إستحالة تحريف الكتاب المقدس


آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

إستحالة تحريف الكتاب المقدس

النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: إستحالة تحريف الكتاب المقدس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    آخر نشاط
    12-05-2004
    على الساعة
    03:35 PM
    المشاركات
    5

    افتراضي

    مرة اخرى نعود للحديث عن تحريف كتابنا المقدس و ان هناك اخطاء عديدة فيه الا يقرأ احد ما يتم ارساله؟!!! اليكم رد تفصيلي ارجو من الاخوة المسلمين قرائته قبل ترك الموضوع و البدء فى موضوع آخر ... اعتذر عن طوله و لكن ارجو القراءة المتمعنة و الرب ينير الافهام لمجد اسمه القدوس:
    ـ هل كان الإنجيل من وحي الله؟ أم من كتابات البشر؟
    لكي نفهم الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نوضح الفرق بين الوحي في المفهوم الإسلامي وفي المفهوم المسيحي.
    + تعريف الوحي في المفهوم الإسلامي كما جاء في (الموسوعة العربية الميسرة ص 1946) [الوحي: هو ما أنزله الله على أنبيائه عن طريق الرؤيا الصادقة، أو الإلهام، أو أصوات تنبعث من أمكنة مختلفة، أو جبريل الذي كان يتمثل لمحمد (ص) على صورة رجل: "ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا" (سورة الشورى42: 51)
    وقد قال الإمام النسفي كلما هبط جبريل بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية (وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة توفي نحو 45هـ)" (تفسير الإمام النسفي جز4 ص 286)
    ويسمى القرآن وحيا أو تنزيلاً. وكان ينتاب محمدا ما ينتابه عند نزول الوحي عليه، فيزبد وجهه ويتصبب عرقاً]
    + أما الوحي في المفهوم المسيحي، كما وضح (قاموس الكتاب المقدس ص 1020و1021) الوحي: هو إبلاغ الحق الإلهي للبشر بواسطة بشر. فالروح القدس يعمل في أفكار الأنبياء وفي قلوبهم، ... مستخدما في ذلك اختباراتهم وطاقاتهم العقلية، ... فهو يرشدهم إلى الكتابة دون أن يمحو شخصياتهم فكَتَبَ كل واحد منهم بأسلوبه.
    وبناء على هذا التعريف المسيحي نقول أن الكتاب المقدس هو وحي من الله، مستخدما أسلوب وكلمات الأنبياء.
    · يقول القرآن إن تعاليم التوراة والإنجيل متوافقة كما في سورة المائدة 5 :46 وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوْرَاةِ الخ ,
    ورب معترض يقول :
    1 - إنكم يا جماعة المسيحيين لا يسعكم الاستشهاد من القرآن لأنه غير مقبول لديكم ككتاب منزل من عند الله تعالى,
    2 - الأسفار الموجودة الآن بأيدي المسيحيين باسم العهدين القديم والجديد ليست هي الكتب الأصلية المشار إليها في القرآن ?أو إنها تحرفَّت, وإن لم تُحرَّف فهي على كل حال منسوخة.
    فرداً على ذلك نسلم بأن الاعتراض الأول كان في محله لو كان البرهان على المسيحيين ?وحيث أنه أُقيم على المسلمين المعتقدين بإنزال القرآن من عند الله ?فالاستشهاد منه يكون برهاناً قاطعاً ?لأنه مسلَّم عند الخصم ?وإلا فنحن المسيحيين لا نحتاج إلى إثبات صحة الكتاب المقدس بالاستشهاد من القرآن.
    وأما الاعتراض الثاني فإنه يعارض نصوص القرآن على خط مستقيم ?إذ يقول بعدم تغيير كلمات الله, قال في سورة الأنعام 6 :34 وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ وفي سورة يونس 10 :64 لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وفي سورة الكهف 18 :27 وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ , كما ستراه في بقية فصول هذا الباب,
    واضح من القرآن أن الكتاب كان موجوداً بين أهله في زمن محمد ?ولأجل إثبات ذاك نكتفي بقليل من كثير ?ففي سورة المائدة 5 :68 و69 قُلْ يَا أَهْلَ الْكتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصابِئُونَ وَالنصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وسبب نزول هذه الآية ما جاء عن ابن عباس ?قال : جاء رافع وسلام ابن مشكم ومالك ابن الصيف فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا ?قال : بلى ?ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها وكتمتم ما أُمرتم أن تبينوه للناس, قالوا : نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق - أسباب النزول -
    فمن هذه يظهر أن محمداً أعلن قبوله للكتب المتداولة بين اليهود ?ولو أنه رفض البدع والأحداث التي قال إنهم قد أدخلوها في رسوم ديانتهم الظاهرية, ومن هذا القبيل يوافق قول محمد لقول سيدنا المسيح لليهود في زمنه كما في بشارة متى 23 :16-24 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ الْقَائِلُونَ : مَنْ حَلَفَ بِالهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ?وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ! أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ ?أَيُّمَا أَعْظَمُ : أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذهَبَ ?الخ ,
    ولكن المهم هنا هو أن هذه الآية ورواية ابن عباس لسبب نزولها تثبتان أن التوراة والإنجيل كانا موجودين عند اليهود والمسيحيين ?وإلا فلا معنى لأمرهم بإقامة الأوامر والنواهي الموجودة بتلك الكتب إن كانت أُعدمت أو تحرَّفت, ففي الحالة الأولى تكون طاعة الأمر غير ممكنة بل مستحيلة ?وأما في الثانية فطاعة المحرَّف تُضلهم عن سواء السبيل,
    وفي سورة البقرة 2 :113 وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكتَابَ ومعنى صيغة قوله - يتلون - إنهم كانوا في ذلك الوقت يتلون التوراة والإنجيل ?وهما موجودان بين أيديهم ?وإلا كان الواجب استعمال صيغة الماضي دلالة على أنهم تلوه في الماضي فقط,
    وفي سورة يونس 10 :94 فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَا سْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكتَابَ مِنْ قَبْلِكَ الخ وملخص ما حكاه جل المفسرين أن المخاطَب محمد ?والمراد أمته ?فسؤال أهل الكتاب محقق عندهم ?ثابت في كتبهم ?والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة فإن القرآن مصدق لما فيها, أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة ما أُنزل إليه, أو تهييج الرسول وزيادة تثبيته كما في البيضاوي وخلافه, فألفاظ هذه الآية تؤكد أن الكتاب المقدس كان موجوداً في زمن مجيء القرآن ?وأنه يعترف بصحته ?ويثق به وبقرَّائه من اليهود والنصارى ?وإلا لما جاز له أن يطلب من محمد أو أمته أو كل سامع أن يسألهم ليتثبَّت الإيمان في قلوبهم ويزول عنهم الشك بشهادة هؤلاء الثقات وكتابهم الموجود الذي لم يُغيَّر ولم يُحرَّف, ولا ريب أنه لم يبق عند القارئ شك بسلامة الكتاب إن كان يعتقد بصدق قرآنه,
    وقال في سورة الأعراف 7 :159 مادحاً اليهود وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وقال البيضاوي على هذه الآية ما ملخصه ومن بني إسرائيل طائفة يهدون الناس محقين ?أو بكلمة الحق وبالحق يعدلون بينهم في الحكم ?والمراد بها : الثابتون على الإيمان القائمون بالحق من أهل زمانه, وقيل هم مؤمنو أهل الكتاب ,
    هذه الآية تشهد أن الكتاب المقدس كان موجوداً بصحته وسلامته من كل تغيير في زمن إتيان القرآن ?وكانت أمة موجودة عاملة بأوامره ونواهيه,
    وفي سورة آل عمران 3 :23 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ وملخص ما قاله البيضاوي أن سبب نزول هذه الآية أن محمداً دخل مدراس اليهود ?فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد : على أ ي دين أنت ?فقال : على دين إبراهيم, فقال له : إبراهيم كان يهودياً, فقال : هلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم ?فأبيا ?فنزلت, وقال - الكتاب - أي التوراة أو جنس الكتب السماوية - يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم - الداعي محمد وكتاب الله التوراة ,
    فهذه الآية تبين جلياً أن التوراة كانت في زمن صاحب القرآن ?ولثقته بها سماها كتاب الله ?وطلب من خصومه أن تكون حكماً بينهم,
    وفي السورة أيضاً آية 93 مع ملخص ما قاله البيضاوي كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِل البَنِي إِسْرَائِيلَ - أي حلال الهم - إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ - يعقوب - عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التوْرَاةُ - أي قبل إنزالها - قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَا تْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أمر بمحاجتهم وتبكيتهم,
    ومع محاولة البيضاوي ومحايدته فالآية تفيد أن التوراة كانت موجودة في زمن محمد بأيدي اليهود ?وقوله عقب هذه الآية فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك من بعد ما لزمتهم الحجة فأولئك هم الظالمون الذين لا ينصفون من أنفسهم ويكابرون الحق بعد ما وضح لهم, وقول البيضاوي أن التوراة كانت عند المدّعي ثقة وحقاً من الله,
    وفي سورة المائدة 5 :43 و44 مع ملخص تفسير البيضاوي وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ تعجب من تحكيمهم من لا يؤمنون به ?والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم - إلى أن قال - وفيها حكم الله حال من التوراة وما أولئك بالمؤمنين بكتابهم لإعراضهم عنه وعما يوافقه أو بك وبه إنا أنزلنا التوراة فيها هدى يهدي إلى الحق ونور يكشف ما اشتبه من الأحكام يحكم بها النبيون من بني إسرائيل أو موسى ومن بعده الذين أسلموا صفة مدح للنبيين الذين هادوا والربانيون والأحبار زهّادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم عطف على - النبيون - بما استحفظوا من كتاب الله بسبب أمر الله إياهم أن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف وكانوا عليه شهداء رقباء لا يتركون أن يغيروا أو شهداء يبينون ما خفي منه ,
    وملخص مفهوم هاتين الآيتين أنه يتعجب من تحكيم اليهود لصاحب القرآن مع أنهم لا يؤمنون به ?والحال أن التوراة التي فيها حكم الله هي عندهم وليسوا بمؤمنين به والحال أن التوراة التي فيها حكم الله هي عندهم ?وليسوا بمؤمنين بالتوراة لإعراضهم عن تحكيمها بينهم, والله أنزل التوراة تهدي إلى الحق ?وهي نور يكشف ما اشتبه من الأحكام, تحكم بها الأنبياء المسلمون أنفسهم لربانيي اليهود ?وتحكم بها أيضاً ربانيوهم وأحبارهم بسبب أمر الله لهم أن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف ?فلذا هم عليه رقباء ?لم يمكّنوا أحداً من تحريفه أو تغييره, فهل هذه الآيات تسمع دعوى التحريف والتغيير للتوراة ?
    ومن الأدلة الشاهدة على وجود الكتاب المقدس - أي العهدين الجديد والقديم - بسلامته حين مجيء القرآن ?الاقتباسات الموجودة فيه المصرحة بأنها مقتبسة منهما كما في سورة المائدة 5 :45 وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا - أي في التوراة - أَنَّ النفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ,
    فهذه الآية منقولة من سفر الخروج 21 :23-25 ونصه وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْساً بِنَفْسٍ ?وَعَيْناً بِعَيْنٍ ?وَسِنّاً بِسِنٍّ ?وَيَداً بِيَدٍ ?وَرِجْلاً بِرِجْلٍ الخ ,
    وفي سورة الأنبياء 21 :105 قوله وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ - كتاب داود - مِنْ بَعْدِ الذكْرِ - أي التوراة - أَنَّ الْأَرْضَ - أرض الجنة أو الأرض المقدسة - يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالِحُونَ - عامة المؤمنين ملخصاً من البيضاوي, فهذه الآية مقتبسة من مزمور 37 :29 ونصه الصدِّيقُونَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الْأَبَدِ ,
    وفي سورة الأعراف 7 :40 قال إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَا سْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فهذه الآية مقتبسة من الإنجيل كما في بشارة متى 19 :24 قال وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً : إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ وفي بشارة مرقس 10 :25 لفظ العدد بعينه وفي بشارة لوقا 18 :25 قال لِأَنَّ دُخُولَ جَمَلٍ إلى آخر العدد بلفظه,
    فهذه الاقتباسات الثلاثة ?أحدها من التوراة ?وثانيها من الزبور ?وثالثها من الإنجيل هي برهان جلي بأن الكتب المنزَلة التي كانت بأيدي اليهود والنصارى هي التي بأيدينا الآن ?وتُسمى بالأسماء التي كانت بعينها, ومثال ذلك إذا ما اقتبسنا أبياتاً من مثنوي جلال الدين الرومي أو من الديوان المنسوب لعلي ابن أبي طالب أو من كتاب آخر مشهور ?فمن أول نظرة من القارئ الخبير يحكم حكماً قطعياً بأن هذه المصنفات موجودة في وقتنا الحاضر, كذلك كان ينبغي لعلماء القرآن المنصفين أن يحكموا بأن الآيات التي اقتبسها من الكتاب المقدس تدل على أنه كان موجوداً في زمن محمد ?بل الآيتان المقتبستان من التوراة والزبور في قوله وكتبن الهم فيها أي التوراة وقوله ولقد كتبنا في الزبور فيهما برهان صريح أن هذين السفرين كانا موجودين حينئذ كما هما الآن,
    عدا ذلك أن كثيراً من القصص الواردة في القرآن وردت في الكتاب المقدس ?ومن أمثال ذلك قصة يوسف - سورة يوسف - وقد تكون في القرآن مغيرة عن الأصل تغييراً يطابق التقاليد اليهودية المتأخرة أكثر من آيات التوراة المتقدمة ?كما شرحنا ذلك في كتاب تنوير الأفهام في مصادر الإسلام وكذلك يشتمل القرآن على مقتبسات كثيرة جداً من أسفار الكتاب المقدس لا يمكن تعليلها ولا فهمها إلا بمراجعة الأصل ?فنقتصر على ذكر واحدة منها, ورد في سورة آل عمران 3 :93 اسم إسرائيل بدل يعقوب وأنه حرم على نفسه طعاماً, فمن المستحيل أننا نقدر أن نفهم لماذا أبدل اسم يعقوب بإسرائيل ?وما هو نوع الطعام الذي حرمه على نفسه إلا بمراجعة التوراة, اُنظر سفر التكوين 32 :22-31 حيث تجد ذلك مشروحاً شرحاً وافياً,
    وورد في الأحاديث المحمدية فقرات منقولة عن الكتاب المقدس, من أمثال ذلك ما ورد في كتاب - مشكاة المصابيح ص487 من طبعة سنة 1297 هـ الباب الأول والفصل الأول في كلامه عن وصف الجنة وأهلها - قال رسول الله قال الله تعالى أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فلا يشك أحد أن هذا الحديث منقول من الرسالة الأولى لبولس الرسول إلى أهل كورنثوس 2 :9, ومما هو جدير بالملاحظة هنا أنه بينما يقرر محمد أن هذا الوصف من كلام الله ينكر كثيرون من علماء الإسلام أن بولس رسولٌ ?وأن رسائله موحى بها من الله.
    ينقسم الكتاب المقدس في الغالب إلى قسمين العهد القديم ويتضمن الأسفار المقدسة القانونية عند الأمة اليهودية ?وكُتبت في الأصل باللغة العبرانية ?ما عدا القليل منها فإنه كتب باللغة الآرامية, والعهد الجديد وقد كُتب باللغة اليونانية, أما اليهود فلا يؤمنون إلا بواحد منهما أما نحن المسيحيين فنؤمن بالعهدين كليهما, ولكن القرآن يشير إلى الأسفار المقدسة جميعها بكتاب واحد هو الكتاب المقدس مع أنه يذكر له ثلاثة أقسام وهي التوراة والزبور والإنجيل,
    ويقسم اليهود أسفارهم أو كتبهم إلى ثلاثة أقسام وهي الناموس والأنبياء والمزامير ?كما يظهر من بشارة لوقا أصحاح 24 :44, وهذا التقسيم يرجع عهده إلى سنة 130 قبل المسيح - انظر مقدمة يشوع بن سيراخ لمجموعة أمثال جده - وفي الوقت الحاضر يسمي اليهود القسم الثالث الصحف , ولأنها تبتدئ بالمزامير يدعوها القرآن والإنجيل الزبور , ويدعو القرآن القسم الأول توراة هي معدولة من الكلمة العبرانية مع تغيير طفيف في اللفظ, وقد يطلق المسلمون هذا الاسم على الكتاب المقدس كله لأنه يبتدئ بالتوراة, وكثيراً ما يشير القرآن إلى أنبياء العهد القديم ويعلق على الإيمان بهم أهمية عظيمة ?ومن ذلك قوله في سورة البقرة 2 :136 قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وجاء مثل ذلك قي سورة آل عمران 3 :84, من هنا يظهر جلياً أن القرآن يتفق مع الإنجيل في الشهادة بأن كل أسفار الكتاب في تلك الأقسام الثلاثة موحى بها,
    وقد يطلق أيضاً المسيحيون اسم الإنجيل على كل أسفار العهد الجديد كما يطلقه عليها القرآن ?ومن أسباب ذلك أن العهد الجديد يبتدئ بالبشائر الأربع ?ومنها أن الإنجيل معناه خبر سار أو بشارة ?وهذا الخبر السار خلاصة العهد الجديد من أوله إلى آخره ?فسُمي به ?وذلك واضح من بشارة مرقس 13 :10 حيث يقول وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ ومن مواضع أخرى كثيرة, وكان العهد الجديد - أي الإنجيل - منتشراً في عصر محمد في قسم عظيم من العالم بين الشعوب المسيحية ?لذلك لم يقتبس منه القرآن فقط آية موجودة في ثلاثة من أقسامه - بشائره - أي بشارة متى 19 :24 وبشارة مرقس 10 :25 وبشارة لوقا 18 :25 كما ورد في سورة الأعراف 7 :40 بل اقتبس منه أيضاً محمد نفسه كما تقدم ذكره, وعلى هذا ينبغي لكل ذي عقل سليم خال من التعصب الذميم أن يعترف بأن القرآن يشير إلى الكتاب المقدس بأنه كتاب منتشر في عصره وموحى به من الله تعالى,
    ويذكر القرآن الكتابَ المقدس بالاحترام والتعظيم ?ويلقّبه بأعظم الألقاب ?مثل قوله كلام الله - سورة البقرة 2 :75 - و الفرقان - سورة الأنبياء 21 :48 - و وضياء وذكرى للمتقين - سورة الأنبياء 21 :48 - و كتاب الله - سورة البقرة 2 :101 - , وفي البيضاوي وكتاب أسباب النزول يشير إلى مقام الكتاب المقدس في تفسير آية 23 من سورة آل عمران بأن محمداً طلب من اليهود التوراة لتكون حكماً بينه وبينهم, وفوق ذلك يفيد القرآن أن نوع الوحي الذي أُوحي به إلى محمد كالذي أوحي به إلى الأنبياء المتقدمين ?كما يدل على ذلك قوله قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ - سورة آل عمران 3 :73 - وقوله إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ - سورة النساء 4 :163 - وقوله كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - سورة الشورى 42 :3 - , مما ذكر تعلم أن التنزيل المنسوب إلى القرآن يجب أن ينسب إلى الأسفار المتقدمة عليه حيث أن من أول البديهيات المسلم بها في علم أصول الهندسة هو أنه إذا ساوى شيئان ثالثاً فهما متساويان لبعضهم الا محالة
    , فأسفار العهدين منزلة من عند الله بنفس التنزيل الذي ينسبه القرآن لنفسه ?وعليه فالقرآن يأمر أتباعه أن يعترفوا بالأسفار المتقدمة عليه كما يعترفون به بلا أقل تمييز ?وهم مأمورون أيضاً أن يعتقدوا بأن القرآن نزل مصدِّق الكتاب اليهود والنصارى ?ومن أمثال ذلك ما ورد في سورة آل عمران 3 :3 و4 نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ولزيادة التوكيد على أن التوراة والإنجيل موحى بهما جاء في القرآن تهديد صارم لمن يكفر بهما أو يظن بهما الظنون ?ومن ذلك قوله الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النارِ يُسْجَرُونَ - سورة غافر 40 :70-72 - , والبيضاوي في تفسيره هذه الآية يفسر قوله الكتاب بالقرآن أو الكتب السماوية على العموم ويفسر قوله وما أرسلنا به رسلنا بسائر الكتب أو الوحي والشرائع وبمقتضى هذا التفسير على افتراض أن المقصود هنا بالكتاب ليس الكتاب المستعمل في قوله يا أهل الكتاب بل هو القرآن ?تكون الكتب السماوية الأخرى هي أسفار العهد القديم والجديد لا محالة,
    ويشهد القرآن أن أسفار العهد القديم تتفق مع أسفار العهد الجديد في المسائل العمومية ?ومن ذلك قوله وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - سورة المائدة 5 :46 - ,
    من كل ما أوردناه هنا يتضح :
    1 أسفار العهد القديم والجديد ?أي التوراة والزبور وأسفار الأنبياء ?والإنجيل ورسائل رسل المسيح كانت جميعها منتشرة في عصر صاحب القرآن بين اليهود والنصارى,
    2 يقرر القرآن أن هذه الأسفار موحى بها من الله ?أي منزلة من عنده,
    3 بينما يعظّم القرآن نفسه إلى أعلى درجات التعظيم ?فإنه يساوي بين نفسه وبين الأسفار المقدسة المتقدمة عليه,
    4 يسمّي القرآن الكتاب المقدس كتاب الله وكلام الله والفرقان والذكر ونوراً وهدى ورحمة الخ ,
    5 يأمر القرآن محمداً أو المسلمين أن يرجعوا إلى الكتاب المقدس في تحقيق ما يرتابون فيه من أصول دينهم ويحرضون النصارى واليهود أن يفعلوا مثل ذلك,
    6 يشير القرآن على اليهود أن يتخذوا التوراة حكَمَاً فيما هم فيه يختلفون,
    7 يأمر القرآن المسلمين أن يشهدوا أنهم مؤمنون بالكتاب المقدس كما هم مؤمنون بقرآنهم,
    و للحديث بقيه
    أرجوكم ان تقرأوا بعقل متفتح .... لنفهم ما هو مكتوب لغرض الفهم و ليس التصيد كما قلنا.... بقية الموضوع:
    أسفار العهدين القديم والجديد المتداولة اليوم هي بعينها التي كانت بأيدي النصارى واليهود وقد شهد لها القرآن:
    1 هل أسفار العهدين المنتشرة اليوم هي بذاتها التي كانت في عصر محمد ?
    2 إن كانت هي بذاتها فهل اعتراها تحريف أو تبديل كثير أو قليل ?
    وقبل البحث في هذا وذاك لنفرض أن الكتاب المقدس المتداول اليوم لم يكن هو بذاته الذي كان في عصر محمد? أو على الأقل اعتراه التحريف بحيث أصبح لا يوثق به? كما يزعم جهّال المسلمين, فإن كان الأمر هكذا فما اشقى بني آدم وما أنكد حظهم? لأن كلام الله الذي لا يقبل التغيير على حسب فهمنا? ونطقت به الأنبياء والرسل كما يصرح القرآن ويحتم على المسلمين أن يعترفوا به قد تلاشى من الوجود أو تشوه بالباطل? فسقطت قيمته! حتى القرآن طاش سهمه وخاب مسعاه? لأن الله أنزله مهيمناً على الكتاب المقدس ليحفظه سالماً من أيدي الأغراض ولم يحفظه? لأنه في سورة المائدة 5 :48 يقول وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّق المَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ الخ ويفسر البيضاوي قوله ومهيمناً عليه رقيباً على سائر الكتب ليحفظها من التغيير? ويشهد لها بالصحة والثبات, وقُرئ على صيغة المفعول أي هُومن عليه أو حوفظ من التحريف? والحافظ له هو الله أو الحفظ في كل عصر, شهيداً عليه أي على الكتب كلها , إن هذ اليهدم ركناً من أركان الثقة بالقرآن? وقد وكل الله إليه مأمورية فأهملها,
    لكن هذه الدعوى باطلة والشكر لله? فإن كلمته التي في العهدين لم تتلاشَ ولا تحرَّفت? بل بقيت محفوظة بعنايته الضابطة لكل شيء كما يعترف القرآن,
    ومن الغريب أننا نحن المسيحيين بواسطة تمسكنا بشهادة القرآن في حق الكتاب المقدس بالصحة والنزاهة ندافع عن القرآن نفسه من هجمات أغبياء المسلمين? الذين لو دروا أن الطعن في الكتاب المقدس طعن في قلب القرآن? لم يطعنوا, ومن الشواهد على ذلك قول الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه إظهار الحق الذي طبعه سنة 1284 هجرية أن أحد علماء الهند أفتى قائلاً إن هذا المجموع المشتهر الآن بالعهد الجديد ليس بمسلم عندنا? وليس هذا هو الإنجيل الذي جاء ذكره في القرآن بل هو عندنا عبارة عن الكلام الذي أُنزل على عيسى - ص 144 و145 - وقد وقع رحمة الله في مثل هذا الخطأ الفاحش من شدة تعصبه? فقال ما معناه إن التوراة والإنجيل الأصليين فُقدا قبل رسالة محمد? والأسفار الموجودة اليوم لا مقام لها عندنا أكثر من كتب أقاصيص ملفقة من باطل وحق وإننا لا نعتبر أن الكتاب وُجد بحالة من الصحة والنقاوة حتى زمن الإسلام ثم دهمته مصيبة التحريف فأُتلف? بل نقول إنه فُقد كله قبل ذلك بزمن طويل,
    ورداً على ذلك نقول إن رحمة الله لا يعني بالتوراة والإنجيل الأصليين ونفس الصورتين اللتين كتبهما موسى ورسل عيسى بأيديهم? لأنه إن كان يقصد ذلك يورط نفسه من جهة القرآن? لأن نسخته الأصلية ضاعت أيضاً, بل قصد الإنجيل والتوراة اللذين هما طبق الأصل, ودعواه بأنهما ضاعا باطلة? كما هو مسلَّم عند علماء الإسلام المحققين في كل العالم? وهذه من أفحش الغلطات التي سقط فيها رحمة الله? وإن مثله لا يُلتمس له عذر كما كان يُلتمس لأهل العصور المظلمة, أما وهو من أبناء هذا العصر الذي سطع فيه نور العلم والعرفان فيُؤاخذ بغلطته كل المؤاخذة, يبذل هذا الشيخ مجهوده ليوهم بسطاء المسلمين أن التوراة الأصلية فُقدت عندما سبى بختنصر الملك أورشليم وهدم هيكل سليمان سنة 587 قبل المسيح? ويقيم الدليل على ذلك من سفر مزمور يدعوه بعضهم سيدارس الثاني ويدعوه بعضهم الرابع? ويحاول أن يقنع المسلمين بأن سيدراس هذا إنما هو عزرا المسمى في القرآن عُزير? وأنه قد ألف كتاباً وادعى أنه هو التوراة الحقيقية الأصلية التي نزلت على موسى النبي, إلا أننا بمراجعة ذلك السفر الذي يشير إليه لا نجد ما يدل على صحة دعواه مطلقاً? بل ما يدحضها? فورد في أصحاح 14 :21 و22 بأن عزرا استدعى الكتبة إلى كتابة كل ما عُمل في العالم من البدء? كما هو مكتوب في أسفار الشريعة, فإذا صحَّ هذا السند فإنه يدل على أن عزرا كان من حَفَظة أسفار الوحي? فأملاها على الكتبة فكتبوها ودّونوها, فلا يُقال عن عزرا والحالة هذه إنه ألف كتاباً من عند نفسه وادعى بأنه التوراة, وجاء في تفسير البيضاوي لسورة التوبة 9 :30 ما ينقض زعم رحمة الله ويؤيد بياننا, قال ما معناه عندما سبى بختنصر اليهود لم يبق أحد من حفظة الوحي? فبعث الله عزيراً من الأموات وقد مر عليه مئة سنة ميتاً? فأملى التوراة وجاءت طبق الأصل حتى تعجب منه اليهود ,
    إن كانت هذه الرواية صحيحة فلا غرو أن يتعجب منها اليهود, إنما العجب كل العجب أن يوجد بين العقلاء من يصدق خرافة كهذه? فإنه لا سفر سيدراس الثاني ولا الرابع ذكر هذه السخريات? ومع ذلك يؤخذ من هذه المزاعم التي رواها البيضاوي في تفسيره ورحمة الله في إظهار الحق أن عزرا كان حافظ الأسفار الوحي لا مزوراً, ثم نقول مرة ثانية, إن كانت الرواية الواردة في سفر سيدراس الثاني صحيحة فلا يؤخذ منها أن التوراة انعدمت من الوجود بسبب حرق كل نسخها? كما أنه لا ينعدم القرآن إذا أُحرق? لأنه كان يوجد حفظة للتوراة كما يوجد حفظة للقرآن الذين في إمكانهم أن يدونوه في الكتب, ويحسن أن نقول عن سفر سيدراس إنه لا يوجد أحد من علماء اليهود أو المسيحيين اعتمده ونسبه إلى عزرا, ويظهر من مطالعة الجزء الأول منه أنه كُتب ما بين 81 و86 ميلادية, ومن المعلوم أن عزرا كان قبل الميلاد بنحو خمسائة سنة - انظر سفر سيدراس الثاني أصحاح 2 :47 و7 :28 و29 إلخ - وعليه تكون نسبة هذا السفر إلى عزرا منتحلة? وبالنتيجة يكون السفر مزوراً وأن اليهود الأولين لم يعدوه بين أسفارهم القانونية, إلا أنه في القرن الثالث للميلاد قبله بعضهم من الذين يجهلون اللغة العبرانية المكتوب بها? وإلا لما كانوا يقبلونه,
