الذي أمضتْه في لهو ولعب،
                    وضعتْ رأسَها على الوِسادة واسترخت،
                    عينُها تنظر إلى السقف، استنشقت الهواء ببطء،
                    ثم استنثرته بسرعة قائلة: "الله"!

                    وفي صمت يمْلأُ المكان،
                    سمعتْ دقاتٍ تدقُّ داخل صدرها واحدةً تلو الأخرى،
                    أحسَّتْ كأنها تحمل فيه شيئًا ثقيلاً يريد الخروج،
                    أول مرة يأتيها هذا الإحساس الغريب،
                    تساءلتْ وهي متعجِّبة: ما هذا؟!
                    هل هذا الشيء الغريب أحمله أنا؟!

                    ازدادت الدقَّات والنبضات: ما هذا؟!

                    أجابها صوتٌ بعيد، كأنه آتٍ من نفقٍ طويل: أنا "قلبكِ".

                    قالت: "قلبي"؟! وما الذي أيقظك من نومك؟!



                    قال لها:

                    مَلِلْتُ، مللتُ السُّبَاتَ، والجُلوس وحدي دون مَن يرْعاني ويسأل عني،
                    حتى أصابني الهمُّ والغمُّ، وأصبحتُ تعيسًا مريضًا نحيفًا،
                    فقررت أن أستجمع قِوايَ التي لم يبقَ منها إلا القدرُ الذي أقبض به على يديَّ،
                    وأُوجِّهها إلى باب صدركِ، وأضرب عليه ضربةً تلو الأخرى؛ لعل أحدًا يسمعني،
                    ويلتفت إليَّ قبل أن يقضي عليَّ اليأسُ.

                    قالت: وما الذي تريده يا "قلبي"؟

                    فردَّ عليها بسرعة: وما الذي تريدينه أنتِ؟ كأنه يعاتبها.

                    أدهشها هذا الردُّ منه، صمتتْ قليلاً، ثم حوَّلت عينيها إلى فوق وأرجعتهما،
                    أجابتْه: لا أدري.

                    قال "قلبي": نعم، كنتُ أعلم، من هنا دخل المرض!

                    قالتْ له: وهل أكون سببًا لمرضك وأنا بعيدة عنك؟



                    قال: نعم، منذ أن تركتِني وأنا لم أذقْ طعمَ الاطمئنان والسعادة،
                    كنتُ دائمًا ألتقطُ ما يأتيني منكِ من ألوان الملذَّات؛
                    لعلي أرتوي منها، لكنها بمجرَّد ما تقترب منِّي تتحوَّلُ إلى
                    سِهام سوداء تنغمس في جسدي الرَّطب فتؤذيني.

                    قالت: ولِمَ لم تنادِني وتنبِّهْني؟

                    أجاب "قلبي": فعلتُ ذلك مرارًا، حتى أصبح صوتي شاحبًا،
                    فيه كالطعنة، كنتُ أصرخ وأنادي،
                    ومما زادني يأسًا كثرةُ الصَّخب الذي كان في صدرك.

                    قالت: ومن أين ذلك الصخب؟



                    قال: منذ أن حلَّ فصلُ "الغفلة"،
                    والحارسُ الذي اسمه "الذِّكْرُ" ترك الباب،
                    أصبح الصدرُ فارغًا، فاستعمره الخنَّاس مع جيشه "الهوى".

                    برغم جرحي وآلامي ظللتُ أقاوم العدوَّ، كنت دائمًا أنتظر إعانةً منكِ؛
                    لتعزِّزِي من مُقاوَمتي، لكن يا ليتني ما فعلت!

                    قالت بدهشة: لماذا؟!

                    قال: ما كان يأتي منكِ لم يكن إلا ليقوي العدو.

                    قالت: وكيف ذلك؟!



                    قال "قلبي":

                    أعلم أنكِ لم تكوني تعلمين، إنه هكذا دائمًا جوُّ الغفلة،
                    تكون فيه الأحوالُ غيرَ واضحة، لكن سأخبركِ.

                    قال: اعلمي أنه لكل جيش منا سِلاحُهُ،
                    فسلاحُ عدوِّي مُعزز بِدُرُوع الجَهْل، ورِماح اللهو واللعب،
                    وكانت الموسيقى والأغاني التي تأتي من منفذ الأذن تُكثر من كِنَانَةِ العدو،
                    وكانت سيوف الأفلام والمسلسلات
                    والنظر في المحرَّمات حادةً جدًّا، وتتسَلَّلُ من ثغر العين،
                    وكان التبرج والعشق الفاسد يدمِّرانِ جُدرانَ حِصْني.

                    طالما بكيتُ لِمَا وجدتُه من وحْدَةٍ وقلَّةِ الحيلة،
                    لم أكن أملِكُ سلاحًا سوى الصرَاخِ، لعله يأتي يومٌ تسمعينني،
                    إنكِ لا تعلمين مدى حجم الدمار الذي خلَّفه العدوُّ في صدركِ،
                    أحْزنَنِي ذلك كثيرًا؛ حتى أصابني الغمُّ والهم والفشل،
                    ظلَّ حالي هكذا مدةً من الزمن، إلى أن آنسْتُ غفلةً من العدو،
                    وجاءتني تلك الجرعة من الأمل فأيقظتْني.



                    قالت: وما هي تلك الجرعة؟

                    قال "قلبي":
                    لَمَّا قلتِ: "الله"، غَمرَ المكانَ نورٌ عجيب،
                    تحرَّك له جرسُ الأمل، فأيقظني،
                    وأول ما فعلتهُ هو أنني طرقتُ الباب؛
                    لتسمعيني وتلتفتي إليَّ.

                    قالت بصوت مرهف:
                    سامحني، سامحني يا قلبي، فأنا التي كنت سببَ تعاستِك وشقائِك،
                    أنا التي سَمحْتُ لعدوِّك بالهجوم عليك والإضرار بك، لن أتخلى عنك أبدًا،
                    لن أدعَك وحيدًا منذ الآن، وسأعتني بك ما حييتُ،
                    وسأعمل جاهدةً على فعل كل ما يشفيك ويُطَمْئنك.



                    قال "قلبي": إذًا؛ أول شيء تفعلينه هو
                    الشراب من كأس التوبة النصوح؛
                    لتغسلي صدرك من مخلفات الحرب، ولكي أرتوي منه؛
                    فأنا ضعيف وأحتاج إلى ما يقويني،
                    واعلمي أنه لا بد لَكِ من مُعينٍ يعينكِ.

