-
الإصحاح السادس بعد المائة
نظرة الإسلام للحياة الزوجية والتبتل:
لم تعد المرأة فى ظل الإسلام كما كانت عند الآخرين دنساً يجب التنزه عنه ، ولكن تسامى الإسلام بالمرأة إلى علياء السمو ، وجعل الزواج من نعمه سبحانه على عباده. فقد مدح الله فى كتابه الرسل السابقين لأنهم تزوجوا ، فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد 38
ومدح عز وجل أولياءه بأنهم يسألونه ذلك فى دعائهم ، فقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) الفرقان 74-77
كما نهى عن الرهبانية والتبتل: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد 27
وقال رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا فإنى مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى). أخرجه البيهقى
ولقد أنصف بمنعه الرهبانية المرأة والرجل وحقَّقَ الفطرة الإنسانية باعتباره دين الواقعية ودين الفطرة.
واعتبر الزواج من أُسس الحياة الهنيئة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم 21
ولم ير عيباً فى الزواج ، وجماع الرجل لزوجته ، بل علم المسلمين الطريقة المثلى للجماع ، فلا يقع الرجل على زوجته مثل الحيوانات ، ويستمتع هو دونها ، فأمر الرجل المسلم أن يُقدِّم لنفسه ويُهيِّىء زوجته ونفسه لهذا ، بل وأثاب عليه: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) البقرة 223
فببزوغ فجر الإسلام تبددت الأوهام التى كانت تعد الرابطة الزوجية دناءة بهيمية ، ولم يقف الإسلام على ذلك ، بل تسامى بتلك الرابطة فوق طابع الشهوة إلى ممارسة سامية عالية ، فقد أرشد النبى صلى الله عليه وسلم الزوجين إلى استصحاب التسمية ، وحضَّ على ذلك لما فيها من الخير الكثير: عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتى أهله قال: "بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا" ، فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك اليوم ، لم يضره الشيطان أبداً). متفق عليه
وعن أبى سعيد رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ، ونظرت إليه ، نظر الله تعالى إليهما نظرة رحمة ، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما"). صحَّحه السيوطى
وجعل الله على المرأة واجبات كما أعطاها حقوقاً ، وفرض على الرجل واجبات ، مثل ما فرض عليه من حقوق ، لو أخذ كل منهما واجباته ، وقام بها ، وأعطى الآخر حقوقه ، لاستقام أمر الحياة الزوجية والمجتمع.
لقد حثَّ الله سبحانه وتعالى على التعاون على البر والتقوى ، حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك أيضاً بالبحث عن الزوجة الصالحة ، واعتبرها نصف الدين: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله فى الشطر الثانى) رواه الحاكم وصححه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أربع من السعادة: المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح ، والمركب الهنىء ، وأربع من الشقاء: الجار السوء ، والمرأة السوء ، والمركب السوء ، والمسكن الضيق).
فاعتبر الإسلام الزوجة الصالحة ربع سعادة الإنسان أو ربع شقائه.
الإصحاح السابع بعد المائة
دناسة الحياة الزوجية والدعوة للتبتل:
يقول ديشنر صفحة 158: (إن سبب انتشار العزوبة والتبتل فى المسيحية العقيدة التى شاعت فى العالم القديم والتى تُنادى بأن العلاقات الجنسية والعبادة لا يجتمعان ؛ وأن دناسة الحياة الزوجية وقداسة الأعمال الدينية لا يمكن اتحادهما بحال من الأحوال. وهكذا تمَّ تبرير هذه الأفكار المستوحاة من الوثنية عن طريق العهد القديم ، الذى حرَّمَ كل ما ينتمى للجنس ، وهذا وهم طقسى لا يعرف عنه العهد الجديد شيئاً. ومع ذلك كانت تُطالب الكنيسة فى الشرق ـ التى كانت تُقيم قداساً أيام الأحد والأربعاء والجمعة ـ قساوستها بالزهد [فى جماع زوجاتهم] ، أما فى الغرب فقد تجنب القساوسة زوجاتهم أيام إقامة القداس فى بادىء الأمر فى روما ، والذى كان يُقام كل يوم ، ثم وصل الأمر إلى الإمتناع عن إتيان زوجاتهم كليةً. وكانوا يفعلون ذلك حتى تصبح صورتهم عند الشعب كالمؤمنين الأطهار ، مثل معبود يُشبه صورة الأب أو القائد.)
يقول الدكتور على عبد الواحد وافى: (ففى القرن الثانى قبل الميلاد ظهر عند اليهود اتجاهات (للعزوبة والتبتل) يحمل لواءها جماعة الإسنيين. فقد كان أهم مبادىء هذه الفرقة ، حسب ما يحدثنا به المؤرخ الشهير يوسفوس "الرغبة عن جميع متع الجسم ، والنظر إليها على أنها شرور ، واعتبار التبتل والبعد عن النساء من أمهات الفضائل ، ومن ثمَّ حرموا على أنفسهم الزواج.)
(ولم يكن لهذه المبادىء الإسنية أثر كبير فى الديانة اليهودية نفسها ، ولم تُطبَّق إلا فى نطاق جماعة الإسنيين وحدهم وفى مواطن منعزلة عن الناس ، فإنها تركت آثاراً ذات بال فى الديانة المسيحية التى جاءت بعد ذلك.) (المرجع السابق 36)
فقد ساد فى المسيحية الاعتقاد بأن العزوبة أمثل من الزواج ، وأن الحصور أدنى إلى الله ممن يقرب النساء. وفى هذا يقول بولس:
(38إِذاً مَنْ زَوَّجَ فَحَسَناً يَفْعَلُ وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ.) كورنثوس الأولى 7: 38
(1وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً. 2وَلَكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا) كورنثوس الأولى 7: 1-2
(8وَلَكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا. 9وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ فَلْيَتَزَوَّجُوا لأَنَّ التَّزَوُّجَ أَصْلَحُ مِنَ التَّحَرُّقِ.) كورنثوس الأولى 7: 8-9
ويُعلِّق القديس ترتوليان على هذه الفقرة الأخيرة (كورنثوس الأولى 7: 8-9) فيقول: إن الأفضل من حالتين لا يلزم أن يكون خيراً فى ذاته ، فلإن يفقد الإنسان عيناً واحدة أفضل من أن يفقد كلتا عينيه. ولكن فقد عين واحدة ليس من الخير فى شىء. فكذلك الزواج: فهو لمن يقو على العفة أفضل من أن يُحرَق بنار جهنم. ولكن الخير أن يتقى الإنسان الأمرين معاً: فلا يتزوج ؛ ولا يُعرِّض نفسه لعذاب النار. وإن قصارى ما يحققه الزواج أنه يعصم الفرد من الخطيئة ، على حين أن التبتل يروض المرء على أعمال القديسين ويذلل له السبيل إلى منزلة الإشراق ، ويُتيح له أن يأتى بالمعجزات. فجسم المسيح نفسه قد جاء من بتول عذراء.)
(والقديس يوحنا المعمدان والرسول بطرس وجميع إخوانه الحواريين ، الذين سجلت أسماؤهم فى سفر الخلود آثروا التبتل وحثُّوا الناس عليه.)
(وقد استطاعت مريم البتول أخت موسى أن تعبر البحر هى وجميع من كن يسرن خلفها من النساء فانشق لهن فيه طريق يبس وانتهين إلى الساخل الآخر سالمات.)
(والقديسة البتول تكلا قد ألقى بها الكفار إلى الأسد الجائع فوجمت الأسود أمامها ورقدت تحت قدميها دون أن تمسسها بسوء.)
(قد فتح السيد المسيح للخصيان أبواب السماء لأن حالتهم قد باعدت بينهم وبين الإقتراب من النساء .. .. ولو أن آدم لم يعص ريه لعاش طاهراً حصوراً ولتكاثر النوع الإنسانى بطرق أخرى غير هذه الطرق البهيمية ، ولعمرت الجنة بفصيلة من الطاهرين الخالدين.)
(إلا أن توماس الإكوينى يرى أنه منذ بدء الخليقة قد جعل الله بقاء النوع وانتشاره متوقفين على الاتصال الجنسى ، الذى لم يكن فى بدء الخليقة منطوياً على اللذة الجنسية التى امتزجت به بعد أن هبط آدم من الجنة.)
يؤكد هذا كلام القديس جيروم الذى قال: (لنضرب بالبلطة شجرة الزواج الجافة فإن الله إنما سمح بالزواج فى بداية العالم ، ولكن المسيح ومريم لم يتزوجا وبقيت مريم عذراء.) (حقوق المرأة ص 159)
(وينظر كثير من فقهاء الكنيسة المسيحية إلى هذه الحقائق على أنها من الأمور المسلمة فى الدين بالضرورة ، أى التى لا يجوز إنكارها ولا الشك فيها ، حتى إن مجمع مديولاننس المسيحى قد حكم فى أواخر القرن الرابع الميلادى على الراهب جوفينيان بالطرد من الكنيسة لأنه عارض المبدأ المسيحى الذى يقرر أن التبتل خير من الزواج.)
(وينظر هؤلاء الفقهاء كذلك إلى الزواج على أنه مجرد ضرورة لبقاء النوع الإنسانى ولصيانة الفرد من الفاحشة. ومن ثم لا ينبغى فى نظرهم للمسيحى المتزوج أن يُطلِق لنفسه العنان فى إشباع شهواته ، بل أن يفيد من ذلك بقصد واعتدال وفى الحدود التى تحقق الذرية والنسل ظر الحصاد بدون أن يلقى فى الأرض بذوراً أخرى.)
(وقد ذهبت فرقة المارسينيين (وهى فرقة مسيحية اعتنقت مذهب مرسيون) إلى ما هو أبعد من ذلك ، فحرمت الزواج تحريماً باتاً على جميع أفراد نحلتها ، كما فعلت فرقة الإسنيين من اليهود ، وأوجبت على كل متزوج يرغب فى اعتناق مذهبها من الذكور والإناث أن يفترق عن زوجه ، وبدون ذلك لا يمكن قبوله ولا تعميده.) (نقلاً عن قصة الزواج والعزوبة فى العالم ص 35-39)
هذا على الرغم من تعاليم عيسى عليه السلام المشدَّدة بتجنب الزنا ، ومن البديهى أنه لا يمكن للإنسان أن يحصن نفسه إلا بالزواج ، ولا يمكن أن يتجنب الزنا إلا بالزواج ، وقد رأينا ذلك فى تصرفات كبار رجال الدين من الرهبان والقساوسة والأساقفة ، بل والباباوات أنفسهم. وكذلك منع الطلاق (على حد قول متى) ، ومعنى ذلك أنه أمر باستمرار الحياة الزوجية ، وأن يحتفظ الإنسان بإمرأته ويحاول إسعادها هى وأولادهم والعيش معهم فى سعادة ، وإلا لما استمرت الحياة الزوجية: (27«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. 28وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. 29فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. 30وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. 31«وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ 32وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.) متى 5: 27-32
كذلك أمر أن تحتشم المرأة فى لباسها لئلا يؤدى ذلك إلى كوارث قلع العين وقطع اليد وتدمير الحياة الإقتصادية فى البلد.
الإصحاح الثامن بعد المائة
عيسى عليه السلام والعزوبة:
يقول ديشنر فى كتابه ص 61 تحت عنوان (لم يتكلم عيسى عن العزوبية): هناك نص غريب فى الكتاب المقدس يقول: (12لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ».) [متى 19: 12] ولا يوجد هذا النص الغريب الذى دفع النصارى إلى إخصاء أنفسهم إلا عند متى ، ولا يعرف عنه باقى متبة الأناجيل شيئاً. وربما وضعها متى من عند نفسه وأضافها إلى كتابه ، ولم يكن النص معروفاً كذلك فى عصر بولس ، وإلا لكان تجاهل بولس قذف النساء والزواج ، كما فعل فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس الفصل السابع ، حيث أكد أن الرب لم يذكر شيئاً عن العذارى. [25وَأَمَّا الْعَذَارَى فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ وَلَكِنَّنِي أُعْطِي رَأْياً كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِيناً. 26فَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا حَسَنٌ لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِرِ. أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا: (كورنثوس الأولى 7: 25-26)]
ويقول ديشنر فى كتابه ص 62: (ومن العجيب أن عيسى [عليه السلام] لم يتكلم عن العُذَّاب أو غير المتزوجين ، ولم يتكلم إلا عن المختونين ، أى المُأهلين للزواج وليسوا أخصَّاء.) كما كان أخوة يسوع الذين انضموا فيما بعد للجماعة متزوجين ، وكذلك كان تلاميذه الأكبر سناً. بل إن بعضهم اصطحب زوجته معه فى الرحلات التبشيرية ، وكان بطرس أحدهم ، وبذلك يكون يسوع قد محى كل ما هو من شأنه الإساءة للمرأة أو للزواج.)
بل إن كل زوبعة تُثار حول الزواج فهى من المخالفات الغريبة على دين يسوع ، والتى أدخلها بولس وحده إلى المسيحية ، والتى كانت بدورها سبباً فى تلويث سمعة النصرانية وتاريخها على مر العصور. ويتضح هذا من تعاليم عيسى عليه السلام التى تنادى بـن الزواج يجعل الرجل وزوجته جسداً واحداً. (مستنداً إلى ديشنر ص 62)
الإصحاح التاسع بعد المائة
لماذا لم يتزوج عيسى؟:
كان عيسى عليه السلام أول مولود من أمه ، فهو إذن أول فاتح رحم (أول بكر) ، وأول بكر يكون منذوراً لله: (22وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ 23كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوساً لِلرَّبِّ.) لوقا 2: 22-23
والمنفرز لعبادة الرب: (1وَأَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى: 2«قُل لِبَنِي إِسْرَائِيل: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ 3فَعَنِ الخَمْرِ وَالمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ وَلا يَشْرَبْ خَل الخَمْرِ وَلا خَل المُسْكِرِ وَلا يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ العِنَبِ وَلا يَأْكُل عِنَباً رَطْباً وَلا يَابِساً. 4كُل أَيَّامِ نَذْرِهِ لا يَأْكُل مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الخَمْرِ مِنَ العَجَمِ حَتَّى القِشْرِ. 5كُل أَيَّامِ نَذْرِ افْتِرَازِهِ لا يَمُرُّ مُوسَى عَلى رَأْسِهِ. إِلى كَمَالِ الأَيَّامِ التِي انْتَذَرَ فِيهَا لِلرَّبِّ يَكُونُ مُقَدَّساً وَيُرَبِّي خُصَل شَعْرِ رَأْسِهِ. 6كُل أَيَّامِ انْتِذَارِهِ لِلرَّبِّ لا يَأْتِي إِلى جَسَدِ مَيِّتٍ. 7أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَخُوهُ وَأُخْتُهُ لا يَتَنَجَّسْ مِنْ أَجْلِهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ لأَنَّ انْتِذَارَ إِلهِهِ عَلى رَأْسِهِ. 8إِنَّهُ كُل أَيَّامِ انْتِذَارِهِ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ.) عدد 6: 1-8
الإصحاح العاشر بعد المائة
لماذا لم تتزوج مريم؟:
وكيف تقبل امرأة تتزوج بالإله العظيم مالك الملك ، قاصم الجبابرة، أرحم الراحمين، المعطى المانع، المعز المذل، الرافع الخافض، ثم تتركه لتتزوج غيره من البشر؟ فهل غدر بها الإله وتركها؟ أم طلقها ولم يعلن ذلك خوفا على سمعته؟ أم كان البشر أجدر وأظرف من الإله فتركت الإله من أجله؟ وهل خطبت لاثنين أم هذا خطأ من متى أو من لوقا؟ أم أخطأ الكاتبان ولم تتزوج لأنها أول فاتحة رحم؟ فمن المعروف أن أول مولود من أمه (= أول فاتح رحم) فيكون عمره كله منذور لله (1وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: 2«قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي».) خروج 13: 1-2 ، وكذلك لوقا 2: 22-23 ،
فمعنى ذلك أنه ليس من حقها أن تتزوج. فلماذا خُطِبَت؟ ولو كانت مخطوبة ، لاعتبرت بشارة الملاك لها بشارة سعيدة يُنبئها فيها بإتمام زواجها من يوسف ، ولفهمت أن الإنجاب سيكون منه.
وقد ورد في كتاب »بروت إفانجليوم« [أى إنجيل الخبز] ليعقوب الصغير (أصحاحات 3-5) »فرفعت حنة عينيها إلى السماء فرأت عش عصافير في شجرة غار، فتنهدت قائلة: »يا أحاح يا أحاح، من ولدني أح أح.. ومن أُشبِه؟ فلستُ مثل طيور السماء لأن طيور السماء أيضاً هي ذات ثمار أمامك يا رب« .. وإذا بملاك الرب وقف بجانبها قائلاً لها: يا حنة، إن الرب استجاب طلباتك فستحبلين وتلدين ويُذاع صيت نسلك في جميع أنحاء العالم. فقالت حنة: حيٌّ هو الرب إلهي، إذا ولدت ذكراً كان أو أنثى نذرته للرب إلهي وسيخدمه طول أيام حياته .. وتمت أشهرها وولدت حنة في الشهر التاسع.. وأرضعت الطفلة وسمَّتها مريم«.
وفي (الإصحاحات 7 و 11): أن مجلس الكهنة قالوا ليوسف: (.. .. .. .. صار لك حق بواسطة القرعة أن تتخذ عذراء الرب ، فخُذها وديعة عندك.) أى لم يعطوها له زوجة ولم يتزوجها ، بل كانت وديعة عنده.
يؤكد كلامى هذا القديس جيروم الذى قال: (لنضرب بالبلطة شجرة الزواج الجافة فإن الله إنما سمح بالزواج فى بداية العالم ، ولكن المسيح ومريم لم يتزوجا وبقيت مريم عذراء.) (حقوق المرأة ص 159)
الإصحاح الحادى عشر بعد المائة
تعدد الزوجات والخجل من العزوبة:
يقول عالم اللغات القديمة دى بغلى فى كتابه (الأحكام العبرية) نقلا عن (تعدد نساء الأنبياء) اللواء أحمد عبد لوهاب: (أما فى البلاد المتمدنة [الأوروبية] ، المحرم فيها تعدد الزوجات ، فإن الأسباب الداعية إلى تعدد الزوجات موجودة ، ولكن طرق الحصول على قضاء الشهوة عند الضرورة الداعية إليها تختلف عن طرق البلاد غير المتمدنة [بقية العالم] فى الاسم والصفة. فيتخذ بعض الرجال الأخدان سراً وعلانية إذ يقضون شهوتهم مع المومسات والعاهرات. وهما طريقتان مفضلتان عن تعدد الزوجات عند الناس ، إلا أن فيهما الضرر على النساء والأولاد ، فلا يُستحسنان من هذه الوجهة.
إن تعدد الزوجات مباح فى أغلب بلاد المعمورة ما عدا أوروبا، ولكن لا تظن أن تحريمه فى أوروبا قديم جداً، فقد كان مباحاً حتى عهد النصرانية، وأعظم دليل عليه، زواج الملك شارلمان بأكثر من واحدة، وما كان يفعله القسس مدة انتشار تعدد الزوجات فى أوروبا، أنهم كانوا يأمرون الناس المتزوجين بأكثر من واحدة، أن يختاروا لهم من بينهم واحدة يُطلق عليها اسم زوجة، وعلى غيرهن اسم خدن.
ونحن وإن كنا نسلم بأن أحسن زواج يُشرَّع هو الزواج بامرأة واحدة ، وأن أحسن نظام عائلى لا يتأتى إلا إذا اقتصر الزوج على زوجة واحدة ، ولكنا لا نرى فى تعدد الزوجات ما رآه فيه غيرنا من الفظاعة والمغايرة للطبيعة ، وما يصفه بعض بسطاء العقول ، بل نحن على خلافهم نجد فيه كثيراً من الفوائد الحسية والمعنوية ، ونراه أقرب إلى الطبيعة البشرية خصوصاً طبيعة الرجال.
وأقل ما فى تعدد الزوجات من الفوائد الحسيَّة تحسين النسل. وأما كون النسل يتحسَّن بهذه الواسطة فظاهر مشاهد فى الحيوانات جميعاً ، لأن الناس يختارون القوى من الذكور للتلقيح ، ولا يختارون الضعيف ردىء البذرة.
إن الاقتصار على زوجة واحدة لم يأت بالغرض المقصود منه حيث لم يمح أنواع الزيجات الأخرى. وغاية ما فى الأمر أن الناس ينظرون إلى تلك الأنواع بعين غير العين التى ينظرون بها إلى الزواج، وأن النساء المتخذات أخدان بهذه النوعية صرن مغبونات بشريعة النكاح ، لأن مضار التسرى واتخاذ الخدن غير المشروع عائده عليهن وحدهن ، كما أن عقاب الزنا والسفاح لا يصيب فى الغالب غير النساء.
لقد قلنا إن أحسن شكل، وأكمل نظام للزواج هو اقتصار الرجل على نكاح امرأة واحدة، إلا أن الجارى فى العالم يخالف هذه السنة الشريفة ، فلا تجد بلداً يخلو من زيجات مغايرة لأحكام هذا الزواج ، حتى المحرم فيها تعدد الزوجات تحريماً قطعياً (مثل المجتمعات المسيحية) ، وذلك لأسباب جمَّة تضطر الرجل أو المرأة إلى مخالفة شرع الزواج وحدوده ، منها: ميل الذكر بفطرته إلى تعدد الزوجات ، ومنها موانعبدنية تطرأ على المرأة فتحرم الرجل من الاجتماع بها ، وتمنعه عنها مددا بعضها قصيرة ، وبعضها طويلة كالحيض والنفاس واشتغالها بالرضاع. ومنها غياب الرجال فى الخدمة العسكرية واضطرارهم إلى ترك نسائهم أثناءها لصعوبة الجمع بين معيشة الزوجية والخدمة العسكرية.
ولقد نسخ هذا التسرى الرومان بحكم النصرانية ، ولكن الأوربيين لا يزالون يتخذون الأخدان ولم يتبعوا شرعهم الدينى فى تحريم تعدد الزوجات .. ولا يعاقبون على التسرى واتخاذ الأخدان ، ويغضون الطرف عنه ولو أنه غير جائز شرعاً.)
وبمنع تعدد الزوجات عند النصارى وانتشار الزنا فى الدول الأوروبية ، ويكون كل من اقترف هذه الرذيلة من المحصنين والمحصنات يستحق القتل رجماً: (10وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ.) لاويين 20: 10 وتثنية 22: 24
(23«إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُلٍ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي المَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا 24فَأَخْرِجُوهُمَا كِليْهِمَا إِلى بَابِ تِلكَ المَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لمْ تَصْرُخْ فِي المَدِينَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَل امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ.) تثنية 22: 23-24
جاء فى كتاب (الأحكام العبرية) الكتاب السابع فصل النكاح ـ المادة 393 (كما يقول اللواء أحمد عبد الوهاب صفحة 116 من كتابه (تعدد نساء الأنبياء ومكانة المرأة):
(النكاح بنية التناسل ودوام حفظ النوع الإنسانى فرض على كل يهودى ، ومن تأخر عن أداء هذا الفرض وعاش عزبا بدون زواج كان سببا فى غضب الله على بنى إسرائيل.)
ويقول نيوفيلد صاحب كتاب "قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين": (إن التلمود والتوراة معا قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه ، وإن كان بعض الربانيين ينصحون بالقصد فى عدد الزوجات. وأن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التى اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعاً على مثل هذه الشريعة فى اتخاذ الزوجات والإماء.) (فى محكمة التاريخ ص 98)
إن التناسل لا يتم إلا بالزواج ، وليس بالخصى واعتزال النساء (كما صرَّحَ متى فى (12لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ».) متى 19: 12
كذلك التكاثر لا يتم إلا بالحض على الزواج ، وإباحة تعدد الزوجات ، وليس بتجنب الزوجات والترغيب فى العزوبة ، كما فعل بولس:
(1وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً. 2وَلَكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا.)كورنثوس الأولى 7: 1-2
(38إِذاً مَنْ زَوَّجَ فَحَسَناً يَفْعَلُ وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ. 39الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيّاً. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ فِي الرَّبِّ فَقَطْ. 40وَلَكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هَكَذَا بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضاً عِنْدِي رُوحُ اللهِ.) كورنثوس الأولى 7: 38-40
(25وَأَمَّا الْعَذَارَى فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ وَلَكِنَّنِي أُعْطِي رَأْياً كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِيناً. 26فَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا حَسَنٌ لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِرِ. أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا: 27أَنْتَ مُرْتَبِطٌ بِامْرَأَةٍ فَلاَ تَطْلُبْ الِانْفِصَالَ. أَنْتَ مُنْفَصِلٌ عَنِ امْرَأَةٍ فَلاَ تَطْلُبِ امْرَأَةً. 28لَكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ لَمْ تُخْطِئْ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ. وَلَكِنَّ مِثْلَ هَؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ.) كورنثوس الأولى 7: 25-28
ولا بالحجر على النساء المطلقات ومنعهن من الزواج: (11فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا. 12وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي».) مرقس 10: 11-12
والتناسل والتكاثر كانا منذ البدء مشيئة الله وأمره للناس جميعاً: (27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».) تكوين 1: 27-28
ويقول ديشنر صفحة 52-53: (لقد سمح الكتاب المقدس بتعدد الزوجات ، والمعاشرة الجنسية للإماء [العبدات] وسبايا الحرب والعاهرات وغير المتزوجات اللاتى خرجن من كنف آبائهن ، بل أكثر من ذلك ، فقد كان يمكن للأب أن يعطى بناته عند وصول سن البلوغ إماء للزوم الفراش ، وأى علاقة جنسية خارج هذا الإطار للسيدة المتزوجة كانت تُقابَل بعقوبة الموت.)
(19وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ الْوَاحِدَةِ عَادَةُ وَاسْمُ الأُخْرَى صِلَّةُ)تكوين4: 19
(3فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ.) تكوين 16: 3
(1وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ) تكوين 25: 1
(ويذكر الطبرى اسم زوجة أخرى له وهى حجور بنت ارهير ، فولدت له خمسة بنين: كيسان ، وشورخ ، وأميم ، ولوطان ، ونافس) الجزء الأول ص 311 (نقلا عن تعدد نساء الأنبياء ص 11)
تزوج يعقوب من أربعة على الأقل: ليئة وراحيل وبلهة وزُلفة:
(23وَكَانَ فِي الْمَسَاءِ أَنَّهُ أَخَذَ لَيْئَةَ ابْنَتَهُ وَأَتَى بِهَا إِلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا.) تكوين 29: 23
(28فَفَعَلَ يَعْقُوبُ هَكَذَا. فَأَكْمَلَ أُسْبُوعَ هَذِهِ فَأَعْطَاهُ رَاحِيلَ ابْنَتَهُ زَوْجَةً لَهُ)تكوين29: 28
(4فَأَعْطَتْهُ بَلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ) تكوين 30: 4
(9وَلَمَّا رَأَتْ لَيْئَةُ أَنَّهَا تَوَقَّفَتْ عَنِ الْوِلاَدَةِ أَخَذَتْ زِلْفَةَ جَارِيَتَهَا وَأَعْطَتْهَا لِيَعْقُوبَ زَوْجَةً)
(21وَلا تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ وَلا حَقْلهُ وَلا عَبْدَهُ وَلا أَمَتَهُ وَلا ثَوْرَهُ وَلا حِمَارَهُ وَلا كُل مَا لِقَرِيبِكَ.) تثنية 5: 21
وقد لا يوجد نبى من الأنبياء إلا وقد عدد الزوجات:
لقد تزوج موسى من اثنتين:
ابنة يثرون (1وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ) خروج 3: 1
وامرأة كوشية: (1وَتَكَلمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلى مُوسَى بِسَبَبِ المَرْأَةِ الكُوشِيَّةِ التِي اتَّخَذَهَا (لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً) عدد 12: 1
ويقول سفر القضاة: إنه كان لجدعون 70 ولداً: (30وَكَانَ لِجِدْعُونَ سَبْعُونَ وَلَداً خَارِجُونَ مِنْ صُلْبِهِ, لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ. 31وَسُرِّيَّتُهُ الَّتِي فِي شَكِيمَ وَلَدَتْ لَهُ هِيَ أَيْضاً ابْناً فَسَمَّاهُ أَبِيمَالِكَ.) قضاة 8: 30-31
وفى استقراء لعدد نساء جدعون بمعلومية أولاده يقول اللواء أحمد عبد الوهاب:
أنجب ابراهيم 13 ولداً من 4 نساء ، هن هاجر ، وسارة ، وقطورة ، وحجور
فيكون المتوسط 3 أولاد لكل امرأة.
كذلك أنجب يعقوب 12 ولدا من 4 نساء
فيكون المتوسط 3 أولاد لكل امرأة.
وبما أن جدعون أنجب 70 ولداً ، فيكون عدد نسائه إذاً لا يقل 23 امرأة ، الأمر الذى يتفق مع قول الكتاب (لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ)
(13وَقَضَى بَعْدَهُ لإِسْرَائِيلَ عَبْدُونُ بْنُ هِلِّيلَ الْفَرْعَتُونِيُّ. 14وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ ابْناً)
قضاة 12: 13-14
وبنفس عملية الإستقراء يكون عبدون قد تزوج 13 زوجة غير السرارى
ونساء داود هن: ميكال ابنة شاول ، وأبيجايل امرأة نابال الكرملى ، وأخينوعم اليزرعيلية ، ومعكة بنت تلماى ملك جشور ، وحجيث ، وأبيطال ، وعجلة ، وبثشبع
امرأة أوريا الحثى ، وأبيشج الشونمية.
وكان لداود زوجات أخريات من أورشليم ، سكتت الأسفار عن ذكرهن ، وقدر عددهن بنحو 20 زوجة. ويمكننا استقراء عددهم كالآتى:
ملك داود فى حبرون على سبط يهوذا حوالى 7 سنين ، كانت معه 6 زوجات ، أى بمعدل زوجة جديدة كل سنة.
ولما انتقل داود إلى أورشليم ملكاً على كل إسرائيل ، كان عمره نحو 37 سنة. ومكث فى أورشليم حوالى 33 سنة.
ويمكننا تقسيم مدة حياته فى أورشليم إلى ثلاث فترات ، تبلغ كل منها احدى عشر سنة، ويكون المعدل المقبول هو زوجة جديدة كل سنة للفترة الأولى ، وزوجة جديدة كل سنتين للفترة الثانية ، وزوجة جديدة للفترة الثالثة:
11 + 5 + 4 = 20 زوجة
وبذلك يكون عدد زوجات داود الجدد اللائى أخذهن فى أورشليم هو 20 زوجة على الأقل ، غير زوجاته التسع الأخريات وبذلك يكون عنده 29 زوجة غير السرارى الذين قدرهم اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب ب 40 زوجة، وبذلك كان عند داود 69 زوجة.
فقد تزوج رحبعام من 18 امرأة و 60 من السرارى ، كما تزوج سليمان من 700 امرأة و 300 من السرارى: (21وَأَحَبَّ رَحُبْعَامُ مَعْكَةَ بِنْتَ أَبْشَالُومَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ نِسَائِهِ وَسَرَارِيهِ لأَنَّهُ اتَّخَذَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ امْرَأَةً وَسِتِّينَ سُرِّيَّةً وَوَلَدَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ابْناً وَسِتِّينَ ابْنَةً.) أخبار الأيام الثانى 11: 21
(فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهَؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. 3وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ. فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ.) ملوك الأول 11: 3
من الجدير بالذكر إذاً أن تعدد الزوجات أباحته كل الأديان ولم تفرضه ، وكانتا الكنيسة والدولة تقرَّان تعدد الزوجات إلى منتصف القرن 17. وكانت علة الإكتفاء بواحدة مهانة للمرأة ، إذ عللوا ذلك بالإكتفاء بشر واحد. لذلك كانت الرهبنة عندهم وعدم الزواج من الأمرو السامية التى يتخلصون فيها من الشر الذى هو الأنثى. أترون الآن أن تعدد الزوجات رفعة لشأن المرأة. فلو كان الرجل يحتقرها لاكتفى بواحدة أو زهد فيهنَّ.
أضف إلى ذلك أقوال التوراة الصريحة بتعدد الزوجات:
(10إِنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أُخْرَى لاَ يُنَقِّصُ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا وَمُعَاشَرَتَهَا.) خروج 21: 10
(15«إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ فَوَلدَتَا لهُ بَنِينَ المَحْبُوبَةُ وَالمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الاِبْنُ البِكْرُ لِلمَكْرُوهَةِ 16فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لهُ لا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المَحْبُوبَةِ بِكْراً عَلى ابْنِ المَكْرُوهَةِ البِكْرِ 17بَل يَعْرِفُ ابْنَ المَكْرُوهَةِ بِكْراً لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لهُ حَقُّ البَكُورِيَّةِ.) تكوين 26: 34
(13وَأَخَذَ دَاوُدُ أَيْضاً سَرَارِيَ وَنِسَاءً مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنْ حَبْرُونَ، فَوُلِدَ أَيْضاً لِدَاوُدَ بَنُونَ وَبَنَاتٌ.) صموئيل الثانى 5: 13
(7فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ 8وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ سَيِّدِكَ وَنِسَاءَ سَيِّدِكَ فِي حِضْنِكَ،) صموئيل الثانى 12: 7-8
اسم النبى عدد أولاده عدد زوجاته الشاهد
ابراهيم 2 + 6 + 5 4 + 3 السرارى
سارة وهاجر
قطورة وحجور تكوين 20: 12
تكوين 16: 4
يعقوب 6 + 2 +
2 + 2 = 12 4 + السرارى
ليئة وراحيل
وبلهة وزُلفة تكوين 29: 23 ، تكوين29: 28 ، تكوين 30: 4 ، تثنية 5: 21
موسى 2 + السرارى
صفورة والكوشية خروج 3: 1، عدد 12: 1
جدعون 70 ولداً 23 قضاة 8: 30-31
عبدون 40 ولداً 13 + السرارى قضاة 12: 13-14
ابصان 30 + 30 ابنة 20 + السرارى قضاة 12: 9
يائير الجلعادى 30 ولدا قضاة 10: 3-4
داود 9 + 20 + 40=69
سليمان 700 + 300 ملوك الأول 11: 3
رحبعام 28 + 60 18 + 60 أخبار الأيام الثانى 11: 21
محمد 9 + 3 زوجة
وكانت الزوجة الأولى أسعد الزوجات حظاً ، فقد كانت تُستثنى من الأعمال المرهقة ، ويحميها القانون ، أما الزوجات الأخريات اللاتى يتزوجن الرجل الرومانى المسيحى بعد زوجته الأولى فقد كُنَّ يُعاملن معاملة العبيد ، ويعشن تحت رحمة أزواجهن ، وأهوائهم وميولهم وخواطرهم ، فلهم الحق فى بيعهن ، والتنازل عنهن لغيرهم ، وتأجيرهن لمن يرغب فى استئجارهن. وكان أطفال الزوجات غير الزوجة الأولى يوصفون بأقبح الصفات ، ويعاملون معاملة أبناء الزنى أو اللقطاء ، ويُحرَمون أن يرثوا آباءهم أو يأخذوا أى نصيب من تركة آبائهم وثروتهم ، ويعاملون فى المجتمع كما يُعامَل المنبوذون.
وفى العصور الحديثة نجد أن "تلمود أورشليم" جعل تعدد الزوجات مقصوراً على الأزواج القادرين على الإنفاق على زوجاتهن عن سعة. وقد نصح علماء اليهود بأن الرجل اليهودى يجب ألا يتزوج أكثر من أربع زوجات ، وخالفتهم طائفة أخرى من اليهود فى هذا الرأى (وهى طائفة القرَّائين) ولم يعترفوا بشرعية تحديد العدد، لأن ديانة بنى إسرائيل تبيح للرجل أن يتزوج أى عدد من الزوجات من غير تحديد أو حصر.
-
الإصحاح الثانى عشر بعد المائة
تعدد الزوجات بين التكريم والتجريم:
لم يأت الإسلام إذن بهذا التعدد ، بل كان موجوداً قبل الإسلام فى الجزيرة العربية وفىاليهودية والمسيحية كما رأينا. وفى الوقت الذى كان فيه العرب فى صدر الإسلام وقبله يعددون زوجاتهم ، لدرجة أن بعضهم كان له عشر زوجات ، كان للرسول عليه الصلاة والسلام زوجة واحدة حتى جاوز الثالثة والخمسين. وكل ما أنى به الإسلام هو تنظيم هذه العملية ، وضمان لحقوق الزوجات وأبنائهم. فأباح التعدد ، ولم يفرضه على القادر على تحمل تبعات هذه الزوجات والعدل بينهن ، وإلا فعليه أن يكتفى بواحدة.
لقد أباح الإسلام تعدد الزوجات ولم يفرضه ، كما فعلت شريعة موسى ، وكما عدَّدَ الأنبياء عليهم السلام من قبل ، واشترط فى التعدد: مقدرة الزوج على القيام بواجباته كاملة ، وأن يعدل بين زوجاته ، وإلا فعليه بالإكتفاء بواحدة. ولم يفرق الإسلام بينهن ، فكلهن زوجاته ، ولهن نفس حقوق الزوجة الأولى من معيشة ومهر، حتى ولو كانت كتابية غير مسلمة.
والذى يراجع تعليمات بولس فى رسالته الأولى إلى تيموثاوس لا يخفى عليه أن استحسانه بوجود زوجة واحدة فقط للأسقف والشماس، حتى يمكنه تدبير بيته ، وبالتالى يحسن تدبيره لكنيسته ، ومعنى ذلك أن غيرهما يجوز على الأقل للآخرين أن يكونون ذوى أكثر من زوجة واحدة: (12لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُلٌّ بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أَوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَناً) تيمثاوس الأولى 3: 12
(2فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِياً، عَاقِلاً، مُحْتَشِماً، مُضِيفاً لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحاً لِلتَّعْلِيمِ، 3غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيماً، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ، 4يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَناً، لَهُ أَوْلاَدٌ فِي الْخُضُوعِ بِكُلِّ وَقَارٍ. 5وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟) تيموثاوس 3: 2-5
ولم تحرم المسيحية التعدد مطلقاً ، وقد كان شارلمان الإمبراطور الرومانى المسيحى متزوجاً بأكثر من زوجة. ومن زوجاته (وسورات) و(هولجارو) إلى جانب عدد كبير من المحظيات.
وكان للإمبراطور (ليو السادس) فى القرن العاشر الميلادى ثلاث زوجات وتسرَّى برابعة. وهى التى ولدت له ابنه الإمبراطور (قسطنطين) ، الذى حكم الإمبراطورية
الرومانية الشرقية.
وكان لملك إنجلترا (هنرى الثامن) ثلاث زوجات ، فقد تزوج (كاترين) و (آن بولين) و(حنا سيمور).
وقد قرر الإمبراطور فالنتيان الثانى ، الذى ولى الحكم عام 375 م أى فى القرن الرابع الميلادى ، أن الاقتصار على زوجة واحدة إنما هو من آثار الوثنية الرومانية ، ولذلك أصدر أمراً بجواز الجمع بين أكثر من زوجة قائلاً إن المسيحية لم تمنع ذلك. وهذا الاتجاه فى التعدد يتلاءم مع ما رآه مارتن لوثر زعيم طائفة البروتستانت ، الذى قرر أن التعدد أمر لم يحرمه الرب ، وضرب مثلاً بإبراهيم الذى كان له ثلاثة (أو أربعة زوجات).
لذلك سمح لوثر لأمير هيس الأمير فيليب أن يجمع بين زوجتين ، وقال إذا نظر الرجل إلى امرأة وحسنت فى عينيه وأحبها وهو متزوج فخير له أن يتخذها زوجته من أن يتخذها خليلته. الأمر الذى جعل طائفة (برسير) فى إنجلترا أن تقرر أن من حق المسيحى أن يجمع بين عدة زوجات.
ومن علماء المسيحية أنفسهم من يقرر أن نظام الزوجة الواحدة نظام مصطنع ولا يتصل مطلقاً بالديانة المسيحية فى نشأتها الأولى ، وإنما هو نظام وضعته الكنيسة (كما قرر وول ديورانت ج (1) ص (73)).
قال أرثر فيليبس فى كتابه (دراسة الزواج والأسرة فى أفريقيا): (كما أن بعضهم يرى أن منع التعدد إنما فرضه المسيحيون الأوربيون على أنفسهم لينفذوه فى البلاد التى استعمروها ليبقى لهم فائض خيرات هذه المستعمرات. والمنع لم يكن لسبب دينى وإنما كان لسبب استعمارى) (نقلا عن حقوق المرأة بين الإسلام والأديان الأخرى ص 155)
وبقى تعدد الزوجات مُباحاً فى العالم المسيحى إلى القرن الثامن عشر ، وبالتحديد إلى عام 1750 م. أما قبل هذا التاريخ فلم يكن التعدد ممنوعاً ، وإنما كان مُباحاً تقره الكنائس المسيحية وتباركه.
كما جاء فى تواريخ الزواج بين الأوربيين. يقول "وسترماك" فى تاريخه:
(وفى الحق إن العهد الجديد اتخذَ هذا النظام كمثل أعلى للزواج ، ولكن مع ذلك لم يحرم تعدد الزوجات تحريماً ظاهراً إلا للشمَّاس أو القسِّيس ، ويكفى أن نعلم أننا لم نجد مجلساً كنسياً واحداً عارض تعدد الزوجات أو وضع عقبات فى سبيله عند الملوك أو الحكام الذين كانوا يمارسونه فى الدول الوثنية فى قرون المسيحية الأولى.)
