أما بالنسبة لعالم اللاهوت Eduard Lohse فهو يحدد فى كتابه (نشأة العهد الجديد) الألمانى ص 91 أن تاريخ كتابة إنجيل متى كان عام 90 م ، وقد كُتِبَ فى سورية حيث كان يعيش اليهود والنصارى فى جوار مترابط ، وحيث كان يعيش أيضاً النصارى اليهود وكانت تنموا نصرانية الوثنيين بسرعة كبيرة.
ومن الجدير بالذكر أن متى تلميذ يسوع قد مات عام 62 م. كما يقول لنا كتاب "تاريخ الأمة القبطية" .
كما يحدد فى الصفحة التى سبقتها أن تحليل المصادر التى كانت متوفرة لمتى عند كتابته إنجيله ، وكذلك التكوين اللغوى لكتابه لتدلنا بصورة قاطعة على أن الكاتب ليس من زمرة التلاميذ الإثنى عشر ، ويبدو أن هذا الإسم أُلحِق بهذا الكتاب بناء على وجود اسم العشار به فى 9: 9 وفى 10: 3 ، وذلك حتى يمكن إرجاع نشأته إلى هذا أحد التلاميذ. إلا أنه فى الحقيقة لا يعرف أحد اسم مؤلف الإنجيل المنسوب لمتى ، ويمكننا التخمين من داخل إنجيل متى نفسه أن مؤلفه هو أحد النصارى اليهود ، وهذا ما تستقرأه بسهولة ويسر من أسلوب كتابه وتعمقه فى التقليد اليهودى ، بالإضافة إلى أنه لا يشرح العادات والتقاليد اليهودية ولا يوضحها حيث يعتمد على أن القارىء مُلم بها ويعلمها علم اليقين ، لذلك لم يوضح فى متى 15: 2 لماذا يغسل اليهود أيديهم قبل الأكل ، إذا ما قورنت بمثيلتها عند مرقس 7: 1-4.
يُضاف إلى كل ما قاله عالم اللاهوت هذا وما قاله العلماء من قبله ومن بعده بهذا الصدد: أن كاتب هذا الكتاب شخص غير معلوم الهوية ، ولكنه أحد اليهود ، الذين تنصروا (؟) ، وهذا أمر مشكوك فيه ، بل أكاد أثبت عكسه تماماً من خلال كلمات علماء النصارى ، الذين أكدوا الهدف من كتابة هذا الكتاب ، وهو رفع يسوع إلى مرتبة المسيا ، على الرغم من عدم ادعاء يسوع ذلك ، ورفضه المسيانية أمام تلاميذه وأمام المجمع اليهودى ، بل وأمام بيلاطس نفسه.
هذا ولم يأتِ عيسى عليه السلام بدين جديد بالمرة ، فقد كان يعيش وسط اليهود ، يتبع تعاليم أخيه موسى عليه السلام، ويذكر بتعاليمه ، ويُسأل عن الناموس ، ويجيب من الناموس ، ويوبخ الكتبة والفريسيين بالناموس ، ويصحح أفهامهم عن تعاليم الناموس وموسى والأنبياء ورسالاتهم، ويأمر من شفاهم من البرص بإذن الله أن يتطهروا ويقدموا الذبائح تبعاً لشريعة موسى عليه السلام ، بل كان يعلم الناموس ومراد الله فيه داخل المعبد اليهودى نفسه ، واستمر تلاميذه من بعده على ذلك ، يدرسون الشريعو داخل المعبد ، ويمكننا أن نتذكر محاكمة التلاميذ لبولس داخل المعبد اليهودى بعد عودته من رحلاته التبشيرية ، أى بعد ثلاث سنوات.