                    قالت: وأين أجد هذا المُعينَ؟

                    قال: هل عندكِ كتاب الله؟

                    قالت: أظن ذلك.

                    قال "قلبي": ابحثي عنه.

                    فوجدتْه داخل دولاب، تحت بعض الكتب والمجلات، أخرجتْه ونفضتْ عنه الغبار،
                    وضمَّتْه إلى صدرها قائلة: سامحني يا ربي!

                    قالت لقلبي: ها هو ذا كتاب الله.



                    قال لها: لا تغفلي عنه ثانية؛ فهو الشفاء والهدى والرحمة؛ كما قال فيه مُنزلُه - جل جلاله:

                    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}
                    [يونس: 57].


                    قالت: نعم.

                    قال: استخرجي منه المِفتاح.

                    قالت: وما المِفتاح؟

                    قال:

                    {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87].

                    قالت: نعم.

                    قال لها: استخرجي منه مَاسِحة الذنوب.

                    قالت: وما مَاسِحة الذنوب؟

                    قال:

                    {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}
                    [هود: 114].


                    قالت: نعم.



                    قال لها: استخرجي منه عِفَّتَكِ وعِزَّتكِ.

                    قالت: وما عِفَّتي وعِزتي؟

                    قال:

                    {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
                    وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
                    [النور: 31].


                    قالت: نعم.

                    قال لها: استخرجي منه الحَياة الطيِّبة.

                    قالت: وما الحياة الطيِّبة؟

                    قال:

                    {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
                    [النحل: 97].


                    قالت: نعم.



                    قال لها: ثم افتحي باب سَيِّدِ الاستغفار.

                    قالت: وما سيِّدُ الاستغفار؟

                    قال:

                    اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ،
                    أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَّ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي،
                    فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ.


                    قالت: نعم.

                    فتَحرَّكتْ عَينُها، ونزلتْ منها قطرةٌ تشبه قطرةَ المَاء،
                    تحْمِلُ معها مرض "قلبي"؛ لتذهب به بعيدًا.



                    ثم هشت بالبُكاء فوق سريرها وهي تقول:

                    لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

                    ابتسَم "قلبي"،

                    وأشرقتْ شمسُ الإيمان في صدرها،

                    ورجع الحارس "الذِّكْرُ" إلى بابه طاردًا العدوَّ،
                    رافعًا لواءَ السعادة والطمأنينة وهو يُرَدِّد:

                    ألاَ بذكر الله تطمئن القلوب،

                    ألا بذِكر الله تطمئن القلوب،

                    ألاَ بذكر الله تطمئن القلوب.




                    منقول





                    îن îëéىهْ نçمùهْ?


                    • عهود ذهبية


                      أراد أحد المسلمين أن يخرج زكاته في عهد السلطان محمد الفاتح ,
                      إلا أنه لم يجد فقيراً ، وبعد البحث عن أي فقير عدة أيام ولم يجد
                      قام بوضع مال الزكاة داخل كيس كبير مكتوب عليه :

                      "يا أخي لم أجد أي فقير لإعطاء زكاتي, خذ الكيس هذا بلا حرج إذا كنت في حاجة إليه "

                      و علقه على شجرة في وسط المدينة ..

                      تذكر كتب التاريخ أن الكيس بقي عالقاً على الشجرة لمدة ثلاثة أشهر

                      منقول
                      Last edited by pharmacist; 07-01-2013, 10:31 PM.





                      îن îëéىهْ نçمùهْ?


                      • صدمة



                        يقول :

                        أكتُبُ الآن مذكراتي... لستُ أدري لماذا أكتب؟!

                        ليس ذلك من عادتي... لكني مصدوم!

                        عقلي مشتَّت الفكر... مبلبل...

                        لولا بقايا كبرياء الرجولة في أعماقي لبكيت!

                        تتعجب أيها القارئ لمذكراتي... أن تجد رجلاً له حسٌّ مرهف!!

                        حسنًا لن أطيلَ التساؤلاتِ، ولن أضيع الوقت في وصف شعوري،
                        سأتركك مع مذكراتي...

                        أو في الواقع مع ورقات قليلة منها...

                        "تبدأ القصة منذ أن كنتُ شابًّا في ريعان الصِّبا... في الثانوية العامة...
                        هداني الله للالتزام،
                        فأطلقت لحيتي، وواظبتُ على الصلاة في المسجد... هذه المظاهر العامَّة.


                        أمَّا المظاهر الخاصَّة فلن أحدِّثك عنها أيها القارئ،
                        يكفي أن تعلم أنني التزمتُ حقًّا وصدقًا، قلبًا وقالبًا.



                        لا تصدق؟!

                        سأُثبتُ لك... صوتي الذي كان يجلجل في المنزل منازعًا أهلي
                        صار منخفضًا مهذبًا.
                        عيناي التي كنتُ أطلِقُها يمنةً ويسرة صارت غضيضة.
                        قلبي الذي كان يغلي بغضب الانتقام مِن كل مَن تسوِّل له نفسُه النظرَ إليَّ شذرًا
                        صار رؤوفًا رحيمًا يتألم لألم المسلمين، ويفرح لفرحهم.

                        هل أزيدك؟! أَقتنعتَ؟!
                        حسنًا، يكفي هذا.

                        دخلتُ الجامعة وكُلِّي أمل في الحياة.
                        قضيت أعوامي في كلية القمة أدعو إلى الله،
                        ولا آلو جهدًا في مساعدة المسلمين، وتخرَّجت.

                        أنتَ انتقلتَ من سطر إلى سطر بسلاسة قارئ محنَّك يجيد العربية،
                        أما أنا فأذكُر كلَّ لحظة مرَّت من عمري حتى... تخرجت؛
                        لأنَّ الجامعة كانت أفراحًا وأتراحًا...
                        مُعيدٌ يستفزُّه مظهري الملتزم، وأستاذ يغيظه أن يتفوَّق... إرهابيٌّ!

                        لا عليك من كل تلك التفاصيل، المهم أنني تخرجت.



