جاء في ختام فصل التناقضات المزعومة في القرآن الكريم...
ولإبراز عدد كبير من التناقضات في القرآن الكريم، يقوم المنصِّرون بجمع الغث والسمين، وما ليس بتناقض، مع تكرار التناقضات المزعومة عينها.. لهدف آخر ـ غير الطعن في إلهية مصدر القرآن الكريم ـ وهو: التشويش على من ينقد كتبهم المقدسة، وإشغاله عن البحث عن تناقضاته الكثيرة جداً ـ إن لم يصدمه إذا كان ضعيفاً ـ ومن الأمثلة على ذلك، ما جاء في صفحة (#) وهو يرد على كتاب الداعية أحمد ديدات ـ رحمه الله تعالى ـ (هل الإنجيل كلام الله ؟):
" أما أنَّ سفر أخبار الأيام الثاني 25 يذكر أنه كان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل، بينما يذكر سفر الملوك الأول 26 أنه كان له أربعون ألف مذود خيل، فلأنَّ سليمان كان له أربعة آلاف مذود خيل كبيرة، بكل واحد عشرة مذاود صغيرة - فالمذود الكبير يسع عشرة رؤوس من الخيل. ولو استعملنا منطق ديدات لادَّعينا أنَّ هناك تناقضاً ملموساً في القرآن، حيث يوم واحد عند الله كألف سنة عند الإنسان سورة السجدة 35 بينما في سورة المعارج يوم واحد كخمسين ألف سنة سورة المعارج 74. فعلى ديدات أن يفسر لنا كيف اختفت من القرآن 49000 سنة ! ".
هذا يبين سبب وقوعهم في تلك الشبهات، وهو مغالطتهم في تعريف التناقض، ثم ضرب الأمثلة عليه.
والحق أن التناقض: لغةً: التخالُف. [1] واصطلاحاً " اختلاف قضيتين بإيجاب وسلب، بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى. نحو: زيد إنسان، زيد غير إنسان. وأصله قولهم: تناقض الكلامان، إذا تدافعا، كأن كل واحد ينقض الآخر، وفي كلامه تناقض: إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض ". [2]
ولا يتحقق التناقض بين قضيتين، إلا مع اتفاقهما في ثمانية أشياء، هي: [3]
أولاً: الموضوع: [4] فلو اختلفت القضيتان في الموضوع، نحو: ( زيد قائم، بكر ليس بقائم )، لم تتناقضا؛ لجواز صدقهما معاً، أو كذبهما معاً.
ثانياً: المَحمول: [5] فلو اختلفتا في المحمول، نحو: ( زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بشاعر )، لم تتناقضا.
ثالثاً: في الزمان: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد نائم ـ ليلاً ـ، زيد ليس بنائم ـ نهاراً ـ)، لم تتناقضا.
رابعاً: في المكان: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد قائم ـ في البيت ـ، زيد ليس بقائم ـ في السوق ـ)، لم تتناقضا.
خامساً: في الإضافة: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد أب ـ أي لعمرو ـ، وزيد ليس بأب ـ أي ببكر ـ)، لم تتناقضا.
سادساً: في القوة والفعل: إذ لو اختلفتا فيهما بأن تكون النسبة في إحدى القضيتين بالقوة، وفي الأخرى بالفعل، نحو: ( الخمر في الدَّن مُسكِر ـ أي بالقوة ـ، الخمر في الدَّن ليس بمُسكِر ـ أي بالفعل ـ)، لم تتناقضا. [6]
سابعاً: في الجزء والكل: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( الزنجي أسود ـ أي بعضه ـ، الزنجي ليس بأسوَد ـ أي كله ـ )، لم تتناقضا.
ثامناً: في الشرط: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( الزاني يُرجَم ـ بشرط الإحصان ـ، الزاني لا يُرجم ـ بشرط عدم الإحصان ـ )، لم تتناقضا.
وكي يتبين تحقُّق الشروط الثمانية دليلاً على التناقض، هذه بعض الأمثلة على تناقضات كتبهم المقدسة التي تُعَد بالمئات:
1) كم كان عدد الموكلين على الإشراف على خدمة العمال المسخرين لتنفيذ أعمال سليمان ؟
في سفر الملوك الأول [9/ 23]: 150.