    وإذ قد انتهينا من كلمتنا عن هذا السفر? وأقمنا الدليل بأن التوراة والأسفار الأخرى المقدسة التي أوحي بها إلى الأمة اليهودية لم تتلاش قط من الوجود? فنقول إن ثبت وجودها في حياة عزرا - أي بعد خراب الهيكل بأكثر من مائة عام - ثبت وجودها في زمن بختنصر, أما إنها كانت موجودة في زمن عزرا فالدليل عليه من نفس سفر عزرا المقبول لدى اليهود والنصارى أجمعين? فلقد ورد فيه قوله عزرا هذا صعد من بابل وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل - توراة سفر عزرا 7 :6 - , قارن بين هذا وبين ما ورد في سفر نحميا ص 8 - , ثم جاء أيضاً في سفر عزرا أن شريعة الرب - أي التوراة - كانت في يده وقت صعوده من بابل إلى أورشليم? وعلى ذلك قول الملك أرتحششت اله مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ مُرْسَلٌ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ وَمُشِيرِيهِ السَّبْعَةِ لِأَجْلِ السُّؤَالِ عَنْ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ حَسَبَ شَرِيعَةِ إِل هِكَ التي بِيَدِكَ - عزرا 7 :14 - , ومن هنا يظهر بمزيد الوضوح أن التوراة لم تتلاش في زمن بختنصر,
    وعندنا دليل آخر ورد في كتاب عبري يُدعى برقي أبهوث كُتب في القرن الثاني للميلاد ما معناه نزلت التوراة على موسى في جبل سيناء? واستودعها موسى إلى يشوع? وهذا سلمها إلى شيوخ إسرائيل? وهؤلاء سلموها إلى الأنبياء? وسلمها الأنبياء إلى السنهدريم مجمع اليهود الأعظم , ويُروى أن هذا المجمع كان مؤلفاً من علماء اليهود وبدأ بتأسيسه عزرا? وكان الغرض منه المحافظة على التوراة وتعليمها للشعب, وورد في التلمود - كتاب تقليد اليهود - أنه بعد السبي البابلي الذي نحن في صدده أعاد المجمع العظيم التوراة إلى مجدها وجلالها القديم? وأشار إلى ذلك كتاب برقي أبهوث بما معناه أن ذلك المجمع وضع ثلاثة وصايا كشعائر مقدسة الأولى - احترس في القضاء - الثانية علِّم كثيرين - الثالثة كن حصناً منيعاللتوراة, وهذه الوصية الأخيرة أوجبت على اليهود أن يبذلوا قصارى جهدهم في صيانة التوراة سالمة من كل ما يعرض لها? وقد قاموا بهذا المهمة خير قيام, وما من أمة بالغت في العناية بكتابها المقدس كما بالغت الأمة اليهودية بتوراتها? فقد أحصوا عدد كلماتها وحروفها, وأذكر هنا قولاً مأثوراً قاله أحد أكابر هذا المجمع يدل على مبلغ عنايتهم بالتوراة? وإلى أي حد رفعوا مقامها, ورد في برقي أبهوث قوله إن سمعان العادل - أحد خلفاء المجمع - كان يقول : العالم قائم على ثلاثة أعمدة التوراة والعبادة والعمل الصالح , بمثل هذا الاهتمام والتدقيق تداولت التوراة بين اليهود من السلف إلى الخلف جيلاً بعد جيل في لغتها الأصلية وهي العبرية والآرامية بكل اعتناء وتدقيق, ومن الأدلة المعتبرة على ما نحن بصدده تعدد قراءات التوراة? أي وجود اختلافات لفظية مع وحدة المعنى, أليس هذا برهاناً على أنه لم يكتبها شخص واحد? ولا كُتبت في عصر واحد, ثم أنه يوجد فيها ما يشبه التناقض في أخبار بعض الوقائع والمسائل التي ليس لها مساس في الجوهر? وهو بالحقيقة ليس بتناقض, فوجود شيء من هذا القبيل في أسفار التوراة مع سكوت اليهود عنه وعدم تجاسرهم على تسويته? لدليل قوي على تمسكهم بالمتون الأصلية واستحفاظهم عليها? مهما يكن من أمرها, وتظهر قوة هذا الدليل بأكثر وضوح من المثال الآتي نقلاً عن القرآن, ورد في سورة آل عمران 3 :55 قوله إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وورد في سورة النساء 4 :159 قوله وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ إِلَّا ليُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قد ارتاب بعضهم في كون الضمير الأخير عائد إلى المسيح? ولكن لا يمكن أن يرتاب في تصريح القرآن بموت المسيح الوارد في سورة مريم 19 :33 وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً فهذا كله يظهر أنه منقوض بما ورد في سورة النساء 4 :157 وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ لأنه في المواضع الأولى يثبت موته وفي الموضع الأخير ينفيه, فوجود التناقض الظاهري في متن القرآن دليل معتبر على أن المسلمين لم يمسوه بسوء وإلا لكانوا من باب أولى أزالوا شبه التناقض هذا وخصوصاً في آية وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ إِلَّا ليُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إذ قُرئت قبل موتهم وهذه القراءة يزول معها الالتباس? فما كان أيسر عليهم أن يثبتوا القراءة الثانية محل الأولى لكنهم لم يفعلوا حرصاً على الأصل, هكذا يدل وجود شبه التناقض الواقع في أسفار التوراة على أمانة أهلها,
    قد كتب بعض المؤلفين المسلمين جدولاً طويلاً من المناقضات الواردة في الكتاب المقدس وزعموا أنها مناقضات حقيقية? وهي تناقضات ظاهرية فقط كمثل التي نقلناها هنا عن القرآن? وقد وفق بين كثير منها العلماء المحققون, والتي لم يهتدوا إلى التوفيق بينها فصعوبتها قائمة على عدم معرفتهم كل ظروفها, ووجود هذه الاختلافات في أسفار التوراة دليل على عظمة اعتناء اليهود بالمحافظة على الأصل لأنهم لم يتخذوا وسيلة لإزالة هذا الخلاف ويكفوا نفوسهم مؤونة احتجاجات المعارضين الذين لا يفتأون ينقبون في الكتاب? لا توصل المعرفة الله? بل ليظفروا باحتجاج جديد? ويُظهروا براعتهم للناس,ولنتأمل الآن باختصار فيما إذا كانت أسفار العهد القديم أولاً وأسفار العهد الجديد ثانياً? المتداولة اليوم? هي بذاتها التي كانت في زمن محمد? وإليها أشار القرآن فنقول :
    إنه يوجد لدينا جملة جداول محصاة فيها أسفار العهد القديم يرجع تاريخها إلى ما قبل محمد? وهي موافقة لتوراة العصر الحاضر تمام الموافقة, قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي في تاريخه الذي كتبه سنة 90 ميلادية لا يوجد بيننا معشر اليهود عشرات الألوف من الكتب المتناقضة? بل يوجد اثنان وعشرون سفراً نؤمن أنها موحى بها من الله محتوية على تاريخ كل العصور? منها خمسة أسفار - سفر التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية - لموسى? وتشتمل على شريعة الله وتاريخ الجنس البشري من ابتداء العالم إلى موته? أي نحو ثلاثة آلاف سنة تقريباً, ومن ذلك الوقت إلى حكم الملك أرتزركسيس الذي خلف زركسيس مدون في ثلاثة عشر سفراً - سفر يشوع والقضاة مع راعوث وصموئيل والملوك وأخبار الأيام وعزرا مع نحميا, وأستير وأيوب والاثنا عشر سفراللأنبياء الصغار وإشعياء وإرميا مع مراثيه وحزقيال ودانيال - , والأربعة الأسفار الباقية - المزامير والأمثال, والجامعة ونشيد الأنشاد - لتسبيح الله وتهذيب الأخلاق , وقدَّم لنا مجمع جامنيه الذي عُقد سنة 90 ميلادية قائمة هذه الأسفار بعينها? وقرر مجمع لادوكية أنها اثنان وعشرون سفراً? ثم في القرون المتأخرة جزأوا بعض هذه الأسفار لسهولة المراجعة,
    ويمكننا أن نقدّر ونعين تاريخ التجزئة بالضبط, مثلاً في نسخة بطرسبرج التي كُتبت باللغة العبرية سنة 916 م لا تزال فيها الأسفار الصغار للأنبياء الاثني عشر - هوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجي وزكريا وملاخي - متضمنة في كتاب كل سفر كان يعتبر أصحاحاً? محصية فيه أعداد الآيات, أما تقسيم كل من سفر صموئيل والملوك والأخبار إلى جزئين وفصل عزرا عن نحميا فقد تم لأول مرة في طبعة العهد القديم العبرية في البندقية سنة 1516 و1517 ميلادية, يقول يوسيفوس المؤرخ إن الكتب الأخرى التي لا يساوون بينها وبين الاثنين والعشرين سفراً القانونية في الوثوق بأقوالها وقد ترجموا الكل إلى اليونانية? ومع أن هذه الأسفار الغير القانونية كُتبت وتُرجمت من قبل المسيح بكل اعتناء وتدقيق? لم ينزلوها منزلة الأسفار القانونية ولا عدّوها معها, وتمت هذه الترجمة بين سنة 247 و385 قبل المسيح في مصر بناء على طلب بطليموس الثاني الملقب فيلادلفيوس , ويظن البعض أنها بين سنة 200 و250 قبل المسيح ويرجحون الرأي الثاني? وليس هذا ذا بال, وتُدعى هذه الترجمة بالسبعينية نسبة إلى عدد الذين ترجموها? فإنهم كانوا سبعين عالماً من علماء اليهود? وهي أقوم ترجمة للتوراة في الوجود,
    ولنذكر بعد ذلك الترجمات الأخرى للعهد القديم لزيادة التأكيد بأن التوراة التي بأيدينا اليوم هي التي كانت في عصر محمد وقبله بقرون كثيرة? لأنه إن لم تكن موجودة حينئذ فمن أين أتت تلك الترجمات وعلى الخصوص الترجمة السبعينية ?
    ثم الترجمة اليونانية التي تُرجمت بواسطة أكويلا التي تممها سنة 130 ميلادية وترجمها مرة أخرى رجل سامري اسمه سيماش? وفرغ منها سنة 218 ميلادية? ثم ترجمها إيرونيموس عن اللغة العبرية إلى الطليانية وتُسمى الترجمة اللاتينية? وفرغ منها سنة 405 ميلادية? وتُسمى الفولجاتا ,
    يقول يعقوب من أودسا إن التوراة تُرجمت أيضاً في حياة المسيح بناء على طلب ملك أودسا ابجار? ويظنون أن أول من أشار إلى الترجمة السريانية هو مليتس من أهالي ساردس في القرن الثاني? وينسبها آخرون إلى القرن الثالث, والترجمة السريانية الفيلكسية أتمها بوليكاربوس نحو سنة 508 وهذبها وأصلحها توماس هرقل 616 م, وعليه كل الترجمات السريانية كانت موجودة من قبل عصر محمد? والترجمة الأخيرة من هذه اللغة بوشرت في نفس أيامه,
    ولما احتمى أصحاب محمد ببلاد الحبشة قبل الهجرة رأوا أهل تلك البلاد يقرأون التوراة والإنجيل في لغتهم الحبشية, وبسبب قِدم تلك الترجمة كان من الصعب على الأحباش فهمها? والمظنون أنها تُرجمت في القرن الرابع للميلاد, وكذلك لما فتح عمرو مصر وجد الدين الغالب فيها النصرانية? ووجد الكتاب المقدس مترجماً إلى اللغة القبطية في اصطلاحات البلاد الثلاثة الصعيدي والبحيري والبشموري, وقد تُرجمت عن الترجمة السبعينية? ويظن بعضهم أنها تُرجمت في ما بين القرن الثالث والرابع? ويقول بعضهم بل قبل ذلك,
    وتُرجمت بعض أجزاء التوراة عن اللغة السريانية إلى الآرامية سنة 411 م وعن الترجمة السبعينية سنة 436 م, وبعد ذلك بنحو قرن تمت الترجمة المشهورة بترجمة القديس جاورجيوس? وكانت مع قرب عهدها قبل الهجرة بسنين كثيرة,
    وترجم التوراة أسقف غوثية إلى لغة أهل بلاده سنة 360 من وأكثر هذه التراجم تممها قوم مسيحيون ما عدا الترجمة السبعينية والأكويلية طبعاً, كثيراً ما ترجم اليهود بعض أسفار التوراة إلى الآرامية حيثما ابتدأ أكثرهم يهملون التكلم بالعبرية? ومن بين هذه التراجم ترجمة أنكلوس التي تمت ما بين سنة 150 و200 م, وترجم يوناثان ابن عزيل أسفار الأنبياء سنة 320, م وعدا عن كل هذه الترجمات كان يوجد كتاب الترجوم الأورشليمي? ترجمة أسفار العهد القديم وشروحها إلى اللغة الآرامية? وقد تم في القرن السادس أي قبل الهجرة, ومن المعلوم أنه كان في سالف الزمان بغض شديد بين السامريين واليهود? ومن أجل ذلك لم يعتمد السامريون من التوراة سوى أسفار موسى الخمسة واعتبروها كما هي موحى بها من الله, ولم نعلم بالتأكيد متى حصلوا على نسخة الأسفار الخمسة? فيظن البعض أنه كان في سنة 606 ق, م, أي حينما ابتدأت سنو السبي السبعون? ويظن البعض أن منسى حفيد ألياشيب الكاهن العظيم - وهو الذي قد تزوج بابنة سنبلط كما جاء ذلك في سفر نحميا أصحاح 13 :28 - أحضر هذه الأسفار إلى السامرة حينما نفاه نحميا من أورشليم وأسس هناك هيكلاً على جبل جرزيم نحو سنة 409 ق م,
    ولا يزال بين أيدي المسيحيين بعض النسخ من توراة السامريين - أي أسفار موسى الخمسة - باللغة العبرانية الأصلية? لكن بحروف مختلفة عن التي يستعملها اليهود,
    وبمراجعة هذه الأدلة والتراجم المتعددة لأسفار العهد القديم عند اليهود والنصارى نجزم ونحتم أن توراة اليوم هي بذاتها التي كانت في عصر محمد? وشهد لها القرآن في آيات كثيرة, وأن القراءات المتعددة للتوراة لا تطعن في سلامتها ولا تشوش نقاوته الأنه الا تمس جوهر تعليمها, واختلاف القراءات مسألة لا بد منها لكل كتاب قديم عظيم كاختلافات قراءات القرآن,
    ولنتكلم الآن في نسخ العهد الجديد المتداول اليوم في العالم المسيحي ونبحث هل هي الإنجيل الحقيقي الذي يشهد له القرآن? وهل هو الذي كان موجوداً في عصر محمد أم لا ?
    أما رجال العلم والتحقيق في كل العالم فلا يخالج قلوبهم أقل شك في صحة هذه الدعوى? لأن الأبحاث العصرية المتأخرة أثبتت أنه حتى في عصر المسيح كتب تلاميذه - الحواريون - مذكرات بأقواله وتعاليمه وأعماله? وكثير منها وارد في بشارة مرقس على نوع أخص? وفي بشارتي متى ولوقا أيضاً على نوع ما, إلا أن واقعة صلب المسيح وموته ودفنه وقيامته وصعوده لم يدون منها التلاميذ شيئاً إلا من بعد صعوده طبعاً? ثم أنهم لم يروا ضرورة تدفعهم إلى كتابة الإنجيل لقوم يعلمونه بمشاهدة العيان? إذ كانوا معاصرين ليسوع ورأوه وجه الوجه وكلموه شفاهياً وكانوا معه وحوله كل يوم يسمعون وعظه ويرون معجزاته - 1 كورنثوس 15 :6 وأعمال 1 :21 و22 - ولأن المسيح لم يأمرهم أن يكتبوا الإنجيل - الأخبار السارة - بل يكرزوا به? ليوضع الأساس على شهادة قوم أحياء معاصرين له شهادة شفاهية مشفوعة بدلائل الصدق والإخلاص, وأما كتابة الإنجيل - ومعناه الخبر السار أو البشارة السارة , فقد كتبها قبل الكل بولس الرسول ضمن رسالتين متواليتين بعث بهما إلى أهل تسالونيكي? ويرجع تاريخهما إلى ما بين سنة 22 و23 بعد صعود المسيح? ومثل هاتين الرسالتين بقية رسائل بولس في وحدة التعليم في كل المبادئ التي نتمسك بها إلى اليوم,
    لكن لما مضى الجيل المعاصر للمسيح أو كاد? مسَّت الحاجة إلى تدوين الإنجيل في الأسفار لصون حقائقه من الطوارئ? وإفادة الأجيال الآتية? فألهم روح الله القدوس من اختار لتنفيذ هذه المهمة من رسل المسيح ورفقائهم القريبين منهم? فكتب أولاً القديس مرقس بشارته قبل خراب أورشليم سنة 70 للميلاد, وظن بعضهم أنه ما بين سنة 65 و66 في مدينة رومية, وكان مرقس رفيق الرسل المسيح وأحد تلامذته الأولي،ن وكان مشهوراً في الكنائس الأولى ومعروفاً عنه بأنه تلميذ بطرس? فكتب بشارته بناءً على معلوماته الشخصية ومعلومات بطرس? غير أن روح الله القدوس عصمه من الخطأ وذكّره بما عساه يكون نسيه? وألهمه ما يكتب في تلك الأخبار وما لا يكتب, وكتب متى رسول المسيح بشارته قبل سنة 70 للميلاد, وكتبه الوقا ما بين سنة 60 و70? وكتبها يوحنا ما بين سنة 90 و100 أي حينما بلغ من العمر سن الشيخوخة والحاصل أن بين أيدينا بشارت،ين لرسل المسيح? وهما بشارتا متى ويوحنا? وبشارتين لرفقائهما وهما بشارة مرقس - ومن المحتمل أن تكون من إملاء بطرس - وبشارة لوقا رفيق بولس الرسول, وهذا الأخير يقول في فاتحة كتابه إنه فحص واستعلم بالتدقيق عن كل ما كتب من شهود العين, ومم الا شك فيه أن الأصحاحين الأولين من بشارته كتبهما حسب شهادة العذراء مريم, وربما يقول معترض إن هذا كله لا يدل على أن هذه الكتب موحى بها من الله? فأجيب : نعم? ليست موحى بها كالوحي الذي يتصوره المسلمون ويروونه عن القرآن من أنه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ من قبل خلق العالم ونزل إلى سماء الدنيا في ليلة القدر? ثم أملاه جبريل على محمد مفرَّقاً حسب الوقائع والأحوال, إن وحياً كهذا يظهر لنا معاشر المسحيين أنه ليس بالجيد فضلاً عن أنه لم يقم دليل على أن القرآن موحى به مثل هذا الوحي - كما هو مثبوت في كتاب مصادر الإسلام - , ويقول وعلماء النقد والتفكير إن فرضنا أن كتاباً مقدساً كُتب في السماء ونزل إلى الأرض على هذه الكيفية فلا يمكننا أن نقيم الدليل على أن ذلك الكتاب كُتب في السماء ولا أن له صلة بها, وأما الوحي التوراتي والإنجيلي فهو أن الله إذا أراد أن يعلن لعباده أمراً من الأمور على يد أنبيائه لا يتخذهم كآلات صماء? بل يستخدم عقولهم وأذهانهم وذاكرتهم وذكاءهم وأرواحهم في ما يكتبونه? فيكون وحياً - يوحنا 16 :13 - , ولنشرح هنا بعض المسائل التي تشوش على أذهان إخواننا المسلمين في فهم حقيقة الإنجيل, يقول بعضهم إن الإنجيل الذي بين أيدي المسيحيين اليوم ليس هو الإنجيل الحقيقي الذي أُنزل على المسيح لأننا نرى عندهم أربعة أناجيل لم تُكتب إلا بعد صعود المسيح بمدة طويلة, فنقول إن كتابة الإنجيل بعد صعود المسيح بمدة طويلة لا يطعن في صحته كما لا يطعن في صحة? القرآن كونه جمع بعد حياة محمد - كما ورد في مشكاة المصابيح ص 193 والمؤلفات المعتبرة - , وأما عندنا أربعة أناجيل فهو ليس بحق? فإن عندنا إنجيلاً واحد الأن كلمة إنجيل وإن كانت استُعملت اسم البعض أسفار العهد الجديد فمعناها خبر سار أو بشارة مفرحة? لأنها معدولة عن كلمة يونانية مجانسة لها لفظاً وتفيد هذا المعنى بالضبط, لكن إخواننا المسلمين قلما يفطنون لهذا المعنى,
    ولما كانت خلاصة أسفار العهد الجديد وزبدتها إعلان محبة الله للبشر? بحيث أنه أرسل لهم يسوع المسيح ليخلّصهم من خطاياهم? وهذا خبر سار جداً? فدُعي به العهد الجديد أو بالعبارة اليونانية المعربة إنجيل , وبهذا لا تكون أناجيل كثيرة? بل إنجيل واحد كرز به متى ومرقس ولوقا ويوحنا وبولس وبطرس الخ, فالكارزون هم المتعددون? وأما الإنجيل فهو واحد غير متعدد, وبمراجعة الأصل اليوناني نجد البشائر الاربع التي في صدر أسفار العهد الجديد مسماة بكيفية تطابق الشرح الذي قدمناه? فبشارة متى مسماة إنجيل المسيح كما كتبه متى والبشارة الثانية مسماة إنجيل المسيح كما كتبه مرقس وهكذا, وإنما حباً بالاختصار اتفقوا على تسميتها بحسب الأسماء الحاضرة, وبعد البشائر الأربع سفر الأعمال - أي أعمال الرسل - وخلاصته أن الرسل كرزوا بالإنجيل في أقاليم كثيرة من العالم بين اليهود والأمم? وبدأوا بالكرازة بعد صعود المسيح بأيام قليلة لا تتجاوز عدد الأصابع, والكارز الأول بالإنجيل هو نفس المسيح - مرقس 1 :15 و13 :10 ولوقا 20 :1 - وبهذا الاعتبار يكون الإنجيل نزل على المسيح? وقد شهد عن نفسه بأنه تلقى رسالته أي الإنجيل عن الله? وعلى ذلك قوله وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ? فَكَمَا قَالَ لِي الْآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ - يوحنا 12 :50 وقارن يوحنا 8 :28 و12 :49 -
    وأما بقية أسفار العهد الجديد فلم تُقبل ضمن دائرة الوحي إلا بعد الاستفسار والتحري الدقيق والأسانيد الكافية? خشية أن ينطوي معها سهواً مصنفات أخرى, واستغرقت هذه المهمة زمناً طويلاً مراعاة للظروف الصعبة التي أحاطت بتلك الأسفار? مثل أن البعض منها كان رسائل خصوصية لأفراد معينين? كرسالة بولس الرسول الأولى والثانية إلى تيموثاوس وإلى تيطس وفليمون? ورسالة يوحنا الثانية والثالثة, والبعض الآخر بُعث أولاً كرسائل إلى كنائس معينة? إلا أننا علمنا من مؤلفات المسيحيين الأولين أن البشائر الأربع عُرفت وصار اعتمادها أنها وحي من الله ما بين سنة 70 إلى سنة 130 م, وقد تم من بعض الوجوه إحصاء أسفار العهد الجديد في سنة 170 م وسُمي هذا الإحصاء بالقانون الموراتوري? وقد اشتمل على كل أسفار العهد الجديد المتداولة اليوم ما عدا رسالة يعقوب الرسول? والرسالة الثانية لبطرس الرسول والرسالة إلى العبرانيين, وبعد التحري أبطلوا هذا القانون وعملوا إحصاءً جديداً تحروا فيه الضبط بأكثر تدقيق, يتضمن هذه الرسائل أيضاً مع الإشارة بأن الرسالة الثانية لبطرس كانت مشكوكاً في وجودها ضمن الاحصاءات الأولى .
    ومن الجدير بالملاحظة أن كتابة الكتب والحصول عليها في تلك القرون الغابرة كان محفوفاً بالمصاعب والنفقات الثقيلة? وعدا ذلك لو أُحصيت أسفار العهدين المكتوبة بخط اليد بالحرف اليوناني الكبير المستعمل حينئذ لما بلغت مجلداً كبيراً فقط بل مجلدات كثيرة, ومع كل هذه المصاعب كانت توجد أسفار الكتاب المقدس مجموعة بين يدي كثيرين من المسيحيين في جهات مختلفة من العالم, وفي مجمع لاودكية الذي عُقد سنة 363 م الذي ذكرنا أنه أحصى أسفار العهد القديم ضمن اثنين وعشرين سفراً قد أحصى أيضاً أسفار العهد الجديد على الحالة التي هي عليها الآن ما عدا سفر الرؤيا? لأن بعض الكنائس قبلته وبعضه الم تقبله - يومئذ - , وفي مجمع قرطجنة الذي اجتمع سنة 397 م أقروا كل الأسفار المتداولة اليوم مشفوعة بهذا البيان قبِلْنا من آبائنا بأن هذه الأسفار ينبغي أن تُقرأ في الكنائس .
    وعدا الاحصاءات المجمعية لأسفار العهد الجديد فقد أحصاها مشاهير الكتاب المسيحيين منذ القرون الأولى للميلاد? متحرّين أبحاثهم الخصوصية? منهم أوريجانوس الذي مات سنة 253 م وأثناسيوس الذي مات سنة 373 وأيسيبوس وكان معاصر اله, وكلهم أجمعوا في أبحاثهم الخصوصية على قانونية أسفار العهد الجديد كما قررتها المجامع, ويعقب إيسيبوس على إحصائه بهذه الملاحظة : إن بعض المسيحيين لم يقرروا رسالة يعقوب ولا رسالة يهوذا ولا الرسالة الثانية لبطرس ولا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة ولا سفر الرؤيا? لكن بعد التحري الدقيق اقتنعنا بأن هذه الأسفار قانونية ويجب قبولها ضمن أسفار العهد الجديد بعد التأكد القوي أنها وحي الله .
    وعلى ما تقدم لم تمض الأربعة القرون الأولى للميلاد حتى تقرر نهائياً اعتماد أسفار العهد الجديد على حالته الراهنة في فلسطين وسورية وقبرص وآسيا الصغرى وإيطاليا وشمال أفريقيا, ومن هنا لا ينبغي لذي عقل سليم أن يرتاب بأن الكتاب المقدس المتداول اليوم كان موجوداً بتمامه وعلى شكله الحاضر في عصر محمد بين المسيحيين المستوطنين في جزيرة العرب وسوريا ومصر والحبشة وغيرها من الأقاليم التي تعارف محمد بشعوبها,
    وربما يقول قائل : انقرض الكتاب المقدس بعد عصر محمد? فكتب المسيحيون كتاباً آخر دعوه باسم الكتاب الأول الخ , فنجيب أن هذه الدعوى بمثابة من يدّعي أن القرآن بعدما ملأت نسخه الدنيا قد انقرض وكتب المسلمون كتاباً آخر وسموه باسمه? فهذه الدعوى لا يدعيها إلا كل جاهل, ومع ذلك نجيب عليها أنه من البراهين القاطعة على وجود وحدة الكتاب المقدس قبل محمد وبعده النسخ القديمة المخطوطة باليد في اللغة اليونانية? وهي اللغة الأصلية لأكثر أسفار العهد الجديد? واللغة التي تُرجمت إليها هي أقدم ترجمة للعهد القديم أي الترجمة السبعينية.
    وأقدم متن عبراني موجود اليوم هي النسخة التي وُجدت في مصر وتشتمل على الوصايا العشر والقانون العبراني الوارد في - خروج 20 :2-17 وتثنية 6 :4-9 - وقد كتبت ما بين 220 و250 للميلاد أي قبل الهجرة بقرون, وأكبر نسخة للعهد القديم وأقدمها عندنا اليوم هي النسخة الشرقية نمرة 4445 محفوظة في المتحف البريطاني? وكُتبت ما بين سنة 820 و850, ويليها في الأقدمية نسخة سان بطرسبرج وهي مؤرخة سنة 916, وهاتان النسختان منقولتان عن نسخ أقدم منهما بكثير? وذكر الناسخ اسم اثنتين منها وهما نسخة - حليل - ونسخة - موخا - , وروى زكوت المؤرخ اليهودي أن نسخة حليل كُتبت سنة 597 م, وأنه رأى جزئين منها يشتملان على هذه الأسفار يشوع? قضاة? حزقيال? هوشع? يوئيل? عاموس? عوبديا? يونان? ميخا? ناحوم? حبقوق? صفنيا? حجي? زكريا وملاخي, وأما نسخة موخا فليست أقل أقدمية من النسخة الأخرى? ولا بد على الأقل أن إحدى هاتين النسختين كانت موجودة في عصر محمد, ومن تعليقات اليهود عليهما نعلم أنهما كانتا موافقتين لنسخة العهد القديم التي بين أيدينا? وعندنا نسخ كثيرة منقولة عن نسخ عبرانية أقدم منها,
    وإن قيل ماذا جرى للنسخ العبرانية القديمة, نجيب بما يجيب به اليهود : وهو أنه عندما كانت تبلى النسخة من كثرة الاستعمال تحفظ في الخزانة حتى إذا مات رباني مشهور دفنوها معه, وبعض الأحيان يخشون عليها أن تُهمل مع طول الزمان وتُداس بأقدام أو يلحقها عارض يدنس ورقها وهذا حرام عندهم? فيُجهِزون عليها بالحريق,
    وأما نسخ العهد القديم في الترجمة اليونانية الشهيرة بالترجمة السبعينية الذي يدل وجودها على وجود الأصل العبراني من قبلها فعندنا منها كثير? وقد كُتبت كلها قبل الهجرة بسنين عديدة وهاك أشهرها :
    1 - النسخة السينائية كُتبت في القرن الرابع أو في بداية القرن الخامس
    2 - النسخة الفاتيكانية كتبت في القرن الرابع وربما في بدايته
    3 - النسخة الإسكندارنية كتبت فيما بين نصف القرن الخامس ونهايته
    4 - النسخة القطونية كتبت في القرن الخامس أو السادس
    5 - النسخة الأمبروسانية كتبت في نصف القرن الخامس
    وكل هذه النسخ وجدت من قبل عصر محمد وفي عصره? وإذا أراد الباحث أن يتحرى هل إذا كانتهذه النسخ تضاهي النسخ المتداولة فما عليه إلا أن يزور مكاتب أوروبا الشهيرة ويقارن هذه بتلك, وإن نسخة العهد القديم اليونانية المستعملة اليوم طبعت عن هذه النسخ القديمة المذكورة? وبمراجعتها مع الأصل العبراني لم يوجد فرق ولا في تعليم واحد إلا اختلاف في القراءات بسيط جداً? مثل أن المترجمين أخطأوا في ترجمة كلمة صعبة على الفهم, وبمراجعة النسخ الحاضرة على الترجمة السبعينية لا يوجد فرق إلا في أعمار بعض الآباء الأولين المذكورين في أصحاحي 5 و10 من سفر التكوين, ولكن الاختلافات في القراءة لا تمس جوهر الكتاب في أدنى شيء,
    وأما نسخ العهد الجديد اليونانية المتداولة فتعززها النسخ اليونانية الأصلية, وقد كتبت على رقوق لا على ورق, ولا محل لاعتراض رحمة الله الهندي من هذه الحيثية إذ يقال إن بقاء القرطاس والحروف إلى ألف وأربعماية سنة أو أزيد مستبعد عادة إلا أنه وُجد في مصر كتابات على ورق البردي يرجع تاريخها إلى ألف وثمانماية سنة كما هو معلوم عند رجال الآثار,
    ولنرجع إلى ما نحن فيه? فنقول إن كثيراً من النسخ المتضمنة للترجمة اليونانية لأسفار العهد القديم تتضمن أيضاً أسفار العهد الجديد بالأصل اليوناني - أولاً - النسخة السينائية المذكورة سابقاً? وتوجد في المتحف الأمبراطوري بمدنية سان بطرسبرج - ثانياً - النسخة الفاتيكانية المحفوظة في مكتبة بابا رومية - الفاتيكان -- ثالثاً - النسخة الإسكندرانية وهي في متحف لندن? وقد ذكرنا تواريخها فراجعها في مواضعها - رابعاً - أنه في سنة 1907 اكتشفوا في دير قديم بقرب سوهاج إحدى مدائن صعيد مصر على أربعة أجزاء من النسخ القديمة التي يرجع تاريخها إلى القرن الرابع من باب الاحتمال أو القرن السادس بالتأكيد? واحد منها على سفر التثنية ويشوع وآخر على سفر المزامير, ويشتمل الثالث على البشائر الأربع والأخير على قطع من رسائل بولس الرسول - خامسا - النسخة البيزانية وكانت محفوظة في جامعة كمبردج بانكلترة وكتبت في بداية القرن السادس - سادساً - النسخة الأفرايمية وقد كتبت في أوائل القرن الخامس? وهي اليوم في المتحف الأهلي بباريس,
    وعدا هذه النسخ الكبيرة توجد نسخ صغيرة تشتمل على أجزاء متفرقة من أسفار العهد الجديد بالأصل اليوناني? ومن أقدمها عهداً نسخة مخطوطة على شقة واحدة من البردي اكتُشفت حديثاً في أطلال البهنسا? وهي تشتمل على الأصحاح الأول والأصحاح العشرين من إنجيل يوحنا وكَُتبت ما بين سنة 200 و300 ميلادية أو بعبارة أخرى قبل محمد بأكثر من 270 سنة, وهذا الاكتشاف الحديث بالقطر المصري له اعتبار ممتاز من حيث وجهتنا الخصوصية التي نرمي إليها في هذا الموقف? بمعنى أن هاتين النسختين اللتين اكتُشفتا بسوهاج والبهنسا قد دُفنتا في صحاري مصر التي صارت فيما بعد بلاداً إسلامية قبل الهجرة بمئات من السنين? وبقيتا تحت التراب إلى هذه الأيام حتى عثروا عليهما, لا يقدر أحد يدعي مهما بلغت درجة تعصبه إنهما مزورتان بعد نزول القرآن أو محرفتان في أيام محمد أو بعده,