                        التحقتُ بعدَّة أعمال مناسبة لتخصّصي،
                        حتى وجدت ضالَّتي في شركةٍ مديرُها ملتزم يصلي في المسجد؛
                        بل يصلي كلّ العاملين في المسجد وتغلق أبواب الشركة.
                        الشركة إدارتها وأغلب العاملين فيها ملتزمون؛
                        بل ومالِكُها الأصلي ملتزم جدًّا، أحسبه على خير،
                        ولا أزكي على الله أحدًا.

                        كنت سعيدًا كطير يحلِّق في أجواء السماء،
                        أخيرًا أنا الآن في مكان يلائِمُني، أخيرًا أنا في مكان يحتويني... الحمد لله!

                        كنتُ أعمل بكل همَّة ونشاط واجتهاد،
                        مهما وصفتُ لك مشاعري في العمل لن أوفيها أبدًا.
                        ترقَّيتُ في عملي لمَّا رأى المدير همَّتي ودقتي في العمل...
                        العمل الذي أعطيتُه روحي... أصدُقُك القول،
                        لم أكن أستطيع إلا أن أعطيَه روحي؛
                        فالله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه،
                        كما أنه كان عملاً يخدم المسلمين بحق،
                        ولم أكن أستطيع ألا أن أتقنه.



                        أبلغني رئيس القسم بالترقية
                        في رسالة على البريد الداخلي للشركة،
                        وفيها تفاصيل كل العمل المتعلّق بهذه الترقية.
                        كان العمل الثاني أشدَّ من الأول،
                        ويحتاج لدقَّة أكبر، أذكر ها هنا ملحوظة:
                        أن راتبي متغير؛ بمعني أنَّ الراتب متعلق طرديًّا بالعمل،
                        ليس على الوقت الذي أقضيه في العمل؛
                        بل على نوعية العمل الذي أؤديه، وهناك أعمال إضافية،
                        لكن ليس لها مقابل؛ يعني تُعَدُّ ضمنيًّا من العمل،
                        ولا يمكن إنجاز العمل بدونها، وتستهلك وقتًا وجهدًا،
                        لكن عند احتساب الراتب المتغير لا تدخل في تقييمه.

                        ملحوظة أخرى:
                        أنَّ الراتب ليس كمثيله في الشركات الأخرى،
                        لكنني كنت سعيدًا جدًّا،
                        لا يهم الراتب، سيزيد مع الوقت، ويكفيني فخرًا
                        أنهم اختاروني لهذه الترقية برغم صغر سني، وحداثة تخرجي.



                        قضيت الشهر الأول أعمل وأعمل و... أعمل!

                        هل رأيت ثورًا في ساقية؟!
                        هل رأيت العبيد في السخرة؟!

                        لكني كنت سعيدًا.
                        إلى هنا أنت لا تَجِدُ مشكلة.

                        ربَّما تتَّهمني كما اتهمني أبي وأمي أنني ساذج،
                        وأنني لم أسأل عن حقوقي، ربَّما أنت مُحقٌّ؛
                        ولكن تذكَّر أنت لستَ أنا، وأنت لم تكن في موضعي،
                        لعلَّك لو كنتَ في موضعي، ورأيتَ مَن أتحدَّث عنهم؛
                        لمَا توقَّعت إلا الخير... والخير... والخير!

                        ثم جاء الأسبوع الأخير في الشهر...

                        نسيتُ أن أُخْبِرك أنَّ كمَّ العملِ اليومي صار ضِعفين من العمل
                        الذي كنتُ أمارسه قبل الترقية، ونسيتُ أيضًا أن أخبرك أنَّ مقدِّمات
                        العمل التي يجب إنجازها؛ ليتمَّ العمل - والذي لا يتعلَّق به المرتب -
                        قدِ ازداد إلى حدٍّ مخيف... لا يمكنني إلا أن أقوم بهذه الأعمال الإضافية
                        وإلا فسَدَ العمل، وفي الوقت نفسه لن يَزيد مرتَّبي لهذه الأعمال،
                        إذًا وقت إضافي بدون مقابل!



                        كل هذا لا يهم يا صديقي!

                        الأسبوع الأخير... آه! نعود للأسبوع الأخير،
                        كان هذا الأسبوع هو أسبوع التسليم العاجل لبعض الأعمال
                        بالإضافة للعمل الأساسي.

                        تضحك؟!

                        نعم... أنا أيضًا كنت أضحك!

                        لا تَسألْني عن المنطق،
                        ولا تسألني كيف تمكنت من إتمام العمل...
                        هل أخبرك أنني كنتُ أعمل من السابعة صباحًا
                        إلى الثانية بعد منتصف الليل؟!!

                        نعم... حدث هذا!

                        ثُمَّ جاء يوم قبض المرتَّب... ذهبت للعمل ومررتُ على الخزانة؛
                        لأخذ مرتبي...
                        الحقيقة لن أذكر المبلغ الذي تقاضيته، ولن أذكر مفردات المرتب،
                        ولن أذكر أي شيءٍ لك يا صديقي، فقط أخبرك - وقولي ثقة -
                        أنَّ المقابل كان أقلَّ من أن يسد رمقي في هذا الشهر.



                        تضحك؟!
                        أما أنا فلم أضحك!

                        دخلت للمدير العام للشركة،
                        فقد كان ثَمَّ اجتماعٌ مطول هذا اليوم بينه وبيني،
                        دار بيننا حوار في العمل...
                        الغريب أنَّه كان يذكر لي أشياء متعلّقةً بالعمل
                        تُناقِض ما كان يخبرني به رئيس القسم!

                        أخبرتُه بموضوع المرتَّب على استحياء،
                        وشرحت له الموقف،
                        أظهر تعاطُفًا معي، وقال لي بعدما راجعَ بعضَ التقارير:
                        إنَّ المرتَّب كان على هذه الصورة؛
                        لأنَّ الكمَّ اليومي الذي يعتمد عليه المرتب،
                        والذي حققته - كان قليلاً!

                        شرحتُ له أنَّ العمل كان كثيرًا،
                        وأنني قضيت الوقت ساهرًا لإنجازه... تخيَّل ماذا كان ردُّه؟!

                        قال لي: أعتقد أنك تدقِّق في عملك بصورةٍ مبالغ فيها!

                        قلتُ له مندهِشًا: أنا أراعي جودة العمل؛
                        لأني لن أقف أمام الله يوم القيامة متَّهمًا بعدم إتقان العمل!