في سفر أخبار الأيام الثاني[8/ 10]: 250.
2) كم وزنة من الذهب جلبها عبيد حيرام وعبيد سليمان من أوفير ؟
في سفر الملوك الأول [9/ 28]: جلبوا معهم: 420 وزنة من الذهب.
في سفر أخبار الأيام الثاني[8/ 18]: جلبوا معهم: 450 وزنة من ذهب.
3) في إنجيل لوقا [19/ 30 – 36] العبارة التالية: " تجدان جحشاً.. فحُلاه وأتيا به ".
ناقض: جاء وهو يركب حمارين معاً !! كما في إنجيل متى [21/ 1-7].
4) وفي سفر الخروج [33/ 20] قال الرب لموسى: " لن ترَ وجهي؛ لأن الإنسان الذي يراني لا يَعيشُ ".
وهناك نصوص تناقض هذا وتؤكد إمكانية رؤية الله في الدنيا فقد جاء في سفر التكوين [32/ 30] أن النبي يعقوب رأى الله وجهاً لوجه فهو يقول: " لأني نظرت الله وجهاً لوجه ". وجاء في سفر الخروج أيضاً [33/ 11] أن الرب كلم موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه.
5) يذكر سفر التكوين [22/ 14] أن إبراهيم عرف (يهوه) باسمه.
لكن ذلك تناقض تناقضاً صريحاً مع ما ورد في سفر الخروج [6/ 3] أن يهوه قال لموسى ـ في أول لقاء لهما قرب خيام مدين ـ إن إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يعرفوه باسم (يهوه).
6) تبعاً لسفري العدد والتثنية يكون هارون قد توفي مرتين في مكانين مختلفين أحدهما على جبل حور [سفر العدد 20/ 28 وأيضاً 33/ 38] والآخر في موسير [سفر التثنية 10/ 6].
7) سفر التكوين [1/ 3-5] خلق النور والليل والنهار في اليوم الأول.
ناقض سفر التكوين [1/ 14] خلق النور في اليوم الرابع.
8) في سفر حزقيال [26/ 7 – 14] نبوخذ نصر يدمر صور ولن تُبنَ أبداً.
ناقض سفر حزقيال [29/ 18 – 20] جيش نبوخذ نصر يُعمر صور مجاناً.
9) إنجيل متى [27/ 3-10] ندم يهوذا على تسليم المسيح وخنَقَ نفسه. ناقض أعمال الرسل [1/ 18-19] " وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ".
10) إنجيل متى [19/ 28] " تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً ".
مات يهوذا مرتداً كما في متى الإصحاح [27/ 5] فصاروا: أحدَ عشر.
11) كتب مرقص [9/ 2]: " وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد إلى جبل عال منفردين ".
إلا أن لوقا كتب [9/ 28]: " وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام أخذ يسوع بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى الجبل ".
12) كتب متى [8/ 5] أن المسيح أشفى خادم الضابط أولاً قبل أن يكون قد أشفى حماة بطرس من الحمى. وحسب إنجيل لوقا [4/ 38] إن شفاء خادم الضابط، كان بعد شفاء حماة بطرس من الحمى.
13) ذكر متى [27/ 29] أن الجنود ركعوا للمسيح ـ استهزاءً به ـ ثم بصقوا عليه. وخالفه مرقص [15/ 19] فجعل البصق أولاً، ثم الركوع.
14) جاء في سفر أعمال الرسل [9/ 7] أن المسافرين مع بولس حينما ظهر له المسيح وهو في الطريق إلى دمشق: " وقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً ".
إلا أننا نجد في موضع آخر، أن الذين كانوا مع بولس نظروا النور ولم يسمعوا الصوت ! سفر أعمال الرسل [22/ 9]: " والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني ".
وغير ذلك الكثير الكثير مما اعترف به علماء اللاهوت وشراح الكتاب المقدس من خلافات لا تناقضات لا يمكن توجيهها، لذا عَدوها من أخطاء النسخ والترجمة. [7]
في المقابل: تراهم يستنجدون بأي شبهة تناقضٍ مزعوم، للاستدلال بها على تناقض آيات القرآن الكريم، للتعمية عما في كتبهم (المقدسة) من تناقضات لا يمكن التوفيق بينها بحال.
