إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

أمراض وآفات تعتري القلوب وعلاج هذه الأمراض (مرض ال

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • أمراض وآفات تعتري القلوب وعلاج هذه الأمراض (مرض ال

    أمراض وآفات تعتري القلوب وعلاج هذه الأمراض (مرض الشرك)

    وأعظمُ الأمراض التي تعتري القلوب عَلَى الإطلاق مرض الشرك، والعياذ بالله فهو سبب كل شرٍّ يتجه إلى القلب، وكل بلاءٍ يدخل فيه، وكلُّ ختمٍ وطبعٍ يقع عليه.

    قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101].

    والمشرك دائمًا خائفٌ مذعورٌ، خائفٌ من كل شيء، ومضطربٌ في كل اتجاه، ومرعوب مذعور، وإن أظهر أنه مطمئن هادئ.

    قال الله عَزَّ وَجَلَّ: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا باللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151].

    المشركُ دائمًا حيرانٌ قلق:
    قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].

    المشرك خائف من كل شيء، خائف من آلهته وأصنامه يظن أنها تضره، بل ويظن أنها تضر الآخرين، ألا ترى قولهم لنوحٍ عليه السلام: {إِن نَّقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}. [هود: 54].

    المشرك خائفٌ من الجن يعوذ بهم ويستغيث!

    خائفٌ من البشر!

    خائفٌ من كل شيء وإن أَظهر الشجاعة وأبداها!

    أما المؤمن فمطمئن القلب ثابت الفؤاد يعلم تمام العلم قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].
    المؤمن مطمئن القلب هادئ البال يدرك تمامًا أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
    وعلاج هذا الشرك هُوَ التوحيد وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى:

    السجود له وحده، الخضوع له وحده، الخوف منه وحده، الرغباء إليه وحده، وكذلك العمل، هُوَ الذي يُدعَى، هُوَ الذي يُرجَى هُوَ الذي يشفي، هُوَ الذي يُحيي، هُوَ الذي يُميت, إليه المنتهى في كل شيء، بيده خزائن كل شيء، قدَّر المقادير، وكتب الآجال، ووسع عَلَى العباد في الأرزاق، وضيَّق عَلَى من شاء، يُعز ويُذل، يرفع ويخفض، يقبض ويبسط.

    لا يطاف إلا ببيته (الكعبة)، لا يُذبح إلا عَلَى اسمه .

    لا يبتغى بالعمل إلا وجهه سبحانه وتعالى

    له الحكم، له الملك، وهو عَلَى كل شيء قدير.

    لهذا اطمأن قلب المؤمن، اطمأن قلبه؛ لأنه عرف من أين يأتي الخير وكيف يُدفع الشر.

    اطمأن قلبه لما عرف ربه سبحانه وتعالى فحدثت له طمأنينة عَلَى قدر تلك المعرفة، وحدث له هدوءٌ عَلَى قدر ذلك الإيمان، وحلت بقلبه السكينة مع اليقين.

    لم يخش المشركين وآلهتهم.

    ألا ترى إلى قول نوح صلى الله عليه وسلم: ((يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمرْكُمْ عَلَيْكُمْ غَمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنظِرُونِ} [يونس: 71].
    ألا ترى قول الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو يقول لقومه متحديًا: {وَلا أَخَافَ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} [الأنعام: 80].
    وقوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} [الأنعام: 81].

    ألا ترى إلى امرأة ضعيفة، امرأة أعتى رجل وأظلم رجل عرفه التاريخ، إنها امرأة فرعون، آمنت فقالت: {ربِّ ابنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا في الجنَّةِ ونَجِّني مِنَ فِرعَونَ وعَمَلِهِ ونَجِّني مِن القَوْمِ الظَّالِمِينَ}[التحريم:11} . فأنجاها الله ولم يتسلط هذا الباغي عَلَى قلبها.
    وهذا هُوَ قول أهل الإيمان، بل قول خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، وقول أصحابه لما قال لهم الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمِةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ واللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173، 174].
    غلام صغير يأخذه الجبابرة كي يقتلوه، ولا حول له ولا قوة إلا بالله، فيقول: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) فيصرف الله عنه السوء(23).
    فيا لها من قوة حلت بالقلب، ويا لها من شجاعة حلت بالفؤاد قوة وطمأنينة حلت بالقلب؛ فسكن وهدأ واطمأن إلى وعد الله سبحانه وتعالى وإلى تدبير الله سبحانه وتعالى.

