إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

نظرة في نقد النظريات ... الكل مدعو للمشتركة

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • نظرة في نقد النظريات ... الكل مدعو للمشتركة

    نظرة في نقد النظريات

    لا يوجد نظرية في الكون إلا و تعرضت لنقد من جهة ما كما انه لا يوجد شخصية سواء بشرية او غير بشرية نالت اجماعا عالميا , و كأن الاختلاف في المفاهيم و الأفكار و الاديان و الأشخاص طبيعة متأصلة فينا نحن البشر.
    و كما في أي فرع من فروع المعرفة لا بد للنقد من أسس نظرية يبنى عليها و محددات يتم في اطارها التقييم و من ثم التوصل للنتائج , و هذا ما لم اجده في نقد النظريات العقائدية الدينية منها و غير الدينية , و إن عدم وجود هذه الأطر هو اهم سبب في تشعب الآراء و اختلافها اختلافا مخلا جعل السب و الشتم هو اهم ركيزة في النقد العشوائي .

    انا في هذه المقالة ساحاول توجيه النقد الوجهة الصحيحة بحيث يكون النقد فعالا و بناء , له أصول و مرجعيات تجعل كل روافد النقد تصب في مصب واحد , ألا و هو البحث عن الحقيقة .

    إن كل منظومة دينية كانت او لادينية لا بد أن تحوي النقاط الثلاثة الآتية :

    1- : النظرية .
    2- : النظام .
    3- : الممارسة .

    اولا : النظرية : النظرية هي الفكر الأساسي الذي تقوم عليه أي أيدلوجيا سواء كانت دينية أو غير دينية , أو هي الفكر الأساسي الذي تبنى عليه بقية الأفكار و تنبثق عنه المعالجات , و تصبغ هذه الفكرة جميع أفكار الإنسان بصبغة معينة و توجه أفعاله وجهة محددة .
    اما مصدر هذه الفكرة الأساسية فيختلف من فكر إلى آخر , و لكن الأغلب أنه يكون إما صادرا عن العقل كما في الاسلام و الشيوعية , أو صادرا عن النقل كبعض الاديان الشرقية التي تستمد عقائدها من الكتب المقدسة , أي تنقلها نقلا .
    و هذا لا يمنع وجود مصادر أخرى لتلقي هذه الفكرة الأساسية , ففي العلمانية مثلا كان الواقع هو مصدر النظرة و المؤسس لها , اما في النصرانية فأقوال المجمعات المسكونية و آراء الكهنة هي المحدد الأساسي و المرجعية النهائية .

    ثانيا : النظام : و أقصد بالنظام أي المنظومة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الذوقية و الجمالية التي تنبثق عن الفكرة الأساسية و تبنى عليها .

    ففي الحالة الاسلامية فإن النظام هو الشريعة , والشيوعية نظامها النظام الإشتراكي , اما الرأسمالية فنظامها النظام الديمقراطي العلماني .

    و هناك بعض العقائد التي لا تحتوي على نظام بالمعنى الكامل للكلمة , فلا يوجد مثلا نظام سياسي أو اقتصادي في النصرانية , و هذا ما جعلها لا تسموا حتى تكون مبدئا في الحياة , و إن كانت تحوي بعض التوجيهات الخلقية و الاحكام الاجتماعية ( كحرمة الطلاق ) .

    ثالثا : الممارسة : و أقصد بالممارسة النموذج التاريخي الذي تستند عليه النظرية في رؤيتها , او هي التجربة الواقعية للنظرية في تطبيقها على أرض الواقع و صمودها أمما التحديات و تأثيراتها اللاحقة على الانسان بمختلف نشاطاته .

    مرة اخرى أضرب امثلة , فالممارسة في الاسلام تجلت بدولة الرسول عليه الصلاة و السلام و دولة خلفائه الراشدين .
    اما الشيوعية فلا أظن هناك ممثل للنظرية أفضل من الاتحاد السوفييتي , اما الرأسمالية فلها ممارسات مختلفة و لكنها كلها تصب في خانة واحدة , ففرنسا مثل بريطانيا مثل أمريكا تطبق النظام الرأسمالي على المستوى الاقتصادي و الديمقراطي على المستوى السياسي و تتخذ العلمانية كمرجعية أخيرة .
    اما النصرانية فكانت ممارستها و انموذجها التاريخي على يد بابا الفاتيكان في العصور الوسطى , مع ان مفهوم الدولة المسيحية مفهوم لا اظنه واضحا أو حتى موجودا عند القساوسة انفسهم .

    الآن و بعد هذا التقسيم أين يكون النقد فعالا ؟
    سأبدأ بالجواب و من ثم سأبين الأسباب الدافعة لما توصلت إليه .

    إن النقد لا يكون فعالا و لا مجديا إلا في القسم الأول , أي في نقد النظرية و الأساس الفكري لأي أيديلوجيا , و في القسم الثالث أي في الممارسة بشروط سأذكرها .

    فلو وجهنا النقد إلى النظام او اجرينا مقارنة بين نظريتين على مستوى الاجرائات فسنجد ان النظام يتم تبنيه من كل طرف على أساس المصدر , أي على الأساس الفكري له و يتم التسليم به من كل طرف تبعا لذلك , و ذلك لأن الأفعال و الاحكام لا تتصف بحسن و لا بقبح بمعزل عن مصدرها , و العقل وحده لا يمكن أن يصل إلى كنه الأشياء بوصفها حسنة او قبيحة , و ذلك لان العقل المجرد فاقد للمرجعية و غير قادر على التجاوز و مؤطر بحدود العملية العقلية التي هي 1- الواقع , 2- الحواس , 3- المعلومات السابقة , 4- الربط و التفسير .
    و جل ما يمكنه العقل هو تبيان مقدار اللذة و الألم المترتبة على أي فعل .
    و هذا واضح في الآية الكريمة (( كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و انتم لا تعلمون ))
    فالمسلمون الآوائل اعطوا حكما للقتال بانه شر لأن فيه مقدارا كبيرا من الألم , بينما الله عز و جل اعتبره خيرا لأن فيه صونا للجماعة الاسلامية من الاخطار و نشرا الدعوة .