كما تبين سابقاً، فإن التناقضات المزعومة في القرآن الكريم، أكثرها يمكن التوفيق بينها بسطر واحد ـ فضلاً عن أنها ليست تناقضاً بحسب مناهج البحث العلمي ـ وأكثرها سببه الجهل أو التنطع في تفسير القرآن الكريم بحسب الأهواء والأفكار المسبقة المغلوطة.
نعم قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافاً وتناقضاً بين آيات القرآن الكريم، وإن كان ذلك ليس به في الحقيقة، فقد وقع ذلك في عهد الصحابة رضوان الله عليهم..
" قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ. قَالَ: " فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ " [المؤمنون: 101] " وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ " [الطور: 25] " وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا " [النساء: 42] " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " [الأنعام: 23] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ: " أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا " إِلَى قَوْلِهِ: " دَحَاهَا " [يعني: النازعات:27-30] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ، قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ. ثُمَّ قَالَ: " أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ " إِلَى قَوْلِهِ: " طَائِعِينَ " [يعني: فصلت: 9-11] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ: " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا ". فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى.
فَقَالَ [يعني ابن عباس رضي الله عنهما]: فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْخَةِ الأولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ، إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلا يَتَسَاءَلُونَ. ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " " وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ": فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا..
وَخَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأرْضَ ـ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا ـ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَحَاهَا.
وَقَوْلُهُ خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، فَجُعِلَتْ الأرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. وَخُلِقَتْ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ـ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ـ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، إِلا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ.
فَلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ". [8]
إن هذا الحديث يبين الحكمة من تفضيل العالِم على مَن دونه، وعلى التناسب الطردي بين زيادة العلم وزيادة الإيمان، وأنه قد يقع لعامة الناس شبهات وجب تبيينها على العلماء دفعها.
وصدق الله العظيم إذ يقول: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا " [النساء: 82]. " أي تفاوتاً وتناقضاً كثيراً.. أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا ـ بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر ـ أنه كلام الله تعالى؛ لأن مالا يكون من عند الله، لا يخلو عن تناقض واختلاف ". [9]
والتناقض يمنع صحة الدعوى.. لكن عند إمكانية التوفيق، ينتفي التناقض. وعدمُها يُثبِتُهُ. [10]
فتحقق التناقض في مذهب أو ملة ما، دليل بطلانه، كما يقول المنطق. [11]
إنَّ خلو القرآن الكريم من التناقض لهو من أدلة إعجازه " أفلا يتدبر المبيِّتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتابَ الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك ؟ وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم؛ لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق. فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض ". [12]
مهما كان الإنسانُ متمكناً من علمه " يُبعَد على من يَعلم الأشياء بعلمه، ويحتاج فيما يأتيه من تأليف كتابٍ وغيره إلى استحضار العلوم، أن ينتقي من كلامه الطويل، وتأليفه الكثير المُناقَضة، حتى يستمر في طريق الصحة.. وزوال الاختلاف والتناقض عن القرآن لو كان مِن عند غيرِ اللهِ بعيدٌ؛ لأن العادة لم تجرِ بمثل ذلك في كلام العباد ". [13]
هذا يفسر سبب تلك الهجمة على القرآن الكريم، والجري نحو سراب يحسبونه ماءً لبيان تناقض آياته. وما تلك التناقضات المزعومة إلا تناقض فهمهم هم مع الحق، وتخبطهم في البحث عن مواطن الزلل والخطأ في القرآن الكريم. وقد سبقهم الأعلم منهم: جولدتسيهر حين بدأ الكتابة ناقداً القرآن الكريم، ومبيناً أدلته في بشرية مصدره بالعبارة التالية: " إنه كتاب المسلمين المقدس، ودستوره الموحى به.. ". [14] فوقع في تناقض عجيب، أثبت إلهية مصدر القرآن الكريم، في كتاب مخصص للطعن فيه !!
لقد تبين في ختام هذا الفصل، أن القرآن الكريم ـ كون الله المسطور ـ لا يمكن أبداً أن يتعارض مع حقائق العلم المبثوث في الكون ـ كتاب الله المنظور ـ.
---------------------------
[1] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 846 (نقض).