ويكفينا أنه هو نفسه وأمه ونبى الله يوحنا المعمدان وأبوه وأمه كانوا تابعين لنفس الناموس ولنفس شريعة موسى عليهم الصلاة والسلام، سواء فى التختين أو فى التعبد أو فى القرابين التى تقدم للمعبد اليهودى بمناسبة تختين الأطفال ، وطبعاً لن ننسى أن نذكر أن أمه تربت فى هذا المعبد ، وعندما أرادوا تزويجها انتقوا لها أحد الرجال اليهود.
ومن كل هذا تعلم أن كاتب الإنجيل ليس من اليهود الذين تنصروا بل من اليهود الضالين عن تعاليم عيسى عليه السلام ، أو من اليهود الذين دخلوا الدين ليضللوا أتباع يسوع ، ويُفسدوا بشارته بملكوت الله ، وليجعلوه هو المسيا بدلاً من محمد عليهما الصلاة والسلام. وهو نفس النهج الذى يتخذه اليهود لتخريب كل دين إن استطاعوا: فقد كان اليهودى مدع الإسلام (؟) عبد الله بن سبأ هو أول من نادى بتأليه على بن أبى طالب ، وأباح على دمه ، فهرب إلى جبال الدروز ، وبدأ من هناك تأسيس الدرزية والشيعة.
وكذلك كان كمال أتاتورك ابن المرأة اليهودية ، ويهود الدونمة التى ينتمى إليهم ، فقد ادعوا اعتناق الإسلام لتخريبه من داخله.
وكذلك كان عبيد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية فى المغرب، فقد ادعى أنه من نسل السيدة فاطمة ، وهى بريئة منه ومن أمثاله ، وكل الخرافات التى دخلت الإسلام جاءت مع هذه الدولة غير الإسلامية ، سواء من التبرك بالأضرحة ، أو بنائها داخل المساجد وفى اتجاه القبلة ، أو لعن الصحابة الكرام ، أو رفع منزلة على لدرجة تعلو منزلة خير الأنام. وقد أثبت الدكتور جمال عبد الهادى أن أصل عبيد الله إما يهودى أو مجوسى، ويميل إلى أنه يهودى وله فى ذلك عدة أدلة لا يعارضها معارض ، ولكن ليس هذا مجاله ، ومن يريد أن يتطلع إلى هذا الموضوع فليقرأ كتابه: القضية الفلسطينية.
وكذلك كان بولس مع دين عيسى عليه السلام ، فبعد أن ادعى أنه رأى يسوع أثناء رحلته إلى دمشق وأنه اعتنق دينه ، غير دينه وضلل الناس ، وأدانه التلاميذ على ذلك وكفروا معتقداته ، وأمروه بالإستتابة: (17وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. 18وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايِخِ. 19فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئاً فَشَيْئاً بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللهُ بَيْنَ الْأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ. 20فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ الرَّبَّ. وَقَالُوا لَهُ: «أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ جَمِيعاً غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ. 21وَقَدْ أُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ تُعَلِّمُ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَيْنَ الْأُمَمِ الاِرْتِدَادَ عَنْ مُوسَى قَائِلاً أَنْ لاَ يَخْتِنُوا أَوْلاَدَهُمْ وَلاَ يَسْلُكُوا حَسَبَ الْعَوَائِدِ. 22فَإِذاً مَاذَا يَكُونُ؟ لاَ بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجُمْهُورُ لأَنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ أَنَّكَ قَدْ جِئْتَ. 23فَافْعَلْ هَذَا الَّذِي نَقُولُ لَكَ: عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ نَذْرٌ. 24خُذْ هَؤُلاَءِ وَتَطهَّرْ مَعَهُمْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ لِيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ فَيَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا أُخْبِرُوا عَنْكَ بَلْ تَسْلُكُ أَنْتَ أَيْضاً حَافِظاً لِلنَّامُوسِ. 25وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْأُمَمِ فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لاَ يَحْفَظُوا شَيْئاً مِثْلَ ذَلِكَ سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَمِنَ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا». 