    ألا فليكثر العبد من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتقلد هذا الدين الحنيف، دين الإسلام خير الأديان، فمن ابتغى دينًا غيره فهو في الآخرة من الخاسرين.

    * * *
    الرياء وعلاجه
    ومن أمراض القلوب التي تعصف بها أيضًا مرض الرياء، وقد جاء ذمُّهُ وبيان خطره، في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً} [النساء: 142].
    وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء: 38].
    وقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرجَوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُّدونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47].
    وقال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (24).
    وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن أخوف مَا أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء،يقول الله عَزَّ وَجَلَّ لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الَّذِينَ كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟&#33) (25).
    وها هي نماذج لقوم جاهدوا وقرأوا القرآن وتعلموا العلم وتصدقوا، ولكنهم -للأسف- أول مَن تسعر بهم النار، وأول من يقضي عليهم يوم القيامة، فيا له من ضياعٍ ويا له من خسارٍ، ها هُوَ حديثهم وتلك قصته.
    أخرج مسلم(26) في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت. ولكنك قاتلت؛ لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب عَلَى وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم؛ ليقال عالم، وقرأت القرآن؛ ليقال هُوَ قارئ. فقد قيل. ثم أمر به فسحب عَلَى وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فـأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: مَا تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت؛ ليقال هُوَ جواد. فقد قيل. ثم أمر به فسحب عَلَى وجهه. ثم ألقي في النار)) (27).

    وفي ((الصحيحين)) (28) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل شجاعة, ويقاتل حمية, ويقاتل رياء, أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
    فيا سبحان الله! قوم ينفقون، وفي الظاهر أن هذا الإنفاق في سبيل الله، ولكن للأسف يعذبون به ويعاقبون عليه؛ لكونهم مَا أخلصوا العمل فيه لله، قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء: 38].

    ويا سبحان الله! رجل يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبع كل شاذة وفاذة من المشركين يقتلها، ولم يجزئ أحدٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أجزأ هذا الرجل في تلك المعركة، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو من أهل النار)). حتى كاد الصحابة رضوان الله عليهم أن يرتابوا من أمرهم، وقد قدمنا حديثه في ذلك فارجع البصر إليه، ثم ارجع البصر كرتين، واتعظ واعتبر.
    وعلاج الرياء:
    دعاء الله عَزَّ وَجَلَّ بصرفه(29)، والإقبال عَلَى إخلاص العمل لله عَزَّ وَجَلَّ، والإقبال عَلَى عمل الخير سرًّا، وقد جاءت جملة من النصوص في ذلك:

    قال الله تبارك وتعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271].
    وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابِ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزْقَنَاهُمْ سِرٍّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّه غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30].
    وحث النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى الصلاة -صلاة النفل- في البيوت للابتعاد عن الرياء والسمعة.
    قال عليه الصلاة والسلام: ((..فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (30).

    والصلاة في الثلث الأخير من الليل والناس نيام أكثر ثوابًا، وأعظم أجرًا، وأقرب إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وأبعد عن الرياء، وهو وقتٌ ينزل فيه ربنا إلى السماء الدنيا كما ثبت في ((الصحيحين)) (31) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له)).

    وأخرج أحمد (32) في ((مسنده)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عجب ربنا عَزَّ وَجَلَّ من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيه إلى صلاته؛ فيقول ربنا: أيا ملائكتي انظروا إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه ومن بين حيه وأهله إلى صلاته؛ رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ فانهزموا فعلم مَا عليه من الفرار وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه (رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي) (33) فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه)).

    وحث النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى الصلاة في جوف الليل، والعبد في هذا الوقت يكون بعيدًا عن الناس؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل..)) (34).
    وقال عليه الصلاة والسلام (35): ((سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)).
    وها هُوَ رسولنا صلى الله عليه وسلم ينام مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ويظن أنها قد نامت؛ فيتسلل من الفراش ويذهب إلى القبور في الليل يُسلِّم عَلَى أهلها ويدعو لهم.
    وها هُوَ الحديث بذلك كما أخرجه مسلم(36) -رحمه الله- من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: بلى. قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره عَلَى فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما (37) ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا (38)، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه (39) رويدًا، فجعلت درعي في رأسي (40)، واختمرت (41)، وتقنعت إزاري (42)، ثم انطلقت عَلَى إثره. حتى جاء البقيع فقام. فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت (43). فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ((مالكِ؟ يا عائش! حشيا رابية (44)&#33). قالت: قلت: لا شيء. قال: ((لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)). قالت: قلت يا رسول الله! بأبي أنت وأمي, فأخبرته. قال: ((فأنت السواد (45) الذي رأيت أمامي؟)). قلت: نعم. فلهدني(46) في صدري لهدة أوجعتني. ثم قال: ((أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟)). قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله. قال: ((نعم)). قال: ((فإن جبريل أتاني حين رأيت، فناداني،فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك. وظننت أن قد رقدت. فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: إنَّ ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم)). قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: ((قولي: السلام عَلَى أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)).