(ثم قال: إن "ديارمنت" ملك إيرلندا كان له زوجتان وسريتان ، وتعدد زوجات الملوك الميروفنجيين غير مرة فى القرون الوسطى ، وكان لشارلمان زوجتان وكثير من السرارى ، كما يظهر فى بعض قوانينه أن تعدد الزوجات لم يكن مجهولاً بين رجال الدين أنفسهم ، وبعد ذلك بزمن كان فيليب أوف هيس ، وفريدريك وليام الثانى البروسى يبرمان عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين.)
(وأقر مارتن لوثر نفسه تصرف الأول منهما ، كما أقره "ملانكتون". وكان لوثر يتكلم فى شتَّى المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض ، فإنه لم يُحرَّم بأمر من الله ، ولم يكن إبراهيم يحجم عنه إذ كان له زوجتان [وهو هنا قد نسى أن إبراهيم قد تزوج بقطورة] نعم أن الله أذن بذلك لأناس من رجال العهد القديم فى ظروف خاصة ، ولكن المسيحى الذى يريد أن يقتدى بهم ، يحق له أن يفعب ذلك متى تيقن أن ظروفه تشبه تلك الظروف. فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق.)
(وعقب الحرب العالمية الأولى قام (جورج انكيتى) بالمطالبة بإلغاء النص فى القانون الذى يعاقب على الجمع بين زوجتين بالأشغال الشاقة المؤقتة ، ويُطالِب بإتاحة تعدد الزوجات للقضاء على شيوع الفجور ، الذى كان نتجة لوجود عدد كبير من النساء بدون رجال ، وحتى يكون لكل امرأة حقها الطبيعى فى تحقيق نزعة الأمومة المشروعة.) (نقلا عن حقوق المرأة ص 156-157)
(وفى سنة 1830 قامت فرقة تسمى فرقة المورنتر التى أسسها جوزيف سمث تبيح التعدد وتقول: إن إفرادية الزوجة أمر غير طبيعى.)
(وفى سنة 1650 ميلادية ـ بعد صلح وستِفاليا ، وبعد أن تبين النقص فى عدد السكان من جراء حروب الثلاثين ـ أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قراراً يجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين. بل ذهبت بعض الطوائف المسيحية إلى إيجاب تعدد الزوجات.)
(ففى سنة 1531 نادى اللامعمدانيون فى منستر صراحة بأن المسيحى ـ حق المسيحى ـ ينبغى أن تكون له عدة زوجات. ويعتبر المورمون كما هو معلوم أن تعدد الزوجات نظام إلهى مقدس ..) (فى محكمة التاريخ ص 100)
ويواصل الدكتور عبد الودود شلبى قائلاً: (وقال جرجى زيدان: "فالنصرانية ليس فيها نص صريح يمنع أتباعها من التزوج بامرأتين فأكثر ، ولو شاؤا لكان تعدد الزوجات جائزاً عندهم ، ولكن رؤساءها القدماء وجدوا الاكتفاء بزوجة واحدة أقرب لحفظ نظام العائلة واتحادها (وكان ذلك شائعاً فى الدولة الرومانية) فلم يعجز تأويل آيات الزواج
حتى صار التزوج بغير [بأكثر من] امرأة حراماً كما هو مشهور.)
(ونرى المسيحية المعاصرة تعترف بالتعدد فى أفريقيا السوداء ، فقد وجدت الأرساليات التبشيرية نفسها أمام واقع اجتماعى وهو تعدد الزوجات لدى الأفريقيين الوثنيين ، ورأوا أن الإصرار على منع التعدد يحول بينهم وبين الدخول فى النصرانية ، فنادوا بوجوب السماح للأفريقيين المسيحيين بالتعدد إلى غير حد محدود.)
وقد ذكر السيد تورجيه مؤلف كتاب: "الإسلام والنصرانية فى أواسط أفريقية" (ص92-98) هذه الحقيقة ثم قال: (فقد كان هؤلاء المرسلون يقولون إنه ليس من السياسة أن نتدخل فى شؤون الوثنيين الاجتماعية التى وجدناهم عليها ، وليس من الكياسة أن نُحرِّم عليهم التمتع بأرواحهم ماداموا نصارى يدينون بدين المسيح ، بل لا ضرر من ذلك مادامت التوراة وهى الكتاب الذى يجب على المسيحيين أن يجعلوه أساس دينهم تبيح هذا التعدد ، فضلاً على أن المسيح قد أقر ذلك بقوله: "17«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ.") متى 5: 17
وأخيراً أعلنت الكنيسة رسميا السماح للأفريقيين النصارى بتعدد الزوجات إلى غير حد.
كما وجدت الشعوب الغربية المسيحية نفسها تجاه زيادة عدد النساء على الرجال عندهم ـ بخاصة بعد الحربين العالميتين ـ إزاء مشكلة إجتماعية خطيرة ، لا تزال تتخبط فى إيجاد الحل المناسب لها.
وقد كان بين الحلول التى برزت ، إباحة تعدد الزوجات. فقد حدث أن مؤتمراً للشباب العالمى عُقِدَ فى "ميونيخ" بألمانيا عام 1948 ، واشترك فيه بعض الدارسين المسلمين من البلاد العربية: وكان من لجانه لجنة تبحث مشكلة زيادة عدد النساء فى ألمانيا أضعافاً مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب ، وقد استعرضت مختلف الحلول لهذه المشكلة وتقدم الأعضاء المسلمون فى هذه اللجنة باقتراح تعدد الزوجات. وقوبلَ هذا الرأى أولاً بشىء من الدهشة والاشمئزاز ، ولكن أعضاء اللجنة اشتركوا جميعاً فى مناقشته فتبين بعد البحث الطويل أنه لا حل غيره ، وكانت النتيجة أن قررت اللجنة توصية المؤتمر بالمطالبة بإباحة تعدد الزوجات لحل المشكلة.
ويقول (هنرى هلام: Henri Hallam) إن المصلحين الألمان من علماء الدين المسيحى قد أقروا التزوج بزوجة ثانية ، وزوجة ثالثة مع الزوجة الأولى ، واستمر العمل بذلك حتى القرن السادس الميلادى.
وكذلك قال الألمانى (إدوارد فون هارتمان) آراءً تشبه هذه الآراء ، فهو يرى أن الغريزة الطبيعية للرجل تميل إلى تعدد الزوجات.
وفى عام 1949 تقدم أهالى "بون" عاصمة ألمانيا الإتحادية [فى ذلك الوقت] بطلب إلى السلطات المختصة يطلبون فيه أن يُنَص فى الدسنور الألمانى على إباحة تعدد الزوجات.
بل ذكرت الصحف الألمانية فى هذا الوقت أن الحكومة الألمانية أرسلت إلى مشيخة الأزهر تطلب منها نظام تعدد الزوجات فى الإسلام ، لأنها تفكر فى الاستفادة منه كحل لمشكلة زيادة النساء. ثم أتبع ذلك وصول وفد من العلماء الألمان اتصلوا بشيخ الأزهر لهذه الغاية ، كما التحقت بعض الألمانيات المسلمات بالأزهر لتَطَّلِع بنفسها على أحكام الإسلام فى موضوع المرأة عامة وتعدد الزوجات خاصة.
وقد حدثت محاولة قبل هذه المحاولات فى ألمانيا أيام الحكم النازى لتشريع تعدد الزوجات ، فقد حدثنا (الكلام مازال للدكتور عبد الودود شلبى) (المرحوم الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين الأكبر) أن هتلر حدثه برغبته فى وضع قانون يُبيح تعدد الزوجات ، وطلب إليه أن يضع له فى ذلك نظاماً مُستَمداً من الإسلام. ولكن قيام الحرب العالمية الثانية حالت بين هتلر وبين تنفيذ هذا الأمر.
وقد سبق أن حاول "ادوارد السابع" مثل هذه المحاولة ، فأعدَّ مرسوماً يبيح فيه التعدد ، ولكن مقاومة رجال الدين قضت عليه.
ثم إن المفكرين الغربيين الأحرار أثنوا على تعدد الزوجات ، وبخاصة عند اليهود والمسلمين ، فقد عرض "جروتيوس" العالم القانونى المشهور لموضوع تعدد الزوجات فاستصوب شريعة الآباء العبرانيين والأنبياء خاصة فى العهد القديم فى إقرارها تعدد الزوجات. وكذلك استحسن القديس أوغسطين أن يتخذ الرجل إلى جانب زوجته سرية ، إذا ما كانت زوجته عقيماً ، وثبت عقمها ، وإن كان لم يسمح بمثل ذلك للزوجة ، إذا ثبت أن زوجها هو العقيم ، وليس ذلك خوفاً من اختلاط الأنساب ، ولكن لأمن الأسرة. لأنه كما قال فى كتابه (الزواج الأفضل): لا يصح أن يكون بالأسرة سيدان.
وقال الفيلسوف الألمانى الشهير "شوبنهاور" فى رسالته "كلمة عن النساء": (إن قوانين أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها المرأة بالرجل ، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا ، وضاعفت علينا واجباتنا ، على أنها مادامت أباحت للمرأة حقوقاً مثل الرجل ، كان من اللازم أن تمنحها أيضاً عقلاً مثل عقله ..)
إلى أن يقول: (ولا تعدم امرأة من الأمم التى تجيز تعدد الزوجات زوجاً يتكفَّل بشؤونها، والمتزوجات عندنا نفر قليل ، وغيرهن لا يُحصين عددا ، تراهن بغير كفيل: بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهى هائمة متحسّرة ، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى ، يتجشَّمن الصعاب ويتحمّلن شاق الأعمال ، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزى والعار. ففى مدينة (لندن) وحدها ثمانون ألف بنت عمومية (هذا على عهد شوبنهور) سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج ضحية الإقتصار على زوجة واحدة، ونتيجة تعنت السيدة الأوروبية ، وما تدعيه لنفسها من أباطيل.)
وهناك طائفة أخرى من الطوائف المسيحية فى أمريكا تُسمَّى طائقة المورمون (وقد أسسها جوزيف سميث سنة 1830م) تحدث عنها الأستاذ زكى نجيب محمود فى كتابه (أيام فى أمريكا) ، وقد قال أحد أتباع هذه الطائفة عندما سُئلَ عما إذا كان يحب زوجاته الخمس ، فقال: لقد سمعت هذا السؤال مراراً كأنه لغز لا حل له ، وجوابى دائماً على هذا السؤال هو الآتى: هل يمكن لرجل أن يحب خمسة من أبنائه دفعة واحدة؟ هل يمكن أن يحب خمسة من أصدقائه دفعة واحدة؟ هل يمكن أن يحب خمسة من اخوته دفعة واحدة؟ أرونى رجلاً واحداً ممن يدعون الالتزام بنظام الزوجة الواحدة ، لا تكون له امرأة ـ غير زوجته ـ يبادلها الحب وتبادله. ثم قال: ونحن لا نعشق سرّاً. إننا لا نحب حباً يلفه العار ، بل نحب جهراً وعلانية ، حباً يزدان بالشرف ، ليس بيننا المرأة التى تحمل جنينها فى خفاء من القانون ، ثم تضع حملها اجهاضاً ، فنساؤنا جميعاً يحملن الأجنة من أزواج ويلدنهم أطفالاً ذوى نمو كامل.
بالله عليكم: أين الحكمة فى إنسان له 1000 زوجة؟ تخيل أن لك ألف زوجة! متى ستعطى كل منهن حقها فى الفراش؟ وهل ستعرفهن؟ وكيف يتأكد لك أن الجنين فى بطن أى منهن هو منك؟ هل ستتذكَّر أنك جامعت هذه الزوجة يوماً ما؟
الإصحاح الثالث عشر بعد المائة
رأى عيسى عليه السلام فى تعدد الزوجات:
فى الواقع لو راجعنا كتب الأناجيل والرسائل الحالية لن نجد فيها نصاً يحرم تعدد الزوجات إلا على القساوسة والشمامسة فقط ، وهى من رسائل بولس. فلم يأتى فى أحاديث عيسى عليه السلام تصريح بتحريم تعدد الزوجات ، ونلمس إشارات لموافقته على تعدد الزوجات أو موافقته ضمنيا من هذه النصوص:
(17«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. 18فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.) متى 5: 17-18
كذلك نفهم إقراره لتعدد الزوجات من مثل (العشر عذارى) الذى ضربه متى: (1«حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ. 2وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ وَخَمْسٌ جَاهِلاَتٍ. 3أَمَّا الْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتاً 4وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتاً فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ. 5وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ. 6فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! 7فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولَئِكَ الْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ. 8فَقَالَتِ الْجَاهِلاَتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ. 9فَأَجَابَتِ الْحَكِيمَاتُ: لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ. 10وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ الْعَرِيسُ وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ وَأُغْلِقَ الْبَابُ. 11أَخِيراً جَاءَتْ بَقِيَّةُ الْعَذَارَى أَيْضاً قَائِلاَتٍ: يَا سَيِّدُ يَا سَيِّدُ افْتَحْ لَنَا. 12فَأَجَابَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ. 13فَاسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ.) متى 25: 1-11
أى إن العريس قد اكتفى بخمس زوجات ، ولم تستطع العذارى الخمس الباقين أن يلحقن بالعريس ، وضاعت أمامهن فرصة للزواج به.
مع التحفظ الشديد أن المثل قد ضربه يسوع إشارة إلى وجوب الإستعداد بالعلم والعمل لإستقبال المسيَّا (رسول الله والنبى الخاتم).
وكان هذا التعدد شائعاً بين نصارى العالم كله ، ولم تحرمه الكنيسة إلا فى منتصف القرن الثامن عشر ، وبالتحديد فى عام 1750م. إذن فالنصارى الأقدمون لم يفهموا نصوص الكتاب وتعاليم يسوع بصورة خاطئة. ولو كانوا غير ذلك فما حكمهم فى الآخرة؟
الإصحاح الرابع عشر بعد المائة
التسرِّى فى اليهودية والمسيحية:
يقول الأستاذ محمود عبد الحميد فى كتابه حقوق المرأة بين الإسلام والديانات الأخرى ص 158-159: (لقد كان التسرِّى مباحاً فى اليهودية والمسيحية إلى جانب إباحة تعدد الزوجات. فقد قررت التوراة الحالية أن سليمان كان له إلى جانب زوجاته السبعمائة ثلاثمائة سرية [ملوك الأول 11: 3]، [وكذلك كان لرحبعام ستين سارية [أخبار الأيام الثانى 11: 21]، وكذلك كان لداود] وكذلك المسيحية لم تمنع التسرى بل إنه ظل قائماً فى المسيحية ، حتى بعد تقرير إفرادية الزوجة ، ولم يكن التسرى ممنوعاً إلا فى مصر المسيحية فقط دون البلاد المسيحية الأخرى. [وهذا من فضل الإسلام وأخلاقياته على المجتمعات التى ينتشر فيها] وكان ذلك ابتداءً من القرن العاشر الميلادى حين أصدر البطريرك (إبرام السوربانى) سنة 970 م أمراً بمنعه ـ أما فى غير مصر فقد ظل التسرى قائماً بعد هذا التاريخ فى بعض الأمم المسيحية مثل الحبشة ، كما استمر فيها تعدد الزوجات أيضاً ، مما يدل على أن المنع لم يكن تشريعاً سماوياً بل كان نتيجة قوانين وضعية.)
يواصل الكتاب قوله: (يقول اتين دينيه: لقد ترتب على إفرادية الزوجة ثلاثة نتائج شديدة الخطورة هى: شيوع الدعارة ، وكثرة العوانس من النساء ، ووفرة الأبناء غير الشرعيين. .. .. وضرب مثلاً بقبيلة فى الجزائر فقال: "إن هذه القبيلة لم تعرف الدعارة إلا بعد ضمها لفرنسا سنة 1833")
الإصحاح الخامس عشر بعد المائة
التسرِّى فى اليهودية والمسيحية:
التسرى هو اتخاذ مالك الأمة منها سَرِية يعاشرها معاشرة الأزواج فى الشرع الإسلامى
إن التسرى هو فرع من فروع الرق والاسترقاق، وقد كان نظاماً قديماً ، ولم يكن أيضاً مثل الرق والاسترقاق تشريعاً إسلاميًا مبتكراً ، ولا خاصية شرقية تميزت به الحضارات الشرقية عن غيرها من الحضارات ، وإنما كان موروثاً اجتماعيًا واقتصاديًا إنسانيًا ، ذاع وشاع فى كل الحضارات الإنسانية عبر التاريخ.
وقد جاء فى التوراة أن أنبياء الله أمثال داود وسليمان وغيرهم قد اتخذوا سرارى لهم.
(21وَأَحَبَّ رَحُبْعَامُ مَعْكَةَ بِنْتَ أَبْشَالُومَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ نِسَائِهِ وَسَرَارِيهِ لأَنَّهُ اتَّخَذَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ امْرَأَةً وَسِتِّينَ سُرِّيَّةً وَوَلَدَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ابْناً وَسِتِّينَ ابْنَةً.) أخبار الأيام الثانى 11: 21
(30وَكَانَ لِجِدْعُونَ سَبْعُونَ وَلَداً خَارِجُونَ مِنْ صُلْبِهِ, لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ. 31وَسُرِّيَّتُهُ الَّتِي فِي شَكِيمَ وَلَدَتْ لَهُ هِيَ أَيْضاً ابْناً فَسَمَّاهُ أَبِيمَالِكَ.) قضاة 8: 30-31
(13وَأَخَذَ دَاوُدُ أَيْضاً سَرَارِيَ وَنِسَاءً مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنْ حَبْرُونَ، فَوُلِدَ أَيْضاً لِدَاوُدَ بَنُونَ وَبَنَاتٌ.) صموئيل الثانى 5: 13
(فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهَؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. 3وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ. فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ.) ملوك الأول 11: 3
وإذا كان التسرى ، هو اتخاذ مالك الأمة منها سرية ، أى جعله لها موضعا للوطء ، واختصاصها بميل قلبى ومعاشرة جنسية ، وإحصان واستعفاف.. فلقد وضع الإسلام له ضوابط شرعية جعلت منه زواجاً حقيقياً ، تشترط فيه كل شروط الزواج ، وذلك باستثناء عقد الزواج ، لأن عقد الزواج هو أدنى من عقد الملك ، إذ فى الأول تمليك منفعة ، بينما الثانى يفضى إلى ملك الرقبة ، ومن ثم منفعتها..
ولقد سميت الأمة التى يختارها مالكها سرية له سُميت "سَرِيَّةً" "لأنها موضع سروره ، ولأنه يجعلها فى حالٍ تسرها" دون سواها ، أو أكثر من سواها.. فالغرض من التسرى ليس مجرد إشباع غرائز الرجل ، وإنما أيضاً الارتفاع بالأَمة إلى مايقرب كثيراً من مرتبة الزوجة الحرة..
والإسلام لا يبيح التسرى أى المعاشرة الجنسية للأَمة بمجرد امتلاكها.. وإنما لابد من تهيئتها كما تهيأ الزوجة.. وفقهاء المذهب الحنفى يشترطون لتحقيق ذلك أمرين:
أولهما: تحصين السرية، بأن يخصص لها منزل خاص بها، كما هو الحال مع الزوجة
وثانيهماً: مجامعتها ، أى إشباع غريزتها ، وتحقيق عفتها.. طالما أنها قد أصبحت سرية ، لا يجوز لها الزواج من رقيق مثلها ، أو أن يتسرى بها غير مالكها..
ولأن التسرى فى المعاشرة الجنسية أو التناسل مثله مثل الزواج من الحرائر.. فلقد اشترط الإسلام براءة رحم الأمة قبل التسرى بها ، فإباحة التسرى قد جاءت فى آية إباحة الزواج: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء: 3.
والتكليف الإسلامى بحفظ الفروج عام بالنسبة لمطلق الرجال والنساء ، أحراراً كانوا أم رقيقاً ، مسلمين كانوا أم غير مسلمين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) المؤمنون: 5 ، 6. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبايا "أوطاس" أى حنين: (لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة..) رواه أبو داود.
وكذلك الحال مع المقاصد الشرعية والإنسانية من وراء التسرى.. فهى ذات المقاصد الشرعية والإنسانية من وراء الزواج: تحقيق الإحصان والاستعفاف للرجل والمرأة ، وتحقيق ثبوت أنساب الأطفال لآبائهم الحقيقيين..
ففى هذا التسرى كما يقول الفقهاء "استعفاف مالك الأمة.. وتحصين الإماء لكيلا يملن إلى الفجور، وثبوت نسب أولادهن". وأكاد ألمح فى التشريع القرآنى أمراً إلهيًا بالإحصان العام للرجال والنساء ، أحرارًا كانوا أو أرقاء.. ففى سياق التشريع لغض البصر ، وحفظ الفروج ، جاء التشريع للاستعفاف بالنكاح الزواج للجميع.. وجاء النهى عن إكراه الإماء على البغاء ، لا بمعنى إجبارهن على الزنا فهذا داخل فى تحريم الزنا ، العام للجميع وإنما بمعنى تركهن دون إحصان واستعفاف بالزواج أو التسرى أكاد ألمح هذا المعنى عندما أتأمل سياق هذه الآيات القرآنية: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) النور: 30- 33.
فالتشريع للاستعفاف والإحصان بالنكاح الزواج والتسرى عام وشامل للجميع..
بل لقد جعل الإسلام من نظام التسرى سبيلاً لتحقيق المزيد من الحرية للأرقاء ، وصولاً إلى تصفية نظام العبودية والاسترقاق.. فأولاد السرية فى الشرع الإسلامى ، يولدون أحراراً بعد أن كانوا يظلون أرقاء فى الشرائع والحضارات غير الإسلامية والسرية ، بمجرد أن تلد ، ترتفع إلى مرتبة أرقى هى مرتبة " أم الولد " ثم تصبح كاملة الحرية بعد وفاة والد أولادها..
وكما اشترط الشرع الإسلامى للتسرى استبراء الرحم ، كما هو الحال فى الزواج من الحرائر ، اشترط فى السرية ما يشترط فى الزوجة الحرة: أن تكون ذات دين سماوى ، مسلمة أو كتابية.. وأن لا تكون من المحارم اللاتى يحرم الزواج بهن ، بالنسب أو الرضاعة.. فلا يجوز التسرى بالمحارم ، بل ولا يحل استرقاقهم أصلاً ، إناثاً كانوا أم ذكوراً ، فامتلاكهم يفضى إلى تحريرهم بمجرد الامتلاك.. وفى الحديث النبوى الشريف: (من ملك ذا رحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حر) رواه أبو داود.
وهذا من جمال العدل الإسلامى وحفاظه على العلاقات الأسرية ، الأمر الذى خالفته الكتب والشرائع الأخرى ، فالتوراة تدعى أن الرب أسلم نساء نبيه داود لأحد أقربائه للزنى: (11هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجِعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هَذِهِ الشَّمْسِ. 12لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هَذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ».) صموئيل الثانى 12: 11-12!!!
وكما هو الحال فى اختيار الزوجة الحرة ، استحسن الشرع الإسلامى تخير السرية ذات الدين ، التى لا تميل إلى الفجور ، وذلك لصيانة العرض. وأن تكون ذات عقل ، حتى ينتقل منها إلى الأولاد. وأن تكون ذات جمال يحقق السكينة للنفس والغض للبصر. فالتخيُّر للنُّطَف وفق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تخيَّروا لنطفكم] رواه ابن ماجة. هو تشريع عام فى الحرائر والإماء. (انظر: [الموسوعة الفقهية] مادة " التسرى " طبعة الكويت 1408 هجرية 1988م.)
وكما لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع زوجات حرائر ، اشترط بعض الفقهاء الالتزام بذات العدد فى السرارى ، أو فيهن وفى الزوجات الحرائر.. وإذا كان جمهور الفقهاء لا يقيدون التسرى بعدد الأربعة ، فإن الإمام محمد عبده فى فتواه عن تعدد الزوجات قد قال عند تفسيره لقول الله سبحانه وتعالى:(أو ما ملكت أيمانكم) النساء: 3." لقد اتفق المسلمون على أنه يجوز للرجل أن يأخذ من الجوارى ما يشاء بدون حصر، ولكن يمكن لفاهم أن يفهم من الآية غير ذلك ، فإن الكلام جاء مرتبطاً بإباحة التعدد إلى الأربعة فقط.. " (الأعمال الكاملة ، ج2 ،ص 91 ، طبعة القاهرة 1993م.)
ويؤيد هذا الاجتهاد ما كان عليه العمل فى صدر الإسلام ، إذ لم يكن الرجل يتسرى بغير سرية واحدة. وكما يجب العدل بين الزوجات الحرائر عند تعددهن.. قال بعض الفقهاء: إن ما يجب للزوجة يستحب للسرية ، وجعل الحنابلة الإحصان للأرقاء ذكوراً وإناثاً أمراً واجباً..
هكذا رفع الإسلام ، بالشروط التى اشترطها فى التسرى ، من شأن السرارى ، وذلك عندما جعلهن فى الواقع العملى أقرب ما يكن إلى الزوجات الحرائر. وعندما جعل من نظام التسرى باباً من أبواب التحرير للإماء ولأولادهن ، بعد أن كان رافداً من روافد الاسترقاق والاستعباد..
أما الواقع التاريخى ، الذى تراجع عن هذا النموذج الإسلامى للتسرى ، عندما كثرت السبايا ، وتعددت مصادر الاسترقاق.. فمن الخطأ البين بل والتجنى حمل هذا الواقع التاريخى على شرع الإسلام..
فالإسلام كما قدمنا فى الحديث عن الرق قد ألغى وجفف كل روافد ومصادر الاسترقاق ولم يستثن من ذلك إلا الحرب الشرعية المشروعة. ولذلك ، فإن تجارة الرقيق ، وأسواق الأرقاء ، وشيوع التسرى الذى جاء ثمرة لاختطاف الفتيات والفتيان، وللحروب غير المشروعة ، وغيرها من سبل الاسترقاق التى حرمها الإسلام.. كل ذلك إن حُسب على "التاريخ الإسلامى" فلا يمكن أن يُحسب على "دين الإسلام".. وعن هذه الحقيقة الهامة يقول الإمام محمد عبده: "لقد ساء استعمال المسلمين لما جاء فى دينهم من هذه الأحكام الجليلة ، فأفرطوا فى الاستزادة من عدد الجوارى ، وأفسدوا بذلك عقولهم وعقول ذراريهم بمقدار ما اتسعت لذلك ثرواتهم..
أما الأسرى اللاتى يصح نكاحهن فهن أسرى الحرب الشرعية التى قصد بها المدافعة عن الدين القويم أو الدعوة إليه بشروطها ، ولا يَكُنَّ عند الأسر إلا غير مسلمات.. وأما ما مضى المسلمون على اعتياده من الرق ، وجرى عليه عملهم فى الأزمان الأخيرة ، فليس من الدين فى شىء ، فما يشترونه من بنات الجراكسة أو من السودانيات اللاتى يختطفهن الأشقياء السَّلبَة المعروفون "بالأسيرجية"، فهو ليس بمشروع ولا معروف فى دين الإسلام ، وإنما هو من عادات الجاهلية ، لكن لا جاهلية العرب بل جاهلية السودان والجركس.. " المصدر السابق: ج2 ص 91، 92.
وإذا كان من العبث الظالم حمل تاريخ الحضارة الغربية مع الرق والاسترقاق على النصرانية ، كدين ، فالأكثر عبثية والأشد ظلماً هو حمل التاريخ الإسلامى فى هذا الميدان على شريعة الإسلام !.. (أ.د. محمد عمارة)
الإصحاح السادس عشر بعد المائة
عمر السيدة عائشة عند زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم:
من المعروف أنه فى المناطق الحارة تنضج البنت ، وكذلك الولد ، أسرع من مثيلهما فى المناطق الباردة. فلو ذهبنا إلى جنوب إفريقيا مثلاً ، لوجدنا البنت ابنة تسع سنوات وعشر سنوات تحمل على يديها طفلها. إذن فقد نضجت قبل التاسعة. فهذه أشياء تخضع تماماً للبيئة.
ونفس الموضوع نجده عن الرجولة والشهامة ونبل الخلق: ففى أوروبا يُقبِّل الصديق زوجة صديقه ويراقصها وهو حاضن لها ، وهذا من الشهامة ونبل الخلق عندهم. بينما فى البلاد الإسلامية لا يُصافح الرجل المرأة [هكذا ينبغى أن يكون]، وبالطبع لا يُقبلها ، وإلا لكانت مُشكلة تصل للقتل.
كذلك الولد فى البلاد العربية طفل ، لا تجد فيه تحمل المسئولية ، حتى يدخل الجامعة ، وهناك حالات شاذة ، بينما تجد أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان على بن أبى طالب ابن سبع سنوات حينما نام فى فراش الرسول عليه الصلاة والسلام ليمكنه من الهرب من مكة إلى المدينة وليرد ودائع أهل مكة لأصحابها.
لقد ائتمن الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الصبى فى عمره هذا على هجرته ، وعلى حياته ، كما ائتمنه على رد ودائع أهل مكة ، كما قبل الصبى هذه المخاطرة، وفهم أن هذا العمل قد يؤدى إلى مقتله هو نفسه. كم يساوى هذا الطفل من عدد من رجال اليوم؟ وهذا النضج المبكر نراه اليوم فى أطفال فلسطين ، أطفال فلسطين الذين يقفون بالحجارة فى وجه الدبابات والمصفحات.
كذلك كان عمر أسامة بن زيد أن قائد جيوش المسلمين لقتال الروم بين الثامنة عشر والعشرين ، ولو تخيلت كم عمر أى قائد للجيش اليوم ستجده بين الخمسين والخامسة والخمسين. فالرجولة والأنوثة يخضعان إذن لعوامل النضج الجثمانى والبيئى.
ولِدَت السيدة عائشة قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات ، على رأى البعض. أى أن الفارق فى العمر بينهما 44 سنة ، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه بُعِثَ على رأس الأربعين.
توفت أمنا خديجة رضى الله عنها وكان عمر نبينا الحبيب 50 سنة ، ثم مكث الرسول عليه الصلاة والسلام فترة 3 سنوات وسبعة أشهر بين كونه أرمل وزوج للسيدة سودة بنت زمعة. أى كان زوجاً لواحدة فقط إلى أن تجاوز سن 53.7 عاماً. ثم جاءته السيدة خولة بنت حكيم لتزوجه للمرة الثانية من عائشة، فقد زوجته من قبل أيضا من السيدة سودة ، فخطبها واستمرت الخطوبة سنتان ، لأنه استصغر سنها فى هذا الوقت ، فقالت له: اخطبها وانتظرها حتى تنضج ، وكان الغرض من هذه الزيجة توطيد العلاقة بين الصديقين: بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين أبى بكر الصديق أبيها. ثم بنى بها بعد ذلك فى السنة الثانية من الهجرة. أى تزوج السيدة عائشة وعمره 53.7 + 2= 55.7 سنة.
فإذا طرحت الفرق بين عمريهما وهو 44 سنة يكون عمر السيدة عائشة 11.7 سنوات عند زواج الرسول بها ، أى أشرفت على الثانية عشر. وهو العمر التقريبى الذى حملت فيه السيدة مريم العذراء بنبى الله ورسوله عيسى عليه السلام.
وبحساب آخر:
بُعِثَ الرسول على رأس الأربعين ، وعلى فرض صحة أن السيدة عائشة ولِدَت بعد البعثة بأربع سنوات ، فيكون الفارق فى العمر بينهما 44 سنة ، وماتت السيدة خديجة رضى الله عنهما فى سنة 3 قبل الهجرة ، وكان عمر الرسول عليه الصلاة والسلام 50 سنة ، وبعد سنتين من الهجرة دخل بعائشة ، أى بعد 15 سنة من البعثة ، أى كان عمره 55 سنة ، عندما بنى بالسيدة عائشة ، فإذا طرحنا فارق العمر بينهما ، يكون عمر السيدة عائشة وقتئذ 11 سنة بالإضافة إلى قارث الأشهر الذى لم يدخل فى الحساب.
وبحساب آخر:
بُعِثَ الرسول على رأس الأربعين ، ومكث فى مكة يدعو الناس 13 سنة ثم هاجر إلى المدينة ، وبعد سنتين من الهجرة دخل بعائشة ، أى بعد 15 سنة من البعثة ، وهى وُلِدَت بعد أربع سنوات من البعثة ، فيكون عمرها قارب ال 11 سنة وعدة أشهر.
هذا على فرض صحة أنها ولِدَت بعد البعثة بأربع سنوات ، لأنهم كانوا لا يهتمون بحساب السنوات وأعمار الفتيات على الأخص ، فلم يكن الفتيات مرتباط بتعليم أو تكليف سنى محدد ، وكان العامل الفيصل فى زواجهن هو النضج الجثمانى.
وبحساب آخر:
ولدت السيدة عائشة فى السنة الرابعة قبل البعثة ، وبعد 4 سنوات جاءت الدعوة ، واستمرت فى مكة 13 سنة ، ثم بنى بها الرسول عليه الصلاة والسلام بعد 2 سنة من الهجرة فى المدينة ، ولو جمعنا كل هذا العمر لوجدنا أن عمرها كان 19 سنة.
وأنا لا أميل لهذا الحساب ، لأن الرسول بنى بها بعد سنتين من الخطبة ، ومعنى ذلك أنه خطبها ابنة 17 سنة ، وهذا سن نضج للبنت ، فلو علمنا أن السيدة صفية بنت حُيى بن أخطب (زعيم اليهود فى بنى النضير) تزوجت الرسول عليه الصلاة والسلام ابنة 18 سنة، وكانت زيجتها الثالثة ، فقد تزوجت للمرة الأولى وهى ابنة تسع سنوات ، لعلمنا أن سن 17 سنة ، سن نضج كاف جداً للزواج ، ولما قال عنها الرسول عليه الصلاة والسلام لخولة بنت حكيم إنها صغيرة السن. ولما قالت لها السيدة خولة (اخطبها وانتظر يا رسول الله!)
وبحساب آخر:
رفضت أم جبير وزوجها إتمام زواج ابنهما من عائشة بنت الصديق ، وذلك لعلم أبويه باعتناق أبى بكر الإسلام ومساندته للرسول عليه الصلاة والسلام ودعوته. فيستحيل أن تكون السيدة عائشة قد ولدت فى السنة الرابعة قبل البعثة ، ثم خطبت بعد ذلك بست سنوات لجبير أى فى السنة العاشرة من البعثة. أى بعد سبع سنوات من
المجاهرة بالدعوة!
وعلى ذلك تكون السيدة عائشة ولدت قبل البعثة بسنتين على الأقل ، وخطِبت لجبير بن مطعم بن عدى وهى ابنة أربع سنوات أو خمس سنوات، أى قبل المجاهرة بالدعوة مباشرة أو بسنة، وانتظروا حتى تكبر الفتاة فيتم الزفاف. وعلى ذلك يكون الفارق بين عمرها وعمر الرسول صلى الله عليه وسلم 42 سنة.
ثم بعد ذلك علم مطعم بن عدى بإسلام أبى بكر ، (ومع ذلك لم ينكروا ذلك على جبير بن مطعم ، ولم ينكروا زواج الرسول عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة.) وفسخ خطوبة ابنه بدافع شخصى من عنده ودون أن يبلغ أبى بكر بعمله هذا ، (أو لظنه أن أبو بكر قد يكون هو الذى فسخ الخطبة لأن جبير ليس على دينه ، وللمضايقات والتعذيب الذى لقيه المسلمون على أيدى المشركين).
وخطبها الرسول عليه الصلاة والسلام وعمره 53.7 ، أى كان عمرها 11.7 ، ثم بنى بها بعد ذلك بسنتين ، أى تزوجت وهى ابنة 13.7 سنة.
وأستبعد هذا الحل لأن الرسول بذلك يكون قد خطبها وهى ابنة 12 سنة تقريباً ، وهذا سن نضج للبنت ، فلو علمنا أن اليهود زوجوا ابنتهم صفية بنت حُيى بن أخطب وهى ابنة تسع سنوات ، لعلمنا أن سن 12 سنة ، سن نضج كاف جداً للزواج ، ولما قال عنها الرسول عليه الصلاة والسلام لخولة بنت حكيم أنها صغيرة السن. ولما قالت لها السيدة خولة (اخطبها وانتظر يا رسول الله!)
وفى حديث للبخارى ذكرت السيدة عائشة أن الرسول قد تزوجها وهى ابنة تسع سنوات ، فقد يكون تزوجها فى التاسعة وانتظر سنتين ثم بنى بها بعد ذلك فى المدينة: أى المرجح أنه دخل بها وهى ابنة تسع سنوات أو احد عشر سنة. والأخير هو المرجح عندى ، ولو أنها لن تفرق كثيراً ، لأن سن التاسعة هو سن نضج ، تزوجت فيه فتيات كثيرات ، منهن صفية بنت حُيى بن أخطب رئيس يهود بنى النضير ، وعمرو بن العاص قبل إسلامه ، فقد كان الفارق فى العمر بينه وبين ابنه عبد الله 11 سنة.
فلو سلمنا جدلاً زواج الرسول عليه الصلاة والسلام بطفلة عمرها 7 سنوات لم تنضج، ما كان الكفار أو اليهود قد تركوها له دون أن يحاولوا النيل منه. لأن قريش التي كانت تتربّص فى المقام الأول بالرسول صلى الله عليه وسلم الدوائر لتأليب الناس عليه من فجوة أو هفوة أو زلّة، لم تُدهش حين أُعلن نبأ المصاهرة بين أعزّ صاحبين وأوفى صديقين، بل استقبلته كما تستقبل أيّ أمر طبيعي.
فما كانت قريش لتنتظر حتى يأتى منصرون أو مستشرقون ليجدوا فى هذه النقطة مجالاً للطعن فيه عليه الصلاة والسلام.
الفارق الزمنى بين المتزوجين من سكان أهل المنطقة نفسها من اليهود والعرب كان قريب من عمر الرسول عليه الصلاة والسلام والسيدة عائشة. فكان الفارق السنىّ بين عمرو بن العاص وابنه عبد الله 11 سنة ، فإذا كان الأب تزوج وعمره 10 سنة ، فكم كان عمر زوجته حينئذ؟ ومن المتعارف عليه (وهو ليس بقانون بدليل زواج الرسول عليه الصلاة والسلام من السيدة خديجة) أن يكون الرجل أكبر سناً من المرأة.
الإصحاح السابع عشر بعد المائة
عُمر السيدة مريم عند حملها بعيسى عليه السلام:
ورد في كتاب »قصة نياحة أبينا القديس الشيخ النجار« (فصل 3) بخصوص مريم: »قدمها أبواها إلى الهيكل وهي ابنة ثلاث سنين، وأقامت في هيكل الرب تسع سنين. ولما رأى الكهنة العذراء القديسة المتَّقية الرب قد نشأت، خاطبوا بعضهم بعضاً قائلين: سلوا عن رجل يخاف الله لتودعوا عنده مريم إلى زمان العرس لئلا تبقى في الهيكل«. وتناول كتاب نصرانى آخر بعنوان »حكاية رحلة يوسف« نفس تفاصيل هذه القصة.
ولكن قبل ذلك لما أحضر والدا مريم ابنتيهما إلى الهيكل حدثت أشياء أخرى وردت في سياق القصة في (بروت إيفانجليوم أى "إنجيل الخبز") ليعقوب الصغير (إصحاحات 7 و 11): »أن الكاهن قبلها وباركها قائلاً إن الرب الإله عظَّم اسمك بين جميع أجيال الأرض، وعليك في آخر الأيام يعلن الرب الإله فداء بني إسرائيل .. وربيت مريم كحمامة في هيكل الرب،وكانت تتناول الأكل من يد ملاك حتى 12 سنة من العمر
ثم التأم مجلس الكهنة فقالوا: إذا بلغت مريم اثنتي عشرة سنة من العمر في هيكل الرب، فما الذي يجب فعله بها؟ .. فوقف ملاك الرب بجانب زكريا وقال له: يا زكريا، اخرج واجمع أرامل القوم، وليأت كل واحد بقلم، ومن يريه الرب الإله علامة تكون زوجةً له. فخرج المنادون في جميع نواحي اليهودية وبوَّقوا ببوق الله، فأتى الجميع مسرعين. فألقى يوسف قدّومه أيضاً وولج في المجلس. ولما اجتمعوا توجَّهوا إلى الكاهن، فأخذ الكاهن أقلام الجميع ودخل الهيكل وصلى. ولما تمت صلاته خرج وردَّ لكل واحد قلمه، فلم تظهر علامة فيه، غير أن يوسف أخذ القلم الأخير، فخرجت من القلم حمامة وطارت على رأس يوسف.. فقال له الكاهن صار لك حق بواسطة القرعة أن تتخذ عذراء الرب ، فخُذها وديعة عندك.
ولما كان يوسف منزعجاً أخذها وديعة عنده .. فأخذت مريم جرَّة وخرجت لتملأها ماء، وإذا بصوت قائل: السلام لك أيتها المنعَم عليها. الرب معك. مباركة أنت في النساء. فأخذت تلتفت يميناً ويساراً لترى من أين أتى هذا الصوت. ولما انزعجت توجهت إلى بيتها ولما وضعت الجرة .. جلست على الكرسي .. وإذا بملاك الرب قد وقف بجانبها وقال لها: لا تخافي يا مريم لأنك وجدتِ نعمة أمام الله ، وستحبلين بكلمته. ولما سمعت هذا قالت مريم في نفسها: هل أحبل كما تلد كل امرأة؟ فقال لها الملاك: ليس كذلك يا مريم، لأن قوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله وتسمينه يسوع«.