                        قال: نعم أتقنْ كما تشاء؛ لكن أنت تتقن بطريقة زائدة جدًّا!

                        سكتُّ مندهشًا!!

                        ثم قلت: الحقيقة أنَّ الأعمال التي كنت أقوم بها هذا الشهر بالذات
                        كانت تحتاج ما هو أكثر مما بذلتُه.

                        قال لينهي اللقاء: على أي حال سأراجع الحسابات مرَّة أخرى.

                        انصرفتُ.



                        في المساء تحدَّثت إلى بعض زملائي في الشركة،
                        أخبرت صاحبي هذا بما حدث، قال لي: عجبًا برغم أنَّ الترقية
                        التي حصلتَ عليها تعني زيادة في المرتب!

                        قلت له: لا، لا يوجد زيادة في المرتَّب الأساسي،
                        ومعي ورقة الحسابات، الكم اليومي المطلوب الضعف
                        والمقابل هو نفس المقابل!

                        نسيتُ أن أُخْبِرك أخي القارئ أنَّ المرتَّب يُعدُّ سرًّا حربيًّا في هذه الشركة،
                        يَدَّعون أن إفشاءه يحدث مشاكلَ!

                        أعلم أنَّ هذا قد يكون صحيحًا في الشركات التي لا يحكمها الالتزامُ،
                        ولا يراعي العاملون فيها ربَّ العزة؛ لكننا جميعًا... ملتزمون!



                        المهم... اتَّصلتُ بالمُحاسب ودار بيننا حوار طويل...
                        لم أفهم منه أيَّ شيء؛ لأنَّ الرجل لم يَبُحْ بأسرار العمل!
                        كنت فقط أريد أن أفهم هل المفروض أن يزيد مرتبي مع الترقية أم لا؟!

                        أنهى حوارَه: أنَّ المدير العامَّ على علم بكل شيء،
                        وأنه هو مَن يبلغ قسم الحسابات بمرتبات العمَّال، تعجبت!!
                        فالمدير أظهر لي جهلاً بالغًا بِما حدث!
                        تحدَّثت مع السكرتير، وتحدثت مع رئيس القسم...

                        حسنًا!

                        أظنّكم تدركون الآن!

                        كذب... وكذب... وكذب!

                        لحظة!

                        ليس السكرتير هو مَن يكذب، وليس المُحاسب،
                        لا والله حتى لحظة كتابة هذه السطور ما جرَّبتُ على أحدهما كذبًا قط،
                        ليس فقط فيما يتعلَّق بالمرتب؛ بل في كثير من الحوار الذي دار بيننا،
                        والذي لم أذكره؛ لأنَّه متعلّق بأسرار العمل.



                        اتَّصلتُ برئيس القسم مرَّة أخرى،
                        وتحدَّثْتُ معه طويلاً، أمور كثيرة بدَتْ لي في تلك المُهاتفة،
                        علِمْتُ أنَّ كلاًّ من المدير ورئيس القسم قد استمرآ الكذبَ،
                        حتى صار خُلقًا أصيلاً لديهما،
                        أخبرْتُه أنَّني اكتشفتُ أنَّ مرتَّبي لم يزدَدْ مع الترقية وزيادة العمل،
                        تعجبَ
                        (والله أنا الذي أتعجب أن يبلغ الجهل برئيس القسم ألا يعلم مرتَّبي!!)
                        ووعدني أنه سينظر الأمر.

                        مرَّ يومان وأنا مستمرّ في عملي،
                        ثُمَّ سألْتُ رئيسَ القسم إن كان تَحدَّث مع المدير، فماطَلنِي،
                        فأرسلتُ بريدًا داخليًّا للمدير أستفهِم منه الأمر، وقلت له:
                        إنَّني أريد أن أعرف موقفي؛ لأنَّ قرارَكم الموقَّر سيتوقَّف عليه
                        استِمراري في العمل من عدمه، ماذا كان جوابه؟!!

                        استهزاء... سخرية... إهانة!!!

                        رددت عليه بكل أدب أنَّني مستمرّ في العمل
                        حتى انتهاء المشروع الذي أعمل عليه، ثم لن أستمرَّ في العمل،
                        اتَّصل بي رئيس القسم وهو في قمَّة التوتّر، ووبَّخني على ما فعلت،
                        وعاتبني على عدم صبري، وقال لي أنه متمسّك بي... إلخ هذا الكلام.

                        ولِمَ لا يتمسَّكون بي؟؟؟
                        هل سيجدون أحدًا أكثر سذاجةً مني يلقون عليه أعباء العمل،
                        ويلقون له بالفتات؟؟
                        بالإضافة إلى توبيخِه على مهارته وإتقانه، وأنَّهما أكثر من المطلوب!!

                        سكتُّ ثم قلت له: إنني أُهِنت وأنا لا أقبل الإهانة، ظلَّ يعتذِر لي،
                        فوعدتُه بالتفكير في الاستمرار في العمل.



                        في اليوم التالي جاءنا بريد داخلي من بعض الإخوة يشتكون
                        كثرة العمل اليومي المطلوب وقلَّة المرتَّب، ماذا كان الرَّدّ؟!

                        إهانة من المدير العام شخصيًّا، وختم إهاناته بقوله:
                        مَن أراد الاستمرار فليستمرَّ بغير شكوى،
                        ومَن أراد أن يترك العمل فليفعل بدون شوشرة!

                        هنا، وهنا فقط طفَح الكيل!

                        أرسلت رسالة أنَّني تاركٌ العملَ بغير رجعة.

                        إلى هذا الحد؟! ظلم، كذب، إهانة، استغلال!!

                        إنا لله وإنا إليه راجعون!

                        انتظر! لا تظلم الملتزمين!

                        مرَّت الشهور،
                        ثُمَّ علِمت أنَّ هذا المدير ورئيس القسم قد تمَّ فصلُهما من العمل،
                        وأنَّ صاحب الشركة قد اكتشف التَّجاوُزات التي مارسها كلاهما،
                        والكذب، والظلم...



                        أتعرف مِن أين عرفتُ؟!
                        من المدير الجديد الذي راح يتَّصل بالكفاءات القديمة؛
                        لتعود للشركة مرة أخرى.

                        أتعرف؟!