    و أوضح بالأمثلة
    - الخمر مثلا لا يتصف بحسن و لا بقبح مجرد , و جل ما يمكنه العقل هو تفسير الفعل بناء على المعلومات السابقة , فمن وجد من تجاربه السابقة ان الخمر يؤدي للمشاكل الأسرية سيلقي عليه حكما بالقبح ,و من رآه فرصة للترويح عن النفس إذا شرب باعتدال سيعطيه حكما بالحسن .

    - القتل رغم أن البشرية بمجملها حتى أصحاب النهج العلماني الشامل ( الفاقدين لأي مرجعية اخلاقية و الدائرين في فلك الواحدية المادية ) ما زالوا يضفون القداسة على النفس البشرية , و لكن وجد من خالف في ذلك , كأصحاب النظرية النازية الذين طبقوا الداروينية الاجتماعية على الشعوب , و نحن نذكر مقولة هتلر المشهورة ( لن نكون أرحم بالناس من الطبيعة ) .

    و بناء على هذا التناقض في النظرة العقلية للأشياء و جب الرجوع إلى مرجعية اخرى , أي وجب توجيه النقد للمرجعية الفكرية , فالمسلم يرى في الخمر شيئا محرما لان إلهه قال ذلك , و العلماني يجد في الخمر حرية شخصية لأن مرجعيته الفكرية تقول ذلك و كذلك النصراني .

    لا بد ان نوضح بان النقد او المقارنة و المجادلة في هذا القسم هي نوع من الجدال العقيم , لان الناس يلقون الاحكام على الأشياء بناء على ايدلوجياتهم , و في هذا السياق و على سبيل الطرفة أذكر جدالا حدث بين احد أصحابي المسلمين ذوي الثقافة المحدودة مع أحد النصارى , حين بدأ النصراني يهاجم الحجاب, فقال له صاحبي هذا ’ لو ان المسيح أمر نسائكم بالحجاب ماذا ستفعلون ؟ فأجاب بلهجة قاطعة ’ كنا سنأمر نسائنا بالحجاب .

    اما النقد على مستوى الممارسة , فهو بالمطلق نقد أضعف مما سبق لأن أي نظرية مهما سمت لا بد لها من أشخاص او جماعات أساؤوا لها او استخدموها لمآرب شخصية , و هذا واضح في المنافقين المسلمين او أصحاب الغلو من التكفيريين كمثال .

    و لكن يمكن استخدام هذا النقد على مستوى الانموذج الذي يدعيه أصحاب النظرية و يسوقون له , فنحن نستطيع نقد النظرية الشيوعية من خلال نقد دولة الاتحاد السوفييي أو نقد العلمانية بنقد تصرفات الدول الغربية أو نقد الاسلام بنقد دولته الأولى دولة الرسول عليه الصلاة و السلام , فهذا النقد صحيح و بناء لان أصحاب النظرية يسوقون لهذا الأنموذج التاريخي بالذات و يعتبرونه مرجعا و قدوة .

    و لكن يجب أن يلاحظ بان النقد للانموذج لا يتم إلا بشرطين :
    1- وجود مرجعية مشتركة بين طرفي الجدال , فليس من المجدي نقد الإباحية في النموذج الغربي العلماني مثلا من قبل المسلمين , لان المسلمين و العلمانيين يختلفون في النظرة للإباحية , فالعلماني يعتبرها حرية شخصية , بينما المسلم يعتبرها إسفافا و انحدارا نحو الحيوانية .
    و لكن يمكن للمسلمين أن ينقدوا مقدار القتل الذي تسببت به الدول العلمانية من خلال الاستعمار و الحروب العالمية , لأن الإثنين يلتقون في الحكم على فعل القتل بأنه قبيح.
    و من أسخف ما وجه للاسلام من نقد هو نقد فكرة الحور العين في الجنة , فصاحب النقد هذا تبنى رأيا عقليا بأن الجنس شيء قبيح و من ثم عممه , مع انه كما أسلفت فإن الفعل بنفسه محايد لا يتصف بقبح و لا بحسن و إنما فيه لذة , و الذي يعطيه صفة الحسن او القبح هي المرجعية , و في هذه الحالة فإن المرجعية للمسلم ( و هي الله ) جعلت الممارسة الجنسية في الجنة حسنا , بينما بعض العقول اعتبرته قبيحا و هذا الاختلاف في النظرة لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة

    2- إذا كان الأنموذج تاريخيا أي ليس موجودا الآن كالأنموذج الاسلامي و الشيوعي حيث دولة كل منهما قد سقطت منذ زمن , فإن النقد التاريخي لا بد أن يكون منصبا على القطعيات و ليس على الظنيات , و على المتفق عليه لا على المختلف على صحته , أي نعود لنفس النقطة السابقة , وجود مرجعية مشتركة بين الطرفين .
    و سأوضح بمثال لأن المثال أسهل للفهم , ففي النقاش الدائر بين نصراني و مسلم لا يصح نقد الانموذج الاسلامي مثلا من خلال التركيز على مذابح الأرمن , لأن هذه المذابح هي محل خلاف تاريخي و نسبة الظن في هذه الحادثة مرتفعة .
    بينما يمكن للمسلم أن ينتقد الغرب لقيامه باستعمار العالم و قتل الشعوب , لأن هذه المعلومة و إن كانت تاريخية و لكنها يقينية و محل اتفاق بين الطرفين .