لاحظنا من سياق الكلام أنهم تشاوروا فى الذى يجب عمله إذا بلغت مريم الثانية عشر، أى لم تكن قد بلغتها بعد!! ومع ذلك فقد بدأوا بالبحث لها عن زوج وهى فى هذا السن، الذى لم تبلغ فيه سن الثانية عشر من عمرها بعد!
إذن فقد كانت مريم عليها السلام قبل الثانية عشر أنسة ناضجة يمكنها الزواج والحمل!
-
الإصحاح الثامن عشر بعد المائة
سن الزواج فى بعض البلاد الأوروبية والأمريكية:
حددت الكنيسة الكاثوليكية فى إسبانيا أن من شروط صحة الزواج أن يبلغ الزوج من العمر 14 سنة ، والزوجة 12 سنة. فإذا كانت البنت فى إسبانيا تُعد صالحة للزواج فى سن 12 سنة ، فما بالكم بالبنت فى الجزيرة العربية؟ أو بالبنت فى جنوب إفريقيا؟
وفى الأرجنتين يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 14 سنة ، والزوجة 12 سنة.
وفى ولاية فلوريدا وولاية إيداهو يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 14 سنة ، والزوجة 12 سنة.
وفى ولاية كونورادو الأمريكية يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 21 سنة ، والزوجة 12 سنة.
وفى يوغوسلافيا (فى الصرب ومونتيجرو) يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 15 سنة ، والزوجة 13 سنة.
وفى إيطاليا يجب أن يكون الزوج قد بلغ 16 سنة والزوجة 14 سنة
وفى ولاية ألاباما الأمريكية يجب أن يكون الزوج قد بلغ 17 سنة والزوجة 14 سنة
وفى اليونان يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 18 سنة ، والزوجة 14 سنة.
وفى بلجيكا يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 18 سنة ، والزوجة 15 سنة.
وفى اليابان يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 17 سنة ، والزوجة 15 سنة.
وفى النمسا يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 21 سنة ، والزوجة 16 سنة.
وفى الدينمارك يجب أن يبلغ الرجل من العمر 20 سنة والزوجة 16 سنة على الأقل.
وفى المجر وهولندا يُشترط أن يكون الزوج قد بلغ من العمر 18 سنة ، والزوجة 16 سنة.
وفى السويد وسويسرا يجب أن يبلغ الرجل من العمر 21 سنة والزوجة 18 سنة على الأقل. (نقلا عن الزواج والطلاق فى جميع الأديان ص 383-418)
وقد كان اليهود يزوجون الولد فى سن 18 سنة والبنت بعد السبى فى سن 13.
الإصحاح التاسع عشر بعد المائة
سن الزواج:
إن سن الزواج لا يخضع إلا لمعيار واحد: هل العروسان اكتملا النضج الجثمانى أو لا؟ فالسن الذى يُتعارف عليه فى البلدان الحارة بالنسبة للسيدات أقل بكثير منها فى البلاد الباردة.
وقد تزوجت السيدة صفية بنت حُيى بن الأخطب النضرى وهى على دين أبيها اليهودى زعيم بنى النضير ، وهى فى سن السيدة عائشة تقريباً ، فقد تزوجت الرسول صلى الله عليه وسلم وهى ابنة 17 سنة، وكانت قبله قد تزوجت مرتين: سلام بن مشكم القرظى، ثم طلقها فتزوجها بعده كنانة بن الربيع.
ويكفيك أن تعلم أن البنت فى أمريكا وأوروبا تبدأ فى تناول أقراص منع الحمل ابتداءً من سن العاشرة.
فإذا كانت البنت فى الأماكن الباردة تصلح للزواج والإنجاب ابتداءً من العاشرة ، فكيف سيكون الحال فى البلاد الحارة مثل شبه الجزيرة العربية؟
وقد (رُصِدَت جائزة فى بعض بلاد أوربا (أمسك عن ذكر اسمها) لكل فتاة بلغت الثانية والعشرين ومازالت عذراء. فلم تنجح واحدة ؛ فنزلوا بالسن سنة إثر سنة حتى وصلوا إلى الثامنة عشرة فكفوا حياءً واكتفاء من الفضيحة بهذا القدر.) كما قال الأستاذ عبد المجيد صبح فى كتابه: (الرد الجميل فى المشككين فى الإسلام ص 199)
من المعلوم أنّ نضوج الفتاة في المناطق الحارّة مبكّر جداً ، وهو في سنّ الثامنة عادة ، وتتأخّر الفتاة في المناطق الباردة إلى سنّ الواحد والعشرين. كما يحدث ذلك في بعض البلاد الباردة.
أنّ السيدة عائشة رضي الله عنها لم تكن أول صبيّة تُزفّ في تلك البيئة إلى رجل في سنّ أبيها، ولن تكون كذلك أُخراهنّ. فقد تزوجت السيدة صفية بنت حيى بن الأخطب للمرة الأولى عندما كانت بنت 9 سنوات. فقد كان هذا هو السائد فى هذه البيئة الحارة بغض النظر عن الدين. بل كانت السيدة عائشة مخطوبة لجبير بن المطعم بن عدى وهى ابنة 6 سنوات.
كان فارق العمر بين يوسف النجار والسيدة مريم تقريباً 78 سنة ، فقد كان يوسف ابن 90 سنة حينما خطب مريم، ودخل بها بعد ذلك بسنتين (على احدى الروايات) ذكرتها دائرة المعارف الكاثوليكية على شبكة النت:
http://www.newadvent.org/cathen/08504a.htm
لقد تزوّج عبد المطلب الشيخ عم الرسول عليه الصلاة والسلام من هالة بنت عمّ آمنة في اليوم الذي تزوّج فيه عبد الله أصغر أبنائه من صبيّة هي في سنّ هالة وهي آمنة بنت وهب.
عمر بن الخطاب عرض ابنته بعد وفاة زوجها على أبى بكر عندما توفى زوجها وعمرها لا يتجاوز ال 18 سنة. معنى هذا أن هذه الزيجات كانت منتشرة وقتئذ.
تزوج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت على بن أبى طالب وبينهما فارق فى السن كان هو نفس الفارق فى العمر الذى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأمنا عائشة رضى الله عنها .
كان عمر نبى الله إبراهيم عليه السلام عندما تزوج هاجر 85 سنة ، وان عمرها حوالى 15 سنة أو أصغر ، لأنها أعطيت له كجارية فى مصر ، ورجع أرض كنعان عندما كان عمره 75 سنة وتزوجها بعد 10 سنوات. فكان الفارق الزمنى بينهما حوالى 70 سنة أو أكثر. (تكوين 12: 4-20) و(تكوين 16: 3-16)
كان عمر نبى الله داود عليه السلام عندما مات 70 سنة ، وقبلها بقليل تزوج بآخر زوجة له وكانت فتاة عذراء ، فمن الممكمن أن يكون عمرها حوالى 13 سنة كما اعتاد اليهود تزويج بناتهم ، فيكون الفارق الزمنى بينهما هو 57 سنة.
بل إن الكتاب المقدس يذكر أن فارص تزوج وعمره خمس سنوات ، ودخل مصر فى الثامنة من عمره ومعه ابنيه!
وبيان ذلك كالآتى:
من وقت رمي يوسف عليه السلام في الجب حتى دخول يعقوب وأبنائه مصر 22 سنة
وهى 17 عمر يوسف وقت رميه فى البئر (تكوين 37: 2) + 13 سنة (المدة التى قضاها حتى وقف بين يدى فرعون (تكوين 41: 46) فقد وقف وهو ابن 30 سنة + 7 سنين رخاء (تكوين 41: 53) + سنتين أتى فيهم يعقوب وأبناؤه (تكوين 45: 6) = فيكون المجموع 22 سنة كما أخبرت التوراة.
لنقرأ الذى حدث في هذه ال 22 سنة من أحداث:
يقول الكتاب في (تكوين 37: 1 ، 5)
إن يهوذا أخو يوسف تزوج من إبنة شوع وحملت ثم أنجبت (عير)، وهذا لا يمكن ان يكون في أقل من سنة
ثم بعد ذلك تزوجت (أونان) ، ثم بعد ذلك تزوجت ( شيلة ) ابنه عندما كبر.
ثم من عدد (6 ، 10 )
نرى أن (عير) تزوج ( ثامار ) ثم مات بعدها ، ولا يمكن أن يكون تزوجها وهو أقل من 12 سنة ، ولنفرض أنه كان ابن 12 سنة وأنه مات بعدما تزوجها بيوم ، ولنحسب المدة الآن من وقت زواج يهوذا حتى ولادة عير سنة ، زائد عمره في سن الزواج 12 سنة فيصبح المجموع 13 سنة.
ثم تزوجها ( أونان ) ، ثم مات أيضاً ، ولنفرض أنه مات بعدما تزوجها بيوم.
ثم في عدد ( 11 ) انتظرت شيلة حتى يكبر ، ولكنه أيضاً كبر ولم يتزوجها كما في عدد ( 14 ) ولا يمكن أن يكون هذا في أقل من سنة ، لأن المانع من الزواج كان صغر سنه كما في عدد (11 ) فمنطقياً لا يمكن أن تكون انتظرته أسبوع أو شهر أو شهرين بل على أقل تقدير سنة واحدة فنضيفها إلى ال 13 سنة فيصبح المجموع 14 سنة.
ثم يقول إنه بعد هذا الإنتظار زنى بها يهوذا نفسه وحملت منه ثم وضعت طفلين هما فارص وزارح وهذا تم في تسعة أشهر أي ما يقرب السنة
ولنقل إنه سنة ونضيفها إلى ال 14 سنة فيصبح المجموع 15 سنة من 22 سنة فيبقى 7 إلى 8 سنوات على الأكثر ، وهذا هو عمر فارص عندما دخل مصر كما سيأتي
وفي (تكوين 46: 12) يذكر لنا أسماء الذين دخلوا مصر مع يعقوب ويذكر من بينهم فارص وابناه (حصرون وحامول) فكيف يكون له طفلين وهو في هذا العمر؟
فهذا يعني أنه تزوج وهو أقل من 7 سنوات أي 6 سنوات هذا إذا فرضنا أنهما توأمين وإلا يكون تزوج وهو في سن الخامسة!!
ويجب أن لا ننسى أننا حسبنا كل شئ على أقل تقدير والله المستعان (نقلا عن الأستاذ بلال من موقع barsoomyat.com)
بل تزوج يهورام قبل أن يولد بثلاث سنوات: فقد كان يهورام (20كَانَ ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ وَمَلَكَ ثَمَانِيَ سِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَذَهَبَ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي قُبُورِ الْمُلُوكِ.) أخبار الأيام الثانى 21: 20
(1وَمَلَّكَ سُكَّانُ أُورُشَلِيمَ أَخَزْيَا ابْنَهُ الأَصْغَرَ عِوَضاً عَنْهُ لأَنَّ جَمِيعَ الأَوَّلِينَ قَتَلَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَ الْعَرَبِ إِلَى الْمَحَلَّةِ. فَمَلَكَ أَخَزْيَا بْنُ يَهُورَامَ مَلِكِ يَهُوذَا. 2كَانَ أَخَزْيَا ابْنَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ وَمَلَكَ سَنَةً وَاحِدَةً فِي أُورُشَلِيمَ وَاسْمُ أُمِّهِ عَثَلْيَا بِنْتُ عُمْرِي.) أخبار الأيام الثانى 22: 1-2
وفى هذه الكارثة تقول دائرة المعارف الكتابية: (وكان ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك ، وملك سنة واحدة (ملوك الثانى 8: 26). أما عبارة "اثنتين وأربعين سنة" (أخبار الأيام الثانى 22: 2) فلا شك أنها خطأ من الناسخ حيث أننا نعلم من (أخبار الأيام الثانى 21: 5 و 20) أن يهورام أباه كان ابن أربعين سنة عندما مات. كما أنها جاءت "ابن اثنتين وعشرين سنة" في النسختين السريانية والعربية ، "وابن عشرين سنة" في الترجمة السبعينية.)
فعلى حساب الكتاب المقدس يكون يهورام قد بلغ وتزوج قبل أن تلده أمه بثلاث سنوات، ليتساوى مع عمر ابنه!
الإصحاح العشرين بعد المائة
تعدد زوجات خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام :
تزوج النبى محمد صلى الله عليه وسلم من زوجة: (1) السيدة خديجة ، (2) والسيدة سودة بنت زمعة ، (3) والسيدة عائشة بنت أبى بكر ، (4) والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب ، (5) والسيدة زينب بنت خزيمة (أم المساكين)، (6) والسيدة هند بنت أبى أمية (أم سلمة) ، (7) والسيدة زينب بنت جحش ، (8) والسيدة جويرة بنت الحارث ، (9) والسيدة صفية بنت حُيى بن أخطب، (10) والسيدة رملة أم حبيبة بنت أبى سفيان ، (11) والسيدة ماريا بنت شمعون ، (12) والسيدة ميمونة بنت الحارث.
منهن أمنا السيدة جويرة بنت الحارث (8) ، والسيدة صفية بنت حُيى بن أخطب (9) كانتا من سبايا الحرب ولهن ظروفهن الخاصة، التى تنم عن براعة النبى القائد السياسى الرحيم، وكذلك كانت السيدة ماريا بنت شمعون (11) هدية من المقوقس عظيم القبط فى مصر ، ولم تكن السيدة ماريا من زوجات الرسول ، وإنما كانت ملك يمين ، وبذلك لم يُطلَق عليها اسم أم المؤمنين. وقد ذكرت بعض الروايات أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد تزوجها تكريماً لها وتشريفاً.
يلاحظ الآتى:
1- تزوج الرسول عليه الصلاة والسلام بأمنا جويرة بنت الحارث وأمنا صفية بنت حُيى بن أخطب وقد كانتا من السبايا ، فأكرمهن بعد إسلامهن ، وتزوجهن ، ولو كان دخل على أى من السبايا التى يملكها فهذا حقه ، وقد أقرته التشريعات السابقة ، كما كانت مارية المصرية جارية أهداها له المقوقس عظيم القبط بمصر. فقد كانت سارية من سراريه (مملوكة له). وأعتقها بعد إسلامها وتزوجها.
2- بدأ داود بتعدد الزواجات عندما كان عمره 20 سنة وعلى مدار عمره كله ، أى 50 سنة كان يعدد فيها الزوجات.
3- ويمكنك من الجدول أعلاه أن تقارن بين تعدد زوجات النبى صلوات الله وسلامه عليه وبين تعدد زوجات باقى الأنبياء. وتكم بنفسك: هل كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم شهوانى أو محب للنساء؟
- تزوج وعمره صلى الله عليه وسلم 25 سنة ، وظل 25 سنة مع زوجة واحدة.
- توفت أمنا خديجة وكان عمره صلى الله عليه وسلم 50 سنة
- ظل صلى الله عليه وسلم من عمر 50 إلى عمر 52 بدون زواج.
- ظل من سنة ونصف إلى سنتين مع السيدة سودة بنت زمعة دون أن يتزوج عليها. وكان عمرها فوق الثمانين سنة.
- عدَّدَ الرسول صلى الله عليه وسلم الزوجات فى مدة تُقدَّر ب 5.9 سنوات.
- وظل صلى الله عليه وسلم فترة تُقدَّر ب 3.5 سنوات بدون زواج جديد.
- تزوَّج الرسول صلوات الله عليه وسلم بطريقتين:
محمد الرجل وقد تزوج السيدة خديجة فقط
ومحمد الرسول تزوج الباقيات لدواعى النبوة والدعوة والإنسانية.
الإصحاح الواحد والعشرين بعد المائة
لماذا لم يسمح الرسول بزواج علىّ من امرأة أخرى على ابنته فاطمة:
هذه شبهة أثارها أناس لم يتحلوا بالموضوعية أو لم يفهموا الموضوع إلا بعين غشيها التعصب. لقد أراد على بن أبى طالب أن يتزوج ابنة عدو الله أبى جهل ، فلك أن تتخيل أن يكون عدو الله فى خارج بيت النبوة يحاول قتل الرسول والتخلص منه ومن دعوته ، ويحاول ذلك عن طريق ابنته فى الداخل ، حيث سكناهما هو نفس السكن ، مع ابنة رسول الله ومع رسول الله نفسه! فلو فشل عدو الله فى النيل من الرسول نفسه ، فستكون هناك فرص كثيرة للنيل من الرسول فى شخص ابنته. أضف إلى ذلك كيف يدخل عدو الله بيت ابنة النبى ليزور ابنته على الأقل: ألن تسول له نفسه بالإنتقام من رسول الله فى شخص ابنته السيدة فاطمة؟
(أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ قَالَ الْمِسْوَرُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ بَضْعَةٌ مِنِّي وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَفْتِنُوهَا وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا
قَالَ فَنَزَلَ عَلِيٌّ عَنْ الْخِطْبَةِ) أخرجه ابن ماجه فى سننه
النقطة الثانية: عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله : (أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) مسند أحمد ، ومسند هاشم.
فالإسلام لا يظلم أحد ، وأن الزواج بنى على التكافؤ من جهتين: جهة الدين ، والجهة الإجتماعية ، فإذا كانت ابنة رسول الله السيدة فاطمة خير نساء أهل الأرض ، فليس من العدل إذن أن يتزوج عليها امرأة قط.
وللمرأة التى من أسرة لها وجهة اجتماعية عالية فى مجتمعها أن تطلب الطلاق للضرر إذا تزوج زوجها عليها امرأة البواب مثلاً ، أو الخادمة ، أو امرأة أقل منها فى الكفاءة الإجتماعية. وهذا ما حدث مع نبى الله إبراهيم ، فلم يتزوج خادمته هاجر على زوجته سارة ، إلا بموافقتها واختيارها هى.
وهذا ما فعله أيضاً الرسول أثناء حياة السيدة خديجة ، فلم يتزوج عليها امرأة، لأنها خير نساء أهل الأرض يومئذ. فمن هذه المرأة التى تفوق خير نساء أهل الأرض؟
الإصحاح الثانى والعشرين بعد المائة
إكراه المرأة على التزوج بشخص معين:
منح الإسلام المرأة الرشيدة الحق فى اختيار زوجها. وفى هذا اعتراف بكرامة المرأة ، وتكريماً لها ، واعتراف بأن المرأة لها العقل المميز ، الذى من حقها بناءً على وجوده أن تختار شريك حياتها. قارن هذا بنص القانون المدنى الفرنسى (بعد الثورة الفرنسية) على أن القاصرين هم الصبى والمجنون والمرأة ، حتى عُدِّلَ عام 1938.
قال (لا تُنكَح الأيِّم حتى تُستَأمَر ، ولا البكر حتى تُستَأذَن)
وقال (إن الثَّيِّبَ أحقُّ بنفسها من وليها ، والبكر تُستَأمَر ، وإذنها سكوتها)
قالت عائشة رضى الله عنها: إن فتاة دخلت عليها ، فقالت: إن أبى زوجنى من ابن أخيه يرفع لى خسيسة [أى يرفع من شأنى] ، وأنا له كارهة. فقالت اجلسى حتى يأتى رسول الله ، فجاء رسول الله ، فأخبرته ، فأرسل إلى أبيها ، فدعاه ، فجعل الأمر إليها ، فقال: "يا رسول الله: قد أجزتُ ما صنع أبى ، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شىء".
-
الإصحاح الثالث والعشرين بعد المائة
لا وجود للخطيئة الأزلية من الأساس:
وفى هذا الإصحاح تبرئة للمرأة والجنس البشرى كله من الخطيئة الأزلية ، وها هى نُخبة من أقوال الرب يستنكر فيها فرية الخطيئة الأزلية:
1- (16«لا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلادِ وَلا يُقْتَلُ الأَوْلادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ.) التثنية 24 : 16
2- (هَلْ قَصَرَتْ يَدِي عَنِ الْفِدَاءِ وَهَلْ لَيْسَ فِيَّ قُدْرَةٌ لِلإِنْقَاذِ؟ هُوَذَا بِزَجْرَتِي أُنَشِّفُ الْبَحْرَ. أَجْعَلُ الأَنْهَارَ قَفْراً. يُنْتِنُ سَمَكُهَا مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَيَمُوتُ بِالْعَطَشِ. 3أُلْبِسُ السَّمَاوَاتِ ظَلاَماً وَأَجْعَلُ الْمِسْحَ غِطَاءَهَا».) إشعياء 50: 2-3
3- (23فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ 24عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّاً فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارّاً الَّذِينَ فِيهِ؟ 25حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا الأَمْرِ أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟») التكوين 18 : 23-25
هل تتخيل أن المخلوق أرحم بعبيد الله منه؟ فنبى الله أبو الأنبياء يستنكر على الإله الخالق الذى أرسله أن يُهلِك مدينة قد يكون فيها عدد قليل من الأبرار حتى ولو خمسون باراً!!
لك أن تتخيل رحمة نبى أكبر وأشمل من قسوة وبطش إلاهه!! إلاه أضمر الشر والرغبة فى الإنتقام ألوفاً من السنوات .. .. وفى النهاية قرر الإنتقام من نفسه أقصد من ابنه!! نبى يشفع فى خمسين باراً ، وإله ينتقم من خلقه أجمعين حتى رسله الأبرار ، حتى من الذين عبدوه حق عبادته ، وأطاعوه وشهد لهم بأنهم أرضوه ، أدخلهم جحيمه فور موتهم حتى يحين وقت نزوله وموته على الصليب لينزل إلى الجحيم ليخلصهم!!
لماذا أراد الله أن ينتقم منهم؟ ألم يعلم أنه سينزل فى صورة بشر وأنه سيغفر لهم عن طريق صلبه وقيامته؟ وهل كان يعرف نبيه هذه الرسالة؟ أم ما هى طبيعة كل رسل الله قبل عيسى عليه السلام؟ ولماذا يختلف كتابكم المقدس عن كل أديان التوحيد السابقة واللاحقة؟ فهل غش الله الأنبياء وأرسلهم برسالة مخالفة لرسالة الأنبياء السابقين وللرسالة التى جاء هو بها؟ هل غش خلقه وأوهمهم بالتوحيد ووحدانية الله دون ناسوت ولاهوت وروح قدس ، ثم خالف كل هذه التعاليم؟ هل أوهمهم أنه لا يقتل الآباء عن الأبناء ولا الأبناء عن الآباء ، ثم فاجأهم أنهم لا يحملون وزر أبيهم بل وزر أول رجل وامرأة خلقا؟
انظر كيف استنكر نبى الله ، الذى علمه الله ، أن يكون الله غير عادل! (حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟) وانظر أيضاً كيف استنكر أن يُحاسَب إنسان على ذنب لم يقترفه هو؟ فلماذا أهانوا المرأة وظنوا أنهم يحملون إثم أكلها من الشجرة؟
ومن الذي قيد الله ، وجعل التوفيق بين العدل والرحمة ، لا يتم إلا بقتل إبنه الوحيد؟
وأين كان الرب الرحيم كل هذا الوقت؟ وهل اقتضت رحمته أن يسكت على هذه الخطيئة المسماة خطيئة حواء كل هذا الوقت من حدوث المعصية من آدم لتُعذَّب المرأة والأنبياء والصالحين مع العاصين والكافرين والزناة حتى ينزل ليموت على الصليب ويغفر لها؟
ألا يعلم الإله بعلمه الأزلى ما سيحدث للنساء طوال التاريخ ، إن لم يغفر لهنً غفراناً فورياً؟
إنها لجريمة تُشين هذا الإله أن تقتضى رحمته ألا يُعالج هذه الجريمة إلا بجريمة أبشع منها. فقد أرسل ابنه البرىء ، فلذة كبده ليُصْلَب ليمحوا هفوة آدم (أكله من الشجرة)!! وهكذا يُعلمنا الإله كيف نكون رحماء!! اقتلوا أبناءكم لتكونوا رحماء!! اسجنوا الابن بسبب سرقة أبيه!
ياله من ظلم! يرسب الابن لأن أبوه لم يتعلم! بل يتفوق الابن فى دراسته وفى عمله ويُحكَم عليه فيه بالفشل بجريرة أبيه! يُطرَد الابن من بيته الذى يسكن فيه فى العراق لأن أبوه لم يدفع إيجار منزله هو الذى يسكن فيه فى مصر! يشرب الأب فتسبب سكر الابن ، ويغضب الرب على الابن وينتقم منه! يَقتل الأب ويغضب الرب على الابن! هذا هو العدل الذى ينسبونه للإله!
ألا تدرون ماذا يعنى هذا؟
إنه ساوى بين المؤمنين والكافرين فى الآخرة!! فالكل سواء ، فبصلب الإله أم ابنه تساوى الجميع!! فلماذا البر؟ ولماذا التقوى؟ ولماذا العمل الصالح؟ لماذا نؤمن بإله؟ لماذا نصدق رسول؟
وإذا كان هذا حال الرب مع من عصاه وأكل من الشجرة ، فقد أضمر له ولكل نسله من بعده الشر ، وقذفهم فى أتون النار ، حتى يتسنى له أن ينزل ، ويحاول اليهود قتله ويهرب منهم ، ثم يتمكنوا منه فى النهاية ، ويُصلَب ، فكيف سيكون حاله مع من زنى أو فسق أو قتل أو كفر؟
لك أن تتخيل: لقد تساوى قتلة الأنبياء مع المصلين، القائمين، الراكعين، الساجدين!!
لك أن تتخيل: لقد تساوى الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر مع الأمرون بالمنكر والناهون عن المعروف!!
لماذا ظل غضب الله على البشرية، خافياً عن الأنبياء العظام السابقين مثل نوح وابراهيم وموسى وأخنوخ، ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب؟
وإذا كانت حواء هى المتهمة الأولى فى القضية ، فلماذا لم ينزل الله على صورة امرأة لفداء البشرية من خطيئة المرأة؟
4- (14فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ.) (أخبار الأيام الثاني7: 14) فهذا قانون الله فمن أتيتم بفرية الصلب والفداء وظلمتم المرأة؟
5- ألم يأمر الرب بالعقاب الفورى لمن خالف تعاليمه ، ولم يعظم السبت؟ فإذا كان هذا حاله مع عباده ، فما الذى غير حاله مع آدم ولم يعاقبه من فوره؟ وإن كان ما فعله مع آدم هو المألوف ، فلماذا تعجَّلَ بقتل هذا الرجل الذى خالف السبت ، ولم ينتظر حتى يجىء هو نفسه ليُصلَب؟ (32وَلمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيل فِي البَرِّيَّةِ وَجَدُوا رَجُلاً يَحْتَطِبُ حَطَباً فِي يَوْمِ السَّبْتِ. 33فَقَدَّمَهُ الذِينَ وَجَدُوهُ يَحْتَطِبُ حَطَباً إِلى مُوسَى وَهَارُونَ وَكُلِّ الجَمَاعَةِ. 34فَوَضَعُوهُ فِي المَحْرَسِ لأَنَّهُ لمْ يُعْلنْ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ. 35فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: «قَتْلاً يُقْتَلُ الرَّجُلُ. يَرْجُمُهُ بِحِجَارَةٍ كُلُّ الجَمَاعَةِ خَارِجَ المَحَلةِ». 36فَأَخْرَجَهُ كُلُّ الجَمَاعَةِ إِلى خَارِجِ المَحَلةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ فَمَاتَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.) خروج 15: 32-36
6- (7لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ وَإِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ.) إشعياء 55: 7
لماذا لم يأمر الربُ الشريرَ ورجلَ الإثم أن ينتظرا حتى ينزل ويُصلب لتتحقق التوبة والمغفرة؟
7- (29فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: [الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِماً وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ]. 30بَلْ: [كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ]. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ.) إرمياء31: 29-30
8- (19[وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا لاَ يَحْمِلُ الاِبْنُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ؟ أَمَّا الاِبْنُ فَقَدْ فَعَلَ حَقّاً وَعَدْلاً. حَفِظَ جَمِيعَ فَرَائِضِي وَعَمِلَ بِهَا فَحَيَاةً يَحْيَا. 20اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ. 21فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقّاً وَعَدْلاً فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. 22كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا. 23هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ؟ أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟) حزقيال 18: 19-23
فلماذا لم يغفر لآدم وحواء إذاً ذنبيهما؟ وكيف يصلب نفسه (أقصد ابنه) وهو يقول. الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ؟ فى أى دين كان وحى الله كاذب؟ أم هل هو إله ذو نزوات ليوحى هنا بعقيد ويفسدها بعقيدة أخرى مع نبى آخر؟
9- (11قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ, إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ, بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. إِرْجِعُوا ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ 12وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فَقُلْ لِبَنِي شَعْبِكَ: إِنَّ بِرَّ الْبَارِّ لاَ يُنَجِّيهِ فِي يَوْمِ مَعْصِيَتِهِ, وَالشِّرِّيرُ لاَ يَعْثُرُ بِشَرِّهِ فِي يَوْمِ رُجُوعِهِ عَنْ شَرِّهِ. وَلاَ يَسْتَطِيعُ الْبَارُّ أَنْ يَحْيَا بِبِرِّهِ فِي يَوْمِ خَطِيئَتِهِ. 13إِذَا قُلْتُ لِلْبَارِّ حَيَاةً تَحْيَا, فَـاتَّكَلَ هُوَ عَلَى بِرِّهِ وَأَثِمَ, فَبِرُّهُ كُلُّهُ لاَ يُذْكَرُ, بَلْ بِإِثْمِهِ الَّذِي فَعَلَهُ يَمُوتُ. 14وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتاً تَمُوتُ! فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِـالْعَدْلِ وَالْحَقِّ, 15إِنْ رَدَّ الشِّرِّيرُ الرَّهْنَ وَعَوَّضَ عَنِ الْمُغْتَصَبِ وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ, فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. 16كُلُّ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. عَمِلَ بِـالْعَدْلِ وَالْحَقِّ فَيَحْيَا حَيَاةً.) حزقيال 33: 11-16
فلماذا يدعوا الله خلقه للتوبة وعمل الصالحات لو كان هنا فداء عن طريق الصلب أو كانت هناك خطيئة أزلية تسببت فيها المرأة أو لم يغفر لأبينا آدم وأمنا حواء؟
ولماذا يدعو الله الأبرار بعدم الاعتماد على برِّهم الذى عملوه بل يُحثهم على الزيادة ، إن كان البر ودخول الجنة قد ذهبت به خطيئة المرأة ولا يتم إلا عن طريق الصلب والفداء؟
10- (فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة) متى 3: 8
هذا كلام يوحنا ( يحيى عليه السلام ) أثناء وجود المسيح عليه السلام مما يبطل القول
بأن المسيح عليه السلام جاء ليفدي العالم. فمن غير المعقول ألا يعرف نبى إلاهه أو يُخالِف رسالة ربه. فهل ينزل الرب نفسه ويقول بالصلب والفداء لغفران الخطايا ثم يقول نبيه لا تسمعوا له ، أنا أضمن لكم الجنة إذا فعلتم أثماراً تليق بالتوبة؟!!
إذاً فقد كانت هناك توبة ، وأن الله غفور رحيم ، يقبل التوبة من عبده العاصى. فلماذا لم يقبل بالذات توبة عبده آدم وأَمَتِهِ حواء؟
11- (35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زَكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ.) متى 23: 35
فعيسى عليه السلام قد اعترف إذاً ببر الأنبياء وعباد الله من أول خلق البشرية إلى زمانه! فأين إذاً الخطيئة الأزلية؟ وما حاجة الله إلى الصلب والفداء؟ ألم تتفكروا أية خطيئة أكبر: الأكل من شجرة معرفة الخير من الشر أم قتل الأخ لأخيه؟ فما بالكم بقتل الإله نفسه أو ابنه؟ ألا يُعَد هذا انتحار من وجهة نظر العقل؟ ألا يُعَد ذلك انتحار تبعاً لقوله: (أنا هو الراعى الصالح) يوحنا 10: 11 (لأنه مكتوب أنِّى أَضربُ الراعى فتتبدد الخراف) متى 14: 27 ؟ فهو بذلك الضارب والمضروب!!
12- سُئلَ عيسى عليه السلام(16وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: 17فَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. وَلَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». 18قَالَ لَهُ: «أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ: «لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. 19أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». 20قَالَ لَهُ الشَّابُّ: «هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟» 21قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». 22فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِيناً لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.) متى19: 16-22 ولوقا18: 18-23
ماذا قال له المسيح؟ تؤمن بعقيدة الصلب والفداء؟ لا. قال له تشهد أنه واحد فقط هو الإله الصالح (أى توحِّد الله) ثم تأتى بالأعمال الصالحة.
فأين هنا عقيدة الخطيئة الأزلية وفرية الصلب والفداء؟ وما أهمية حفظ الوصايا هنا لو كان الخلاص بالصلب؟ وأين هذا من أقوال بولس؟ ألم يقل بولس:
(16إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.) غلاطية 2: 16
(. 4قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ. سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ. 5فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرٍّ. 6لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئاً وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ.) غلاطية 5: 4-6
(20لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ. 21وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ 22بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. 23إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ 24مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ 25الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ.) رومية 3: 20-25
(18فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، 19إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئاً.) عبرانيين 7: 18-19
13- سئل عيسى عليه السلام: (36«يَا مُعَلِّمُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» 37فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. 38هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. 39وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. 40بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ».) متى 22: 36-40
فلماذا لم يَقُل إنه عليك أن تؤمن بعقيدة الخطيئة الأزلية وأسطورة الصلب والفداء؟ وأين عقيدة الفداء والصلب هنا؟ ولماذا الفداء هنا؟ وأين هذا من أقوال بولس المذكورة أعلاه؟
14- من صفات الله التى لا يختلف عليها العقلاء (العدل والرحمة والغفران).
فأين الرحمة لو صُلِبَ برىء تكفيراً عن شخص آخر؟
وهل يُصلب إله تكفيراً عن خطيئة بشر؟ ولو قلتم إن الذى صُلِبَ كان بشر أيضاً ، لقلنا لقد انفصل وقتئذ إذاً لاهوته عن ناسوته ، وبذلك ينتفى الاتحاد التام والكامل فى القول والعمل الذى تنادون به.
فما بالك إذا كان الآخر ابن الإله؟
هل كان يريد أن يتخلص من ابنه؟
أم هل كان عاجزاً عن الغفران بدون هذه المسرحية؟
وكيف يثق خلقه به إذا كان قد ضحى بالبار البرىء من أجل غفران خطيئة مذنب آخر؟
هل هو قاسى القلب لهذه الدرجة: يحب آدم وحواء وذريتهما أكثر من ابنه؟
ولماذا لم ينتقم من يعقوب عندما ضحك عليه وسرق النبوة من أبيه وفرضها على الرب؟ (تكوين 27) وكيف سينتقم منه إذاً؟
ولماذا لم ينتقم الله (فى زعمكم) من يعقوب الذى تصارع معه وقهره؟ (تكوين32: 22-30)
ولو كان الصلب والفداء لغفران خطيئة حواء – فكيف يكفر عن خطيئة الشيطان؟ وكيف سيكفر عن خطيئة آدم؟ وهل سيضطر إلى النزول مرة أخرى والزواج من شيطانة لينجب شيطاناً يصلب عن الشياطين؟ أليست خطيئة الشيطان أعظم وأجل؟ أم كان صَلب ابنه (أقصد نفسه) هذا نيابة عن الجن والإنس؟
ولماذا لم ينتقم من نبيه يهوذا الذى زنا بزوجة ابنه (تكوين 38: 12- 26)
ولماذا لم ينتقم من لوط الذى تقولون إن زنى بابنتيه؟ (تكوين 19: 30-38)
ولماذا لم ينتقم من أمنون الذى تقولون عنه إنه زنى بأخته؟ (صموئيل الثانى 13)
ولماذا لم ينتقم من داود الذى تتهمونه بالزنا مع امرأة جاره بعد ارتكابه خيانة عظمى فى حق جيشه وجنوده ليقتل زوجها؟ (صموئيل الثانى 11)
ولماذا لم ينتقم من سليمان الذى عبد الأوثان؟ (ملوك الأول 11: 9-10)
ولماذا لم ينتقم من بنى اسرائيل الذين عبدوا العجل بعد أن أنقذهم وأخرجهم من مصر؟ (خروج 32: 1-6)
ولماذا لم ينزل مرة أخرى ليصلب ليكفر عن خطيئة من قتلوا ابنه وحرفوا دينه؟
ولماذا تعجَّلَ وأمر بقتل نفس ، برجم المرتد ، لو كان فى نيته أن يفديه ويغفر له خطاياه بموت ابنه على الصليب؟ (تثنية 13: 6-10) وهل من العدل أن يتساوى الكافر والمؤمن لمجرد صلب إنسان برىء؟
وهل بهذا قد تعلم شعب الصليب تحمل مسؤولية أعمالهم؟ لا. إنهم يُحمِّلون ظهر إلاههم بأثقال من الذنوب والإثام، لا بد معها من ارسال ابنه مرة أخرى وربما ابنته وزوجته وكل أقربائه مرات ومرات حتى يرضيه منظر الدماء والضحايا ليتوب عليهم ويغفر لهم!! أليس من الأسهل لو أنه انتقم من الشيطان وأراح واستراح؟
ولماذا لم ينتقم من بنى إسرائيل على سرقتهم حلى المصريين؟خروج 12: 35-36
ولماذا لم ينتقم ممن أوقدوا نيران الحرب وقتلوا الأبرياء فى صبرا وشاتيل وفى جنين؟
أيهما أهم عند هذا الإله: الأكل من شجرة معرفة الخير والشر أم قتل النفس؟
كيف يكون إله بار رحيم حنّان منّان وهو يُضمر كل هذا الشر فى نفسه؟ كل هذا العمر لينتقم من فلذة كبده؟ ثم تقولون الله محبة؟!!!
ألم يقل إنه إله غيور يتفقد ذنوب الآباء فى الأبناء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضيه؟
فلماذا كذب وانتظر كل هذه الأجيال؟ (خروج 20: 5)
وإذا كان هذا حاله مع من أحب - مع ابنه – فماذا يكون حاله معنا نحن؟
ولماذا لم ينتقم من الشيطان الذى قهره أربعين يوما يجربه فى البرية؟متى4: 1-11
ولماذا لم ينتقم من الشيطان الذى وسوس لآدم وحواء وتسبب فى هذه الخطيئة؟
ولماذا لم ينتقم ممن وصفوه بالظلم ونفوا عنه الرحمة؟ (إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا! 32اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ) رومية 8: 31-32
أم نزل هو ليصلب ليظل خلقه يلعنوه إلى يوم الدين ثم يخلدهم فى الجنة بهذا العمل
الأسطورى الذى راح هو ضحيته؟ (13اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».) غلاطية 3: 13
لماذا قبل إلاهكم أن يتحول إلى حيوان منوى لايُرى، ثمّ نطفة، ثمَّ علقة، ثم مضغة، ويتوسخ بالدماء وينزل من فرج أمه ، ويكون صغيراً رضيعاً لا يفقه شيئاً ، تُعلمه أمه وهى فى نفس الوقت زوجته – أحد خلقه – ويكون متبولاً ومتبرزاً على نفسه؟ هل هذه هى صورة الإله العظيم القدوس المنزه؟ فما الذى يدفعنى إذاً لعبادته؟
أيولد كلب الملك فى قصر ، ويولد ملك الملوك (الرب بنفسه) فى زريبة للمواشى؟
نحن نقول الله أكبر من كل شىء ، نحن نقول الله العليم. ولا يمكن لإلاهكم أن تكون له نفس هذه الصفات. فقد كانت بطن أمه التى حوته أكبر منه ، وكانت أكبر منه ناهيك عن الكهف الذى ولدته فيه. فلماذا أعبد الضعيف؟ ولماذا أعبد الصغير؟
لماذا قبل إلهكم أن يتحد جسده ودمه فى البشر عندما تأكلون الخبز المقدس وتشربون الخمر؟ ألم يعلم أن مصير هذا التحول سيؤول بعد الهضم إلى المجارى؟ هل رضى لنفسه هذه الصورة المهينة؟
هل لم يعرف رئيس الكهنة قيافا إلاهه؟ وهل قبل الإله أن يحكم عليه أحد خلقه بالموت؟ أإله لم يعرفه أنبياؤه ولا رسله؟ (49فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ قَيَافَا كَانَ رَئِيساً
لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ: «أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئاً 50ولاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا». 51وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ)يوحنا11: 49-50
أنظر النبى أعلم من الإله!! النبى تنبأ بموت الإله!! انظر نبى الله العادل الذى يحكم على إلاهه بالموت ويرى فى ذلك الخير للأمة!! فما حاجتى أن أصدق نبياً أو إلاهاً بعد؟ أليس هذا هو الدافع لخروج الناس من الكنيسة ورفض تعاليمها؟ أليس هذا هو الدافع لإنكار وجود الله؟ أليست فكرة الصلب والفداء دافع لإكثار الخطايا والآثام واللامبالاة باقترافها؟
أإله يسلمه للصلب نبيه يهوذا الأسخريوطى؟ أتصدقون أنه رضى بتسليم إلهه ورجح
منفعة ثلاثين درهما على إلهه ووعوده؟ (متى 26: 14-16)
أإله لا يساوى ثمنه ثمن حذا رخيص؟ ثلاثين درهما؟!!
