بسم الله الرحمن الرحيم "" الحمد لله ذي الملك والملكوت والعزة والجبروت وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الذي لا يموت وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً . أما بعد ...
والإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها ويسر له وسائلها، وأفهمه أن الكرامة في التقوى، وأن السمو في العبادة، وأن العزة في طاعة الله، والمؤمن الذي يعلم ذلك ويعمل به يجب أن يأخذ نصيبه كاملاً في الحياة الرفيعة المجيدة، فإذا اعتدى عليه أحد أو طمع فيه باغ كان انتصابه للدفاع عن نفسه جهاداً في سبيل الله، وموت المسلم دون حقه شهادة، ومن عزة المؤمن ألا يكون مستباحاً لكل طامع أو غرضاً لكل هاجم، بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه وماله وأهله، وإن أريقت في ذلك دماء فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع.
لقد أخبر الله أن العزة له جميعاً، وأن من أسبابها ووسائلها القول الطيب والعمل الصالح، ((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً)) (فاطر:10).
والعزة حق يقابله واجب، وارتكاب الآثام والتلطخ بالمعاصي هو سبيل السقوط والإهانة ومزلقة إلى خزي الفرد والجماعة، وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) (يونس:27).
والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، حقيقة يستعلى بها على نفسه و يستعلى بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس، ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناسَ شهواتهُم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقة ذات القوة والاستعلاء والسلطان.
إن من أسباب العزة العفو والتواضع، ففي الحديث وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ومن تواضع لله رفعه، ومن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، لكن من خلقه أيضاً أن يؤدب المجترئين عليه حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم، ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)) (الشورى:39).
وإن إحياء خلق الانتصار لازم ومهم لئلا تعتاد الأمة قبول الذل، لا من فاسق يقهرها ولا من كافر ينحرها، لأن الأمة التي تعتاد السكينة أمام الظلم، والوداعة أمام الخسف والعسف تفقد دافعية الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنعدم فيها روح الجهاد.
إن الناس يذلون أنفسهم، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم لواحد من أمرين: إما أن يصابوا في أرزاقهم أو في آجالهم، ولقد قطع الله سلطان البشر على الأرزاق والآجال جميعا، ((أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)) (الملك:20).
وإن القضاء أخي المسلم يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره، فكن عزيزاً مادام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان.
أما بعد :
إذا علمنا أن العزة مبدأ إسلامي، وخلق رفيع، فالذي يجب أن نعلمه أن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها عند الله الذي يملك وحده كل العزة ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم وهم مثله طلاب محاويج ضعاف.
إن العزيز في الدنيا والآخرة هو من أعزه الله، ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (آل عمران:26).
وبذلك تعلم ضلال من بحث عن العزة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته والتزام نهج المؤمنين فعادى رب العزة وشريعته، وحارب حزبه المؤمنين، ووالى أعداء الله من المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ظناً منه أن هذا هو سبيل العزة وطريقها، ((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً)) (النساء:139).
ومع عظم الطاعة تزداد العزة، فأعز الناس هم الأنبياء ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم، وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين.
وإذا علمنا مكان العزة من الدين ومنزلتها في شريعة الإسلام، فإن من الواجب علينا أن نعلم أن من خوارمها الهزيمة النفسية، والاستسلام للواقع، والرضا بحياة الذل والهوان، والانبهار بقوة الأعداء المادية وحضارتهم الزائفة.0
وإن مما يتنافى مع العزة: الخجل من الانتماء إلى الإسلام، والحياء من إظهار شعائر الدين وأحكامه0
وإن من خوارم العزة: التشبه بأعداء الله في طرائقهم وتقاليدهم، ونظم حياتهم، فمن تشبه بقوم فهو منهم0
ألا وإن مما يقدح في عزة المسلم أن يقدم التنازلات لخصوم الإسلام وأعداء الدعوة، والانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق،
فما هي اسباب العزة؟؟؟؟؟ السبب الأول: التمسُّك بالكتاب والسنة:
منهجاً وعقيدة، ففي ذلك الفلاح كله والخير كله، فلا فلاح إلا بالأخذ بهما معاً، وتحكيمهما في جميع مجالات الحياة {وأطيعُوا اللهَ والرَّسُولَ لعلَّكُم تُرحمون} [آل عمران: 132]، {قُل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيمٌ} [آل عمران: 31].