    ويبلغ عدد النسخ القديمة للعهد الجديد بالأصل اليوناني ما بين جامعة لها وكلها? ولجزء منها? 3899 نسخة? فُحصت كلها فحصاً دقيقاً ونمروه التسهيل معرفة مواضعها على طلبة علم اللاهوت, وتوجد نسخ أخرى غير منمرة لا تقل عن ألفي نسخة,
    وبما أننا تكلمنا على نسخ العهد الجديد بالأصل اليوناني يحسن بنا أن نتكلم أيضاً عن نسخه المترجمة? لا سيما وأن بعضها مترجم من قبل الهجرة بزمان طويل? منها ما هو منقول عن باشيطا السريانية ويبلغ على الأقل عشر نسخ مؤرخة في القرن الخامس? ونقل عنها ثلاثون نسخة مؤرخة في القرن السادس, وفي كلامنا عن العهد القديم أشرنا إلى ترجمات باللغات القديمة التي ليس على وجه الأرض من يحسن التكلم بها كلغته الأصلية? وكذلك ترجمات العهد الجديد, والكل محفوظ في متاحف الآثار? ويرجع تاريخها إلى ما قبل عصر محمد بمئات السنين إلا ترجمة واحدة كتبت في عصره ولكن قبل هجرته وسيأتي ذكرها,
    ولتفصيل ذلك نقول إنه يوجد اليوم نسخ كثيرة من الترجمات القديمة للعهد الجديد إلى اللغة السريانية أشهرها - باشيطا - ترجمت ما بين القرن الثاني والثالث للميلاد? ونسخة فيلطس السريانية تمت سنة 508 م ونقحها توما الهرقلي سنة 616, ووجد عدا هذه ترجمات أخرى سريانية? ومما يدل على وجود هذه الترجمات السريانية للعهد الجديد قديماً هو أن طاطيان المولود سنة 110 م ألف اتفاق البشيرين الأربعة وعندنا ترجمته باللغة الأرمنية واللاتينية مع اختلاف طفيف, وعن السريانية ترجم ابن الطبيب المتوفي سنة 1043 نسخة عربية تُسمى دياطسرون ومعنى ذلك - اتفاق البشيرين - , واكتشفوا حديثاً قطعاً من ترجمة العهد الجديد من اليوناني إلى سريانية فلسطين التي كانت في عهد المسيح? وكتبت هذه الترجمة في القرن الرابع إن لم يكن قبله? ثم نسخة سنة 600 م وتُسمى نسخة كليماكوس وتشتمل على أجزاء من البشائر الأربع وسفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول,
    وتُرجم العهد الجديد إلى اللاتينية قديماً كما يقرر ذلك أغسطينوس وإيرونيموس, قال الأخير : وُجدت ترجمات في بعض الأحيان لم تبلغ حدها في الصحة وذلك من جهل المترجمين, وأضبطها كلها الترجمة اللاتينية القديمة ويرجع تاريخها إلى القرن الثاني للميلاد? ومع ذلك رأى إيرونيموس وجوب إيجاد ترجمة تكون أكثر ضبطاً من تلك لسد حاجة الشعب? فترجم العهد الجديد إلى اللاتينية ما بين سنة 383 و385 م وتُسمى الترجمة العامية وتوجد على الأقل ثمانية آلاف نسخة مخطوطة عن الترجمة العامية المذكورة? بعضها مؤرخ في القرن الرابع وبعضها في الخامس إلى السادس, وهذا كله تم قبل زمان محمد,
    وقد ذكرنا في ما مضى أن العهد القديم تُرجم إلى اللغة القبطية في اصطلاحاتها الثلاثة? وهنا نقول إن العهد الجديد تُرجم كذلك? فالترجمة البحيرية تمت ما بين القرن الثالث والرابع? والترجمة الصعيدية تمت في ذلك التاريخ, وأما اللهجة البشمورية فكانت انقسمت إلى ثلاثة لهجات الفيومية والأخميمية والأقاليم الوسطى? وإلى كل واحدة من هذه ترجم بعض أسفار العهد الجديد أو كلها وأقدمها جميعاً الترجمة القبطية الصعيدية? ونسخها الأصلية ترجع إلى القرن الرابع والخامس,
    والترجمة القوطية ترجمت نحو سنة 360 م وأقدمها نسخة أصلية لها كتبت إما في القرن الخامس أو السادس,
    * * *
    وهنا نتخذ وسائل أخرى لإقامة حجتنا عدا النسخ الأصلية والترجمات القديمة لأسفار العهد القديم والجديد التي فصلناها, فنقول إن كتابنا المقدس في العصر الحاضر هو عين الكتاب الذي كان قبل محمد? وذلك من الاقتباسات التي نُقلت عنه في مؤلفات المسيحيين القدماء في لغات مختلفة يوناني ولاتيني وسرياني وقبطي, ففي هذه المؤلفات وردت آيات كتابية كثيرة جداً? بحيث لو ضاع الكتاب من العالم يُجمع ثانية من هذه الاقتباسات, واعتبر هذا الدليل قياساً على القرآن, ألم تر في مؤلفات المسلمين آيات كثيرة منه ?ولسنا مبالغين إن قلنا إنه ضاع القرآن اليوم? يُعاد من الاقتباسات الواردة في التفاسير والمؤلفات الإسلامية وصدور الحفظة الكثيرين, ومثل هذا إن لم نقل أكثر منه يوجد في مؤلفات المسيحيين, وأغرب من ذلك أن في مؤلفات الوثنيين القدماء أقوال ليست بقليلة مقتبسة من الكتاب المقدس? مثل كتابَي سلسوس فورفيري وجوليان الكافر, وعدا الاقتباسات الصريحة الواردة في مؤلفات المسيحيين القدماء يؤخذ من مضامينها ما يطابق تمام المطابقة حقائق الكتاب المعروف الآن? مثل أعمال المسيح وموته وقيامته وصعوده إلى السماء? ومثل الفداء إلى غير ذلك,
    * * *
    وعندنا أدلة أخرى عدا هذه وتلك تثبت ما نحن بصدده يمكننا تسميتها بالأدلة الأثرية? ففي مدينة روما اكتُشفت قبور كثيرين من مسيحيي القرون الأولى للمسيح في سراديب تحت الأرض منقوش عليها كتابات وصور يؤخذ منها إن هؤلاء المسيحيين يؤمنون بالعقائد التي يعلمنا إياها الإنجيل الآن, وأظن في هذا القدر كفاية لإقناع كل معاند ومكابر بأن أسفار العهد الجديد والقديم محفوظة بتمامها ونقاوتها من قبل عصر محمد الذي منها يقتبس ولها يشهد وإياها يحترم, وأن هذه الأسفار مُحصاة في جداول بين أيدي اليهود والمسيحيين تبيّن أنها أسفار موحى بها من الله? وكلها نص واحد قديمها وجديدها بمتونها الأصلية وترجماتها? لا يوجد بينها إلا اختلاف في القراءات كما أشرنا إلى ذلك في موضعه,
    من أجل ذلك عندما يأمر القرآن محمداً أن يسأل أهل الكتاب عما جاء فيه من التعاليم يجب على المسلمين أن يفهموا ويتأكدوا أنه يقصد الكتاب الذي بين أيدينا الآن? لأنه هو الأسفار المقدسة الموجودة بين أيدي اليهود والمسيحيين في كل العالم لا غير, وقد رأينا في الفصل الأول أن القرآن يذكر في مواضع كثيرة الأقسام الرئيسية لهذا الكتاب? وهي التوراة والزبور والأنبياء والإنجيل? ويرفعها إلى أعلى مراتب الكرامة? فيسميها تارة كلام الله وكتاب الله وتارة الفرقان والذِّكر ويهدد بأشد أنواع العذاب الذين كذبوا بها - سورة المؤمن 40 :70 - ويقول القرآن إنه نزل ليكون مهيمناً عليه - سورة المائدة 5 :48 - ويأمر المسلمين أن يؤمنوا بها كإيمانهم بنفس القرآن - سورة البقرة 2 :136 وسورة آل عمران 3 :84 - ,
    وبما أنه قد ثبت بالأدلة القاطعة إن كتابنا المقدس هو كتاب الله فيجب عليكم حتماً أن تطالعوه باحترام ودعاء عسى أن يفتح الله الرحمن الرحيم أذهانكم لفهمه حتى تروه كما وصفه القرآن هدى وذكرى لأولي الألباب .
    أسفار العهد القديم والجديد لم تتحرَّف
    رأينا في الفصل الماضي أن الكتاب المقدس معدود في القرآن كلام الله ورأينا في أكثر من موضع من القرآن أيضاً أن كلام الله غير قابل للتبديل والتغيير, فإذا كانت هاتان المقدمتان صحيحتين كانت النتيجة ضرورة هي عدم تحريف الكتاب المقدس?لا قبل محمد ولا بعده,
    إلا أن هاتين المقدمتين تؤديان بنا إلى تصفُّح القرآن لنرى ماذا يقول في هذا الصدد? وكيف فسر أقواله المفسرون المعتبرون?مع العلم بأنهم لم يتفقوا على رأي واحد في هذه المسألة? وإنما لا يؤيدون الرأي العام الذي وُضع عند جهال المسلمين,
    ورد في سورة الكهف 18 :27 وَا تْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ لا شك أن كلمة كتاب تشير إلى القرآن? ولكن قوله - لكلماته - تشمل الكتاب المقدس لأنه كلام الله, وبناءً عليه لا يكون مبدل لكلمات الكتاب المقدس, وهاك تفسير البيضاوي قال : لا مبدل لكلماته لا أحد يقدر على تبديلها أو تغييرها غيره ,
    وورد في سورة يونس 10 :64 لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ قال البيضاوي أي لا تغيير لأقواله ولا اختلاف لمواعيده , وورد في سورة الأنعام 6 :34 العبارة عينها - لا مبدل لكلمات الله - وجاءت مرة أخرى في آية 115 نعم قد ذكر البيضاوي على الآية الأخيرة أن الكتاب المقدس محرف? ولكن لم يقصد التحريف الذي يقوله عامة المسلمين كما سترى في ما بعد,
    لما فحص علماء المسلمين في الهند هذه المسألة اقتنعوا في الوقت الحاضر بأن أسفار العهدين ليست بمبدلة ولا بمغيرة ولا محرفة حسب فهم العامة, ولعلهم بنو آراءهم على تفسير الإمام فخر الدين الرازي لأنه في تفسيره آل عمران 3 :78 يجيب معترضاً يسأل كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس فيجيب أولاً على سبيل التخمين : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل يجوز عليهم التواطؤ على التحريف? ثم أنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام, وعلى هذا التقدير يكون التحريف ممكناً , فنجيب أولاً أن هذ اليس رأي المفسر? بل يفرضه فرضاً, وأما رأيه فهو هكذا إن الآيات الدالة على نبوة محمد كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب? والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة? فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين, واليهود كانوا يقولون مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم? فكان هذا هو المراد بالتحريف وبليّ الألسنة - الرازي المجلد 2 - وانظر تفسيره على - سورة النساء 4 :45 مجلد 3 - حيث يعيد هذين الرأيين ويضيف عليها رأياً آخر خلاصته أن قوماً من اليهود اعتادوا أن يدخلوا على الرسول يسألونه المسألة فيجيبهم عليها? ومتى خرجوا من عنده يحرفون كلامه, وبناء على هذا الرأي لا يكون اليهود حرفوا كتابهم بل حرفوا جواب محمد على سؤالهم, وعلى كل حال عني الرازي بالتحريف الواقع من اليهود تحريف الشروح بالآيات الكتابية لا الآيات نفسها? وهو التحريف المعنوي لا اللفظي,
    وحكى الرازي في تفسيره على سورة المائدة 5 :15 قصة مآلها أن اليهود فيما هم يقرأون التوراة - تث 22 :23 - لووا ألسنتهم وبدَّلوا معنى الرجم بالجلد ولم يمسوا لفظ الآية المكتوبة بأقل تحريف, وحكى البيضاوي في تفسيره سورة المائدة آية 44 هذه القصة عينها للدلالة على أن معنى التحريف المشار إليه في الآية التحريف المعنوي وهو المقصود بليّ الألسنة? وفسر قوله يحرفون الكلام من بعد مواضعه أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها? إم الفظاً بإهماله وتغيير وضعه? وإما معنى بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده ,
    فإن أردت أن تعرف أي الرأيين هو الرأي الصحيح فما عليك إلا أن تراجع سفر التثنية 22 :23 و24 في الأصل العبري أو في أية ترجمة حديثة أو قديمة? فتجد أية الرجم التي نسبوا إليها التحريف باقية على أصلها كما بينها القرآن والحديث في عصر محمد? وبذلك نعلم أن اليهود لم يحذفوا شيئاً من الآية ولا أمالوها عن موضعها, بقي الرأي الآخر وهو التحريف المعنوي الذي توصلوا إليه بتغيير المعنى? ومن العجب أن آية الرجم التي قالوا إن اليهود حرفوها كانت في القرآن كما نعلم من الحديث? ثم لا نرى لها الآن أثراً,
    جاء في مشكاة المصابيح أن عمر قال أن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب? فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم? رجم رسول الله ورجمنا بعده? والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء? إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ]متفق عليه[, ]من الفصل الأول من كتاب الحدود[, ولكن لما جمع زيد بن ثابت القرآن حذفت هذه الآية لئلا يُقال عن عمر إنه زاد على القرآن, فإن صدق عمر في ما رواه يكون تحريف الكلام عن مواضعه المنوه عنه في القرآن في سورة المائدة 5 :44 واقعاً في القرآن لا في التوراة? ويكون المحرفون هم المسلمين لا اليهود!!
    اتهم القرآن اليهود بكتمان الحق وهم يعلمون به? وبليّ ألسنتهم في الإجابة عن تعليم توراتهم في هذا الموضوع? واتهمهم بنبذ كتاب الله وراء ظهورهم وبالتحريف, وجاءت التهمة الأخيرة في أربعة مواضع منه - سورة البقرة 2 :75 وسورة النساء 4 :46 وسورة المائدة 5 :14 و44 - ولنا أن نلاحظ أن هذه الدعاوى مهما يكن من أمرها فإنها موجهة إلى اليهود فقط لا إلى المسيحيين? وعليه تكون أسفار العهد الجديد سالمة من مظنة هذه التهم? سواء قبل محمد أو بعده, بقي علينا أن نتساءل في تفسير ما عناه القرآن باتهامه اليهود بهذه التهم? وقد مر عليك تفسير الرازي والبيضاوي لثلاثة من الأربعة مواضع المذكورة سابقاً, ونتكلم الآن على الرابع وهو سورة البقرة 2 :75 اتفق المفسران البيضاوي والرازي أن المراد بالتحريف المذكور هنا تشويه التفسير وكتمان الحق - راجع سورة الأنعام 6 :91 حيث عزي إلى اليهود أنهم جعلوا الكتاب قراطيس أبدوا منه ما أبدوا وأخفوا ما أخفوا - وإن يكن هذا العمل ممقوتاً إلا أنه بمعزل عن تبديل آيات الكتاب لأن إخفاء القرطاس يختلف عن تبديل ما ورد فيه,
    ثم إن سألنا متى حرف اليهود توراتهم أجاب البيضاوي : حرفه أسلاف اليهود المعاصرين لمحمد, وأجاب الرازي : حرفه معاصرو محمد بالذات, على أن ذينك الإمامين أجابا بالجوابين المتقدمين رداً على من تصور أن التحريف لفظي ووقع كتابة? وهم يتبرآن من هذه الدعوى, ولهذه المناسبة قال الرازي في مجلد 3 في كيفية التحريف وجوه - أحدها - أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر? مثل تحريفهم اسم ربعة عن موضعه في التوراة? بوضعهم آدم طويل مكانه? ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله ونظيره قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله, فإن قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب, قلنا : لعله يُقال القوم كانوا قليلين والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة? فقدروا على هذا التحريف, ثم أن الرازي دحض هذا الجواب بقوله - والثاني - أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية? كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم? وهذا هو الأصح - الثالث - أنهم كانوا يدخلون على النبي ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به? فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه ,
    هذا رأي الرازي? ونتيجته أنه برأ اليهود من تهمة تبديل آيات التوراة, وعليه لما قال أن القرآن يؤكد وقوع التحريف بالتوراة ينبغي أن نفهم مقصوده الحقيقي لا الدعوى الباطلة التي يدّعيها جهلاء المتأخرين,
    ومما تقدم نجاوب على كل من يدّعي أن الكتاب المقدس محرف في نصوصه? وأن الكتاب الصحيح غير موجود اليوم يكون مكذباً ومخالف الآيات القرآن الصريحة التي تشهد أنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه? لأن من أهم أغراض القرآن أنه جاء ليكون مصدقا للكتاب المقدس, فكيف يصح أن يشهد له أنه صحيح وحق وموحى به من الله وهدى للناس? ثم يعود فينسب إليه التغيير وضياع الثقة منه وعدم التعويل عليه ?لأنه إن صحَّ هذا يكون القرآن قد ناقض بعضه بعضاً,
    ليس أحد يؤمن بالإله الحق يقدر أن ينسب إليه تعالى أنه أنزل القرآن مصدق الكتاب مبدَّل ومغيَّر ومشوش التعاليم في العقائد الدينية, وقد فطن لهذه النظرية الإمامان البيضاوي والرازي اللذان اقتبسنا تفسيرهما? وجزما بأنه لم يقع في الكتاب المقدس تغيير قط? لا قبل العصر المحمدي ولا بعده,
    بقي للمعترض أن يقول : وقع التغيير في الكتاب المقدس في ذات عصر محمد? والرد على اعتراض كهذ الا يكلفنا مشقة ولا عناء? لأننا نجيب قائلين إن الأسفار المقدسة التي أشرنا إليها في مقدمة كلامنا كُتبت قبل عصر محمد بزمان طويل? والكتاب المتداول اليوم منسوخ عن ذلك الأصل? وعليه لا يتصور عاقل إجماع اليهود والنصارى على تغيير أسفارهم وقد انتشرت في كل العالم,
    ومع هذا فإن عامة المسلمين وبعض علمائهم العديمي الخبرة بالموضوع لا يزالون يتصورون أن الكتاب المقدس بحالته الحاضرة مغيَّر, وإن سألتهم : متى وقع ذلك التغيير ?لا يتفقون على جواب واحد? فيقول البعض : قبل عصر محمد? وآخرون : بعده, ويقول قائل منهم : قبله وبعده! وحتى يُثبتوا مزاعمهم عكفوا على كتب الكفرة والملحدين بكل دين? يلتقطون منها كل اعتراض سخيف ويحاربون بها الكتاب المقدس استظهارا لزعمهم بالتغيير? وجهلوا أو تجاهلوا أن هذه الاعتراضات التي تسلّحوا بها دُحضت منذ زمن طويل? ولم تعُد مقبولة بين العلماء الغربيين? ونرجو أن علماء المسلمين المحققين إن انخدعوا بها اليوم لا ينخدعون بها غداً,
    حُكي أن بعض المسيحيين من أهل القرون الأولى بعد المسيح اتهموا اليهود بتهمة تغيير النصوص الإلهية كما يتهم المسلمون? لأنهم وجدوا فروقاً في أعمار الآباء المذكورين في أصحاح 5 و10 من سفر التكوين ما بين النسخة العبرية والترجمة السبعينية? فعللوا هذه الفروق بعلة التغيير, ولكن الذين ادعوا هذه الدعوى هم جهلاء المسيحيين لا علماؤهم, وأما الآن وقد مضى نحو ألف وأربعمائة سنة على الموضوع وقد درس الكتاب جيد الم يبق بين علماء الغرب من يدعي بأن اليهود غيروا توراتهم? لا في الموضع المشار إليه ولا في سواه, ثم أن بعض كتاب المسلمين اعترضوا على اختلاف القراءات التي يُقرأ بها الكتاب? واستدلوا بها على إفساد نصوصه, إلا أن هذه النظرية باطلة? لأنه توجد نسخ أصلية كثيرة ما بين عبري ويوناني ولغات أخرى إن قارنتها بعضها على بعض لا تخلو بطبيعة الحال من اختلاف القراءات كما هي الحال في جميع الكتب القديمة, ويا ترى ما جنس تلك القراءات المختلفة ?إن أكثرها يرجع إلى اختلاف في الهجاء? مثل كلمة صلاة العربية تارة تكتب بالواو وتارة بالألف? ومثل كلمة قيامة تارة تكتب بالألف وتارة بدونها, ويرجع بعضها إلى اختلاف في تصريف الأفعال? كاختلاف القراءات القرآنية التي أشار إليها المفسرون وأثبتوا أنواعها في تفاسيرهم? ومن ذلك قراءات هذه الآية ما ننسخ من آية أو ننسها - البقرة 2 :106 - ,
    مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا قراءة حفص
    مَا نُنْسِخْ الخ قراءة ابن عامر
    نَنْسأَهَا قراءة ابن كثير وأبو عمرو
    مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنَسِّهَا قراءة آخرين
    تَنْسَهَا قراءة آخرين
    تُنْسَهَا قراءة آخرين
    نُنْسِكِهَا قراءة آخرين
    مَا نُنْسِكَ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسَخْهَا قراءة عبد الله
    وفي سورة البقرة 2 :285 أشار البيضاوي إلى قراءات مختلفة
    وَكُتُبِهِ قراءة حفص
    وَكِتَابِهِ قراءة حمزة وصاحب الكشاف
    لَا نُفَرِّقُ قراءة حفص
    لَا يُفَرِّقُ قراءة يعقوب
    لَا يُفَرِّقُونَ قراءة آخرين
    ويقبل علماء السنيين قراءات أخرى على ما تقدمت الإشارة إليه من ذلك سورة الأنعام 6 :91 وسورة مريم 19 :35 وسورة القصص 28 :48 وسورة الاحزاب 33 :6 وسورة سبأ 34 :18 وسورة ص 38 :22 فهذه القراءات مهما تكن لا تغير معاني القرآن تغييراً يستحق الذكر? ولا تؤثر أقل تأثير في عقائده, فإن قام كاتب مسيحي واحتج باختلافات القراءات على وقوع التغيير في متن القرآن ألا يستجهله المسلمون أو يرمونه بالتعصب الذميم ?فمثل هذا الحكم يجب أن يُحكم به على الذين يتخذون قراءات كتابنا حجة على تغييرها,
    ثم أن اختلاف القراءات في الكتاب المقدس يوجد أكثر مما في القرآن? ولذلك جملة أسباب :
    1 - لأن حجمه أربعة أضعاف القرآن,
    2 - إنه أقدم من القرآن بكثير,
    3 - إنه كُتب في ثلاث لغات العبرية واليونانية والآرامية وكتب القرآن بلغة واحدة وهي العربية,
    4 - إحصاء القراءات في التراجم القديمة كلها ولو قد ثبت أن كثيراً منها غلطات وقعت من المترجمين ولم ينتج عنها اختلال جوهري,
    5 - أُحصيت القراءات بعناية عظيمة وتدقيق كلي أكثر بكثير من العناية التي بُذلت في إحصاء القراءات القرآنية,
    6 - وأهم من الكل أن الكتاب المقدس لم يصلحه ولا راجعه أحد قبل النشر? كما عمل عثمان ثالث خلفاء محمد بالقرآن? فقام على النسخ القديمة وأحرقها? ولم يُبقِ على نسخة إلا نسخة حفصة? ثم ألحقها مروان على ما قيل بأخواتها فأحرقها, ومع كل ذلك إن عرضنا على ميزان الاعتبار والفحص كل القراءات المختلفة الواقعة في الكتاب المقدس لا نجد شيئاً منها يمس جوهره,
    وقد اتفق أن المفسرين المسيحيين لما عسر عليهم فهم كلمة أو آية من الكتاب تصوروا أنها وقعت خطأ من الناسخ واعتبروها مصحفة - أي وقعت بخطإٍ من الناسخ - , ولما اطلع علماء الإسلام على شيء من ذلك ترجموا عن غير علم كلمة مصحف بمغيَّر أو محرَّف مثل الشيخ رحمة الله الهندي? فإنه بناءً على ذلك ادّعى أن علماء النصارى يسلّمون بوقوع التغيير في كتابهم, مع أن المسألة بسيطة جداً? لأن الكلمة التي لم يفهمها المفسرون وظنوا أنها مصحفة كانوا يشيرون إليه الأجل مراجعتها وتصليحها,
    ومن أمثلة ذلك كلمة وردت في دانيال 3 :2 و3 بالآرامية وهي - تفتايي - ولم توجد قط في كتاب آخر ولم يعرف معناها بالتدقيق ولا المادة المشتقة منها? فظن بعض المفسرين أن هذه الكلمة مصحفة أي خطأ من الناسخ? ولكن منذ سنين قليلة اكتشفوا كتابات آرامية قديمة في الآثار المصرية وردت فيها الكلمة المذكورة? وعرفوا معناها بالتدقيق وأصل اشتقاقها ومن هنا نعلم كيف حُفظت الأسفار بالصحة والضبط حتى في مثل هذه الكلمة,
    وحدثت مثل هذه الكلمة في الكتاب المقدس على المنوال الذي به حدثت نظائرها في القرآن? من ضمنها قوله إن هذان - سورة طه 20 :63 - فكان من المحتمل أن بعض المفسرين يرتابون في صحة هذه العبارة ويقودهم ريبهم إلى اتحاذ الوسيلة لتصحيحها? كما أنهم صححوا بالفعل كلمة يفرق بكلمة يفرقون جرياً على سياق الكلام - سورة البقرة 2 :285 قراءة يعقوب - وظنها بعضهم مصحفة عن كلمة نفرق في - قراءة حفص - وأشار إلى ذلك البيضاوي,
    ليس من مقصدنا هنا إيراد القراءات المختلفة التي جاءت في القرآن? بل نضرب لكم مثل الإزالة ما عساه يكون قد علق بأذهانكم من الشبهة في ما يقابل هذه القراءات في الكتاب المقدس, وأما القراءات في كتابنا فتنقسم باعتبار أهميتها إلى ثلاثة أقسام : - 1 - القراءات الناتجة عن إهمال الناسخ أو جهله - 2 - وتلك التي اقتضاها بعض النقص في الأصول المنسوخة - 3 - وتلك التي وضعت لتصحيح عبارة ظنها الكاتب الأخير خطأ من الكاتب الأول? وهي ليست بخطأ, ولا يسوغ عقل أن أحداً من المسيحيين قصد أن يتلف كتابه الذي يدين به ويهتدي بنوره, نعم إن بعض الهراطقة ليبرهنوا عقيدة عندهم أتوا بآيات ليس لها وجود إلا في نسخهم الخاصة من العهد الجديد, كما ادّعوا بأن الآيات التي تنقض تعليمهم لم تكن موجودة في النسخ الأصلية? ولو أن هؤلاء الهراطقة بلغوا لهذه الدرجة فإنهم لم يقصدوا أن يتلفوا كتابهم? وغاية ما في الأمر أنهم انخدعوا ببعض الأضاليل, غير أن المسيحيين على العموم ميزوا في كل وقت وفي كل حال الخطأ المدخل في نسخ الكتاب بمقابلتها على النسخ القديمة.
    ثم نقول لو فرضنا أن فريقاً من اليهود أو النصارى غلت مراجل الحقد والتعصب في قلوبهم ضد الإسلام فتواطأوا معاً واجتمعت كلمتهم أن يحذفوا من التوراة والإنجيل كل ما يتعلق بمحمد? وقد فعلوا, فماذا يكون رأيك في بقية المسيحيين واليهود المتفرقين في كل أنحاء العالم ?فإنهم بدون شك يرفضون أعمال تلك الجمعية الشيطانية? ويرفضون الكتاب المزور خوفاً من أن يشتركوا في جريمتهم العظيمة, ومالنا ولهذا الفرض ?ففي وقائع التاريخ ما يغنينا عنه, لقد حدث قبل محمد بزمن طويل أن الهراطقة سعوا كثيراً? لكنهم عجزوا أخيراً عن أن يحرفوا العهد الجديد على وفق مبادئهم? وهذا يدل على عدم إمكانية هذا المشروع, وحاول رجل من أهل العصور الأولى اسمه ماكرون أن يحذف الأصحاحين الأولين من بشارة لوقا فلم يفلح? لا بين الجمهور? ولا بين فريق قليل منهم.
    ثم نقول لو أن ملكاً أو صاحب سلطة سياسية قام بعد وفاة موسى بقليل وجمع كل نسخ التوراة أو أصحاحات منها وأحرقها? واستنسخ توراة جديدة من محفوظات بعض اليهود? ومن السطور المكتوبة على العظام وشقق الأخشاب ونشرها بأمر سلطاني? وألزم رعاياه في كل مكان بالاعتماد على هذه النسخة الجديدة? لما كانت تبلغ قراءاتها المختلفة إلى المقدار الذي بلغت إليه بدون هذا الفرض, إلا أننا كنا نقع في ورطة أدهى وأمر بكثير من اختلاف القراءات? هي ضياع الثقة من التوراة بالمرة? لأنه لا يبقى دليل على أن النسخة الجديدة طبق الأصل? وتكثر الظنون في البواعث التي حركت ذلك الملك أن يفعل تلك الفعلة المنكرة.
    وكذلك تكون النتيجة لو وقع مثل هذا الفرض لأسفار العهد الجديد في ختام القرن الأول للمسيح? لأنه كان يتعذر علينا اليوم الإتيان بدليل شاف أن النسخة الجديدة موافقة للأسفار التي أُحرقت وتلاشت من الوجود? وتبقى الأذهان مرتبكة ومرتابة في صحتها إلى يوم يبعثون! ولكن لله الحمد? فإن مثل هذ الم يقع في كتابنا? لا في أسفار العهد القديم ولا في أسفار العهد الجديد, والحمد لله الذي لم يسمح أن يكون بيننا عثمان? ولا بين اليهود الحجاج,
    قد حدث أن بعض أباطرة الرومان الوثنيين شرعوا أن يحرقوا نسخ الكتاب المقدس على أمل أن يلاشوه من الوجود? لا ليستنسخوا كتاباً جديداً على هواهم? فدافع المسيحيون عن كتابهم وفدوه بدمائهم, وكثيراً ما شرع مضطهِدوهم بمثل هذا الشروع فلم يفلحوا,
    ولو فرضنا أن كل كتبنا أُحرقت عن آخرها بحيث لم يبق كتاب واحد? لكان المحروق هو الورق فقط? ولكانت كلمة الله هي الباقية, جاء في هذا المعنى يَبِسَ الْعُشْبُ? ذَبُلَ الزهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلَهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الْأَبَدِ - إشعياء 40 :8 - , تبقى وتثبت بوسائط كثيرة? منها أن كثيرين من المسيحيين في كل عصر شغفوا بالكتاب المقدس حتى استظهروا أهم اجزائه? سيما المزامير وأسفار العهد الجديد, وعليه لا يمكن أن نتصور ملاشاة الكتاب من الأرض والمسيحيون على ظهرها,
    لما حدث الاضطهاد العظيم في فرنسا في القرن السادس عشر أقبل قسوس كنائس الإصلاح إلى الكتاب المقدس يحفظونه غيباً, حتى إذا سُلب من بين أيديهم يكون مدخراً في صدورهم ليستقوا من ينبوع الحياة رأساً ويرووا الآخرين, وقد أصبح معلوم الدى جميع الذين لهم قسط من الفطنة ما بذلته اليهود والنصارى من منتهى الجهد والحذر في الاحتفاظ على أسفارهم الإلهية نظير أرواحهم? وأصبحت الدعوى عليهم بأنهم بدلوا وغيروا أسفارهم قبل أو بعد الهجرة دعوى باطلة لا تصدر إلا من جاهل أو متعصب!
    ولزيادة الشرح نقول : ما الفائدة التي كانت ترجوها اليهود والنصارى من وراء هذه الفعلة المحرمة? وكلٌّ يعلم بحكم العقل والنقل عظم جريمة تحريف الكتب الإلهية? وقد ورد