لماذا لم يرحم باقى خلقه القادمين إلى العالم عندما يُفقِدَهم الثقة فى رحمته؟ ماذا سيقولون عنه عندما يعلمون أنه ضحَّى بابنه؟ ألن يساورهم الشك ويحبطهم التشكك والأمل فى رحمته؟ ألا يفقدهم ذلك الأمل فى أنه من الممكن ألا يعدل بينهم أو يحكم بالصلب على أحد منهم بسبب خطيئة شخص آخر؟
ما بالكم لو اتبع أحد القضاة هذا النهج البولسى وحكم بقتل شخص برىء بذنب آخر؟ أأكل أنا وأسرتى فى أحد المطاعم وتُجْبَر أنت على دفع فاتورة الطعام؟
قولوا لى بالله عليكم: ما هو الذنب الذى ارتكبه آدم وحواء؟ أن أكلا من شجرة معرفة الخير والشر؟ هل كان عليهما ألا يعرفا طريق الخير فينتهجاه وألا يعرفا طريق الشر فيتجنباه؟ قد تقول لى إن ذنبهما هو عصيان أمر الله. أقول لك وما الحكمة أن يمنع الله خلقه من معرفة الخير من الشر؟ هل كان يريد أن يتركهما فى ظلام الجهل وعدم معرفة الخير من الشر ثم يحاسبهما فى الآخرة؟ ألست معى فى أنهما لو كانا قد عرفا ذلك لاقتضى علمهم بالخير أن يتبعا طريق الله القويم؟ ألست معى أنه في جميع الشرائع لابد أن تتناسب العقوبة مع الجريمة نفسها؟ فهل يتناسب الصلب ، مع خطيئة آدم؟
وهل كفَّ الشيطان عن محاربة الله بعد أن وسوس لآدم وحواء؟ فلماذا يترك هذا الإله الحلول الجذرية فلا ينتقم من آدم وحواء ، ولا ينتقم من الشيطان ، بل ينتقم من ابنه البرىء الذى سُرَّت به نفسه؟
ألا تقولون إن الأنبياء السابقين عصوا الله وزنوا؟ ألا تقولون إن سليمان ضلَّ عن طريق الله القويم وعبد الأوثان؟ ألا تقولون إن إبراهيم رضى بعبث فرعون بزوجته فى مقابل دراهم معدودة؟ هل كان كل هذا طاعة لأوامر الله أم عصيان له وإفسادٌ فى الأرض؟
فلو كان طاعة ، لقلنا سبحان الله. كيف ترضون بإله ديوث لا يرضى إلا بالزنا والدياثة؟ وإن قلتم عصيان ، لقلنا كيف تتهمون الله سبحانه وتعالى بالجهل فى اختيار أنبيائه ولحكمتم على كتابكم بأنه ليس من عند الله. فهذا إلاه يستحق الصلب فعلاً ولكن ليس من أجل خطيئة عبدين من عباده أكلا من شجرة ، ولكن لسوء أختيار أنبيائه!
أليس هذا ذنب الله الذى لم يترك لآدم وحواء الإكثار من الأكل من شجرة معرفة الخير والشر؟ فلماذ أراد منعهم من معرفة الخير؟
(فكونوا أنتم رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيمٌ) لوقا 6: 36 لك أن تتخيل أن نصارى العالم يرون فى قتل الأب لابنه رحمة وغفران؟ لك أن تتخيل أن نصارى العالم يرضون بقتل الآب لابنه من أجل خطية آدم وخطاياهم؟ أليس هذا باعث للإستمرار فى الخطايا؟ تُرى ماذا سيكون عندما يقتل كل نصرانى ابنه متمثلاً برحمة الرب فى هذا العمل؟
وما قيمة قوله (من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده) لوقا 5: 21 ؟ فإذا كان هو إله غفَّار فلماذا لم يغفر خطيئة آدم وحواء؟ ألا يريد أن يكون قدوة يقتدى به خلقه؟
15- ألم يقل عيسى عليه السلام: (طوبى لصانعى السلام. لأنهم أبناء الله يُدْعَوْن) متى 5: 9 فلماذا طالبنا بصنع السلام إذا كان طريق الخلاص هو الصلب والفداء؟
16- (13«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. 14أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ 15وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. 16فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.) متى 5: 13-16
فكيف حكم عليهم بالبر والتقوى والصلاح قبل أن يُصلَب؟ ولماذا لم يُعلِّق صلاحهم وبرهم على موته وقيامته؟ وكيف كانوا نور العالم وهو لم يكن قد صُلِبَ بعد؟
17- (أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده) (أعمال الرسل 10: 34-35) فلم يتقيد قبولكم أو قبول أى أمة عند الله بالصلب والفداء بل بالإيمان بالله وتقواه. بالإيمان بالله وحده والعمل الصالح.
18- (13وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَداً لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ. 14فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذَلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللَّهِ. 15اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللَّهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ». 16فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ.) مرقس 10: 13-16
(47فَعَلِمَ يَسُوعُ فِكْرَ قَلْبِهِمْ وَأَخَذَ وَلَداً وَأَقَامَهُ عِنْدَهُ 48وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ قَبِلَ هَذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأَنَّ الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعاً هُوَ يَكُونُ عَظِيماً») لوقا 9: 47-48
فقد حكم على الأطفال بالبراءة وأكد خلوهم من فرية الخطيئة الأزلية. فأين عقيدة الصلب وسفك الدماء والفداء هنا؟ فأين هذا من قول بولس: (22وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!) عبرانيين 9: 22
فإذا كان هذا رأيه فى الأطفال دون صلب أو فداء فلماذا الصلب وسفك الدماء إذاً؟ وها هى براءة الأطفال التى أقر بها عيسى عليه السلام من خطيئة آدم وحواء منذ صغرهم. فلماذا الصلب وما أهمية الفداء؟
19- شهد إلاهكم قبل أن يموت على الصليب ويفدى البشرية من خطيئة أدم أن تلاميذه من الأطهار باسثناء واحد منهم: (9قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً يَدَيَّ وَرَأْسِي». 10قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ».) يوحنا 13: 9-10 ألا يكذب هذا بدعة الصلب والفداء؟
20- تكلم الله قائلاً: (أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ؟ 27لَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ.) مرقس 12: 26
فإذا كان إبراهيم وإسحق ويعقوب من الأحياء (الأبرار) فكيف تُفهَم نظرية الصلب والفداء مع وجود الأخيار؟ أى لم يكن أحد من الأنبياء فى جهنم بسبب خطيئة آدم! أى لم تكن هناك خطية أزلية!! وليس هناك داعٍ لأن ينزل إلاهكم ليصلب ويموت؟ ولم يكن هناك داع لأن تُهدَر كرامة المرأة من أجل خطيئة آدم وحواء ، التى غفرها الله لهم وتاب عليهما!
21- (21وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.) تكوين 3: 21 الرب بنفسه صنع لهما هذه الأقمصة! ألا يدل ذلك على غفران الله لذنبهما؟ فلو لم يغفر لهما لتركهما يصطادا ويعالجا الجلد ثم يصنعان لأنفسهما هذه الأقمصة ، إمعانا فى إجهادهما وتنفيذا لوعيده لهما بأن يشقيا فى الأرض؟
(16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيراً أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَداً. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ». 17وَقَالَ لِآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. 18وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. 19بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».) تكوين 3: 16-19
مع تحفظنا على أنه لا توجد حية تأكل التراب من قديم الأزل حتى الآن! ومع تحفظى أن الرب عاقب الحية التى هى القناع الذى كان يختبىء فيه الشيطان ، ولم يعاقب الشيطان نفسه! ومع تحفظى أن الخطيئة أُلحِقت بحواء التى أعطت لآدم ليأكل من الشجرة ، ولم تُلحَق بالشيطان! أليست هذه عقوبة قررها الرب على الرجل والمرأة والحية؟
فلماذا ادخرَ عقوبة أخرى تستمر ردحاً من العمر على الأبرار والفجَّار ، على المؤمنين والكافرين حتى ينزل هو بنفسه (أو يرسل ابنه) ليُصلب ويكفر عنهما خطيئتهما؟ هل يجوز قانوناً أو عقلاً أن يُعاقب شخص ما مرتين على جريمة واحدة؟ وهل يجوز بين العقلاء أن يُعاقَب شخص ما على جريمة لم يرتكبها؟
وبذلك نكون قد أثبتنا ابتداع فرية الخطيئة الأزلية التى راحت المرأة ضحيتها.
22- وقال أيضاً: (وحينئذ يحاسب كل إنسان على قدر أعماله) متى 16: 27
23- (الرب قضاء أمضى: الشرير يُعلَّق بعمل يديه) مزامير 9: 16
24- (من هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه. لا يحفظ إلى الأبد غضبَهُ فإنه يُسرُّ بالرأفة. يعود يرحمنا، يدوس آثامنا وتُطرَحُ فى أعماقِ البحر جميعُ خطاياهم) ميخا 7: 18-19.
25- إنه (الرب حنان ورحيم طويل الروح وكثيرُ الرحمةِ. الربُّ صالح للكلِّ ومَرَاحِمُهُ على كل أعماله) مزمور 145 : 8-9
26- (29فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ.) يوحنا 5: 29
27- (الرب الرحيم كثير الرحمة ، الإله الرؤوف) يعقوب 5: 11
28- (9«فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. 10لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. 11خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. 12وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا.13وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. 14فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. 15وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلَّاتِكُمْ.) متى 6: 9-15
ومعنى هذا أن غفران الله لنا يتوقف على مغفرتنا لاخواننا والتحاب بيننا ، وليس على الصلب والفداء
29- (36وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ الدِّينِ. 37لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ».) متى 12: 36-37
30- (30فَتَذَمَّرَ كَتَبَتُهُمْ وَالْفَرِّيسِيُّونَ عَلَى تَلاَمِيذِهِ قَائِلِينَ: «لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ؟» 31فَأَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. 32لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ».) لوقا 5: 32
31- أنكر معاصروه فرية الخطيئة الأزلية التى تقوم على الصلب والقيامة من الأموات التى كان يدعوا بولس إليها ضمن تعاليم أخرى تخالف تعاليم عيسى والكتاب المقدس (32وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هَذَا أَيْضاً!».) أعمال الرسل 17: 32.
32- (17هَكَذَا الإِيمَانُ أَيْضاً، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. 18لَكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ!» أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي. 19أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! 20وَلَكِنْ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ؟) يعقوب 2: 17-20
33- (وَبَارَكَ الرَّبُّ إِبْرَاهِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.) تكوين 24: 1
34- (فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ.) ملوك الثانى 2: 11
35- (24وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ.) تكوين 5: 24 إنه من الأبرار قبل أن تحدث حادثة الصلب المزعومة.
36- (5بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ - إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ.) عبرانيين 5: 11
37- (41رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا! 42مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا!) متى 12: 41-42 ، فلا وجود إذن للخطيئة الأزلية.
38- (11اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحنَّا الْمَعْمَدَانِ وَلَكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ.) متى 11: 11
إذن فقد كان يوحنا من الأبرار ، بل ومن أعظم من ولدتهم النساء ، إذن فقد كان هناك عظماء أبرار آخرين ، زمع ذلك فإنَّ يوحنا أفضلهم ، ويفضل الكل النبى الخاتم ، أصغرهم. فلا وجود إذن للخطيئة الأزلية.
39- (27فَقَالَ: أَسْأَلُكَ إِذاً يَا أَبَتِ أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي 28لأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضاً إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هَذَا. 29قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ. لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ. 30فَقَالَ: لاَ يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ. بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ. 31فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ».) لوقا 16: 19-31
وفى الحقيقة فإن هذه القصة وإن كانت تنقض فكرة الخطيئة المتوارثة من أساسها ، إلا أن لها دلالة أكبر وأعظم وهى: أن العقيدة الصحيحة التى تنجّى صاحبها من العذاب الأبدى ، هى الإيمان بالله الواحد ، إله إبراهيم وموسى وكل الأنبياء ، والإيمان بهذه الرسل كأنبياء أرسلهم الله لهداية عباده وإصلاح ما فسدَ من شرعه ، ثم العمل الصالح. والتوبة من السيئات قبل يوم الحساب ، فلا وجود إذن للخطيئة الأزلية.
40- (11مَرَّةً وَاحِدَةً تَكَلَّمَ الرَّبُّ وَهَاتَيْنِ الاِثْنَتَيْنِ سَمِعْتُ أَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ. 12وَلَكَ يَا رَبُّ الرَّحْمَةُ لأَنَّكَ أَنْتَ تُجَازِي الإِنْسَانَ كَعَمَلِهِ.) مزمور 62: 11-12.
فأين عزة الله لو ضُرِبَ وصُفِعَ على وجهه وصُلِبَ ومات ودخل جهنَّمَ لمدة ثلاثة أيام ليفدى الخاطئين؟ أليس معنى قول المزامير هذا: (ألا تزر وازرةٌ وزرَ أُخْرىَ) وبما أنه سيحاسب كل إنسان كعمله ، فماذا عمل يسوع ليُصلَب؟ ولماذا لم يُحاسِب آدم وحواء على معصيتهم ، وبذلك يكون انتهى الأمر؟
-
الإصحاح الرابع والعشرين بعد المائة
بولس مخترع الخطيئة الأزلية:
(8وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. 9فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ. 10لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. 11وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضاً بِاللَّهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ. 12مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. 13فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. 14لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي. 15وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هَكَذَا أَيْضاً الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اللهِ وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ. 16وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هَكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. 17لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. 18فَإِذاً كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. 19لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً. 20وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلَكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدّاً. 21حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ هَكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.) رومية 5: 8-21
(22وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!) عبرانيين 9: 22
(23إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ 24مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ 25الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ.) رومية 3: 23-25
وفى الحقيقة فهو يرى - أن الأعمال الحسنة التى يقوم بها الإنسان وسلوكه الطيب لا يشفعان له للمصالحة مع الله ، ذلك لأن الخلاص ليس إلا عطية، ولا يمكننا أن نفعل حيال ذلك أى شئ: رومية 3: 24 ؛ 3: 28 [ "إذ نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس" ]؛ 9: 11؛ 9: 16، كورنثوس الأولى 1: 29، غلاطية 2: 16 وأيضا أفسس 2: 8-9 ويقول فيها : "8لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. ".
ولا يمكن أن يزول غضب الله (الذى يشمل أيضا كل مولود) إلا بموت عيس عليه السلام ودمه، ولم يغفر الله الخطيئة الأولى - تبعا لقول بولس - إلا بموت عيسىعليه السلام وسفك دمه (21وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً اجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ 22فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى امَامَهُ،) انظر كولوسى 1: 22
و "…... وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة " (عبرانيين 9: 22).
ولكى يتمكن الله من غفران هذا الذنب (تبعا لخطة أزلية) جعل ابنه من صلبه انساناً ثم نبذه لكى يستغفر للبشرية كلها عن الخطيئة الأزلية بموته ودمه : "21لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (كورنثوس الثانية 5 :21) وأيضا : (13اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».) (غلاطية 3: 13).
وقد تمكن الإنسان بهذه الطريقة فقط من محو خطيئة إنسان آخر (أدم). وأشهر الفقرات التى تكلمت فى ذلك - نذكر منها : رومية 3 :24-25، [وهو يقول فيها: "متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح الذى قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار برَّه من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله " ].
(4أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. 5وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرّاً)رومية4: 4-5
(6لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. 7فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ. 8وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. 9فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ. 10لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. 11وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضاً بِاللَّهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ. 12مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ.) رومية 5: 6-14
(18فَإِذاً كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. 19لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أَيْضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَاراً.) رومية 5: 18-19
(30وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرّاً وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً.) كورنثوس الأولى 1: 30 ؛
(16لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْتَى لاَ يَقُومُونَ فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ. 17وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ! 18إِذاً الَّذِينَ رَقَدُوا فِي الْمَسِيحِ أَيْضاً هَلَكُوا!) كورنثوس الأولى 15: 16-18
(4وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، 5لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.) غلاطية 4 :4-5
(7الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،) أفسس 1: 7
(16وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ)أفسس2: 16
(20وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.) كولوسى 1: 20
(14إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ،) كولوسى 2: 14
(10وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي.) تسالونيكى الأولى 1: 10
(9لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لاِقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 10الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا، حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعاً مَعَهُ) تسالونيكى الأولى 5: 9-10
(5لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، 6الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ،) تيموثاوس الأولى 2: 5-6
(14الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ.) ثيطس 2: 14
(17مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. 18لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ.) عبرانيين 2: 17-18
(7الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، 8مَعَ كَوْنِهِ ابْناً تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ. 9وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ، 10مَدْعُّواً مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ.) عبرانيين 5: 7-10
(27الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ.) عبرانيين 7: 27
(10فَبِهَذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً.) عبرانيين 10: 10
(14لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ.) عبرانيين 10: 14
(19فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ)عبرانيين10: 19
(12لِذَلِكَ يَسُوعُ أَيْضاً، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ.) عبرانيين 13: 12
وبعد ما وصف هذا العمل الهمجى بالتضحية ، سبَّ الله واتهمه بعدم الرحمة وعدم الإشفاق على ابنه: (31فَمَاذَا نَقُولُ لِهَذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا! 32اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟)رومية8: 31-32
(2لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً.) كورنثوس الأولى 2: 2
الإصحاح الخامس والعشرين بعد المائة
رأى الكتاب المقدس فى بولس:
ابتدأ ( بولس ) ينافق كل طائفة حسب عقيدتها، فقام بختان تابعه (تيموثاوس) لينافق اليهود (بعد أن كان يحارب الختان) (3فَأَرَادَ بُولُسُ أَنْ يَخْرُجَ هَذَا مَعَهُ فَأَخَذَهُ وَخَتَنَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الأَمَاكِنِ .. .. ..) أعمال 16: 3
ثم نافق عبدة الأصنام في أثينا عندما رأى صنما مكتوبا عليه (إله مجهول) فقال لهم لقد جئتكم لأبشركم بهذا الإله؟؟ (23لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ وَجَدْتُ أَيْضاً مَذْبَحاً مَكْتُوباً عَلَيْهِ: «لِإِلَهٍ مَجْهُولٍ». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ هَذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.) (أعمال 17: 23)
وقال مثل قولهم (نحن ذرية الله)؟ (29فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ) أعمال الرسل 17: 29
وكان هذا هو منهاج حياته الذى أقر به: (19فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرّاً مِنَ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. 20فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ 21وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ - مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ لِلَّهِ بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ - لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. 22صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْماً. 23وَهَذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ لأَكُونَ شَرِيكاً فِيهِ.) كورنثوس الأولى 9: 19-23
أليس هذا هو النفاق بعينه؟ هل المنافق يُطلَق عليه قديس؟ هل المنافق يُؤتَمَن على كلمة الله؟ هل لم يجد الرب بشراً أخراً يصطفيه لنقل رسالته غير هذا الكذَّاب؟ كيف يكون إنسان بهذه الشخصية شريكاً فى كتابكم الموحى به من عند الرب؟
والغريب أنه لا يستح من كذبه ، ويبرره بأن مجد الله ازداد بكذبه: (7فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟) رومية 3: 7
فكيف يُؤخذ دين وعقيدة من كذَّاب ومنافق؟
والأعجب من ذلك أنه يتفاخر بذلك قائلاً: (16فَلْيَكُنْ. أَنَا لَمْ أُثَقِّلْ عَلَيْكُمْ. لَكِنْ إِذْ كُنْتُ مُحْتَالاً أَخَذْتُكُمْ بِمَكْرٍ!) كورنثوس الثانية 12: 16
الإصحاح السادس والعشرين بعد المائة
رأى التلاميذ والمعاصرين لعيسى عليه السلام فى بولس:
اتهم تلاميذ عيسى عليه السلام بولس بالخروج عن تعاليم عيسى وموسى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمروه بالتوبة والعودة إلى دين آبائه وأجداده ، كما اتهمه فستوس بالتخريف والهذيان ، عندما سمعه يقول بالقيامة من الأموات، وأنه يُغالط ويخدع الحاضرين بقوله إن هذا ليس إلا قول الأنبياء: (22فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ بَقِيتُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ شَاهِداً لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَأَنَا لاَ أَقُولُ شَيْئاً غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: 23إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ يَكُنْ هُوَ أَوَّلَ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ مُزْمِعاً أَنْ يُنَادِيَ بِنُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلْأُمَمِ». 24وَبَيْنَمَا هُوَ يَحْتَجُّ بِهَذَا قَالَ فَسْتُوسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ».) أعمال الرسل 26: 22-24
الأمر الذى رفضه كل المؤمنين بصور مختلفة:
فقد منعه الرسل (التلاميذ) من التواجد بينهم: (أعمال الرسل 19: 30) (30وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّعْبِ لَمْ يَدَعْهُ التَّلاَمِيذُ.)
ولم تتفق شكواهم ضده إلا على قوله بقيامة يسوع من الأموات: (18فَلَمَّا وَقَفَ الْمُشْتَكُونَ حَوْلَهُ لَمْ يَأْتُوا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا كُنْتُ أَظُنُّ. 19لَكِنْ كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ مَسَائِلُ مِنْ جِهَةِ دِيَانَتِهِمْ وَعَنْ وَاحِدٍ اسْمُهُ يَسُوعُ قَدْ مَاتَ وَكَانَ بُولُسُ يَقُولُ إِنَّهُ حَيٌّ.) أعمال الرسل 25: 18-19
ومنهم من استهزأ به (أعمال الرسل 17: 32) (32وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ)
ومنهم من حكم عليه بالخبل والجنون (الهزي) (أعمال الرسل 26: 24) (24وَبَيْنَمَا هُوَ يَحْتَجُّ بِهَذَا قَالَ فَسْتُوسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ».)
ومنهم من ادعى أن أقواله كلها غريبة ، ولم يتبق له إلا أن يقول هذا (سنسمع منك عن هذا أيضاً): (31لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ». 32وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هَذَا أَيْضاً!». 33وَهَكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسَطِهِمْ.) أعمال الرسل 17: 31-33
ومنهم من ادعى عليه بالتخفيف أنه مهزار ، ولا يمكن أن يكون هذا الهزل الذى يقوله حقيقة: (18فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هَذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِياً بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ» - لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ. 19فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هَذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ. 20لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ».) أعمال الرسل 17: 18-20
وحكم الرسل عليه (التلاميذ) بالإستتابة والعودة إلى دين آبائه وأجداده، وصححوا عقائد الناس الذين هبط بهم بولس إلى هاوية الكفر: (أعمال الرسل 21: 23-25) (23فَافْعَلْ هَذَا الَّذِي نَقُولُ لَكَ: عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ نَذْرٌ. 24خُذْ هَؤُلاَءِ وَتَطهَّرْ مَعَهُمْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ لِيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ فَيَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا أُخْبِرُوا عَنْكَ بَلْ تَسْلُكُ أَنْتَ أَيْضاً حَافِظاً لِلنَّامُوسِ. 25وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْأُمَمِ فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لاَ يَحْفَظُوا شَيْئاً مِثْلَ ذَلِكَ سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَمِنَ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا».)
ومنهم من أمسكوه وأرادوا قتله (أعمال الرسل 21: 27-32) (27وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ 28صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ أَعِينُوا! هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدّاً لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هَذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ». 29لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ. 30فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ. 31وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ 32فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَراً وَقُوَّادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأُوا الأَمِيرَ وَالْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ.)
ومنهم من قدموه إلى المحاكمة (أعمال الرسل 26: 1-2) (1فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: «مَأْذُونٌ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ لأَجْلِ نَفْسِكَ». حِينَئِذٍ بَسَطَ بُولُسُ يَدَهُ وَجَعَلَ يَحْتَجُّ: 2«إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيداً أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ إِذْ أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَحْتَجَّ الْيَوْمَ لَدَيْكَ عَنْ كُلِّ مَا يُحَاكِمُنِي بِهِ الْيَهُودُ.)
فانظر إلى (الرسل) التلاميذ أنفسهم لم يعرفوا شيئاً عن الروح القدس ولا معمودية بولس: (1فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلاَمِيذَ 2سَأَلَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». 3فَسَأَلَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». 4فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». 5فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. 6وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ.) أعمال الرسل 19: 1-6
واتهمه البعض بالكفر وبأنه يدعوا إلى آلهة غريبة ، فهم لم يسمعوا بها لا من موسى ولا من الأنبياء ولا من عيسى عليهم الصلاة والسلام (أعمال الرسل 17: 18) (18فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هَذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِياً بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ» - لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ. 19فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هَذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ. 20لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ».) أعمال الرسل 17: 18-20
الإصحاح السابع والعشرين بعد المائة
المرأة والخطيئة الأزلية فى الإسلام:
لا يوجد فى الإسلام ما يُسمَّى بالخطيئة الأزلية. فكل إنسان سيحاسبه الله على أعمال نفسه ، لا أعمال أبيه ولا أعمال أمه. فهذا عدل الله الذى ألزمَ به نفسه ، والذى فرضه على عباده.
فقد قال فى كتابه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر 38
(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء 13-15
وقال: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) النجم 38-41
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) لقمان 33
فهذا هو عدل الله الذى أمرنا نحن أيضاً أن ننتهجه فى كل حياتنا، فى عباداتنا: فلا يخلقنا ونعبد غيره ، ولا يرزقنا ونشكر غيره ؛ وفى كل معاملاتنا، فقال: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)النساء 58
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء 135
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة 8
وقال: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة 42
وقال: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل 90
وقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) النحل 126
وقال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن 9
وهو نفس العدل الذى انتهجه الله فى الأديان السابقة ، وما خالف ذلك ، فهو ليس كلام الله: (1وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: 2[مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هَذَا الْمَثَلَ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ, قَائِلِينَ: الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟ 3حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ, لاَ يَكُونُ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ أَنْ تَضْرِبُوا هَذَا الْمَثَلَ فِي إِسْرَائِيلَ. 4هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الاِبْنِ. كِلاَهُمَا لِي. النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. .. .. .. .. فَإِنَّهُ لاَ يَمُوتُ بِإِثْمِ أَبِيهِ. حَيَاةً يَحْيَا. .. .. .. 19[وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا لاَ يَحْمِلُ الاِبْنُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ؟ أَمَّا الاِبْنُ فَقَدْ فَعَلَ حَقّاً وَعَدْلاً. حَفِظَ جَمِيعَ فَرَائِضِي وَعَمِلَ بِهَا فَحَيَاةً يَحْيَا. 20اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ. .. .. .. 25[وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. فَـاسْمَعُوا الآنَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. أَطَرِيقِي هِيَ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ؟ أَلَيْسَتْ طُرُقُكُمْ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ؟ 26إِذَا رَجَعَ الْبَارُّ عَنْ بِرِّهِ وَعَمِلَ إِثْماً وَمَاتَ فِيهِ, فَبِإِثْمِهِ الَّذِي عَمِلَهُ يَمُوتُ. 27وَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ شَرِّهِ الَّذِي فَعَلَ, وَعَمِلَ حَقّاً وَعَدْلاً, فَهُوَ يُحْيِي نَفْسَهُ. 28رَأَى فَرَجَعَ عَنْ كُلِّ مَعَاصِيهِ الَّتِي عَمِلَهَا فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. 29وَبَيْتُ إِسْرَائِيلَ يَقُولُ: لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. أَطُرُقِي غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ أَلَيْسَتْ طُرُقُكُمْ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ؟ 30مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقْضِي عَلَيْكُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ كُلِّ وَاحِدٍ كَطُرُقِهِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. تُوبُوا وَارْجِعُوا عَنْ كُلِّ مَعَاصِيكُمْ, وَلاَ يَكُونُ لَكُمُ الإِثْمُ مَهْلَكَةً. 31اِطْرَحُوا عَنْكُمْ كُلَّ مَعَاصِيكُمُ الَّتِي عَصِيْتُمْ بِهَا, وَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْباً جَدِيداً وَرُوحاً جَدِيدَةً. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ 32لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. فَـارْجِعُوا وَاحْيُوا].) حزقيال 18: 1-32
ثم أنذر الله بنى إسرائيل ألا يقولوا هذا المثل مرة أخرى، لأنهم بهذا يتهمون الله بالظلم، وأنه لا يحكم بين الناس بالعدل: (25[وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. .. .. .. 29وَبَيْتُ إِسْرَائِيلَ يَقُولُ: لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. أَطُرُقِي غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ أَلَيْسَتْ طُرُقُكُمْ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ؟) حزثيال 18: 25-29
فى الحقيقة أنصح بقراءة هذا السفر كله ، فإنه يحتوى على معنى كلام الله (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر 38 ، وقوله: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم 38-39
فالإسلام لا يُحمِّل عبء خطيئة الأكل من الشجرة المحرمة للمرأة وحدها ، بل جعل الخطيئة شركة بينها وبين زوجها. لذلك نجد الخطاب فى القرآن موجهاً إلى آدم وحواء:
(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) البقرة 35
(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ .. ..) البقرة 36
(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)) الأعراف 19-24
ولم يوجه الإسلام إلى المرأة هذا العقاب بالتعب فى الحمل والولادة والإشتياق للزوج، الذى نراه فى التوراة ، بل إنه لمَّا أفردَ القرآن اللوم ، وجهه إلى آدم وحده:
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) طه 115-122
(فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة 37
-
الإصحاح الثامن والعشرين بعد المائة
موقف الإسلام من المرأة كأم:
يقول القران الكريم فى سورة لقمان: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {15})
وبهذا الوهن والضعف وآلام الحمل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن صحبتها على حسن صحبة الوالد ... فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: {جاء رجل فقال: يارسول الله من أحقُّ الناس بحسن صحابتي ؟؟ قال: أُمُّك قال: ثم مَنْ قال: أمك قال: ثم مَنْ ؟؟ قال أُمُّك قال ثم مَنْ قال: أبوك}
بل علَّقَ دخول الجنة برضاء الأم، فجعل الجنة تحت أقدام الأمهات:
الإصحاح التاسع والعشرين بعد المائة
خصوصية التشريع لبعض الأنبياء:
خصوصية التشريع تناولتها كل الأديان، والكثير من الأنبياء. وكذلك كانت خصوصية المعجزات، فعلى سبيل المثال رحلة الإسراء والمعراج لم يقم بهما نبى من الأنبياء غير رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك لم يُأمر أحد الأنبياء أن يذبح ابنه إلا إبراهيم عليه السلام. ولم يصنع أحد من الطين كهيئة طير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله إلا عيسى عليه السلام.
وعلى ذلك فمن خصوصيات عيسى عليه السلام كما جاء فى الإنجيل أن الشيطان أسره لمدة 40 يوماً، وكان بدون أكل أو شرب: (1أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ 2أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً.) لوقا 4: 1-2
وولادته من امرأة عذراء لم يمسسها بشر، على خلاف الولادة الطبيعية، وكذلك تكلم عيسى عليه السلام فى المهد، وتبرئته لأمه من تهمة الزنا.
كذلك لم يتزوج، وما كان له أن يتزوج، لأنه أول فاتح رحم (أول مولود من أمه)، وتزوَّجَ غيره من التلاميذ أو من معاصريه: (22وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ 23كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوساً لِلرَّبِّ.) لوقا 2: 22-23، وكذلك (15كُلُّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ يُقَدِّمُونَهُ لِلرَّبِّ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ البَهَائِمِ يَكُونُ لكَ.) عدد 18: 15
وكان من خصوصيات الرسول محمد عليه الصلاة والسلام:
1- الجمع بين أكثر من أربعة زوجات
2- ليس لنسائه أن يتزوجن من بعده
3- أمره الله فى مرحلته الأخيرة من الدعوة ألا يتزوج أية امرأة أخرى، ولو طلق نساءه كلهم، أو ماتوا قبله: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) الأحزاب 52
4- صومه صلى الله عليه وسلم لعدة أيام متواصلة دون إفطار أو سحور.
5- مُضاعفة الثواب أو العذاب لزوجات النبى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) الأحزاب 30-31
الإصحاح الثلاثين بعد المائة
الكتاب المقدس يقضى على الأسرة كاملة بمنعه الطلاق :
(31«وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ 32وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.) متى 5: 31-32
فهل تخيل الرب بعلمه الأزلى أن الزوجين المتنافرين المتصارعين سيكوِّنان أسرة سعيدة وسيكُوُنان رحمة على أطفالهما؟ ولو لم يكن عندهما أطفال فلماذا يصر الرب على إفساد باقى حياتهما؟ وهل منع الرب المشاكل التى تحدث بين كل زوجين؟ وهل مكن الرب الحب فى قلب كل زوج وزوجة على وجه الأرض حتى لا تحتاج أسرة للطلاق؟
الإصحاح الواحد والثلاثين بعد المائة
الطلاق فى بابل القديمة:
نجد فى قوانين حمورابى بعد أن قامت الروابط الزوجية على أسس غير مؤقتة أن القانون يجعل للزوج الحق المطلق فى الطلاق، أما بالنسبة للزوجة فإنه قد جعل لها الحق فى طلب الطلاق متى كان الخطأ من جانب الزوج. أما إذا طلبت الطلاق، وكان الخطأ من جانبها، فإنها تُعاقب بالموت لسوء عشرتها، وجرأتها على طلب الطلاق.
الإصحاح الثانى والثلاثين بعد المائة
الطلاق فى اليونان القديمة:
كان للرجل أن يطلِّق زوجته متى شاء ولأى سبب وبدون أية اجراءات، ولم يكن يصرَّح للمرأة أن تطلب الطلاق إلا فى عصر متأخر وهو العصر الكلاسيكى.
الإصحاح الثالث والثلاثين بعد المائة
الطلاق عند الرومان:
وأما عند الرومان قبل عصر المسيحية ، فقد كان للرجل الحق فى أن يطلِّق زوجته بنفس الطريقة التى تم بها زواجه منها ، فإذا كان الزواج قد تم فى المعبد ، يتم الطلاق أيضاً فى المعبد ، وإن كان الزواج تم عن طريق شراء الزوجة ، فإن عليه أن يبيعها فيتم الطلاق.
وكان لا يجوز للرجل الذى تزوج فى المعبد فى أول الأمر أن يطلق زوجته إلا إذا أثبت عايها جريمة الزنا أو محاولة قتله بالسم ، وإذا ثبت عليها تزييف مفاتيح داره. ولكن عندما صدر قانون الألواح الاثنى عشر سنة 411 ق.م. أبيح للرجل حرية الطلاق ، حتى كثرت حالات الطلاق بطريقة جعلت المرأة الرومانية تحسب عمرها بعدد مرات طلاقها ، وقد حدث الطلاق الكثير من القياصرة من أمثال يوليوس قيصر ، وأنطونيس ، وأغسطس.
ولكنه قبيل مجىء السيد المسيح عيسى بن مريم بدأ تقييد عملية الطلاق ، فأصبح من الضرورى لإتمام عملية الطلاق حضور سبعة من الشهود البالغين ، ثم تُعطَى المرأة وثيقة طلاق، ولم يكن الأمر قاصراً على مجرد الطلاق ، بل كان للرجل أن يقتل امرأته على بعض الجرائم ، مثل جريمة السكر. كما أنه لم يكن من حقها طلب الطلاق ، إذ يعتبر ذلك الطلب سفاهة منها تقتضى توقيع العقوبة عليها.
وفى الحقيقة لم يكن الرجل الرومانى فى حاجة إلى قانون الألواح الاثنى عشر ، الذى لم يُعمل به إلا بعد خمسة قرون ، لأنه كان من حقه أن يقتل زوجته إذا ارتكبت بعض الجرائم ، لا أن يمتفى بطلاقها ، إذ كانت المرأة عبارة عن أحد الرقيق ، ولم ينظر إلى المرأة نظرة تقدير إلا بعد زمن طويل.
الإصحاح الرابع والثلاثين بعد المائة
الطلاق عند قدماء المصريين:
لم تكن هناك قيود على الطلاق عندهم، فقد كان للرجل أن يطلق زوجته متى شاء.
الإصحاح الخامس والثلاثين بعد المائة
الطلاق قبل الإسلام عند العرب فى جاهليتهم:
كان الطلاق عند العرب فى جاهليتهم شائعاً ، وكان من حق الرجل تطليق امرأته متى أراد ، وبأية صيغة تفيد الطلاق ، ولم يكن هناك تحديد لعدد الطلقات ، ولذلك كان الرجل إذا أراد تنكيلاً بزوجته: أن يطلقها ، ثم يسترجعها قرب نهاية عدتها ، ثم يطلقها مرة أخرى ، ثم يسترجعها ، وهكذا.
ولذلك وضع الإسلام حداً لعدد الطلقات حين قرر أن الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، أما إذا طلقها بعد ذلك فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره (أى تتزوج رجلاً آخر).
الإصحاح السادس والثلاثين بعد المائة
الطلاق فى اليهودية:
والطلاق شرعه الله تعالى من قبل كما فى كتابهم المقدس: (إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا فَإِنْ لمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ وَكَتَبَ لهَا كِتَابَ طَلاقٍ وَدَفَعَهُ إِلى يَدِهَا وَأَطْلقَهَا مِنْ بَيْتِهِ 2وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ) تثنية 24: 1-2
(28«إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا فَوُجِدَا. 29يُعْطِي الرَّجُلُ الذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الفِضَّةِ وَتَكُونُ هِيَ لهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلهَا. لا يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُل أَيَّامِهِ.) تثنية 22: 28-29
وكما هو واضح فى هذا النص أن الله شرَّعَ لهم الطلاق وجَعَلَه فى يد الرجل. ولا يحتاج الطلاق فى اليهودية إلا إلى إثباته أمام القاضى ، وللرجل مطلق الحق فى تطليق زوجته، إذا لم تحسن فى عينيه، وإن كانت اليهودية تقرر أن من الأفضل أن يكون الطلاق لعذر.
يقول الأستاذ زكى على السيد: بل وأعطى الحق فى الطلاق للأب!! فشاول اليهودى زوج ابنته ميكال وكانت زوجة لداود ، ووالد زوجة شمشون طلقها منه لغيابه فترة.
ويقع الطلاق فى شريعة التوراة بمجرد النية ، فإذا نوى الرجل أن يطلق زوجته ،
وجب عليه أن ينفذ ما نوى عليه فوراً. ومع ذلك فالطلاق فى اليهودية مكروه كما هو فى الإسلام: (فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ وَلاَ يَغْدُرْ أَحَدٌ بِامْرَأَةِ شَبَابِهِ. 16[لأَنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلاَقَ].) ملاخى 2: 15-16
وأشنع ما فى الطلاق فى الشريعة اليهودية ، أنها لم تفرض على المرأة بعد الطلاق فترة تتربص فيها استبراء رحمها من الحمل ، ولذلك فإنها قد تتزوج وتكون حاملاً فيأتى الولد لغير اسم أبيه الحقيقى.
وقد جاء فى سفر التكوين: (24لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.) تكوين 2: 24 ، وذلك النص هو ما بنى عليه المسيحيون القول بأن ما جمعه الله ، لا يفرقه إنسان ، وقد قال علماء اليهود فى التلمود بأن هذا النص لا يناقض إباحة الطلاق ، فليس معنى الجسد الواحد هو الرجل والمرأة ، بل المقصود نتاجهما وهو الطفل.
وقد ظل الطلاق معمولاً به فى الشريعة اليهودية إلى أن قرر المجمع اليهودى فى عهد الرومان تقييد حرية الرجل فى الطلاق ، كما حصر حالات طلب المرأة للطلاق فى سبعة أسباب لا يزال معمولاً بها ليومنا هذا ، ولم توضع هذه القيود فى كتابهم المقدس بل وضعت فى المجامع البشرية:
1- عدم القدرة على مضاجعة الزوجة
2- تغيير الدين
3- إسراف الزوج
4- الامتناع عن الإنفاق
5- هروب الزوج من البلاد لجريمة ارتكبها
6- سوء معاملة الزوجة باستمرار
7- إصابة الزوج بمرض خبيث أوممارسته عملاً أو تجارة محرمة
الإصحاح السابع والثلاثين بعد المائة
الطلاق فى المسيحية:
يجب أن نعرف أن عيسى عليه السلام لم يأتى بتشريع جديد ، بل اتبع هو وتلاميذه وأنصاره دين موسى وشريعته ، بدليل وجوده الدائم فى المعبد ، وتعليمه الناس دين موسى الحق ، ودليل استزادة اليهود من ثقتهم فيه عن طريق أسئلتهم له واختبارهم إياه فى شريعة موسى.
وقد قرر هو نفسه ذلك بقوله: («لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. 18فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هَذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هَكَذَا يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.) متى 5: 17-19
وأمر الجموع من أتباعه أن يلتزموا به: (1حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلاَمِيذَهُ 2قَائِلاً: «عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ 3فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ وَلَكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ.) متى 23: 1-3
وعلى الرغم من التزامه بالناموس ، والدعوة للعمل به والتمسك به ، فقد نسب إليه نقض الناموس بتحريمه للطلاق إلا لعلة الزنا وحدها: (31«وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ 32وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.) متى 5: 31-32
ووجهة نظر المسيحية فى الطلاق أن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان ، إنما أُخِذَت من نظام الرومان فى وثنيتهم ، إذ كان يُشترط لأحداث الطلاق إقامة حفل دينى بنفس الشروط والأوضاع التى أقيم بها حفل الزواج ، إذ أن الآلهة وحدها هى التى تستطيع أن تفرق شمل ما جمعت.
وكان يُشترط لحدوث الطلاق عند الرومان شروط ثلاثة:
1- إذا دست المرأة السم لزوجها.
2- إذا زنت.
3- إذا شربت الخمر.