    وها هُوَ الصحابي الجليل عمران بن حصين رضي الله عنه تُسلِّم عليه الملائكة، ويكتم ذلك عن أصحابه ولا يخبرهم، ولما حضرته الوفاة أخبر بذلك لعل أحدًا ينتفع بذلك، أو يدعو له دعوة طيبة يستجيب لها الله عَزَّ وَجَلَّ.
    ففي ((صحيح مسلم))(1) من طريق مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة(2)، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه. وقد كان يُسَلَّم عليَّ حتى اكتويت، فتُركت. ثم تَركت الكي فعاد(3).
    وفي رواية أخرى عن مسلم أيضًا عن مطرف، قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث: لعل الله أن ينفعك بها بعدي ، فإن عشت فاكتم عني(4)، وإن مت فحدث بها إن شئت: إنه قد سُلِّمَ عليَّ. واعلم أن نبي الله قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال رجل فيها برأيه مَا شاء. -

    فحريٌّ بالبعد أن يخلص عمله لله قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5]. ولايجعل كل أعماله ظاهرة أمام أعين الناس، ولا يكثر من الحديث عن أعمال البر التي يقوم بها. وليكثر من صدقة السر، ومن الصلاة في البيت، ومن الدعاء في الليل، وإذا قُدر وتحدث العبد بنعم الله عليه فليتحدث عَلَى سبيل الشكر، لا عَلَى سبيل الفخر والجحود والتعالي عَلَى خلق الله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    * * *
    مرض الكِبر والعُجب وعلاجهما
    ومن الأمراض التي تعتري القلوب وتدمرها وتهلك أصحابها مرض الكبر والعُجب، وعلاجهما التواضع قال النبي صلى الله عليه وسلم(47): ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ)) قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً، قال: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس)) (48). فهذا الكبر المستقر في القلب يحمل أصحابه عَلَى إنكار الحق وجحود النعم، وازدراء المسلمين واحتقارهم؛ بل قد يحملهم هذا الكبر عَلَى الجدل الذي يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.

    قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبْعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35].

    وقال تعالى: {إِنَّ الَّذينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللهِ بِغَيْر سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيه فَاسْتَعِذْ باللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56].

    ومن ثمَّ جاءت النصوص في ذم الكبر وأهله,

    قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23].
    وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
    وقال تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37].
    وقال تعالى: {إِنَّ الله لا يُحِبُ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76].
    إلى غير ذلك من النصوص الورادة في هذا الباب، وليس البحث هنا متعلق بالكبر بالدرجة الأولى، وإلا لاستفضنا في ذلك، إنما المراد: الإشارة إلى أن الكبر والعجب من الآفات التي تصيب القلب، والإشارة إلى كيفية علاجها ومن أنفع الأدوية لعلاج هذا المرض -بعد التعوّذ بالله منه- التواضعُ وخفضُ الجناح للعباد، فإن التواضع وخفض الجناح للناس، ومجالسة الضعفاء والمساكين والفقراء من أهل الصلاح، والأكل معهم، والحديث معهم، والتعرف عَلَى أحوالهم، وزيارتهم، كل ذلك يترك أثرًا طيبًا في القلب، ويورث -بإذن الله- رقةً فيه، ومن ثم قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (49): {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلَك فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِه وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 52 - 54].

    وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيُدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلَنْا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

    ونوحٌ صلى الله عليه وسلم لما قال له قومه: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذُلُونَ * قال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 111 - 114].
    ولما عبس النبي صلى الله عليه وسلم (50) في وجه عبد الله بن أم مكتوم عاتبه ربه فقال سبحانه: {عَبَسَ وَتَولَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغَنْى * فَأنت لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فأَنتَ عَنْه تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ...} [عبس: 1 - 12].
    وقد عاتب النبيُّ صلى الله عليه وسلم خير أصحابه أبا بكر الصديق رضي الله عنه في شأن الفقراء والضعفاء؛ ففي ((صحيح مسلم)) من حديث عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى(51) عَلَى سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: والله مَا أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ((يا أبا بكر! لعللك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)).
    فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا (52)، يغفرُ الله لك يا أُخيَّ. (53)(54)

    فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم -كما عليه جمهور أهل السنة والجماعة- لما قال مقالةً لهؤلاء الفقراء الغرباء الصالحين المؤمنين؛ عاتبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا العتاب.
    ومناقب أبي بكر لا تخفى عَلَى أحدٍ، وفضائله لا تكاد تحصى، وسبقه إلى الإسلام معلوم وكذلك غزواته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرته معه، وزواج الرسول بابنته، ونزول عدة آيات في شأنه وأهل بيته؛ تكريمًا له، كل ذلك معلوم ولا يخفى، ولا يُنكر ولا يجحد، ومع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم له: ((يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أ غضبت ربك)). فينطلق أبو بكر رضي الله عنه مستدركًا مَا وقع فيه فيقول: يا أخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخيَّ.

    فلينظر كل عبدٍ إلى حاله مع الفقراء والمساكين.

    ويرى سعدُ بن أبي وقاص رضي الله أن لنفسه فضلاً عن بعض أقاربه، وسعد أول من رمى بسهم في سبيل الله (55)، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فيعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له: ((يا سعد، وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟&#33) (56).
    وترى من هُوَ الذي كان حِبَّ رسول الله من أصحابه، كان حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنه وهو مولى من الموالي، وأبوه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسامة من السُّمرة ((أي سواد اللون)) بمكان، حتى صحح بعض العلماء حديث: ((لو كان أسامة جارية لحلوته وكسوته حتى أُنِّفقه)) (57). ومع ذلك فهو حب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, يستشيره النبي صلى الله عليه وسلم، ويستشفع به الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
    فهكذا ينبغي أن يكون المسلم الذي يريد لقلبه السلامة, ينبغي أن يكثر من مجالسة الفقراء والمساكين -خاصة من أهل الصلاح- ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم حتى يذكر نعم الله عليه؛ فيحيا قلبه بحمد الله إذا رأى أهل البلاء، ويحيا قلبه بالتعوذ بالله من البلاء، ويحيا قلبه بدعوة صالحة يدعو له بها أهل الفقر والمسكنة والحاجة، ويحيى قلبه بشكر اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لصنيعه.

    أخرج مسلم -رحمه الله- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول، يوم القيامة يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: يا رب! كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب! وكيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب! كيف أسقيك؟ وأنت رب العالمين. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)).

    ومن الخطأ والخلل ومسببات الأذى للقلب: أن يُقصر الشخص جلوسه ومحادثته عَلَى أهل المناصب والجاه والثراء،
    فإن هذا يورثه التطلع إلى مَا هم فيه، والتطلع إلى مَن هم أعلى منه، والنظر إلى من هم أغنى وأثرى منه، ومن ثمَّ لا يستقر قلبه ولا يهدأ له بال، ويكون دائم التطلع والنظر إلى من هم فوقه فلا يشبع ولا يكاد يشبع، ومن ثمَّ قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلقِ فلينظر إلى من هُوَ أسفل منه ممن فُضِّل عليه)) (58).

    وفي رواية(59): ((انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هُوَ فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله)). وفي رواية: ((عليكم)).

    فإذا حرص الشخص عَلَى مجالسة أهل المناصب والأموال فقط أورثه ذلك دوام التطلع، وازدراء النعم عليه، ومن ثَمَّ لا يشكر ولا يكاد يشكر (60)، لكن إذا جالس من هم دونه رضي بما آتاه الله وقنع به ومن ثمَّ هدأ قلبه، واستراح ضميره وفؤاده، وليس معنى ذلك دنو الهمة، بل يبذل العبد مَا في وسعه لنيل الحلال الطيب، ويكون راضيًا بقضاء الله وقسمته واختياره، ومن ثمَّ صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: شر الطعام طعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء(61).

    فينبغي إذا صنع الرجل وليمة أن يدعو إليها أيضًا الفقراء والمحاويج مع الأغنياء، فربَّ فقير صالح تصدر منه دعوة طيبة يستجيب الله لها ويكرم بها العبد.