    «« توقيع minas »»

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    آخر نشاط
    12-05-2004
    على الساعة
    03:35 PM
    المشاركات
    5

    افتراضي

    2
    ولزيادة الشرح نقول : ما الفائدة التي كانت ترجوها اليهود والنصارى من وراء هذه الفعلة المحرمة? وكلٌّ يعلم بحكم العقل والنقل عظم جريمة تحريف الكتب الإلهية? وقد ورد في ختام العهد الجديد ذكر دينونة هائلة تحيق بمن يحذف أو يزيد شيئاً على ما هو مكتوب في الكتاب ?وورد مثل ذلك في العهد القديم - تثنية 4 :2 ورؤيا 22 :18 و19 - وفضلاً عن كونهم لا يستفيدون شيئاً بل يخسرون رجاءهم فإنهم يعلمون أنهم بتحريفهم كتابهم لا يضرون أنفسهم فقط بل يضرون أولادهم وأحفادهم وهلم جراً,
    وعدا ذلك نقول إن محمد الم يلبث زمناً طويلاً حتى بات ذا سلطان عريض وجنود وبيت مال? وكان الأقربإلى العقل أن النصارى واليهود الذين في بلاد العرب على الأقل لو كان في كتابهم أخبار عنه أو خبر? لكانوا أسرعوا به إليه والنسخة في أيديهم تزلّفاً إليه? إن لم يكن حباً في الدين فحباً في الدنيا, ولكان محمد وأتباعه يحرصون الحرص كله على كل تلك النسخ العزيزة التي شهدت له وشهد لها? عوضاً عن أن يحذفوا من كتابهم تلك الأخبار? ويعرّضون أنفسهم بغير داعٍ لحرب لا قِبل لهم بها? ويدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون - سورة التوبة 9 :29 - وينحدرون من مقام الحرية والمساواة إلى مقام الذمي الوضيع? ويبيتون هدفاً من آونة إلى أخرى للمذابح والفظائع كالتي جرت حتى في القرن العشرين في أطنة وما جاورها,
    وكم من المشاهد المؤلمة تمثلت على مسارح الإسلام جيلاً بعد جيل بتحريض سورة التوبة على ألسنة حكام السوء وجمهور العوام,
    لو كان اليهود والنصارى آمنوا بمحمد ورحبوا برسالته على العين والرأس لما نجوا فقط من هذه الرزايا? بل كانوا شاركوا المسلمين في حظوظهم وامتيازاتهم الدنيوية, لكن أبت نفوسهم أن ترد هذا المنهل? واعتصموا بإيمان آبائهم ولم يعيروا جانباً من الالتفات لخطبة الجمعة المذيلة بدعاء التهديد والإرهاب ينادى بها على المنابر في سائر أطراف مملكة آل عثمان? كقول الخطيب على منبره : اللهم رمِّل نساءهم? ويتِّم أطفالهم? وخرِّب كنائسهم? وكسر صلبانهم? واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين الخ , أليس من البيّن والجلي أنه إذا وُجد يهودي أو مسيحي كائن من كان جزءاً في كتابه يأمره بانتظار نبي من جزيرة العرب اسمه أحمد لكان بكل سرور اندمج في سلك الصحابة والتابعين? ويفوز بسعادة الدارين ?ولست بمبالغ إن قلت إن الترغيبات التي اقترنت بالإسلام من نعيم الدنيا ومجده الجدير به الولا عناية الله ومخافته أن تغري أهل الكتاب لا أن يحذفوا منه خبر محمد بل يختلقوه فيه ويحشروه في كل فصل من فصوله, فعدم إدخال اليهود والمسيحيين خبر محمد في أسفارهم? وقد بلغ محمد وخلفاؤه ما بلغوا من السلطان أعظم دليل عند من وهبهم الله العدل والإنصاف على أمانة أهل الكتاب في حفظهم كتابهم على أصله بدون زيادة ولا نقصان,
    ولو فرضنا أن طائفة من طوائف النصارى أو اليهود أضمرت السوء لمحمد حسداً وحقداً وحذفت خبره من الكتاب? لالدفع غُرم ولا لجلب غُنم? بل على سبيل المكيدة? لظهرت مكيدتهم للطوائف الأخرى وبادروا إلى إصلاح التحريف وردّوا الكتاب إلى أصله, وغني عن البيان ما بين النصارى واليهود من العداوة القديمة وما بين طوائف النصارى من الاختلاف المذهبي في دقائق الدين مما لا يتصور معه جمع كلمتهم والتأليف بين آرائهم على تغيير كتابهم, ولو فرضنا أنه أمكن ذلك بين يهود ونصارى جزيرة العرب فلا يمكن تعميمه في كل جهات العالم? وكانت تقع تلك الفئة الباغية تحت سخط الجمهور في كل مكان,
    وعدا ذلك فإنه نبغ في العالم مؤرخون عظماء بين النصارى واليهود والمسلمين في عصر محمد وقبله وبعده وسجلوا في مؤلفاتهم حوادث الزمان, وباطلاعنا على توراتهم لم نر أثراً في تاريخ أحد منهم يدل على تواطؤ النصارى واليهود على حذف شيء من الأسفار المقدسة يتعلق بمحمد ولا بغير محمد,
    وإن فرضنا أنه وُجد بين النصارى أو اليهود طائفة انتزعت مخافة الله من قلوبهم والحياء من الناس? بحيث لم يعودوا يبالون بعذاب الله ولا بملام الناس? وشرعوا يحذفون خبر محمد من التوراة والإنجيل? فإنهم يجدون ذلك ضرباً من المحال بسبب أن الديانة المسيحية وكتبها قبل الهجرة كانت قد انتشرت انتشاراً عظيماً? حتى أن سكان آسيا الصغرى وسوريا واليونان ومصر والحبشة وشمالي أفريقيا وإيطاليا قد اعترفت بالمسيح, بل وأكثر من ذلك فإن كثيرين في جزيرة العرب وبلاد فارس والأرمن والقوقاز والهند وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وانكلترا وألمانيا قد قبلوا المسيحية أيضاً? ولهذه البلاد لغات مختلفة تُرجم الكتاب إلى كثير منها،فتُرجم إلى الطليانية والأرمنية والأشورية والقبطية والكوشية والقوطية والقوقازية, وعدا هذه كانت التوراة موجودة في الأصل العبراني والعهد الجديد موجوداً في الأصل اليوناني? وتُرجمت التوراة كلها إلى اليونانية? وسُميت الترجمة السبعينية? وتُرجم كثير منها إلى الآرامية من قبل ميلاد المسيح,
    ولا يخفى على أحد أن اليهود متفرقون في أنحاء العالم وبالأكثر في الجهات المشار إليها? وهم منقسمون إلى طوائف مختلفة, وكذلك المسيحيون منقسمون إلى طوائف كثيرة متضادة? فلا تقدر إحدى طوائف اليهود أو النصارى أن تُقدم على هذا المشروع خشية من تشهير الطوائف الأخرى بها, وعلى ما تقدم مهما يكن المرء أحمق أو مختل العقل فلا يبلغ منه الحمق والخلل حداً يتصور له معه إمكانية اتفاق اليهود والنصارى? هؤلاء مع اختلاف طوائفهم? وأولئك مع اختلاف طوائفهم وتوحيد رأيهم على تغيير أسفارهم الإلهية, وإن فرضنا المستحيل وقلنا بل اتفقوا كلهم وغيروا كتابهم وجردوا صحائفه من السيرة المحمدية? فماذا عسانا نقول عن النسخ التي اكتُشفت بعد عصر محمد ويرجع تاريخها إلى ما قبله ? فمن يا ترى غيَّر هذه أيضاً وهي تحت الأرض مخفية مع الآثار القديمة, هل انضمت جماعة الجن إلى حزب المتواطئين ?ثم أن للمسيحيين مؤلفات دينية تفوق الحصر تشتمل على اقتباسات في مواضيع مختلفة من الكتاب المقدس? فهل راجع المتواطئون هذه المؤلفات أيضاً ونقحوها من سيرة النبي العربي ?
    والأغرب من ذلك كله أنه بينما يزعم المسلمون أننا غيَّرنا كتابنا وحذفنا منه البراهين على رسالة نبيهم? يحاول علماؤهم الراسخون أن يثبتوا وجود هذه البراهين في كتابنا اليوم, فإن صدق علماؤهم? وكان في الكتاب براهين على ذكر محمد فلماذا إذاً تتهموننا بأننا حذفناها ?أليس من عزم الأمور أن تستقروا على رأي واحد ?
    ومن أمثلة براهينهم التي يوردونها في الكتاب على البشارة بنبيهم ما وعد به المسيح تلاميذه من إرسال الفارقليط كما جاء في بشارة يوحنا 16 :7 لا يسلم المسيحيون أن الفارقليط هو محمد? إلا أن إبقاء هذه الآية في قلب الإنجيل لليوم دليل على أنه الم تُحذف منه, ثم نقول لو كان المسيحيون يريدون أن يحذفوا الآيات الدالة على نبوة محمد من كتابهم لكان الأولى بهم أن يحذفوا هذه الآية? لأنها هي الآية الوحيدة التي نبه إليها القرآن وعينها بالحصر وقال إنها تشير إلى نبوة محمد? حيث يقول وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقا لمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ - سورة الصف 61 :6 - , وكما أن محمداً ادعى أنه الفارقليط الذي وعد به المسيح بإرساله? ادّعى من قبله هذه الدعوى عينها ماني الفارسي - كما يعلم ذوو الاطلاع - وبنى دعواه على آية المسيح المشار إليها? وتبعه بعض المسيحيين, ولما اتضح على توالي الأيام أنه دجال واضمحلت شيعته? لم يحذف المسيحيون هذه الآية التي استعان بها على ضلالته, وهاك هي موجودة في الإنجيل إلى اليوم,
    ثم أن اليهود اطلعوا على آيات كثيرة في توراتهم تدل على المسيح دلالة واضحة? واحتج بها المسيحيون عليهم احتجاجا لم يجدوا معه سبيلاً إلى التخلص من الالتزام بالحق, وعداوتهم للمسيح أشهر من نار على علم? ولكم لم يحملهم هذا كله على تحريف آية واحدة من الآيات الدالة على المسيح مع كونها تلصق بهم أعظم جريمة وتقضي عليهم قضاء مريعاً, فلو كان اليهود حرفوا التوراة في شأن محمد ?لكان الأولى بهم أن يحرفوها في شأن المسيح ويحذفوا منها هذه البينات الراهنات - تكوين 49 :10 وتثنية 18 : 15 و18 ومزامير 22 :14-18 وإشعياء 7 :14 و9 :6 و7 و11 :1-10 و52 :13 الخ وص 53 كله ودانيال 8 :13 و14 و9 :24-27 وميخا 5 :2 وزكريا 12 :10 - قابل هذه النصوص الجلية بما ورد في الإنجيل - لوقا 24 :25-27 - ,
    وفي التوراة آيات تتعلق بمسألة أخرى يود اليهود لو لم تكن موجودة فيها? وهي تلك التي تشهر بفظائعهم وجرائمهم المتناهية في القبح, فلو كانوا حرفوا توراتهم بخصوص محمد فما كان أجدر بهم أن يحذفوا كل ما يشين سمعتهم ويلصق بهم شر الفعال!
    أمرهم الله أن يحافظوا على شريعة التوراة - يشوع 1 :7 - وأن لا ينقصوا منها ولا يزيدوا عليها - تثنية 4 :2 و12 :32 - فعملاً بالوصية حافظ اليهود على توراتهم? وخوفاً من أن تسقط منها كلمة أو حرف أحصوا كلمات كل سفر من أسفارها? بل أحصوها حروفاً وقيدوا الاحصاءات في كتبهم الدينية ليرجعوا إليها عند اللزوم, وليكن معلوماً أن نسخة التوراة المتداولة بين اليهود هي عين النسخة المتداولة بين النصارى? وكلتاهما تُطبعان في مطبعة واحدة,
    ولئلا يظن بعضهم أنه ربما غيَّر اليهود توراتهم قبل المسيح? ونحن أخذناها عنهم مغيَّرة فصارت نسختهم ونسختنا واحدة? أقول إن القرآن كفانا مؤونة هذا الاعتراض? لأنه يشهد بأن المسيح جاء مصدقا لما معهم من التوراة, ثم أنه لا المسيح ولا رسله اتهموا اليهود بتهمة التحريف? وهاكم صحائف الإنجيل راجعوها تجدوها بيضاء نقية من هذه التهمة? في حين أنها شهرت بخطاياهم في غير هذه المسألة? بل يشهد الإنجيل للتوراة بأنها موحى بها من الله? وأنها باقية على أصلها? وبحرص المسيحيين على قرائتها والعمل بها, ومن ذلك الآيات الآتية في الإنجيل - متى 5 :17 و18 و22 :31 و32 ومرقس 7 :6-10 ولوقا 11 :29-32 و24 :25-27 ويوحنا 5 :39 و45-47 و2 تيموثاوس 3 :16 - , من هذه الآيات البينة يتضح أنه في عصر المسيح ورسله قبلت التوراة لديهم كتاباً موحى به من الله ليس بها مساس من مظنة التحريف والتغيير? لأنه لو حرفها اليهود لكان المسيح وبَّخهم علانية على هذا الشر العظيم? ولأشار بلا شك إلى مواضع التحريف وأصلحها لتبقى صالحة للاستعمال في كنيسته,
    وهذه النظرية ذاتها تثبت عدم ضياع التوراة وعدم تحريفها عند خراب أورشليم في زمن بختنصر والأسر البابلي, ولو حدث شيء لكان المسيح بيَّن الحقيقة,
    إن بعض كتاب المسلمين يدعون أنه في وسعهم أن يثبتوا وقوع التحريف عمداً في التوراة? ويعينوا الآيات المحرفة? ومنها على ما يدّعون الآية الواردة في سفر التثنية 27 :4 ففي النسخة السامرية مكتوب جبل جرزيم وفي العبرانية جبل عيبال ولكن الحقيقة هيأنه ليست النسخة العبرانية وحدها المكتوب فيها جبل عيبال بل في كل التراجم القديمة كالترجمة السبعينية واللاتينية الدارجة والسريانية والباشطا والأرمنية والحبشية,
    وعليه فالعبارة الأصلية جبل عيبال كما في الأصل العبري لا جبل جرزيم كما في النسخة السامرية التي حرفها السامريون لرغبتهم الخصوصية في الجبل الذي سموه بهذا الاسم, ومع كونهم حرفوا نسختهم في هذه الكلمة انحصر التحريف فيها? ولم يتعدَّ إلى النسخ الأخرى المعتمدة عند طوائف اليهود وطوائف النصارى, وهناك احتمال آخر في هذه المسألة? فربما ظنَّ الناسخ الذي نقل النسخة السامرية عن العبرانية أن الكاتب الأول كتب جبل عيبال سهواً عوض جبل جرزيم لمناسبة ما ورد في عدد 12 من ذلك الأصحاح? ما مؤداه أن بعضاً من الأسباط الاثني عشر يقفون على جبل جرزيم ويباركون الشعب والبعض الآخر يقفون على جبل عيبال وينطقون باللعنات على من يرتكب تلك المعاصي المذكورة هناك? ويقول الشعب آمين , فمن المحتمل أن كاتب النسخة السامرية ظن المقصود جبل البركات لا جبل اللعنات, وعلى كل حال فإن السامريين لم يقدروا أن يعمموا هذا الخطأ أو التحريف إلا في دائرتهم الخصوصية - إن صح أنه تحريف!! - ,
    ولو كان اليهود هم الذين حرفوا نسختهم لا السامريون لكان الأولى بهم أن يحرفوا عدد 12 لا عدد 4,
    ثم إننا كنا قد أشرنا في ما تقدم إلى الخلاف الموجود بين النسخة السامرية والنسخة العبرانية والترجمة السبعينية من حيثية أعمار بعض الآباء الأولين في أصحاحي 5 و10 من سفر التكوين? وفي الغالب يجب أن يُحمل هذا الخلاف على محمل الخطأ? لأن الأرقام قابلة الخطأ حيث يسهل أن يحل بعضها محل الآخر, ومن الواضح أن اختلاف النسخ في هذه الأرقام لا يمس جوهر الكتاب في شيء,
    وحاول بعض كتاب المسلمين أن يثبتوا وجود اختلاف كثير بين أسفار الكتاب المقدس? وزعموا أن هذا الاختلاف دليل على تحريفه, غير أن الكتّاب المطلعين ذوي العقول الراجحة والأفكار النيرة يسلّمون أنه إن كتب كاتبان أو أكثر عن واقعة حال? وكتب كلٌّ منهم بمعزل عن الآخر? تأتي كتاباتهم مختلفة اختلافاً ظاهرياً? ولكن إن اتفقت اتفاقاً تاماً يستدل من اتفاقهم على أنهم متواطئون,
    أما البسطاء فيشتبه عليهم ظاهر الاختلاف بين سفر وآخر? ويشكّون في صحة الأسفار, أما المطلعون فيعلمون أصله ويحلونه حلاً جميلاً, والاختلاف الظاهري بين أسفار الكتاب المقدس أعظم دليل على أمانة أهله? وإلا لكانوا أزالوه منه لكي لا يبقى عرضة لانتقاد المنتقدين, ومن أمثلة والاختلاف الظاهري ما ورد عن نسب المسيح في بشارة متى ص 1 وبشارة لوقا ص 3 وما ورد عن موت يهوذا في بشارة متى 27 :5 وسفر الأعمال 1 :18 و19 فلو كان استباح أهل الكتاب التحريف لكانوا وفَّقوا بين هذه المواضع من كتابهم,
    ويزعم قوم من المسلمين أن الإنجيل محرف لقول بعض النصارى إن الآيات الآتية غير موجودة في النسخ القديمة وهي - بشارة مرقس 16:9 إلى 20 وبشارة يوحنا 5:3 و4 و7 :53-8 :11 ورسالة يوحنا الأولى 5 :7 - ولو أن هذه الآيات لم تكن موجودة في المتن في النسخ الأكثر أقدمية إلا أنها موجودة على الهامش? فظنها الناسخ من الأصل فأدمجها فيه بسلامة نية, وسواء أصاب في ظنه أو أخطأ? فإن وجود هذه الآيات وعدمه لا يؤثران في جوهر الكتاب ولا في عقيدة من عقائد الكنيسة? لأن الحقائق الأساسية التي تضمّنها مستوفاة بأكثر تفصيل في مواضع أخرى من الكتاب,
    وبالنسبة لهذه المسألة يوجد فرق عظيم بين الكتاب والقرآن? فإن المطلعين من المسلمين يعلمون أن فريقاً من الشيعة أثبتوا أن عمر بن الخطاب الخليفة الثاني وعثمان بن عفان الخليفة الثالث غيَّرا جملة آيات من القرآن بسوء النية والقصد? ليخفيا عن المسلمين حقيقتين هما من الأهمية بمكان : الأولى? هي يجب أن يكون عليٌّ صاحب الخلافة بعد محمد? والحقيقة الثانية يجب أن تحصر الإمامة في ذريته, ويدّعي فريق آخر أنه أسقط من القرآن سورة بجملتها يقال لها سورة النورين للغاية المشار إليها, أما نحن فلا يهمنا التحري عما إذا كانت هذه الدعوى صحيحة أو مُختلقة? ولكن تهمّ أهل السنة من المسلمين, لأنه إن كانت سورة النورين من القرآن حقيقة يكون ما أشقاهم واسوأ حظهم? لأنها تنذرهم بسوء العاقبة كما في قوله إن لهم في جهنم مقاماً عنه لا يعدلون وكتب ميرزا محسن بكشمير في كتاب له سنة 1292 هجرية يسمى - داستاني مذاهب سورة النورين - وذكر أن بعض الشيعيين يؤكدون بأن عثمان عندما أحرق المصاحف القديمة وأمِن على نفسه مناقشة الحساب? عمد إلى النسخة التي كانت بين يديه وشطب منها كل ما كان من مصلحة علي ابن أبي طالب وذريته من السيادة والإمامة? وقال أن بعض العلويين ينكرون القرآن المتداول اليوم? ولا يسلمون بأنه هو الذي نزل من الله على محمد? كما يعتقد المسلمون? بل يقولون إن أبو بكر وعمر وعثمان اختلقوه, نعم إن لدى العلماء المحققين من الأدلة ما يكفي لدحض هذه الدعاوي الباطلة? غير أنهم لا يسعهم إلا التسليم بأن هذه التهم الشائنة صوبها نفس المسلمين إلى القرآن, والذي يهمنا من المسألة أن هذه التهم في اعتبارهم مخلة بجوهر الخلاص لكل فرد من المسلمين? إن كان في الإسلام خلاص? في حين أن الدعاوى المزعومة على كتابنا المقدس محصورة في آيات قليلة? وهي التي سبقت الإشارة إليها إن حذفت من الكتاب أو زيدت عليه لا تخل بشيء من عقائد الدين والخلاص على الإطلاق - لأنها عرضية لا جوهرية - ,
    ويدّعي بعض المسلمين عدا ما تقدم ذكره أنه قد ضاع من بين دفتي الكتاب المقدس أسفار كانت معدودة منه يوماً ما? كسفر ياشر - كما في سفر يشوع 10 :13 - وكتاب حروب الرب - كما في سفر العدد 21 :14 - فنقول دحض الهذا الاعتراض إن السفرين المذكورين لم يندرجا قط في سلسلة أسفار التوراة? وإن كانت أشارت إليهما التوراة, وحكمها حكم الأسفار التي أشار إليها القرآن وهي ليست منه? كصحف إبراهيم وموسى مثلاً - سورة الأعلى 87 :19 وسورة النجم 53 :36 -
    واعترض بعضهم بأن الكتاب المقدس عند الكنيسة الكاثوليكية يتضمن أسفاراً غير موجودة عند كنيسة البروتستانت, ورداً على هذا نقول : إن أسفار العهد الجديد موجودة بذاتها عند عموم المسيحيين من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس, وأما أسفار العهد القديم فقد زادت عليها الكنيسة الكاثوليكية أسفارا لم تكن مدرجة من ضمن التوراة عند المسيحيين الأولين? ولا عند اليهود? فضلاً عن كونها لا توجد في الأصل العبراني, نحن معاشر المسيحيين الحقيقيين نعتمد أسفار العهد القديم حسبما هي مدرجة في قانون اليهود وتثبَّتت لنا من المسيح ورسله, ولكن إن فرضنا أن هذه الأسفار المزيدة موحى بها فإنها بجملته الا تؤثر على أية عقيدة من عقائد الديانة المسيحية, وأما الفروق المذهبية بين كنيسة البروتستانت وغيرها فلم تنتج عن زيادة هذه الأسفار على العهد القديم? ولا عن اختلاف في الكتب? كما أن مذاهب الإسلام لم تنتج عن اختلاف في القرآن بين مذهب وآخر,
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    قد تكلمنا عن نسخ أسفار العهد القديم والجديد في اللغات الأصلية? وتكلمنا عن التراجم القديمة في جملة اللغات التي لم تبق إلى اليوم, ونتكلم هنا بالإيجاز عن الأدلة التي أقامها لنا كتبة المسيحيين الأولين على الموضوع الذي نحن بصدده, فنقول إن بين أيدينا مؤلفات مسيحية كثيرة يختلف تاريخها من القرن الأول للميلاد إلى ما بعد الهجرة في لغات مختلفة? يونانية ولاتينية وسريانية وقبطية وأرمنية? أقدمها رسالة اكلميندس إلى كورنثوس سنة 93 إلى 95 ورسائل أغناطيوس السبع سنة 109 إلى 116 ورسالة بوليكاربوس سنة 110 تقريباً ورسالة نُسبت خطأ إلى برنابا سنة 100 إلى 130 كتبت جميع هذه باليونانية? ثم قام كّتَّاب كثيرون بعد هؤلاء وكتبوا ما عنَّ لهم في لغات مختلفة? وأولئك أجمعون كأنهم اليوم أحياء بين ظهرانينا? يشهدون بأن إيماننا اليوم كإيمان الكنيسة في عصورهم الأولى, وعدا ذلك اقتبسوا آيات كثيرة من أسفار العهد القديم والعهد الجديد? منها ما هو بالمعنى ومنها ما هو باللفظ, وجميع ما اقتبسوه مطابق لكتابنا المقدس المتداول اليوم? وهذا دليل قوي على أن الكتاب المقدس لم يُحرف لا قبل الهجرة ولا بعدها, ولو فرضنا أنه قامت جمعية في عصر محمد أو بعده وضمت بين أحضانها أخبث من على وجه الأرض? وتعاونوا على تحريف الكتاب المقدس? فستمنعها جبال من الصعوبات لا يستطيعون تذليلها? إذ عليهم أولاً أن يجوبوا أقطار الأرض المنتشرة فيها المسيحية واليهودية من قارة آسيا وأوروبا وأفريقيا? ويزوروا كل مجمع لليهود? وكل كنيسة ومكتبة وبيت يهودي ومسيحي? ويجمعوا كل النسخ في كل اللغات ما بين عبرانية ويونانية ولا تينية وقبطية وأرمنية وحبشية وعربية وغيرها? وعليهم أن يحتالوا على السامريين ويستكشفوا خبايا أسفارهم المتوغلة في القدم وتراجمها المتأخرة في لغتهم الخاصة? ويسلبوها منهم, وعليهم أيضاً أن يحرفوا الترجوم الآرامي اليهودي, وبعدما ينتهون من جمع نسخ الكتاب المقدس من كل العالم عليهم أن يتفقوا على ما هم شارعون في حذفه ويحذفوه, ويبقى عليهم بعذ ذلك كله أن يجمعوا مؤلفات اليهود والنصارى الدينية في كل اللغات من كل أقطار الأرض ليخفوا الاقتباسات المتضمنة فيه الئلا تنكشف حيلتهم ويذهب تعبهم باطلاً, وعليهم في ختام مشروعهم أن يكون لهم سلطان فائق الطبيعة حتى يمحوا من ذاكرة المسيحيين واليهود الذين على وجه الأرض ما حفظوه غيباً من توراتهم وإنجيلهم الأصليين لكي لا يفطنوا إلى التوراة والإنجيل المحرفين, أظن ما من عاقل يتصور جواز هذه المستحيلات? فمن باب أولى لا يتصورها إخواننا الراسخون في العلم? مع أن القرآن صرح في سورة آل عمران بقوله مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ الليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ - سورة آل عمران 3 :113 -
    فمن ذلك نستنتج ثلاثة أمور :
    1أنه كان يوجد بعض الأتقياء الذين لم تسمح لهم ذمتهم بتحريف الكتاب
    2أن الكتاب كان موجوداً بين أيديهم
    3أنه كان معروفاً عندهم وهم يتلونه
    ولايمكن لذي عقل أن يتصور إمكانية اتفاق اليهود والمسيحيين على ارتكاب هذا الإثم الفظيع الموجب للمذمة في الدنيا وغضب الله في الآخرة? لأنه لا يوجد سبب يدعو إلى هذا الاتفاق,
    ولنفرض أن جماعة أقوياء من المسلمين في وقتنا أو قبل ظهور مطابع الحروف والحجر عزموا أن يحرّفوا القرآن وكل الكتب الإسلامية ألا يهزأ بهذا الكفر حال كون القرآن لم يترجم إلى لغات متعددة كالكتاب المقدس في عصر محمد ?
    ولنفرض أنه لو تيسر لهم أن يجمعوا نسخ القرآن المنتشرة في أقطار العالم ويحرفوها? فليسوا هم بقادرين على جمع الكتب الدينية الإسلامية ولا التفاسير الكثيرة للقرآن, ولو فرضنا أنهم قدروا على ذلك أيضاً? ألا يظهر تحريفهم من الكتب التاريخية كابن هشام والواقدي والغازي وفتوح مصر وفتوح العجم أو على الأقل الطبري وابن الأثير ?لا يمكن لأي عاقل أن يتصور إمكانية ذلك? حتى لو كانت كل هذه الكتب في لغة واحدة, فبالأحرى لا يمكن تحريف الكتاب المقدس في عصر محمد أو بعده? لانتشار الاقتباسات الكثيرة? ولتعدد تراجمه,
    ولو سلمنا جدلاً بإمكان تحريف الكتاب المقدس? بغضّ النظر عن كل هذه الصعوبات? أفما كان يظهر هذا التحريف من الكتب التي اكتُشفت حديثاً? وقد كنا نعرف أسماءها ولم نر مسمياتها? وهي في اللغات اليونانية والقبطية والأرمنية والسريانية منها - 1 - قانون الرسل - سنة 131-سنة 160 ب م -- 2 - كتاب محاربة أرستيدس - سنة 138-سنة 147 ب م - كتاب اتفاق البشيرين لستاتيانوس - سنة 160-سنة 170 ب م - وهذه الكتب قد ضاعت من قبل محمد بمدة طويلة? واكتُشفت في هذه الأيام الأخيرة, فلا يمكن تحريفها في حياته أو بعد موته? وهي تشهد بوحدة الإيمان المسيحي في العصور الأولى وفي هذا العصر? كما هو مثبت في الكتاب المقدس المنتشر اليوم في كل العالم, فترى من هذه الأدلة الساطعة والحجج الدامغة أن التوراة باقية على حالها كما كانت في زمن المسيح? والإنجيل باق على حاله كما كان في زمن رسله الأطهار - الحواريين -
    ومن الحقائق التي تدحض الرأي الشائع بين المسلمين بتحريف الكتاب المقدس? هو أنه لما فتح عمرو بن العاص مصر? وفتح أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد الشام? وسعد بن أبي وقاص العراق? وقعت بين أيديهم أشهر مكاتب العالم في ذلك العصر? وأخصّ بالذكر مكتبة اسكندرية وقيصرية, وكان في هذه المكتبات عدد وفير من نسخ الكتاب المقدس والمؤلفات المسيحية القديمة, وما كان أيسر عليهم أن يحفظوا هذه المكتبات أو على الأقل الكتب المقدسة التي جاء القرآن مهيمناً عليها? وتكون لهم في مستقبل الايام حَكَماً يحكمون بها عما إذا كان ما يستحدث من النسخ محرفاً أو هي طبق الأصل, ولكنهم أحرقوها? أحرقوا التوراة والزبور والإنجيل التي قال القرآن إنها كلام الله وخبر إحراق هذه المكاتب ورد في تاريخ أبي الفرج ? وكشف الظنون ,
    لو حفظ المسلمون نسخ الكتاب التي وقعت بين أيديهم لأمكنهم منع ا حتمال تحريفه في العصور الأخيرة? لكنهم لم يبالوا بوصية قرآنهم ولا قضوا حق هيمنته, أما المسيحيون فقد استحفظوا على ما وقع في أيديهم من هذه الكتب المقدسة القديمة التي كتبت قبل الهجرة بقرون عديدة وسلمت من أيدي المسلمين في الاسكندرية وغيرها, وهاكم هي اليوم محفوظة في مكتبة روما وبطرسبرج وباريس ولندن وغيرها من مكتبات أوروبا? ويمكن لسياح المسلمين ونزلائهم في أوروبا أن يزوروا هذه المكتبات ويتحروا حقيقة دعوانا? وقد أخذت صورة بعض النسخ القديمة ونشرت بين الناس لكي يراها من ليس في وسعه أن يزور هذه المكتبات من أهل الأقاليم القاصية الذين يهمهم الاطلاع عليها, ومن مقارنة هذه النسخ الأصلية القديمة بعضها على بعض حصلنا على النسخة اليونانية الأصلية للعهد الجديد والنسخة العبرانية للعهد القديم وهما مطابقتان للنسخ القديمة المتفرقة في العالم? ومن النسختين الأصليتين ترجمنا الكتاب المقدس إلى أكثر لغات العالم,
    ومما سبق أقمنا الأدلة القاطعة على عدم تحريف الكتاب المقدس على الاطلاق? لا قبل عصر محمد ولا بعده? وأن العلماء المحققين من المسلمين السالفين والمتأخرين يوافقون على عدم التحريف, وقد أثبتنا أيضاً بطلان وقوع نَسُخ في الكتاب المقدس? لا في أخباره التي رواها ولا في مبادئه الأخلاقية ولا عقائده الدينية, وقد بيّنا أن الكتاب المقدس اليوم هو بعينه كتاب العصور الأولى المتقدمة على زمن محمد بمئات من السنين? وشهد له القرآن بأنه كلام الله وكتابه في أكثر من مائة وعشرين موضعاً? إلى أن قال إنه جاء مهيمناً عليه,
    وعلى ما تقدم يجب على كل مسلم مؤمن بالقرآن إيماناً حقيقياً أن لا يدع روح التعصب الذميم يحول بينه وبين الاعتقاد بصحة الكتاب المقدس? واتخاذه لنفسه نوراً وهدى في سبيل الحياة - انظر سورة غافر 40 :53-56 - ,
    وحتى تتوفق إلى الهداية به يجب أن تقرأه بانتباه? طالباً من الله بإخلاص واشتياق أن ينير ذهنك ويفتح قلبك لتفهم تعليمه وتهتدي إلى الصراط المستقيم? صراط الذين أنعم الله عليهم? غير المغضوب عليهم ولا الضالين - آمين.
    و شكرا