26حِينَئِذٍ أَخَذَ بُولُسُ الرِّجَالَ فِي الْغَدِ وَتَطَهَّرَ مَعَهُمْ وَدَخَلَ الْهَيْكَلَ مُخْبِراً بِكَمَالِ أَيَّامِ التَّطْهِيرِ إِلَى أَنْ يُقَرَّبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقُرْبَانُ 27وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ 28صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ أَعِينُوا! هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدّاً لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هَذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ». 29لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ. 30فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ. 31وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ 32فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَراً وَقُوَّادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأُوا الأَمِيرَ وَالْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ.)أعمال الرسل 21: 17-32
وهذا ما فعلته أيضاً الحكومة الإسبانية بعد ضعف المسلمين وأرادت تنصير 8 مليون مسلم بها ، فقبضوا على المفتى المسلم هناك ، ولا يُعرف مصيره حتى الآن ، وادعوا أنه أثناء سيره ظهر له يسوع وقال له ، لماذا تضطهدنى ، ودعاه إلى اتباعه فلبى الدعوة ، ولم تخل هذه اللعبة على المسلمين ، الأمر الذى اضطر الحكومة فيما بعد إلى استعمال العنف فى رد المسلمين عن دينهم رداً خبيثاً.
عودة مرة أخرى إلى أصل الإنجيل المنسوب لمتى وتاريخ كتابته: يقول الأستذ هريدى فى مقاله: (متى والإنجيل المنسوب إليه):
(يؤكد الأب "جيروم " أن متى الحقيقي كتب إنجيله سنة 41 م، ويوافقه على ذلك صاحب ذخيرة الألباب إذ يقول: "إن القديس متى كتب إنجيله سنة 41 للمسيح باللغة المتعارف عليها يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أو الآرامية أو السيروكلدانية. وما عتم هذا الإنجيل أن ترجم إلى اليونانية، ثم تغلب استعمال الترجمة على الأصل الذي لعبت به أيدىِ النساخ. ومسخته بحيث أضحى ذلك الإنجيل خاملا بل فقيداً".
كما يوافقهما على ذلك تقريباً "جرجس زويق الفتوحي اللبناني " في كتابه المطبوع سنة 1378 م في المطبعة اليسوعية ببيروت والمترجم عن الفرنسية إلى العربية إذ يقول: "إن متى كتب بشارته في أورشليم سنة 39 للمسيح... بالعبرانية. لكن هذه النسخة قد فقدت، وبعد فقدها ظهرت لها ترجمة باليونانية ولا يعرف من الذي ترجمها".
ويجمع كثير من النقاد الغربيين في عصرنا الحاضر بأنه لا يمكن أن تكون الترجمة التي بين أيدينا اليوم والمسماة "إنجيل متى" هي ترجمة إنجيل "متى التلميذ الحقيقي للمسيح " كما مر معنا. لذا نجدهم في الترجمات الأجنبية يكونون حذرين فلا يقولون (إنجيل متى) بل يقولون (الإنجيل حسب ما دونه متى)!! أي (الذي يقال إن مؤلفه متى ونحن لا نشهد بذلك ). وحيث إن شكهم هذا ينسحب على بقية الأناجيل لذا يرددون الكلام نفسه عن الأناجيل الأخرى كما يظهر لك في الصورة التالية والنقاد يعزون ذلك إلى أسباب عديدة منها:
أولأ:
(أ) أن الذين كتبوا هذه الترجمة اليونانية سواء أكانوا فرداً أو جماعة وروجوا لها بأنها ترجمة لإنجيل متى الأصلي، لم يدر بخلدهم أنه يوماً ما سينشأ فن اسمه فن النقد، وأنه سيتناول بالنقد جميع الكتب حتى لو كانت مقدسة ليكشف زيفهم بأن هذا الإنجيل ليس أبداً إنجيل متى التلميذ، ولا حتى يرقى لأن يكون ترجمة له. لذا فالنقاد المعاصرون والقدامى ينكرون بشدة أن يكون مؤلف هذا الإنجيل هو متى الحقيقي ويقولون: "إنه لا يوجد عالم أو ناقد نزيه مستقل يقنع بصحة هذا الرأي... ولنقل صراحة إنه لم يعد مقبولاً اليوم أنه أحد حواريي المسيح ".