[2] التعاريف، المناوي، 1/208 (فصل النون). وانظر: التعريفات، الجرجاني، 59.
[3] انظر: التعارض والترجيح، محمد سعيد مجاهد، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة دمشق، 2002م، ص 24.
[4] هو أولُ رَكنَي القضية، كالمبتداً ونحوه (في الجملة الاسمية)، والفاعل ونحوه (في الجملة الفعلية). وسُمِّيَ موضوعاً؛ لأنه وُضِعَ ليُحكَم عليه.
[5] ركن القضية الثاني، كالخبر ونحوه (في الجملة الاسمية)، والفعل ونحوه (في الجملة الفعلية). وسُمي محمولاً؛ لحمله على الموضوع.
[6] القوة: قابليته لذلك، والفعل: تحقُّق ذلك. فالخمر في الوعاء فيه قابلية للإسكار لو شُرِب، وهو في الوعاء دون أن يُشرَب: ليس بمسكر.
[7] انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي 1/30-42. وكتابي د. منقذ السقار، هل العهد القديم كلمة الله، ص 84-94، وهل العهد الجديد كلمة الله ص108-126.
[8] رواه البخاري في تفسير القرآن أول سورة حم السجدة [أي: فصلت] معلقاً. ووصله ابن حجر في تغليق التعليق4/301 وفتح الباري8/559، وحكم بصحته. وذكره عبد الرزاق الصنعاني بسنده في تفسيره 1/160-161 والطبري في تفسيره 4/96-97، والحاكم في المستدرك2/494-495 وصححه ووافقه الذهبي.
[9] معالم التنزيل، البغوي 1/69.
[10] الكليات، الكفوي، ص 306.
[11] انظر بيان ذلك بالأدلة العقلية في كتاب: الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: د. فوقية حسين، ص172.
[12] جامع البيان، الطبري 8/179.
[13] المغني في أبواب العدل والتوحيد، القاضي عبد الجبار 16/329. وأتبعَه بردِّ بعض شبهات ابن الراوندي.
[14] نقل ذلك الدكتور شوقي أبو خليل، في كتابه: " الإسلام في قفص الاتهام "، ص41.
ولإبراز عدد كبير من التناقضات في القرآن الكريم، يقوم المنصِّرون بجمع الغث والسمين، وما ليس بتناقض، مع تكرار التناقضات المزعومة عينها.. لهدف آخر ـ غير الطعن في إلهية مصدر القرآن الكريم ـ وهو: التشويش على من ينقد كتبهم المقدسة، وإشغاله عن البحث عن تناقضاته الكثيرة جداً ـ إن لم يصدمه إذا كان ضعيفاً ـ ومن الأمثلة على ذلك، ما جاء في صفحة (#) وهو يرد على كتاب الداعية أحمد ديدات ـ رحمه الله تعالى ـ (هل الإنجيل كلام الله ؟):
" أما أنَّ سفر أخبار الأيام الثاني 25 يذكر أنه كان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل، بينما يذكر سفر الملوك الأول 26 أنه كان له أربعون ألف مذود خيل، فلأنَّ سليمان كان له أربعة آلاف مذود خيل كبيرة، بكل واحد عشرة مذاود صغيرة - فالمذود الكبير يسع عشرة رؤوس من الخيل. ولو استعملنا منطق ديدات لادَّعينا أنَّ هناك تناقضاً ملموساً في القرآن، حيث يوم واحد عند الله كألف سنة عند الإنسان سورة السجدة 35 بينما في سورة المعارج يوم واحد كخمسين ألف سنة سورة المعارج 74. فعلى ديدات أن يفسر لنا كيف اختفت من القرآن 49000 سنة ! ".
هذا يبين سبب وقوعهم في تلك الشبهات، وهو مغالطتهم في تعريف التناقض، ثم ضرب الأمثلة عليه.
والحق أن التناقض: لغةً: التخالُف. [1] واصطلاحاً " اختلاف قضيتين بإيجاب وسلب، بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى. نحو: زيد إنسان، زيد غير إنسان. وأصله قولهم: تناقض الكلامان، إذا تدافعا، كأن كل واحد ينقض الآخر، وفي كلامه تناقض: إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض ". [2]
ولا يتحقق التناقض بين قضيتين، إلا مع اتفاقهما في ثمانية أشياء، هي: [3]
أولاً: الموضوع: [4] فلو اختلفت القضيتان في الموضوع، نحو: ( زيد قائم، بكر ليس بقائم )، لم تتناقضا؛ لجواز صدقهما معاً، أو كذبهما معاً.