    --------------------------------------------------------------------------------



    منقول

    «« توقيع minas »»

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    آخر نشاط
    14-04-2008
    على الساعة
    07:24 PM
    المشاركات
    890

    افتراضي

    يا سيد مينا ... الموضوع الذي نقلته طويل جداً و يتضمن أخطاء شنيعة و إن شاء الله سيقوم الأخوة بتصحيح هذه الأخطاء .

    هذا إن كنت تنتظر رداً عليه !!

    و أعلم أن المقالات المنقولة ليست موضع ترحيب هنا فنحن نريد من المحاورين أن يعرضوا أفكارهم القادرين على مناقشتها و الدفاع عنها لا أفكار و مجهودات الغير .

    و شكراً .

    «« توقيع د. هشام عزمي »»
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم )) مجموع الفتاوى (4/186-187) .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    آخر نشاط
    08-09-2009
    على الساعة
    01:23 AM
    المشاركات
    491

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم



    اليك الرد واتمنى ان تقرأ من الألف الى الياء لتعرف الجواب الصحيح



    قال أبو جعفر: اختلفت تراجمة القران فـي تأويـل قول الله تعالـى ذكره: الـم فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القران. ذكر من قال ذلك:
    71ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: الـم قال: اسم من أسماء القران.
    72ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم الاَملـي, قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود, قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قال: الـم اسم من أسماء القران.
    73ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج قال: الـم اسم من أسماء القران.
    وقال بعضهم: هو فواتـح يفتـح الله بها القران. ذكر من قال ذلك:
    74ـ حدثنـي هارون بن إدريس الأصم الكوفـي, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قال: الـم فواتـح يفتـح الله بها القران.
    حدثنا أحمد بن حازم الغفـاري, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا سفـيان, عن مـجاهد, قال: الـم فواتـح.
    حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج, عن يحيى بن ادم, عن سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد, قال: الـم وحم والـمص وص فواتـح افتتـح الله بها.
    حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد مثل حديث هارون بن إدريس.
    وقال بعضهم: هو اسم للسورة. ذكر من قال ذلك:
    75ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أنبأنا عبد الله بن وهب, قال: سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلـم, عن قول الله: الـم ذلك الكتابُ والـم تَنْزِيـلُ والـمر تِلْك فقال: قال أبـي: إنـما هي أسماء السور.
    وقال بعضهم: هو اسم الله الأعظم. ذكر من قال ذلك:
    76ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا شعبة, قال: سألت السديّ عن حم وطسم والـم فقال: قال ابن عبـاس: هو اسم الله الأعظم.
    حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنـي أبو النعمان, قال: حدثنا شعبة عن إسماعيـل السدي, عن مرة الهمدانـي, قال: قال عبد الله فذكر نـحوه.
    77ـ حدثنـي الـمثنى قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج, عن عبـيد الله بن موسى, عن إسماعيـل, عن الشعبـي قال: فواتـح السور من أسماء الله.
    وقال بعضهم: هو قَسَمٌ أقسم الله به وهي من أسمائه. ذكر من قال ذلك:
    78ـ حدثنـي يحيى بن عثمان بن صالـح السهمي, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس, قال: هو قَسَم أقسم الله به وهو من أسماء الله.
    79ـ حدثنا يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, قال: حدثنا خالد الـحذاء عن عكرمة قال: الـم قسم.
    وقال بعضهم: هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال, كل حرف من ذلك لـمعنى غير معنى الـحرف الاَخر. ذكر من قال ذلك:
    80ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, وحدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا ابن أبـي شريك, عن عطاء بن السائب, عن أبـي الضحى, عن ابن عبـاس: الـم فقال: أنا الله أعلـم.
    81ـ وحدثت عن أبـي عبـيد قال: حدثنا أبو الـيقظان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, قال قوله: الـم قال: أنا الله أعلـم.
    82ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن إسماعيـل السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: الـم قال: أما: الـم فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
    83ـ حدثنا مـحمد بن معمر, قال: حدثنا عبـاس بن زياد البـاهلـي, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي بشر, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: الـم وحم ون قال: اسم مقطع.
    وقال بعضهم: هي حروف هجاء موضوع. ذكر من قال ذلك:
    84ـ حدثت عن منصور بن أبـي نويرة, قال: حدثنا أبو سعيد الـمؤدب, عن خصيف, عن مـجاهد, قال: فواتـح السور كلها ق وص وحم وطسم والر وغير ذلك هجاء موضوع.
    وقال بعضهم: هي حروف يشتـمل كل حرف منها علـى معان شتـى مختلفة. ذكر من قال ذلك:
    85ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم الطبري, قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج, عن عبد الله بن أبـي جعفر الرازي قال: حدثنـي أبـي, عن الربـيع بن أنس فـي قول الله تعالـى ذكره: الـم قال: هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفـا, دارت فـيها الألسن كلها, لـيس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه, ولـيس منها حرف إلا وهو فـي آلائه وبلائه, ولـيس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريـم: «وعجيب ينطقون فـي أسمائه, ويعيشون فـي رزقه, فكيف يكفرون»؟ قال: الألف: مفتاح اسمه «الله», واللام: مفتاح اسمه «لطيف», والـميـم: مفتاح اسمه «مـجيد» والألف: آلاء الله, واللام: لطفه, والـميـم: مـجده الألف: سنة, واللام ثلاثون سنة, والـميـم: أربعون سنة.
    حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام عن أبـي جعفر, عن الربـيع بنـحوه.
    وقال بعضهم: هي حروف من حساب الـجمل, كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه, إذ كان الذي رواه مـمن لا يُعتـمد علـى روايته ونقله, وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربـيع بن أنس.
    وقال بعضهم: لكل كتاب سرّ, وسرّ القرآن فواتـحه.
    وأما أهل العربـية فإنهم اختلفوا فـي معنى ذلك, فقال بعضهم: هي حروف من حروف الـمعجم استُغنـي بذكر ما ذكر منها فـي أوائل السور عن ذكر بواقـيها التـي هي تتـمة الثمانـية والعشرين حرفـا, كما استغنَى الـمخبرُ عمن أخبر عنه أنه فـي حروف الـمعجم الثمانـية والعشرين بذكر «أ ب ت ث» عن ذكر بواقـي حروفها التـي هي تتـمة الثمانـية والعشرين, قال: ولذلك رفع ذلك الكتابُ لأن معنى الكلام: الألف واللام والـميـم من الـحروف الـمقطعة ذلك الكتاب الذي أنزلته إلـيه مـجموعا لا ريب فـيه....
    فإن قال قائل: فإن «أ ب ت ث» قد صارت كالاسم فـي حروف الهجاء كما صارت الـحمد اسما لفـاتـحة الكتاب قـيـل له: لـما كان جائزا أن يقول القائل: ابنـي فـي «ط ظ», وكان معلوما بقـيـله ذلك لو قاله إنه يريد الـخبر عن ابنه أنه فـي الـحروف الـمقطعة, علـم بذلك أن «أ ب ت ث» لـيس لها بـاسم, وإن كان ذلك آثَرَ فـي الذكر من سائرها. قال: وإنـما خولف بـين ذكر حروف الـمعجم فـي فواتـح السور, فذكرت فـي أوائلها مختلفة, وذِكْرُها إذا ذُكرت بأوائلها التـي هي «أ ب ت ث» مؤتلفة لـيفصل بـين الـخبر عنها, إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفـا الدلالة علـى الكلام الـمتصل, وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفـا الدلالة علـى الـحروف الـمقطعة بأعيانها. واستشهدوا لإجازة قول القائل: ابنـي فـي «ط ظ», وما أشبه ذلك من الـخبر عنه أنه فـي حروف الـمعجم, وأن ذلك من قـيـله فـي البـيان يقوم مقام قوله: «ابنـي فـي أ ب ت ث» برجز بعض الرجاز من بنـي أسد:
    لَـمّا رأيْتُ أمْرَها فـي حُطّيوفَنَكَتْ فـي كَذِبٍ ولَطّ
    أخَذْتُ منْها بِقُرُونٍ شُمْطِفَلَـمْ يَزَلْ ضَرْبـي بها ومَعْطِي
    حتـى عَلا الرأسَ دَمٌ يُغَطّي
    فزعم أنه أراد بذلك الـخبر عن الـمرأة أنها فـي «أبـي جاد», فأقام قوله: «لـما رأيت أمرها فـي حُطي» مقام خبره عنها أنها فـي «أبـي جاد», إذ كان ذاك من قوله يدل سامعه علـى ما يدله علـيه قوله: لـما رأيت أمرها فـي أبـي جاد.
    وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السور لـيفتـح لاستـماعه أسماع الـمشركين, إذ تواصوا بـالإعراض عن القرآن, حتـى إذا استـمعوا له تُلـي علـيهم الـمؤلف منه.
    وقال بعضهم: الـحروف التـي هي فواتـح السور حروف يستفتـح الله بها كلامه.
    فإن قـيـل: هل يكون من القرآن ما لـيس له معنى؟ فإن معنى هذا أنه افتتـح بها لـيعلـم أن السورة التـي قبلها قد انقضت, وأنه قد أخذ فـي أخرى, فجعل هذا علامة انقطاع ما بـينهما, وذلك فـي كلام العرب ينشد الرجل منهم الشعر فـيقول:
    بل....وَبَلْدَةٍ ما الإنْسُ مِنْ آهالهَا
    ويقول: لا بل...
    ما هاجَ أحْزَانا وشَجَوْا قَدْ شَجا
    و«بل» لـيست من البـيت ولا تعدّ فـي وزنه, ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الاَخر.
    قال أبو جعفر: ولكل قول من الأقوال التـي قالها الذين وصفنا قولهم فـي ذلك وجه معروف. فأما الذين قالوا: الـم اسم من أسماء القرآن, فلقولهم ذلك وجهان: أحدهما أن يكونوا أرادوا أن: الـم اسم للقرآن كما الفرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك, كان تأويـل قوله: الـم: ذلكَ الكِتابُ علـى معنى القسم كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فـيه. والاَخر منهما أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التـي تعرف به كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التـي هي لها أمارات تعرف بها, فـيفهم السامع من القائل يقول: قرأت الـيوم الـمص ون أي السورة التـي قرأها من سور القرآن, كما يفهم عنه إذا قال: لقـيت الـيوم عمرا وزيدا, وهما بزيد وعمر وعارفـان مَنِ الذي لقـي من الناس. وإن أشكل معنى ذلك علـى امرىء فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ونظائر الـم الـمر فـي القرآن جماعة من السور؟ وإنـما تكون الأسماء أماراتٍ, إذا كانت مـميزة بـين الأشخاص, فأما إذا كانت غير مـميزة فلـيست أمارات. قـيـل: إن الأسماء وإن كانت قد صارت لاشتراك كثـير من الناس فـي الواحد منها غير مـميزة إلا بـمعان أخر معها من ضم نسبة الـمسمى بها إلـيها أو نعته أو صفته بـما يفرق بـينه وبـين غيره من أشكالها, فإنها وضعت ابتداء للتـميـيز لا شك ثم احتـيج عند الاشتراك إلـى الـمعانـي الـمفرّقة بـين الـمسمّى بها. فكذلك ذلك فـي أسماء السور, جعل كل اسم فـي قول قائل هذه الـمقالة أمارةً للـمسمى به من السور. فلـما شارك الـمسمّى به فـيه غيره من سور القرآن احتاج الـمخبر عن سورة منها أن يضم إلـى اسمها الـمسمى به من ذلك ما يفرق به للسامع بـين الـخبر عنها وعن غيرها من نعت وصفة أو غير ذلك, فـيقول الـمخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة إذا سماها بـاسمها الذي هو الـم: قرأت الـم البقرة, وفـي آل عمران: قرأت الـم آل عمران, والـم ذَلِكَ الكِتابُ والـم اللّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الـحَيّ القَـيّومُ. كما لو أراد الـخبر عن رجلـين اسم كل واحد منهما عمرو, غير أن أحدهما تـميـميّ والاَخر أزدي, للزمه أن يقول لـمن أراد إخبـاره عنهما: لقـيت عمرا التـميـمي وعمرا الأزدي, إذ كان لا فرق بـينهما وبـين غيرهما مـمن يشاركهما فـي أسمائهما إلا بنسبتهما كذلك, فكذلك ذلك فـي قول من تأول فـي الـحروف الـمقطعة أنها أسماء للسور.
    وأما الذين قالوا: ذلك فواتـح يفتتـح الله عز وجل بها كلامه, فإنهم وجهوا ذلك إلـى نـحو الـمعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربـية أنه قال: ذلك أدلة علـى انقضاء سورة وابتداء فـي أخرى وعلامة لانقطاع ما بـينهما, كما جعلت «بل» فـي ابتداء قصيدة دلالة علـى ابتداء فـيها وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء فـي إنشاد قصيدة, قال:
    بل...ما هاجَ أحْزَانا وشَجْوا قَدْ شَجا
    و«بل» لـيست من البـيت ولا داخـلة فـي وزنه, ولكن لـيدل به علـى قطع كلام وابتداء آخر.
    وأما الذين قالوا: ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عزّ وجل, وبعضها من صفـاته, ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الـحرف الاَخر. فإنهم نـحوا بتأويـلهم ذلك نـحو قول الشاعر:
    قُلْنا لَهَا قِـفِـي لنا قالَتْ قافْلا تَـحْسبِـي أنّا نَسِينا الإيجَافْ
    يعنـي بقوله: قالت قاف: قالت قد وقـفت. فدلّت بإظهار القاف من «وقـفت» علـى مرادها من تـمام الكلـمة التـي هي «وقـفت», فصرفوا قوله: الـم وما أشبه ذلك إلـى نـحو هذا الـمعنى, فقال بعضهم: الألف ألف «أنا», واللام لام «الله», والـميـم ميـم «أعلـم», وكل حرف منها دال علـى كلـمة تامة. قالوا: فجملة هذه الـحروف الـمقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تـمام حروف الكلـمة «أنا الله أعلـم». قالوا: وكذلك سائر جميع ما فـي أوائل سور القرآن من ذلك, فعلـى هذا الـمعنى وبهذا التأويـل. قالوا: ومستفـيض ظاهر فـي كلام العرب أن ينقص الـمتكلـم منهم من الكلـمة الأحرف إذا كان فـيـما بقـي دلالة علـى ما حذف منها, ويزيد فـيها ما لـيس منها إذا لـم تكن الزيادة مُلَبّسة معناها علـى سامعها كحذفهم فـي النقص فـي الترخيـم من «حارث» «الثاء» فـيقولون: يا حار, ومن «مالك» «الكاف» فـيقولون: يا مال, وأما أشبه ذلك. وكقول راجزهم:
    ما للظّلِـيـمِ عَالَ كَيْفَ لاَ يايَنْقَدّ عَنْهُ جِلْدُهُ إذَا يا
    كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا, فـاكتفـى بـالـياء من «يفعل». وكما قال آخر منهم:
    بـالـخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرّا فَـا
    يريد فشرّا.
    ولا أُرِيدُ الشّرّ إِلاّ أنْ تَا
    يريد إلا أن تشاء. فـاكتفـى بـالتاء والفـاء فـي الكلـمتـين جميعا من سائر حروفهما, وما أشبه ذلك من الشواهد التـي يطول الكتاب بـاستـيعابه. وكما
    86ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, عن أيوب وابن عون, عن مـحمد, قال: لـما مات يزيد بن معاوية, قال لـي عبدة: إنـي لا أراها إلا كائنة فتنة فـافزع من ضيعتك والـحق بأهلك قلت: فما تأمرنـي؟ قال: أحبّ إلـيّ لك أن تا قال أيوب وابن عون بـيده تـحت خده الأيـمن يصف الاضطجاع حتـى ترى أمرا تعرفه.
    قال أبو جعفر: يعنـي ب «تا» تضطجع, فـاجتزأ بـالتاء من تضطجع. وكما قال الاَخر فـي الزيادة فـي الكلام علـى النـحو الذي وصفت:
    أقولُ إذْ خَرّتْ علـى الكَلْكالِيا ناقَتِـي ما جُلْتِ مِن مَـجَالِ
    يريد الكلكل. وكما قال الاَخر:
    إِنّ شَكْلِـي وإِنّ شَكْلَكِ شَتّـىفـالزَمِي الـخُصّ واخْفِضي تَبْـيَضِضّي
    فزاد ضادا ولـيست فـي الكلـمة.
    قالوا: فكذلك ما نقص من تـمام حروف كل كلـمة من هذه الكلـمات التـي ذكرنا أنها تتـمة حروف الـم ونظائرها, نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب فـي أشعارها وكلامها.
    وأما الذين قالوا: كل حرف من الـم ونظائرها دالّ علـى معان شتـى نـحو الذي ذكرنا عن الربـيع بن أنس, فإنهم وجهوا ذلك إلـى مثل الذي وجهه إلـيه من قال هو بتأويـل: «أنا الله أعلـم» فـي أن كل حرف منه بعض حروف كلـمة تامة استُغنـي بدلالته علـى تـمامه عن ذكر تـمامه, وإن كانوا له مخالفـين فـي كل حرف من ذلك, أهو من الكلـمة التـي ادعى أنه منها قائلو القول الأول أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من الـم من كلـمات شتـى هي دالة علـى معانـي جميع ذلك وعلـى تـمامه. قالوا: وإنـما أفرد كل حرف من ذلك وقصر به عن تـمام حروف الكلـمة أن جميع حروف الكلـمة لو أظهرت لـم تدل الكلـمة التـي تظهر بعض هذه الـحروف الـمقطعة بعضٌ لها, إلاّ علـى معنى واحد لا علـى معنـيـين وأكثر منهما. قالوا: وإذا كان لا دلالة فـي ذلك لو أظهر جميعها إلا علـى معناها الذي هو معنى واحد, وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها علـى معان كثـيرة لشيء واحد, لـم يجز إلا أن يفرد الـحرف الدال علـى تلك الـمعانـي, لـيعلـم الـمخاطبون به أن الله عز وجل لـم يقصد قصد معنى واحد ودلالة علـى شيء واحد بـما خاطبهم به, وأنه إنـما قصد الدلالة به علـى أشياء كثـيرة. قالوا: فـالألف من الـم مقتضية معانـي كثـيرة, منها: إتـمام اسم الرب الذي هو الله, وتـمام اسم نعماء الله التـي هي آلاء الله, والدلالة علـى أَجَلِ قوم أنه سنة, إذا كانت الألف فـي حساب الـجُمّل واحدا. واللام مقتضية تـمام اسم الله الذي هو لطيف, وتـمام اسم فضله الذي هو لطف, والدلالة علـى أجل قوم أنه ثلاثون سنة. والـميـم مقتضية تـمام اسم الله الذي هو مـجيد, وتـمام اسم عظمته التـي هي مـجد, والدلالة علـى أجل قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام فـي تأويـل قائل القول الأول: أن الله جل ثناؤه افتتـح كلامه بوصف نفسه بأنه العالـم الذي لا يخفـى علـيه شيء, وجعل ذلك لعبـاده منهجا يسلكونه فـي مفتتـح خطبهم ورسائلهم ومهمّ أمورهم, وابتلاء منه لهم لـيستوجبوا به عظيـم الثواب فـي دار الـجزاء, كما افتتـح بـالـحمد لله رب العالـمين, والـحَمْدُ لِلّهِ الّذِي خَـلَقَ السموَاتِ وَالأرْضَ وما أشبه ذلك من السور التـي جعل مفـاتـحها الـحمد لنفسه. وكما جعل مفـاتـح بعضها تعظيـم نفسه وإجلالها بـالتسبـيح كما قال جل ثناؤه: سُبْحانَ الّذِي أسْرَى بعَبْدِهِ لَـيْلاً وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن التـي جعل مفـاتـح بعضها تـحميد نفسه, ومفـاتـح بعضها تـمـجيدها, ومفـاتـح بعضها تعظيـمها وتنزيهها. فكذلك جعل مفـاتـح السور الأخرى التـي أوائلها بعض حروف الـمعجم مدائح نفسه أحيانا بـالعلـم, وأحيانا بـالعدل والإنصاف, وأحيانا بـالإفضال والإحسان بإيجاز واختصار, ثم اقتصاص الأمور بعد ذلك. وعلـى هذا التأويـل يجب أن يكون الألف واللام والـميـم فـي أماكن الرفع مرفوعا بعضها ببعض دون قوله: ذلكَ الكِتابُ ويكون ذلك الكتاب خبر مبتدأ منقطعا عن معنى الـم, وكذلك «ذلك» فـي تأويـل قول قائل هذا القول الثانـي مرفوعٌ بعضه ببعض, وإن كان مخالفـا معناه معنى قول قائل القول الأول.
    وأما الذين قالوا: هن حروف من حروف حساب الـجُمّل دون ما خالف ذلك من الـمعانـي, فإنهم قالوا: لا نعرف للـحروف الـمقطعة معنى يفهم سوى حساب الـجمل وسوى تَهَجّي قول القائل: الـم. وقالوا: غير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عبـادَهُ إلا بـما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلـما كان ذلك كذلك وكان قوله: الـم لا يعقل لها وجهه تُوجّه إلـيه إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا, فبطل أحد وجهيه, وهو أن يكون مرادا بها تهجي الـم صحّ وثبت أنه مراد به الوجه الثانـي وهو حساب الـجمل لأن قول القائل: الـم لا يجوز أن يـلـيه من الكلام ذلك الكتاب لاستـحالة معنى الكلام وخروجه عن الـمعقول إذا ولـي الـم ذلك الكتاب. واحتـجوا لقولهم ذلك أيضا بـما:
    87ـ حدثنا به مـحمد بن حميد الرازي, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل. قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, قال: حدثنـي الكلبـي, عن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, عن جابر بن عبد الله بن رئاب, قال: مرّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فـاتـحة سورة البقرة: الـم ذَلِكَ الكِتابُ لاَ رَيْبَ فِـيهِ فأتـى أخاه حيـيّ بن أخطب فـي رجال من يهود فقال: تعلـمون والله لقد سمعت مـحمدا يتلو فـيـما أنزل الله عز وجل علـيه: الـم ذَلِكَ الكِتابُ فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم. فمشى حيـيّ بن أخطب فـي أولئك النفر من يهود إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا مـحمد ألـم يذكر لنا أنك تتلو فـيـما أنزل علـيك: الـم ذَلِكَ الكِتابُ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَلَـى» فقالوا: أجاءك بهذا جبريـل من عند الله؟ قال: «نَعَمْ» قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبـياء ما نعلـمه بـين لنبـيّ منهم ما مدة ملكه وما أَجَل أمته غيرك فقال حيـيّ بن أخطب: وأقبل علـى من كان معه, فقال لهم: الألف واحدة, واللام ثلاثون, والـميـم أربعون, فهذه إحدى وسبعون سنة, قال: فقال لهم: أتدخـلون فـي دين نبـي إنـما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ قال: ثم أقبل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا مـحمد هل مع هذه غيره؟ قال: «نَعَمْ» قال: ماذا؟ قال: «الـمص» قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة, واللام ثلاثون, والـميـم أربعون, والصاد تسعون. فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا يا مـحمد غيره؟ قال: «نَعَمْ» قال: ماذا؟ قال: «الر» قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة, واللام ثلاثون, والراء مائتان, فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة فقال: هل مع هذا غيره يا مـحمد؟ قال: «نَعَمْ الـمر», قال: فهذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون, والـميـم أربعون, والراء مائتان, فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. ثم قال: لقد لُبّس علـينا أمرك يا مـحمد, حتـى ما ندري أقلـيلاً أُعطيتَ أم كثـيرا ثم قاموا عنه, فقال أبو ياسر لأخيه حيـي بن أخطب ولـمن معه من الأحبـار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لـمـحمد: إحدى وسبعون, وإحدى وستون ومائة, ومائتان وإحدى وثلاثون, ومائتان وإحدى وسبعون, فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون, فقالوا: لقد تشابه علـينا أمره. ويزعمون أن هؤلاء الاَيات نزلت فـيهم: هُوَ الذِي أنْزَلَ عَلَـيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٍ مُـحْكماتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ.
    فقالوا: قد صرّح هذا الـخبر بصحة ما قلنا فـي ذلك من التأويـل وفساد ما قاله مخالفونا فـيه.
    والصواب من القول عندي فـي تأويـل مفـاتـح السور التـي هي حروف الـمعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفـا مقطعة ولـم يصل بعضها ببعض فـيجعلها كسائر الكلام الـمتصل الـحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه علـى معان كثـيرة لا علـى معنى واحد, كما قال الربـيع بن أنس, وإن كان الربـيع قد اقتصر به علـى معان ثلاثة دون ما زاد علـيها. والصواب فـي تأويـل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربـيع وما قاله سائر الـمفسرين غيره فـيه, سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربـية أنه كان يوجّه تأويـل ذلك إلـى أنه حروف هجاء استُغنـي بذكر ما ذكر منه فـي مفـاتـح السور عن ذكر تتـمة الثمانـية والعشرين حرفـا من حروف الـمعجم بتأويـل: أن هذه الـحروف, ذلك الكتاب, مـجموعةٌ لا ريب فـيه, فإنه قول خطأ فـاسد لـخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين, ومن بعدهم من الـخالفـين من أهل التفسير والتأويـل, فكفـى دلالة علـى خطئه شهادة الـحجة علـيه بـالـخطأ مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكيناه عنه, إذ صار إلـى البـيان عن رفع ذلك الكتاب بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه ومرة أخرى أنه مرفوع بـالراجع من ذكره فـي قوله: لاَ رَيْبَ فِـيهِ ومرة بقوله: هُدًى لِلْـمُتّقِـينَ وذلك ترك منه لقوله إن الـم رافعة ذَلِكَ الكِتَابُ وخروج من القول الذي ادّعاه فـي تأويـل الـم ذَلِكَ الكِتَابُ وأن تأويـل ذلك: هذه الـحروف ذلك الكتاب.
    فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملاً الدلالة علـى معان كثـيرة مختلفة؟ قـيـل: كما جاز أن تكون كلـمة واحدة تشتـمل علـى معان كثـيرة مختلفة كقولهم للـجماعة من الناس: أمة, وللـحين من الزمان: أمة, وللرجل الـمتعبد الـمطيع لله: أمة, وللدين والـملة: أمة. وكقولهم للـجزاء والقصاص: دين, وللسلطان والطاعة: دين, وللتذلل: دين, وللـحساب: دين فـي أشبـاه لذلك كثـيرة يطول الكتاب بإحصائها, مـما يكون من الكلام بلفظ واحد, وهو مشتـمل علـى معان كثـيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه: «الـم والـمر», و«الـمص» وما أشبه ذلك من حروف الـمعجم التـي هي فواتـح أوائل السور, كل حرف منها دالّ علـى معان شتـى, شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفـاته ما قاله الـمفسرون من الأقوال التـي ذكرناها عنهم وهن مع ذلك فواتـح السور كما قاله من قال ذلك. ولـيس كونُ ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفـاته بـمانعها أن تكون للسور فواتـح لأن الله جل ثناؤه قد افتتـح كثـيرا من سور القرآن بـالـحمد لنفسه والثناء علـيها, وكثـيرا منها بتـمـجيدها وتعظيـمها, فغير مستـحيـل أن يبتدىء بعض ذلك بـالقسم بها. فـالتـي ابتُدىء أوائلها بحروف الـمعجم أحد معانـي أوائلها أنهنّ فواتـح ما افتتـح بهنّ من سور القرآن, وهنّ مـما أقسم بهن لأن أحد معانـيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالـى ذكره وصفـاته علـى ما قدمنا البـيان عنها, ولا شك فـي صحة معنى القسم بـالله وأسمائه وصفـاته, وهن من حروف حساب الـجمل, وهنّ للسور التـي افتتـحت بهن شعار وأسماء. فذلك يحوي معانـي جميع ما وصفنا مـما بـينا من وجوهه, لأن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة علـى معنى واحد مـما يحتـمله ذلك دون سائر الـمعانـي غيره, لأبـان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبـانة غير مشكلة, إذ كان جل ثناؤه إنـما أنزل كتابه علـى رسوله صلى الله عليه وسلم لـيبـين لهم ما اختلفوا فـيه. وفـي تركه صلى الله عليه وسلم إبـانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويـله البعض دون البعض أوضح الدلـيـل علـى أنه مراد به جميع وجوهه التـي هو لها مـحتـمل, إذ لـم يكن مستـحيلاً فـي العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويـله ومعناه كما كان غير مستـحيـل اجتـماع الـمعانـي الكثـيرة للكلـمة الواحدة بـاللفظ الواحد فـي كلام واحد.