فاستقرت المسيحية على شرط واحد وهو الزنا. وإن كانت المرأة ليس لها حق الطلاق فى حالة زنا الرجل ، لأنها لا يصح أن تتساوى معه. ومعنى ذلك أن المرأة التى تريد الطلاق فى المسيحية ليس أمامها إلا الرضوخ للحياة الكئيبة التى تحياها مع رجل تكرهه ، تكيد له ويكيد لها ، ويتمنى كل منهما التخلص من الآخر ، أو على الأقل موت الآخر، أو إنها تزنى فى بيت الزوجية ، ليضبطها زوجها فيقتلها أو يأتى بشهود عليها ليتخلص منها. وقد يأتى الرجل بشهود زور ليشهدوا على زوجته بالزنا دون وقوعه، ليتمكن من طلاقها! فأين بناء الأسرة فى ظل جو المشاحنات والكيد والكره الذى يملأ البيت؟ هل عدم الطلاق، أو تعليقه على شرط الزنا يُقيم أسرة قويمة نفسياً أو أخلاقياً؟ وهل هذا من صالح المجتمع الذى يعيش فيه النصارى؟
وهذا النص المنسوب لعيسى عليه السلام قد نَسَخَ ما قاله موسى فى الناموس ، وجعل الطلاق الذى شُرِّعَ لموسى وقومه من أجل غلاظة قلوب بنى إسرائيل ، وأوقفه على الزنا فقط: (3وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» 4فَأَجَابَ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟» 5وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. 6إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». 7فَسَأَلُوهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟» 8قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا. 9وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي. 10قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ!» 11فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم 12لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ».) متى 3:19-9
وبنظرة سريعة على ذلك النص نجد:
أن عيسى عليه السلام قال به على سبيل (الإستحسان) لا على سبيل الفرض لذا قال (لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم) ثم قال (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ) متى 19: 10
ومقولة (أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى) حجة على النصارى لا لهم فهو يحكى خبر لا شريعة فالطلاق لم يكن موجوداً عندما كانت البشرية رجل وإمرأة لهما نفس الطباع والثقافة ولا يوجد بشر غيرهما ولكنه قد شُرع لزيادة أعداد الناس وتطور المجتمعات ، وهذا ينفى وجود الرهبنة عندهم.
وهذا ما قرره القرأن حين قال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَا) النساء 1
ولطالما خلق الله الإنسان كذكر وأنثى للتناسل ، فلابد أن يكون الطلاق مُحلَّل على الأقل فى حالة العقم. إلا أن الطلاق عندهم لا يقع أيضاً حالة عقم الزوج أوالزوجة أوالإصابة بمرض يمنع من القيام بواجبات الزوجية أو للكراهة أو سوء المعاشرة أو عدم الإنفاق أو عدم التوافق الجنسى والعاطفى والأخلاقى .. إلخ ولا يسمحون بالتعدد الذى قد يجبر هذا.
فأى جحيم هذا الذى يسمى بالزواج وما هذا التحكم فى حياة الإنسان من إجباره على حياة كرهها أو كرهتها؟! وما الذى يجبر المرأة بالإرتباط برجل لا تعرفه ، أو قد تتغير حالته النفسية أو الأخلاقية فيما بعد دون وجود مخرج من هذه الزيجة؟
وقد أدرك تلاميذ المسيح صعوبة تطبيق هذه التعاليم غير المثالية للبشر حتى إن الدكتور (هتسون) أسقف درهام قال فى حديث له عن الطلاق سنة 1923م: إنه لوكان عيسى موجوداً فى هذه الأيام لكان أعقل مما كان عليه من قبل!
وكان الطلاق متفشياً فى الطوائف المسيحية الأولى ، بدليل أنه حين اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية سنة 324م ، وجد الطلاق متفشياً، كما كان قبل عهد السيد المسيح، ولذلك اضطر إلى أن يصدر أمراً بتحديد الحالات التى يجوز فيها الطلاق، ثم جاء بعده الامبراطور جستنيان سنة 529م فحصرها فى أربع حالات فقط.
ومعنى ذلك أن نص عدم الطلاق لم يكن موجوداً وقتها فى الأناجيل ، وإلا لما أقدم قسطنطين أو جستنيان على اتخاذ هذا القرار! وأين كان آباء الكنيسة الذين كانوا يقومون بالتطليق وقتها؟
بل ولاستحالة تطبيق تعاليم الأناجيل التى تفرض على النصارى من العصمة والملائكية ما لم تفرضه على الأنبياء أنفسهم فقد تحايل رجال الدين والفكر والقانون النصارى على هذه التعاليم وشرعوا رغم أنفهم الطلاق المدنى أى الذى يتم بغير طريق الكنيسة وأسموه بالتطليق حتى لا يقال أنهم نسخوا وألفوا الطلاق فاستبدلوا لفظ الطلاق بالتطليق!
وكذلك تحايل النصارى ، ومن نتاج تحايلهم:
1- تغيير المذهب أو الملة للحصول على الطلاق وهو ما تسبب فى تغيير الكثير من أقباط مصر لمللهم ليتخلصوا من سجونهم.
2- قد يتفق الزوجان على إثبات الزنا بأن يتهم أحدهما الأخر فيقر أوبتدبير حيلة ما لإثباته! ولك أن تتخيل أن زوجتك أم أولادك تقف فى المحكمة وتشهد على نفسها بالزنا لتُطلَّق من زوجها! وكيف تصبح صورة الأولاد فى مجتمعهم بعد ذلك؟
ومن الحيل التى تتخذ فى ذلك فى البلاد الأوروبية أن تذهب المرأة مع عشيق لها إلى أحد الفنادق ، وتثبت اسمها واسم عشيقها فى سجلات الفندق ، وتمكث مع عشيقها المدة التى تريدها ، ثم تذهب هى بعد ذلك إلى المحكمة لتبلغ عن جريمتها ، حتى توافق المحكمة على طلاقها. وبهذا قتلوا حياء المرأة ، الذى هو شعبة من الإيمان ، بسبب وقف الطلاق على الزنا فقط.
3- القتل للتخلص من الزوج حتى يصبح القاتل أرملاً فيجوز له الزواج مرة أخرى وأكبر نسبة فى العالم للقتل بين الأزواج للتخلص من الزواج القائم هى بين النصارى!
4- الهجرة وترك البلد باللى فيها. وبالتالى تخلص الزوج من كل مسئولياتها تجاه الزوجة. فأين نفقتها؟ وأين مؤخر صداقها؟ وإلى أن تثبت أنه هاجر أو اختفى ولن يعود، فلا بد من مرور أربع سنوات ، حتى يعترف القانون أن الرجل قد فُقِدَ.
5- الانفصال التام ولو بدون طلاق وكل طرف يمارس حياته الاجتماعية والشخصية ويقيم علاقات جنسية من معاشرة كاملة وخلافه مع عدم اعتراض الطرف الأخر!
وبذلك يلاحظ أن الزواج الفاشل عند النصارى هو سجن إجبارى لا فكاك منه إلا بارتكاب جرائم كالقتل والزنى والقذف لذا ظهرت فكرة ال boy friend فى الغرب ليختبر الأحبة حياتهم قبل الدخول فى سجن لا مخرج منه.
فالنصرانية لم تراع يوماً واقع البشر ويتغنى النصارى بتعاليم المسيح التى لا يمكن أن تكون من عند الله ولا نطق بها المسيح فهى تبدو مثالية فى الظاهر ولكن فى حقيقة الأمر هى تعاليم خربة لا تزيد أتباعها إلا شقاءً.
فالمرأة لو ُطلِّقَت ليس لها الحق بالزواج مرة أخرى ولتحيا هكذا كالأموات حتى لو طُلقت بلا ذنب!
يقول بولس: (9لِتُكْتَتَبْ أَرْمَلَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، امْرَأَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، 10مَشْهُوداً لَهَا فِي أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، إِنْ تَكُنْ قَدْ رَبَّتِ الأَوْلاَدَ، أَضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أَرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ، سَاعَدَتِ الْمُتَضَايِقِينَ، اتَّبَعَتْ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ. 11أَمَّا الأَرَامِلُ الْحَدَثَاتُ فَارْفُضْهُنَّ، لأَنَّهُنَّ مَتَى بَطِرْنَ عَلَى الْمَسِيحِ يُرِدْنَ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ، 12وَلَهُنَّ دَيْنُونَةٌ لأَنَّهُنَّ رَفَضْنَ الإِيمَانَ الأَوَّلَ.) تيموثاوس الأولى 5: 9-12
فها هو لا يبيح للأرملة الحق فى الزواج إذا كانت أقل من الستين ويهينها ويتهجم عليها!
وقد أوضح بولس مضار زواج الأرملة فقال: (13وَمَعَ ذَلِكَ أَيْضاً يَتَعَلَّمْنَ أَنْ يَكُنَّ بَطَّالاَتٍ، يَطُفْنَ فِي الْبُيُوتِ. وَلَسْنَ بَطَّالاَتٍ فَقَطْ بَلْ مِهْذَارَاتٌ أَيْضاً، وَفُضُولِيَّاتٌ، يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لاَ يَجِبُ). تيموثاوس الأولى 5: 13
أما المسيح عندهم فقد حرّم على المطلقة الزواج مرة أخرى حتى لوكان طلاقها بسبب الزنا كما أمر واعتبر كل من يتزوج بها زانى! (وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي) متى 19: 9
وأيضاً فالمطلقة كانت تعامل دائماً فى الكتاب المقدس على أنها حقيرة شأنها شأن الزانية والمدنسة ولننظر بما أُمِرَ رجال الدين المقربين وفق التوراة: (6مُقَدَّسِينَ يَكُونُونَ لإِلَهِهِمْ وَلاَ يُدَنِّسُونَ اسْمَ إِلَهِهِمْ لأَنَّهُمْ يُقَرِّبُونَ وَقَائِدَ الرَّبِّ طَعَامَ إِلَهِهِمْ فَيَكُونُونَ قُدْساً. 7إِمْرَأَةً زَانِيَةً أَومُدَنَّسَةً لاَ يَأْخُذُوا وَلاَ يَأْخُذُوا امْرَأَةً مُطَلَّقَةً مِنْ زَوْجِهَا. لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لإِلَهِهِ. 8فَتَحْسِبُهُ مُقَدَّساً لأَنَّهُ يُقَرِّبُ خُبْزَ إِلَهِكَ. مُقَدَّساً يَكُونُ عِنْدَكَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ) لاويين 21: 6-8
(14أَمَّا الأَرْمَلَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ وَالْمُدَنَّسَةُ وَالزَّانِيَةُ فَمِنْ هَؤُلاَءِ لاَ يَأْخُذُ بَلْ يَتَّخِذُ عَذْرَاءَ مِنْ قَوْمِهِ امْرَأَةً. 15وَلاَ يُدَنِّسُ زَرْعَهُ بَيْنَ شَعْبِهِ لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُهُ)لاويين21: 14-15
وهكذا نستوعب وضع المطلقات والأرامل عند أهل الكتاب وهو حلقة فى سلسلة إهانة المرأة بكل فى هذا الدين بينما نصف الإسلام المرأة فجاء سيد الأولين والأخرين وعلمنا أن طلاق المرأة أوموت زوجها لا يقدح فيها أبداً فكانت كل زوجاته أرامل ومطلقات باستثناء عائشة رضى الله عنها فالحمد لله على نعمة الإسلام.
الإصحاح الثامن والثلاثين بعد المائة
الطلاق فى الإسلام:
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصينى بالنساء حتى ظننتُ أنه سَيُحرِّم طلاقهنَّ).
يأخذ الكثير من الغربيين على الإسلام أنه أباح الطلاق، ويعتبرون ذلك دليلاً على استهانة الإسلام بقدر المرأة، وبقدسية الزواج، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين الذين جهلوا أحكام شريعتهم، مع أن الإسلام، لم يكن أول من شرع الطلاق، فقد جاءت به الشريعة اليهودية من قبل، وعرفه العالم قديماً كما ذكرت.
وقد نظر هؤلاء العائبون إلى الأمر من زاوية واحدة فقط، هي تضرر المرأة به والأولاد، ولم ينظروا إلى الموضوع من جميع جوانبه، وحَكّموا في رأيهم فيه العاطفة غير الواعية، وغير المدركة للحكمة منه ولأسبابه ودواعيه، متناسين أنه قد يكون من مصلحة الأسرة أو المرأة أو الرجل أن يتم الطلاق بينهما.
إن الإسلام يفترض أولاً، أن يكون عقد الزواج دائماً، وأن تستمر الزوجية قائمة بين الزوجين، حتى يفرق الموت بينهما، ولذلك لا يجوز في الإسلام تأقيت عقد الزواج بوقت معين.
غير أن الإسلام وهو يحتم أن يكون عقد الزواج مؤبداً يعلم أنه إنما يشرع لأناس يعيشون على الأرض، لهم خصائصهم، وطباعهم البشرية، لذا شرع لهم كيفية الخلاص من هذا العقد، إذا تعثر العيش، وضاقت السبل، وفشلت الوسائل للإصلاح، وهو في هذا واقعي كل الواقعية، ومنصف كل الإنصاف لكل من الرجل والمرأة.
فكثيراً ما يحدث بين الزوجين من الأسباب والدواعي، ما يجعل الطلاق ضرورة لازمة، ووسيلة متعينة لتحقيق الخير، والاستقرار العائلي والاجتماعي لكل منهما، فقد يتزوج الرجل والمرأة، ثم يتبين أن بينهما تبايناً في الأخلاق، وتنافراً في الطباع، فيرى كل من الزوجين نفسه غريباً عن الآخر، نافراً منه، وقد يطّلع أحدهما من صاحبه بعد الزواج على ما لا يحب، ولا يرضى من سلوك شخصي، أوعيب خفي، وقد يظهر أن المرأة عقيم لا يتحقق معها أسمى مقاصد الزواج، وهو لا يرغب التعدد، أولا يستطيعه، إلى غير ذلك من الأسباب والدواعي، التي لا تتوفر معها المحبة بين الزوجين ولا يتحقق معها التعاون على شؤون الحياة، والقيام بحقوق الزوجية كما أمر الله، فيكون الطلاق لذلك أمراً لا بد منه للخلاص من رابطة الزواج التي أصبحت لا تحقق المقصود منها، والتي لو ألزم الزوجان بالبقاء عليها، لأكلت الضغينة قلبيهما، ولكاد كل منهما لصاحبه، وسعى للخلاص منه بما يتهيأ له من وسائل، وقد يكون ذلك سبباً في انحراف كل منهما، ومنفذاً لكثير من الشرور والآثام، لهذا شُرع الطلاق وسيلة للقضاء على تلك المفاسد، وللتخلص من تلك الشرور، وليستبدل كل منهما بزوجه زوجاً آخر، قد يجد معه ما افتقده مع الأول، فيتحقق قول الله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته، وكان الله واسعاً حكيماً).
وعلى هذا فالطلاق فى الإسلام قد يكون أشبه بالبتر الذى يلجأ إليه الجرَّاح مضطراً ومكرهاً، للإحتفاظ بسلامة الجسم كله، وإزالة الآلام التى تلازم العضو الذى فسد، ولحماية باقى أعضاء الجسم من التلف وتفشِّى المرض والألم فيها. كذلك حياة الأسرة إذا دب إليها الفساد، ثم استشرى بحيث تعجز وسائل الإصلاح المختلفة عن تقويمه، يكون من الخير للأسرة والمجتمع معاً، أن يتغير الوضع بفصم الرابطة الزوجية لعلها تنعقد مع شخص آخر يمكن معه أن تهنأ , وتتكون أسرة جديدة مستقرة، تحقق الثمار المرجوة من تكوين الأسرة كما تحقق المجتمع السليم.
وهذا هوالحل لتلك المشكلات المستحكمة المتفق مع منطق العقل والضرورة، وطبائع البشر وظروف الحياة.
ولا بأس أن نورد ما قاله رجل القانون الإنجليزي (بيتام)، لندلل للاهثين خلف الحضارة الغربية ونظمها أن ما يستحسنونه من تلك الحضارة، يستقبحه أبناؤها العالمون بخفاياها، والذين يعشون نتائجها.
يقول (بيتام):
(لو وضع مشروع قانوناً يحرم فض الشركات، ويمنع رفع ولاية الأوصياء، وعزل الوكلاء، ومفارقة الرفقاء، لصاح الناس أجمعين لكان فى غاية الظلم، واعتقد الناس صدوره من معتوه أومجنون، فيا عجباً أن هذا الأمر الذي يخالف الفطرة، ويجافي الحكمة، وتأباه المصلحة، ولا يستقيم مع أصول التشريع، الذى تقرره القوانين بمجرد التعاقد بين الزوجين في أكثر البلاد المتمدنة، وكأنها تحاول إبعاد الناس عن الزواج، فإن النهي عن الخروج من الشيء نهي عن الدخول فيه، وإذا كان وقوع النفرة واستحكام الشقاق والعداء، ليس بعيد الوقوع، فأيهما خير: .. ربط الزوجين بحبل متين، لتأكل الضغينة قلوبهما، ويكيد كل منهما للآخر؟ أم حل ما بينهما من رباط، وتمكين كل منهما من بناء بيت جديد على دعائم قوية؟، أوليس استبدال زوج بآخر، خيراً من ضم خليلة إلى زوجة مهملة أوعشيق إلى زوج بغيض ).
والإسلام عندما أباح الطلاق، لم يغفل عما يترتب على وقوعه من الأضرار التي تصيب الأسرة، خصوصاً الأطفال، إلا أنه لاحظ أن هذا أقل خطراً، إذا قورن بالضرر الأكبر، الذي تصاب به الأسرة والمجتمع كله إذا أبقى على الزوجية المضطربة، والعلائق الواهية التي تربط بين الزوجين على كره منهما، فآثر أخف الضررين، وأهون الشرين.
فالإسلام إذن كان فى تشريعه حريصاً كل الحرص على استقرار الحياة الأسرية. فهو كما أباح التعدد فى الزوجات استثناءً من القاعدة وهى قاعدة إفرادية الزوجة ليتحقق له الشمول الذى أشرنا إليه من قبل، أباحَ كذلك الطلاق استثناءً من القاعدة العامة وهى قاعدة استمرار الحياة الزوجية. وقد أحله الإسلام قبل المعاشرة الزوجية، كما أحله بعد المعاشرة. فأما قبل المعاشرة فقد أباحه الإسلام لدفع ضرر متوقع، وقد يستفحل أمره إذا ما تمت المعاشرة الزوجية وترتب عليها حمل أو إنجاب. وأما بعد المعاشرة فلصعوبة استمرارية الحياة الزوجية إلى الدرجة التى تجعل حياة كل من الزوجين أو أحدهما جحيماً لا يُطاق.
وفي الوقت نفسه، شرع من التشريعات ما يكون علاجاً لآثاره ونتائجه، فأثبت للأم حضانة أولادها الصغار، ولقريباتها من بعدها، حتى يكبروا، وأوجب على الأب نفقة أولاده، وأجور حضانتهم ورضاعتهم، ولو كانت الأم هي التي تقوم بذلك، ومن جانب آخر، نفّر من الطلاق وبغضه إلى النفوس:
فقال : (أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق) رواه أبو داود وابن ماجة،
وقال : (ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق) رواه أبو داود
وقال : (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) رواه الخمسة إلا النسائى
وحذر من التهاون بشأنه فقال : (ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول: قد طلقت، قد راجعت)
وقال : (لعن الله كل مزواج مطلاق)
وقال : (أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)، قاله في رجل طلق زوجته بغير ما أحل الله.
ولمنع الطلاق نبَّه النبى إلى أن ينظر الرجل إلى من سيتزوجها، فإنه أحرى أن يُؤدم بينهما، كما أمر أن يُحسن الرجل اختيار الزوجة قبل الزواج، فيختارها ذات دين، ومن بيت طيب ، وألا يغريه الحسن المظهرى عن الحسن المعنوى: (تنكح المرأة
لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين، تَرِبَت يداك)
وقال : (ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سَرَّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته)
واعتبر الطلاق آخر العلاج، بحيث لا يُلجأ إليه إلا عند تفاقم الأمر، واشتداد الداء، وحين لا يجدي علاج سواه، وأرشد إلى اتخاذ الكثير من الوسائل قبل أن يصار إليه، فرغب الزوج في الصبر والتحمل على الزوجات، وإن كانوا يكرهون منهن بعض الأمور، إبقاء للحياة الزوجية، ومع ذلك نجده ينبه إلى أن مجرد الكره قد يكون كرهاً عارضاً لا يقتضى فصم عرا الزوجية، فيقول تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) النساء 19
ويقول : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضى منها آخر) رواه أحمد ومسلم، وقوله (ليس منا من خيَّب امرأةً على زوجها)
وقال على بن أبى طالب: (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الرجل إذا طلق زوجه اهتزَّ عرشُ الرحمن) أى غضب الله سبحانه وتعالى غضباً شديداً.
وأرشد الزوج إذا لاحظ من زوجته نشوزاً إلى ما يعالجها به من التأديب المتدرج: الوعظ ثم الهجر، ثم الضرب غير المبرح، (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنّ َ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). النساء 34
وإذا أحسَّ بأن كل هذه الأساليب لم تؤدى إلى نتائج مرضية ، فأمره بالجوء إلى تحكيم ذوى العدل من الأسرتين لضمان استمرار الحياة أمنة مستقرة سعيدة كما أرادها الله: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء 35
وأرشد الزوجة إذا ما أحست فتوراً في العلاقة الزوجية، وميل زوجها إليها إلى ما تحفظ به هذه العلاقة، ويكون له الأثر الحسن في عودة النفوس إلى صفائها، بأن تتنازل عن بعض حقوقها الزوجية، أوالمالية، ترغيباً له بها وإصلاحاً لما بينهما. وشرع التحكيم بينهما، إذا عجزا عن إصلاح ما بينهما، بوسائلهما الخاص.
كل هذه الإجراءات والوسائل تتخذ وتجرب قبل أن يلجأ إلى الطلاق، ومن هذا يتضح ما للعلائق والحياة الزوجية من شأن عظيم عند الله. فلا ينبغي فصم ما وصل الله وأحكمه، ما لم يكن ثَمَّ من الدواعي الجادة الخطيرة الموجبة للافتراق، ولا يصار إلى ذلك إلا بعد استنفاد كل وسائل الإصلاح.
ومن هدي الإسلام في الطلاق، ومن تتبع الدواعي والأسباب الداعية إلى الطلاق يتضح أنه كما يكون الطلاق لصالح الزوج، فإنه أيضاً يكون لصالح الزوجة في كثير من الأمور، فقد تكون هي الطالبة للطلاق، الراغبة فيه، فلا يقف الإسلام في وجه رغبتها وفي هذا رفع لشأنها، وتقدير لها، لا استهانة بقدرها، كما يدّعي المدّعون، وإنما الاستهانة بقدرها، بإغفال رغبتها، وإجبارها على الارتباط برباط تكرهه وتتأذى منه.
وليس هو استهانة بقدسية الزواج كما يزعمون، بل هووسيلة لإيجاد الزواج الصحيح السليم، الذي يحقق معنى الزوجية وأهدافها السامية، لا الزواج الصوري الخالي من كل معاني الزوجية ومقاصدها.
إذ ليس مقصود الإسلام الإبقاء على رباط الزوجية كيفما كان، ولكن الإسلام جعل لهذا الرباط أهدافاً ومقاصد، لا بد أن تتحقق منه، وإلا فليلغ، ليحل محله ما يحقق تلك المقاصد والأهداف.
لذلك قال الله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ .. ..) البقرة 231
ولذلك وضع الإسلام حداً لعدد الطلقات حين قرر أن الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، أما إذا طلقها بعد ذلك فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره (أى تتزوج رجلاً آخر زواجاً إسلامياً على كتاب الله وسنة رسوله ، ليس لمدة محددة ، ولو كانت هذه المدة يضمرها فى نفسه. فإذا مات أو طلقها تحل لزوجها الأول مرة أخرى)
(الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة 229-230
-
الإصحاح التاسع والثلاثين بعد المائة
أليس جعل الطلاق فى يد الرجل ما ينقص من شأن المرأة؟:
إن إيقاع الطلاق يترتب عليه تبعات مالية، يُلزم بها الأزواج: فيه يحل المؤجل من الصداق إن وجد، وتجب النفقة للمطلقة مدة العدة، وتجب المتعة لمن تجب لها من المطلقات، كما يضيع على الزوج ما دفعه من المهر، وما أنفقه من مال في سبيل إتمام الزواج، وهو يحتاج إلى مال جديد لإنشاء زوجية جديدة، ولا شك أن هذه التكاليف المالية التي تترتب على الطلاق، من شأنها أن تحمل الأزواج على التروي، وضبط النفس، وتدبر الأمر قبل الإقدام على إيقاع الطلاق، فلا يقدم عليه إلا إذا رأى أنه أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه.
أما الزوجة فإنه لا يصيبها من مغارم الطلاق المالية شيء، حتى يحملها على التروي والتدبر قبل إيقاعه – إن استطاعت – بل هي تربح من ورائه مهراً جديداً، وبيتاً جديداً، وعريساً جديداً.
والثابت الذي لا شك فيه أن الرجل أكثر إدراكاً وتقديراً لعواقب هذا الأمر، وأقدر على ضبط أعصابه، وكبح جماح عاطفته حال الغضب والثورة، وذلك لأن المرأة خلقت بطباع وغرائز تجعلها أشد تأثراً، وأسرع انقياداً لحكم العاطفة من الرجل، لأن وظيفتها التي أعدت لها تتطلب ذلك، فهي إذا أحبت أو كرهت، وإذا رغبت أو غضبت اندفعت وراء العاطفة، لا تبالي بما ينجم عن هذا الاندفاع من نتائج ولا تتدبر عاقبة ما تفعل، فلوجعل الطلاق بيدها، لأقدمت على فصم عرى الزوجية لأتفه الأسباب، وأقل المنازعات التي لا تخلو منها الحياة الزوجية، وتصبح الأسرة مهددة بالانهيار بين لحظة وأخرى.
وهذا لا يعني أن كل النساء كذلك، بل إن من النساء من هن ذوات عقل وأناة، وقدرة على ضبط النفس حين الغضب من بعض الرجال، كما أن من الرجال من هو أشد تأثراً وأسرع انفعالاً من بعض النساء، ولكن الأعم الأغلب والأصل أن المرأة كما ذكرنا، والتشريع إنما يبني على الغالب وما هو الشأن في الرجال والنساء، ولا يعتبر النوادر والشواذ، وهناك سبب آخر لتفرد الرجل بحق فصم عرى الزوجية.
وعلى ذلك نقول: فإن فصم رابطة الزوجية أمر خطير، يترتب عليه آثار بعيدة المدى في حياة الأسرة والفرد والمجتمع، فمن الحكمة والعدل ألا تعطى صلاحية البت في ذلك، وإنهاء الرابطة تلك، إلا لمن يدرك خطورته، ويقدر العواقب التي تترب عليه حق قدرها، ويزن الأمور بميزان العقل، قبل أن يقدم على الإنفاذ، بعيداً عن النزوات الطائشة، والعواطف المندفعة، والرغبة الطارئة.
فمن الخير للحياة الزوجية، وللزوجة نفسها أن يكون البت في مصير الحياة الزوجية في يد من هو أحرص عليها وأضن بها.
والشريعة لم تهمل جانب المرأة في إيقاع الطلاق، فقد منحتها الحق في الطلاق، إذا كانت قد اشترطت في عقد الزواج شرطاً صحيحاً، ولم يف الزوج به، وأباحت لها الشريعة الطلاق بالاتفاق بينها وبين زوجها، ويتم ذلك في الغالب بأن تتنازل للزوج أوتعطيه شيئاً من المال، يتراضيان عليه، ويسمى هذا بالخلع أوالطلاق على مال، ويحدث هذا عندما ترى الزوجة تعذر الحياة معه، وتخشى إن بقيت معه أن تخل في حقوقه، وهذا ما بينه الله تعالى في قوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
ولها طلب التفريق بينها وبينه، إذا أُعسر ولم يقدر على الإنفاق عليها، وكذا لو وجدت بالزوج عيباً، يفوت معه أغراض الزوجية، ولا يمكن المقام معه مع وجوده، إلا بضرر يلحق الزوجة، ولا يمكن البرء منه، أويمكن بعد زمن طويل، وكذلك إذا أساء الزوج عشرتها، وآذاها بما لا يليق بأمثالها، أوإذا غاب عنها غيبة طويلة.
كل تلك الأمور وغيرها، تعطي الزوجة الحق في أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها، صيانة لها أن تقع في المحظور، وضناً بالحياة الزوجية من أن تتعطل مقاصدها، وحماية للمرأة من أن تكون عرضة للضيم والتعسف.
منقول من موقع islamunveiled.com
ونقلته أنا بدورى من موقع منتدى barsoomyat.com ل (IIIsquareIII)
وبذلك يكون فى الإسلام خمس طرق للطلاق:
(1) الطلاق بيد الرجل
(2) الطلاق بيد المرأة بأن تُطلق نفسها من زوجها
(3) الطلاق بالإتفاق
(4) الطلاق عن طريق القضاء
(5) الخلع
وكما رأينا فإن الإسلام أعطى المرأة ثلاثة طرق لتطليق نفسها من الرجل ، وأعطى الرجل طريقة واحدة ، وجعل طريقة واحدة للإتفاق فيما بينهما. فهل أنصف الإسلام بذلك المرأة أم هضم حقها؟
الإصحاح الأربعين بعد المائة
معظم أهل النار من النساء:
روى البخارى ومسلم وأحمد عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها فقراء، واطلعت فى النار، فرأيت أكثر أهلها النساء). وفى رواية أحمد فى مسنده: (واطلعت فى النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء).
ومن يعتمد فى فهمه الخاطىء على الشق الأول من أنَّ الأغنياء أهل النار، يرى فيه دعوة لترك العمل، ومحاربة المال، وتحقير الأغنياء. لكن الأمر غير ذلك، فقد بينا كيف حوَّلَ الإسلام المسلمين إلى خلية نحل من العمل، والعلم، واحترام المرأة، واحترام شعور الناس حتى الميت، فلم يسمح لأحد من الأحياء بالتقدم لخطبة أرملته إلا بعد مرور العدَّة.
وكذلك لو فهمنا كلم عيسى عليه السلام للرجل الغنى، الذى سأله عن كيفية الخلود فى الجنة: (18وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» 19فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. 20أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ». 21فَقَالَ: «هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي». 22فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ. بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». 23فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ حَزِنَ لأَنَّهُ كَانَ غَنِيّاً جِدّاً. 24فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ قَالَ: «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ! 25لأَنَّ دُخُولَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!».) لوقا 18: 18-25
فلو فهمنا أن عيسى عليه السلام لا يقصد العطف على الفقراء فقط من تعبيره هذا، ولو أخذنا الكلام على محمله، لكان كل منهم يدعوا إلى تدمير الأمة وإهلاك البشر.
وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، فهو شحذ لهمم النساء للعمل الصالح، وتجنب الشيطان.، وألا يكونوا أداة فى يد الشيطان لإغواء الرجال وإفساد البنات، والتحالف مع الشيطان لإهلاك المجتمع بأكمله. فجاء الحديث بمثابة تحذير لهن عن الابتعاد عن تقوى الله.
ثم لم يُحدِّد الحديث أن كل أهل النار من النساء، ومعنى ذلك أن فيها الكثير من الرجال، ومرجع ذلك إلى عدل الله بينهم: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء 13-15
وقال: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) النجم 38-41
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا .. ..) لقمان 33
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) الجاثية 15
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل 97
(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) غافر 40
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) النساء 124
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) آل عمران 195
(وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة 72
(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) الفتح 5
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)الحديد 12
ويُعضِّد ذلك مقدمة الحيث: (اطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها فقراء). فهو أيضاً مواساة للفقراء، وتصبيراً لهم، إن آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات، فلهم جنَّات الخلد. فليس معنى ذلك أن كل فقير سيدخل الجنة، أو كل امرأة ستدخل النار.
وفى بعض روايات حديث (ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم لإمرأة) وخاصة رواية ابن عباس رضى الله عنهما ما يقطع بأن المقصود به إنما هى حالات خاصة لنساء لهن صفات خاصة ، هى التى جعلت منهن أكثر أهل النار ، لا لأنهن نساء ، وإنما لأنهن كما تنص وتعلل هذه الرواية "يكفرن العشير" ، ولو أحسن هذا العشير إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منه هِنَةً أو شيئاً لا يعجبها ، كفرت بكل النعم التى أنعم عليها بها ، وقالت بسبب النزق أو الحمق أو غلبة العاطفة التى تنسيها ما قدمه لها هذا العشير من إحسان: "ما رأيت منك خيراً قط"! رواه البخارى ومسلم والنسائى ومالك فى الموطأ ..
(أ.د. محمد عمارة)
الإصحاح الواحد والأربعين بعد المائة
المُحلَّل والمُحلَّل له:
يعيب أعداء الإسلام على الإسلام وجود نظام المحلِّل ، الذى يؤخذ من قوله تعالى:
(الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة 229-230
زاد فى فهمهم الخاطىء ما يقوم به بعض الناس من التحايل على الشرع ، ويفهمون كما نرى فى بعض الأفلام ، أن الرجل الذى طلق زوجته ثلاث طلقات ، ولم تعد تحل له حتى تتزوج رجلاً غيره ، يأتى برجل يدفع له أجر هذه العملية ، ويعقد له على زوجته ، ويحبسه بعيداً عنها لليلة أو أكثر ، ثم يجعله يطلقها فى اليوم التالى. وبهذه الطريقة يمكنه أن يتزوجها مرة أخرى.
هذا الرجل الذى يفعل ذلك فهو ديُّوث ، لعنه الله وطرده من رحمته ، وزواجه الثانى من زوجته باطل ، لأن زواجها من زوجها الثانى (المحلل) باطل ، لأنها زوجها حدَّدا مدة الزواج بفترة زمنية محددة ، وهذا هو الزنى بعينه ، لو دخل عليها.
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللهُ المُحلِّل والمُحلَّل له).
وعلى ذلك لو فهم أحد الناس ما يُعرَض فى الأفلام أن هذا هو الدين ، فهو مُخطىء فى فهمه ، مصيب فى تحليله العقلى والفطرى الذى يأبى هذا التحايل.
لكن العالم ، الفاهم ، المنصف منهم يعلم تماماً أن وجود هذا المحلل من الموانع الكبيرة للطلاق.
لكن السؤال البديهى: لماذا يُهضَم حق المطلقة فى الزواج مرة ثانية أو ثالثة؟ فلو أخذ الزوجان فرصهم التامة لإنجاح الحياة الزوجية وفشلا ، فإذن فليحاول كل منهما بداية حياة جديدة مع شخص آخر. فهل هذا أفضل أم تترك المرأة بعد طلاقها بدون زواج كما تشرع المسيحية؟
وإذا طلقت المرأة للمرة الثالثة ، وتزوجت بآخر ، فمات أو طلقت منه بعد استحالة العشرة بينهما، فلماذا لا تتزوج طليقها (الذى كان زوجها) الأول ، إن شعرا بالندم على ما كان بينهما من سوء العشرة ، وقررا أن يقيما حياة سعيدة مرة أخرى؟ فأى نجاسة تراها التوراة فى هذه الزيجة؟ فهل معاشرة الرجل لزوجته من النجاسة؟
(1«إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا فَإِنْ لمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ وَكَتَبَ لهَا كِتَابَ طَلاقٍ وَدَفَعَهُ إِلى يَدِهَا وَأَطْلقَهَا مِنْ بَيْتِهِ 2وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ 3فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لهَا كِتَابَ طَلاقٍ وَدَفَعَهُ إِلى يَدِهَا وَأَطْلقَهَا مِنْ بَيْتِهِ أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الذِي اتَّخَذَهَا لهُ زَوْجَةً 4لا يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الذِي طَلقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ لدَى الرَّبِّ. فَلا تَجْلِبْ خَطِيَّةً عَلى الأَرْضِ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً.) تثنية 24: 1-4
الإصحاح الثانى والأربعين بعد المائة
النساء ناقصات عقل ودين:
المصدر الحقيقى لهذه الشبهة هو العادات والتقاليد الموروثة ، والتى تنظر إلى المرأة نظرة دونية.. وهى عادات وتقاليد جاهلية ، حرر الإسلام المرأة منها.. لكنها عادت إلى الحياة الاجتماعية ، فى عصور التراجع الحضارى مستندة كذلك إلى رصيد التمييز ضد المرأة الذى كانت عليه مجتمعات غير إسلامية ، دخلت فى إطار الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية ، دون أن تتخلص تماماً من هذه المواريث.. فسرعة الفتوحات الإسلامية التى اقتضتها معالجة القوى العظمى المناوئة للإسلام قوى الفرس والروم وما تبعها من سرعة امتداد الدولة الإسلامية ، قد أدخلت فى الحياة الإسلامية شعوباً وعادات وتقاليد لم تتح هذه السرعة للتربية الإسلامية وقيمها أن تتخلص تلك الشعوب من تلك العادات والتقاليد ، والتى تكون عادة أشد رسوخاً وحاكمية من القيم الجديدة .. حتى لتغالب فيه هذه العادات الموروثة العقائد والأنساق الفكرية والمثل السامية للأديان والدعوات الجديدة والوليدة ، محاولة التغلب عليها !.
ولقد حاولت هذه العادات والتقاليد بعد أن ترسخت وطال عليها الأمد ، فى ظل عسكرة الدولة الإسلامية فى العهدين المملوكى والعثمانى أن تجد لنظرتها الدونية للمرأة " غطاء شرعيًّا " فى التفسيرات المغلوطة لبعض الأحاديث النبوية وذلك بعد عزل هذه الأحاديث عن سياقها ، وتجريدها من ملابسات ورودها ، وفصلها عن المنطق الإسلامى منطق تحرير المرأة كجزء من تحريره للإنسان ، ذكراً كان أو أنثى هذا الإنسان فلقد جاء الإسلام ليضع عن الناس إصرهم والأغلال التى كانت عليهم ، وليحيى ملكات وطاقات الإنسان مطلق جنس ونوع الإنسان وليشرك الإناث والذكور جميعاً فى حمل الأمانة التى حملها الإنسان ، وليكون بعضهم أولياء بعض فى النهوض بالفرائض الاجتماعية ، الشاملة لكل ألوان العمل الاجتماعى والعام..
لكن العادات والتقاليد الجاهلية فى احتقار المرأة ، والانتقاص من أهليتها ، وعزلها عن العمل العام ، وتعطيل ملكاتها وطاقاتها الفطرية قد دخلت فى حرب ضروس ضد القيم الإسلامية لتحرير المرأة .. وسعت إلى التفسيرات الشاذة والمغلوطة لبعض الأحاديث النبوية والمأثورات الإسلامية كى تكون "غطاءً شرعيًا" لهذه العادات والتقاليد ..
فبعد أن بلغ التحرير الإسلامى للمرأة إلى حيث أصبحت به وفيه:
* طليعة الإيمان بالإسلام.. والطاقة الخلاقة الداعمة للدين ورسوله صلى الله عليه وسلم كما كان حال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد [ 68-3ق هجرية / 556-620م ] رضى الله عنها.. حتى لقد كان عام وفاتها عام حزن المسلمين ورسول الإسلام ودعوة الإسلام ..
* وطليعة شهداء الإسلام .. كما جسدتها شهادة سمية بنت خياط [7ق هجرية 615م]، أم عمار بن ياسر [57 ق هجرية 37 هجرية /567 657م]..
* وطليعة المشاركة فى العمل العام السياسى منه ، والشورى ، والفقهى ، والدعوى ، والأدبى ، والاجتماعى. بل والقتالى - كما تجسدت فى كوكبة النخبة والصفوة النسائية التى تربت فى مدرسة النبوة .. بعد أن بلغ التحرير الإسلامى للمرأة هذه الآفاق .. أعادت العادات والتقاليد المرأة أو حاولت إعادتها إلى أسر وأغلال منظومة من القيم الغربية عن الروح الإسلامية .. حتى أصبحت المفاخرة والمباهاة بأعراف ترى:
* أن المرأة الكريمة لا يليق بها أن تخرج من مخدعها إلا مرتان: أولاهما: إلى مخدع الزوجية .. وثانيتهما: إلى القبر الذى تُدفن فيه !..
* فهى عورة ، لا يسترها إلا "القبر" !.
والأكثر خطورة من هذه الأعراف والعادات والتقاليد ، التى سادت أوساطا ملحوظة ومؤثرة فى حياتنا الاجتماعية ، إبان مرحلة التراجع الحضارى ، هى التفسيرات المغلوطة لبعض المرويات الإسلامية بحثاً عن مرجعية إسلامية وغطاء شرعى لقيم التخلف والانحطاط التى سادت عالم المرأة فى ذلك التاريخ .. لقد كان الحظ الأوفر فى هذا المقام للتفسير الخاطىء الذى ساد وانتشر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه البخارى ومسلم عن نقص النساء فى العقل والدين .. وهو حديث رواه الصحابى الجليل أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه فقال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أضحى أو فِطْر إلى المصلى فمرّ على النساء ، فقال:
- "يا معشر النساء، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".
- قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟.
- قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" ؟.
- قلن: بلى.
- قال: "فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟".
- قلن: بلى.
- قال: " فذلك من نقصان دينها ".
ذلكم هو الحديث الذى اتّخذَ تفسيره الملغوط ولا يزال "غطاء شرعيًّا" للعادات والتقاليد التى تنتقص من أهلية المرأة .. والذى ينطلق منه نفر من غلاة الإسلاميين فى "جهادهم" ضد إنصاف المرأة وتحريرها من أغلال التقاليد الراكدة .. وينطلق منه المتغربون وغلاة العلمانيين فى دعوتهم إلى إسقاط الإسلام من حسابات تحرير المرأة ، وطلب هذا التحرير فى النماذج الغربية الوافدة ..