                        كان المدير العام يتقاضى راتبه بالدولار!
                        وراتبه أعلى من رواتبنا مجتمعةً! وكان كذابًا.
                        وإني لأتساءلُ الآن وأنا أعمل في الشركة من جديد وقد وُفيتُ حقي:

                        كيف سيقابل أيُّ شخص استرعاه الله رعيةً ربَّه يوم القيامة
                        وقد خان رعيتَه، وكذَب عليهم، وظلمهم، واستغلَّهم؟!

                        كيف سيقابل الله - عز وجل - وهو يعلم عقاب الظالم والكذاب؟!

                        يا ليت قومي يعلمون!!




                        منقول





                        îن îëéىهْ نçمùهْ?


                        • الكلمة الطيبة صدقة



                          في ليلة من ليالي الشتاء الباردة !
                          كان المطر يهطل بشده , معانقا الأرض
                          التي اشتاق لها كثيرا .. بعد طول غياب

                          كان البعض ممسكا بمظله تحميه من المطر
                          والبعض يجري ويحتمي بسترته من المطر

                          في هذا الجو البارد والمطر الشديد
                          كان هناك رجل واقف كالصنم !
                          بملابس رثه .. قد تشقق البعض منها
                          لا يتحرك .. حتى أن البعض ظنه تمثالا !
                          شارد الذهن .. ودمعة تبعث الدفء على خده
                          نظر له أحد المارة باستحقار .. سائلا ..
                          " ألا تملك ملابس أفضل ؟ "
                          واضعا يده في محفظة النقود
                          وبعينيه نظرة تكبر قائلا :
                          هل تريد شيئا ؟

                          فرد بكل هدوء : أريد أن تغرب عن وجهي !

                          فما كان من السائل إلا أن ذهب وهو يتمتم
                          تبا لهذا المجنون !



                          جلس الرجل تحت المطر لا يتحرك
                          إلى أن توقف المطر !

                          ثم ذهب بعدها إلى فندق في الجوار !!

                          فأتاه موظف الاستقبال ...
                          لا يمكنك الجلوس هنا
                          ويمنع التسول هنا رجاءا !

                          فنظر إليه نظرة غضب ..
                          وأخرج من سترته مفتاح عليه رقم b 1
                          (( رقم 1 هو أكبر وأفضل جناح في الفندق
                          حيث يطل على النهر ))

                          ثم أكمل سيره إلى الدرج

                          والتفت إلى موظف الاستقبال قائلا !

                          سأخرج بعد نصف ساعة ..
                          فهلا جهزت لي سيارتي أل رولز رايس ؟
                          صعق موظف الاستقبال من الذي أمامي ..
                          فحتى جامعي القمامة
                          يرتدون ملابس أفضل منه !!



                          ذهب الرجل إلى جناحه
                          وبعد نصف ساعة خرج رجل
                          ليس بالذي دخل !!
                          بدلة فاخره .. وربطة عنق وحذاء
                          يعكس الإضاءة من نظافته !

                          لا يزال موظف الاستقبال في حيرة من أمره !
                          خرج الرجل راكب سيارته الرولز رايس !
                          مناديا الموظف ... كم مرتبك ؟
                          الموظف 3000 دولار سيدي
                          الرجل : هل يكفيك ؟
                          الموظف : ليس تماما سيدي
                          الرجل : هل تريد زيادة ؟
                          الموظف : من لا يريد سيدي
                          الرجل : أليس التسول ممنوع هنا ؟
                          الموظف بإحراج : بلا
                          الرجل : تباً لكم .. ترتبون الناس حسب أموالهم
                          فسبحان من بدل سلوكك معي في دقائق



                          وأردف قائلا :

                          في كل شتاء أحاول أن أجرب شعور الفقراء !
                          اخرج بلباس تحت المطر كالمشردين ..
                          كي أحس بمعاناة الفقراء !

                          أما انتم فتبا لكم .. من لا يملك مالا ليس له احترام ..
                          وكأنه عار على الدنيا
                          إن لم تساعدوهم ... فلا تحتقروهم...

                          فالكلمة الطيبة صدقة



                          يقول رب العزة تبارك وتعالى :

                          "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
                          أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا
                          وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ*وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
                          كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ"

                          "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"

                          "وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"

                          "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ"


                          منقول





                          îن îëéىهْ نçمùهْ?


                          • إنها زوجتي!!



                            يقول :

                            ليس من المعتاد أن نقرأ لزوج يمدح زوجته، ولا لزوجة تُثني على زوجها،
                            وإنما نقرأ ونسمع دائمًا من أحد الطرفين الشكوى من الطرف الآخر، والتحسر على ما كان
                            الواحد منهما يستطيع تحصيله من سعادة، لو لم يرتبط بذلك الزوج.

                            وتفسير ذلك في رأيي: أن الإنسان عادةً ما يحب وضع نفسه في صورة المظلوم مغبون الحق،
                            الذي يؤدي ما عليه من واجبات على أكمل وجه، ثم لا يجد من شريك حياته إلا عدم الوفاء.

                            كما أن الإنسان قد يفعل ذلك لنقص في دينه؛ فهو لا يلتزم بقول الله تعالى:

                            {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]،


                            وهذا أنزله الله تعالى في المطلقين، فكيف الحال بالأزواج؟!



                            ولكنني فكرت ذات مرةٍ في حال زوجتي معي، وفي مشاعري نحوها؛
                            لكي أحاول أن أكون منصفًا معها، وأذكر لها حقها؛ فوجدتُها تحبني حُبًّا جمًّا،
                            يدفعها إلى أن تكون معي في كل حال؛ فهي تتمنى لو كان عملي بالبيت؛
                            كي لا أغيب عن ناظِرَيها لحظة، على عكس كثير من النساء اللائي
                            لا يسعدن ولا يرتحن إلا في السويعات التي يغيبها الزوج في العمل!!

                            إن زوجتي تحبني، وتدلِّل على حبها لي كل لحظة؛ فهي تحاول تدليلي ومداعبتي؛
                            كي تفرِّج عنِّي همومي، وإذا كنت حزينًا أصابها الحزن لحزني، واجتهدت لتدفعني
                            كي أبوح لها بما يحزنني، حتى تزيل عنى الكآبة والهم.

                            تُشاغلني زوجتي دومًا بالحديث كي أشعر بها، ولا أفكر في شيء سواها،
                            وتحادثني هاتفيًّا إذا خرجت كي تبوحَ لي بحبها، وتبثني لواعجَ شوقها إليَّ.