    ومن أبى ما قلناه فـي ذلك سئل الفرق بـين ذلك وبـين سائر الـحروف التـي تأتـي بلفظ واحد مع اشتـمالها علـى الـمعانـي الكثـيرة الـمختلفة كالأمة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول فـي أحد ذلك قولاً إلا أُلزم فـي الاَخر مثله. وكذلك يُسأل كل من تأوّل شيئا من ذلك علـى وجه دون الأوجه الأخر التـي وصفنا عن البرهان علـى دعواه من الوجه الذي يجب التسلـيـم له ثم يعارض بقوله يخالفه فـي ذلك, ويسأل الفرق بـينه وبـينه: من أصْلٍ, أو مـما يدل علـيه أصلٌ, فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلا ألزم فـي الاَخر مثله. وأما الذي زعم من النـحويـين أن ذلك نظير, «بل» فـي قول الـمنشد شعرا:
    بل...ما هاجَ أحْزَانا وَشَجْوا قَدْ شَجا
    وأنه لا معنى له, وإنـما هو زيادة فـي الكلام معناه الطرح فإنه أخطأ من وجوه شتـى:
    أحدها: أنه وصف الله تعالـى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها وغير ما هو فـي لغة أحد من الاَدميـين, إذ كانت العرب وإن كانت قد كانت تفتتـح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ب«بل», فإنه معلوم منها أنها لـم تكن تبتدىء شيئا من الكلام ب«الـم» و«الر» و«الـمص» بـمعنى ابتدائها ذلك ب«بل». وإذ كان ذلك لـيس من ابتدائها, وكان الله جل ثناؤه إنـما خاطبهم بـما خاطبهم من القرآن بـما يعرفون من لغاتهم ويستعملون بـينهم من منطقهم فـي جميع آيهِ, فلا شك أن سبـيـل ما وصفنا من حروف الـمعجم التـي افتتـحت بها أوائل السور التـي هن لها فواتـح سبـيـل سائر القرآن فـي أنه لـم يعدل بها عن لغاتهم التـي كانوا بها عارفـين ولها بـينهم فـي منطقهم مستعملـين لأن ذلك لو كان معدولاً به عن سبـيـل لغاتهم ومنطقهم كان خارجا عن معنى الإبـانة التـي وصف الله عز وجل بها القرآن, فقال تعالـى ذكره: نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ علـى قَلْبِكَ لِتَكَونَ مِنَ الـمُنْذِرِينِ بِلسانٍ عَرَبـيّ مُبِـينٍ. وأنّى يكون مبـينا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالـمين فـي قول قائل هذه الـمقالة, ولا يعرف فـي منطق أحد من الـمخـلوقـين فـي قوله؟ وفـي إخبـار الله جل ثناؤه عنه أنه عربـيّ مبـين ما يكذّب هذه الـمقالة, وينبىء عنه أن العرب كانوا به عالـمين وهو لها مستبـين. فذلك أحد أوجه خطئه.
    والوجه الثانـي من خطئه فـي ذلك: إضافته إلـى الله جل ثناؤه أنه خاطب عبـاده بـما لا فـائدة لهم فـيه ولا معنى له من الكلام الذي سواء الـخطاب به وترك الـخطاب به, وذلك إضافة العبث الذي هو منفـي فـي قول جميع الـموحدين عن الله, إلـى الله تعالـى ذكره.
    والوجه الثالث من خطئة: أن «بل» فـي كلام العرب مفهوم تأويـلها ومعناها, وأنها تدخـلها فـي كلامها رجوعا عن كلام لها قد تقضى كقولهم: مَا جاءنـي أخوك بل أبوك وما رأيت عمرا بل عبد الله, وما أشبه ذلك من الكلام, كما قال أعشى بنـي ثعلبة:
    وَءَلاشْرَبَنّ ثَمَانِـيا وثَمَانِـياوَثَلاثَ عَشْرَةَ وَاثْنَتَـيْنَ وَأرْبَعا
    ومضى فـي كلـمته حتـى بلغ قوله:
    بـالـجُلّسانِ وَطَيّبٌ أرْدَانُهُبـالوَنّ يَضْرِبُ لـي يَكُرّ أُلاصْبُعا
    ثم قال:
    بَلْ عُدّ هَذَا فـي قَرِيضِ غَيْرِهِوَاذْكُرْ فَتًـى سَمْـحَ الـخَـلِـيقَةِ أرْوَعا
    فكأنه قال: دع هذا وخذ فـي قريض غيره. ف«بل» إنـما يأتـي فـي كلام العرب علـى هذا النـحو من الكلام. فأما افتتاحا لكلامها مبتدأ بـمعنى التطويـل والـحذف من غير أن يدل علـى معنى, فذلك مـما لا نعلـم أحدا ادعاه من أهل الـمعرفة بلسان العرب ومنطقها, سوى الذي ذكرت قوله, فـيكون ذلك أصلاً يشبّه به حروف الـمعجم التـي هي فواتـح سور القرآن التـي افتتـحت بها لو كان له مشبهة, فكيف وهي من الشبه به بعيدة؟
    الآية : 2
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ }
    قال عامة الـمفسرين: تأويـل قول الله تعالـى: ذَلِكَ الكِتَابُ: هذا الكتاب. ذكر من قال ذلك:
    88ـ حدثنـي هارون بن إدريس الأصم الكوفـي, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي, عن ابن جريج, عن مـجاهد: ذلك الكتاب, قال: هو هذا الكتاب.
    89ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, قال: أخبرنا خالد الـحذاء, عن عكرمة, قال: ذلك الكتاب: هذا الكتاب.
    90ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا الـحكم بن ظهير, عن السدّي فـي قوله: ذَلِكَ الكِتابُ قال: هذا الكتاب.
    91ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج قوله: ذَلِكَ الكِتابُ: هذا الكتاب. قال: قال ابن عبـاس: ذِلِكَ الكِتابُ: هذا الكتاب.
    فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون «ذلك» بـمعنى «هذا»؟ و«هذا» لا شك إشارة إلـى حاضر معاين, و«ذلك» إشارة إلـى غائب غير حاضر ولا معاين؟ قـيـل: جاز ذلك لأن كل ما تقضي وقَرُب تقضيه من الأخبـار فهو وإن صار بـمعنى غير الـحاضر, فكالـحاضر عند الـمخاطب وذلك كالرجل يحدّث الرجل الـحديث, فـيقول السامع: إن ذلك والله لكما قلت, وهذا والله كما قلت, وهو والله كما ذكرت. فـيخبر عنه مرة بـمعنى الغائب إذ كان قد تقضّى ومضى, ومرة بـمعنى الـحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنه غير منقضٍ, فكذلك ذلك فـي قوله: ذَلِكَ الكِتابُ لأنه جل ذكره لـما قدم قبل ذلك الكتاب الـم التـي ذكرنا تصرّفها فـي وجوهها من الـمعانـي علـى ما وصفنا, قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد هذا الذي ذكرته وبـينته لك الكتابُ. ولذلك حسن وضع «ذلك» فـي مكان «هذا», لأنه أشير به إلـى الـخبر عما تضمنه قوله: الـم من الـمعانـي بعد تقضي الـخبر عنه بألـم, فصار لقرب الـخبر عنه من تقضيه كالـحاضر الـمشار إلـيه, فأخبر عنه بذلك لانقضائه ومصير الـخبر عنه كالـخبر عن الغائب. وترجمه الـمفسرون أنه بـمعنى «هذا» لقرب الـخبر عنه من انقضائه, فكان كالـمشاهد الـمشار إلـيه بهذا نـحو الذي وصفنا من الكلام الـجاري بـين الناس فـي مـحاوراتهم, وكما قال جل ذكره: واذْكُرْ إسمَاعِيـلَ والـيَسَعَ وَذَا الكِفْلِ وَكُلّ مِنَ الأخْيار هَذَا ذِكْرٌ فهذا ما فـي «ذلك» إذا عنى بها «هذا». وقد يحتـمل قوله جل ذكره: ذَلِكَ الكِتَابُ أن يكون معنـيا به السور التـي نزلت قبل سورة البقرة بـمكة والـمدينة, فكأنه قال جل ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد اعلـم أن ما تضمنته سور الكتاب التـي قد أنزلتها إلـيك هو الكتاب الذي لا ريب فـيه. ثم ترجمه الـمفسرون بأن معنى «ذلك»: «هذا الكتاب», إذ كانت تلك السور التـي نزلت قبل سورة البقرة من جملة جميع كتابنا هذا الذي أنزله الله عز وجل علـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم. وكان التأويـل الأول أولـى بـما قاله الـمفسرون لأن ذلك أظهر معانـي قولهم الذي قالوه فـي ذلك. وقد وجه معنى ذلك بعضهم إلـى نظير معنى بـيت خُفـاف بن نُدبة السلـمي:
    فإنْ تَكُ خَيْـلـي قَدْ أصِيبَ صَميـمُهافَعَمْدا علـى عَيْنٍ تَـيَـمّـمْتُ مالكا
    أقُولُ لَهُ والرّمْـحُ يَأطِرُ مَتْنَهُتَأمّلْ خُفـافـا إنّنـي أنا ذَلكا
    كأنه أراد: تأملنـي أنا ذلك. فرأى أن «ذلك الكتاب» بـمعنى «هذا» نظير ما أظهر خفـاف من اسمه علـى وجه الـخبر عن الغائب وهو مخبر عن نفسه, فكذلك أظهر «ذلك» بـمعنى الـخبر عن الغائب, والـمعنى فـيه الإشارة إلـى الـحاضر الـمشاهد. والقول الأول أولـى بتأويـل الكتاب لـما ذكرنا من العلل.
    وقد قال بعضهم: ذَلِكَ الكِتابُ: يعنـي به التوراة والإنـجيـل, وإذا وجه تأويـل ذلك إلـى هذا الوجه فلا مؤنة فـيه علـى متأوله كذلك لأن «ذلك» يكون حينئذٍ إخبـارا عن غائب علـى صحة.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: لا رَيْبَ فِـيهَ.
    قوتأويـل قوله: لا رَيْبَ فِـيهِ: «لا شك فـيه», كما:
    92ـ حدثنـي هارون بن إدريس الأصم, قال: حدثنا عبد الرحمن الـمـحاربـي, عن ابن جريج, عن مـجاهد لا رَيْبَ فِـيهِ, قال: لا شك فـيه.
    93ـ حدثنـي سلام بن سالـم الـخزاعي, قال: حدثنا خـلف بن ياسين الكوفـي, عن عبد العزيز بن أبـي روّاد عن عطاء: لا رَيْبَ فِـيهِ قال: لا شك فـيه.
    94ـ حدثنـي أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا الـحكم بن ظهير, عن السدّي, قال: لا رَيْبَ فِـيهِ: لا شك فـيه.
    95ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لا رَيْبَ فِـيهِ: لا شك فـيه.
    96ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: لا رَيْبَ فِـيهِ قال: لا شك فـيه.
    حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: لا رَيْبَ فِـيهِ يقول لا شك فـيه.
    97ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة: لا رَيْبَ فِـيهِ يقول: لا شك فـيه.
    98ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع بن أنس قوله: لا رَيْبَ فِـيهِ يقول: لا شك فـيه.
    وهو مصدر من قولك: رابنـي الشيء يريبنـي ريبـا. ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤذيّة الهذلـي:
    فَقَالُوا تَرَكْنا الـحَيّ قَدْ حَصِرُوا بهِفَلا رَيْبَ أنْ قَدْ كانَ ثمّ لَـحِيـمُ
    ويروى: «حصروا», و«حَصِروا», والفتـح أكثر, والكسر جائز. يعنـي بقوله: «احصروا به»: أطافوا به, ويعنـي بقوله: لا رَيْبَ فِـيهِ لا شك فـيه, وبقوله: «إن قد كان ثم لـحيـم», يعنـي قتـيلاً, يقال: قد لُـحم إذا قتل. والهاء التـي فـي «فـيه» عائدة علـى الكتاب, كأنه قال: لا شك فـي ذلك الكتاب أنه من عند الله هدى للـمتقـين. القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    هُدًى.
    99ـ حدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري, قال: حدثنا أبو نعيـم, قال: حدثنا سفـيان, عن بـيان, عن الشعبـي: هُدًى قال: هدى من الضلالة.
    100ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن إسماعيـل السدي, فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: هُدًى للـمتّقِـينَ يقول: نور للـمتقـين.
    والهدى فـي هذا الـموضع مصدر من قولك: هديت فلانا الطريق إذا أرشدته إلـيه, ودللته علـيه, وبـينته له أهديه هُدًى وهداية.
    فإن قال لنا قائل: أو ما كتاب الله نورا إلا للـمتقـين ولا رشادا إلا للـمؤمنـين؟ قـيـل: ذلك كما وصفه ربنا عز وجل, ولو كان نورا لغير الـمتقـين, ورشادا لغير الـمؤمنـين لـم يخصص الله عز وجل الـمتقـين بأنه لهم هدى, بل كان يعم به جميع الـمنذرين ولكنه هدى للـمتقـين, وشفـاء لـما فـي صدور الـمؤمنـين, ووَقْرٌ فـي آذان الـمكذّبـين, وعمي لأبصار الـجاحدين, وحجة لله بـالغة علـى الكافرين فـالـمؤمن به مهتد, والكافر به مـحجوج.
    وقوله: هُدًى يحتـمل أوجها من الـمعانـي أحدها: أن يكون نصبـا لـمعنى القطع من الكتاب لأنه نكرة والكتاب معرفة, فـيكون التأويـل حينئذٍ: الـم ذلك الكتاب هاديا للـمتقـين. و«ذلك» مرفوع ب«الـم», و«الـم» به, و«الكتاب» نعت ل«ذلك». وقد يحتـمل أن يكون نصبـا علـى القطع من راجع ذكر الكتاب الذي فـي «فـيه», فـيكون معنى ذلك حينئذٍ: الـم الذي لا ريب فـيه هاديا. وقد يحتـمل أن يكون أيضا نصبـا علـى هذين الوجهين, أعنـي علـى وجه القطع من الهاء التـي فـي «فـيه», ومن الكتاب علـى أن «الـم» كلام تام, كما قال ابن عبـاس. إن معناه: أنا الله أعلـم. ثم يكون «ذلك الكتاب» خبرا مستأنفـا, ويرفع حينئذٍ الكتاب ب«ذلك» و«ذلك» بـالكتاب, ويكون «هدى» قطعا من الكتاب, وعلـى أن يرفع «ذلك» بـالهاء العائدة علـيه التـي فـي «فـيه», والكتاب نعت له, والهدى قطع من الهاء التـي فـي «فـيه». وإن جعل الهدى فـي موضع رفع لـم يجز أن يكون «ذلك الكتاب» إلا خبرا مستأنفـا و«الـم» كلاما تاما مكتفـيا بنفسه إلاّ من وجه واحد وهو أن يرفع حينئذٍ «هدى» بـمعنى الـمدح كما قال الله جل وعز: {الـم تِلْكَ آيَاتُ الكِتابِ الـحَكِيـمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْـمُـحْسِنِـينَ} فـي قراءة من قرأ «رحمة» بـالرفع علـى الـمدح للاَيات.
    والرفع فـي «هدى» حينئذٍ يجوز من ثلاثة أوجه, أحدها: ما ذكرنا من أنه مدح مستأنف. والاَخر: علـى أن يجعل الرافع «ذلك», والكتاب نعت ل«ذلك». والثالث: أن يجعل تابعا لـموضع «لا ريب فـيه», ويكون «ذلك الكتاب» مرفوعا بـالعائد فـي «فـيه», فـيكون كما قال تعالـى ذكره: وَهَذَا كتابٌ أنْزَلْنَاهُ مُبـارَكٌ.
    وقد زعم بعض الـمتقدمين فـي العلـم بـالعربـية من الكوفـيـين أن «الـم» رافع «ذلك الكتاب» بـمعنى: هذه الـحروف من حروف الـمعجم, ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إلـيك. ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نقضَه, وهدم ما بنى فأسرع هدمَه, فزعم أن الرفع فـي «هدى» من وجهين والنصب من وجهين, وأن أحد وجهي الرفع أن يكون «الكتاب» نعتا ل«ذلك», و«الهدى» فـي موضع رفع خبر ل«ذلك» كأنك قلت: ذلك لا شك فـيه. قال: وإن جعلت «لا ريب فـيه» خبره رفعت أيضا «هدى» بجعله تابعا لـموضع «لا ريب فـيه» كما قال الله جل ثناؤه: {وَهَذَا كِتابٌ أنْزَلْنَاهُ مُبـارَكٌ} كأنه قال: وهذا كتاب هدى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحد وجهي النصب, فأن تـجعل «الكتاب» خبرا ل«ذلك» وتنصب «هدى» علـى القطع لأن «هدى» نكرة اتصلت بـمعرفة وقد تـمّ خبرها فتنصبها, لأن النكرة لا تكون دلـيلاً علـى معرفة, وإن شئت نصبت «هدى» علـى القطع من الهاء التـي فـي «فـيه» كأنك قلت: لا شكّ فـيه هاديا.
    قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصّله فـي «الـم» وأنها مرفوعة ب«ذلك الكتاب» ونبذه وراء ظهره. واللازم له علـى الأصل الذي كان أصّله أن لا يجيز الرفع فـي «هدى» بحال إلا من وجه واحد, وذلك من قبل الاستئناف إذ كان مدحا. فأما علـى وجه الـخبر لذلك, أو علـى وجه الإتبـاع لـموضع «لا ريب فـيه», فكان اللازم له علـى قوله إن يكون خطأ, وذلك أن «الـم» إذا رفعت «ذلك الكتاب» فلا شك أن «هدى» غير جائز حينئذٍ أن يكون خبرا ل«ذلك» بـمعنى الرافع له, أو تابعا لـموضع لا ريب فـيه, لأن موضعه حينئذٍ نصب لتـمام الـخبر قبله وانقطاعه بـمخالفته إياه عنه. ه1القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    للْـمُتّقِـينَ.
    101ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي عن سفـيان, عن رجل, عن الـحسن قوله: للْـمُتّقِـينَ قال: اتقوا ما حرم علـيهم وأدّوا ما افترض علـيهم.
    102ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: للْـمُتّقِـينَ أي الذين يحذرون من الله عز وجل عقوبته فـي ترك ما يعرفون من الهدى, ويرجون رحمته بـالتصديق بـما جاء به.
    103ـ حدثنـي موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: هُدى للْـمُتّقِـينَ قال: هم الـمؤمنون.
    104ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, قال: سألنـي الأعمش عن الـمتقـين, قال: فأجبته, فقال لـي: سل عنها الكلبـي فسألته فقال: الذين يجتنبون كبـائر الإثم. قال: فرجعت إلـى الأعمش, فقال: نرى أنه كذلك ولـم ينكره.
    105ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم الطبري, قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج عن عبد الرحمن بن عبد الله, قال: حدثنا عمر أبو حفص, عن سعيد بن أبـي عروبة, عن قتادة: هُدًى للْـمُتّقِـينَ هم مَنْ نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بـالغَيْبِ وَيُقِـيـمُونَ الصّلاةَ ومِـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
    106ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمار, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: للْـمُتّقِـينَ قال: الـمؤمنـين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتـي.
    وأولـى التأويلات بقول الله جل ثناؤه: هُدًى للْـمُتّقـينَ تأويـل من وصف القوم بأنهم الذين اتقوا الله تبـارك وتعالـى فـي ركوب ما نهاهم عن ركوبه, فتـجنبوا معاصيه واتقوه فـيـما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أن الله عز وجل إنـما وصفهم بـالتقوى فلـم يحصر تقواهم إياه علـى بعضها من أهل منهم دون بعض. فلـيس لأحد من الناس أن يحصر معنى ذلك علـى وصفهم بشيء من تقوى الله عز وجل دون شيء إلا بحجة يجب التسلـيـم لها, لأن ذلك من صفة القوم لو كان مـحصورا علـى خاصّ من معانـي التقوى دون العام منها لـم يَدَع الله جل ثناؤه بـيان ذلك لعبـاده, إما فـي كتابه, وإما علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إذْ لـم يكن فـي العقل دلـيـل علـى استـحالة وصفهم بعموم التقوى. فقد تبـين إذا بذلك فساد قول من زعم أن تأويـل ذلك إنـما هو: الذين اتقوا الشرك وبرءوا من النفـاق لأنه قد يكون كذلك وهو فـاسق غير مستـحق أن يكون من الـمتقـين. إلا أن يكون عند قائل هذا القول معنى النفـاق ركوب الفواحش التـي حرمها الله جل ثناؤه وتضيـيع فرائضه التـي فرضها علـيه, فإن جماعة من أهل العلـم قد كانت تسمي من كان يفعل ذلك منافقا, فـيكون وإن كان مخالفـا فـي تسميته من كان كذلك بهذا الاسم مصيبـا تأويـل قول الله عز وجل للـمتقـين.
    الآية : 3
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }
    107ـ حدثنا مـحمد بن حميد الرازي, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: الّذينَ يُؤْمنُونَ قال: يصدقون.
    حدثنـي يحيى بن عثمان بن صالـح السهمي, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: يُؤْمِنُونَ يصدّقون.
    108ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: يُؤْمِنُونَ يخشون.
    109ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي, قال: حدثنا مـحمد بن ثور عن معمر, قال: قال الزهري: الإيـمان: العمل.
    110ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر عن أبـيه عن العلاء بن الـمسيب بن رافع, عن أبـي إسحاق, عن أبـي الأحوص عن عبد الله, قال: الإيـمان: التصديق.
    ومعنى الإيـمان عند العرب: التصديق, فـيُدْعَى الـمصدّق بـالشيء قولاً مؤمنا به, ويُدْعَى الـمصدّق قوله بفعله مؤمنا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: وَما أنْتَ بِـمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صَادِقِـينَ يعنـي: وما أنت بـمصدق لنا فـي قولنا. وقد تدخـل الـخشية لله فـي معنى الإيـمان الذي هو تصديق القول بـالعمل. والإيـمان كلـمة جامعة للإقرار بـالله وكتبه ورسله, وتصديق الإقرار بـالفعل. وإذا كان ذلك كذلك, فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفـين بـالتصديق بـالغيب, قولاً, واعتقادا, وعملاً, إذ كان جل ثناؤه لـم يحصرهم من معنى الإيـمان علـى معنى دون معنى, بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانـية أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: بـالغَيْبِ.
    111ـ حدثنا مـحمد بن حميد الرازي, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: بـالغيب قال: بـما جاء به, يعنـي من الله جل ثناؤه.
    112ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي: بـالغيب أما الغيب: فما غاب عن العبـاد من أمر الـجنة وأمر النار, وما ذكر الله تبـارك وتعالـى فـي القرآن. لـم يكن تصديقهم بذلك يعنـي الـمؤمنـين من العرب من قِبَلِ أصل كتاب أو علـم كان عندهم.
    113ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان عن عاصم, عن زر, قال: الغيب: القرآن.
    114ـ حدثنا بشر بن معاذ العقدي, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد بن أبـي عروة, عن قتادة فـي قوله: الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بـالغَيْب قال: آمنوا بـالـجنة والنار والبعث بعد الـموت وبـيوم القـيامة, وكل هذا غيب.
    115ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بـالغَيْبِ: آمنوا بـالله وملائكته ورسله والـيوم الاَخر وجنته وناره ولقائه, وآمنوا بـالـحياة بعد الـموت, فهذا كله غيب. وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء, وهو من قولك: غاب فلان يغيب غيبـا.
    وقد اختلف أهل التأويـل فـي أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتـين الاَيتـين من أول هذه السورة فـيهم, وفـي نعتهم وصفتهم التـي وصفهم بها من إيـمانهم بـالغيب, وسائر الـمعانـي التـي حوتها الاَيتان من صفـاتهم غيره. فقال بعضهم: هم مؤمنوا العرب خاصة, دون غيرهم من مؤمنـي أهل الكتاب. واستدلوا علـى صحة قولهم ذلك وحقـيقة تأويـلهم بـالآية التـي تتلو هاتـين الاَيتـين, وهو قول الله عز وجل: {وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}. قالوا: فلـم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي أنزله الله عز وجل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم تدين بتصديقه والإقرار والعمل به, وإنـما كان الكتاب لأهل الكتابـين غيرها. قالوا: فلـما قص الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد وما أنزل من قبله بعد اقتصاصه نبأ الـمؤمنـين بـالغيب, علـمنا أن كل صنف منهم غير الصنف الاَخر, وأن الـمؤْمنـين بـالغيب نوع غير النوع الـمصدّق بـالكتابـين اللذين أحدهما منزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, والاَخر منهما علـى من قبله من رسل الله تعالـى ذكره. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا من أن تأويـل قول الله تعالـى: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بـالغَيْبِ} إنـما هم الذين يؤمنون بـما غاب عنهم من الـجنة والنار والثواب والعقاب والبعث, والتصديق بـالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به فـي جاهلـيتها, بـما أوجب الله جل ثناؤه علـى عبـاده الدينونة به دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:
    116ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم أما: الذين يؤمنون بـالغيب فهم الـمؤمنون من العرب, {وَيقِـيـمُونَ الصلاةَ وَمِـمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} أما الغيب: فما غاب عن العبـاد من أمر الـجنة والنار, وما ذكر الله فـي القرآن. لـم يكن تصديقهم بذلك من قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علـم كان عندهم. {وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِـالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} هؤلاء الـمؤمنون من أهل الكتاب.
    وقال بعضهم: بل نزلت هذه الاَيات الأربع فـي مؤمنـي أهل الكتاب خاصة, لإيـمانهم بـالقرآن عند إخبـار الله جل ثناؤه إياهم فـيه عن الغيوب التـي كانوا يخفونها بـينهم ويسرّونها, فعلـموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك منهم فـي تنزيـله أنه من عند الله جل وعز, فآمنوا بـالنبـي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بـالقرآن وما فـيه من الإخبـار عن الغيوب التـي لا علـم لهم بها لـما استقرّ عندهم بـالـحجة التـي احتـجّ الله تبـارك وتعالـى بها علـيهم فـي كتابه, من الإخبـار فـيه عما كانوا يكتـمونه من ضمائرهم أن جميع ذلك من عند الله.
    وقال بعضهم: بل الاَيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع الـمؤمنـين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابـين و سواهم, وإنـما هذه صفة صنف من الناس, والـمؤمن بـما أنزل الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو الـمؤمن بـالغيب. قالوا: وإنـما وصفهم الله بـالإيـمان بـما أنزل إلـى مـحمد وبـما أنزل إلـى من قبله بعد تَقَضّي وصفه إياهم بـالإيـمان بـالغيب لأن وصفه إياهم بـما وصفهم به من الإيـمان بـالغيب كان معنـيا به أنهم يؤمنون بـالـجنة والنار والبعث, وسائر الأمور التـي كلفهم الله جل ثناؤه بـالإيـمان بها مـما لـم يروه ولـم يأت بَعْدُ مـما هو آت, دون الإخبـار عنهم أنهم يؤمنون بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا: فلـما كان معنى قوله: {وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} غير موجود فـي قوله: الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـالغَيْبِ كانت الـحاجة من العبـاد إلـى معرفة صفتهم بذلك لـيعرفهم نظير حاجتهم إلـى معرفتهم بـالصفة التـي وصفوا بها من إيـمانهم بـالغيب لـيعلـموا ما يرضي الله من أفعال عبـاده, ويحبه من صفـاتهم, فـيكونوا به إن وفقهم له ربهم. مؤمنـين. ذكر من قال ذلك:
    117ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو بن العبـاس البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخـلد, قال: حدثنا عيسى بن ميـمون الـمكي, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أربع آيات من سورة البقرة فـي نعت الـمؤمنـين وآيتان فـي نعت الكافرين وثلاث عشرة فـي الـمنافقـين.
    حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد بـمثله.
    وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال حدثنا موسى بن مسعود, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.
    118ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع بن أنس, قال: أربع آيات من فـاتـحة هذه السورة يعنـي سورة البقرة فـي الذين آمنوا, وآيتان فـي قادة الأحزاب.
    وأولـى القولـين عندي بـالصواب وأشبههما بتأويـل الكتاب, القول الأول, وهو: أن الذين وصفهم الله تعالـى ذكره بـالإيـمان بـالغيب, وما وصفهم به جل ثناؤه فـي الاَيتـين الأوّلَتـين غير الذين وصفهم بـالإيـمان بـالذي أنزل علـى مـحمد والذي أنزل إلـى من قبله من الرسل لـما ذكرت من العلل قبل لـمن قال ذلك, ومـما يدل أيضا مع ذلك علـى صحة هذا القول إنه جَنّسَ بعد وصف الـمؤمنـين بـالصفتـين اللتـين وصف, وبعد تصنـيفه لـي كل صنف منهما علـى ما صنف الكفـار جِنْسَين, فجعل أحدهما مطبوعا علـى قلبه مختوما علـيه مأيوسا من إيـمانه, والاَخر منافقا يرائي بإظهار الإيـمان فـي الظاهر, ويستسرّ النفـاق فـي البـاطن, فصير الكفـار جنسين كما صير الـمؤمنـين فـي أول السورة جنسين. ثم عرّف عبـاده نعت كل صنف منهم وصفتهم وما أعدّ لكل فريق منهم من ثواب أو عقاب, وذمّ أهل الذمّ منهم, وشكر سعي أهل الطاعة منهم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ويُقِـيـمُونَ}.
    إقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فـيها علـى ما فُرضت علـيه, كما يقال: أقام القوم سوقهم, إذا لـم يعطلوها من البـيع والشراء فـيها, وكما قال الشاعر:
    أقَمْنا لأِهْلِ العِرَاقَـيْنِ سُوقَ الضْضِرابِ فخَافُوا ووَلّوْا جَمِيعَا
    119ـ وكما حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَيُقِـيـمُونَ الصّلاةَ قال: الذين يقـيـمون الصلاة بفروضها.
    120ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمار, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَيُقِـيـمُونَ الصّلاةَ قال: إقامة الصلاة: تـمام الركوع والسجود والتلاوة والـخشوع والإقبـال علـيها فـيها.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {الصّلاةَ}.
    121ـ حدثنـي يحيى بن أبـي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا جويبر عن الضحاك فـي قوله: الّذِينَ يُقِـيـمُونَ الصّلاةَ يعنـي الصلاة الـمفروضة.