وقال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنتي».
والنصوص في هذا الموضوع كثيرة جداً.
وبكل حال فالتمسك بالكتاب والسنة من أعظم أسباب الفلاح في الدين والدنيا، ويتبع التمسك بهما- أو من لازم التمسك بهما- محاربة البدع والتحذير منها، وعدم الغفلة أو التهوين من شأنها مهما صغرت، فإن البدع إذا غُفل عنها زاد انتشارها ,بل هو من أعظم أسباب الهزيمة النفسية.
السبب الثاني: الالتفاف حول العلماء:
الالتفاف حول علماء الأمة الراسخين في العلم، المعروفين بصلاح المعتقد، وسلامة المنهج، فالقرب من أولئك والاستئناس بآرائهم والصدور عن رأيهم فيه مصلحة عظيمة للأمة وشبابها. فعلماء السنة أدرى الناس بمعالجة قضايا الأمة، وهم أبصر الناس بمجاراة واقعها وإيجاد الحلول الناجعة لها، فأولئك الثلة من العلماء لا تصدر آراؤهم إلا بعد النظر في النصوص الشرعية، فثوابهم مضاعف مأجور وخطأهم غير مأزور بل مأجور، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فحكم فأخطأ فله أجر واحد».
السبب الثالث: قراءة التاريخ الإسلامي:
إعادة النظر في تاريخ المسلمين المجيد لا من باب التسلية والمواساة والتواكل، بل من باب شحذ الهمم وبعث العزائم، وكيف كان المسمون الأوائل أقوياء حسّياً ومعنوياً، وكيف كان تمسكهم بدينهم واعتزازهم به حتى دانت لهم الأمم، وخضعت لهم الأعداء، نصروا الله فنصرهم وأعزّوا الإسلام فأعزَّهم الله تعالى به.
السبب الرابع: التفاؤل بأن النصر للإسلام:
التفاؤل والقطع بأن النصر للإسلام وأهله، كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة التي تدل دلالة واضحة على ذلك من ذلك قوله تعالى: {هُو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدِّين كُلِّه ولو كره المشركون} [التوبة: 33]، وقد ذكر بعض المفسرين عند هذه الآية عدداً من الأحاديث النبوية المبشرة بظهور الإسلام وعزته، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى. فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: {هُو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كره المشركون}، أن ذلك تام، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله».
ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر» أخرجه الإمام أحمد وغيره عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه-، ثم قال تميم- رضي الله عنه- بعد أن ساق الحديث: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية.
السبب الخامس: الحذر من اليأس والقنوط:
وقتل الهمم والعزائم لكثرة ما يرى ويسمع من مصاب الإسلام في أي مكان أو زمان، فعلى المسلم أن يغلق عن نفسه باب اليأس والقنوط وأن يحسن الظن بالله- تعالى، وأن يستشعر معاني الآيات المُحذِّرة والمُرهِّبة من اليأس، كقوله تعالى: {لا تقْنطُوا من رَّحْمة الله...} [الزمر: 53] وقوله تعالى: {ومن يقنط من رحمة ربه إلاَّ الضاَّلُّون} [الحجر: 15] وقوله تعالى: {ولا تيْأسوا من رَّوح الله إنَّه لا يَيْأس من رَّوح الله إلا القومُ الكافرون} [يوسف: 87].
وعلى المسلم أيضاً في الوقت نفسه أن يتذكر النصوص المبشرة والدالة على حصول اليسر بعد العسر، كما في قوله- تعالى: {حتَّى يقول الرَّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنَّ نصر الله قريبٌ} إلى غير ذلك من النصوص والأخبار التي تذكي العزائم، وتشحذ الهمم.