الأمر الذى يستوجب إنقاذ المرأة من هذه التفسيرات المغلوطة لهذا الحديث .. بل إنقاذ هذا الحديث الشريف من هذه التفسيرات!..
وذلك من خلال نظرات فى "متن" الحديث و "مضمونه" نكثفها فى عدد من النقاط:
أولاها: أن الذاكرة الضابطة لنص هذا الحديث قد أصابها ما يطرح بعض علامات الاستفهام .. ففى رواية الحديث شك من الرواة حول مناسبة قوله .. هل كان ذلك فى عيد الأضحى؟ أم فى عيد الفطر؟.. وهو شك لا يمكن إغفاله عند وزن المرويات والمأثورات.
وثانيتها: أن الحديث يخاطب حالة خاصة من النساء ، ولا يشرّع شريعة دائمة ولا عامة فى مطلق النساء .. فهو يتحدث عن "واقع" والحديث عن "الواقع" القابل للتغير والتطور شىء ، والتشريع "للثوابت" عبادات وقيمًا ومعاملات شىء آخر ..
فعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أُمية ، لا نكتب ولا نحسب". رواه البخارى ومسلم والنسائى وأبو داود والإمام أحمد فهو يصف "واقعاً" ، ولا يشرع لتأييد الجهل بالكتابة والحساب ، لأن القرآن الكريم قد بدأ بفريضة "القراءة" لكتاب الكون ولكتابات الأقلام: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق: 1-5
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى وصف "واقع" الأمية الكتابية والحسابية ، وهو الذى غير هذا الواقع ، بتحويل البدو الجهلاء الأميين إلى قراء وعلماء وفقهاء ، وذلك امتثالاً لأمر ربه ، فى القرآن الكريم ، الذى علمنا أن من وظائف جعل الله سبحانه وتعالى القمر منازل أن نتعلم عدد السنين والحساب (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يونس: 5. فوصف " الواقع" – كما نقول الآن مثلاً: "نحن مجتمعات متخلفة" لا يعنى شرعنة هذا "الواقع" ولا تأييده بأى حال من الأحوال.
وثالثتها: أن فى بعض روايات هذا الحديث وخاصة رواية ابن عباس رضى الله عنهما ما يقطع بأن المقصود به إنما هى حالات خاصة لنساء لهن صفات خاصة ، هى التى جعلت منهن أكثر أهل النار ، لا لأنهن نساء ، وإنما لأنهن كما تنص وتعلل هذه الرواية "يكفرن العشير" ، ولو أحسن هذا العشير إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منه هِنَةً أو شيئاً لا يعجبها ، كفرت كفر نعمة بكل النعم التى أنعم عليها بها ، وقالت بسبب النزق أو الحمق أو غلبة العاطفة التى تنسيها ما قدمه لها هذا العشير من إحسان: "ما رأيت منك خيراً قط"! رواه البخارى ومسلم والنسائى ومالك فى الموطأ .. فهذا الحديث إذن وصف لحالة بعينها ، وخاص بهذه الحالة .. وليس تشريعاً عامًّا ودائماً لجنس النساء ..
ورابعتها: أن مناسبة الحديث ترشح ألفاظه وأوصافه لأن يكون المقصود من ورائها المدح وليس الذم.. فالذين يعرفون خُلق من صنعه الله على عينه ، حتى جعله صاحب الخُلق العظيم(وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: 4.
والذين يعرفون كيف جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من "العيد" الذى قال فيه هذا الحديث "فرحة" أشرك فى الاستمتاع بها مع الرجال كل النساء، حتى الصغيرات، بل وحتى الحُيَّض والنفساء! .. الذين يعرفون صاحب هذا الخلق العظيم ، ويعرفون رفقه بالقوارير ، ووصاياه بهن حتى وهو على فراش المرض يودع هذه الدنيا .. لا يمكن أن يتصوروه صلى الله عليه وسلم ذلك الذى يختار يوم الزينة والفرحة ليجابه كل النساء ومطلق جنس النساء بالذم والتقريع والحكم المؤبد عليهن بنقصان الأهلية ، لنقصانهن فى العقل والدين! ..
وإذا كانت المناسبة يوم العيد والزينة والفرحة لا ترشح أن يكون الذم والغم والحزن والتبكيت هو المقصود .. فإن ألفاظ الحديث تشهد على أن المقصود إنما كان المديح ، الذى يستخدم وصف "الواقع" الذى تشترك فى التحلى بصفاته غالبية النساء .. إن لم يكن كل النساء ..
فالحديث يشير إلى غلبة العاطفة والرقة على المرأة ، وهى عاطفة ورقة صارت "سلاحاً" تغلب به هذه المرأة أشد الرجال حزماً وشدة وعقلاً.. وإذا كانت غلبة العاطفة إنما تعنى تفوقها على الحسابات العقلية المجردة والجامدة ، فإننا نكون أمام عملة ذات وجهين ، تمثلها المرأة .. فعند المرأة تغلب العاطفة على العقلانية ، وذلك على عكس الرجل، الذى تغلب عقلانيته وحساباته العقلانية عواطفه .. وفى هذا التمايز فقرة إلهية، وحكمة بالغة ، ليكون عطاء المرأة فى ميادين العاطفة بلا حدود وبلا حسابات .. وليكون عطاء الرجل فى مجالات العقلانية المجردة والجامدة مكملاً لما نقص عند "الشق اللطيف والرقيق!" ..
فنقص العقل الذى أشارت إليه كلمات الحديث النبوى الشريف هو وصف لواقع تتزين به المرأة السوية وتفخر به، لأنه يعنى غلبة عاطفتها على عقلانيتها المجردة .. ولذلك، كانت "مداعبة" صاحب الخُلق العظيم الذى آتاه ربه جوامع الكلم للنساء ، فى يوم الفرحة والزينة ، عندما قال لهن: "إنهن يغلبن بسلاح العاطفة وسلطان الاستضعاف أهل الحزم والألباب من عقلاء الرجال ، ويخترقن بالعواطف الرقيقة أمنع الحصون!: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"
لك أن تتخيل أن هذا الرجل يوصف بأنه من أعقل الناس وأكثرهم حزماً ، ولك أن تتخيل أن هذه المرأة التى امتدحها الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات ، هى التى تتمكن من الأخذ بلب هذا الرجل، والتخفيف من حزمه (فى الأمور التى لا يغضب فيها الله ولا رسوله)! فبما نصف هذه المرأة التى تفوقت على الرجل ، وعلى عقه وحزمه، بسلاحها هى؟ أليس هذا مدح للمرأة بإمكانياتها العالية التى تفوقت على كل إمكانيات الرجل، وتحذير للرجل أن تذهب امرأة بعقله وحزمه فيما يغضب الله ورسوله؟!
فهو مدح للعاطفة الرقيقة التى تذهب بحزم ذوى العقول والألباب .. ويا بؤس وشقاء المرأة التى حرمت من شرف امتلاك هذا السلاح الذى فطر الله النساء على تقلده والتزين به فى هذه الحياة ! بل وأيضاً يا بؤس أهل الحزم والعقلانية من الرجال الذين حرموا فى هذه الحياة من الهزيمة أمام هذا السلاح .. سلاح العاطفة والاستضعاف! ..
وإذا كان هذا هو المعنى المناسب واللائق بالقائل وبالمخاطب وبالمناسبة وأيضاً المحبب لكل النساء والرجال معاً الذى قصدت إليه ألفاظ "نقص العقل" فى الحديث النبوى الشريف .. فإن المراد "بنقص الدين" هو الآخر وصف الواقع غير المذموم ، بل إنه الواقع المحمود والممدوح! ..
فعندما سألت النسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقصود من نقصهن فى الدين، تحدث عن اختصاصهن "برخص" فى العبادات تزيد على "الرخص" التى يشاركن فيها الرجال .. فالنساء يشاركن الرجال فى كل "الرخص" التى رخّص فيها الشارع 00 من إفطار الصائم فى المرض والسفر.. إلى قصر الصلاة وجمعها فى السفر.. إلى إباحة المحرمات عند الضرورات.. إلخ .. إلخ 00ثم يزدن عن الرجال فى "رخص" خاصة بالإناث ، من مثل سقوط فرائض الصلاة وصيام رمضان عن الحيَّض والنفساء.. و كذلك إفطار المرضع ، عند الحاجة ، فى شهر رمضان.. إلخ .. إلخ ..
وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحب أن تُؤتَى رخصه كما يحب أن تُؤتَى عزائمه ، فإن التزام النساء بهذه "الرخص" الشرعية هو الواجب المطلوب والمحمود ، وفيه لهن الأجر والثواب .. ولا يمكن أن يكون بالأمر المرذول والمذموم .. ووصف واقعه فى هذا الحديث النبوى مثله كمثل وصف الحديث لغلبة العاطفة الرقيقة الفياضة على العقلانية الجامدة ، عند النساء ، هو وصف لواقع محمود.. ولا يمكن أن يكون ذمًّا للنساء ، ينتقص من أهلية المرأة ومساواتها للرجال ، بأى حال من الأحوال.
إن العقل ملكة من الملكات التى أنعم الله بها على الإنسان ، وليس هناك إنسان رجلاً كان أو امرأة يتساوى مع الآخر مساواة كلية ودقيقة فى ملكة العقل ونعمته.. ففى ذلك يتفاوت الناس ويختلفون.. بل إن عقل الإنسان الواحد وضبطه ذكراً كان أو أنثى يتفاوت زيادة ونقصاً بمرور الزمن ، وبما يكتسب من المعارف والعلوم والخبرات.. وليست هناك جبلة ولا طبيعة تفرق بين الرجال والنساء فى هذا الموضوع..
وإذا كان العقل فى الإسلام هو مناط التكليف ، فإن المساواة بين النساء والرجال فى التكليف والحساب والجزاء شاهدة على أن التفسيرات المغلوطة لهذا الحديث النبوى الشريف، هى تفسيرات ناقصة لمنطق الإسلام فى المساواة بين النساء والرجال فى التكليف .. ولو كان لهذه التفسيرات المغلوطة نصيب من الصحة لنقصت تكاليف الإسلام للنساء عن تكليفاته للرجال ، ولكانت تكاليفهن فى الصلاة والصيام والحج والعمرة والزكاة وغيرها على النصف من تكاليف الرجال!
ولكنها "الرخصة"، التى يُؤجر عليها الملتزمون بها والملتزمات ، كما يُؤجرون جميعاً عندما ينهضون بعزائم التكاليف.. إن النقص المذموم فى أى أمر من الأمور هو الذى يمكن إزالته وجبره وتغييره ، وإذا تغير وانجبر كان محموداً.. ولو كانت "الرخص" التى شرعت للنساء بسقوط الصلاة والصيام للحائض والنفساء مثلاً نقصًا مذمومًا ، لكان صيامهن وصلاتهن وهن حُيّض ونفساء أمرًا مقبولاً ومحمودًا ومأجورًا.. لكن الحال ليس كذلك ، بل إنه على العكس من ذلك.
وأخيرًا ، فهل يعقل عاقل .. وهل يجوز فى أى منطق ، أن يعهد الإسلام ، وتعهد الفطرة الإلهية بأهم الصناعات الإنسانية والاجتماعية صناعة الإنسان، ورعاية الأسرة، وصياغة مستقبل الأمة إلى ناقصات العقل والدين، بهذا المعنى السلبى، الذى ظلم به غلاة الإسلاميين وغلاة العلمانيين الإسلام ورسولَه الكريمَ ، الذى حرر المرأة تحريره للرجل ، عندما بعثه الله بالحياة والإحياء لمطلق الإنسان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..) الأنفال: 24
فوضع بهذا الإحياء ، عن الناس كل الناس ما كانوا قد حُمِّلوا من الآصار والأغلال (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..) الأعراف: 157
إنها تفسيرات مغلوطة ، وساقطة ، حاول بها أسرى العادات والتقاليد إضفاء الشرعية الدينية على هذه العادات والتقاليد التى لا علاقة لها بالإسلام .. والتى يبرأ منها هذا الحديث النبوى الشريف ..
وإذا كان لنا فى ختام إزالة هذه الشبهة أن نزكى المنطق الإسلامى الذى صوبنا به معنى الحديث النبوى الشريف ، وخاصة بالنسبة للذين لا يطمئنون إلى المنطق إلا إذا دعمته وزكته "النصوص" ، فإننا نذكر بكلمات إمام السلفية ابن القيم ، التى تقول: "إن المرأة العدل كالرجل فى الصدق والأمانة والديانة " [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ص 236]
وبكلمات الإمام محمد عبده ، التى تقول:
"إن حقوق الرجل والمرأة متبادلة، وإنهما أكفاء .. وهما متماثلان فى الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان فى الذات والإحساس والشعور والعقل ، أى أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر فى مصالحه ، وقلب يحب ما يلائمه ويُسَرُّ به ، ويكره ما لا يلائمه وينفر منه.. [الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ، ج4 ص 606 دراسة وتحقيق د. محمد عمارة. طبعة القاهرة 1993م]
وبكلمات الشيخ محمود شلتوت ، التى تقول:
"لقد قرر الإسلام الفطرة التى خلقت عليها المرأة .. فطرة الإنسانية ذات العقل والإدراك والفهم .. فهى ذات مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل ، مسئولة عن نفسها ، وعن عبادتها ، وعن بيتها ، وعن جماعتها .. وهى لا تقل فى مطلق المسئولية عن مسئولية أخيها الرجل ، وإن منزلتها فى المثوبة والعقوبة عند الله معقودة بما يكون منها من طاعة أو مخالفة، وطاعة الرجل لا تنفعها وهى طالحة منحرفة، ومعصيته لا تضرها، وهى صالحة مستقيمة:
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) النساء: 124
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) آل عمران: 195
وليقف المتأمل عند هذا التعبير الإلهى "بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ"، ليعرف كيف سما القرآن بالمرأة حتى جعلها بعضاً من الرجل ، وكيف حدَّ من طغيان الرجل فجعله بعضاً من المرأة. وليس فى الإمكان ما يُؤدَّى به معنى المساواة أوضح ولا أسهل من هذه الكلمة التى تفيض بها طبيعة الرجل والمرأة، والتى تتجلى فى حياتهما المشتركة، دون تفاضل وسلطان (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) النساء 32
وإذا كانت المرأة مسئولة مسئولية خاصة فيما يختص بعبادتها ونفسها ، فهى فى نظر الإسلام أيضاً مسئولة مسئولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإرشاد إلى الفضائل ، والتحذير من الرذائل. وقد صرح القرآن بمسئوليتها فى ذلك الجانب ، وقرن بينها وبين أخيها الرجل فى تلك المسئولية ، كما قرن بينها وبينه فى مسئولية الانحراف عن واجب الإيمان والإخلاص لله وللمسلمين:
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) 11التوبة: 71.
(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) التوبة: 67- 68
فليس من الإسلام أن تلقى المرأة حظها من تلك المسئولية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهى أكبر مسئولية فى نظر الإسلام على الرجل وحده ، بحجة أنه أقدر منها عليها ، أو أنها ذات طابع لا يسمح لها أن تقوم بهذا الواجب ، فللرجل دائرته ، وللمرأة دائرتها ، والحياة لا تستقيم إلا بتكاتف النوعين فيما ينهض بأمتهما ، فإن تخاذلا أو تخاذل أحدهما انحرفت الحياة الجادة عن سبيلها المستقيم ..
والإسلام فوق ذلك لم يقف بالمرأة عند حد اشتراكها مع أخيها الرجل فى المسئوليات جميعها خاصها وعامها بل رفع من شأنها، وكرر تلقاء تحملها هذه المسئوليات احترام رأيها فيما تبدو وجاهته ، شأنه فى رأى الرجل تماماً سواءً بسواء. وإذا كان الإسلام جاء باختيار آراء بعض الرجال ، فقد جاء أيضاً باختيار رأى بعض النساء.
وفى سورة المجادلة احترم الإسلام رأى المرأة ، وجعلها مجادلة ومحاورة للرسول ، وجمعها وإياه فى خطاب واحد (والله يسمع تحاوركما) المجادلة: 1. وقرر رأيها ، وجعله تشريعاً عامًّا خالداً.. فكانت سورة المجادلة أثراً من آثار الفكر النسائى ، وصفحة إلهية خالدة نلمح فيها على مر الدهور صورة احترام الإسلام لرأى المرأة ، فالإسلام لا يرى المرأة مجرد زهرة ، ينعم الرجل بشم رائحتها ، وإنما هى مخلوق عاقل مفكر ، له رأى ، وللرأى قيمته ووزنه.
وليس هناك فارق دينى بين المرأة والرجل فى التكليف والأهلية ، سوى أن التكليف يَلحَقها قبل أن يلحق الرجل ، وذلك لوصولها - بطبيعتها - إلى مناط التكليف ، وهو البلوغ ، قبل أن يصل إليه الرجل [ الإسلام عقيدة وشريعة ، ص 223-228. طبعة القاهرة سنة 1400 هجرية -1980م]
تضافرت الحجج المنطقية مع نصوص الاجتهاد الإسلامى على إزالة شبهة الانتقاص من أهلية المرأة ، بدعوى أن النساء ناقصات عقل ودين.. وهكذا وضحت المعانى والمقاصد الحقة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذى اتخذت منه التفسيرات المغلوطة "غطاءً شرعيًّا" للعادات والتقاليد الراكدة ، تلك التى حملها البعض من غلاة الإسلاميين على الإسلام ، زوراً وبهتانًا.. والتى حسبها غلاة العلمانيين ديناً إلهيًّا ، فدعوا - لذلك - إلى تحرير المرأة من هذا الإسلام!. لقد صدق الله العظيم إذ يقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت: 53
إننا نلح منذ سنوات طوال وقبلنا ومعنا الكثيرون من علماء الإسلام ومفكريه على أن هذا الدين الحنيف إنما يمثل ثورة كبرى لتحرير المرأة ، لكن الخلاف بيننا وبين الغرب والمتغربين هو حول "نموذج" هذا التحرير .. فهم يريدون المرأة ندًّا مساوياً للرجل .. ونحن مع الإسلام نريد لها "مساواة الشقين المتكاملين ، لا الندين المتماثلين" .. وذلك ، لتتحرر المرأة ، مع بقائها أنثى ، ومع بقاء الرجل رجلاً ، كى يثمر هذا التمايز الفطرى بقاء ، ويجدد القبول والرغبة والجاذبية والسعادة بينهما سعادة النوع الإنسانى.
ونلح على أن هذا "التشابه.. والتمايز" بين النساء والرجال ، هو الذى أشار إليه القرآن الكريم عندما قرن المساواة بالتمايز ، فقالت آياته المحكمات: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) سورة البقرة: 228. (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) سورة آل عمران: 36.
نلح على ذلك المنهاج فى التحرير الإسلامى للمرأة.. ولقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يشهد شاهد من أهلها على صدق هذا المنهاج الإسلامى ، فتنشر صحيفة [الأهرام] تقريراً علمياً عن نتائج دراسة علمية استغرقت أبحاثها عشرين عاماً ، وقام بها فريق من علماء النفس فى الولايات المتحدة الأمريكية ، وإذا بها تكشف عن مصداقية حقائق هذا المنهاج القرآنى فى تشابه الرجال والنساء فى اثنتين وثلاثين صفة .. وتميّز المرأة عن الرجل فى اثنتين وثلاثين صفة .. وتميز الرجل عن المرأة كذلك فى اثنتين وثلاثين صفة.
فهناك التشابه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) سورة الأعراف: 189. (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) سورة آل عمران: 195.
وهناك التمايز الفطرى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى).. فهما يتشابهان فى نصف الصفات ، ويتمايزان فى نصفها الآخر.. فالنموذج الأمثل لتحررهما معاً هو "مساواة الشقين المتكاملين ، لا الندين المتماثلين".. ولذلك ، آثرت أن أقدم للقارئ خلاصة هذه الدراسة العلمية ، كما نشرتها [الأهرام] تحت عنوان [اختلاف صفات الرجل عن المرأة لمصلحة كليهما] - ونصها: "فى دراسة قام بها علماء النفس فى الولايات المتحدة الأمريكية ، على مدى عشرين عاماً ، تم حصر عدد الصفات الموجودة فى كل من الرجل والمرأة ، ووجد أن هناك 32 صفة مشتركة فى كل منهما ، وأن 32 صفة أخرى موجودة فى الرجل ، و32 صفة أخرى موجودة عند المرأة ، بدرجات مختلفة فى الشدة ، ومن هنا جاءت الفروق بين صفات الرجولة والأنوثة.
وتوصل العلماء من خلال هذه التجارب إلى أن وجود نصف عدد الصفات مشتركة فى كل من الرجل والمرأة يعمل على وجود الأسس المشتركة بينهما ، لتسهيل التفاهم والتعامل مع بعضهما البعض ..
أما وجود عدد آخر من الصفات متساوياً بينهما ومختلفاً عند كل منهما فى الدرجة والشهرة فمعناه تحقيق التكامل بينهما. كما توصلوا إلى أنه كى يعيش كل من الرجل والمرأة فى انسجام وتناغم تام ، لابد أن يكون لدى كل منهما الصفات السيكولوجية المختلفة ، فمثلاً الرجل العصبى الحاد المزاج لا يمكنه أن يتعايش مع امرأة عصبية حادة المزاج، والرجل البخيل عليه ألا يتزوج امرأة بخيلة، والرجل المنطوى، الذى لا يحب الناس، لا يجوز أن يتزوج من امرأة منطوية ولا تحب الناس. وهكذا.
وكان من نتائج هذه الدراسات الوصول إلى نتيجة مهمة ، ألا وهى أن كل إنسان يحب ألا يعيش مع إنسان متماثل معه فى الصفات وكل شىء ، أى صورة طبق الأصل من صفاته الشخصية ، ومن هنا جاءت الصفات المميزة للرجولة متمثلة فى: قوة العضلات وخشونتها والشهامة، والقوة فى الحق، والشجاعة فى موضع الشجاعة، والنخوة، والاهتمام بمساندة المرأة وحمايتها والدفاع عنها وجلب السعادة لها. كما تتضمن أيضاً صفات الحب ، والعطاء ، والحنان، والكرم ، والصدق فى المشاعر وفى القول وحسن التصرف.. إلخ.
أما عن صفات الأنوثة ، فهى تتميز بالدفء ، والنعومة ، والحساسية ، والحنان ، والتضحية ، والعطاء ، وحب الخير ، والتفانى فى خدمة أولادها ، والحكمة ، والحرص على تماسك الأسرة وترابطها ، وحب المديح ، والذكاء ، وحسن التصرف ، وغير ذلك من الصفات ..
ولذلك ، فمن المهم أن يكون لدى كل من الرجل والمرأة دراية كافية بطبيعة الرجل وطبيعة المرأة ، وبذلك يسهل على كل منهما التعامل مع الطرف الآخر فى ضوء خصائص كل منهما.. فعندما يعرف الرجل أن المرأة مخلوق مشحون بالمشاعر والأحاسيس والعواطف ، فإنه يستطيع أن يتعامل معها على هذا الأساس. وبالمثل ، إذا عرفت المرأة طبيعة الرجل ، فإن هذا سيساعدها أيضاً على التعامل معه.. [الأهرام] فى 29- 4-2001- ص 2.
تلك هى شهادة الدراسة العلمية ، التى قام بها فريق من علماء النفس فى الولايات المتحدة الأمريكية والتى استغرق البحث فيها عشرون عاماً.. والتى تصدق على صدق المنهاج القرآنى فى علاقة النساء بالرجال: الاشتراك والتماثل فى العديد من الصفات.. والتمايز فى العديد من الصفات ، لتكون بينهما "المساواة" و "التمايز" فى ذات الوقت..
ومرة أخرى لا أخيرة صدق الله العظيم إذ يقول:( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت: 53
أ. د محمد عمارة: حقائق الإسلام فى مواجهة شبهات المشككين
-
الإصحاح الثالث والأربعين بعد المائة
شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فى الإسلام:
أما الشبهة الثانية والزائفة التى تثار حول موقف الإسلام من شهادة المرأة.. التى يقول مثيروها: إن الإسلام قد جعل المرأة نصف إنسان ، وذلك عندما جعل شهادتها نصف شهادة الرجل ، مستدلين على ذلك بآية سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). البقرة: 282.
ومصدر الشبهة التى حسب مثيروها أن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة ، بجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل: (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) هو الخلط بين "الشهادة" وبين "الإشهاد" الذى تتحدث عنه هذه الآية الكريمة.. فالشهادة التى يعتمد عليها القضاء فى اكتشاف العدل المؤسس على البينة ، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم ، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها ، ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضى لصدق الشهادة بصرف النظرعن جنس الشاهد ، ذكرًا كان أو أنثى ، وبصرف النظر عن عدد الشهود .. فالقاضى إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين ، أو امرأتين ، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتين، أو امرأة ورجلين، أو رجل واحد أو امرأة واحدة .. ولا أثر للذكورة أو الأنوثة فى الشهادة التى يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات ..
أما آية سورة البقرة، والتى قالت: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) فإنها تتحدث عن أمر آخر غير "الشهادة" أمام القضاء.. تتحدث عن "الإشهاد" الذى يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه ، وليس عن "الشهادة" التى يعتمد عليها القاضى فى حكمه بين المتنازعين .. فهى (الآية) موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضى الحاكم فى النزاع .. بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود فى كل حالات الدَّيْن .. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص ، وفى حالات خاصة من الديون ، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية .. فهو دين إلى أجل مسمى .. ولابد من كتابته .. ولابد من عدالة الكاتب. ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة .. ولابد من إملاء الذى عليه الحق .. وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل .. والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين .. أو رجل وامرأتين من المؤمنين .. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة .. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة .. وليست هذه الشروط بمطلوبة فى التجارة الحاضرة .. ولا فى المبايعات .. ثم إن الآية ترى فى هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم .. وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط..
ولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن "الإشهاد" فى دَيْن خاص ، وليس عن الشهادة .. وإنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضى الحاكم فى المنازعات .. فقه ذلك العلماء المجتهدون ..
ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة ، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية [661-728 هجرية /1263-1328] وتلميذه العلامة ابن القيم [691-751 هجرية / 1292-1350م ] من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [ 1265-1323 هجرية ] والإمام الشيخ محمود شلتوت [1310-1383 هجرية /1893-1963م] من المُحْدَثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم:
قال عن "البينة" التى يحكم القاضى بناء عليها .. والتى وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه" رواه البخارى والترمذى وابن ماجه:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعى" ، أى عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه ، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له.."
فطرق الإشهاد، فى آية سورة البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة .. وليست التشريع الموجه إلى الحاكم القاضى والجامع لطرق الشهادات والبينات.. وهى أيضاً خاصة بدَيْن له مواصفاته وملابساته، وليست التشريع العام فى البينات التى تُظهر العدل فيحكم به القضاة ..
وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان ، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد فى قضية السَّلَب (السَّلَب بفتح السين مشددة ، وفتح اللام -: هو متاع القتيل وعدته ، يأخذه قاتله.. وفى الحديث: "من قتل قتيلاً فله سَلَبُهُ ".) ، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر ، واستحلفه ، وهذه القصة [وروايتها فى الصحيحين] صريحة فى ذلك.. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة ، وهو الذى نقله الخِرَقى [334 هجرية 945م ] فى مختصره ،فقال: وتقبل شهادة الطبيب العدل فى الموضحة (الموضحة: هى الجراحات التى هى دون قتل النفس.) إذا لم يقدر على طبيبين ، وكذلك البيطار فى داء الدابة.." (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ، ص 98 ، 113 ، 123.)
وكما تجوز شهادة الرجل الواحد فى غير الحدود .. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود ، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن فى الحدود .. وعن ذلك يقول ابن تيمية ، فيما نقله ابن القيم: "وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة فى الرضاع ، وقد شهدت على فعل نفسها ، ففى الصحيحين عن عقبة بن الحارث: " أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب ، فجاءت أَمَةٌ سوداء ، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنى ، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له ، قال: فكيف؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما!".
وقد نص أحمد على ذلك فى رواية بكر بن محمد عن أبيه ، قال: فى المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى ، (استهلال الصبى: هو أن يحدث منه ما يدل على حياته ساعة الولادة من رفع صوت أو حركة عضو أو عين ، وهو شرط لتمتعه بحقوق الأحياء.) وفى الحمّام يدخله النساء ، فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد فى شهادة الاستدلال: "تجوز شهادة امرأة واحدة فى الحيض والعدة والسقط والحمّام ، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء".
فقال: "تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة ، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات فى غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف". وعن عطاء [27-114 هجرية /647 732م ] أنه أجاز شهادة النساء فى النكاح. وعن شريح [78 هجرية / 697م ] أنه أجاز شهادة النساء فى الطلاق. وقال بعض الناس: تجوز شهادة النساء فى الحدود. وقال مهنا: قال لى أحمد بن حنبل: قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها ، وإن كانت يهودية أو نصرانية..". (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ، ص 115-117)
ذلك أن العبرة هنا فى الشهادة إنما هى الخبرة والعدالة ، وليست العبرة بجنس الشاهد ذكراً كان أو أنثى ففى مهن مثل الطب.. والبيطرة.. والترجمة أمام القاضى.. تكون العبرة "بمعرفة أهل الخبرة " (المصدر السابق. ص 188 ، 193.)
بل لقد ذكر ابن تيمية فى حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية سورة البقرة أن نسيان المرأة ، ومن ثم حاجتها إلى أخرى تذكرها (أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (ليس طبعًا ولا جبلة فى كل النساء ، وليس حتمًا فى كل أنواع الشهادات.. وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران ، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير.. وحكى ذلك عنه ابن القيم فقال: "قال شيخنا ابن تيمية ، رحمه الله تعالى: قوله تعالى (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل واحد إنما هو لإذكار إحداهما للأخرى ، إذا ضلت ، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال فى العادة ، وهو النسيان وعدم الضبط.. فما كان من الشهادات لا يُخافُ فيه الضلال فى العادة لم تكن فيه على نصف الرجل.." .
فحتى فى الإشهاد ، يجوز لصاحب الدَّيْن أن يحفظ دَينه وفق نصيحة وإرشاد آية سورة البقرة بإشهاد رجل وامرأة ، أو امرأتين ، وذلك عند توافر الخبرة للمرأة فى موضوع الإشهاد .. فهى فى هذا الإشهاد ليست شهادتها دائماً على النصف من شهادة الرجل..
وهذا الذى قاله ابن تيمية وابن القيم فى حديثهما عن آية سورة البقرة هو الذى ذكره الإمام محمد عبده ، عندما أرجع تميز شهادة الرجال على هذا الحق الذى تحدثت عنه الآية على شهادة النساء ، إلى كون النساء فى ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات ، ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات فى هذه الميادين.. وهو واقع تاريخى خاضع للتطور والتغير ، وليس طبيعة ولا جبلة فى جنس النساء على مر العصور.. ولو عاش الإمام محمد عبده إلى زمننا هذا ، الذى زخر ويزخر بالمتخصصات فى المحاسبة والاقتصاد وإدارة الأعمال ، وب "سيدات الأعمال" اللائى ينافسن "رجال الأعمال" لأفاض وتوسع فيما قال ، ومع ذلك ، فحسبه أنه قد تحدث قبل قرن من الزمان فى تفسيره لآية سورة البقرة هذه رافضاً أن يكون نسيان المرأة جبلة فيها وعامًّا فى كل موضوعات الشهادات ، فقال:
ولقد سار الشيخ محمود شلتوت الذى استوعب اجتهادات ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده مع هذا الطريق ، مضيفاً إلى هذه الاجتهادات علماً آخر عندما لفت النظر إلى تساوى شهادة الرجل فى "اللعان".. فكتب يقول عن شهادة المرأة وكيف أنها دليل على كمال أهليتها ، وذلك على العكس من الفكر المغلوط الذى يحسب موقف الإسلام من هذه القضية انتقاصًا من إنسانيتها.. كتب يقول:
إن قول الله سبحانه وتعالى: (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) ليس وارداً فى مقام الشهادة التى يقضى بها القاضى ويحكم ، وإنما هو فى مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ) إلى أن قال: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى). البقرة: 282.
فالمقام مقام استيثاق على الحقوق ، لا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذى تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهم.
وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتى ليس معهن رجل ، لايثبت بها الحق ، ولا يحكم بها القاضى ، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو "البينة".
وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة فى الشرع أعم من الشهادة ، وأن كل ما يتبين به الحق ويظهره ، هو بينة يقضى بها القاضى ويحكم. ومن ذلك: يحكم القاضى بالقرائن القطعية ، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها.
واعتبار المرأتين فى الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها ، الذى يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثراً له ، وإنما هو لأن المرأة كما قال الشيخ محمد عبده "ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها ، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويمارسونها ، ويكثر اشتغالهم بها.
والآية جاءت على ما كان مألوفاً فى شأن المرأة ، ولا يزال أكثر النساء كذلك ، لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات ، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافى هذا الأصل الذى تقضى به طبيعتها فى الحياة.
وإذا كانت الآية ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق ، وكان المتعاملون فى بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات ، كان لهم الحق فى الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه.
هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها ، وهى القضايا التى لم تجر العادة بإطلاع الرجال على موضوعاتها ، كالولادة والبكارة ، وعيوب النساء والقضايا الباطنية.
وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده ، وهى القضايا التى تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها ، على أنهم قدروا قبول شهادتها فى الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضى إليها. وعلى أن منها ما تقبل شهادتهما معاً.
ومالنا نذهب بعيداً ، وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء فى شهادات اللعان ، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقول شهود : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤُ عَنْهَاالْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ). النور:6-9.
أربع شهادات من الرجل ، يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ويقابلها ويبطل عملها ، أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين .. فهذه عدالة الإسلام فى توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة ، وهى عدالة تحقق أنهما فى الإنسانية سواء.. (الإسلام عقيدة وشريعة ، ص 239- 241. طبعة القاهرة سنة 1400 هجرية سنة 1980م)
هكذا وضحت صفحة الإسلام.. وصفحات الاجتهاد الإسلامى فى قضية مساواة شهادة المرأة وشهادة الرجل ، طالما امتلك الشاهد أو الشاهدة مقومات ومؤهلات وخبرة هذه الشهادة .. لأن الأهلية الإنسانية بالنسبة لكل منهما واحدة ، ونابعة من وحدة الخلق ، والمساواة فى التكاليف ، والتناصر فى المشاركة بحمل الأمانة التى حملها الإنسان ، أمانة استعمار وعمران هذه الحياة.
وأخيراً وليس آخراً فإن ابن القيم يستدل بالآية القرآنية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا). البقرة: 143. على أن المرأة كالرجل فى هذه الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة النبوية.. فالمرأة كالرجل فى "رواية الحديث" ، التى هى شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وإذا كان ذلك مما أجمعت عليه الأمة ، ومارسته راويات الحديث النبوى جيلاً بعد جيل "والرواية شهادة" فكيف تقبل الشهادة من المرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقبل على واحد من الناس؟.. إن المرأة العدل [بنص عبارة ابن القيم] كالرجل فى الصدق والأمانة والديانة. (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ، ص236، 244)
فقد اعترف المسلمون والتاريخ الإسلامى بالكثير من السيدات المحدثات. مثل:
السيدة عائشة بنت أبى بكر أم المؤمنين
السيدة فاطمة الزهراء بنت المصطفى صلى الله عليه وسلم
السيدة زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلية
وكانت أم عبد الواحد عالمة فاضلة من أحفظ الناس للفقه على مذهب الشافعى ، وحفظت القرآن وغير ذلك من العلوم ، وكانت مُحدِّثة.
ووقاية امرأة عالمة فاضلة، كانت بإحدى مدن ليبيا، وكان يلجأ إليها أفاضل العلماء ، ويقولون: (تعالوا بنا نستشير وقاية ، فعصابتها خير من عمائمنا).
زينب ابنة الكمال ومن تلاميذها الإمام محمد بن حمزة الحسينى.
ووزيرة بنت عمر بن المنجى ومن تلاميذها الإمام محمد بن سوار السبكى.
ست القضاة بنت الشيرازى ومن تلاميذها الحافظ بن ناصر الدين الدمشقى ، والقاضى الإمام أحمد بن فضل الله العمرى. وغيرهن المئات الكثيرة.
وكانت أم المؤيد زينب بنت الشعرى تمنح الإجازات العلمية للرجال ، التى منحت العالم ابن خلكان إجازة علمية كتبتها له فى سنة 610 هـ.
وقطر الندى كانت من العالمات بالشريعة الإسلامية والقضاء. فقامت بالوصاية على ابنها المقتدر قبل أن يبلغ سن الرشد وأدارت الأحكام ، وقضت بنفسها بين الناس.
بل تولت امرأة القضاء فى العصر العباسى ، واطمأن الناس إلى عدالتها فى الحكم ، واعترفوا بفضلها ، ومقدرتها القضائية.
ويوجد غيرهن المئات والمئات من المحدِّثات ، اللاتى اطمأن إليهن الكثير من العلماء ، وتعلمن على أيديهن.
فهل سمع الناس فى عصر من العصور أو عن أمة من الأمم فيها عالم من أوثق رواة الحديث عقدة وأصدقهم حديثاً وهو الحافظ بن عساكر (توفى 571 هـ) الملقَّب بـ (حافظ الأمة) كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء؟ عالم واحد يتلقى العلم عن بضع وثمانين امرأة؟ فكم ترى منهن من لم يلقها أو يأخذ عنها؟ مع الأخذ فى الاعتبار أن الرجل لم يجاوز الجزء الشرقى من الدولة الإسلامية ، فلم تطأ قدماه أرض مصر ، ولا بلاد المغرب ، ولا الأندلس وهى أحفل ما تكون بالعالمات وذوات الرأى من النساء.
فإنصاف المرأة، وكمال واكتمال أهليتها هو موقف الإسلام، الذى نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين .. وهو موقف كل تيارات الاجتهاد الإسلامى ، على امتداد تاريخ الإسلام.
ونفس الشىء نلمسه فى الإنجيل ، فعلى الرغم من قيام الشهادة فى التوراة والإنجيل على فم شاهدين أو أكثر ، لم يحكم عيسى عليه السلام برجم المرأة التى اتهمها جماعة من اليهود وهم شهود عليها ، لأنه لم يستوثق من شهادتهم: (2ثُمَّ حَضَرَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ. 3وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِناً. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسَطِ 4قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ 5وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» 6قَالُوا هَذَا لِيُجَرِّبُوهُ لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. 7وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» 8ثُمَّ انْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. 9وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسَطِ. 10فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ قَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» 11فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً».) يوحنا 8: 2-11
الإصحاح الرابع والأربعين بعد المائة
ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم لإمرأة:
إن "الولاية" بكسر الواو وفتحها هى "النُّصْرَة".. وكل من ولى أمر الآخر فهو وليه.
الراغب الأصفهانى ، أبو القاسم الحسين بن محمد [المفردات فى غريب القرآن ، طبعة دار التحرير ، القاهرة 1991م.] (الله ولىُّ الذين آمنوا) البقرة: 257. (إن وَلِيِّىَ الله) الأعراف: 196. (والله ولىُّ المؤمنين) آل عمران: 68. (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لِلَّهِ من دون الناس فتمنوا الموت) الجمعة: 6. (ما لكم من وَلايتهم من شىء) الأنفال: 72.
وإذا كانت "النصرة" هى معنى "الولاية" ، فلا مجال للخلاف على أن للمرأة نصرة وسلطاناً ، أى ولاية ، فى كثير من ميادين الحياة ..
فالمسلمون مجمعون على أن الإسلام قد سبق كل الشرائع الوضعية والحضارات الإنسانية عندما أعطى للمرأة ذمة مالية خاصة ، وولاية وسلطانا على أموالها ، ملكا وتنمية واستثمارا وإنفاقاً ، مثلها فى ذلك مثل الرجل سواء بسواء .. والولاية المالية والاقتصادية من أفضل الولايات والسلطات فى المجتمعات الإنسانية ، على مر تاريخ تلك المجتمعات.. وفى استثمار الأموال ولاية وسلطان يتجاوز الإطار الخاص إلى النطاق العام.. والمسلمون مجمعون على أن للمرأة ولاية على نفسها ، تؤسس لها حرية وسلطانا فى شئون زواجها ، عندما يتقدم إليها الراغبون فى الاقتران بها ، وسلطانها فى هذا يعلو سلطان وليها الخاص والولى العام لأمر أمة الإسلام..
والمسلمون مجمعون على أن للمرأة ولاية ورعاية وسلطاناً فى بيت زوجها ، وفى تربية أبنائها.. وهى ولاية نص على تميزها بها وفيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى فصّل أنواع وميادين الولايات: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذى على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهى مسئولة عنهم ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). رواه البخارى ومسلم والإمام أحمد..
لكن قطاعا من الفقهاء قد وقف بالولايات المباحة والمفتوحة ميادينها أمام المرأة عند "الولايات الخاصة" ، واختاروا حجب المرأة عن "الولايات العامة"، التى تلى فيها أمر غيرها من الناس ، خارج الأسرة وشئونها ..
ونحن نعتقد أنه من وقائع تطبيقات وممارسات مجتمع النبوة والخلافة الراشدة لمشاركات النساء فى العمل العام بدءاً من الشورى فى الأمور العامة.. والمشاركة فى تأسيس الدولة الإسلامية الأولى. وحتى ولاية الحسبة والأسواق والتجارات ، التى ولاّها عمر بن الخطاب رضى الله عنه " للشِّفاء بنت عبد الله بن عبد شمس [ 20 هجرية /641م ].. وانتهاء بالقتال فى ميادين الوغى.. كذلك وأيضًا الآيات القرآنية الدالة على أن الموالاة والتناصر بين الرجال والنساء فى سائر ميادين العمل العام وهى التى تناولها القرآن الكريم تحت فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). التوبة: 71.
