بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:
المحقق عند علماء المسلمين من الشيعة أن القرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الذي نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم دون تحريف أو تبديل أو تغيير ،وأن الصحابة الكرام -رضي الله عنهم - قد حفظ الله القرآن على أيديهم ،وبتوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا ما تدل عليه كتابات كثير من العلماء المعتبرين في المذهب الشيعي.
وقد استدل علماء المسلمين من الشيعة على ذلك بأمور ،أهمها :
- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر جماعة من الصحابة بجمع القرآن .
- أن تسمية سورة الحمد بالفاتحة كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم - مع كونهالم تكن أول ما نزل من القرآن.
- أن الرسول أرشد الأمة أنه تارك فيها كتاب الله ،والكتاب لا يطلق على الآيات المبعثرة.
- أن النبي صلى الله عليه وسلم راجع القرآن على جبريل أكثر من مرة .
- أن هناك عددا لا بأس به من الصحابة كانوا يحفظون القرآن كاملا.
- أن الرسول قد دعا إلى ختم القرآن،وختم القرآن يستلزم كماله وعدم نقصانه.
يقول الشيخ الشيرازي في كتابه :"ولأول مرة في التاريخ ":
القرآن الذي هو بأيدينا على ترتيبه وجمعه، وترقيم آياته، وترتيب سوره وأجزائه، هو بعينه القرآن الذي رتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمعه للمسلمين في حياته صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى، لم يطرأ عليه أي تغيير وتحريف، أو تبديل وتعديل، أو زيادة ونقصان.
ويؤيده: ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه أمر علياً عليه السلام بجمع القرآن وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي، القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه) [بحار الأنوار: ج 89 ص 48 ب 7 ح 7 ط بيروت].
وفي مجمع البيان نقلاً عن السيد المرتضى انه قال: إن القرآن جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشكل الذي هو اليوم بأيدينا.
وقال بمقالته قبله الشيخ الصدوق "قده" والشيخ المفيد: "قده".
قال بمقالته بعده شيخ الطائفة الشيخ الطوسي "قده" والمفسر الكبير الشيخ الطبري "قده" المتوفي سنة 548 وباقي علمائنا الأبرار إلى يومنا هذا.
وعن زيد بن ثابت أنه قال: (كنا نجمع القطع المتفرقة من آيات القرآن ونجعلها بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكانها المناسب، ولكن مع ذلك كانت الآيات متفرقة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام أن يجمعها في مكان واحد، وحذرنا من تضييعها).
وعن الشعبي أنه قال: جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ستة نفر من الأنصار.
وعن قتادة أنه قال: سالت أنساً عن أنه من جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أربعة نفر من الأنصار ثم ذكر أسماءهم.
وعن علي بن رباح: أن علي بن أبي طالب عليه السلام جمع القرآن هو وأبي بن كعب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الشواهد الأخرى:
هذا بالإضافة إلى شواهد ومؤيدات أخرى تدل على أن القرآن الذي هو بأيدينا هو نفسه الذي جمع ورتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة ولا نقيصة.
منها: تسمية سورة الحمد بسورة الفاتحة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني أنها فاتحة القرآن مع أنها لم تكن السورة ولا الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتسميتها بفاتحة الكتاب في عهده صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى أن الكتاب كان مجموعاً بهذا الشكل الموجود بأيدينا اليوم، وسورة الحمد فاتحته كما هو اليوم فاتحته أيضاً.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في حديث الثقلين المروي عن الفريقين متواتراً: (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً). فالكتاب المجموع والمرتب يخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته، لا الآيات المتفرقة، إذ لا يطلق عليها الكتاب، وقد سبق الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا التعبير حيث أطلق مراراً وفي آيات متعددة كلمة (الكتاب) على القرآن، إشارة إلى أنه مجموع ومرتب عنده تعالى في اللوح المحفوظ ـ كما قال به بعض المفسرين ـ وأنه تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على جمعه وترتيبه لديه وأمره بأن يجمع القرآن على ما هو مجموع في اللوح المحفوظ، ويرتبه وفق ترتيبه، وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك.
ومنها: ما ورد من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بختم القرآن في شهر رمضان وفي غيره من سائر الأيام، وبيان ما لختمه من الفضيلة والثواب، حتى أن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهما قد ختموا القرآن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات، ولولا أن القرآن مجموع ومرتب، لم يكن لختم القرآن معنى، لأن الختم يقال لما يبدأ من أوله وينتهي بآخره.
ومنها: روايات تأمر بعرض الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعن أهل بيته عليهم السلام لمعرفة غثها من سمينها على القرآن الكريم وتقول: ما وافق كتاب الله فقد قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقاله أهل البيت عليهم السلام، وما خالف الكتاب فهو زخرف وباطل، وأنهم لم يقولوه، فقد أحالتنا هذه الروايات إلى هذا القرآن الذي هو بأيدينا لمعرفة الحق من الباطل مما يدل على سلامته من كل زيادة ونقيصة، وتبديل وتحريف، وإلا لم يصلح أن يكون مرجعاً لمعرفة الحق من الباطل.
ومنها: ما ورد من أن القرآن كله كان مكتوباً موضوعاً بين المحراب والمنبر، وكان المسلمون يكتبون منه.
ومنها: ما ورد من أن جبرئيل عليه السلام كان يعرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل عام مرة، وعرضه عليه صلى الله عليه وآله وسلم في عامه الأخير مرتين.
ومنها: ما روي من أن جماعة من الصحابة كانوا قد حفظوا القرآن كله في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يخفى ذلك على من راجع تفسير القرآن للعلامة البلاغي (قدس سره)، ولوالدي رحمه الله [آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي قدس سره] كلمة حول ذلك طبعت في إحدى أعداد (أجوبة المسائل الدينية) في كربلاء المقدسة.
هذا بالإضافة إلى أن هناك آيات وروايات تشير إلى أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين: مرة نزل بمجموعه على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر: 1] ومرة نزل عليه نجوماً ومتفرقاً عبر ثلاث وعشرين سنة في المناسبات والقضايا المتفرقة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وعى قلبه القرآن الذي نزل عليه أولاً مجموعاً ومرتباً، فجمع القرآن الذي نزل عليه ثانياً نجوماً ومتفرقاً حسب جمع القرآن الأول، ورتبه وفق ترتيبه، وهو بعينه القرآن الذي هو اليوم بأيدينا.
إلى غير ذلك مما يشير بمجموعه إلى أن هذا القرآن الذي هو اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جمع بأمر من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزدد حرفاً ولم ينقص حرفاً، ولم يتغير شيء منه ولم يتبدل أبداً، كيف وقد قال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) [فصلت: 42]