ثانياً: المَحمول: [5] فلو اختلفتا في المحمول، نحو: ( زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بشاعر )، لم تتناقضا.
ثالثاً: في الزمان: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد نائم ـ ليلاً ـ، زيد ليس بنائم ـ نهاراً ـ)، لم تتناقضا.
رابعاً: في المكان: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد قائم ـ في البيت ـ، زيد ليس بقائم ـ في السوق ـ)، لم تتناقضا.
خامساً: في الإضافة: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( زيد أب ـ أي لعمرو ـ، وزيد ليس بأب ـ أي ببكر ـ)، لم تتناقضا.
سادساً: في القوة والفعل: إذ لو اختلفتا فيهما بأن تكون النسبة في إحدى القضيتين بالقوة، وفي الأخرى بالفعل، نحو: ( الخمر في الدَّن مُسكِر ـ أي بالقوة ـ، الخمر في الدَّن ليس بمُسكِر ـ أي بالفعل ـ)، لم تتناقضا. [6]
سابعاً: في الجزء والكل: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( الزنجي أسود ـ أي بعضه ـ، الزنجي ليس بأسوَد ـ أي كله ـ )، لم تتناقضا.
ثامناً: في الشرط: إذ لو اختلفتا فيه، نحو: ( الزاني يُرجَم ـ بشرط الإحصان ـ، الزاني لا يُرجم ـ بشرط عدم الإحصان ـ )، لم تتناقضا.
وكي يتبين تحقُّق الشروط الثمانية دليلاً على التناقض، هذه بعض الأمثلة على تناقضات كتبهم المقدسة التي تُعَد بالمئات:
1) كم كان عدد الموكلين على الإشراف على خدمة العمال المسخرين لتنفيذ أعمال سليمان ؟
في سفر الملوك الأول [9/ 23]: 150.
في سفر أخبار الأيام الثاني[8/ 10]: 250.
2) كم وزنة من الذهب جلبها عبيد حيرام وعبيد سليمان من أوفير ؟
في سفر الملوك الأول [9/ 28]: جلبوا معهم: 420 وزنة من الذهب.
في سفر أخبار الأيام الثاني[8/ 18]: جلبوا معهم: 450 وزنة من ذهب.
3) في إنجيل لوقا [19/ 30 – 36] العبارة التالية: " تجدان جحشاً.. فحُلاه وأتيا به ".
ناقض: جاء وهو يركب حمارين معاً !! كما في إنجيل متى [21/ 1-7].
4) وفي سفر الخروج [33/ 20] قال الرب لموسى: " لن ترَ وجهي؛ لأن الإنسان الذي يراني لا يَعيشُ ".
وهناك نصوص تناقض هذا وتؤكد إمكانية رؤية الله في الدنيا فقد جاء في سفر التكوين [32/ 30] أن النبي يعقوب رأى الله وجهاً لوجه فهو يقول: " لأني نظرت الله وجهاً لوجه ". وجاء في سفر الخروج أيضاً [33/ 11] أن الرب كلم موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه.
5) يذكر سفر التكوين [22/ 14] أن إبراهيم عرف (يهوه) باسمه.
لكن ذلك تناقض تناقضاً صريحاً مع ما ورد في سفر الخروج [6/ 3] أن يهوه قال لموسى ـ في أول لقاء لهما قرب خيام مدين ـ إن إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يعرفوه باسم (يهوه).
6) تبعاً لسفري العدد والتثنية يكون هارون قد توفي مرتين في مكانين مختلفين أحدهما على جبل حور [سفر العدد 20/ 28 وأيضاً 33/ 38] والآخر في موسير [سفر التثنية 10/ 6].
7) سفر التكوين [1/ 3-5] خلق النور والليل والنهار في اليوم الأول.
ناقض سفر التكوين [1/ 14] خلق النور في اليوم الرابع.
8) في سفر حزقيال [26/ 7 – 14] نبوخذ نصر يدمر صور ولن تُبنَ أبداً.