    وأما الصلاة فـي كلام العرب فإنها الدعاء كما قال الأعشى:
    لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدّهْرَ بَـيْتَهَاوَإنْ ذُبِحَتْ صَلّـى عَلَـيْهَا وَزَمْزَما
    يعنـي بذلك: دعا لها, وكقول الاَخر أيضا:
    وَقابَلَها الرّيحَ فـي دَنّهاوَصَلّـى علـى دَنّها وَارْتَسَمَ
    وأرى أن الصلاة الـمفروضة سميت صلاة لأن الـمصلـي متعرّض لاستنـجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فـيها من حاجاته تعرض الداعي بدعائه ربه استنـجاح حاجاته وسؤله. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ومِـمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}.
    اختلف الـمفسرون فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم بـما:
    122ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: ومِـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قال: يؤتون الزكاة احتسابـا بها.
    123ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, عن معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: ومـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقوُنَ قال: زكاة أموالهم.
    124ـ حدثنـي يحيى بن أبـي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك: وَمِـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قال: كانت النفقات قربـات يتقرّبون بها إلـى الله علـى قدر ميسورهم وجهدهم, حتـى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات فـي سورة براءة, مـما يذكر فـيهن الصدقات, هن الـمثبتات الناسخات.
    وقال بعضهم بـما:
    125ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ومـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ هي نفقة الرجل علـى أهله, وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
    وأولـى التأويلات بـالآية وأحقها بصفة القوم أن يكونوا كانوا لـجميع اللازم لهم فـي أموالهم, مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم, مـمن تـجب علـيهم نفقته بـالقرابة والـملك وغير ذلك لأن الله جل ثناؤه عمّ وصفهم, إذ وصفهم بـالإنفـاق مـما رزقهم, فمدحهم بذلك من صفتهم, فكان معلوما أنه إذ لـم يخصص مدحهم ووصفهم بنوع من النفقات الـمـحمود علـيها صاحبها دون نوع بخبر ولا غيره أنهم موصوفون بجميع معانـي النفقات الـمـحمود علـيها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم, وذلك الـحلال منه الذي لـم يشبه حرام.
    الآية : 4
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }
    قد مضى البـيان عن الـمنعوتـين بهذا النعت, وأيّ أجناس الناس هم. غير أنا نذكر ما روي فـي ذلك عمن روي عنه فـي تأويـله قول:
    126ـ فحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: {وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي يصدقونك بـما جئت به من الله جل وعز, وما جاء به من قبلك من الـمرسلـين, لا يفرقون بـينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم.
    127ـ حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبـالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هؤلاء الـمؤمنون من أهل الكتاب. القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    وبـالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
    قال أبو جعفر: أما الاَخرة, فإنها صفة للدار, كما قال جل ثناؤه: وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةِ لَهِيَ الـحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ وإنـما وصفت بذلك لـمصيرها آخرة لأولـى كانت قبلها كما تقول للرجل: أنعمت علـيك مرة بعد أخرى فلـم تشكر لـي الأولـى ولا الاَخرة. وإنـما صارت الاَخرة آخرة للأولـى, لتقدم الأولـى أمامها, فكذلك الدار الاَخرة سميت آخرة لتقدم الدار الأولـى أمامها, فصارت التالـية لها آخرة. وقد يجوز أن تكون سميت آخرة لتأخرها عن الـخـلق, كما سميت الدنـيا دنـيا لدنوّها من الـخـلق. وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به الـمؤمنـين بـما أنزل إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم, وما أنزل إلـى من قبله من الـمرسلـين من إيقانهم به من أمر الاَخرة, فهو إيقانهم بـما كان الـمشركون به جاحدين, من البعث والنشر والثواب والعقاب والـحساب والـميزان, وغير ذلك مـما أعدّ الله لـخـلقه يوم القـيامة. كما:
    128ـ حدثنا به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن مـحمد بن إسحاق عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وبـالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي بـالبعث والقـيامة والـجنة والنار والـحساب والـميزان, أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بـما كان قبلك, ويكفرون بـما جاءك من ربك.
    وهذا التأويـل من ابن عبـاس قد صرّح عن أن السورة من أولها وإن كانت الاَيات التـي فـي أولها من نعت الـمؤمنـين تعريض من الله عز وجل بذم الكفـار أهل الكتاب, الذين زعموا أنهم بـما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل مـحمد صلوات الله علـيهم وعلـيه مصدقون وهم بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام مكذبون, ولـما جاء به من التنزيـل جاحدون, ويدعون مع جحودهم ذلفك أنهم مهتدون وأنه لن يدخـل الـجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قـيـلهم بقوله: {الـم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِـيهِ هُدًى للْـمُتّقِـينَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بـالغَيْبِ وَيُقـيـمُونَ الصّلاةَ ومـمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهَا أُنْزِلَ إِلَـيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِـالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. وأخبر جل ثناؤه عبـاده أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما جاء به الـمصدقـين بـما أنزل إلـيه وإلـى من قبله من رسله من البـينات والهدى خاصة, دون من كذب بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به, وادعى أنه مصدق بـمن قبل مـحمد علـيه الصلاة والسلام من الرسل وبـما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر الـمؤمنـين من العرب ومن أهل الكتاب الـمصدقـين بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام وبـما أُنزل إلـيه وإلـى من قبله من الرسل بقوله: {أُولئِكَ علـى هدَىً مِنْ رَبّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ} فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم, وأن غيرهم هم أهل الضلال والـخسار.
    الآية : 5
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }
    اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى الله جل ثناؤه بقوله: أُولَئِكَ عَلَـى هُدًى مِنْ رَبّهِمْ فقال بعضهم: عَنَى بذلك أهل الصفتـين الـمتقدمتـين, أعنـي الـمؤمنـين بـالغيب من العرب والـمؤمنـين وبـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وإلـى من قبله من الرسل, وإياهم جميعا وصف بأنهم علـى هدى منهم وأنهم هم الـمفلـحون. ذكر من قال ذلك من أهل التأويـل:
    129ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: أما الذين يؤمنون بـالغيب, فهم الـمؤمنون من العرب, والذين يؤمنون بـما أنزل إلـيك: الـمؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقـين فقال: أُولَئِكَ علـى هدَىً مِنْ رَبّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ.
    وقال بعضهم: بل عَنَى بذلك الـمتقـين الذين يؤمنون بـالغيب وهم الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد, وبـما أنزل إلـى من قبله من الرسل.
    وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذي يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما أنزل إلـى من قبله من الرسل.
    وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما أنزل إلـى من قبله, وهم مؤمنوا أهل الكتاب الذين صدقوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به, وكانوا مؤمنـين من قبلُ بسائر الأنبـياء والكتب.
    وعلـى هذا التأويـل الاَخر, يحتـمل أن يكون: الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ فـي مـحل خفض, ومـحل رفع فأما الرفع فـيه فإنه يأتـيها من وجهين: أحدهما من قبل العطف علـى ما فـي يُؤْمِنُونَ بِـالغَيْبِ من ذكر «الذين». والثانـي: أن يكون خبر مبتدأ, ويكون: أُولَئِكَ علـى هُدىً مِنْ رَبّهِمْ رافعها. وأما الـخفض فعلـى العطف علـى الْـمُتّقِـينَ. وإذا كانت معطوفة علـى «الذين» اتـجه لها وجهان من الـمعنى, أحدهما: أن تكون هي «والذين» الأولـى من صفة الـمتقـين, وذلك علـى تأويـل من رأى أن الاَيات الأربع بعد الـم نزلت فـي صنف واحد من أصناف الـمؤمنـين. والوجه الثانـي: أن تكون «الذين» الثانـية معطوفة فـي الإعراب علـى «الـمتقـين» بـمعنى الـخفض, وهم فـي الـمعنى صنف غير الصنف الأول. وذلك علـى مذهب من رأى أن الذين نزلت فـيهم الاَيتان الأوّلتان من الـمؤمنـين بعد قوله الـم غير الذين نزلت فـيهم الاَيتان الاَخرتان اللتان تلـيان الأوّلتـين. وقد يحتـمل أن تكون «الذين» الثانـية مرفوعة فـي هذا الوجه بـمعنى الاستئناف, إذ كانت مبتدأ بها بعد تـمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فـيها أيضا بنـية الاستئناف إذ كانت فـي مبتدأ آية وإن كانت من صفة الـمتقـين. فـالرفع إذا يصح فـيها من أربعة أوجه, والـخفض من وجهين.
    وأولـى التأويلات عندي بقوله: أُولَئِكَ عَلـى هُدىً مِنْ رَبّهِمْ ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عبـاس, وأن تكون «أولئك» إشارة إلـى الفريقـين, أعنـي الـمتقـين وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ, وتكون «أولئك» مرفوعة بـالعائد من ذكرهم فـي قوله: علـى هُدًى مِن رَبّهِمْ وأن تكون «الذين» الثانـية معطوفة علـى ما قبل من الكلام علـى ما قد بـيناه.
    وإنـما رأينا أن ذلك أولـى التأويلات بـالآية, لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقـين بنعتهم الـمـحمود ثم أثنى علـيهم فلـم يكن عزّ وجل لـيخص أحد الفريقـين بـالثناء مع تساويهما فـيـما استـحقا به الثناء من الصفـات, كما غير جائز فـي عدله أن يتساويا فـيـما يتسحقان به الـجزاء من الأعمال فـيخص أحدهما بـالـجزاء دون الاَخر ويحرم الاَخر جزاء عمله, فكذلك سبـيـل الثناء بـالأعمال لأن الثناء أحد أقسام الـجزاء. وأما معنى قوله: أُولَئِكَ علـى هُدًى مِنْ رَبّهِمْ فإن معنى ذلك أنهم علـى نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفـيقه لهم كما:
    130ـ حدثنـي ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: أُولَئِكَ علـى هُدىً مِنْ رَبّهِمْ أي علـى نور من ربهم, واستقامة علـى ما جاءهم.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ.
    وتأويـل قوله: وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ أي أولئك هم الـمُنْـجِحُون الـمدركون ما طلبوا عند الله تعالـى ذكره بأعمالهم وإيـمانهم بـالله وكتبه ورسله, من الفوز بـالثواب, والـخـلود فـي الـجنان, والنـجاة مـما أعد الله تبـارك وتعالـى لأعدائه من العقاب. كما:
    131ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة. قال: حدثنا ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ أي الذين أدركوا ما طلبوا, ونـجوا من شرّ ما منه هربوا. ومن الدلالة علـى أن أحد معانـي الفلاح إدراك الطلبة والظفر بـالـحاجة, قول لبـيد بن ربـيعة:
    اعْقِلِـي إنْ كُنْتِ لَـمّا تَعْقِلِـيولَقَدْ أفْلَـحَ مَنْ كانَ عَقَلْ
    يعنـي ظفر بحاجته وأصاب خيرا. ومنه قول الراجز:
    عَدِمْتُ أُمّا وَلَدَتْ رَبـاحاجاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحا فِرْكَاحَا
    تَـحْسَبُ أنْ قَدْ وَلَدَتْ نَـجاحاأشْهَدُ لاَ يَزِيدُهَا فَلاحا
    يعنـي خيرا وقربـا من حاجتها. والفلاح: مصدر من قولك: أفلـح فلان يُفلـح إفلاحا, وفلاحا, وفَلَـحا. والفلاح أيضا البقاء, ومنه قول لبـيد:
    نـحُلّ بلادا كُلّها حُلّ قَبْلَنَاوَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرِ
    يريد البقاء. ومنه أيضا قول عَبـيد:
    أفْلِـحْ بـما شِئْتَ فَقَدْ يَبْلُعُ بـالضّعْفِ وَقَدْ يُخْدَعُ أَلارِيبُ
    يريد: عش وابق بـما شئت. وكذلك قول نابغة بنـي ذبـيان:
    وكُلّ فَتًـى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌوَإنْ أثْرَى وَإنْ لاقـى فَلاحا
    أي نـجاحا بحاجته وبقاءً.
    الآية : 6
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
    اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية, وفـيـمن نزلت, فكان ابن عبـاس يقول, كما:
    132ـ حدثنا به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: إنّ الّذِينَ كَفَرُوا أي بـما أنزل إلـيك من ربك, وإن قالوا إنا قد آمنا بـما قد جاءنا من قبلك. وكان ابن عبـاس يرى أن هذه الآية, نزلت فـي الـيهود الذين كانوا بنواحي الـمدينة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم توبـيخا لهم فـي جحودهم نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم, وتكذيبهم به, مع علـمهم به ومعرفتهم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم وإلـى الناس كافة.
    وهذه الآية من أوضح الأدلة علـى فساد قول الـمنكرين تكلـيف ما لا يطاق إلا بـمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختـم علـى قلوب صنف من كفـار عبـاده وأسماعهم, ثم لـم يسقط التكلـيف عنهم ولـم يضع عن أحد منهم فرائضه ولـم يعذره فـي شيء مـما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الـختـم والطبع علـى قلبه وسمعه, بل أخبر أن لـجميعهم منه عذابـا عظيـما علـى تركهم طاعته فـيـما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتـمه القضاء مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.
    الآية : 7
    القول فـي تأويـل جل ثناؤه:{خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }.
    وقوله: وَعلـى أبْصَارِهمْ غشِاوَة خبر مبتدأ بعد تـمام الـخبر عما ختـم الله جل ثناؤه علـيه من جوارح الكفـار الذين مضت قصصهم, وذلك أن غِشاوَة مرفوعة بقوله: وَعلـى أبْصَارِهمْ فذلك دلـيـل علـى أنه خبر مبتدأ, وأن قوله: خَتـمَ اللّهُ علـى قُلُوبِهمْ قد تناهى عند قوله: وَعلـى سَمْعِهمْ. وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لـمعنـيـين, أحدهما: اتفـاق الـحجة من القراء والعلـماء علـى الشهادة بتصحيحها, وانفراد الـمخالف لهم فـي ذلك وشذوذه عما هم علـى تـخطئته مـجمعون وكفـى بإجماع الـحجة علـى تـخطئة قراءته شاهدا علـى خطئها. والثانـي: أن الـختـم غير موصوفة به العيون فـي شيء من كتاب الله, ولا فـي خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا موجود فـي لغة أحد من العرب. وقد قال تبـارك وتعالـى فـي سورة أخرى: وَختَـمَ علـى سَمْعهِ وَقَلْبِهِ ثم قال: وَجَعَلَ علـى بَصَرِه غِشاوَة فلـم يدخـل البصر فـي معنى الـختـم, وذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب. فلـم يجز لنا ولا لأحد من الناس القراءة بنصب الغشاوة لـما وصفت من العلتـين اللتـين ذكرت, وإن كان لنصبها مخرج معروف فـي العربـية. وبـما قلنا فـي ذلك من القول والتأويـل, رُوى الـحَبر عن ابن عبـاس.
    133ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي الـحسين بن الـحسن, عن أبـيه, عن جده, عن ابن عبـاس: ختـم الله علـى قلوبهم وعلـى سمعهم والغشاوة علـى أبصارهم.
    فإن قال قائل: وما وجه مخرج النصب فـيها؟ قـيـل له: إن نصبها بإضمار «جعل» كأنه قال: وجعل علـى أبصارهم غشاوة ثم أسقط «جعل» إذ كان فـي أول الكلام ما يدل علـيه. وقد يحتـمل نصبها علـى إتبـاعها موضع السمع إذ كان موضعه نصبـا, وإن لـم يكن حسنا إعادة العامل فـيه علـى «غشاوة» ولكن علـى إتبـاع الكلام بعضه بعضا, كما قال تعالـى ذكره: يَطُوفُ عَلَـيْهمْ وُلْدَان مُخَـلّدُونَ بأكْوَابٍ وأبـارِيقَ ثم قال: وَفَـاكهَة مِـمّا يَتَـخَيّرُونَ وَلَـحْمِ طَيْرٍ مِـمّا يَشْتَهُونَ وحُورٍ عينٍ فخفض اللـحم والـحور علـى العطف به علـى الفـاكهة إتبـاعا لاَخر الكلام أوله. ومعلوم أن اللـحم لا يطاف به ولا بـالـحور, ولكن ذلك كما قال الشاعر يصف فرسه:
    عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بـارِداحَتّـى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها
    ومعلوم أن الـماء يشرب ولا يعلف به, ولكنه نصب ذلك علـى ما وصفت قبل. وكما قال الاَخر:
    وَرَأيْتُ زَوْجَكِ فـي الوَغَىمُتَقَلّدَا سَيْفـا وَرُمْـحَا
    وكان ابن جريج يقول فـي انتهاء الـخبر عن الـختـم إلـى قوله: وَعلـى سَمْعِهِمْ وابتداء الـخبر بعده بـمثل الذي قلنا فـيه, ويتأول فـيه من كتاب الله: فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتِـم علـى قَلْبِكَ.
    134ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: حدثنا ابن جريج, قال: الـختـم علـى القلب والسمع, والغشاوة علـى البصر, قال الله تعالـى ذكره: فإنْ يَشأ اللّهُ يَخْتِـمْ علـى قَلْبِكَ وقال: وخَتـمَ علـى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ علـى بَصَرِهِ غِشاوَةً والغشاوة فـي كلام العرب: الغطاء, ومنه قول الـحارث بن خالد بن العاص:
    تَبِعْتُكَ إذْ عَيْنِـي عَلَـيْها غِشاوَةٌفَلـمّا انْـجَلَتْ قَطّعْتُ نَفْسِي ألُومُها
    ومنه يقال: تغشاه الهم: إذا تـجلّله وركبه. ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان:
    هَلا سألْتِ بَنِـي ذُبْـيانَ ما حَسَبـيإذَا الدّخانُ تَغَشّى الأشمَطَ البَرِمَا
    يعنـي بذلك: إذا تـجلله وخالطه.
    وإنـما أخبر الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم عن الذين كفروا به من أحبـار الـيهود, أنه قد ختـم علـى قلوبهم وطبع علـيها فلا يعقلون لله تبـارك وتعالـى موعظة وعظهم بها فـيـما آتاهم من علـم ما عندهم من كتبه, وفـيـما حدّد فـي كتابه الذي أوحاه وأنزله إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم, وعلـى سمعهم فلا يسمعون من مـحمد صلى الله عليه وسلم نبـيّ الله تـحذيرا ولا تذكيرا ولا حجة أقامها علـيهم بنبوّته, فـيتذكروا ويحذروا عقاب الله عز وجل فـي تكذيبهم إياه, مع علـمهم بصدقه وصحة أمره وأعلـمه مع ذلك أن علـى أبصارهم غشاوة عن أن يبصروا سبـيـل الهدى فـيعلـموا قبح ما هم علـيه من الضلالة والردي.
    وبنـحو ما قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن جماعة من أهل التأويـل.
    135ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: خَتـمَ اللّهُ علـى قُلُوبِهِمْ وَعلـى سَمْعهِمْ وَعلـى أبْصَارِهِمْ غِشاوَة أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الـحقّ الذي جاءك من ربك, حتـى يؤمنوا به, وإن آمنوا بكل ما كان قبلك.
    136ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَتَـم اللّهُ علـى قُلُوبِهِمْ وَعلـى سَمْعِهِمْ يقول فلا يعقلون, ولا يسمعون. ويقول: وجعل علـى أبصارهم غشاوة, يقول: علـى أعينهم فلا يبصرون.
    وأما آخرون فإنهم كانوا يتأوّلون أن الذين أخبر الله عنهم من الكفـار أنه فعل ذلك بهم هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
    137ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, قال: هاتان الاَيتان إلـي: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ هم: الّذِينَ بَدّلُوا نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرا وأحَلّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَار وهم الذين قتلوا يوم بدر فلـم يدخـل من القادة أحد فـي الإسلام إلا رجلان: أبو سفـيان بن حرب, والـحكم بن أبـي العاص.
    138ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, عن الـحسن, قال: أما القادة فلـيس فـيهم مـجيب, ولا ناج, ولا مهتد, وقد دللنا فـيـما مضى علـى أولـى هذين التأويـلـين بـالصواب كرهنا إعادته.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ.
    وتأويـل ذلك عندي كما قاله ابن عبـاس وتأوّله.
    139ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: ولهم بـما هم علـيه من خلافك عذاب عظيـم, قال: فهذا فـي الأحبـار من يهود فـيـما كذّبوك به من الـحق الذي جاءك من ربك بعد معرفتهم.
    الآية : 8
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }
    قال أبو جعفر: أما قوله: وَمِنَ النّاسِ فإن فـي الناس وجهين: أحدهما أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه, وإنـما واحده إنسان وواحدته إنسانة. والوجه الاَخر: أن يكون أصله «أُناس» أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها, ثم دخـلتها الألف واللام الـمعرّفتان, فأدغمت اللام التـي دخـلت مع الألف فـيها للتعريف فـي النون, كما قـيـل فـي: لكنّ هُوَ اللّهُ رَبـي علـى ما قد بـينا فـي اسم الله الذي هو الله.
    وقد زعم بعضهم أن الناس لغة غير أناس, وأنه سمع العرب تصغره نُوَيْس من الناس, وأن الأصل لو كان أناس لقـيـل فـي التصغير: أُنَـيْس, فردّ إلـى أصله.
    وأجمع جميع أهل التأويـل علـى أن هذه الآية نزلت فـي قوم من أهل النفـاق, وأن هذه الصفة صفتهم. ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويـل بأسمائهم:
    140ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالْـيَوْمِ الاَخرِ وَما هُمْ بِـمُؤْمِنـينَ يعنـي الـمنافقـين من الأوس والـخزرج, ومن كان علـى أمرهم. وقد سُمّي فـي حديث ابن عبـاس هذا أسماؤهم عن أبـيّ بن كعب, غير أنـي تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.
    141ـ حدثنا الـحسين بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالْـيَوْمِ الاَخِرِ وَما هُم بِـمُؤْمِنِـينَ حتـى بلغ: فَمَا رَبِحَتْ تِـجارَتُهُمْ وَما كَانُوا مُهْتَدِينَ قال: هذه فـي الـمنافقـين.
    142ـ حدثنا مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميـمون, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: هذه الآية إلـى ثلاث عشرة فـي نعت الـمنافقـين.
    حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.
    حدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد مثله.
    143ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن إسماعيـل السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرّة, وعن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: وَمِنَ الناسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالـيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِـمؤْمِنِـينَ هم الـمنافقون.
    144ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالْـيَوْمِ الاَخِرِ إلـى: فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرضا وَلَهُمُ عَذَابٌ ألِـيـمٌ قال: هؤلاء أهل النفـاق.
    145ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالـيَوْمِ الاَخِرِ وَما هُمْ بِـمُؤْمِنِـينَ قال: هذا الـمنافق يخالف قولُه فعلَه وسرّه علانـيَته ومدخـلُه مخرجَه ومشهدُه مغيَبه.
    وتأويـل ذلك أن الله جل ثناؤه لـمّا جمع لرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم أمره فـي دار هجرته واستقر بها قرارُه وأظهر الله بها كلـمته, وفشا فـي دور أهلها الإسلام, وقهر بها الـمسلـمون من فـيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان, وذلّ بها من فـيها من أهل الكتاب أظهر أحبـار يهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضغائن وأبدوا له العداوة والشنآن حسدا وبغيا إلا نفرا منهم, هداهم الله للإسلام فأسلـموا, كما قال الله جل ثناؤه: وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَردّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيـمانِكُمْ كُفّـارا حَسَدا منْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمْ الـحَقّ وطابقهم سرّا علـى معاداة النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل قومٌ من أراهط الأنصار الذي آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وكانوا قد عتوا فـي شركهم وجاهلـيتهم قد سُمّوا لنا بأسمائهم, كرهنا تطويـل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم. وظاهروهم علـى ذلك فـي خفـاء غير جهار حذار القتل علـى أنفسهم والسبـاء من رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابه, وركونا إلـى الـيهود, لـما هم علـيه من الشرك وسوء البصيرة بـالإسلام. فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيـمان به من أصحابه, قالوا لهم حذارا علـى أنفسهم: إنا مؤمنون بـالله وبرسوله وبـالبعث, وأعطوهم بألسنتهم كلـمة الـحق لـيدرءوا عن أنفسهم حكم الله فـيـمن اعتقد ما هم علـيه مقـيـمون من الشرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم, وإذا لقوا إخوانهم من الـيهود وأهل الشرك والتكذيب بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به فخـلوا بهم, قالوا: إنّا مَعَكُمْ إنّـمَا نَـحْنُ مُسْتَهْزِءونَ فإياهم عنى جل ذكره بقوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّهِ وَبـالـيَوْمِ الاَخِرِ وَما هُمْ بِـمُؤْمِنِـينَ يعنـي بقوله تعالـى خبرا عنهم «آمّنا بـالله»: صدقنا بـالله. وقد دللنا علـى أن معنى التصديق فـيـما مضى قبل من كتابنا هذا. وقوله: وَبـالـيَوْمِ الاَخرِ يعنـي بـالبعث يوم القـيامة. وإنـما سُمِي يوم القـيامة الـيوم الاَخر: لأنه آخر يوم, لا يوم بعده سواه.
    وهذه الآية من أوضح الأدلة علـى فساد قول الـمنكرين تكلـيف ما لا يطاق إلا بـمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختـم علـى قلوب صنف من كفـار عبـاده وأسماعهم, ثم لـم يسقط التكلـيف عنهم ولـم يضع عن أحد منهم فرائضه ولـم يعذره فـي شيء مـما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الـختـم والطبع علـى قلبه وسمعه, بل أخبر أن لـجميعهم منه عذابـا عظيـما علـى تركهم طاعته فـيـما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتـمه القضاء مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.
    فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم, ولا انقطاع للاَخرة, ولا فناء, ولا زوال؟.
    قـيـل: إن الـيوم عند العرب إنـما سمي يوما بلـيـلته التـي قبله, فإذا لـم يتقدم النهار لـيـل لـم يسمّ يوما, فـيوم القـيامة يوم لا لـيـل له بعده سوى اللـيـلة التـي قامت فـي صبـيحتها

