البهائيّة ومؤتمر بدشت
(محاولة إلغاء الشريعة الإسلاميَّة)
عام 1260 هـ في شيراز بإيران جَهَرَ "الباب" ميرزا علي محمد بدعوته، وأعلن نفسه سفيراً بين الخلق والمهديّ المنتظر، ووكيلاً له، إلى أن يحين أوان خروجه. وبدأ داعيته "ملاّ حسين البشروئي" يستقطب له الأنصار من السذَّج.
خرجت البابيَّة من رحم «الشيعة الفارسية في أوائل القرن التاسع عشر، وهي هامّة باعتبارها السلف للبهائيّة. وقد خرجت من الجو الذي كان جارياً في حينه في التوقعات المسائحية (المهدي)، تحت قيادة ميرزا علي محمد (1819-1850 م) من شيراز، الذي أعلن في (1844) نفسه الباب للإمام المختفي، وتدشين دورة نبويّة جديدة بعد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
وبرسالته الجديدة تلغَى بعض الفروض في القانون الإسلامي أو الشريعة، وجمع ميرزا علي حوله عصبة من المتحمّسين حاولوا الاستيلاء على السلطة في كثير من أجزاء فارس. وكانت هذه الانفجارات تُكبح بصورة دموية..»[1].
وتناهت أخبار الدعوة الجديدة مع تزايد أعداد معتنقيها، وتعاظُم الاحتجاجات عليها، إلى مسامع حاكم شيراز (حسين خان)، فحوربت الدعوة ومؤيدوها وزُجَّ بهم في السجون، واعتُقل الباب نفسه، ثم ادَّعى التوبةَ والرجوع إلى ما عليه الاثنا عشريَّة، لكنه أبقي في السجن إلى أن صدرت فتوى بقتله، وأُعدم سنة 1849 (وقيل: 1850)، بعد محاولات من روسيا وجهاتٍ أخرى الإبقاءَ عليه، لما تريده له من إنجازِ أهداف مرسومة.
ولكن الحركة رغم إعدام الباب «استمرت في كل من فارس وأجزاء أخرى في الشرق الأوسط بقيادة زعيم جديد اسمه بهاء الله [الميرزا حسين علي]، وتطورت إلى البهائية»[2] مستقيةً من أفكارٍ ومعتقداتٍ شتى زردشتية وبوذية وكونفوشية ودهرية وبرهمية وصوفية وباطنية وتناسخية ويهودية وفارسية، بحيث قيل بحق إنها «مذهبٌ مصنوعٌ من ديانات ونحل وآراء فلسفيّة»[3].
وبهذا التطور/التطعيم تبلورت أفكار البهائية بما يشبه الامتداد أو الإضافة على البابية حتى أخذت صورتها الأخيرة كما يلي:
«يعتقد البهائيون أن الباب هوالذي خلق كل شيء بكلمته وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء.
يقولون بالحلول والاتحاد.
يقولون بالتناسخ وخلود الكائنات وأن الثواب والعقاب إنما يكونان للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال.
يقدسون العدد 19 ويجعلون عدد الشهور 19 شهراً وعدد أيام الشهر 19 يوماً.
يقولون بنبوة بوذا وكنفوشيوس وبراهما وزرادشت وأمثالهم من حكماء الهند والصين والفرس الأول.
يوافقون اليهود والنصارى في القول بصلب المسيح.
يؤولون القرآن تأويلات باطنية ليتوافق مع مذهبهم.
ينكرون معجزات الأنبياء وحقيقة الملائكة والجن كما ينكرون الجنة والنار.
يحرّمون الحجاب على المرأة ويحلّلون المتعة وشيوعية النساء والأموال.
يقولون بأن دين الباب ناسخ لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
يؤولون القيامة بظهور البهاء، أما قبلتهم فهي البيت الذي وُلد فيه الباب بشيراز.
ينكرون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين مدَّعين استمرارالوحي، وقد وضعوا كتباً معارضة للقرآن الكريم»[4].