                            تزوجتُها من بيتٍ راقٍ لم تكن تقوم فيه بأعمال المنزل؛ فلديها من يَكْفِينها هذه الأمور،
                            ولكني وجدتُها بعد الزواج - وأنا لا أستطيع أن أُخدِمَها إحداهنَّ - تجتهد في أعمال المنزل
                            محاولةً القيام بها على ما يُرَام حتى لا أشعر بنقص.

                            ليست زوجتي من النساء اللاتي يهوَيْن الذهبَ وجمعَهُ؛ بل إنها سارعت لبيع ذهبها
                            حينما احتجنا إليه في شراء بيتٍ أفضل من الذي كنَّا نسكنه، وواجهتنا مشاكل ومضايقات،
                            وعندما حاولت ذات مرة أن أُحضِر لها بديلاً عن جزء من ذهبها، رفضت وجعلت المال
                            الذي أعطيتها إياه فيما يحتاجه البيت.

                            وجدتُ زوجتي ترضى بالقليل ما دمنا سعداء معًا، وهي التي اعتادت أن تطلب فتُلَبَّى..

                            وإذا عبَّرت لها عن أسفي لعدم قدرتي على توفير المزيد من رغد العيش وجدتُها تبادرني
                            بذكر نِعَمِ الله الفياضة علينا، وأننا لسنا في حاجة لشيء إلا رضا الله - سبحانه وتعالى.



                            أمَّا تربيتها لولدينا ؛ فأشهد أنها نِعْم الأم والمربية؛ فقد آثرَت التفرغَ لتربيتهما على الانتهاء
                            من دراستها؛ فتأخرت فيها، ولكننا كسبنا ولدين ممتازين، يشهد الأقارب والمحيطون بحسن
                            تربيتهما، وأسلوبهما الراقي، وشخصيتهما السوية.

                            تعامل جاراتها أفضل مما تعامل المسلمة جارتها، فلا تتوانَى عن مساعدتهنَّ،
                            وتحب الإهداء إليهنَّ كما يحب المرء أن يُهدَى إليه.

                            وتحب التصدق بما في يدها كما يحب الغني الشحيح المال..

                            تُبغِض السوء من الأخلاق، وتُبغِض المعاصي، وترتعد إذا شاهدت رجلاً وامرأة في الطريق
                            في وضع محرَّم، وقد وجدتها تبكي أكثر من مرة لرؤية مشهد كهذا.



                            وجدتها حريصة على إرساء مبدأ طاعة الزوجة لزوجها بين صديقاتها،
                            وكم من مرة فارقت من كانت صديقتها؛ لأنها سارت في طريق مختلف من
                            عنادٍ للزوج، أو إساءة له!!

                            جَعَلَت زوجتي بيتها في المقام الأول في حياتها، وهي غير نادمة على ذلك،
                            وأنا في الوقت نفسه شديد السعادة بها، وبولديَّ، وببيتي الذي أعده جَنَّة أُحِب المقام فيها،
                            ولا أرغب -في الدنيا- عنها حِوَلاً، وأحب أن أقرأ عند دخولي إياه

                            {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39].

                            نَعَمْ أيها الإخوة،
                            إنها زوجتي، وهي التي أحبها،
                            وأرجو أن يجعلها الله تعالى زوجتي
                            في الفردوس الأعلى من الجنة..


                            إنها زوجتي التي بها أُفاخِر...



                            منقول





                            îن îëéىهْ نçمùهْ?


                            • ضيف على الرصيف، ولا من مُضيف!



                              يقول :

                              كعادتي كلَّ خميس، عدتُ من السوق الأسبوعي
                              بعدما قضيت مآربي، فكَّرت أن أغيِّر طريقي صوب مركز المدينة،
                              واختصرت المسير، وكأني فعلتُ ذلك بدافع لا أعرف سبَبَه الرئيس!

                              وبينما أنا أسير أحسست أني ما زلت أسيرًا لأصوات الباعة، شاردَ الفكر،
                              مشتَّتَ الذهن، أخبط بخطاي خبط عشواء.

                              وما هي إلا لحظات، حتى وجدت نفسي في منتصف الطريق،
                              وأمام منظر - على الرصيف - يبعث على الحزن العميق؛ جثة هامدة،
                              ولا حراك، تتوسد دراجة عادية، وكأن يدًا خفية وضعتها بحنو على هذه الهيئة،
                              فارقَتِ القبعة البيضاء رأسَه الحليق، وقد استسلمتْ هي الأخرى للنوم العميق،
                              إنه شاب وسيم، ذو لحية خفيفة، وقميص رمادي، فارق نعلاه رجلَيْه.



                              والمشهد في نهاية المطاف يوحي أن الشاب سقط من دراجته لسبب من الأسباب؛
                              لسرعة صرعته، أو لمصيبة فاجعته، فآل أمره إلى ما ترى، قد يكون المشهد مألوفًا؛
                              نظرًا لكثرة حوادث السير في بلداننا، ولكن الذي استوقفني متأملاً، ومستغربًا، ومتسائلاً:
                              لماذا لم يقترب منه أحد؛ ليمدَّ له يدَ المساعدة، ولإنقاذ حياته، إن قُدِّر له أن يعيش؟

                              لما أمعنتُ النظر، وضعت الإصبع على سبب الخطر؛ إنه شاب ملتزم، يُهاب حيًّا وميتًا،
                              للصورة القاتمة التي صنَعَها الإعلام الغربي، وإعلامنا العربي الإسلامي للأسف،
                              يُهاب أن يكون قنبلةً موقوتة تخرب العمران، وتُودِي بحياة الإنسان؛
                              لذلك لم يستطع أن يدنوَ منه دانٍ، أو أن يتحسسه إنسانٌ.



                              حرَّك المنظرُ الرهيب دواخلي، وتحرَّكتْ عواطفي،
                              فانحنيت في ثبات أناديه: أخي، قم، أخي، ما بك؟!

                              لمست يده المتدلية، فإذا هي أبرد من الثلج، أزلتُ ما علِق بها من تراب،
                              وعاودت الكرَّة، ولا حركة، وما هي إلا دقائق معدودة، حتى اقترب الناس مني
                              بخطوة إلى الأمام، وخطوتين إلى الخلف، وفجأة اقتحم شاب مُلتحٍ الصفوفَ
                              يحمل كوب ماء، فشرع يرشه بالماء على أطرافه، وهو يقول - مخبرًا
                              عن حقيقة الحادث -: مسكين، عَلِم بوفاة أخته، فأغمي عليه!