ويعزو موريس بوكاي سبب ذلك إلى أسلوب هذا الكاتب الرفيع وإلى اقتباساته الكثيرة من التوراة، إلى جانب خياله الواسع الذي يكشف عن شخصيته بأنه يهودي على درجة عالية من الثقافة والتعليم، ويضيف: ( إن الكاتب معروف بتبحره في الكتب المقدسة والتراث اليهودي... كما أنه أستاذ في فن التدريس... وتلك صورة بعيدة كل البعد عن صورة متى الموظف البيروقراطي بكفر ناحوم " أي باختصار، أن متى التلميذ وإنجيله شيء، وهذا الإنجيل المزعوم- الذي بين أيدينا ومؤلفه شيء اَخر.
(ب) ويوافقه على ذلك بل على أن جميع الأناجيل لم يكتبها أحد من التلاميذ الأسقف بنجامين كلداني الذي اعتنق الإسلام وخلع رداء الكهنوت وتسمى بعبد الأحد داود، والذي يقول متهكماً على زعم الكنيسة بأن التلاميذ هم الذين كتبوا هذه الأناجيل "لماذا لم يكتب هؤلاء الرسل اليهود الإنجيليون بلغتهم الخاصة بل كتبوا جميعأ باليونانية؟! وأين تعلم الصياد شمعون كيفا (سمعان بطرس) ويوحنان (يوحنا) وجيمس (يعقوب) والجابي ميثاي (متى) أين تعلم هؤلاء اللغة اليونانية من أجل كتابة سلسلة من الكتب المقدسة"!!.
(ج) "كما ينكر" ول ديورانت المؤرخ الشهير "نسبة هذه الترجمة إلى متى التلميذ الحواري ويرى أنها من تأليف غيره وقد نسبها إلى متى التلميذ لتقع من الناس موقع الاطمئنان والقبول ". ومما يؤكد ذلك أنه لا المصادر المسيحية ولا الكنيسة تعرف اسم هذا المترجم حتى يومنا هذا. ونحن نستغرب كيف يكون هذا الكتاب المترجم كتابأ مقدسأ يعتمد عليه في أصول الدين بينما مترجمه مجهول، وتاريخ تدوينه مجهول ونسخته الاْصلية باللغة التي كتب فيها مفقودة حتى اليوم. "إن ضياع أو اختفاء شخصية الكاتب وسنة التدوين يسقطان حرمة الكتاب في نظر العلم المحايد من درجة الكتب المقدسة إلى كتاب عادي فقط لا يحترمه واحد من محضري رسالة الماجستير في أي مادة علمية تحترم أصول البحث وقيمة المراجع العلمية... ".
وهنا يتساءل الباحث متى يكون لكتاب الدين حرمة ككتاب مقدس من عند الله؟؟ أإذا نزل من عند الله بطريق الوحي المعصوم يحمله نبي معروف نسبه ونقل للأجيال بطريق متواتر صحيح؟ أم الكتاب الذي يطلبه بعض من الناس فيكتب لهم من الفكر البشري العادي؟ وإذا كتبه واحد من الأتباع أو التلاميذ أو الأصحاب فهل يسمى في العرف العلمي أو التاريخي كتاباً مقدساً له حرمة الكتاب السماوي الذي جاء من عند الله!!؟ أم الأجدر به أن يسمى كتاب تراجم أو قصة حياة؟ ذلك أمر جدير بالبحث والاستقصاء عند الباحثين المنصفين. ...