    من كل ما سبق يتبين بان النقد لا يكون فعالا و مثمرا إلا في :

    أ- النقد الموجه للنظرية , أو للأساس الفكري العقائدي اللآيديلوجي .
    ب- نقد الانموذج التاريخي الذي يطرحه الآخر و يسوق له , مع الاشتراك في النظرة لما يتم نقده .

    فإذا طبقنا ما سبق في مقارنة سريعة على اهم العقائد و النظريات في وقتنا الحالي نجد الآتي :
    العلمانية : على مستوى النظرية :
    إن العلمانية لا تحوي أساسا عقليا و إنما نشأت العلمانية بناء على فكر واقعي في ظروف تاريخية معينة حين تعارضت المصالح بين رجال الكنيسة من جهة و اللادينيين من جهة اخرى الذين نادوا ( بشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ) , فتم التوصل إلى حل وسط و هو فصل الدين عن الدولة , و على هذا فالعلمانية اجراء واقعي في ظروف معينة أكثر منها ايدلوجيا , و الواقعية في النظرية ترتبط بشروطها التاريخية أي لاتنطبق على لحظة اخرى بظروف مغايرة .
    فمن حيث النظرية لا تصمد العلمانية سوى بضع دقائق .

    على مستوى الممارسة : لم تقدم النظرية العلمانية أنموذجا سوى الدول الغربية الاستعمارية التي قتلت مئات الملايين من البشر , 55 مليون فقط في الحرب العالمية الأولى , هذا فضلا عن الاستعمار الذي سرق الشعوب و شردها و قتلها دون أي رحمة و لا شفقة , ففرنسا قتلت 3 ملايين في الجزائر و أمريكا قتلت مليون عراقي في الحصار و من ثم مليون آخر في الحرب و الغزو , فمرة أخرى لا يصمد النموذج العلماني التاريخي سوى بضع دقائق .

    النصرانية :
    على مستوى النظرية : ليس للعقيدة النصرانية أساس عقلي و لايمكن التوصل للثالوث المقدس عقليا بل إن الإيمان الكنسي حسب منظري النصرانية يتعارض مع العقل .
    و ليس للعقيدة النصرانية أساس نظري نقلي أيضا , فلا يحوي الكتاب المقدس و لا نصا واحدا يدلل على عقيدة التثليث و الفداء ( و قد اطلعت على الكتاب بنفسي و جادلت الكثير من النصارى )
    فالعقيدة النصرانية هي مجرد اتباع لللآباء دون أي وعي و تفكر .

    على مستوى الممارسة : كلنا يعرف العصور الوسطى حين حكمت الكنيسة و لا داعي للمرء أن يبحث في التاريخ حتى يعرف أن العصور الوسطى في أوروبا كانت أشد عصورا الأنسانية توحشا و همجية و ظلاما .