                              ما يزال في غيبوبته، رفعت رأسي أقرأ وجوه الجموع،
                              فإذا بشاحنة استوقفها الحادث، تَحمل أهلَ بادية مجاورة، ونزل
                              الناس مِن على متنها، فتعالت صيحاتهم ناصحين - وقد امتلأت
                              قلوبُهم شفقة ورِقَّة -: "احملوا الرجل إلى الداخل".



                              هؤلاء بقُوا على طينتهم صالحين،
                              لم يُغيِّر فيهم الإعلامُ الفاسد خصالَ الخير،
                              تعوَّدوا أن بيوتهم في البادية بيتُ كرم وإِحسان،
                              على عكس الفِرقة التي صنعتْها الحضارة
                              والمدنيَّة المزيفة في المدن.

                              وثَبْنا مجتمعين لحمل الشاب إلى منزل بالجوار،
                              حتى وضعناه على سرير في إحدى الغرف، فشرعت أتلو
                              على مسمعه ما تيسَّر من القرآن، إلى أن أفاق المسكين بالأنين
                              على وجع الموت، عانقني عناقًا حارًّا، دمعَتْ له عيناي،
                              واختنقت به أنفاسي، بادرتُه بكلمات أعزِّيه:
                              "إن لله - تعالى - ما أخذ، وله ما أعطى،
                              وكل شيء عنده بأجل مسمى؛
                              فلتصبر، ولتحتسب، إنا لله وإنا إليه راجعون".



                              بكى بكاءً شديدًا، لا تسخُّطَ فيه،
                              وما هي إلا الدموعُ التي يغلي بها قِدْرُ الفؤادِ المتصدِّعِ
                              من موت أخته، والمنفطرِ من ألَمِ الفراق، هدأ روعه وبكاؤه،
                              فاستودعتُه اللهَ وانصرفت إلى حال سبيلي، أردِّد قول الشاعر:

                              إِنِّي مُعَزِّيكَ لاَ أَنِّي عَلَى ثِقَةٍ *** مِنَ الحَيَاةِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدِّيــنِ
                              فَلاَ المُعَزَّى بِبَاقٍ بَعْـدَ مَيِّتِهِ *** وَلاَ المُعَزِّي وَلَوْ عَاشَا إِلَى حِينِ

                              انصرفتُ والدموعُ تنهمر على خدِّي؛
                              حسرةً وألمًا على ما وصلتْ إليه وضعيةُ الملتزم الملتحي
                              في مجتمعاتنا، والنظرة السيئة التي يتوجَّه بها الناس إليه؛
                              يتصيَّدون عَثَراتِه، ويتتبَّعون عَوْراتِه، ويجمعون سقطاتِه،
                              ينظرون إليه وكأنه نبي مرسَل، أو مَلَك منزل.



                              فلا غرابة أن تجد بعض الملتزمين يخصُّونك بالسلام من دون
                              المارة - برغم كونهم مسلمين - ولا أرى لها من تأويل، إلا الغربة التي
                              يعاني منها المسكين، وكأنك - أخي القارئ - تسمع كلامًا يقول لك:
                              "أيها الملتزم، لن تصبح مواطنًا صالحًا، حتى يترضى عليك
                              الإعلامُ الفاجر، و يلقى منظرُك القَبولَ لديهم".

                              هذه حالة واحدة من حالات كثيرة لا يحصيها العدُّ،
                              يعيش فيها الملتزم غربةً بين أهله وذويه؛
                              فأين المفرُّ، وممن المهرب؟!




                              منقول





                              îن îëéىهْ نçمùهْ?


                              • أنا والفجر

                                يقول :

                                يا إلهي، إلى متى سوف أبقى مقصِّرًا في صلاة الفجر؟!
                                يومًا حاضرًا، وعشرة قضاءً، يومًا في المسجد، ومائة في المنزل،
                                متى سيُصلح الله حالي؟!

                                "ما خاب مَن استشار"، سألت وسألت.

                                وكانت خلاصة التوصيات كما يلي:

                                أ- الدعاء؛ فأنت بالله قويٌّ، وبنفسك ضعيف، اسألِ اللهَ العونَ.

                                ب- النوم مبكِّرًا؛ فقد كان الحبيب - صلى الله عليه وسلم –
                                يَكره النومَ قبل العشاء، والسمرَ بعدها.

                                ج- لا تَنَم خلال النهار؛ حتى لا تصاب بالقلق عند النوم،
                                ولِتجد الرغبة الشديدة فيه مباشرة بعد صلاة العشاء.

                                د- لا نوم بعد صلاة الفجر؛ فهو وقت خير، وبركة، ورزق.

                                هـ- استخدِمْ منبهًا؛ حتى يعينك على الاستيقاظ، ولا تنم إلا على طهور.



                                وبدأتُ أعمل بالتوصيات:

                                لم أشعر بالنُّعاس في أول يوم، لكن ظللتُ راقدًا؛ حتى تعتاد نفسي الأمر،
                                ولم أنم بعد الفجر ولا أثناء النهار، وبالكاد استطعتُ أن أبقى مستيقظًا حتى
                                صلاة العشاء، وبمجرد انتهائي من الصلاة، كان أجمل شيء في الدنيا هي
                                الوسادة، وذهبت في نوم عميق، لم أستيقظ منه إلا في التاسعة صباحًا.

                                يا إلهي! ألم يعمل المنبه؟! (بلى)، لكني لم أسمعه؛ فقد رُزقت نومًا ثقيلاً.

                                شكوتُ للناصحين ما حدث معي، فنصحني أحدُهم بزيادة عدد المنبهات إلى
                                اثنين، والتنويع في أنواعها، وكانت النتيجة: الاستيقاظ في العاشرة صباحًا!



                                شكوتُ للناصحين ثانية، قال أحدهم: سأطرق باب بيتك، قلت: أنا في الطابق
                                الثاني، وباب العمارة مغلق، فأنَّى لك الولوج؟!

                                قال: دَعِ البابَ الرئيس مفتوحًا، وسأصعد بعد أذان الفجر،
                                وأرن جرس البيت وأوقظك.