ثانياً:
يزيد موريس بوكاي الطعن في تعليقه على ترجمة إنجيل متَى الحالية فيقول: "معلقوا الترجمة المسكونية يقولون عن الترجمة الحالية (المزعومة) لإنجيل متى أنها كتبت بسوريا وربما بأنطاكيا أو فينيقيا" وأن الكاتب يخاطب أناساً "وإن كانوا يتحدثون اليونانية فإنهم يعرفون العادات اليهودية واللغة الآرامية" إذ أن هذه المناطق قد وقعت تحت الحكم اليوناني وكان يعيش فيها عدد كبير من اليهود المعروفين "بيهود الشتات " والذين انفصلوا عن اليهود المسيحيين (المؤمنين بالله الواحد) في بيت المقدس وتبعوا شاؤول وكنيسته. والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن هنا هي:
(أ) أين الإنجيل الذي كتبه متَّى التلميذ أو (لاوي بن حلفي) سنة 39- 41، بالعبرانية، للمؤمنين في بيت المقدس (كما يقول جيروم، وابيجان، وأوريجن وبابياس) من هذه الترجمة المزعومة التي كتبها مجهول باليونانية ليهود الشتات (الشاؤوليين) المقيمين فى أنطاكيا أو فينيقيا بسوريا، كما يقول بوكاي؟!!.
(ب) من هم الذين أخفوا إنجيل متَّى الحقيقي أو إنجيل (لاوي بن حلفي) وما هي مصلحتهم في إبراز هذه الترجمة المزعومة بدلاً منه والتي كتبت كما يقول النقاد بين سنة 75- 80 م في الوقت الذي مات فيه متى التلميذ الحقيقي سنة 62 م!! كما يبقى من حق جميع النصارى الذين يبحثون عن الحقيقة وعن الإيمان الصحيح أن يتوجهوا إلى كنائسهم وأساقفتهم وباباواتهم لكي يخرجوا لهم إنجيل متَى الحقيقي من سراديب الكنيسة، ذلك الإنجيل المكتوب بالعبرانية إذا كان الفاتيكان حقاً يحتفظ بالاْصل الرسولي لهذه الأناجيل كما قال في وثيقته. أو على الأقل أن يدلهم على هوية كاتب هذه النسخة المزعومة التي بين أيدينا اليوم الذي ادعوا أنه متَى الحواري بينما في الحقيقة ليس هو بمتى. ثم لماذا انتحل اسمه وإنجيله!؟. وبعدها يحق لهم بالتالي أن يسألوا كنائسهم عن مدى صدق الروايات والأحاديث التي وردت في هذا الإنجيل المزعوم (ومعه بقية الأناجيل الأخرى) وعن سبب استبدال اسم "اللّه " العظيم باسم الأب، واسم عيسى بالابن. علمأ بأن الاسم الأول دخل الأناجيل حسب "ثيودور زاهن " سنة 185- 210 كما مر معنا أي بعد فترة طويلة من الانتهاء من كتابة الأناجيل، والثاني دخل المسيحية مع شاؤول بعد أن رفع الله المسيح. ولم يكن المسيح يستعمل أيًّا منهما طيلة حياته لا هو ولا حتى أحد من تلاميذه!؟.
وكذا يكون من حقهم أن يسألوا كنائسهم عن التحريف والمبالغات والتهويل والخرافات والنبوءات الكاذبة والمستحيلات والتناقضات والوثنية كيف دخلت في هذه الأناجيِل، في الوقت الذي فيه المسيح بريء من كل ذلك إ!. وكذا بإمكانهم أن يسألوهم كيف تحول اسم عيسى ابن مريم البتول إلى ابن النجار وابن داود وابن الإنسان وملك اليهود والنبي المنتظر، وحمل اللّه، ومختار اللّه… ثم اللّه نفسه وأيهم عيسى ابن مريم الحقيقي فيهم؟.