ناقض سفر حزقيال [29/ 18 – 20] جيش نبوخذ نصر يُعمر صور مجاناً.
9) إنجيل متى [27/ 3-10] ندم يهوذا على تسليم المسيح وخنَقَ نفسه. ناقض أعمال الرسل [1/ 18-19] " وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ".
10) إنجيل متى [19/ 28] " تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً ".
مات يهوذا مرتداً كما في متى الإصحاح [27/ 5] فصاروا: أحدَ عشر.
11) كتب مرقص [9/ 2]: " وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد إلى جبل عال منفردين ".
إلا أن لوقا كتب [9/ 28]: " وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام أخذ يسوع بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى الجبل ".
12) كتب متى [8/ 5] أن المسيح أشفى خادم الضابط أولاً قبل أن يكون قد أشفى حماة بطرس من الحمى. وحسب إنجيل لوقا [4/ 38] إن شفاء خادم الضابط، كان بعد شفاء حماة بطرس من الحمى.
13) ذكر متى [27/ 29] أن الجنود ركعوا للمسيح ـ استهزاءً به ـ ثم بصقوا عليه. وخالفه مرقص [15/ 19] فجعل البصق أولاً، ثم الركوع.
14) جاء في سفر أعمال الرسل [9/ 7] أن المسافرين مع بولس حينما ظهر له المسيح وهو في الطريق إلى دمشق: " وقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً ".
إلا أننا نجد في موضع آخر، أن الذين كانوا مع بولس نظروا النور ولم يسمعوا الصوت ! سفر أعمال الرسل [22/ 9]: " والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني ".
وغير ذلك الكثير الكثير مما اعترف به علماء اللاهوت وشراح الكتاب المقدس من خلافات لا تناقضات لا يمكن توجيهها، لذا عَدوها من أخطاء النسخ والترجمة. [7]
في المقابل: تراهم يستنجدون بأي شبهة تناقضٍ مزعوم، للاستدلال بها على تناقض آيات القرآن الكريم، للتعمية عما في كتبهم (المقدسة) من تناقضات لا يمكن التوفيق بينها بحال.
كما تبين سابقاً، فإن التناقضات المزعومة في القرآن الكريم، أكثرها يمكن التوفيق بينها بسطر واحد ـ فضلاً عن أنها ليست تناقضاً بحسب مناهج البحث العلمي ـ وأكثرها سببه الجهل أو التنطع في تفسير القرآن الكريم بحسب الأهواء والأفكار المسبقة المغلوطة.
نعم قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافاً وتناقضاً بين آيات القرآن الكريم، وإن كان ذلك ليس به في الحقيقة، فقد وقع ذلك في عهد الصحابة رضوان الله عليهم..
" قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ. قَالَ: " فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ " [المؤمنون: 101] " وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ " [الطور: 25] " وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا " [النساء: 42] " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " [الأنعام: 23] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ: " أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا " إِلَى قَوْلِهِ: " دَحَاهَا " [يعني: النازعات:27-30] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ، قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ. ثُمَّ قَالَ: " أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ " إِلَى قَوْلِهِ: " طَائِعِينَ " [يعني: فصلت: 9-11] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ: " وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا ". فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى.
فَقَالَ [يعني ابن عباس رضي الله عنهما]: فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْخَةِ الأولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ، إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلا يَتَسَاءَلُونَ. ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " " وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ": فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا..
وَخَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأرْضَ ـ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا ـ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَحَاهَا.
وَقَوْلُهُ خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، فَجُعِلَتْ الأرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. وَخُلِقَتْ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ـ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ـ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، إِلا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ.
فَلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ". [8]
إن هذا الحديث يبين الحكمة من تفضيل العالِم على مَن دونه، وعلى التناسب الطردي بين زيادة العلم وزيادة الإيمان، وأنه قد يقع لعامة الناس شبهات وجب تبيينها على العلماء دفعها.