                                عاتبتُه في الصباح: لماذا لم ترن؟ قال: أنا لم أرن؟! رننتُ ورننت ورننت،
                                حتى إقامة الصلاة، ولم تستيقظ! قلتُ: والله ما شعرت بشيء.

                                شكوت للناصحين ثانية، قال أحدُهم: اربط رِجلَك بحبل،
                                ودَلِّه لي من الشباك، وسأسحب الحبل لإيقاظك.

                                نعم، لقد استيقظت للصلاة - بحمد الله - ثلاثة أيام، لكن في اليوم الرابع عاتبتُه:
                                لماذا لم توقظني للصلاة؟

                                قال: حسبتك قد فارقتَ الحياة، فقد سحبتُ وسحبت،
                                حتى ظننتُك ميتًا، قلتُ: والله ما شعرت بشيء.



                                خطرت ببالي فكرة غريبة، ذهبتُ للمهندس الكهربائي،
                                قلت له: هذا جرس (بحجم جرس المدرسة)، أريدك أن تصِلَهُ بالمُنبِّه،
                                بحيث إذا جاء الموعد المؤقت، يرن جرس المدرسة بدلاً من جرس المنبه.

                                وبالفعل أجابني لمَا طلبت، وصنع لي دائرة كهربائية خاصة بذلك،
                                وأصبح جرس المدرسة يرنّ بدلاً من المنبه، ويتوقف بإيقاف المُنبِّه.

                                ولا أُخفِي عليكم شدةَ الفزع الذي أصابني لما رنَّ جرسُ المُنبِّه
                                - جرس المدرسة - لأول مرة، وكيف سارعتُ في إغلاقه، لقد استمرَّ
                                قلبي يخفق لعشرة دقائق متواصلة بسرعة كبيرة؛ من شدة الفزع.

                                وبحمد الله عشرة أيام متواصلة لم تفُتْني صلاةُ الفجر جماعةً في المسجد،
                                حتى جاء اليوم الحادي عشر، حيث استيقظت في الثامنة صباحًا.

                                قلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد نسيتُ ضبط المنبه أمسِ؛
                                لكن عندما نظرتُ إلى المنبه، وجدت جرس المدرسة متفحمًا
                                "يا الله! ما الذي حدث؟!".



                                وبمجرَّد خروجي من العمارة، وجدتُ الجيران بانتظاري،
                                كلهم يشكو لي ما أصابهم وعيالَهم مِن فزعٍ؛ بسبب مُنبِّه المدرسة،
                                الذي بقي يرنّ ويرنّ، والجيران يطرقون باب المنزل، وأنا نائم،
                                ولا حياة لمن تنادي، والله ما سمعتُ صوتًا،
                                ولا شعرتُ بشيء مِن حولي! واللهِ.

                                قال لي الجميع: إنك معذور؛ فمثلك قد ابتلاه الله بمثل هذا النومِ العميق،
                                وأنت حالة نادرة لا علاج لها.

                                لكني أُحبُّ صلاة الفجر، ويعزّ عليَّ أن أصلي قضاءً،
                                وكيف يصلي إخواني في المسجد، وأصلي في البيت كما النساء؟!

                                لا، لا عذر لي، فما العمل؟



                                ذهبتُ للمسجد، وصليت العشاء، وبعد فراغ الناس وانصرافهم،
                                شاغلت المؤذِّن قبل إغلاقه للباب الخلفي، ودخلت وبِتُّ في المسجد،
                                فوجئ بي عند أذان الفجر، كيف دخلت؟! وزجرني عن فعل ذلك ثانية.

                                قلت: سأبيت، لا حل لمشكلتي سوى ذلك، رفض رفضًا صارمًا.

                                جاء اليوم التالي، أخرَجَ الجميع، وكان حريصًا على إخراجي،
                                قلت له: سأبيت عند باب المسجد من الخارج، وبالفعل لما اكتسى
                                الليل بالسواد، وخلَتِ الشوارع من المارة، أخذتُ وسادتي وغطائي،
                                وذهبت للباب الخلفي وبِت عنده.

                                أيقظني المؤذن وقال: فعلتَها؟ قلت: نعم، إن لم تسمح لي بالنوم في الداخل،
                                سأنام في الخارج، واستمرَّ الحالُ ثلاثة أيام، حتى شعر بصدق حالي، فأعطاني
                                نسخةً من مفتاح المسجد، وسمح لي بالمبيت داخله، لم تفُتْني تكبيرةُ الإحرام
                                خلال خمس سنوات، بحمد الله.



                                هل انتهى الأمر؟ كلاَّ، ابتلاءٌ جديد (تزوَّجتُ).

                                قلت لزوجتي: نومي ثقيل، فعليكِ الاعتمادُ بعد الله - عز وجل –
                                في إيقاظي لصلاة الفجر.

                                قالت: لا تعتمد عليَّ؛ فإني أستيقظ أحيانًا، وأحيانًا أخرى لا أستيفظ،
                                فالحال بعضه من بعض.

                                قلت لها: فما العمل؟ فأنا لا أستطيع الآن المبيت في المسجد.

                                قالت: لا أدري.

                                حزنتُ حزنًا شديدًا، ما العمل؟ تذكرتُ قولهم: "إنك معذور؛
                                فمثلك قد ابتلاه الله بمثل هذا النوم العميق، وأنت حالة نادرة لا علاج لها".



                                قلت: كلاَّ، يا زوجتي، يا حبيبتي، أمامك خياران؛ فأنت لستِ أغلى عليَّ من ديني:
                                أ- أن أطلِّقك وأعودُ للمبيت إلى المسجد.
                                ب- أن نتقاسم الليل؛ تسهرين إلى منتصف الليل وأنامه، ثم توقظينني وتنامين،
                                فإن أذَّن الفجر أيقظتك وصلينا، ثم نمنا جميعًا.

                                والحمد لله، كسبتُ أنا وزوجتي كلَّ يوم قيامَ الليل في الثلث الأخير،
                                ولم تَفُتْنا صلاةُ فجر أبدًا، وكنا قدوةً حسنة لأبنائنا، وأسأله - سبحانه
                                وتعالى - أن يدخلنا الجنة من باب الصلاة.

                                منقول





                                îن îëéىهْ نçمùهْ?

                                Working...
                                X