    الاسلام :
    على مستوى النظرية : تقوم النظرية الاسلامية على فكرة أساسية هي ( لا إله الله محمد رسول الله ) و هذه الفكرة الأساسية تم التوصل إليها عقلا كالآتي :
    يبنى الاسلام على أساسٍ واحدٍ هو العقيدةُ. وهي أنَّ وراءَ هذا الكونِ والإنسانِ والحياةِ خالقاً خلقَها جميعاً، وخلقَ كلَّ شيءٍ، وهو اللهُ تعالى. وأَنَّ هذا الخالقَ أَوْجَدَ الأشياءَ مِن العدمِ، وهو وَاجِبُ الوجودِ، فهو غيرُ مخلوقٍ، وإلا لما كان خالقاً، واتصافُهُ بكونِهِ خالقاً يَقْضِي بكونِهِ غيرَ مخلوقٍ، ويَقْضِي بأنَّهُ واجبُ الوجـودِ، لأنَّ الأشـياءَ جميعَهَا تستتَنِدُ في وجـودِها إِلَيْهِ ولا يسـتندُ هو إلى شيءٍ.
    أ مَّا أنَّهُ لا بدَّ للأشياءِ مِن خالقٍ يخلُقُها فذلك أنَّ الأشياءَ التي يُدرِكُها العقلُ هي الإنسانُ والحياةُ والكونُ، وهذه الأشياءُ محدودةٌ، فهي عاجزةٌ وناقصةٌ ومحتاجةٌ إلى غيرِهَا. فالإنسانُ محدودٌ لأنَّهُ ينمُو في كلِّ شيءٍ إلى حَدٍ لا يتجاوَزُهُ، فهو محدودٌ. والحياةُ محدودةٌ، لأنَّ مظهَرها فرديٌ فَقَطْ، والمُشاهَدُ بالحِسِّ أنَّها تَنْتَهِي في الفردِ فهي محدودةٌ. والكونُ محدودٌ لأنه مجموعُ أَجرامٍ وكلُّ جِرْمٍ مِنها محدودٌ، ومجموعُ المحدوداتِ محدودٌ بداهةً، فالكونُ محدودٌ. وعلى ذلك فالإنسانُ والحياةُ والكوْنُ محدودةٌ قطعاً.
    وحينَ ننظُرُ إلى المحدودِ نجدُهُ ليسَ أَزَلِياً وإلا لمَا كان محدوداً فلا بدَّ مِنْ أنْ يكونَ المحدودُ مخلوقاً لغيرِهِ، وهذا الغيرُ هو خالقُ الإنسانِ والحياةِ والكونِ، وهو إِمَّا أَنْ يكونَ مخلوقاً لغيرِهِ، أَوْ خالقاً لنفسِهِ، أو أزلياً واجبَ الوجـودِ. أمَّا أنَّـهُ مخـلوقٌ لغيرِهِ فباطـلٌ، لأنَّـهُ يكـونُ محـدوداً، وأمـا أنَّـهُ خالقٌ لنفسِهِ فباطلٌ أيضاً، لأنه يكونُ مخلوقاً لنفسِهِ وخالقاً لنفسِهِ في آنٍ واحدٍ، وهذا باطـلٌ أيضـاً، فلا بُـدَّ أَنْ يكونَ الخالقُ أزلياً واجبَ الوجودِ وهو اللهُ تعالى.
    على أنَّ كلَّ مَنْ كان لَهُ عقلٌ، يُدرِكُ من مجرَّدِ وجودِ الأشياءِ التي يقَعُ عليْها حِسُّهُ، أَنَّ لهَا خالقاً خَلَقَهَا، لأَنَّ المشاهَدَ فيها جميعِهَا أَنَّها ناقصةٌ، وعاجزةٌ ومحتاجةٌ لغيرِهَا، فهي مخلوقةٌ قطعاً. ولذلك يكفِي أنْ يُلْفَتَ النَظَرُ إِلى أَيِّ شيءٍ في الكونِ والحياةِ والإنسانِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ على وجودِ الخالقِ المدبِّرِ. فالنَظَرُ إلى أَيِّ كَوْكَبٍ مِنَ الكواكبِ في الكونِ، والتأَمُّلُ في أَيِّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظاهِرِ الحياةِ، وإِدراكُ أَيِّ ناحيةٍ في الإنسانِ، لَيَدُلُّ دِلالةً قطعيةً على وجودِ اللهِ تعالى. ولذلكَ نَجِدُ القرآنَ الكريمَ يَلْفِتُ النَظَرَ إلى الأشياءِ، ويدعُو الإنسانَ لأَنْ ينظُرَ إِليها وإلى ما حَوْلَهَا وما يتعلَّقُ بِهَا، ويَسْتَدِلُّ بذلك على وجودِ اللهِ تعالى. إِذْ ينظرُ إِلى الأشياءِ كَيْفَ أَنَّهَا محتاجةٌ إلى غيرِها، فَيُدْرِكُ مِنْ ذلك وجودَ اللهِ الخالقِ المدبِّرِ إِدراكاً قطعياً. وَقَدْ وَرَدَتْ مِئَاتُ الآياتِ في هذا المعنى. قال تعالى في سورةِ آلِ عمرانَ:  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وقالَ تعالى في سورةِ الرومِ:  وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ، وقالَ تعالى في سورةِ الغاشِيةِ:  أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ، وقالَ تعالى في سـورةِ الطـارِقِ:  فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، وَقالَ تعالى في سورةِ البَقَرَةِ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . إلى غيرِ ذلك مِنَ الآياتِ التي تدعُو الإنسانَ لأَنْ ينظُرَ النَظْرَةَ العميقةَ إلى الأشياءِ وما حولهَا وما يتعلقُ بِهَا، ويَستدِلَّ بذلك على وجودِ الخالقِ المدبِّرِ، حتَّى يكونَ إيمانُهُ باللهِ إيماناً راسخاً عَنْ عَقْلٍ وَبَيِّنَةٍ.