السبب السادس: استشعار المسئولية:
من كل فرد من أفراد المجتمع، وذلك أن يشعر كل واحد من المسلمين مهما كان موقعه وشأنه أنه مسؤول ، فيبدأ بإصلاح نفسه وبيته، ثم تتسع دائرة الإصلاح حتى تشمل جلساءه وجيرانه ومجتمعه، وليعلم كل واحد منا أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله.
فعلى الكاتب منّا أن يُسخِّر قلمه لخدمة الإسلام ونصرته
السبب السابع: عدم الاغترار:
بل الحذر من الاغترار بالكثرة والعُجب بالعدة والعتاد، فالكثرة لا تنفع أصحابها شيئاً إذا كانت النفوس صغاراً.
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
فالتفاخر بكثرة العدد مذموم شرعاً، بل في غالب أمره يؤدي بأصحابه إلى العجب ثم الانهزامية، وقد جاءت نصوص تبين ذم الكثرة العددية في غالب أحوالها، كما في قوله تعالى: {وإن تُطع أكثر من في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116].
{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249].
{اعملوا آل داوود شكراً وقليلٌ من عبادي الشَّكور} [سبأ: 13].
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما السنة: فعن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها» قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم كثير، ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: «حب الحياة، وكراهية الموت» [رواه الإمام أحمد وغيره].
السبب الثامن: اجتناب المعاصي:
والحذر والتحذير منها، فالمعاصي مفتاح لكل شر، ومغلاق لكل خير، وبسببها يتصدع كيان الأمة وتزول هيبتها، وتكون مقودة بعد أن كانت قائدة، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلَّك الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
السبب التاسع: التنبه لمكائد الأعداء:
والحذر منها؛ لأنها تتنامى وتزداد بحسب تجاهلها وعدم إلقاء البال لها، وفي الوقت نفسه تتبلد أحاسيس كثير من الناس تجاهها، ومن ثمَّ يستمرئونها ويتأقلمون عليها.
شاهد المقال: أن كيد شياطين الإنس والجن مستمر في شره واستفحاله، والواجب على كل مسلم أن يحذر ويُحذِّر من الخداع ببريقه.
.
وأخيراً: لابد أن نربي أنفسنا أولاً، ثم أبناءنا والأجيال القادمة على معاني العزة، وربطهم بأسبابها ومصدرها0
إن من الخلل في التربية أن ينشأ أفراد المجتمع المسلم أذلة مستهانين يستجدون أعداء الله، ويقفون بانبهار وإعجاب أمام حضارتهم الزائلة الزائفة 0
إن من واجب الآباء والمربين أن ينشئوا الأجيال على التخلق بعزة المسلم، من خلال ربطهم بالقدوات الحقيقية، بدءاً برسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي يمثل العزة الحقيقية بأجلى وأسمى صورها 0
ثم تربية النشء على قصص السابقين واللاحقين ممن رسموا معالم العزة بأقوالهم وأفعالهم، وتعليمهم البطولات والمواقف الخالدة في سماء العز والشرف0
وترك البطالة والكسل، والإعراض عن حياة اللهو والترف، وإضاعة الأوقات بالسفاسف والتوافه، مع تذكيرهم بشكل دائم بمواقف أبناء السلف وصور من همم بعض شباب اليوم، ليتأسوا بهم ويمشوا على منوالهم 0
كما ينبغي أن يهتم المربون بتحذير البناء من الانسياق وراء التقليد الأعمى بلا روية ولا تفكير، لأن التقليد دليل الهزيمة الروحية والنفسية، وعنوان ذوبان الشخصية، ولما في التقليد من تحطيم لشخصية المسلم وتمييع لأخلاقه وقتل لرجولته 0
وما أقل من يستشعر أن لتحقيق العزة ثمناً ولا بد فيه من تضحيات 0
إن من واجبنا أن نصنع العزة الحقيقية بأنفسنا.. بكلماتنا.. بمواقفنا.. بأفعالنا.. بعيداً عن العواطف والانفعالات، وإنما عزة موصولة بعزة الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون0........................................... ..............................................
والإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها ويسر له وسائلها، وأفهمه أن الكرامة في التقوى، وأن السمو في العبادة، وأن العزة في طاعة الله، والمؤمن الذي يعلم ذلك ويعمل به يجب أن يأخذ نصيبه كاملاً في الحياة الرفيعة المجيدة، فإذا اعتدى عليه أحد أو طمع فيه باغ كان انتصابه للدفاع عن نفسه جهاداً في سبيل الله، وموت المسلم دون حقه شهادة، ومن عزة المؤمن ألا يكون مستباحاً لكل طامع أو غرضاً لكل هاجم، بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه وماله وأهله، وإن أريقت في ذلك دماء فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع.
لقد أخبر الله أن العزة له جميعاً، وأن من أسبابها ووسائلها القول الطيب والعمل الصالح، ((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً)) (فاطر:10).
والعزة حق يقابله واجب، وارتكاب الآثام والتلطخ بالمعاصي هو سبيل السقوط والإهانة ومزلقة إلى خزي الفرد والجماعة، وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) (يونس:27).
والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، حقيقة يستعلى بها على نفسه و يستعلى بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس، ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناسَ شهواتهُم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقة ذات القوة والاستعلاء والسلطان.
إن من أسباب العزة العفو والتواضع، ففي الحديث وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ومن تواضع لله رفعه، ومن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، لكن من خلقه أيضاً أن يؤدب المجترئين عليه حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم، ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)) (الشورى:39).
وإن إحياء خلق الانتصار لازم ومهم لئلا تعتاد الأمة قبول الذل، لا من فاسق يقهرها ولا من كافر ينحرها، لأن الأمة التي تعتاد السكينة أمام الظلم، والوداعة أمام الخسف والعسف تفقد دافعية الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنعدم فيها روح الجهاد.
إن الناس يذلون أنفسهم، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم لواحد من أمرين: إما أن يصابوا في أرزاقهم أو في آجالهم، ولقد قطع الله سلطان البشر على الأرزاق والآجال جميعا، ((أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)) (الملك:20).
وإن القضاء أخي المسلم يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره، فكن عزيزاً مادام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان.
أما بعد :
إذا علمنا أن العزة مبدأ إسلامي، وخلق رفيع، فالذي يجب أن نعلمه أن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها عند الله الذي يملك وحده كل العزة ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم وهم مثله طلاب محاويج ضعاف.
إن العزيز في الدنيا والآخرة هو من أعزه الله، ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (آل عمران:26).
وبذلك تعلم ضلال من بحث عن العزة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته والتزام نهج المؤمنين فعادى رب العزة وشريعته، وحارب حزبه المؤمنين، ووالى أعداء الله من المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ظناً منه أن هذا هو سبيل العزة وطريقها، ((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً)) (النساء:139).
ومع عظم الطاعة تزداد العزة، فأعز الناس هم الأنبياء ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم، وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين.
وإذا علمنا مكان العزة من الدين ومنزلتها في شريعة الإسلام، فإن من الواجب علينا أن نعلم أن من خوارمها الهزيمة النفسية، والاستسلام للواقع، والرضا بحياة الذل والهوان، والانبهار بقوة الأعداء المادية وحضارتهم الزائفة.0
وإن مما يتنافى مع العزة: الخجل من الانتماء إلى الإسلام، والحياء من إظهار شعائر الدين وأحكامه0
وإن من خوارم العزة: التشبه بأعداء الله في طرائقهم وتقاليدهم، ونظم حياتهم، فمن تشبه بقوم فهو منهم0
ألا وإن مما يقدح في عزة المسلم أن يقدم التنازلات لخصوم الإسلام وأعداء الدعوة، والانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق،
فما هي اسباب العزة؟؟؟؟؟ السبب الأول: التمسُّك بالكتاب والسنة:
منهجاً وعقيدة، ففي ذلك الفلاح كله والخير كله، فلا فلاح إلا بالأخذ بهما معاً، وتحكيمهما في جميع مجالات الحياة {وأطيعُوا اللهَ والرَّسُولَ لعلَّكُم تُرحمون} [آل عمران: 132]، {قُل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيمٌ} [آل عمران: 31].