ثالثأ:
من الثابت والمعروف لدى النقاد جميعاً أن إنجيل مرقص هو أول ما كتب من الأناجيل الأربعة وأنه في المخطوطات الأصلية حوى 661 عدداً ولكن من المعروف والثابت لديهم أيضأ أن إنجيل متَّى المزور الحالي قد حوى 631 عدداً من مجموع أعداد مرقص الأصلية أي أكثر من 95% لذلك يسمي النقاد هذا الإنجيل "بإنجيل مرقص الموسع " كما أسلفنا. ويؤكد كولمان هذا بقوله: "مهما كانت هوية الكاتب فإنه من الملاحظ أنه استخدم بشكل موسع إنجيل مرقص الذي لم يكن أحد حواريي المسيح ".
ولكن المنطق يقول إن متى التلميذ الذي لازم المسيح منذ بداية دعوته لا يعقل أن يعتمد على إنجيل مرقص الذي لم يكن تلميذاً للمسيح. أو بعبارة أخرى، كيف يمكن أن يعتمد شاهد العيان (متَّى التلميذ) على من لم يكن شاهد عيان (أي مرقص)!؟ وهدْا يؤكد للنقاد اليوم أن كاتب إنجيل متَّى الحالي لا يمكن أن يكون متَّى التلميذ، وأنه كاتب مزور وإنجيله مزور و لا علاقة له "بمتَّى الحقيقي (أو لاوي بن حلفي) " وأنه ما كتب إلا لغرض في نفس يعقوب وهذا ينقض ادعاء الفاتيكان في أن كتبة الأناجيل هم الرسل، وأن هذه الأناجيل هي كتب مقدسة.
وفي هذا الصدد يقول أحمد ديدات: "فإذا لم ينسب هذا الكتاب إلى الحواري متَّى فكيف نقبله ككلام اللّه؟! ونحن لسنا الأوائل في اكتشاف هذه الحقيقة وهي أن متى- المزعوم- لم يكتب الإنجيل كما دونه "متى الحقيقي " بل كتب بأيد مجهولة. فالسيد ج. ب فيلبس وهو أستاذ في علم اللاهوت بالكنيسة الإنجيلية يتفق معنا في اكتشافنا هذا. وليس لدى السيد فيلبس أىِ دافع للكذب فهو يمثل الرأي الرسمي للكنيسة إذ يقول: "نسب التراث القديم هذه البشارة (الإنجيل) إلى الحواري متى ولكن معظم علماء اليوم يرفضون هذا الرأي، أي بمعنى آخر أن القديس متى لم يكتب البشارة التي تحمل اسمه. وهذا الاكتشاف لعلماء نصارى لا لعلماء هندوس أو مسلمين أو يهود حتى يتهموا بالتحيز"…
وعن السرقة بالجملة من إنجيل مرقص يقول نفس الكاتب: "ولكن ماذا عما قيل في موضوع الإلهام والوحي؟! لندع القسيس نفسه الذي تدفع له الكنيسة مرتباً شهرياً والذي لديه المراجع والمخطوطات الإغريقية الأصلية يقول لكم الحقيقة، ولاحظوا طريقته الرقيقة في فضح نفسه والكنيسة "لقد استغل متى- المزور- بشارة مرقص استغلالأ كبيرأ" وبلغة أستاذ المدرسة اليوم أنه كان يغش- أي يسرق- المعلومات بالجملة من بشارة مرقص. ولكن النصارى يسمون هذه السرقة بالجملة وحي اللّه- في الوقت الذي نهى فيه الله عن السرقة حسب الوصايا العشر- ألا تتساءلون كيف يقوم شاهد عيان مثل متى وهو أحد حواريي المسيح بسرقة معلومات من المفروض أنه شاهدها بعينه كما يدعون، من كتاب مرقص الذي كان لا يزال في العاشرة من عمره حين كان عيسى يدعو بني إسرائيل!؟ إن الحواري متَّى لم يفعل هذه الحماقات. فهذه أكاذيب ألصقها به أشخاص مجهولون مدعين أنه هو الذي كتبها.
