أنفع وصية من شيخ الإسلام ابن تيمية لابن القيم في دفع الشبهات

عبد الرحمن بن صالح السديس

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين ، وآله ، وصحبه ، والتابعين ، أما بعد :
فإن الاستفادة من تجارب العلماء من أَولَى ما يعتني به طالب العلم خاصة إن كانت لأكابر علماء السنة ، والمسألة في باب الاعتقاد ، وما أريد ذكره هنا هو ما يتعلق بموضوع الشبهات التي غدت في عصرنا كالريح تأتيك من كل مكان في كل مكان ! فإلى الله المفر .

وهذه فائدة أنقلها لك من تجربة الإمام ابن القيم نصحه بها شيخه الإمام ابن تيمية ، وأتبعها إن شاء الله ببعض النقول النافعة نفعني الله ، وإياك بما نقول ونسمع .

قال الإمام المحقق ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه عظيم النفع مفتاح دار السعادة 1/140:
[في شرحه لحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لكميل بن زياد النخعي ـ رحمه الله ـ ..]

وقوله " ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة"
هذا لضعف علمه ، وقلة بصيرته إذا وردت على قلبه أدنى شبهة قدحت فيه الشك والريب ؛ بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكا ؛ لأنه قد رسخ في العلم ، فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة .
والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه ، بل يقوى علمه ويقينه بردها ، ومعرفة بطلانها ، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة ، فإن تداركها و إلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكا مرتابا .

والقلب يتوارده جيشان من الباطل:
جيش شهوات الغي .
وجيش شبهات الباطل .
فأيما قلب صغا إليها ، وركن إليها تشربها ، وامتلأ بها ، فينضح لسانه ، وجوارحه بموجبها ،
فإن أشرب شبهات الباطل = تفجرت على لسانه الشكوك ، والشبهات ، والإيرادات = فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه ؛ وإنما ذلك من عدم علمه ، ويقينه ، وقال لي شيخ الإسلام ـ رضي الله عنه ـ وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد إيراد ـ : لا تجعل قلبك للإيرادات ، والشبهات مثل السفنجة ، فيتشربها فلا ينضح إلا بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها ، فيراها بصفائه ، ويدفعها بصلابته ، و إلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات. أو كما قال .
فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك .
وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها ، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل ، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر ، فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس ، فيعتقد صحتها و أما صاحب العلم واليقين فإنه لا يغتر بذلك ، بل يجاوز نظره إلى باطنها ، وما تحت لباسها = فينكشف له حقيقتها .
ومثال هذا: الدرهم الزائف ، فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا إلى ما عليه من لباس الفضة ، والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك ؛ فيطلع على زيفه .
فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف ، والمعنى كالنحاس الذي تحته ، وكم قد قتل هذا الاغترار من خلق لا يحصيهم إلا الله .
وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر ، وتدبره رأى أكثر الناس يقبل المذهب ، والمقالة بلفظ ، ويردها بعينها بلفظ آخر ، وقد رأيت أنا من هذا في كتب الناس ما شاء الله ، وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح .

قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله في شرح الطحاوية
شريط (10) دقيقة (34) ثانية (50) :
المعتصم هو :كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذا أشكل عليك أمر ، ولم تدركه بعقلك الناقص القاصر ؛ فاعتصم بحبل الله ، وبكتابه ، وحسبك حسبك .
وقبلها في شريط (8) دقيقة (23) ثانية (30)

كل ما يخالف الحق أي نظرية ، أو استدلال يعارض به ما جاء عن الله ، ورسوله صلى الله عليه وسلم = فهو باطل منذ الوهلة الأولى ، فكل ما يعارض الحق فهو باطل .
وليس بلازم أن يكون الإنسان عنده القدرة على تزييف تلك الشبهة ، ما يلزم .
المهم أن الحق عندي ثابت فما يدعى أن هذا يعارضه أو هذا يعرض كذا = فهو مردود مدفوع .
اعتصم بالحق ، واثبت على الحق ، واطرح كل ما خالفه .
أحببت أؤكد على هذا ، فهو ينفع المسلم ، ويريح باله ، عند ورود الشبهات على قلبه ، أو ورود الشبهات على أذنه وسمعه ، وقد انفتح على الناس أبواب شر في هذا العصر ممثلة في وسائل الإعلام ، وفي تلك الشبكة المعروفة بالإنترنت ، هي وسائل عظيمة الأثر في الخير والشر ، ولكن أكثر ما تستعمل في الشر لأن أكثر الناس على غير هدى ..
كونوا على حذر مما يطرح في هذه الوسائل ، فإن الآن أصبح الناس في فتنة ، فتنة مدلهمة أصبح كل مبطل يستطيع أن يتكلم ، المبتدع يتكلم ، والملحد يتكلم ، يطرح الشبهات ، المبتدع المعروف بالبدعة ، والمتسنن الذي ينتسب للسنة ، فإن من المنتسبين للسنة من تتسرب إليه أفكار ، وتوجهات فيحملها ، ويحمل لواءها = فيصير ـ والعياذ بالله ـ داعي فتنة سواء مما يتعلق بالاعتقادات ، أو السلوكيات .
ومن أخبث من ظهر من المنتسبين للسنة في هذا البلد من يعرف بـ "حسن بن فرحان المالكي" هذا الذي ينسب للسنة ، وطرحه ، وعرضه ، وكلامه = يكذب انتسابه ، فإنه اتخذ أئمة السنة هدفا له فيما يلقيه في محضراته في الأمكنة المشبوهة ، وفيما ينشره نشرا خاصا ، أو عاما ، فحذار من الاغترار به ، فكل من يتضامن معه ، أو يعتذر عنه = فهو متهم في دينه ..اهـ [ويراجع بقية كلام الشيخ على هذا الضال].

فتمسك أخي المسلم بهذه التوجيهات تجد الراحة في الدين والدنيا والآخرة .
والله اعلم .