نُفي الميرزا حسين علي إلى العراق وهناك تلقَّفه -بعد الروس- الإنجليز واليهود، ثم –بطلبٍ من الشاه- نُفي إلى الأستانة، فأدرنة، حيث زعم هناك أنَّه المظهر للإرادة الإلهية، ومن هنا سمَّوها: أرض السرّ.
تخلَّص غدراً من أخيه يحيى الملقَّب بـ(صبح أزل) وأتباعه بعد أن انشقَّ عليه[5]، وادَّعى لنفسه كتاباً سمّاه: الألوح، على حين افترى هو كتاباً سمّاه الأقدس. وراسل الملوك والرؤساء بكلامٍ مسجوعٍ خفيف الوزن من مثل قوله في أخيه:
«أنصف يا أخي. هل كنتَ ذا بيان عند أمواج بحر بياني؟ وهل كنت ذا نداء لدى صرير قلمي؟ وهل كنت ذا قدرة عند ظهورات قدرتي؟ »[6].
*****
وحقيقة الأمر أنهم أرادوا بهذا التجمُّع التمهيد لاضطراباتٍ واسعة وصولاً إلى حركة مسلحةٍ عامّة، تخفِّف من قبضة الدولة عليهم وعلى زعيمهم.
وكان للبهاء و"قرَّة العين" –الشخصيّة الرابعة في الدعوة، وسيأتي التعريف بها- ترتيبٌ آخرُ إضافةً إلى ما سبق؛ وهو التقدُّم بقفزةٍ نوعيَّةٍ وإعلان أنَّ التكاليف قد رُفعت، والتبشير بنوعٍ من المشاع أو التشاركية، ووحدة الأديان، بما يمكن التعبير عنه في النهاية بـ"نسخ الشريعة أو الشرائع". وعلى الرغم من أنه عارضهما في ذلك كلٌّ من البشروئي والقدوسي (ربَّما لأنهما يريان في هذا خطوةً غير محسوبة أو تعجُّلاً زائداً) أعلنت قرة العين:
«أنَّ أحكام الشريعة الإسلاميّة قد نُسخت الآن بظهور الباب، وأن أحكام الشريعة البابية الجديدة لم تصل إلينا، وأن انشغالكم اليوم بالصوم والصلاة وسائر ما أتى به محمد عمل لغو وفعل باطل، ولا يعمل بها بعد الآن إلا كل غافل وجاهل.
وإن مولانا الباب سيفتح البلاد، ويسخر العباد وتخضع له الأقاليم السبعة المسكونة، وسيوحِّد الأديان الموجودة على ظهر البسيطة حتى لا يبقى إلا دين واحد، وذلك الدين الحق هو دينه الجديد وشرعه الحديث الذي لم يصل إلينا منه إلى الآن إلا نزر يسير.
فبناء على ذلك أقول لكم -وقولي هو الحق-: لا أمرَ اليوم ولا تكليف، ولا نهي ولا تعنيف.
ونحن الآن في زمن الفترة، فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومزقوا هذا الحجاب الحاجز بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن بالأعمال وتقاسموهن بالأفعال.
وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة، فما هن إلا زهرة الحياة الدنيا، وإن الزهرة لا بد من قطفها وشمّها، لأنها خلقت للضمِّ والشمِّ، ولا ينبغي أن يُعد ولا يُحد شامُّوها، بالكيف والكم، فالزهرة تُجنى وتُقطف وللأحباب تُهدى وتُتحف.
وأمّا ادخار المال عند أحدكم، وحرمان غيركم من التمتع به والاستعمال، فهو أصل كل وزر وأساس كل وبال.
ساووا فقيركم بغنيكم، ولا تحجبوا حلائلكم من أحبابكم، إذ لا ردعَ الآن، ولا حدَّ ولا منع، ولا تكليف ولا صدّ، فخذوا حظَّكم من هذه الحياة، فلا شيء بعد الممات»[8].