وقال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنتي».
والنصوص في هذا الموضوع كثيرة جداً.
وبكل حال فالتمسك بالكتاب والسنة من أعظم أسباب الفلاح في الدين والدنيا، ويتبع التمسك بهما- أو من لازم التمسك بهما- محاربة البدع والتحذير منها، وعدم الغفلة أو التهوين من شأنها مهما صغرت، فإن البدع إذا غُفل عنها زاد انتشارها ,بل هو من أعظم أسباب الهزيمة النفسية.
السبب الثاني: الالتفاف حول العلماء:
الالتفاف حول علماء الأمة الراسخين في العلم، المعروفين بصلاح المعتقد، وسلامة المنهج، فالقرب من أولئك والاستئناس بآرائهم والصدور عن رأيهم فيه مصلحة عظيمة للأمة وشبابها. فعلماء السنة أدرى الناس بمعالجة قضايا الأمة، وهم أبصر الناس بمجاراة واقعها وإيجاد الحلول الناجعة لها، فأولئك الثلة من العلماء لا تصدر آراؤهم إلا بعد النظر في النصوص الشرعية، فثوابهم مضاعف مأجور وخطأهم غير مأزور بل مأجور، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فحكم فأخطأ فله أجر واحد».
السبب الثالث: قراءة التاريخ الإسلامي:
إعادة النظر في تاريخ المسلمين المجيد لا من باب التسلية والمواساة والتواكل، بل من باب شحذ الهمم وبعث العزائم، وكيف كان المسمون الأوائل أقوياء حسّياً ومعنوياً، وكيف كان تمسكهم بدينهم واعتزازهم به حتى دانت لهم الأمم، وخضعت لهم الأعداء، نصروا الله فنصرهم وأعزّوا الإسلام فأعزَّهم الله تعالى به.
السبب الرابع: التفاؤل بأن النصر للإسلام:
التفاؤل والقطع بأن النصر للإسلام وأهله، كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة التي تدل دلالة واضحة على ذلك من ذلك قوله تعالى: {هُو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدِّين كُلِّه ولو كره المشركون} [التوبة: 33]، وقد ذكر بعض المفسرين عند هذه الآية عدداً من الأحاديث النبوية المبشرة بظهور الإسلام وعزته، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى. فقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: {هُو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كُلِّه ولو كره المشركون}، أن ذلك تام، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله».
ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر» أخرجه الإمام أحمد وغيره عن تميم الداري- رضي الله تعالى عنه-، ثم قال تميم- رضي الله عنه- بعد أن ساق الحديث: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية.
السبب الخامس: الحذر من اليأس والقنوط:
وقتل الهمم والعزائم لكثرة ما يرى ويسمع من مصاب الإسلام في أي مكان أو زمان، فعلى المسلم أن يغلق عن نفسه باب اليأس والقنوط وأن يحسن الظن بالله- تعالى، وأن يستشعر معاني الآيات المُحذِّرة والمُرهِّبة من اليأس، كقوله تعالى: {لا تقْنطُوا من رَّحْمة الله...} [الزمر: 53] وقوله تعالى: {ومن يقنط من رحمة ربه إلاَّ الضاَّلُّون} [الحجر: 15] وقوله تعالى: {ولا تيْأسوا من رَّوح الله إنَّه لا يَيْأس من رَّوح الله إلا القومُ الكافرون} [يوسف: 87].
وعلى المسلم أيضاً في الوقت نفسه أن يتذكر النصوص المبشرة والدالة على حصول اليسر بعد العسر، كما في قوله- تعالى: {حتَّى يقول الرَّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنَّ نصر الله قريبٌ} إلى غير ذلك من النصوص والأخبار التي تذكي العزائم، وتشحذ الهمم.