أما الإضافة التى نقدمها فى هذا القسم من هذه الدراسة قسم إزالة الشبهات فهى خاصة بمناقشة الفهم المغلوط للحديث النبوى الشريف: [ما أفلح قوم يلى أمرهم امرأة].. إذ هو الحديث الذى يستظل بظله كل الذين يحرّمون مشاركة المرأة فى الولايات العامة والعمل العام..
ولقد وردت لهذا الحديث روايات متعددة ، منها: (لن يفلح قوم تملكهم امرأة) .. (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) .. (ولن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة) رواها: البخارى والترمذى والنسائى والإمام أحمد..
وإذا كانت صحة الحديث من حيث "الرواية" هى حقيقة لا شبهة فيها.. فإن إغفال مناسبة ورود هذا الحديث يجعل "الدراية" بمعناه الحقيقى مخالفة للاستدلال به على تحريم ولاية المرأة للعمل العام ..
ذلك أن ملابسات قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، لهذا الحديث تقول: إن نفراً قد قدموا من بلاد فارس إلى المدينة المنورة ، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- "من يلى أمر فارس" ؟
- " قال [ أحدهم ]: امرأة.
- فقال صلى الله عليه وسلم "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
فملابسات ورود الحديث تجعله نبوءة سياسية بزوال ملك فارس وهى نبوءة نبوية قد تحققت بعد ذلك بسنوات– أكثر منه تشريعاً عاما يحرم ولاية المرأة للعمل السياسى العام ..
ثم إن هذه الملابسات تجعل معنى هذا الحديث خاصاً "بالولاية العامة" أى رئاسة الدولة وقيادة الأمة .. فالمقام كان مقام الحديث عن امرأة تولت عرش الكسروية الفارسية ، التى كانت تمثل إحدى القوتين العظيمتين فى النظام العالمى لذلك التاريخ .. ولا خلاف بين جمهور الفقهاء باستثناء طائفة من الخوارج على اشتراط "الذكورة" فيمن يلى "الإمامة العظمى" والخلافة العامة لدار الإسلام وأمة الإسلام .. أما ماعدا هذا المنصب بما فى ذلك ولايات الأقاليم والأقطار والدول القومية والقطرية والوطنية فإنها لا تدخل فى ولاية الإمامة العظمى لدار الإسلام وأمته.. لأنها ولايات خاصة وجزئية ، يفرض واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر المشاركة فى حمل أماناتها على الرجال والنساء دون تفريق ..
فالشبهة إنما جاءت من خلط مثل هذه الولايات الجزئية والخاصة بالإمامة العظمى والولاية العامة لدار الإسلام وأمته وهى الولاية التى اشترط جمهور الفقهاء "الذكورة" فيمن يليها .. ولا حديث للفقه المعاصر عن ولاية المرأة لهذه الإمامة العظمى ، لأن هذه الولاية قد غابت عن متناول الرجال ، فضلاً عن النساء ، منذ سقوط الخلافة العثمانية [ 1342 هجرية 1924م ] وحتى الآن! ..
وأمر آخر لابد من الإشارة إليه ، ونحن نزيل هذه الشبهة عن ولاية المرأة للعمل العام، وهو تغير مفهوم الولاية العامة فى عصرنا الحديث ، وذلك بانتقاله من: "سلطان الفرد" إلى "سلطان المؤسسة" ، والتى يشترك فيها جمع من ذوى السلطان والاختصاص ..
لقد تحوّل "القضاء" من قضاء القاضى الفرد إلى قضاء مؤسسى ، يشترك فى الحكم فيه عدد من القضاة .. فإذا شاركت المرأة فى "هيئة المحكمة" فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة للقضاء، بالمعنى الذى كان وارداً فى فقه القدماء ، لأن الولاية هنا الآن لمؤسسة وجمع ، وليست لفرد من الأفراد ، رجلاً كان أو امرأة.. بل لقد أصبحت مؤسسة التشريع والتقنين مشاركة فى ولاية القضاء ، بتشريعها القوانين التى ينفذها القضاة .. فلم يعد قاضى اليوم ذلك الذى يجتهد فى استنباط الحكم واستخلاص القانون ، وإنما أصبح "المنفذ" للقانون الذى صاغته وقننته مؤسسة ، تمثل الاجتهاد الجماعى والمؤسسى لا الفردى فى صياغة القانون ..
وكذلك الحال مع تحول التشريع والتقنين من اجتهاد الفرد إلى اجتهاد مؤسسات الصياغة والتشريع والتقنين.. فإذا شاركت المرأة فى هذه المؤسسات ، فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لسلطة التشريع بالمعنى التاريخى والقديم لولاية التشريع..
وتحولت سلطات صنع "القرارات التنفيذية" فى النظم الشورية والديمقراطية عن سلطة الفرد إلى سلطان المؤسسات المشاركة فى الإعداد لصناعة القرار.. فإذا شاركت المرأة فى هذه المؤسسات ، فليس بوارد الحديث عن ولاية المرأة لهذه السلطات والولايات ، بالمعنى الذى كان فى ذهن الفقهاء الذين عرضوا لهذه القضية فى ظل "فردية" الولايات ، وقبل تعقد النظم الحديثة والمعاصرة ، وتميزها بالمؤسسية والمؤسسات..
لقد تحدث القرآن الكريم عن ملكة سبأ - وهى امرأة - فأثنى عليها وعلى ولايتها للولاية العامة ، لأنها كانت تحكم بالمؤسسة الشورية لا بالولاية الفردية (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ). النمل: 32.
وذم القرآن الكريم فرعون مصر - وهو رجل لأنه قد انفرد بسلطان الولاية العامة وسلطة صنع القرار(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ). غافر: 29. فلم تكن العبرة بالذكورة أو الأنوثة فى الولاية العامة حتى الولاية العامة وإنما كانت العبرة بكون هذه الولاية "مؤسسة شورية"؟ أم "سلطانا فردياً مطلقاً"؟
أما ولاية المرأة للقضاء .. والتى يثيرها البعض كشبهة على اكتمال أهلية المرأة فى الرؤية الإسلامية .. فإن إزالة هذه الشبهة يمكن أن تتحقق بالتنبيه على عدد من النقاط:
أولها: أن ما لدينا فى تراثنا حول قضية ولاية المرأة لمنصب القضاء هو "فكر إسلامى" و "اجتهادات فقهية" أثمرت "أحكاماً فقهية" .. وليس "دينا" وضعه الله سبحانه وتعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن الكريم لم يعرض لهذه القضية ، كما لم تعرض لها السنة النبوية ، لأن القضية لم تكن مطروحة على الحياة الاجتماعية والواقع العملى لمجتمع صدر الإسلام ، فليس لدينا فيها نصوص دينية أصلاً ، ومن ثم فإنها من مواطن ومسائل الاجتهاد ..
ثم إن هذه القضية هى من "مسائل المعاملات" وليست من "شعائر العبادات".. وإذا كانت "العبادات توقيفية" تُلْتَمس من النص وتقف عند الوارد فيه ، فإن "المعاملات" تحكمها المقاصد الشرعية وتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة .. والموازنة بين المصالح والمفاسد فيها .. ويكفى فى "المعاملات" أن لا تخالف ما ورد فى النص ، لا أن يكون قد ورد فيها نص ..
ومعلوم أن "الأحكام الفقهية" التى هى اجتهادات الفقهاء، مثلها كمثل الفتاوى ، تتغير بتغير الزمان والمكان والمصالح الشرعية المعتبرة .. فتولى المرأة للقضاء قضية فقهية، لم ولن يُغْلَق فيها باب الاجتهاد الفقهى الإسلامى ..
وثانيها: أن اجتهادات الفقهاء القدماء حول تولى المرأة لمنصب القضاء هى اجتهادات متعددة ومختلفة باختلاف وتعدد مذاهبهم واجتهاداتهم فى هذه المسألة ، ولقد امتد زمن اختلافهم فيها جيلاً بعد جيل.. ومن ثم فليس هناك "إجماع فقهى" فى هذه المسألة حتى يكون هناك إلزام للخلف بإجماع السلف ، وذلك فضلاً عن أن إلزام الخلف بإجماع السلف هو أمر ليس محل إجماع.. ناهيكم عن أن قضية إمكانية تحقق الإجماع أى اجتماع سائر فقهاء عصر ما على مسألة من مسائل فقه الفروع كهذه المسألة هو مما لا يُتَصَوَّر حدوثه حتى لقد أنكر كثير من الفقهاء إمكانية حدوث الإجماع فى مثل هذه الفروع أصلاً. ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل [164-241 هجرية 780-855 م] الذى قال: "من ادعى الإجماع فقد كذب!".
فباب الاجتهاد الجديد والمعاصر والمستقبلى فى هذه المسألة وغيرها من فقه الفروع مفتوح .. لأنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة أى المسائل التى لم ولن تختلف فيها مذاهب الأمة ولا الفِطر السليمة لعلماء وعقلاء الإسلام..
وثالثها: أن جريان "العادة" فى الأعصر الإسلامية السابقة ، على عدم ولاية المرأة لمنصب القضاء لا يعنى "تحريم" الدين لولايتها هذا المنصب ، فدعوة المرأة للقتال ، وانخراطها فى معاركه هو مما لم تجربه "العادة" فى الأعصر الإسلامية السابقة ، ولم يعن ذلك " تحريم " اشتراك المرأة فى الحرب والجهاد القتالى عند الحاجة والاستطاعة وتعيُّن فريضة الجهاد القتالى على كل مسلم ومسلمة.. فهى قد مارست هذا القتال وشاركت فى معاركه على عصر النبوة والخلافة الراشدة.. من غزوة أُحد [3 هجرية 625م] إلى موقعة اليمامة [12 هجرية 633 م] ضد ردة مسيلمة الكذاب [12 هجرية 633 م].. وفى "العادة" مرتبطة "بالحاجات" المتغيرة بتغير المصالح والظروف والملابسات ، وليست هى مصدر الحلال والحرام ..
رابعها: أن علة اختلاف الفقهاء حول جواز تولى المرأة لمنصب القضاء ، فى غيبة النصوص الدينية – القرآنية والنبوية – التى تتناول هذه القضية ، كانت اختلاف هؤلاء الفقهاء فى الحكم الذى "قاسوا" عليه توليها للقضاء. فالذين "قاسوا" القضاء على: "الإمامة العظمى" التى هى الخلافة العامة على أمة الإسلام ودار الإسلام مثل فقهاء المذهب الشافعى قد منعوا توليها للقضاء ، لاتفاق جمهور الفقهاء باستثناء بعض الخوارج على جعل "الذكورة" شرطا من شروط الخليفة والإمام ، فاشترطوا هذا الشرط "الذكورة" – فى القاضى ، قياساً على الخلافة والإمامة العظمى.
ويظل هذا " القياس " قياساً على "حكم فقهى" – ليس عليه إجماع وليس "قياساً" على نص قطعى الدلالة والثبوت ..
والذين أجازوا توليها القضاء ، فيما عدا قضاء "القصاص والحدود" مثل أبى حنيفة " [80 150 هجرية / 699 767 م] وفقهاء مذهبه قالوا بذلك "لقياسهم" القضاء على "الشهادة" ، فأجازوا قضاءها فيما أجازوا شهادتها فيه ، أى فيما عدا "القصاص والحدود"
فالقياس هنا أيضاً على "حكم فقهى" وليس على نص قطعى الدلالة والثبوت..وهذا الحكم الفقهى المقيس عليه وهو شهادة المرأة فى القصاص والحدود.. أى فى الدماء ليس موضع إجماع .. فلقد سبق وذكرنا فى رد شبهة أن شهادة المرأة هى على النصف من شهادة الرجل إجازة بعض الفقهاء لشهادتها فى الدماء ، وخاصة إذا كانت شهادتها فيها هى مصدر البينة الحافظة لحدود الله وحقوق الأولياء ..
أما الفقهاء الذين أجازوا قضاء المرأة فى كل القضايا مثل الإمام محمد بن جرير الطبرى [ 224310 هجرية / 839 923م ] فقد حكموا بذلك "لقياسهم" القضاء على "الفتيا" .. فالمسلمون قد أجمعوا على جواز تولى المرأة منصب الإفتاء الدينى أى التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أخطر المناصب الدينية وفى توليها للإفتاء سنة عملية مارستها نساء كثيرات على عهد النبوة من أمهات المؤمنين وغيرهن فقاس هؤلاء الفقهاء قضاء المرأة على فتياها ، وحكموا بجواز توليها كل أنواع القضاء ، لممارستها الإفتاء فى مختلف الأحكام.
وهم قد عللوا ذلك بتقريرهم أن الجوهرى والثابت فى شروط القاضى إنما يحكمه ويحدده الهدف والقصد من القضاء ، وهو: ضمان وقوع الحكم بالعدل بين المتقاضين.. وبعبارة أبى الوليد بن رشد الحفيد [ 520595 هجرية / 1126 1198م ]: فإن "من رأى حكم المرأة نافذا فى كل شىء قال: إن الأصل هو أن كل من يأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز ، إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى ".
(بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج2 ص 494. طبعة القاهرة سنة 1974م)؛ و(الماوردى ، أدب القاضى ، ج1 ص 625-628 طبعة بغداد سنة 1971م) ؛ و(الأحكام السلطانية ص65 طبعة القاهرة سنة 1973م.)
وخامسها: أن "الذكورة" لم تكن الشرط الوحيد الذى اختلف حوله الفقهاء من بين شروط من يتولى القضاء.. فهم مثلا اختلفوا فى شرط "الاجتهاد" فأوجب الشافعى (150-204 هجرية / 767-820م) وبعض المالكية أن يكون القاضى مجتهداً .. على حين أسقط أبو حنيفة هذا الشرط ، بل وأجاز قضاء "العامى" أى الأمى فى القراءة والكتابة وهو غير الجاهل ووافقه بعض الفقهاء المالكية قياسا على أمية النبى صلى الله عليه وسلم. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج2 ص 493،494.)
واختلفوا كذلك فى شرط كون القاضى "عاملا" وليس مجرد "عالم" بأصول الشرع الأربعة: الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس.. فاشترطه الشافعى ، وتجاوز عنه غيره من الفقهاء ( أدب القاضى ، ج 1 ص 643.)
كما اشترط أبو حنيفة ، دون سواه أن يكون القاضى عربيا من قريش. (محمد محمد سعيد ، كتاب دليل السالك لمذهب الإمام مالك ص 190 طبعة القاهرة سنة 1923 م.)
فشرط " الذكورة " فى القاضى ، هو واحد من الشروط التى اختلف فيها الفقهاء ، حيث اشترطه البعض فى بعض القضايا دون البعض الآخر ، وليس فيه إجماع.. كما أنه ليس فيه نصوص دينية تمنع أو تقيد اجتهادات المجتهدين..
وسادسها: أن منصب القضاء وولايته قد أصابها هى الأخرى ما أصاب الولايات السياسية والتشريعية والتنفيذية من تطور انتقل بها من "الولاية الفردية" إلى ولاية "المؤسسة" فلم تعد "ولاية رجل" أو "ولاية امرأة" ، وإنما أصبح "الرجل" جزءاً من المؤسسة والمجموع ، وأصبحت "المرأة" جزءاً من المؤسسة والمجموع .. ومن ثم أصبحت القضية فى "كيف جديد" يحتاج إلى "تكييف جديد" يقدمه الاجتهاد الجديد لهذا الطور المؤسسى الجديد الذى انتقلت إليه كل هذه الولايات.. ومنها ولاية المرأة للقضاء.
-
الإصحاح الخامس والأربعين بعد المائة
المسيحية والعبيد:
الرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال فى تاريخ الإنسان ، وفى الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال ، وفى بعض تلك الحضارات كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية كان النظام الطبقى المغلق يحول دون تحرير الأرقاء ، مهما توفرت لأى منهم الرغبة أو الإمكانات.. وفى بعض تلك الحضارات كالحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية ، وكانت الأغلبية فى الامبراطورية برابرة أرقاء ، أو فى حكم الأرقاء.. وللأرقاء فى تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "اسبارتاكوس" [ 73-71 ق م ].
كان الرقيق فى عرف الرومان النصارى (شيئاً) لا بشراً. شيئاً لا حقوق له البتَّة ، وإن كان عليه كل ثقيل من الواجبات. فكانوا يعملون فى الحقول وهم مصفدون فى الأغلال الثقيلة، التى تكفى لمنهم من الفرار. ولم يكونوا يُطعَمون القلقل الذى يبقى على وجودهم ليعملوا، وكانوا أثناء العمل يُساقون بالسوط ، لغير شىء إلا اللذة الفاجرة التى يحسها السيد أو وكيله فى تعذيب هذه المخلوقات. وفى الليل ينامون فى (زنزانات) مظلمة كريهة الرائحة ، تعيث فيها الحشرات والفئران ، فيلقون فيها بأعداد كبيرة ، فلا يتاح لهم حتى الفراغ الذى يتاح بين بقرة وبقرة فى حظيرة الحيوانات.
وكانت حلقات المبارزة مع الحيوانات المفترسة من الأشياء التى يُطرب لها فؤاد السيد ، وكان من أحب المهرجانات إليهم أن يشاهدوا الرقيق وهم يتبارزون مبارزة حقيقية ، توجه فيها طعنات السيوف والرماح إلى أى مكان فى الجسم بلا تحرز ولا احتياط من القتل. بل كان المرح يصل إلى أقصاه ، وترتفع الحناجر بالهتاف ، والأكف بالتصفيق، وتنطلق الضحكات السعيدة العميقة الخالصة حين يقضى أحد المتبارزين على زميله قضاءً كاملاً ، فيلقيه طريحاً على الأرض ، فاقد الحياة.
ذلك كان الرقيق فى العالم الرومانى ، ولا نحتاج أن نقول شيئاً عن الوضع القانونى للرقيق عندئذ ، وعن حق السيد المطلق فى قتله وتعذيبه ، واستغلاله دون أن يكون له حق الشكوى ، ودون أن تكون هناك جهة تنظر فى هذه الشكوى أو تعترف بها.
ولم تكن معاملة الرقيق فى فارس والهند وغيرها تختلف كثيراً عما ذكرناه من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهداراً كاملاً ، وتحميله بأثقال الواجبات دون إعطائه حقاً مقابلها ، وإن كانت تختلف فيما بينها قليلاً أو كثيراً فى مدى قسوتها وبشاعتها.
وكانت للمظالم الاجتماعية والتمييز العرقى والطبقى منابع وروافد عديدة تغذى "نهر الرق" فى كل يوم بالمزيد من الأرقاء .. وذلك من مثل:
1- الحرب ، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية ، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء ، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء ..
2- والخطف ، يتحول به المخطوفون إلى رقيق ..
3- وارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق ..
4- والعجز عن سداد الديون ، كان يحوِّل الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين ..
5- وسلطان الوالد على أولاده ، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد ، فينتقلون من الحرية إلى العبودية.
6- وسلطان الإنسان على نفسه ، كان يبيح له بيع حريته ، فيتحول إلى رقيق..
7- وكذلك النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقا، حتى ولو كان أباه حرا..
فقد وردً فى العهد القديم فى أخلاق الحرب عند اليهود مشرعية استرقاق الناس: رجالاً ونساءً وأطفالاً ، ولا نجد فيها محاولة لتجفيف هذا النهر المتدفق من استرقاء الناس: (10«حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِتُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا لِلصُّلحِ 11فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلى الصُّلحِ وَفَتَحَتْ لكَ فَكُلُّ الشَّعْبِ المَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لكَ. 12وَإِنْ لمْ تُسَالِمْكَ بَل عَمِلتْ مَعَكَ حَرْباً فَحَاصِرْهَا. 13وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. 14وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي المَدِينَةِ كُلُّ غَنِيمَتِهَا فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ التِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. 15هَكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ المُدُنِ البَعِيدَةِ مِنْكَ جِدّاً التِي ليْسَتْ مِنْ مُدُنِ هَؤُلاءِ الأُمَمِ هُنَا. 16وَأَمَّا مُدُنُ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً فَلا تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَا 17بَل تُحَرِّمُهَا تَحْرِيماً: الحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالكَنْعَانِيِّينَ وَالفِرِزِّيِّينَ وَالحِوِّيِّينَ وَاليَبُوسِيِّينَ كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ 18لِكَيْ لا يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ التِي عَمِلُوا لآِلِهَتِهِمْ فَتُخْطِئُوا إِلى الرَّبِّ إِلهِكُمْ.) تثنية 20: 10- 18
(10فَلَمْ يَطْرُدُوا الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي جَازَرَ. فَسَكَنَ الْكَنْعَانِيُّونَ فِي وَسَطِ أَفْرَايِمَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ, وَكَانُوا عَبِيداً تَحْتَ الْجِزْيَةِ.) يشوع 16: 10
(9هَئَنَذَا أُرْسِلُ فَآخُذُ كُلَّ عَشَائِرِ الشِّمَالِ يَقُولُ الرَّبُّ وَإِلَى نَبُوخَذْنَصَّرَ عَبْدِي مَلِكِ بَابِلَ وَآتِي بِهِمْ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ وَعَلَى كُلِّ سُكَّانِهَا وَعَلَى كُلِّ هَذِهِ الشُّعُوبِ حَوَالَيْهَا فَأُحَرِّمُهُمْ وَأَجْعَلُهُمْ دَهَشاً وَصَفِيراً وَخِرَباً أَبَدِيَّةً. 10وَأُبِيدُ مِنْهُمْ صَوْتَ الطَّرَبِ وَصَوْتَ الْفَرَحِ صَوْتَ الْعَرِيسِ وَصَوْتَ الْعَرُوسِ صَوْتَ الأَرْحِيَةِ وَنُورَ السِّرَاجِ. 11وَتَصِيرُ كُلُّ هَذِهِ الأَرْضِ خَرَاباً وَدَهَشاً وَتَخْدِمُ هَذِهِ الشُّعُوبُ مَلِكَ بَابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً. 12[وَيَكُونُ عِنْدَ تَمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً أَنِّي أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ وَتِلْكَ الأُمَّةَ يَقُولُ الرَّبُّ عَلَى إِثْمِهِمْ وَأَرْضَ الْكِلْدَانِيِّينَ وَأَجْعَلُهَا خِرَباً أَبَدِيَّةً.) إرمياء 25: 9-12
ووافقتهم رسائل بولس وبطرس على الإبقاء على هذه العبودية ولم يحاول تجفيف منابعها على الأقل ، فها هو بولس يأمر العبيد بطاعة أسيادهم كطاعة المسيح (الله فى زعمهم): (5أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ - 6لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، 7خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. 8عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْداً كَانَ أَمْ حُرّاً) أفسس 6: 5-8
وها هو بطرس يأمر الخدم بالخضوع بكل احترام وهيبة لسادتهم ، سواء أكانوا صالحين مترفقين مشفقين فى معاملتهم ، أم قاسين فى التعامل معهم: (18أَيُّهَا الْخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ، لَيْسَ لِلصَّالِحِينَ الْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلْعُنَفَاءِ أَيْضاً.) بطرس الأولى 2: 18
ولقد اقترن عصر النهضة الأوروبية بزحفها الاستعمارى على العالمين القديم والجديد ، وبعد أن استعبد المستعمرون الأسبان والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون سكان أمريكا الأصليين ، وأهلكوهم فى سخرة البحث عن الذهب وإنشاء المزارع ، مارسوا أكبر أعمال القرصنة والخطف فى التاريخ ، تلك التى راح ضحيتها أكثر من أربعين مليوناً من زنوج إفريقيا ، سلسلوا بالحديد ، وشحنوا فى سفن الحيوانات ، لتقوم على دمائهم وعظامهم المزارع والمصانع والمناجم التى صنعت رفاهية الرجل الأبيض فى أمريكا وأوروبا.. ولا يزال أحفادهم يعانون من التفرقة العنصرية فى الغرب حتى الآن.
الإصحاح السادس والأربعين بعد المائة
الإسلام وتحرير العبيد:
ومع كثرة واتساع هذه الروافد التى تمد نهر الرقيق فى كل وقت بالمزيد والمزيد من الأرقاء ، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماما ، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها..
وأمام هذا الواقع ، اتخذ الإسلام ، إبان ظهوره ، طريق الإصلاح الذى يهدف إلى تحرير الأرقاء ، وإلغاء نظام العبودية ، وطى صفحته من الوجود ، لكن فى "واقعية ثورية" إذا جازالتعبير .. فهو لم يتجاهل الواقع ولم يقفز عليه .. وأيضا لم يعترف به على النحو الذى يبقيه ويكرسه ..
لقد بدأ الإسلام فأغلق وألغى وحرّم أغلب الروافد التى كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد من
الأرقاء.. فلم يبق منها إلا أسرى الحرب المشروعة والشرعية ، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء ..
وحتى أسرى الحرب المشروعة فتح الإسلام أمامهم باب العتق والحرية المنّ أو الفداء: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا .. ..) محمد: 4. فعندما تضع الحرب أوزارها ، يتم تحرير الأسرى ، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء ..
ومع إغلاق روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى "كتلة" واقع الأرقاء ، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير ، وذلك عندما عدد ووسع مصابّ نهر الرقيق .. ولقد سلك الإسلام إلى ذلك المقصد سبيل منظومة القيم الإسلامية. وسبيل العدالة الاجتماعية الإسلامية. فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعا، إذ فى عتق كل عضو من أعضاء الرقيق عتق لعضو من أعضاء سيده من النار ، فتحرير الرقيق سبيل لتحرير الإنسان من عذاب النار يوم القيامة.. كما جعل الإسلام عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا.. وجعل للدولة والنظام العام مدخلاً فى تحرير الأرقاء عندما جعل هذا التحرير مصرفا من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة فهو جزء من أحد أركان الإسلام (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة: 60.
كما جعل الحرية هى الأصل الذى يولد عليه الناس ، والرق هو الاستثناء الطارئ الذى يحتاج إلى إثبات، فمجهولوا الحكم هم أحرار، وعلى مدعى رقهم إقامة البينات، وأولاد الأمة من الأب الحر هم أحرار و"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!"
وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد ، حوّله الإسلام بمنظومة القيم التى كادت أن تسوى بين العبد وسيده إلى ما يشبه العبء المالى على ملاك الرقيق.. فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل مالا يطيق.. بل ومطلوب منه أيضاً إلغاء كلمة "العبد والأمة" واستبدالها بكلمة "الفتى والفتاة".
فقد جاء الإسلام ليرد لهؤلاء البشر إنسانيتهم ، فيقول نبى الرحمة ومحرر العبيد محمد صلى الله عليه وسلم: (مَن أَعتَقَ رقبة مسلمةً ، أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار حتى فرجَه بفرجه) رواه البخارى ومسلم
ولم يكتف الإسلام بالحث على العتق وتحرير الأرقاء ، بل دعا إلى الإحسان إلى المملوك والخادم: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ ا للّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) النساء 36
بل قرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد ، أو التسخير أو التحقير ، وإنما هى علاقة القربى والأخوة. فالسادة أهل الجارية يستأذنون فى زواجها: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ .. ..) النساء 25
بل رفعهم إلى مرتبة الأخوة لأسيادهم: فعن المعرور بن سُوَيْدٍ قال: رأيتُ أبا ذرٍّ ـ رضى الله عنه ـ وعليه حُلَّةٌ ، وعلى غلامه مِثلُها ، فسألته عن ذلك ، فذكر أنه سابَّ رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعيَّره بأمه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "إنك امرؤٌ فيك جاهلية" هم إخوانكم ، وخَولُكم [أى خدمكم وحشمكم] ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، ويلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم) رواه البخارى ومسلم
وزيادة فى رعاية مشاعر الرقيق يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم: هذا عبدى وهذه أمتى ، وليقل: فتاى وفتاتى) رواه أبو هريرة. ويستند أبو هريرة على ذلك فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجرى: (احمله خلفك ، فإنه أخوك ، وروحه مثل روحك).
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه
، فليناوله لقمة أو لقمتين ، أو أُكلةً أو أُكلتين ، فإنه وَلِىَ علاجه [أى قام بعمله]) رواه البخارى.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبدَ إذا نصح لسيِّده ، وأحسن عبادة الله ، فله أجره مرتين).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ، والعبد المملوك إذا أدى حقَّ الله وحقَّ مواليه ، ورجل كانت له أمة فأدبها ، فأحسن تأديبها ، وعلمها ، فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها ، فتزوجها ، فله أجران) رواه البخارى ومسلم.
فلم يعد الرقيق (شيئاً) ، وإنما صار بشراً له روح كروح السادة. وقد كانت الأمم الأخرى تعتبر الرقيق جنساً غير جنس السادة ، خُلِقَ ليُستَعبَد ويُستَذل ، ومن هنا لم تكن ضمائرهم تتأثم من قتله وتعذيبه وكيه بالنار ، وتسخيره فى الأعمال القذرة والأعمال الشاقة. ومن هنالك رفعه الإسلام إلى مستوى الأخوة الكريمة ، لا فى عالم المثل والأحلام ، بل فى عالم الواقع. ويشهد التاريخ ـ الذى لم ينكره أحد ، حتى المتعصبون من كتَّاب أوروبا ـ بأن معاملة الرقيق فى صدر الإسلام بلغت حداً من الإنسانية الرفيعة لم تبلغه فى أى مكان آخر. حداً جعل الرقيق المحرَّرين يأبون مغادرة سادتهم السابقين ـ مع أنهم يملكون ذلك بعد أن تحرروا اقتصادياً ، وتعودوا على تحمل تبعات أنفسهم ـ لأنهم يعتبرونهم أهلاً لهم ، يربطهم بهم ما يشبه روابط الدم!
لقد أصبح الرقيق فى ظل الإسلام كائناً إنسانياً له كرامة يحميها القانون ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالقول ولا بالفعل.
فأما القول: فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم السادة عن تذكير أرقائهم بأنهم أرقاء. وأمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودة الأهل ، وينفى عنهم صفة العبودية ، وقال لهم فى معرض هذا التوجيه: (إن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم). فهى إذن مجرد ملابسات عارضة جعلت هؤلاء رقيقاً ، وكان من الممكن أن يكونوا سادة لمن هم اليوم سادة! وبذلك يغض من كبرياء هؤلاء ، ويردهم إلى الآصرة البشرية التى تربطهم جميعاً ، والمودة التى ينبغى أن تسود علاقات بعضهم ببعض.
وأما الاعتداء الجسدى: فعقوبته الصريحة هى المعاملة بالمثل: (ومن قتل عبده قتلناه). وهو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانية بين الرقيق والسادة ، وصريح فى بيان الضمانات التى يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر ـ التى لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشرية الأصيلة ـ وهى ضمانات كاملة ووافية ، تبلغ حداً عجيباً لم يصل إليه قط تشريع آخر من تشريعات الرقيق فى التاريخ البشرى كله ، إذ جعل مجرد لطم العبد فى غير تأديب مبررا شرعياً لتحرير الرقيق. (وللتأديب حدود مرسومة لا يتعداها ولا يتجاوز على أى حال ما يؤدب به السيد أبناءه).
هكذا كان الإسلام إحياء وتحريراً للإنسان، مطلق الإنسان، يضع عن الناس إصرهم والأغلال التى كانت عليهم، ويحرر الأرقاء، لأن الرق فى نظره "موت" ،والحرية" حياة وإحياء ".. ولقد أبصر هذه الحكمة الإسلامية الإمام النسفى [710هجرية /1310م] وهو يعلل جعل الإسلام كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ) النساء: 92.
فقال: إن القاتل "لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها فى جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبَل أن الرقيق ملحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكماً.." [تفسير النسفى] طبعة القاهرة ، الأولى.
فالإسلام قد ورث نظام الرق عن المجتمعات الكافرة فهو من آثار الكفر ، ولأنه موت لروح وملكات الأرقاء ، وسعى الإسلام إلى إلغائه ، وتحرير أى إحياء موات هؤلاء الأرقاء ، كجزء من الإحياء الإسلامى العام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ .. ..) الأنفال: 24
بل لقد مضى الإسلام فى هذا السبيل إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق ، فلم يتركهم فى متاهة عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء ، وإنما سعى إلى إدماجهم فى القبائل والعشائر والعصبيات التى كانوا فيها أرقاء ، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أنجز إنجازاً عظيماً وراء وفوق التحرير عندما أقام نسيجاً اجتماعياً جديداً التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار ، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق "الولاء" ، الذى قال عنه الرسول (الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب) رواه الدارمى.
حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" فى أقوامهم ، بعد أن كانوا "عبيداً" فيهم.. وقال عمر بن الخطاب وهو من هو فى الحسب والنسب عن بلال الحبشى ، الذى اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: "سيدنا أعتق سيدنا" !.. كما تمنى عمر أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيًا فيختاره لمنصب الخلافة .. فالمولى، الذى نشأ رقيقاً، قد حرره الإسلام، فكان إماماً فى الصلاة وأهلاً بخلافة المسلمين.
ولقد ساعد على هذا الاندماج فى النسيج العربى فضلاً عن الإسلامى ذلك المعيار الذى حدده الإسلام للعروبة وهو معيار اللغة وحدها، فباستبعاد "العرق .. والدم" غدت الرابطة اللغوية والثقافية انتماءً واحداً للجميع، بصرف النظر عن ماضى الاسترقاق وعن هذا المعيار للعروبة تحدث الرسول (فى معرض النقد والرفض للذين أرادوا إخراج الموالى ، ذوى الأصول العرقية غير العربية ، من إطار العروبة ، فقال: [أيها الناس ، إن الرب واحد ، والأب واحد.. وليست العربية بأحدكم من أب أو أم ، وإنما هى اللسان ، فمن تكلم العربية فهو عربى..]..
ثم ننتقل إلى المرحلة التالية: مرحلة التحرير الواقعى
فبعد أن حرّرَ الإسلام الرقيق روحيا ، ورده إلى الإنسانية ، وطالب بمعاملته معاملة الأهل والولد ، وأشعره أنه إنسان مثل سيده ، وذلك بأنه ساوى بين العبد والحر فى كل الحقوق الدينية، وفى أغلب الحقوق المدنية ، وكان التمييز فقط ، فى أغلب حالاته بسبب التخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التى يفرضها الاسترقاق على الإرادة والتصرف.. فالمساواة تامة فى التكاليف الدينية ، وفى الحساب والجزاء.. وشهادة الرقيق معتبرة فى بعض المذاهب الإسلامية عند الحنابلة وله حق الملكية فى ماله الخاص ، وإعانته على شراء حريته بنظام المكاتبة والتدبير مرغوب فيها دينيًا (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ .. ..)النور: 33. والدماء متكافئة فى القصاص..
لكن لم يكتف الإسلام بذلك ، لأن قاعدته الأساسية هى المساواة الكاملة بين البشر ، وهى التحرير الكامل لكل البشر. ولذلك عمل فعلاً على تحرير الأرقاء بوسيلتين كبيرتين: هما العتق والمكاتبة.
فأما العتق فهو التطوع من جانب السادة بتحرير من فى يدهم من الأرقاء ، وقد شجع الإسلام على ذلك تشجيعاً كبيرا ، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الأولى فى ذلك ، إذ أعتق من عنده من الأرقاء ، وتلاه فى هذا أصحابه ، وكان أبو بكر ينفق أموالاً طائلة فى شراء العبيد من سادة قريش الكفار، ليعتقهم ويمنحهم الحرية، وكان بيت المال يشترى العبيد من أصحابهم ويحررهم ، كلما بقيت لديه فضلة من مال.
قال يحيى بن سعيد: (بعثنى عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية ، فجمعتها ، ثم طلبت فقراء نعطيها لهم ، فلم نجد فقيراً ، ولم نجد من يأخذها منا ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ، فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم).
وكان النبى صلى الله عليه وسلم يعتق من الأرقاء من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة ، أو يؤدى خدمة مماثلم للمسلمين. ونص القرآن على أن كفارة بعض الذنوب هى عتق الرقاب. كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يُحث على العتق تكفيراً عن أى ذنب يأتيه الإنسان ، وذلك للعمل على تحرير أكبر عدد ممكن منهم ، فالذنوب لا تنقطع، وكل ابن آدم خطاء كما يقول الرسول.
ويذكر التاريخ أن عدداً ضخماً من الأرقاء قد حُرِّرَ بطريق العتق ، وأن هذا العدد الضخم لا مثيل له فى تاريخ الأمم الأخرى ، لا قبل الإسلام ، ولا بعده بقرون عدة حتى مطلع العصر الحديث. كما أن عوامل عتقهم كانت إنسانية بحتة ، تنبع من ضمائر الناس ابتغاء مرضاة الله ، ولا شىء غير مرضاة الله.
أما المكاتبة: فهى منح الحرية للرقيق متى طلبها بنفسه ، مقابل مبلغ من المال يتفق عليه السيد والرقيق. والعتق هنا إجبارى ، لا يملك السيد رفضه ولا تأجيله بعد أداء المبلغ المتفق عليه، وإلا تدخلت الدولة (القاضى أو الحاكم) لتنفيذ العتق بالقوة ، ومنح الحرية لطالبها.
وبتقرير المكاتبة فتح الإسلام باب التحرير لمن أحس فى نفسه برغبة التحرر ، ولم ينتظر أن يتطوع سيده بتحريره فى فرصة سانحة أو لا تسنح على مر الأيام. فمنذ اللحظة الأولى التى يطلب فيها المكاتبة يصبح عمله عند سيده بأجر ، أو يُتاح له ـ إذا رغب ـ أن يعمل فى الخارج بأجر ، حتى يجمع المبلغ المتفق عليه.
وإن لم يستطع جمع المبلغ المتفق عليه من كسبهم الخاص، فيجب على الدولة (بيت المال) أن يساعده ، ويدفع عنه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة 60
ولكن قد يتساءل أحدكم: لماذا لم يخطو الإسلام الخطوة الحاسمة فيعلن فى صراحة كاملة إلغاء الرق من حيث المبدأ؟
وللإجابة على هذا السؤال ينبغى أن ندرك حقائق اجتماعية ونفسية وسياسية أحاطت بموضوع الرق ، وجعلت الإسلام يضع المبادىء الكفيلة بتحرير الرقيق دون إفساد لشعورهم ، وأحوالهم النفسية التى تجعلهم يأبون التحرر ، ويفضلو العبودية عليه ، كما حدث فى حركة لنكولن.
وعلى ذلك يجب أن نتذكر أن الحرية لا تُمنح وإنما تؤخذ. وتحرير الرقيق بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق! والتجربة الأمريكية فى تحرير الرقيق بجرة قلم على يد أبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول ، فالعبيد الذين حررهم لنكولن ـ من الخارج ـ بالتشريع ، لم يطيقوا الحرية ، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلونهم عبيداً لديهم كما كانوا، لأنهم ـ من الداخل ـ لم يكونوا قد تحرروا بعد.
والمسألة على غرابتها ليست غريبة حين يُنظر إليها على ضوء الحقائق النفسية. فالحياة عادة ، والملابسات التى يعيش فيها الإنسان هى التى تكيف مشاعره ، وتصوغ أحاسيسه وأجهزته النفسية. والكيان النفسى للعبد يختلف عن الكيان النفسى للحر ، لا لأنه جنس آخر كما ظن القدماء ، ولكن لأن حياته فى ظل العبودية الدائمة جعلت أجهزته النفسية تتكيف بهذه الملابسات ، فتنمو أجهزة الطاعة إلى أقصى حد ، وتضمر أجهزة المسئولية واحتمال التبعات إلى أقصى حد.
فتجد العبد يحسن القيام بكثير من الأمور التى يأمره بها سيده ، فلا يكون عليه إلا الطاعة والتنفيذ ، ولا تقع عليه شيئاً من المسئولية على نفسه أو على ما يقوم به. وهذا التكيف النفسى للعبد هو الذى يستعبده. ولا يذهب به إعلان تصدره الدولة بإلغاء الرق ، بل ينبغى أن يُغيَّر من الداخل ، بوضع ملابسات جديدة تكيف المشاعر على نحو آخر ، وتنمى الأجهزة الضامرة فى نفس العبد ، وتضع كياناً بشرياً من كيانه المشوه الممسوخ. وهذا هو ما صنعه الإسلام.
فقد بدأ أولاً بالمعاملة الحسنة للرقيق. ولا شىء كحسن المعاملة يعيد توازن النفس المنحرفة ، ويرد إليها اعتبارها ، فتشعر بكيانها الإنسانى ، وكرامتها الذاتية ، وحين ذلك تحس طعم الحرية فتتذوقه ، ولا تنفر منه ، كما نفر عبيد أمريكا المحررون.
وقد وصل الإسلام فى حسن المعاملة للرقيق ورد الاعتبار الإنسانى لهم إلى درجة عجيبة ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخى بين بعض الموالى وبعض الأحرار من سادة العرب: فآخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحة الخثعمى ، وبين مولاه زيد وعمه حمزة ، وبين خارجة بن زيد وأبى بكر ، وكانت هذه المؤاخاة صلة حقيقية تعدل رابطة الدم ، وتصل إلى حد الاشتراك فى الميراث.
ولم يكتف بهذا الحد ..
فقد زوج بنت عمه زينب بنت جحش من مولاه زيد. وكان يهدف الرسول صلى الله عليه وسلم من كل ذلك معنى أسمى من الزواج نفسه وهو رفع الرقيق من الوهدة التى دفعته إليها البشرية الظالمة إلى مستوى أعظم سادة العرب من قريش.