فمن هي "قرّة العين"؟
كان مَن تولَّى كبرَ مسألة إعلان نسخ الشريعة وجانباً كبيراً من المؤتمر عامَّةً: أم سلمى (قرة العين) (1230-1269 هـ)؛ ابنة ملا صالح القزويني، وهي امرأة منحلَّة منحرفة السلوك فرَّت من زوجها (وهو ابن عمها ملا علي الذي كان لقَّنها في صغرها تعاليم الفرقة الشيخيّة) وتركت أطفالها ومارست حياةً متفلِّتةً، وانخرطت في الدعوة البابية على نحوِ ما رأينا، وكانت من أول 18 نصيراً آمنوا بالدعوة. ولعبت دوراً بارزاً فيها، وتدرَّجت إلى أن صارت من أركانها وأهم المشاركين في المؤتمر.
وكان البشروئي قد زفَّ إليها بشرى أن "المهدي" قد اختارها واسطةً لإظهار "فيضه"، فلحقت به إلى العراق، حيث كان قد نُفي آنفاً، وحافظت في كربلاء على أسلوب عيشها القرمطي الإباحي –إذ لا تعارض بين ديانتها والانغماس في المحرمات- ثم كذلك كان حالها في بغداد، حتى قيل إنها كانت تعيش مع عدة رجال في منزلٍ واحد، إلى أن شكاها الناس إلى السلطات ونُفيت إلى كرمان شاه، ثم فرَّت من أخويها وبني عمّها إلى همدان، حيث يكثر يهود إيران.
ادَّعت الغيب وقالت: «كل من كان على شريعة القرآن كان ناجياً، إلى ليلة القيامة؛ أي من "يوم الساعة"، وهي: الساعة الثانية والدقيقة الحادية عشرة من غروب الشمس اليوم الـرابع وأول الليلـة الخامسة من شهر جمـادى الأولى سنة 1260 هـ» وهي ساعة إعلان الباب أنه القائم أو المظهر الإلهي الجديد.
عقب رفض الشاه إصدار الدستور، جرت اضطراباتٌ من ضمنها محاولة اغتيال فاشلة استهدفه بها البابيُّون، وكان من نتيجة ذلك أن أُلقي القبض على قرة العين، وأُعدمت مع غيرها من شركائها في المعتقد سنة 1269 (1852 م).
*****
وعلى أيَّة حال البابيَّة لا تزال تعمل، وتجد أتباعاً لها في إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين[9]، ونشاطها منظَّمٌ ضمن «إطار إداري. وهناك تأكيد دائم على العمل التبشيري، حتى إن البهائية نقلت إلى أوروبا والأمريكتين وإفريقيا إلخ.. في حين أنها بقيت قويَّةً في إيران على الرغم من الاضطهاد المتقطِّع». وتحوَّلت إلى «ديانة عالميَّة للبشريَّة» بالطبع مع ما لا بدَّ منه من تحسينات إضافية بما ينسجم مع التوجُّهات الفكريَّة العالميَّة من مثل الـ «تأكيد على الوحدة الأساسية لكل العقائد، والتعليم والمساواة بين الجنسين، والزواج الانفرادي، وتحقيق السلام العالمي»[10].
[1] المعجم الموسوعي للديانات والعقائد والمذاهب والفرق.. تعريب د. سهيل زكّار. 1/164.
[2] المعجم الموسوعي للديانات والعقائد والمذاهب والفرق.. 1/164.
[3] مذاهب معاصرة. د عبد الرحمن عميرة. 283.
[4] الموسوعة الميسَّرة في الأديان والمذاهب المعاصرة. الندوة العالمية للشباب الإسلامي 63.
[5] يرى بعض الباحثين أنه هو بالأصل وصيُّ الباب، لكنَّ البهاء حجبه حمايةً له، فتطور الحجب إلى الإقصاء لاحقاً.
[6] حقيقة البابية والبهائية، د. محسن عبد الحميد، نقلاً عن المذاهب المعاصرة 290.
[7] بلدة في إيران.
[8] تتداول المصادر التي درست البابية والبهائية هذا النص، ولكنني أشك في أن يكون هو البيان الحرفي الذي ألقته قرة العين (ولا أعلم إن كانت تجيد العربية والسجع) وعلى أيَّة حال لغة البيان مسرحية ومتكلَّفة.
[9] الموسوعة الميسَّرة 64.
[10] المعجم الموسوعي. 190.