من مجمل ما تقدم يتضح لنا بإيجاز ما يلي: (مازال الكلام للأستاذ هريدى)
ا- إن إنجيل متَى الأصلي، الذي كتبه متى التلميذ الحقيقي للمسيح كان بالعبرانية أو الَارامية أو السيروكلدانية- وكلها لغات متقاربة- في بيت المقدس- لليهود/ المسيحيين الذين آمنوا بعيسى، وبإله عيسى الواحد وذلك سنة 39- 41 وأن ذلك الإنجيل قد اختفى نهائيأ وما زال مخفياً حتى يومنا هذا باعتراف أكابر العلماء والَاباء والنقاد الغربيين.
2- بعد اختفاء إنجيل متَى الأصلي ظهرت مكانه رأساً ما سمي(بالترجمة اليونانية) له منتحلة نفس الاسم وحلت محله وهي موجهة لليهود الشاؤوليين في أنطاكية وما حولها وليس لليهود العبرانيين في بيت المقدس. وهذه النسخة ترجمت فيما بعد إلى لغات عدة، وروج لها بأنها إنجيل متى وفي الحقيقة ما هي بإنجيل متى ولا حتى ترجمة له حسب ما تقدم.
3- المترجم- سواء أكان فرداً أم جماعة. ما زال مجهولاً حتى اليوم لدى جميع الكنائس والعلماء والنقاد ولا أحد يعرف عنه شيئاً.
4- لذا فمن الطبيعي أن يشك المرء فيه وفي ترجمته بل يحق له أن يرفضهما إذ لا أحد يعرف ما إذا كان متمكناً من اللغة التي ترجم منها (العبرانية) والتي ترجم إليها (اليونانية) أم لا؟ كما أن أحداً لا يستطيع أن يجزم ما إذا كانت هذه الترجمة طبق الأصل أم لا؟ وهل ترجم إنجيل متى الأصلي كله أم حذف منه أشياء أو أضاف إليه أشياء تتفق مع معتقداته أو معتقدات طائفته أو كنيسته وذلك بسبب اختفاء الأصل. كل هذه المجهولات، بالإضافة إلى السرقات الأدبية والتحريف المتعمد الذي سنراه. في هذا الإنجيل المزعوم تترك لدينا شكوكاً قوية وثغرات كبيرة يصعب ملأها مما يجعل من المستحيل أن تنطبق على هذه الترجمة التي بين أيدينا اليوم "مواصفات كتاب مقدس " كما تدعي الكنيسة، وذلك للأسباب المذكورة اَنفاً والتي أهمها جهلنا التام بالمترجم وكل ما يتعلق به من جهة، ولغياب الأصل العبراني الذي ترجمت عنه من جهة أخرى إذ أصبحت المقارنة بين الترجمة والأصل مستحيلة!!.
وعندما توجد مثل هذه المجهولات، والحقائق الغائبة، والسرقات الأدبية والتحريف تقل قيمة أي كتاب في العالم- مهما كان موضوعه- إن لم تنعدم نهائياً. فهل يعرف الآن نصارى اليوم حقيقة ما يسمى بإنجيل متى الذي يقرأونه بالرغم مما توليه الكنائس من أهمية كبيرة لهذا الكتاب المترجم واعتباره عنوة أحد مصادر المسيحية!!؟ ألا يثير هذا سؤالاً لديهم كيف تعتبره كنائسهم مقدساً وترجع إليه في أصول دينهم وهي لا تعرف أين الأصل الصحيح لهذا الإنجيل المزعوم الذي تهمته الأولى أنه برز إلى عالم الوجود بعد اختفاء الأصل الصحيح من إنسان مجهول الاسم مجهول الهوية مجهول التاريخ وإن يكن غير مجهول الغرض. الأمر الذي يشير بأصابع الاتهام إلى الكنيسة الشاؤولية القديمة!! إن لم يكن شاؤول نفسه هو كاتب هذا الإنجيل.