وصدق الله العظيم إذ يقول: " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا " [النساء: 82]. " أي تفاوتاً وتناقضاً كثيراً.. أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا ـ بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر ـ أنه كلام الله تعالى؛ لأن مالا يكون من عند الله، لا يخلو عن تناقض واختلاف ". [9]
والتناقض يمنع صحة الدعوى.. لكن عند إمكانية التوفيق، ينتفي التناقض. وعدمُها يُثبِتُهُ. [10]
فتحقق التناقض في مذهب أو ملة ما، دليل بطلانه، كما يقول المنطق. [11]
إنَّ خلو القرآن الكريم من التناقض لهو من أدلة إعجازه " أفلا يتدبر المبيِّتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتابَ الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك ؟ وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم؛ لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق. فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض ". [12]
مهما كان الإنسانُ متمكناً من علمه " يُبعَد على من يَعلم الأشياء بعلمه، ويحتاج فيما يأتيه من تأليف كتابٍ وغيره إلى استحضار العلوم، أن ينتقي من كلامه الطويل، وتأليفه الكثير المُناقَضة، حتى يستمر في طريق الصحة.. وزوال الاختلاف والتناقض عن القرآن لو كان مِن عند غيرِ اللهِ بعيدٌ؛ لأن العادة لم تجرِ بمثل ذلك في كلام العباد ". [13]
هذا يفسر سبب تلك الهجمة على القرآن الكريم، والجري نحو سراب يحسبونه ماءً لبيان تناقض آياته. وما تلك التناقضات المزعومة إلا تناقض فهمهم هم مع الحق، وتخبطهم في البحث عن مواطن الزلل والخطأ في القرآن الكريم. وقد سبقهم الأعلم منهم: جولدتسيهر حين بدأ الكتابة ناقداً القرآن الكريم، ومبيناً أدلته في بشرية مصدره بالعبارة التالية: " إنه كتاب المسلمين المقدس، ودستوره الموحى به.. ". [14] فوقع في تناقض عجيب، أثبت إلهية مصدر القرآن الكريم، في كتاب مخصص للطعن فيه !!
لقد تبين في ختام هذا الفصل، أن القرآن الكريم ـ كون الله المسطور ـ لا يمكن أبداً أن يتعارض مع حقائق العلم المبثوث في الكون ـ كتاب الله المنظور ـ.
---------------------------
[1] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 846 (نقض).
[2] التعاريف، المناوي، 1/208 (فصل النون). وانظر: التعريفات، الجرجاني، 59.
[3] انظر: التعارض والترجيح، محمد سعيد مجاهد، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة دمشق، 2002م، ص 24.
[4] هو أولُ رَكنَي القضية، كالمبتداً ونحوه (في الجملة الاسمية)، والفاعل ونحوه (في الجملة الفعلية). وسُمِّيَ موضوعاً؛ لأنه وُضِعَ ليُحكَم عليه.
[5] ركن القضية الثاني، كالخبر ونحوه (في الجملة الاسمية)، والفعل ونحوه (في الجملة الفعلية). وسُمي محمولاً؛ لحمله على الموضوع.
[6] القوة: قابليته لذلك، والفعل: تحقُّق ذلك. فالخمر في الوعاء فيه قابلية للإسكار لو شُرِب، وهو في الوعاء دون أن يُشرَب: ليس بمسكر.
[7] انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي 1/30-42. وكتابي د. منقذ السقار، هل العهد القديم كلمة الله، ص 84-94، وهل العهد الجديد كلمة الله ص108-126.
[8] رواه البخاري في تفسير القرآن أول سورة حم السجدة [أي: فصلت] معلقاً. ووصله ابن حجر في تغليق التعليق4/301 وفتح الباري8/559، وحكم بصحته. وذكره عبد الرزاق الصنعاني بسنده في تفسيره 1/160-161 والطبري في تفسيره 4/96-97، والحاكم في المستدرك2/494-495 وصححه ووافقه الذهبي.
[9] معالم التنزيل، البغوي 1/69.
[10] الكليات، الكفوي، ص 306.
[11] انظر بيان ذلك بالأدلة العقلية في كتاب: الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: د. فوقية حسين، ص172.
[12] جامع البيان، الطبري 8/179.
[13] المغني في أبواب العدل والتوحيد، القاضي عبد الجبار 16/329. وأتبعَه بردِّ بعض شبهات ابن الراوندي.
[14] نقل ذلك الدكتور شوقي أبو خليل، في كتابه: " الإسلام في قفص الاتهام "، ص41.