    نَعَم؛ إِنَّ الإيمانَ بالخالقِ المدبِّرِ فِطْرِيٌ في كلِّ إنسانٍ. إِلا أَنَّ هذا الإيمانَ الفطريَّ يأتِي عن طريقِ الوِجْدَانِ. وهو طريقٌ غيرُ مَأْمُونِ العاقِبَةِ، وغيرُ مُوصِلٍ إِلى تركيزٍ إذا تُرِكَ وَحْدَهُ. فالوِجدانُ كثيراً ما يُضْفِي على ما يُؤْمِنُ بِهِ أَشْيَاءَ لا حقائقَ لهَا، ولكنَّ الوِجدانَ تخَيَّلَهَا صِفاتٍ لازمةً لِمَا آمَنَ بِهِ، فَوَقَعَ في الكُفرِ أو الضَّلالِ. وما عبادةُ الأوثانِ، وما الخُرافاتُ والتُرَّهَاتُ إلا نَتيجَةً لخطأِ الوِجدانِ. ولهذا لم يَتْرُكِ الإسلامُ الوجدانَ وحدَهُ طريقةً للإيمانِ، حتى لا يجعلَ للهِ صفاتٍ تَتَنَاقَضُ مَعَ الأُلُوهِيَّةِ، أو يجعلَهُ مُمْكِنَ التَجَسُّدِ في أشياءَ مادِّيَّةٍ، أو يَتَصَوَّرَ إِمكانَ التَقَرُّبِ إلَيْهِ بعِبادةِ أَشياءَ مادِّيَّةٍ، فيُؤَدِّيَ إمَّا إلى الكفرِ أو الإشراكِ، وإمَّا إلى الأوْهَامِ والخُرافَاتِ الَّتي يَأْبَاها الإيمانُ الصادقُ. ولذلكَ حَتَّمَ الإسلامُ استعمالَ العَقْلِ مَعَ الوِجدانِ، وأَوْجَبَ على المُسلمِ استعمالَ عقلِهِ حينَ يُؤْمنُ بِاللهِ تعالى، ونَهى عَنِ التقليدِ في العقيدةِ ولذلكَ جَعَلَ العقلَ حكماً في الإيمانِ باللهِ تعالى. قالَ تعالى:  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. ولهذا كانَ واجباً عَلى كلِّ مسلمٍ أَنْ يَجْعَلَ إيمانَهُ صادراً عَنِ تَفْكيرٍ وبَحْثٍ ونَظَرٍ، وأَنْ يُحَكِّمَ العَقلَ تحكيماً مُطلقاً في الإيمانِ باللهِ تعالى. والدعوةُ إلى النَظَرِ في الكونِ لاستنباطِ سُنَنِهِ وللاهتداءِ إلى الإيمانِ بِبَارِئِهِ، يُكَرِّرُهَا القُرآنُ مِئَاتِ المرَّاتِ في سُوَرِهِ المُخْتَلِفَةِ، وكُلُّهَا مُوَجَّهَةٌ إلى قُوَى الإِنسانِ العاقِلَةِ تَدعُوهُ إلى التَدَبُّرِ والتَأَمُّلِ لِيَكونَ إيمانُهُ عَنْ عقلٍ وبَيِّنَةٍ وتُحَذِّرُهُ الأَخْذَ بما وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ مِنْ غيرِ نَظَرٍ فيه وتَمْحِيصٍ لَهُ وثِقَةٍ ذَاتِيَّةٍ بِمَبْلَغِهِ مِنَ الحقِّ. هذا هوَ الإيمانُ الذي دَعَا الإِسلامُ إِلَيْهِ، وهوَ لَيْسَ هذا الإيمانَ الَّذي يُسَمُّونَهُ إيمانَ العَجَائِزِ، إنَّمَا هوَ إيمانُ المُسْتَنِيرِ المُسْتَيْقِنِ الَّذي نَظَرَ ونَظرَ، ثُمَّ فَكَّرَ وفَكَّرَ، ثُمَّ وَصَلَ مِنْ طَريقِ النَظرِ والتَفْكِيرِ إلى اليَقِينِ بِاللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ.
    ورُغْمَ وُجوبِ استعمالِ الإنسان العَقْلَ في الوُصولِ إلى الإيمانِ باللهِ تعالى فإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إِدْراك ما هوَ فَوْقَ حِسِّهِ وفوقَ عقلِهِ، وذلكَ لأَنَّ العقلَ الإِنسانيَّ محدودٌ، ومحدودةٌ قُوَّتُهُ مَهْمَا سَمَتْ ونَمَتْ بِحُدُودٍ لا تَتَعَدَّاهَا، ولِذلكَ كانَ محدودَ الإدْرَاكِ، ومنْ هنا كانَ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصُرَ العقلُ دونَ إِدراكِ ذاتِ اللهِ، وأَنْ يَعْجَزَ عنْ إدراكِ حَقِيقَتِهِ، لأَنَّ اللهَ وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، والعقلُ في الإنسانِ لا يدركُ حقيقةَ ما وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، ولذلكَ كانَ عاجِزاً عَنْ إدراكِ ذاتِ اللهِ. ولا يقالُ هُنَا: كيفَ آمَنَ الإنسانُ باللهِ عقلاً معْ أَنَّ عقلَهُ عاجِزٌ عنْ إدراكِ ذاتِ اللهِ؟ لأنَّ الإيمانَ إنَّمَا هوَ إيمانٌ بِوجودِ اللهِ وَوُجودُهُ مُدْرَكٌ منْ وجودِ مخلوقاتِهِ، وهيَ الكونُ والإنسانُ والحياةُ. وهذهِ المخلوقاتُ داخلةٌ في حدودِ ما يُدْرِكُهُ العقلُ، فأَدْرَكَهَا، وأدركَ منْ إدراكِهِ إياهَا وجودَ خالقٍ لَهَا، وهوَ اللهُ تعالى. ولذلكَ كانَ الإيمانُ بِوجودِ اللهِ عقلياً وفي حدودِ العقلِ، بِخِلافِ إدراكِ ذاتِ اللهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، لأنَّ ذاتَهُ وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، فهوَ وراءَ العقلِ. والعقلُ لا يمكنُ أنْ يدركَ حقيقةَ ما وراءَهُ لِقُصورِهِ عنْ هذا الإدراكِ. وهذا القصورُ نفسُهُ يجبُ أنْ يكونَ منْ مُقوياتِ الإيمانِ، وليسَ منْ عواملِ الارتيابِ والشكِّ. فإنِّهُ لمَّا كانَ إيمانُنَا باللهِ آتِياً عنْ طريقِ العقلِ كانَ إدراكُنَا لِوُجودِهِ إِدْراكاً تامَّاً، ولمَّا كانَ شعورُنا بِوجودِهِ تعالى مَقْرُوناً بالعقلِ كانَ شُعُورُنَا بوجودِهِ شُعوراً يَقينياً، وهذا كُلُّهُ يجعلُ عِنْدَنَا إِدراكاً تامَّاً وَشُعوراً يقينِياً بجَميعِ صفاتِ الأُلوهيَّةِ. وَهذا منْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْنِعَنَا أَنَّنا لنْ نَستَطيعَ إدراكَ حقيقةِ ذاتِ اللهِ على شِدَّةِ إيمانِنَا بِهِ، وأنَّنَا يجبُ أنْ نُسَلِّمَ بِما أخبرنَا بِهِ مِمَّا قَصَّرَ العقلُ عنْ إدراكِهِ أو الوصولِ إلى إدراكِه، وذلكَ لِلْعَجْزِ الطَبِيعِيِّ عنْ أنْ يَصِلَ العقلُ الإنْسَانِيُّ بمَقَاييسِهِ النِسْبِيَّةِ المحدودةِ إلى إدراكِ ما فوقَهُ. إذْ يحتاجُ هذا الإدراكُ إلى مقاييسَ ليسَتْ نِسْبِيَّةً وليستْ محدودةً، وهي ممَّا لا يملكُهُ الإنسانُ ولا يستطيعُ أنْ يملِكَهُ.