فقد جاء في دائرة المعارف الفرنسية، الجزء الخامس صفحة (117): "إن كتب العهد الجديد من عمل بولس أو عمل أتباعه وليست الأسماء الموضوعة عليها إلا أسماء مستعارة!! ثم إن من يسرق 631 عدداً من أصل 661 عدد من أي كتاب حسب شهادة النقاد الغربيين وينسبها إلى نفسه بعد أن يحرف بعضها حسب أهوائه ومعتقداته- كما سنرى- لا يسمى مقتبساً، ولا مؤلفاً، ولا مترجماً ولا كاتب وحي كما تزعم الكنيسة إنما يسمى لصاً وسارق نصوص أدبية. ولو كان مؤلف هذا الإنجيل المزعوم حياً بين ظهرانينا لحكمت عليه محاكم اليوم بالسجن أو الغرامة لسرقته. أو بالاثنين معاً، ولأمرت بسحب كتابه ومنعت تداوله في الأسواق لأن اليوم يختلف عن الأمس إذ أن حقوق التأليف والطبع محفوظة. ولو كان مرقص حياً بين ظهرانينا اليوم، ورفع مثل هذه الدعوى لكسبها 100%. ) إلى هنا انتهى كلام الأستاذ هريدى.
إلى هنا نكون قد انتهينا من التعريف بمتى وكتابه وأهدافه وتاريخ كتابته ولغته، ونكون قد قمنا بالتعليق الكافى على كلام دائرة المعارف الكتابية. ويبقى كلمة أسر بها فى أذن أحبابى النصارى:
من حقك أن تشكك فى كل ما كتبت أنا ، ولكن ابحث عن الدليل لتكذيب علماء النصارى ، وكتب الكنيسة سواء الشرقية أم الغربية ، ثم تساءل: لماذا صرح قسطنطين الوثنى فى مجمع نيقية بهذه الكتب التى لا يُعلم مؤلفيها على وجه التحديد وترك كتباً أخرى تنسب لتلاميذ آخرين ، بل اعتبروا إنجيل مريم وإنجيل يوسف النجار وإنجيل الطفولة الذى يُنسب لمتى الحوارى وآداب الصلاة الذى ينسب لمتى الحوارى أيضاً وإنجيل طفولة المسيح الذى يُنسب لمرقس الحوارى وإنجيل المصريين الذى يُنسب لمرقس الحوارى والإنجيل الثانى ليوحنا الحوارى وأيضاً إنجيل الإثنى عشر رسولا من الأناجيل الأبوكريفا؟
واجعل لك معياراً واحداً تلتزمه فى الحكم ، فما تطبقه على متى طبقه على الأناجيل الأخرى أيضاً ، وما تقبله فى دينك وتعتبره من وحى الله ، لا ترفضه فى الإسلام لو وجدته!
ثم لم يبقى لنا إلا تحليل وشرح كلام متى نفسه ، وسأعتمد فى الشرح على ما قام به أخى هريدى ( 1 ) ، وإضافة ما يلزم عليه ، حتى لا يضيع مجهوده هباء ، وحتى لا نكرر ما قاله دون داع ، ولتوفير الوقت ـ إن لزم الأمر ـ لبحث آخر.
وسوف أبدأ بمقدمة أعرف فيها ما هو ملكوت الله ، وهل المسيانية تنطبق على يسوع أم على محمد عليهما الصلاة والسلام ، ثم بتوضيح بعض الألفاظ مثل الفريسيين ، طبقة الكهنة ، واللاويين ، وغيرها مما يحتاجه قارىء الإنجيل ليتعايش مع الأحداث كأنه يراها
==================================
(1) يقصد بـ " الأخ هريدي " الداعية / أحمد بحيري، والذي يكتب في منتديات هريدي بهذا الاسم. (Hady_999)
.


رد مع اقتباس


المفضلات