السبب السادس: استشعار المسئولية:
من كل فرد من أفراد المجتمع، وذلك أن يشعر كل واحد من المسلمين مهما كان موقعه وشأنه أنه مسؤول ، فيبدأ بإصلاح نفسه وبيته، ثم تتسع دائرة الإصلاح حتى تشمل جلساءه وجيرانه ومجتمعه، وليعلم كل واحد منا أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله.
فعلى الكاتب منّا أن يُسخِّر قلمه لخدمة الإسلام ونصرته
السبب السابع: عدم الاغترار:
بل الحذر من الاغترار بالكثرة والعُجب بالعدة والعتاد، فالكثرة لا تنفع أصحابها شيئاً إذا كانت النفوس صغاراً.
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
فالتفاخر بكثرة العدد مذموم شرعاً، بل في غالب أمره يؤدي بأصحابه إلى العجب ثم الانهزامية، وقد جاءت نصوص تبين ذم الكثرة العددية في غالب أحوالها، كما في قوله تعالى: {وإن تُطع أكثر من في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116].
{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249].
{اعملوا آل داوود شكراً وقليلٌ من عبادي الشَّكور} [سبأ: 13].
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما السنة: فعن ثوبان- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها» قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم كثير، ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: «حب الحياة، وكراهية الموت» [رواه الإمام أحمد وغيره].
السبب الثامن: اجتناب المعاصي:
والحذر والتحذير منها، فالمعاصي مفتاح لكل شر، ومغلاق لكل خير، وبسببها يتصدع كيان الأمة وتزول هيبتها، وتكون مقودة بعد أن كانت قائدة، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلَّك الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
السبب التاسع: التنبه لمكائد الأعداء:
والحذر منها؛ لأنها تتنامى وتزداد بحسب تجاهلها وعدم إلقاء البال لها، وفي الوقت نفسه تتبلد أحاسيس كثير من الناس تجاهها، ومن ثمَّ يستمرئونها ويتأقلمون عليها.
شاهد المقال: أن كيد شياطين الإنس والجن مستمر في شره واستفحاله، والواجب على كل مسلم أن يحذر ويُحذِّر من الخداع ببريقه.
.
وأخيراً: لابد أن نربي أنفسنا أولاً، ثم أبناءنا والأجيال القادمة على معاني العزة، وربطهم بأسبابها ومصدرها0
إن من الخلل في التربية أن ينشأ أفراد المجتمع المسلم أذلة مستهانين يستجدون أعداء الله، ويقفون بانبهار وإعجاب أمام حضارتهم الزائلة الزائفة 0
إن من واجب الآباء والمربين أن ينشئوا الأجيال على التخلق بعزة المسلم، من خلال ربطهم بالقدوات الحقيقية، بدءاً برسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي يمثل العزة الحقيقية بأجلى وأسمى صورها 0
ثم تربية النشء على قصص السابقين واللاحقين ممن رسموا معالم العزة بأقوالهم وأفعالهم، وتعليمهم البطولات والمواقف الخالدة في سماء العز والشرف0
وترك البطالة والكسل، والإعراض عن حياة اللهو والترف، وإضاعة الأوقات بالسفاسف والتوافه، مع تذكيرهم بشكل دائم بمواقف أبناء السلف وصور من همم بعض شباب اليوم، ليتأسوا بهم ويمشوا على منوالهم 0
كما ينبغي أن يهتم المربون بتحذير البناء من الانسياق وراء التقليد الأعمى بلا روية ولا تفكير، لأن التقليد دليل الهزيمة الروحية والنفسية، وعنوان ذوبان الشخصية، ولما في التقليد من تحطيم لشخصية المسلم وتمييع لأخلاقه وقتل لرجولته 0
وما أقل من يستشعر أن لتحقيق العزة ثمناً ولا بد فيه من تضحيات 0
إن من واجبنا أن نصنع العزة الحقيقية بأنفسنا.. بكلماتنا.. بمواقفنا.. بأفعالنا.. بعيداً عن العواطف والانفعالات، وإنما عزة موصولة بعزة الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون0........................................... ..............................................

îن îëéىهْ نçمùهْ?