    وأ مَّا ثبوتُ الحاجةِ إلى الرسُلِ، فهوَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ للهِ تعالى، وأنَّ التديُّنَ فِطريٌّ في الإنسانِ، لأنَّهُ غريزةٌ منْ غرائزِهِ، فهوَ في فطرتِهِ يُقَدِّسُ خالِقَهُ، وَهذا التقديسُ هوَ العبادةُ، وهيَ العلاقةُ بينَ الإنسانِ والخالقِ وهذهِ العلاقةُ إِذا تُرِكَتْ دونَ نظامٍ يُؤَدِّي تَرْكُهَا إلى اضطرابِها وإلى عبادةِ غيرِ الخالقِ، فلا بُدَّ منْ تَنْظيمِ هذهِ العلاقةِ بنظامٍ صَحيحٍ، وهذا النِظامُ لا يَأْتِي مِنَ الإنسـانِ لأَنَّهُ لا يَتَأَتَّى لَهُ إدراكُ حقيقةِ الخالقِ حَتَّى يضعَ نِظاماً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَلا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ هذا النظامُ منَ الخالقِ. وبما أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ أنْ يُبَلِّغَ الخـالقُ هذا النظـامَ لِلإنسـانِ، لذلكَ كانَ لا بُدَّ منَ الرسـلِ يُبلِّغونَ الناسَ دينَ اللهِ تعالى.
    والدليلُ أيضاً على حاجةِ الناسِ إلى الرسلِ هوَ أنَّ الإِنسانَ بحاجَةٍ إلى إِشْباعِ غرائِزِه وحاجاتِهِ العضويَّةِ، وهذا الإشباعُ إذا سارَ دونَ نظامٍ يُؤَدِّي إلى الإشْباعِ الخَطَأِ أو الشاذِّ ويُسَبِّبُ شقاءَ الإنسانِ، فَلا بدَّ منْ نظامٍ يُنظِّمُ غَرائِزَ الإنسانِ وَحاجاتِهِ العضوِيَّةَ، وهذا النظامُ لا يأتي منَ الإنسانِ، لأنَّ فهمَهُ لتنظيمِ غرائزِ الإنسانِ وحاجاتِهِ العضويةِ عُرْضَةٌ لِلْتَفَاوُتِ والاختلافِ والتَنَاقُضِ والتَأَثُّرِ بالبيئةِ الَّتي يعيشُ فيها، فإذا تُرِكَ ذلكَ لَهُ كانَ النظامُ عُرْضَةً لِلْتَفَاوُتِ والاختلافِ والتَنَاقُضِ وأدى إلى شَقَاءِ الإنسانِ، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ النظامُ منَ اللهِ تعالى.
    وأ مَّا ثبوتُ كونِ القرآنِ منْ عِنْدِ اللهِ، فَهُوَ أنَّ القرآنَ كتابٌ عَرَبِيٌّ جاءَ بِهِ محمَّدٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. فهوَ إمَّا أنْ يكونَ منَ العَرَبِ وإمَّا أنْ يكونَ منْ محمَّدٍ، وإمَّا أنْ يكونَ منَ اللهِ تعالى. ولا يمكنُ أنْ يكونَ منْ غيِر واحدٍ منْ هَؤلاءِ الثلاثَةِ، لأنَّه عربيُّ اللُّغةِ والأسلوبِ.
    أ مَّا أنَّهُ منَ العربِ فَباطلٌ لأنَّهُ تَحَدَّاهُم أنْ يَأْتوا بمثلِهِ:  قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ، وقدْ حاولوا أنْ يَأْتُوا بمثلِهِ وعَجِزُوا عنْ ذلكَ. فهوَ إذنْ ليسَ منْ كلامِهِمْ، لِعَجْزِهِمْ عنِ الإتْيانِ بمثلِهِ معَ تحدِّيهِ لَهُمْ ومُحَاوَلَتِهِمُ الإتيانَ بمثلِهِ. وأمَّا أَنَّهُ منْ محمَّدٍ فباطلٌ، لأنَّ محمَّداً عربيٌ منَ العربِ، ومَهْمَا سَمَا العبقرِيُّ فهوَ مِنَ البَشَرِ وواحدٌ مِنْ مُجْتَمَعِهِ وأُمَّتِهِ، ومَا دامَ العربُ لمْ يَأْتُوا بمثلِهِ فَيَصْدُقَ على محمَّدٍ العربيِّ أنَّهُ لا يأتي بمثلِهِ فهوَ ليسَ مِنْهُ، عِلاوةً على أنَّ لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ أحاديثَ صحيحةً وأُخْرى رُوِيَتْ عنْ طَريقِ التواتُرِ الذي يستحيلُ مَعَهُ إلا الصِدْقُ، وإذا قورِنَ أيُّ حديثٍ بأيـّةِ آيةٍ لا يوجدُ بَيْنَهُمَا تَشَابُهٌ في الأسلوبِ، وكانَ يَتْلُو الآيةَ المنزَّلَةَ ويقولُ الحديثَ في وقتٍ واحدٍ، وبينَهُما اختلافٌ في الأسلوبِ، وكلامُ الرجلِ مهما حاولَ أنْ يُنَوِّعَهُ فإِنَّهُ يتشابَهُ في الأسلوبِ، لأنَّهُ صَادِرٌ منهُ. وبما أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ تشابُهٍ بينَ الحديثِ والآيةِ في الأسلوبِ فلا يكونُ القرآنُ كلامَ محمَّدٍ مُطْلَقَاً، للاختلافِ الواضحِ الصريحِ بَيْنَهُ وبينَ كلامِ محمَّدٍ. على أَنَّ العربَ قد ادعوْا أن محمداً يأتي بالقرآن منْ غُلامٍ نَصْرَانِيٍ اسمُهُ (جَبْر) فرَدَّ اللهُ تعالى عَليهِمْ بقـولـه:  وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ .
    وبِمَا أنَّهُ ثبَتَ أنَّ القرآنَ ليسَ كلامَ العربِ، ولا كلامَ محمَّدٍ، فيكونَ كلامَ اللهِ قطعاً، ويكونَ معجزةً لمن أتَى بِهِ.