ولم يكتف بذلك ..
فقد أرسل مولاه زيداً على رأس جيش فيه الأنصار والمهاجرون من سادات العرب ، فلما قُتِلَ ولى ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش ، وفيه أبو بكر وعمر وزيرا الرسول وخليفتاه من بعده ، فلم يعط المولى بذلك مجرد المساواة الإنسانية ، بل أعطاه حق القيادة والرئاسة على "الأحرار". ووصل فى ذلك إلى أن يقول: (اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله تبارك وتعالى). فأعطى المولى بذلك الحق فى أرفع مناصب الدولة ، وهو ولاية أمر المسلمين.
ويضرب عمر مثلا آخر من الأمثلة الرائعة على احترام الموالى ، إذ يعارضه بلال بن رباح فى مسألة الفىء ، فيشتد فى معارضته ، فلا يجد سبيلاً فى رده إلا أن يقول: "اللهم اكفنى بلالاً وأصحابه"! ذلك وهو الخليفة الذى كان يملك ـ لو أراد ـ أن يأمر فيطاع!
هذه النماذج التى وضعها الإسلام كان المقصود بها تحرير الرقيق من الداخل ، لكى يحس بكيانه فيطلب الحرية ، وهذا هو الضمان الحقيقى للتحرير.
وصحيح أنه شجع على العتق وحث عليه بكل الوسائل ، ولكن هذا نفسه كان جزءاً من التربية النفسية للرقيق ، لكى يشعروا أن فى إمكانهم أن يحصلوا على الحرية ويتمتعوا بكل ما يتمتع به السادة من حقوق، فتزداد رغبتهم فى الحرية ويتقبلوا احتمال التبعات فى سبيلها ، وهنا يسارع فى منحها لهم ، لأنهم حيبئذ مستحقون لها ، قادرون على صيانتها.
وفرق كبير بين النظام الذى يشجع الناس على طلب الحرية ويهىء لها الوسائل ، ثم يعطيها لهم فى اللحظة التى يطلبونها بأنفسهم ، وبين النظم التى تدع الأمور تتعقد وتتحرج ، حتى تقوم الثورات الاقتصادية والاجتماعية وتزهق الأرواح بالمئات والألوف ، ثم لا تعطى الحرية لطلابها إلا مجبرة كارهة.
وقد كان من فضائل الإسلام الكبرى فى مسألة الرقيق ، أنه قد حرص على التحرير الحقيقى له من الداخل والخارج ، فلم يكتف بالنية الطيبة كما فعل لنكولن بإصدار تشريع لا رصيد له فى داخل النفوس ، مما يثبت عمق إدراك الإسلام للطبيعة البشرية، وفطنته إلى خير الوسائل لمعالجتها.
وهذا إلى جانب تطوعه بإعطاء الحقوق لأصحابها ، مع تربيتهم على التمسك بها واحتمال تبعتها ـ على أساس الحب والمودة بين جميع طوائف الموجتمع ـ قبل أن يتصارعوا من أجل هذه الحقوق ، كما حدث فى أوروبا ، ذلك الصراع البغيض الذى يجفف المشاعر ويؤرث الأحقاد ، فيفسد كل ما يمكن أن تصيبه البشرية من الخير فى أثناء الطريق.
أما العامل الأكبر فى عدم تحريم الإسلام الرق تماماً ، هو وجود رق الحرب ، وكان استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم من العرف السائد منذ فجر التاريخ. إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلق بعض أسرى بدر من المشركين مناً بغير فداء ، وأطلق بعضهم لقاء فدية ، وأخذ من نصارى نجران جزية ورد إليهم أسراهم ، ليضرب بذلك المثل لما يريد أن تهتدى إليه البشرية فى مستقبلها.
ومما هو جدير بالإشارة هما أن الآية الوحيدة التى تعرضت لأسرى الحرب لم تذكر الرق ولا الإسترقاء ، وإنما ذكرت الفداء وإطلاق السراح دون مقابل ، حتى لا يكون الإسترقاق تشريعاً دائماً للبشرية ولا ضربة لازب ، إنما هو أمر يلجأ إليه الجيش الإسلامى المحارب إذا اقتضته الظروف والملابسات: (.. .. فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا .. ..) محمد: 4.
يُضاف إلى ذلك أن معظم الأسرى الذين كانوا يقعون فى يد المسلمين هم من الرقيق الذين استرقهم الفرس والروم ودفعوهم للقتال. فكأن الإسلام يهدف إلى تحرير الرقيق الأسرى من الأعداء أيضاً من الداخل ، أضف إلى ذلك أن وجودهم بين المسلمين يجعلهم يتعرفون على الإسلام عن كثب ، ويبصرون صور العدل الربانى مطبقاً على الأرض قبل أن يمن عليه بالحرية ويطلق سراحه أو يبادله بأسرى المسلمين أو يكاتبهم إن تاقت نفوسهم إلى الحرية وسعوا إليها.
وبذلك تصبح الفترة التى يقضونها فى الأسر وفى الرق فى الحقيقة فترة علاج نفسى وروحى ، وكذلك دعوة إلى الإسلام ، قوامه إحسان النعاملة لهم ، وإشعارهم بآدميتهم المهدرة ، وتوجيه أرواحهم إلى النور الربانى بغير إكراه .. ثم فى النهاية يكون التحرير.
أما بالنسبة للنساء فقد كرمهن الإسلام ـ حتى فى رقهن ـ عما كن يلقين فى غير بلاد الإسلام ، فلم تعد أعراضهن نهباً مباحاً لكل طالب على طريقة البغاء ، حيث كان هذا مصير أسيرات الحروب فى أغلب الأحيان ، وإنما جعلهن ملكاً لصاحبهن وحده ، لا يدخل عليهن أحد غيره ، وجعل لهن نفس حقوق الزوجة من الإنفاق والملبس والمأكل، حتى السكن ، فمن حقها عليه أن يأتى لها بسكن. وجعل من حقهن نيل الحرية بالمكاتبة ، كما كانت تحرر من ولدت لسيدها ولداً (أو بنتاً) ، ويحرر معها وليدها ، وكن يلقين من حسن المعاملة ما أوصى به الإسلام.
تلك هى قصة الرق فى الإسلام: صفحة مشرفة فى تاريخ البشرية.
وعندما سعت أوروبا فى القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق ، وتحريم تجارته ، لم تكن دوافعها روحية ولا قيمية ولا إنسانية ، وإنما كانت فى الأساس دوافع مادية ، لأن نظامها الرأسمالى قد رأى فى تحرير الرقيق سبيلاً لجعلهم عمالاً أكثر مهارة ، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفنى فى الصناعات التى أقامها النظام الرأسمالى ..
فأوروبا لم تلغ الرق متطوعة ، ولكنها ألغته حين ضعف إنتاج الرقيق ـ لسوء أحوالهم المعيشية وفقدان الرغبة أو القدرة على العمل ـ بحيث أصبحت تكاليف العبد من إعاشة وحراسة أكثر من إنتاجه! فهى إذن حسبة إقتصادية لا غير ، يحسب فيها المكسب والخسارة ، ولا ظل فيها لأى معنى من المعانى الإنسانية التى تشعر بكرامة الجنس البشرى ، فتمنح الرقيق حريته من أجلها! هذا بالإضافة إلى الثورات المتتابعة التى قام بها الرقيق فاستحال معها دوام استرقاقه.
ومع ذلك فإن أوروبا حينئذ لم تمنحه الحرية ، ولكنها حولته من رقيق للسيد إلى رقيق للأرض ، يباع معها ويُشترى ، ويخدم فيها ، ولا يجوز له أن يغادرها ، وإلا اعتبر آبقاً وأعيد إليها بقوة القانون مكبلاً بالسلاسل ، مكوياً بالنار. وهذا اللون من الرق هو الذى بقى حتى حرمته الثورة الفرنسية فى القرن الثامن عشر ، أى بعد أن قرر الإسلام مبدأ التحرير بما يزيد على ألف ومائة عام.
وكذلك الوضع بالنسبة للمرأة ، فلم تلغ الدول التى يطلق عليها متحضرة استرقاء النساء ودفعهن للبغاء لأن كرامتها أوجعتها ، أو لأن مستواها الخلقى والنفسى والروحى قد ارتفع عن الجريمة ، كلا! ولكن لأن الهاويات قد أغنين عن المحترفات ، ولم تعد الدولة فى حاجة إلى التدخل!
وعلى الرغم من أن الثورة الفرنسية ألغت الرق فى أوروبا ، وألغى لنكولن الرق فى أمريكا ، ثم اتفق العالم على إبطال الرق ، إلا أن فرنسا استعمرت الدول الإسلامية فى شمال أفريقيا مصر وتونس والجزائر والمغرب ، أليس هذا استعمار واسترقاء لكن بشكل قد يختلف فى المظهر ، إلا أن جوهره واحد؟ فماذا تسمى ما تفعله أمريكا فى الزنوج وفى الأفغان ومع العراقيين؟ وماذا تسمى ما تفعله روسيا الأرثوذكسية مع أهل الشيشان؟ وما اسم ما فعلته أوروبا فى مسلمى البوسنة والهرسك؟ وما اسم ما يفعله اليهود بالمسلمين والنصارى فى فلسطين بمساندة دول العالم؟
أليس الرق فى حقيقته هو تبعية قوم لقوم آخرين ، وحرمان طائفة من البشر من الحقوق المباحة للآخرين؟
ومع أن مقاصد الإسلام فى تصفية نهر الرقيق بإغلاق روافده وتجفيف منابعه ، وتوسيع مصباته لم تبلغ كامل آفاقها ، إذ انتكس "الواقع التاريخى" للحضارة الإسلامية ، بعد عصر الفتوحات ، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية.. إلا أن حال الأرقاء فى الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيوداً وأكثر عدلاً بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية ، بما فى ذلك الحضارة الغربية ، التى تزعمت فى العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء..
-
الإصحاح السابع والأربعين بعد المائة
الميراث بين الرجل والمرأة فى الإسلام:
من الشائع جداً عند غير المسلمين ، بل وعند كثير من المسلمين أن الرجل يأخذ ضعف المرأة فى الميراث ، وهذا صحيح ، وغير صحيح فى نفس الوقت. فلا يجب أن نقول كلمة الرجل بصورة عامة ضعف المرأة على الإطلاق. لكن المتأمل للآيات القرآنية يجد أن الأخ يأخذ ضعف أخته. وهذا من باب إكرام الإسلام للمرأة: فهب أنك تركت بعد وفاتك 000 30 (ثلاثين ألف جنيهاً) والوارثون هم ابنك وابنتك فقط. فعلى حساب الإسلام يأخذ ابنك 000 20 (عشرين ألف) ، وتأخذ ابنتك 000 10 (عشرة آلاف). ولكن لم ينتهى الموضوع إلى هذا التقسيم. فالإبن مُكلَّف شرعاً وقانوناً بالإنفاق على أخته من أكل وشرب ومسكن ومياه وكهرباء وملابس وتعليم ومواصلات ورعاية صحية ونفسية ويُزوِّجها أيضاً. أى فأخته تشاركه أيضاً فى النقود التى قسمها الله له (فى الحقيقة لهما). هذا بالإضافة إلى أنه مُكلَّف بالإنفاق على نفسه وأسرته من زوجة وأولاد ، وإذا كان فى الأسرة الكبيرة أحد من المعسرين فهو مكلف أيضاً بالإنفاق عليه سواء كانت أم أو عم أو جد أو خال .. (مع تعديل التقسيم فى الحالات المختلفة).
وبذلك تأخذ الابنة نصيبها (عشرة آلاف جنيهاً) وتشارك أخوها فى ميراثه ، فلو أكلت كما يأكل وأنفقت مثل نفقاته ، تكون بذلك قد اقتسمت معه ميراثه ، أى تكون هى قد أخذت (عشرين ألفاً) ويكون الأخ قد انتفع فقط بعشرة آلاف. فأيهما نال أكثر فى الميراث؟ هذا لو أن أخته غير متزوجة وتعيش معه ، أما إن كانت متزوجة ، فهى تتدخر نقودها أو تتاجر بها ، وينفق زوجها عليها وعلى أولادها ، وأخوها مكلَّف بالإنفاق على نفسه وزوجته وأولاده ، فتكون الأخت قد فازت بعشرة آلاف بمفردها ، أما الأخ فيكون مشارك له فى العشرين ألف ثلاثة أو أربعة آخرين (هم زوجته وأولاده). فيكون نصيبه الفعلى خمسة آلاف. أى أيضاً نصف ما أخذته أخته من الميراث. أرأيتم إلى أى مدى يؤمِّن الإسلام المرأة ويكرمها؟
فهل رأيتم كيف رفع الإسلام المرأة كتاجٍ على رؤوس الرجال ، بل على رأس المجتمع بأكمله. وهذا لم تأتى بها شريعة أخرى فى أى كتاب سماوى أو قانون وضعى. فالأخت التى يُعطونها مثل أخيها فى الميراث فى الغرب ، هى تتكلف بمعيشتها بعيداً عنه ، وهو غير ملزم بها إن افتقرت أو مرضت أو حتى ماتت. فأى إهانة هذه للمرأة؟!
يقول أخى الحبيب مروان فى مقاله الجميل الذى اقتبسته بأكمله “المرأة ترث نصف الرجل” والمنشور بمنتدى برسوم: وعلى ذلك فإن توريث المـرأة على النصـف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطّردة فى توريث الإسلام، فالقرآن الكريم لم يقل : يوصيكم الله للذكر مثل حظ الأنثيين.. إنما قال: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين). أى إن هذا التمييز ليس قاعدة مطردة فى كل حـالات الميراث ، وإنما هو فى حالات خاصة ، بل ومحدودة من بين حالات الميراث. وبذلك فإن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهـلية المرأة فى الإسـلام ، متخـذين من تمايز الأخ عن أخته أو الأب عن زوجته فى الميراث سبيلاً إلى ذلك لا يفقـهون قانون التوريث فى الإسلام.
بل إن الفقه الحقيقى لفلسفة الإسلام فى الميراث تكشف عن أن التمايـز فى أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة .. وإنما ترجع إلى حِكَم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث فى بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة تُأخذ ضد كمال أهلية المرأة فى الإسلام.
ففى الحقيقة إن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات فى فلسـفة الميراث الإسلامى تحكمه ثلاثة معايير:
أولها : درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى فكلما اقتربت الصلة .. زاد النصيب فى الميراث .. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب فى الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين..
فإبنة المتوفى تأخذ مثلاً أكثر من أبى المتوفى أو أمه ، فهى تأخذ بمفردها نصف التركة (هذا إذا كان الوارث الابنة والأب والأم فقط) وسأُبين الحالات فيما بعد بالتفصيل.
وثانيها : موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال .. فالأجيال التى تستقبل الحياة ، وتستعد لتحمل أعبائها ، عادة يكون نصيبها فى الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها ، بل وتصبح أعباؤها ـ عادة ـ مفروضة على غيرها ، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات ..
فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه ـ وكلتاهما أنثى ـ ..
وترث البنت أكثر من الأب! – حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها .. وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التى للابن ، والتى تنفرد البنت بنصفها!
وكذلك يرث الابن أكثر من الأب ـ وكلاهما من الذكور.. وفى هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث فى الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين! وهى معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق ..
وثالثها : العبء المالى الذى يوجب الشرع الإسلامى على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين .. وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى .. لكنه تفـاوت لا يفـضى إلى أى ظـلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها .. بل ربما كان العكس هو الصحيح!
ففى حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون فى درجة القرابة .. واتفقوا وتساووا فى موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال - مثل أولاد المتوفَّى ، ذكوراً وإناثاً - يكون تفاوت العبء المالى هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث .. ولذلك، لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى فى عموم الوارثين، وإنما حصره فى هذه الحالة بالذات، فقالت الآية القرآنية: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) .. ولم تقل: يوصيكم الله فى عموم الوارثين.. والحكمة فى هذا التفاوت ، فى هذه الحالة بالذات ، هى أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى ـ هى زوجه ـ مع أولادهما .. بينما الأنثـى الوارثة أخت الذكرـ فإعالتها ، مع أولادها ، فريضة على الذكر المقترن بها .. فهى ـ مع هذا النقص فى ميراثها بالنسبة لأخيها، الذى ورث ضعف ميراثها، أكثر حظًّا وامتيازاً منه فى الميراث فميراثها ـ مع إعفائها من الإنفاق الواجب ـ هو ذمة مالية خالصة ومدخرة، لجبر الاستضعاف الأنثوى، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات .. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين ..
وإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية فى تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات وهى التى يغفل عنها طرفا الغلو ، الدينى واللادينى ، الذين يحسبون هذا التفاوت الجزئى شبهة تلحق بأهلية المرأة فى الإسلام فإن استقراء حالات ومسائل الميراث ـ كما جاءت فى علم الفرائض (المواريث) ـ يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة فى هذا الموضوع .. فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث، يقول لنا:
أ ـ إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل:
1) فى حالة وجود أولاد للمتوفى ، ذكوراً وإناثا (أى الأخوة أولاد المتوفى)
لقوله تعالى (يوصيكم الله فى أولادكم ، للذكر مثل حظ الأنثيين) النساء 11
2) فى حالة التوارث بين الزوجين ، حيث يرث الزوج من زوجته ضعف ما ترثه هى منه.
لقوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنَّ ولد ، فإن كان لهنَّ ولد فلكم الربع مما تركن ، من بعد وصية يوصينَ بها أو دين ، ولهنَّ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد ، فإن كان لكم ولد فلهنَّ الثمن مما تركتم من بعد وصية توصونَ بها أو دين) النساء 12
3) يأخذ أبو المتوفى ضعف زوجته هو إذا لم يكن لإبنهما وارث، فيأخذ الأب الثلثان وزوجته الثلث.
4) يأخذ أبو المتوفى ضعف زوجته هو نفسه إذا كان عند ابنهما المتوفى ابنة واحدة ، فهى لها النصف ، وتأخذ الأم السدس ويأخذ الأب السدس (والباقى تعصباً).
ب ـ وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً:
1) فى حالة وجود أخ وأخت لأم فى إرثهما من أخيهما، إذا لم يكن له أصل من الذكور ولا فرع وارث (أى ما لم يحجبهم عن الميراث حاجب). فلكل منهما السدس ، وذلك لقوله تعالى (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة) أى لا ولد له ولا أب (وله أخ أو أخت) أى لأم(فلكل واحد منهما السدس ، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث ، من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ، وصية من الله، والله عليم حليم)النساء: 12
2) إذا توفى الرجل وكان له أكثر من اثنين من الأخوة أو الأخوات فيأخذوا الثلث بالتساوى.
3) فيما بين الأب والأم فى إرثهما من ولدهما إن كان له ولد أو بنتين فصاعداً: لقوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إ ن كان له ولد) النساء: 11
4) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختاً شقيقة: فلكل منهما النصف
5) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختاً لأب: فلكل منهما النصف
6) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وأختاً شقيقة: فللزوج النصف ، وللأم النصف ، ولا شىء للأخت (عند بن عباس)
7) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختاً شقيقة وأختاً لأب وأختاً لأم: فللزوج النصف، والأخت الشقيقة النصف ، ولا شىء للأخت لأب وللأخ لأب.
8) إذا مات الرجل وترك ابنتين وأباً وأماً: فالأب السدس والأم السدس ولكل ابنة الثلث.
9) إذا مات الرجل وترك زوجةً وابنتين وأباً وأماً: فللزوجة الثمن وسهمها 3، والأب الربع وسهمه 4 ، والأم الربع وسهمها 4 ، ولكل ابنة الثلث وسهم كل منهما 8.
10) إذا مات الرجل وترك أماً وأختاً وجِداً: فلكل منهم الثلث. فقد تساوت المرأة مع الرجل.
11) إذا مات الرجل وترك (أربعين ألف جنيهاً) وابناً وابنةً وزوجةً لها مؤخر صداق (ثلاثة عشر ألف جنيهاً) فستجد أن نصيب الأم تساوى مع نصيب الابن. ويكون التقسيم كالتالى:
الزوجة 000 13 + ثمن الباقى (ثلاثة آلاف) = 000 16 ألف جنيهاً
الابن : ثلثى الباقى 000 16 (ستة عشر ألف) جنيهاً
الابنة : الثلث ويكون 000 8 (ثمانية آلاف) جنيهاً
12) إذا مات الأب وترك ابنةً وأماً وأباً وزوجة وترك 25000 جنيهاً ، وللزوجة مؤخر صداق 1000 جنيهاً
فالإبنة تأخذ النصف أى 12000 جنيهاً
والزوجة تأخذ الثمن 3000 + 1000 (مؤخر الصداق) = 4000 جنيها
الأم تأخذ السدس 4000 جنيهاً
الأب يأخذ السدس فرضاً 4000
وبذلك تكون الإم والزوجة قد أخذتا مثل نصيب الأب ، وقد تأخذ الزوجة أكثر من الأب ، إذا زاد مؤخر صداقها.
ج ـ وهناك حالات تزيد عن خمسة عشر حالة ترث فيها المرأة أكثر من الرجل:
1) إذا مات الرجل وترك أماً وابنتين وأخاً ، فلو ترك المتوفى 24000 ألف جنيهاً لكانت أنصبتهم كالتالى:
الأم : 3000 جنيهاً (الثُمُن)
البنتين: 16000 جنيهاً للواحدة 8000 جنيهاً (الثلثين)
الأخ: 5000 جنيهاً (الباقى)
وبذلك تكون الإبنة قد أخذت أكثر من 150% لميراث الأخ
2) إذا مات الأب وترك ابنةً وأماً وأباً وترك 24000 جنيهاً
فالإبنة تأخذ النصف أى 12000 جنيهاً
الأم تأخذ السدس 4000 جنيهاً
الأب يأخذ السدس فرضاً والباقى تعصباً أى 4000 + 4000جنيهاً
وبذلك تكون الإبنة قد أخذت 150% لميراث الأب
3) إذا مات الرجل وترك ابنتين وأباً وأماً: فلكل ابنة الثلث ، والأب السدس والأم السدس. فلو ترك الرجل 000 24 (أربعة وعشرين ألف جنيهاً) لكان نصيب كل من الابنتين 000 8 (ثمانية آلاف جنيهاً) ويتساوى الأب مع الأم ونصيب كل منهما 4000 (أربعة آلاف) جنيهاً ، وبذلك تكون الإبنة قد أخذت 200% لميراث الأب
4) إذا ماتت امرأة وترك زوجاً وأماً وجداً وأَخَوَان للأم وأخَّين لأب: فللزوج النصف، وللجد السدس ، وللأم السدس ، ولأخوة الأب السدس ، ولا شىء لأخوة الأم.
فلو ترك المتوفى 000 24 (أربعة وعشرين ألف جنيهاً) لكان نصيب الزوج 000 12 (اثنى عشر ألف جنيهاً) ويتساوى الجد مع الأم ونصيب كل منهما 000 4 (أربعة آلاف) جنيهاً ، ويأخذ الأخان لأب كل منهما 2000 (ألفين من الجنيهات). وبذلك فقد ورثت الأم هنا 200% لميراث أخو زوجها.
5) إذا ماتت امرأة وترك زوجاً وأماً وجداً وأَخَوَان للأم وأربع أخوة لأب: فللزوج النصف ، وللجد السدس ، وللأم السدس ، ولأخوة الأب السدس ، ولا شىء لأخوة الأم.
فلو ترك المتوفى 000 24 (أربعة وعشرين ألف جنيهاً) لكان نصيب الزوج 000 12 (اثنى عشر ألف جنيهاً) ويتساوى الجد مع الأم ونصيب كل منهما 000 4 (أربعة آلاف) جنيهاً ، ويأخذ كل من الأخوة لأب كل منهم 1000 (ألف جنيه) وتكون بذلك الأم قد ورثت أربعة أضعاف الأخ لزوجها أى 400%.
6) إذا ماتت امرأة وترك زوجاً وأماً وجداً وأَخَوَان للأم وثمانية أخوة لأب: فللزوج النصف، وللجد السدس ، وللأم السدس ، ولأخوة الأب السدس ، ولا شىء لأخوة الأم.
فلو ترك المتوفى 000 24 (أربعة وعشرين ألف جنيهاً) لكان نصيب الزوج 000 12 (اثنى عشر ألف جنيهاً) ويتساوى الجد مع الأم ونصيب كل منهما 000 4 (أربعة آلاف) جنيهاً ، ويأخذ كل من الأخوة لأب كل منهم (500 جنيهاً) وتكون بذلك الأم قد ورثت ثمانية أضعاف أضعاف أخو الزوج أى 800%.
7) إذا مات انسان وترك بنتين، وبنت الإبن، وابن ابن الإبن: فالإبنتين لهما الثلثان وسهم كل منهما 3 ، وبنت الابن سهم واحد وابن ابن الإبن سهمين.
فلو ترك المتوفى 000 18 (ثمانية عشر ألفاً) لكان نصيب كل ابنة (ستة آلاف) ، وكان نصيب بنت الابن (ألفين) وابن ابن الإبن (أربعة آلاف). وبذلك تكون الإبنة قد أخذت 150% لنصيب ابن ابن الإبن.
8) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختاً شقيقة وأختاً لأب وأختاً لأم: فللزوج النصف، والأخت الشقيقة النصف، ولا شىء للأخت لأب وللأخ لأب. وبذلك يكون الزوج والأخت الشقيقة قد أخذا الميراث ولم يأخذ منه الأخ لأب وأخته.
9) إذا مات رجل وترك ابنتين وأخاً لأب وأختاً لأب: فلكل من الشقيقتين الثلث وسهم كل منهما 3 ، والباقى يأخذ منه الأخ الثلثين وأخته الثلث.
فإذا ترك المتوفى 000 90 (تسعين ألف جنيهاً) ، فيكون نصيب كل من الإبنتين (ثلاثين ألف جنيهاً) ، ويكون نصيب الأخ لأب (عشرين ألفاً) ونصيب الأخت لأب (أخته) عشرة آلاف. وبذلك تكون الإبنة قد أخذت 150% لنصيب الأخ لأب.
10) إذا مات رجل وترك زوجةً وجدةً وابنتين و12 أخ وأخت واحدة: فالزوجة الثمن وسهمها 75 ، والبنتان الثلثين وسهم كل منهما 200 ، والجدة السدس وسهمها 100 ، والأخوة 24 سهم لكل منهم 2 سهم ، والأخت سهم واحد.
فلو ترك المتوفى 000 300 (ثلاثمائة ألف جنيهاً) ، فستأخذ الزوجة 000 75 ألف جنيها ، وكل بنت من الإبنتين 000 100 (مائة ألف) ويأخذ الجد (مائة ألف) ، ويأخذ كل أخ (ألفين) وتأخذ الأخت ألفاً واحداً. وعلى ذلك فالإبنة أخذت 37.5 ضعف الأخ وتساوت مع الجد.
11) إذا ماتت وتركت زوجاً ، وأباً ، وأماً ، وابنةً ، وابنة ابن ، وابن الإبن: فللزوج الربع وسهمه 3، ولكل من الأب والأم السدس وسهم كل منهما 2، والإبنة النصف وسهمها 6، ولا شىء لكل من ابنة الابن وابن الابن.
فلو تركت المتوفاة 000 12 (اثنى عشر ألفاً) ، لوجب أن تقسم التركة على 13 (ثلاثة عشر) سهماً ، لأخذ الزوج 5538 جنيهاً ، ولأخذ كل من الأب والأم 3692 جنيهاً ، ولأخذت الإبنة 076 11 جنيهاً ، ولا شىء لإبنة الابن ولابن الإبن. وهنا تجد أن الإبنة قد أخذت أكثر من ضعف ما أخذه الزوج وأكثر من 250% مما أخذه الأب.
12) إذا مات أو ماتت وترك جداً ، وأماً وأختاً شقيقة وأخاً لأب وأختاً لأب: فتأخذ الأم السدس وسهمها 3، ويأخذ الجد ثلث الباقى وسهمه 5، والأخت الشقيقة النصف وسهمها 9، ثم يقسم سهم واحد على ثلاثة للأخ والأخت لأب (للذكر مثل حظ الانثيين).
فإذا ترك المتوفى 000 18 ألف جنيهاً لأخذت الأم (ثلاثة آلاف) جنيهاً، ولأخذ الجد (خمسة آلاف)، ولأخذت الأخت الشقيقة (تسعة آلاف) ولأخذ الأخ (666) جنيهاً تقريباً، ولأخذت أخته (333) جنيهاً تقريباً. وهنا تجد أن الأخت الشقيقة أخذت أكثر من (13) ضعف ما أخذه الأخ لأب.
13) إذا مات الرجل وترك زوجةً وابنتين وأبً وأمً: فللزوجة الثمن وسهمها 3، والأب السدس وسهمه 4، والأم السدس وسهمها 4 ، ولكل ابنة الثلث وسهم كل منهما 8. فيكون عدد الأسهم 27 ، فلو ترك المتوفى 000 24 (أربع وعشرين ألفا) لوجب أن تعول إلى 27 سهم بدلاً من 24 ، ويأخذ كل منهم عدد الأسهم التى فرضها الله له. وفى هذه الحالة ستأخذ الزوجة 2666 جنيهاً ، وستأخذ الإبنتين 15222 ألف مناصفة فيما بينهما ، أى 7111 لكل منهن ، والأم 3555 والأب 3555. وهنا تجد أن الإبنة أخذت ما يقرب من ضعف ما أخذه لأب.
14) إذا مات أو ماتت وترك أماً وجداً وأختاً: فيأخذ الجد السدس ، وتأخذ الأم ضعفه وهو الثلث ، وتأخذ الأخت النصف.
فلو ترك المتوفى 000 120 ألف جنيهاً ، لكان نصيب الجد 000 20 ألف ، وكان نصيب الأم 000 40 ألف ، وكان نصيب الأخت 000 60 ألف. أى أخذت امرأة ضعفه وأخذت الأخرى ثلاثة أضعافه.
15) إذا مات الرجل وترك (أربعين ألف جنيهاً) وابناً وابنةً وزوجةً لها مؤخر صداق (ستة عشر ألف جنيهاً) فيكون التقسيم كالتالى:
الزوجة 000 16 + ثمن الباقى (000 3 آلاف) = 000 19 (تسعة عشر ألف) جنيهاً
الابن : الثلثى بعد خصم مؤخر الصداق 000 16 (ستة عشر ألف) جنيهاً
الابنة : الثلث بعد خصم مؤخر الصداق 000 8 (ثمانية آلاف) جنيهاً
16) ولو مؤخر صداقها أكبر لورثت أكثر من ابنها كثيرا مثال ذلك:
إذا مات الرجل وترك (ستين ألف جنيهاً) وابن وابنة وزوجة لها مؤخر صداق (ستة وثلاثون ألف جنيهاً) فيكون التقسيم كالتالى:
الزوجة 000 36 + ثمن الباقى (000 3 آلاف) = 000 39 (تسعة وثلاثين ألف) جنيهاً
الابن : ثلثى التركة بعد خصم مؤخر الصداق000 16 (ستة عشر ألف) جنيهاً
الابنة : ثلث التركة بعد خصم مؤخر الصداق 000 8 (ثمانية آلاف) جنيهاً
17) إذا مات الأب وترك ابنةً وأماً وأباً وزوجة وترك 25000 جنيهاً ، وللزوجة مؤخر صداق 1000 جنيهاً
فالإبنة تأخذ النصف أى 12000 جنيهاً
والزوجة تأخذ الثمن 3000 + 1000 (مؤخر الصداق) = 4000 جنيها
الأم تأخذ السدس 4000 جنيهاً
الأب يأخذ السدس فرضاً 4000
وبذلك تكون الإبنة قد أخذت 300 % لميراث الأب
د ـ وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.
1) إذا مات وترك بنتاً وأختاً وعماً: فللإبنة النصف وللأخت النصف ولا شىء للعم.
2) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأختاً شقيقة وأختاً لأب وأختاً لأم: فللزوج النصف ، والأخت الشقيقة النصف ، ولا شىء للأخت لأب وللأخ لأب.
3) إذا ماتت وتركت زوجاً ، وأباً ، وأماً ، وابنةً ، وابنة ابن ، وابن الإبن: فللزوج الربع وسهمه 3 ، ولكل من الأب والأم السدس وسهم كل منهما 2 ، والابنة النصف وسهمها 6، ولا شىء لكل من ابنة الابن وابن الابن ، أى الابنة ورثت ستة أضعاف ابن الابن.
4) إذا ماتت وتركت زوجاً وأماً وأَخَوَان لأم وأخ شقيق أو أكثر.
للزوج النصف وسهمه ( 3 ) وللأم السدس وسهمها ( 1 ) وللإخوة لأم الثلث وسهم كل واحد منهما ( 1 ) وتصح من ( 6 ) ولا يبقى للأشقاء ما يرثونه. (عمر بن الخطاب)
5) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وجداً وأماً وأخوة أشقاء وأخوة لأم: فللزوج النصف، وللجد السدس ، وللأم السدس ، وللاخوة الأشقاء الباقى ، ولا شىء لأخوة الأم.
ﻫ ـ وهناك حالات يرث فيها الرجل أكثر من المرأة سواء أقل أو أكثر من الضعف:
1) فلو مات الابن وترك أباً وأماً وأخوةَ وأخوات ، فترث الأم السدس ، ويرث الأب خمسة أسداس تعصيباً ويحجب الإخوة. فقد ورث الرجل هنا خمسة أضعاف المرأة.
2) إذا مات رجل وترك زوجةً وأماً وأباً: فللزوجة الربع وسهمها 3 وللأم الثلث وسهمها 4 والأب يأخذ الباقى وسهمه 5. فلم يأخذ ضعف أياً منهما.
3) إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وأباً: فللزوج النصف وسهمه 3 ، وللأم ثلث الباقى وسهمها 1 والأب ثلثا الباقى وسهمه 2. فقد أخذ الزوج ثلاثة أضعاف الأم.
4) إذا مات رجل وترك ابناً وست بنات: فالإبن يأخذ الثلث والبنات الثلثين: وفى هذه الحالة سيكون الابن ثلاث أضعاف أى من البنات الستة. فإذا ترك 18000 ألف جنيهاً ، فسيأخذ الابن 6000 ، وكل بنت تأخذ 2000 جنيهاً. فيكون الأخ أخذ ثلاثة أضعاف أخته.
5) ماتت وتركت زوجاً وأماً وأَخَوَان لأم وأخاً شقيق أو أكثر: فالزوج يأخذ النصف وسهمه 9، والأم السدس وسهمها 3 ، والأُخوة الثلاثة الباقية الثلث ، وسهم لكل منهم. (على بن أبى طالب والمذهب المالكى والشافعى أخذوا به) فيكون الزوج أخذ ثلاثة أضعاف الأم.
فلو تركت 000 18 (ثمانية عشر ألف) جنيهاً ، لكان نصيب الزوج (تسعة آلاف) ، ونصيب الأم (ثلاثة آلاف) ، والثلث الباقى يقسَّم على الثلاث أخوة بالتساوى، لكل منهم (ألفين). وهنا تجد أن الزوج أخذ ثلاثة أضعاف الأم.
يواصل الأستاذ مروان قائلاً: أى أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل ، أو أكثر منه ، أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال ، فى مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل ...
تلك هى ثمرات استقراء حالات ومسـائل الميراث فى عـلم الفرائض (المواريث) ، التى حكمتها المعايير الإسلامية التى حددتها فلسفة الإسلام فى التوريث .. والتى لم تقف عند معيار الذكورة والأنوثة ، كما يحسب الكثيرون من الذين لا يعلمون ! ... وبذلك نرى سقوط هذه الشبهة الواهية المثارة حول أهلية المرأة.
هذا من عدل الرحمن
1- كثير ما نسمع أن في دول أروبية أنه توفي أحدهم وله من الثروات والمقدرات لا حصر لها تركها لقطة أو لكلب كان يربيه صاحب المال ، أو تذهب النقود كلها لخادمة أو لجمعية ما سواء ويحرم كل الابناء منها. فأين العدالة في توزيع الإرث؟ ... أما في الإسلام فقد أعطى الحرية للتصرف في الإرث فقط في حد الثلث ولا وصية لوارث ولا تجوز الوصية لجهة ممنوعة أو لكلب مثلا ..
2- الإرث إجباري في الإسلام بالنسبة إلى الوارث والموروث ولا يملك المورث حق منع أحد ورثته من الإرث ، والوارث يملك نصيبه جبرا دون اختيار.
3- الاسلام جعل الإرث في دائرة الأسرة لا يتعداها فلابد من نسب صحيح أو زوجة، وتكون على الدرجات في نسبة السهام الأقرب فالأقرب إلى المتوفى.
4- أنه قدر الوارثين بالفروض السهام المقدرة كالربع والثمن والسدس والنصف ما عدا العصبات ولا مثيل لهذا في بقية الشرائع.
5- جعل للولد الصغير نصيبا من ميراث أبيه يساوي نصيب الكبير وكذلك الحمل في بطن الأم فلا تميز بين البكر وغيرهم من الأبناء.
6- جعل للمرأة نصيباً من الإرث فالأم والزوجة والبنت وبنت الابن والأخت وأمثالهن يشاركن فيه، وجعل للزوجة الحق في استيفاء المهر والصداق إن لم تكن قد قبضتهم من دون نصيبها في الإرث فهو يعتبر دين ممتاز أى الأولى في سداده قبل تقسيم الإرث ولا يعتبر من نصيبها في الميراث.
الإصحاح الثامن والأربعين بعد المائة
الميراث بين الرجل والمرأة فى اليهودية والمسيحية:
فالميراث فى الكتاب المقدس للذكور فقط: (15«إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ فَوَلدَتَا لهُ بَنِينَ المَحْبُوبَةُ وَالمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الاِبْنُ البِكْرُ لِلمَكْرُوهَةِ 16فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لهُ لا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المَحْبُوبَةِ بِكْراً عَلى ابْنِ المَكْرُوهَةِ البِكْرِ 17بَل يَعْرِفُ ابْنَ المَكْرُوهَةِ بِكْراً لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لهُ حَقُّ البَكُورِيَّةِ.) تثنية 21: 15-17
ولا ترث الإناث إلا عند فقد الذكور: (1فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ .. .. .. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى .. .. .. قَائِلاتٍ: 3أَبُونَا مَاتَ فِي البَرِّيَّةِ .. .. .. وَلمْ يَكُنْ لهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ ليْسَ لهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلكاً بَيْنَ أَعْمَامِنَا». 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبِّ. 6فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: 7«بِحَقٍّ تَكَلمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ فَتُعْطِيهِنَّ مُلكَ نَصِيبٍ بَيْنَ أَعْمَامِهِنَّ وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِليْهِنَّ. 8وَتَقُول لِبَنِي إِسْرَائِيل: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَليْسَ لهُ ابْنٌ تَنْقُلُونَ مُلكَهُ إِلى ابْنَتِهِ. 9وَإِنْ لمْ تَكُنْ لهُ ابْنَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لمْ يَكُنْ لهُ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لأَعْمَامِهِ. 11وَإِنْ لمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِليْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ». فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيل فَرِيضَةَ قَضَاءٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى.) عدد 27: 1-11
وليس فى المسيحية نصَّاً يُخالِف ذلك النص ، لأن كتاب النصارى ليس به تشريع ، فشريعة موسى مُلزمة لهم باعتراف عيسى عليه السلام ، والتى قام بولس بإلغائها: (17«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. 18فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هَذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هَكَذَا يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.) متى 5: 17-19
ثبت المراجع
القرآن الكريم
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم محمد فؤاد عبد الباقى
المعجم الموضوعى لآيات القرآن الكريم صبحى عبد الرءوف عصر
الكتاب المقدس (طبعة الشرق الأوسط لعام 1989)
رياض الصالحين الإمام النووى
تخريج محمد ناصر الدين الألبانى
عودة الحجاب الجزء الثانى محمد أحمد المقدم
حقوق المرأة بين الإسلام والأديان الأخرى محمود عبد الحميد محمد
قصة الزواج والعزوبة فى العالم الدكتور على عبد الواحد وافى
الفيلسوف المسيحى والمرأة أ.د. إمام عبد الفتاح إمام
الزواج والطلاق فى جميع الأديان فضيلة الشيخ عبد الله المراغى
فى محكمة التاريخ الدكتور عبد الودود شلبى
تعدد نساء الأنبياء ومكانة المرأة بين اليهودية والمسيحية والإسلام
اللواء مهندس أحمد عبد الوهاب
تحرير المرأة فى عصر الرسالة عبد الحليم أبو شقة
المرأة فى ظلال القرآن عكاشة عبد المنَّان الطيِّبى
حقائق الإسلام فى مواجهة شبهات المشككين المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
شبهات حول الإسلام محمد قطب
مائة سؤال عن الإسلام الشيخ محمد الغزالى
الحضارة الإسلامية مُقارنة بالحضارة الغربية الدكتور توفيق يوسف الواعى
الصليب ذو الكنيسة (باللغة الألمانية) كارل هاينتس ديشنر
Karlheins Deschner, Das Kreuz mit der Kirche, 1991
موقف الإسلام والكنيسة من العلم عبد الله المشوخى
النصرانية والإسلام المستشار محمد عزت الطهطاوى
الرد الجميل على المشككين فى الإسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم
عبد المجيد صُبح
منتدى برسوميات على الإنترنتbarsoomyat.com
موقع المسيحية فى الميزان alhakekah.com
موقع التاريخaltareekh.com
موقع ابن مريم ebnmaryam.com