    وإذا لم يستطع صاحب الدعوة إحضار الفقراء إلى بيته فليرسل لهم من الطعام إلى بيوتهم وليكرمهم كما أكرمه الله، فإن في هذا صلاح للقلب بإذن الله.
    وكما أسلفنا فإن الجليس يؤثر في جليسه وفي قلب جليسه كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثلُ الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة)) (62).

    وليس الجليس من الناس فحسب هُوَ الذي يؤثر؛ بل مجالسة حتى الحيوان تؤثر، قال النبي صلى الله عليه وسلم(63): ((رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدَّادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم)).

    فالناقة لما كانت تمشي رافعة رأسها إلى أعلى أورث ذلك -والله أعلم- من يجالسونها كبرًا وعجبًا.

    والشاة لكونها ساكنة أورثت أهلها سكونًا وتواضعًا بإذن الله، ومن ثمَّ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم)), فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم كنت أرعاها عَلَى قراريط لأهل مكة))(64).

    وقد صح(65) عن أمير المؤمنين عمر أنه ركب برذونًا فجعل يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا فنزل عنه، وقال: مَا حملتموني إلا عَلَى شيطان مَا نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، فلركوب البرذون وتبختر البرذون براكبه أثر في نفس راكبِهِ فتركه أمير المؤمنين عمر، وليس ترك أمير المؤمنين عمر لركبوه من باب التحريم، فحاشا أمير المؤمنين أن يحرم شيئًا أحله الله، فالله يقول: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8].

    ولكن لما كان لهذا التبختر من البرذون أثرٌ في قلب أمير المؤمنين عمر ترك أمير المؤمنين عمر هذا البرذون ونزل عنه.

    وإلحاقًا، ففي زماننا في مدينة من المدن كمدينة المنصورة مثلاً قد يمشي الشخص من مكانٍ إلى مكان لقضاء حاجةٍ له عَلَى رجليه؛ فيكون للقلب حالة معينة، وقد يركب نفس الشخص سيارة أجرة تحمل عشرة ركاب من نفس المكان إلى المكان؛ فيجد قلبه عَلَى حالة أخرى، وهو ينظر إلى الَّذِينَ يسيرون عَلَى الأقدام.

    ثم إنه قد يركب تاكسي مخصوص لا يركب فيه إلا هو؛ فيرى قلبه عَلَى حالة أخرى ليست بتلك الحالة التي كان عليها وهو يمشي عَلَى رجليه, أو يركب تلك السيارة المشتركة التي تجمع بينه وبين آخرين.

    ثم إنه قد يركب سيارة ملاكي فيتحول القلب إلى حالة أخرى.

    ثم إنه قد يركب ملاكي مرسيدس, فكيف ترى قلبه في هذه الحالة وهو ينظر إلى الآخرين؟ وجرِّب بنفسك إن شئت أن تُجرِّب.

    وليس الباب باب الخوض في التحليل والتحريم، فإن الله يقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زَيِنَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِين آَمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ...)) [الأعراف: 32].

    إنما الباب باب معالجة القلوب، والله المستعان.
    وينبغي للشخص أن يترك مَا يجلب له العُجب والكِبر، وما يزكي ذلك في قلبه وينميه، فينبغي ألا يُكثر من تزكية نفسه أمام الناس والثناء عليها، فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32].
    وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله)) (66).

    وكان القادم إذا دخل المسجد لم يكد يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أصحابه, حتى إن الأعرابي يدخل فيسأل أيكم محمد صلى الله عليه وسلم؟

    فالألفاظ التي يتلفظ بها الشخص تؤثر عَلَى قلبه، ولنذكر لذلك مثالاً.

    مجموعة من الناس جلوس فبدأ التعارف فيقول أحدهم: اسمي فلان أو أخوكم فلا ن بن فلان، ويستمر الناس عَلَى هذا المنوال أخوكم فلان وأخوكم فلان, فيأتي أحدكم فيقول عن نفسه: الدكتور فلان (على سبيل التباهي والفخر).

    ترى كيف تفعل هذه الكلمة بنفس قائلها وبقلب قائلها (إذا كان يقصد بها التعالي عَلَى الجالسين) إنها تقذف في القلب غرورًا وكبرًا وعجبًا، يدخل من خلالها الشيطان إلى القلب ويوسوس في الصدر بناءً عَلَيها, ويُشعر قائلها: بأنه خيرٌ وأفضل ممن يجالسهم فيئول به ذلك إلى ازدرائهم واحتقارهم(67)، وربما آل به الأمر إلى بطر الحق وغمط الناس.