    وبما أَنَّ محمَّـداً هوَ الذي أَتى بالقـرآنِ، وهوَ كلامُ اللهِ وشَـرِيعَتُهُ، ولا يأْتي بشـريعةِ اللهِ إلاَّ الأنبياءُ والرسـلُ، فيكـونَ محمَّـدٌ نَبِيـاً ورسـولاً قطعاً بالدليلِ العقليِّ.
    هذا دلـيـلٌ عـقلـيٌّ على الإيمـانِ باللهِ وبـرسـالـةِ محـمَّـدٍ وبأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.
    وعلى ذلكَ كانَ الإيمانُ باللهِ آتِياً عنْ طريقِ العقلِ، ولا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ هذا الإيمانُ عنْ طريقِ العقلِ. فكانَ بذلكَ الرَّكيزةَ الَّتي يقومُ عليْهَا الإيمانُ بالمغيباتِ كُلِّهَا وبِكُلِّ ما أَخْبَرَنَا اللهُ بهِ، لأنَّنَا ما دُمْنَا قَدْ آمَنَّا بهِ تعالى وهوَ يَتَّصِفُ بصِفاتِ الألوهيَّةِ يجبُ حتماً أنْ نؤمنَ بكلِّ ما أخبرَ بهِ سواءٌ أدركَهُ العقلُ أو كان من وراءِ العقلِ، لأنَّهُ أخبرَنَا بهِ اللهُ تعالى. ومِنْ هُنا يجبُ الإيمانُ بالبعثِ والنُشورِ والجَنَّةِ والنارِ والحِسابِ والعَذابِ، وبالملائِكَةِ والجِنِّ والشياطينِ وغيرِ ذلك، ممَّا جاءَ بالقرآنِ الكريمِ أو بحَديثٍ قطعيٍ. وهذا الإيمانُ وإنْ كانََ عَنْ طريقِ النقلِ والسمعِ لَكِنَّهُ في أصلهِ إيمانٌ عقليٌ، لأنَّ أصلَهُ ثَبَتَ بالعقلِ. وَلِذَلكَ كانَ لا بُدَّ مِنْ أن تكونَ العقيدةُ للمسلمِ مُستَنِدَةً إلى العقلِ أو إلى ما ثَبَتَ أَصْلُهُ عنْ طريقِ العقلِ. فالمسلمُ يجبُ أَنْ يعتقدَ ما ثبتَ لَهُ عنْ طريقِ العقلِ أو طريقِ السمعِ اليقينِيِّ المقطوعِ بِهِ، أي ما ثبتَ با لقرآنِ الكريمِ والحديثِ القطعيِّ وهوَ المتواتِر( حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة حتى لو كان صحيحا ) وما لم يثبُتْ عنْ هذيْنِ الطريقيْنِ: العقلِ ونصِّ الكتابِ والسُنَّةِ القطعيَّةِ، يَحْرُمُ عليهِ أنْ يعتقدَهُ، لأنَّ العقائدَ لا تؤخذُ إِلا عن يقينٍ.
    وعلى ذلك وجبَ الإيمانُ بما قبلَ الحياةِ الدنيا وهو اللهُ تعالى، وبما بعدَها وهو يومُ القيامةِ. وبما أنَّ أوامرَ اللهِ هي صِلةُ مَا قبلَ الحياةِ بالحياةِ بالإضافةِ إلى صِلَةِ الخلْقِ، وأنَّ المحاسبةَ عمَّا عمِلَ الإنسانُ في الحياةِ صلةُ مَا بعدَ الحياةِ بالحياةِ بالإضافةِ إلى صلةِ البعثِ والنشورِ، فإنه لا بدَّ مِنْ أنْ تكونَ لهذِهِ الحياةِ صلةٌ بما قبلَها وما بعدَها، وأنْ تكونَ أحوالُ الإنسانِ فيها مقيَّدةً بهذهِ الصلةِ، فالإنسانُ إذن يجبُ أنْ يكونَ سائراً في الحياةِ وَفْقَ أنظمةِ اللهِ، وأنْ يعتقدَ أنَّهُ يحاسِبُهُ يومَ القيامةِ على أعمالِهِ في الحياةِ الدنيا.
    وبهذا يـكونُ قدْ وُجدَ الفكرُ المستنيرُ عَمَّا وراءَ الكونِ والحياةِ والإنسانِ، ووُجِدَ الفكرُ المستنيرُ أيضاً عمَّا قبلَ الحياةِ وعمَّا بعدَهَا، وأنَّ لها صلةً بما قبلَها وما بعدَهَا. وبهذا تكونُ العقدةُ الكبرى قد حُلَّتْ جميعُها بالعقيدةِ الإسلاميَّةِ.
    ومتى انتهى الإنسانُ منْ هذا الحلِّ أمكنَهُ أَنْ ينتقِلَ إلى الفكرِ عن الحياةِ الدنيا، وإلى إيجادِ المفاهيمِ الصادقةِ المُنتِجةِ عنها. وكان هذا الحَلُّ نفسُهُ هو الأساسَ الذي يقومُ عليهِ المبدأُ الذي يُتَّخَذُ طريقةً للنُهوضِ، وهو الأساسُ الذي تقومُ عليه حضارةُ هذا المبدأِ، وهو الأساسُ الذي تنبثِقُ عنهُ أنظمتُهُ، وهو الأساسُ الذي تقومُ عليهِ دولتُهُ. ومِنْ هنا كانَ الأساسُ الذي يقومُ عليه الإسلامُ ـ فكرةً وطريقةً ـ هو العقيدةَ الإسلاميةَ.
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا .
    أ مَّا وقـدْ ثبَتَ هذا وكانَ الإيمـانُ بِهِ أَمْـرَاً محتوماً كانَ لِزاماً أنْ يُؤْمِنَ كُلُّ مسلمٍ بالشريعةِ الإسلاميَّةِ كُلِّهَا، لأَنَّهَا جاءتْ في القرآنِ الكريمِ، وجاءَ بِهَا الرسولُ  وإلا كانَ كافراً، ولذلكَ كانَ إنكارُ الأحكامِ الشرعيَّةِ بجُمْلَتِهَا، أو القطعيَّةِ منها بتفصيلِها، كفراً، سواءٌ أكانتْ هذه الأحكامُ مُ-تَّـصِـلـةً بالعباداتِ أَم المعاملاتِ أم العقـوباتِ أم المطـعوماتِ، فالكفرُ بآيةِ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ  كالكفرِ بآيةِ:  وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا  وكالكفرِ بآيةِ:  وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وكالكـفـرِ بآيـةِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . ولا يتوقَّفُ الإيمانُ بالشريعةِ على العقلِ، بلْ لا بدَّ مِنَ التسليمِ المُطلقِ بكلِّ ما جاءَ مِنْ عندِ اللهِ تعالى:  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