    ونحو ذلك إذا جلس قوم وبدأ التعارف فقال أحدهم معرفًا بنفسه: الشويش فلان، وقال الآخر: العميد فلان، وقال ثالث: اللواء فلان، فنفس كل قائلٍ منهم تعتريها أحوال لا تعتري نفس الآخر (68)، والمعصوم من عصمه الله تبارك وتعالى.

    ولك يا عبد الله في نبيك صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

    فالزم التواضع يا عبد الله، والزميه كذلك يا أمة الله.

    إذا صنعت طعامًا فأطعم منه الفقراء والمحاويج والمساكين.

    أرسل إليهم طعامًا إلى بيوتهم, وأتِ بهم أيضًا إذا صنعت الولائم.

    ابحث عن مريض فعُده، وعن جائعٍ فأطعمه، وعن محتاج فسد حاجته، وعن مكسور الخاطر فاجبر كسره.

    هذه بعض أخلاق نبيك صلى الله عليه وسلم هذا طرف يسير منها، وحقًّا إنه كما قال عنه ربه سبحانه: {وَإِنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

    فتأسَّ بها لعلك ترشد، وعساك أن تُوفق.

    تأتي امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: يا رسول! الله إن لي إليك حاجة, فيقول لها: ((يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)). فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (69).
    فيا سبحان الله! إمام المسلمين، وسيد ولد آدم أجمعين توقفه امرأةٌ في الطريق، امرأةٌ في عقلها شيء وهو يُصغي إليها ويستمع لحاجتها صلى الله عليه وسلم.

    ها هُوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة في الحج، يرميها كما يرميها الناس، يزدحم عليه الناس كما يزدحمون عَلَى غيره، ولكن لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (70).
    هكذا يقول صاحبه، يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.

    فصلوات ربي وسلامه عليه.

    يأكل مع الضعيف, يجلس مع المريض, يُمازح الصبي, يعود خادمه اليهودي عند مرضه، يسابق نساءه، يُسلم عَلَى الصبيان, بل ويرحم الحيوان.
    يدعوه صاحب الدعوة فيأتيه.
    يدعوه غيره أيضًا إلى بيته.
    يُمازح أصحابه ويمازحونه.
    أخرج الحاكم في ((مستدركه)) (71) بإسناد حسن من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه، قال: كان أسيد بن حضير رجلاً صالحًا ضاحكًا مليحًا, فبينما هُوَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث القوم ويضحكهم، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصته فقال: أوجعتني، قال: ((اقتص)) قال: يا رسول الله إن عليك قميصًا ولم يكن عليَّ قميص، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فاحتضنه, ثم جعل يُقبل كشحه فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أردت هذا، ومع ذلك كله سمت النبوة عليه، وتاج الوقار فوق رأسه، يحمل بين جنبيه قلبًا خاشعًا قلبًا أواهًا منيبًا، قلبًا سليمًا مخبتًا لله رب العالمين.

    * * * ______________________________

    (23) قصته في ((صحيح مسلم)) حديث (3005)، وهو الذي ورد ذكره في قصة أصحاب الأخدود.

    (24) أخرجه مسلم، حديث (2985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى.......)) .

    (25) أخرجه أحمد (5 / 428) من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... فذكره، وإسناده صحيح.

    (26) أخرجه مسلم حديث (1905).

    (27) قوله صلى الله عليه وسلم في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم عَلَى فعلهم ذلك لغير الله، وإدخالهم النار: دليل عَلَى تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعَلَى الحث عَلَى وجوب الإخلاص في الأعمال، كما قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. وفيه: أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصًا، وكذلك الثناء عَلَى العلماء وعَلَى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمول عَلَى من فعل ذلك لله تعالى مخلصًا.

    (28) أخرجه البخاري (2810) ومسلم (حديث 1904) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا.

    (29) وقد ورد في ذلك حديث في إسناده مقال، ألا وهو: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما أعلم)) ، لكن عمومات الأدلة التي حوت الأدعية بسلامة القلوب وصلاحها يستشهد بها في هذا الباب.

    (30) أخرجه البخاري (1423)، ومسلم (1031) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

    (31) أخرجه البخاري (فتح - 3 / 29)، ومسلم ( 758).

    (32) أحمد في ((المسند)) (1 / 416)، وإسناده حسن وله شواهد.

    (33) كذا في ((المسند)) المطبوع، والظاهر من السياق أنها زائدة، والله أعلم.

    (34) أخرجه مسلم (ص 821).

    (35) أخرجه البخاري (1423)، ومسلم(1031) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، ووقع في رواية مسلم: ((حتى لا تعلم يمينه مَا تنفق شماله)). وهذا وهم وخطأ من الراوي، والصواب ما ذكرناه: ((حتى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه)).

    (36) أخرجه مسلم ص (670).

    (37) ((إلا ريثما)) معناه: إلا قدر مَا.

    (38) ((أخذ ردائه رويدًا)) أي: قليلاً لطيفًا لئلا ينبهها.

    (39) ((ثم أجافه)) أي: أغلقه. وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم في خفية؛ لئلا يوقظها ويخرج عنها، فربما لحقتها وحشة في انفرادها في ظلمة الليل.

    (40) ((فجعلت درعي في رأسي)) درع المرأة: قميصها.

    (41) ((واختمرت)) أي: ألقيت عَلَى رأسي الخمار، وهو مَا تستر به المرأة رأسها.

    (42) ((وتقنعت إزاري)) هكذا هُوَ في الأصول: إزاري، بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاري، فلهذا عدي بنفسه.

    (43) ((فأحضر فأحضرت)) الإحضار العدو، أي: فعدا فعدوت، فهو فوق الهرولة.

    (44) ((ما لك يا عائش حشيا رابية)) يجوز في عائش فتح الشين وضمها، وهما وجهان جاريان في كل المرخّمات. وحشيا معناه: قد وقع عليك الحشا، وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتدّ في كلامه، من ارتفاع النفس وتواتره، يقال: امرأة حشياء وحشية. ورجل حشيان وحشش، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه، رابيه: أي: مرتفعة البطن.

    (45) ((فأنت السواد)) أي: الشخص.

    (46) ((فلهدني)) قال أهل اللغة: لهده ولهّده: بتخفيف الهاء، وتشديدها، أي دفعه ((من التعليق عَلَى مسلم)).

    (47) أخرجه مسلم حديث ( 91) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    (48) بطر الحق، أي: دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس: معناه احتقارهم، (عن حاشية مسلم).

    (49) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (15 / 187) من حديث سعد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفرٍ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجلٌ من هذيل وبلال ورجلان لست أُسميهما، فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أ ن يقع، فحدث نفسه؛ فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَطُرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُون وَجْهَهُ}. [الأنعام: 52].

    (50) أخرج الترمذي (4: 209) بإسناد حسنه بعض العلماء لشواهده من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنزلت: {عَبَسَ وَتَولَّى} [عبس: 1]. في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء قريش، فجعل رسول الله يُعرض عنه، ويقبل عَلَى الآخر، ويقول: ((ترى بما أقول بأسًا))؟ ! ففي هذا نزل.

    (51) قال النووي: هذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر، في الهدنة بعد صُلح الحديبية.

    (52) المعنى لا، ويغفر الله لك يا أُخي.

    (53) أُخي تصغير أخي، وهو تصغير تحبيب وترقيق وملاطفة، وفي بعض النسخ بفتحها، قاله النووي.

    (54) الحديث في ((صحيح مسلم)) حديث (2504).

    (55) أخرج البخاري حديث (3728)، ومسلم (2966) من حديث سعد رضي الله عنه قال: إني لأول العرب رمى بسهمٍ في سبيل الله.

    (56) أخرج البخاري حديث (2896) من طريق مصعب بن سعد، قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلاً عَلَى من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل تنصرون إلا بضعفائكم؟ !&#33).

    (57) أخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (1256) من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أميطي عنه الأذى)) فقذرته فجعل يمص الدم ويمَجُّه عن وجهه ويقول: ((لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أُنفقه)).

    وأخرجه أحمد (6 / 139، 222) وأبو يعلى (4597) وغيرهم، وإسناده صحيح لغيره.

    (58) أخرجه البخاري (6490), ومسلم (2963).

    (59) هذه الرواية عند مسلم.

    (60) قال الترمذي (5 / 477 مع تحفة الأحوذي): ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر همًّا مني، أرى دابة خيرًا من دابتي وثوبًا خيرًا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت.