    من حيث الممارسة : ساكتفي بعرض سريع لما هو يقيني في التاريخ الاسلامي و متفق عليه عند مختلف المخالفين .
    فالإسلام ممثلا بدولته استطاع نقل العرب الذين كانوا ( و عادوا اليوم بعد غياب الاسلام ) في آخر الأمم حضارة و تقدما و اخلاقا ليجعلهم في المقدمة , و صدق عمر بن الخطاب حين قال ( كنا نرعى الغنم فأصبحنا نرعي الأمم ) .

    و من ثم مالبثت أن دخلت جميع الشعوب ( المحتلة ) التي حكمها المسلمون طوعا في دين الله لتصبح هي المدافعة الأولى عن هذا الدين العظيم ’
    يقول المؤرخ دورزي عن إقبال الشعوب على اعتناق الإسلام: إن هذه الظاهرة تبدو لأول وهلة لغزاً غريباً، ولاسيما متى علمنا أن الدين الجديد لم يفرض فرضا على أحد..
    اما سياسيا , فكانت دولة الاسلام و حتى قبيل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى و من ثم سقوطها على يد الكافر المجرم مصطفى كمال أتاتورك , هي الدولة الأولى في العالم التي تهابها جميع الدول , و إلا فإنظروا إلى المسألة الشرقية في العقلية الأوروبية .
    اما في النواحي العلمية , فكتب علماء المسلمين مازالت حتى اليوم لتشهد على عظمة هذا الدين الذي يحض على العلم و العمل , و يربط الروح بالجسد , فابن سينا و ابن رشد و الخوارزمي و ابن خلدون و ابن النفيس و القائمة تضم آلاف بل مئات الآلاف من العلماء الذي أسسوا لنهضة الغرب اليوم , هذا باعتراف بعض علماء الغرب .
    فقد ذكرت مجلة( آكي) الإيطالية للأنباء على هامش مؤتمر (لقاء الثقافات على ضفاف المتوسط كيمياء الحوار المتواصل)، "إن إسهامات العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية لا ينكرها إلا مغالط أو جاحد"، واعتبرت أن ما تشير إليه "ألسنة وأقلام المنصفين من العلماء الغربيين تدل على حجم إسهام العرب بنقل الحضارات وتطوريها والإضافة إليها ونقلها إلى الغرب ليبني حضارته المعاصرة على أساسها"

    أنا لن أتكلم في الممارسة الإسلامية إلا على اليقينات المعروفة لدى كل الناس , و لكن إذا خضت في الظنيات فهناك قصص في تاريخ المسلمين لا يكاد يصدقها العقل , و كأن هؤلاء رحمهم الله خرجوا من بشريتهم في نزعة ملائكية نحو الكمال .
    فرحمهم الله و جمعنا بهم مع سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام .

    و بهذه العجالة يظهر لكل ذي لب ان الاسلام يحتكر الحقيقة بكل حيثياتها , عقائدية كانت أو اجرائية و انه السبيل الوحيد الاوحد نحو المعرفة , حيث يرتبط الفعل بالقيمة و ترتبط القيمة بالمثوبة و ترتبط المثوبة برضى الله عز و جل .

    (( الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ))
Working...
X