    قلت: وصدق عونٌ فيما ذكر، فالشخص يرتدي ثوبًا مثلاً بخمسة عشر ريالاً، ثوبًا جديدًا ونظيفًا ولكنه يجالس أقوامًا يرتدي أحدهم ثوبًا بمائة ريالٍ؛ فيزدري ثوبه إلى ثيابهم ويحتقر ثوبه أمام أثوابهم، فينسى الشكر وينسى الحمد.

    أما إذا جالس هذا الرجل أقوامًا فقراء ثيابهم بعشرة ريالات بل ثيابهم مرقعة، ونظر إلى ثوبه استراح قلبه وشكر نعمة الله عليه.

    وكذلك في شأن الدابة، فإذا اشترى شخص سيارة فيات قيمتها عشرة آلاف جنيه وسار في ركاب الأغنياء, وجد الأغنياء يركبون المرسيدس ذات النصف مليون جنيه؛ فازدرى نفسه وازدرى سيارته أمامهم وأمام سياراتهم، ونسي الحمد.

    ولكنه إذا جالس قومًا يمشون على أقدامهم أو يركبون الدرجات علم وشعر وأحس بفضل الله عليه فحمله ذلك على الشكر.

    وهكذا دائمًا فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: ((انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله)).

    (61) أخرجه البخاري ومسلم موقوفًا عَلَى أبي هريرة رضي الله عنه، وقد جاء هذا الخبر مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم.

    فرواه البخاري (5177), ومسلم (1432)، وغيرهما من طريق الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة.

    وجماعة أصحاب الزهري رووه عنه عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفًا.

    أما سفيان فاختلف عليه.

    فرواه مرة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة كرواية الجماعة (على الوقف).

    ورواه مرة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا.

    ورواه مرة عن زياد بن سعد عن ثابت الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا (عند مسلم).

    ورواه مرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفًا.

    فهذه الأوجه من الاختلاف عَلَى سفيان توهن رواية سفيان.

    فالراجح من رواية الزهري أنها عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفًا.

    وقد توبع الأعرج عَلَى هذه الرواية الموقوفة، تابعه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عَلَى الوقف - كما عند مسلم وغيره.

    فالراجح: أن الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا قوله: ((ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)). فلها حكم الرفع.

    هذا، وللحديث طرق أخرى تالفة الأسانيد لا تقوم بها حجة ولا يستأنس بها، والله أعلم.

    (62) أخرجه البخاري (5534), ومسلم (628) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    (63) أخرجه البخاري (3301)، ومسلم (52) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا وفي رواية في البخاري (3498) ومسلم (51) عن أبي مسعود يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ها هنا جاءت الفتن نحو المشرق والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر في ربيعة ومُضر)).

    قلت: والفدادين هم أصحاب الإبل الَّذِينَ تعلوا أصواتهم في إبلهم.

    (64) أخرجه البخاري (2262) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.

    (65) أخرجه الطبري (1 / 76) وابن شبة في ((تاريخ المدينة)) (3 / 822، 823) وانظر ابن كثير في ((التفسير)) (1 / 17).

    (66) أخرجه البخاري (3445) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.

    (67) ثم إن الناس لا يحبون من تعالى عليهم وتكبر.

    (68) ونادرًا مَا تحدث مثل هذه المجالس، فلا تكاد تجد مجلسًا يجلس فيه لواء معه شويش ويتحدثان ويأكلان معًا ويبتسم أحدهما للآخر، لا تكاد تجد مثل هذه المجالسة إلا عند رجل بلغ به الصلاح مداه.

    (69) أخرجه مسلم (2326) من حديث أنس رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: ((يا أم فلان..)) فذكر الحديث.

    (70) أخرجه الترمذي (3 / 647 مع التحفة), وأحمد (3 / 412 - 413), وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (بتحقيقي حديث 357) بإسناد حسن من حديث قدامة بن عبد الله المعافري قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر عَلَى ناقةٍ صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.

    (71) ((المستدرك)) (3 / 288), وقال:صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

    والله لو صاحب المرء جبريل .. لم يَسلَم المرء من قال و قيلا
    قد قيل في الله أقوالاً مصنفهً .. تُتلى إذا رتّل القرآن ترتيلا
    قد قيل أن له ولداً وصاحبهً . . زوراً عليه و بهتاناً وتضليلا
    هذا قولهم في الله خالقهم .. فكيف لو قيل فينا بعض ما قيلا

  • #2
    نسال الله ان يغفر لي ولجميع المسلمين

    îن îëéىهْ نçمùهْ?

    Working...
    X