    «« توقيع Jesus is Muslim »»
    اللهم انك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت علي محبتك و التقت علي طاعتك و توحدت علي دعوتك . فوثق اللهم رابطتها و أدم ودها و اهدها سبلها و اشرح صدورها بفيض الايمان بك و جميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك و أمتها علي الشهاده في سبيلك.انك نعم المولي و نعم النصير.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    آخر نشاط
    03-09-2004
    على الساعة
    12:40 PM
    المشاركات
    147

    افتراضي

    minas


    اهلا ومرحبا بك معنا


    ألم يكن من الأفضل طرح نقاط معينة ليتسنى للاخوة والاخوات ان يناقشوك فيها بدلا من القص واللصق؟؟؟؟؟


    بفعلتك هذه تريدنا ان نناقش مقالات ولا نناقشك أنت


    لا أدري ان كان هذا الامر يعجبك والا فأنه لا يعجب الكثيرين



    الحمد لله

    «« توقيع Moonshadow6 »»
    <div align=\"center\"><img src=\'http://lmashog.jeeran.com/cute220.jpg\' border=\'0\' alt=\'user posted image\' /></div>

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    آخر نشاط
    08-09-2009
    على الساعة
    01:23 AM
    المشاركات
    491

    افتراضي

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }
    اختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأ بعضهم: وَاعَدْنا بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته, فكانت الـمواعدة من الله لـموسى, ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة وَاعَدْنا علـى «وعدنا» أن قالوا: كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع, فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك, فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: واعدنا بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا».
    وقرأ بعضهم: «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى, والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك, أن قالوا: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وقال: وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَـيْنِ أنها لَكُمْ قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله: «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى».
    والصواب عندنا فـي ذلك من القول, أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء, ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان, وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع, فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلـى مـحبته فـيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء, وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعدا ومواعدا له الـمناجاة علـى الطور, وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء, فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة, مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه, لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مُوسَى.
    وموسى فـيـما بلغنا بـالقبطية كلـمتان, يعنـي بهما: ماء وشجر, فمو: هو الـماء, وسا: هو الشجر. وإنـما سُمي بذلك فـيـما بلغنا, لأن أمه لـما جعلته فـي التابوت حين خافت علـيه من فرعون وألقته فـي الـيـم كما أوحى الله إلـيها وقـيـل: إن الـيـم الذي ألقته فـيه هو النـيـل دفعته أمواج الـيـم, حتـى أدخـلته بـين أشجار عند بـيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن التابوت, فأخذنه, فسُمي بـاسم الـمكان الذي أصيب فـيه. وكان ذلك الـمكان فـيه ماء وشجر, فقـيـل: موسى ماء وشجر: كذلك:
    644ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, عن أسبـاط بن نصر, عن السدي.
    وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيـل الله بن إسحاق ذبـيح الله ابن إبراهيـم خـلـيـل الله, فـيـما زعم ابن إسحاق.
    645ـ حدثنـي بذلك ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عنه.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً.
    ومعنى ذلك وَإذْ وَاعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً بتـمامها, فـالأربعون لـيـلة كلها داخـلة فـي الـميعاد.
    وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معناه: وإذْ واعدنا موسى انقضاء أربعين لـيـلة أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: واسألِ القَرْيَةَ وبقولهم الـيوم أربعون منذ خرج فلان, والـيوم يومان, أي الـيوم تـمام يومين وتـمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويـل وخلاف ظاهر التلاوة, فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين لـيـلة, فلـيس لأحد إحالة ظاهر خبره إلـى بـاطن بغير برهان دالّ علـى صحته. وأما أهل التأويـل فإنهم قالوا فـي ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:
    646ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية قوله: وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً قالَ: يعنـي ذا القعدة وعشرا من ذي الـحجة. وذلك حين خـلف موسى أصحابه, واستـخـلف علـيهم هارون, فمكث علـى الطور أربعين لـيـلة, وأنزل علـيه التوراة فـي الألواح, وكانت الألواح من زبرجد. فقرّبه الربّ إلـيه نـجيّا, وكلـمه, وسمع صريف القلـم. وبلغنا أنه لـم يحدث حدثا فـي الأربعين لـيـلة حتـى هبط من الطور.
    وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, بنـحوه.
    647ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه, ونـجاه وقومه ثلاثـين لـيـلة, ثم أتـمها بعشر, فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة, تلقاه ربه فـيها بـما شاء. واستـخـلف موسى هارون علـى بنـي إسرائيـل, وقال: إنـي متعجل إلـى ربـي فـاخـلفنـي فـي قومي ولا تتبع سبـيـل الـمفسدين فخرج موسى إلـى ربه متعجلاً للقائه شوقا إلـيه, وأقام هارون فـي بنـي إسرائيـل ومعه السامريّ يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به.
    648ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي, قال: انطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة وأتـمها الله بعشر.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُـمْ ظالِـمُونَ.
    وتأويـل قوله: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العجْلَ منْ بَعْدِهِ ثم اتـخذتـم فـي أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فـارقكم موسى متوجها إلـى الـموعد. والهاء فـي قوله «من بعده» عائدة علـى ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه الـمخالفـين نبـينا صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل الـمكذّبـين به الـمخاطبـين بهذه الآية, عن فعل آبـائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبـياءهم, مع تتابع نعمه علـيهم وسبوغ آلائه لديهم, معرّفهم بذلك أنهم من خلافهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته, مع علـمهم بصدقه علـى مثل منهاج آبـائه وأسلافهم, ومـحذّرهم من نزول سطوته بهم بـمقامهم علـى ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم الـمكذّبـين بـالرسل من الـمسخ واللعن وأنواع النقمات.
    وكان سبب اتـخاذهم العجل ما:
    649ـ حدثنـي به عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: لـما هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذنوب حصان فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وديق, فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها. قال: وعرف السامريّ جبريـل لأن أمه حين خافت أن يذبح خـلفته فـي غار وأطبقت علـيه, فكان جبريـل يأتـيه فـيغذوه بأصابعه, فـيجد فـي بعض أصابعه لبنا, وفـي الأخرى عسلاً, وفـي الأخرى سمنا. فلـم يزل يغذوه حتـى نشأ, فلـما عاينه فـي البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تـحت الـحافر قبضة. قال سفـيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: «فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول». قال أبو سعيد, قال عكرمة, عن ابن عبـاس: وألقـي فـي رُوع السامري أنك لا تلقـيها علـى شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلـم تزل القبضة معه فـي يده حتـى جاوز البحر. فلـما جاوز موسى وبنو إسرائيـل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ ومضى موسى لـموعد ربه. قال: وكان مع بنـي إسرائيـل حلـيّ من حلـيّ آل فرعون قد تعوّروه, فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنزل النار فتأكله, فلـما جمعوه, قال السامريّ بـالقبضة التـي كانت فـي يده هكذا, فقذفها فـيه وأومأ ابن إسحاق بـيده هكذا وقال: كن عجلاً جسدا له خوار فصار عجلاً جسدا له خوار. وكان يدخـل الريح فـي دبره ويخرج من فـيه يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا علـى العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وإنّ رَبّكُمْ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجَعَ إلَـيْنَا مُوسَى.
    650ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أمر الله موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل يعنـي من أرض مصر أمر موسى بنـي إسرائيـل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الـحلـيّ من القبط. فلـما نـجّى الله موسى ومن معه من بنـي إسرائيـل من البحر, وغرق آل فرعون, أتـى جبريـل إلـى موسى يذهب به إلـى الله, فأقبل علـى فرس فرآه السامري, فأنكره, وقال: إنه فرس الـحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الـحافر حافر الفرس. فـانطلق موسى, واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة, وأتـمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحل لكم, وإن حلـيّ القبط إنـما هو غنـيـمة, فـاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فـادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها, وإلا كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة, وجاء السامريّ بتلك القبضة, فقذفها, فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسدا له خوار. وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى, فعدّوا اللـيـلة يوما والـيوم يوما, فلـما كان تـمام العشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامري: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا علـيه يعبدونه. وكان يخور ويـمشي, فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما ابتلـيتـم به يقول: بـالعجل وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بنـي إسرائيـل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلـى إلهه يكلـمه, فلـما كلـمه قال له: وما أعجلَكَ عَنْ قَوْمكَ يا موسَى قالَ هُمْ أُولاءِ علـى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبـي لِتَرْضَى قال فإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ منْ بَعْدِكَ وأضَلّهُمُ السّامِري فأخبره خبرهم. قال موسى: يا ربّ هذا السامري أمرهم أن يتـخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فـيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربّ أنت إذا أضللتهم.
    651ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, قال: كان فـيـما ذكر لـي أن موسى قال لبنـي إسرائيـل فـيـما أمره الله عزّ وجلّ به: استعيروا منهم يعنـي من آل فرعون الأمتعة والـحلـيّ والثـياب, فإنـي منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلـما أذن فرعون فـي الناس, كان مـما يحرّض به علـى بنـي إسرائيـل أن قال: حين سار ولـم يرضوا أن يخرجوا بأنفسهم حتـى ذهبوا بأموالكم معهم.
    652ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: كان السامري رجلاً من أهل بـاجَرْما, وكان من قوم يعبدون البقر, وكان حبّ عبـادة البقر فـي نفسه, وكان قد أظهر الإسلام فـي بنـي إسرائيـل. فلـما فضل هارون فـي بنـي إسرائيـل وفضل موسى إلـى ربه, قال لهم هارون: أنتـم قد حملتـم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحلـيّا, فتطهروا منها, فإنها نـجس. وأوقد لهم نارا, فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فـيها قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بـما كان معهم من تلك الأمتعة وذلك الـحلـيّ, فـيقذفون به فـيها, حتـى إذا تكسر الـحلـيّ فـيها ورأى السامريّ أثر فرس جبريـل أخذ ترابـا من أثر حافره, ثم أقبل إلـى النار فقال لهارون: يا نبـيّ الله ألقـي ما فـي يدي؟ قال: نعم. ولا يظنّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الـحلـيّ والأمتعة. فقذفه فـيها فقال: كن عجلاً جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة, فقال: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فعكفوا علـيه, وأحبوه حبـا لـم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ أي ترك ما كان علـيه من الإسلام, يعنـي السامري, أفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرْجعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرّا وَلا نَفْعا وكان اسم السامري موسى بن ظفر, وقع فـي أرض مصر, فدخـل فـي بنـي إسرائيـل. فلـما رأى هارون ما وقعوا فـيه: قالَ يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عَاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى فأقام هارون فـيـمن معه من الـمسلـمين مـمن لـم يفتتن, وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل. وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: فَرّقْتَ بَـيْنَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي وكان له هائبـا مطيعا.
    653ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أنـجى الله عز وجل بنـي إسرائيـل من فرعون, وأغرق فرعون ومن معه, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ وَلا تَتّبِعْ سَبِـيـلَ الـمُفْسِدِينَ قال: لـما خرج موسى وأمر هارون بـما أمره به, وخرج موسى متعجلاً مسرورا إلـى الله. قد عرف موسى أن الـمرء إذا نـجح فـي حاجة سيده كان يسرّه أن يتعجل إلـيه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حلـيا وثـيابـا من آل فرعون, فقال لهم هارون: إن هذه الثـياب والـحلـيّ لا تـحلّ لكم, فـاجمعوا نارا, فألقوه فـيها فأحرقوه قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلـى أثر دابة جبريـل, وكان جبريـل علـى فرس أنثى, وكان السامري فـي قوم موسى. قال: فنظر إلـى أثره فقبض منه قبضة, فـيبست علـيها يده فلـما ألقـى قوم موسى الـحلـيّ فـي النار, وألقـى السامري معهم القبضة, صوّر الله جل وعز ذلك لهم عجلاً ذهبـا, فدخـلته الريح, فكان له خوارٌ, فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الـخبـيث: هذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ... الآية, إلـى قوله: حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى قال: حتـى إذا أتـى موسى الـموعد, قال الله: ما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى قالَ هُمْ أُولاَءِ علـى أثَرِي فقرأ حتـى بلغ: أفَطالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ.
    654ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فـي قوله: ثمّ اتّـخَذْتُـمْ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قال: العجل حَسِيـل البقرة. قال: حلـيّ استعاروه من آل فرعون, فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريـل, فطرحه فـيه فـانسبك, وكان له كالـجوف تهوي فـيه الرياح.
    655ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, قال: إنـما سمي العجل, لأنهم عَجِلُوا فـاتـخذوه قبل أن يأتـيهم موسى.
    حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بنـحو حديث القاسم, عن الـحسن.
    حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, بنـحوه.
    وتأويـل قوله وأنْتُـمْ ظالِـمُونَ يعنـي وأنتـم واضعوا العبـادة فـي غير موضعها لأن العبـادة لا تنبغي إلا لله عز وجل وعبدتـم أنتـم العجل ظلـما منكم ووضعا للعبـادة فـي غير موضعها. وقد دللنا فـي غير هذا الـموضع مـما مضى من كتابنا أن أصل كل ظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه, فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.
    الآية : 52
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {ثُمّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }
    وتأويـل قوله: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ يقول: تركنا معاجلتكم بـالعقوبة من بعد ذلك, أي من بعد اتـخاذكم العجل إلها. كما:
    656ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يعنـي من بعد ما اتـخذتـم العجل.
    وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فإنه يعنـي به: لتشكروا. ومعنى «لعل» فـي هذا الـموضع معنى «كي», وقد بـينت فـيـما مضى قبل أن أحد معانـي «لعل» «كي» بـما فـيه الكفـاية عن إعادته فـي هذا الـموضع. فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتـخاذكم العجل إلها لتشكرونـي علـى عفوي عنكم, إذ كان العفو يوجب الشكر علـى أهل اللبّ والعقل.
    الآية : 53
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }
    يعنـي بقوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى الكتاب والفرقان. ويعنـي بـالكتاب: التوراة, وبـالفرقان: الفصل بـين الـحقّ والبـاطل. كما:
    657ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقانَ قال: فرق به بـين الـحقّ والبـاطل.
    658ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقانَ قال: الكتاب: هو الفرقان, فرقان بـين الـحق والبـاطل.
    حدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.
    وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقان قال: الكتاب: هو الفرقان, فرق بـين الـحقّ والبـاطل.
    659ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, قال: وقال ابن عبـاس: الفرقان: جماع اسم التوراة والإنـجيـل والزبور والفرقان.
    وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:
    660ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته, يعنـي ابن زيد, عن قول الله عز وجل: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسى الكتابَ والفُرْقانَ فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ فذلك يوم بدر, يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل, والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان, فرق الله بـينهم, وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر, فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين, فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.
    قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد, من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل, وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح, وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتا للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة, ثم عطف علـيه بـالفرقان, إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا, وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل, لأن الذي قبله ذكر الكتاب, وأن معنى الفرقان الفصل, وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا, فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.
    وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ فنظير تأويـل قوله تعالـى: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه لتهتدوا. وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى التوراة التـي تفرق بـين الـحقّ والبـاطل لتهتدوا بها وتتبعوا الـحقّ الذي فـيها لأنـي جعلتها كذلك هدى لـمن اهتدى بها واتبع ما فـيها.
    الآية : 54
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ }
    وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل: يا قوم إنكم ظلـمتـم أنفسكم. وظلـمهم إياها كان فعلهم بها ما لـم يكن لهم أن يفعلوه بها مـما أوجب لهم العقوبة من الله تعالـى, وكذلك كل فـاعل فعلاً يستوجب به العقوبة من الله تعالـى فهو ظالـم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالـى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلـموا به أنفسهم, هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم بـاتـخاذهم العجل ربـا بعد فراق موسى إياهم, ثم أمرهم موسى بـالـمراجعة من ذنبهم والإنابة إلـى الله من ردّتهم بـالتوبة إلـيه, والتسلـيـم لطاعته فـيـما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى التوبة: الأوبة مـما يكرهه الله إلـى ما يرضاه من طاعته. فـاستـجاب القوم لـما أمرهم به موسى من التوبة مـما ركبوا من ذنوبهم إلـى ربهم علـى ما أمرهم به. كما:
    661ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي إسحاق, عن أبـي عبد الرحمن, أنه قال فـي هذه الآية: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: عمدوا إلـى الـخناجر, فجعل يطعن بعضهم بعضا.
    662ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج بن مـحمد, قال ابن جريج, أخبرنـي القاسم بن أبـي بزة أنه سمع سعيد بن جبـير ومـجاهدا قالا: قام بعضهم إلـى بعض بـالـخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحنّ رجل علـى رجل قريب ولا بعيد, حتـى ألوى موسى بثوبه, فطرحوا ما بأيديهم, فتكشف عن سبعين ألف قتـيـل, وإن الله أوحى إلـى موسى أن حسبـي قد اكتفـيت, فذلك حين ألوى بثوبه.
    663ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال موسى لقومه: تُوبُوا إلـى بـارِئكُمْ فَـاقْتُلُوا أنفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بـارِئِكُمْ فتَابَ علَـيكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عزّ وجلّ أن يقتلوا أنفسهم, قال: فـاختبأ الذين عكفوا علـى العجل فجلسوا, وقام الذين لـم يعكفوا علـى العجل وأخذوا الـخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلـمة شديدة, فجعل يقتل بعضهم بعضا. فـانـجلت الظلـمة عنهم, وقد أجْلَوْا عن سبعين ألف قتـيـل, كل من قتل منهم كانت له توبة, وكل من بقـي كانت له توبة.
    664ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه قال يا قَوْمِ ألـمْ يَعِدْكُمْ رَبكُمْ وعْدا حَسَنا إلـى قوله: فَكَذَلِكَ ألْقَـى السّامِرِيّ فألْقَـى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرّهُ إلَـيْهِ قالَ يا ابْنَ أُمّ لا تأخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي إنـي خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْت بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي فترك هارون ومال إلـى السامري, فقال ما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ إلـى قوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فـي الـيَـمّ نَسْفـا. ثم أخذه فذبحه, ثم حرّقه بـالـمبرد, ثم ذراه فـي الـيـم, فلـم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا, فمن كان يحبه خرج علـى شاربـيه الذهب, فذلك حين يقول: واشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمْ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. فلـما سقط فـي أيدي بنـي إسرائيـل حين جاء موسى, وَرَأوْا أنهُمْ قَدْ ضَلّوا قالُوا لَئِنْ لـمْ يَرْحَمْنا ربّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنّ مِن الـخاسِرِينَ فأبى الله أن يقبل توبة بنـي إسرائيـل إلا بـالـحال التـي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل, فقال لهم موسى: يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فـاقْتُلوا أنْفُسَكُمْ قال: فصفوا صفّـين ثم اجتلدوا بـالسيوف. فـاجتلد الذين عبدوه والذين لـم يعبدوه بـالسيوف, فكان من قتل من الفريقـين شهيدا, حتـى كثر القتل حتـى كادوا أن يهلكوا حتـى قتل بـينهم سبعون ألفـا, وحتـى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيـل, ربنا البقـية البقـية فأمرهم أن يضعوا السلاح, وتاب علـيهم. فكان من قتل شهيدا, ومن بقـي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُو التّوّابُ الرحِيـمُ.
    665ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بـالـخناجر, فجعل الرجل يقتل أبـاه ويقتل ولده, فتاب الله علـيهم.
    666ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وإذْ قال مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ الآية. قال: فصاروا صفـين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلـى ما شاء الله, ثم قـيـل لهم: قد تـيب علـى القاتل والـمقتول.
    667ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي اللـيث, قال: حدثنـي عقـيـل, عن ابن شهاب, قال: لـما أمرت بنو إسرائيـل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى, فتضاربوا بـالسيوف, وتطاعنوا بـالـخناجر, وموسى رافع يديه. حتـى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبـيّ الله ادع الله لنا وأخذوا بعضديه يشدّون يديه, فلـم يزل أمرهم علـى ذلك حتـى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيـل للذي كان من القتل فـيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: لا يحزنك, أما من قتل منكم فحيّ عندي يرزق, وأما من بقـي فقد قبلت توبته. فسرّ بذلك موسى وبنو إسرائيـل.
    668ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة فـي قوله: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: قاموا صفـين فقتل بعضهم بعضا حتـى قـيـل لهم كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للـمقتول وتوبة للـحيّ.
    669ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء: سمعت عبـيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلـى بعض يقتل بعضهم بعضا, ما يتوقـى الرجل أخاه ولا أبـاه ولا ابنه ولا أحدا حتـى نزلت التوبة.
    قال ابن جريج, وقال ابن عبـاس: بلغ قتلاهم سبعين ألفـا, ثم رفع الله عزّ وجل عنهم القتل, وتاب علـيهم. قال ابن جريج: قاموا صفـين, فـاقتتلوا بـينهم, فجعل الله القتل لـمن قتل منهم شهادة, وكانت توبة لـمن بقـي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علـم أن ناسا منهم علـموا أن العجل بـاطل فلـم يـمنعهم أن ينكروا علـيهم إلا مخافة القتال, فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا.
    670ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, وأحرق العجل وذراه فـي الـيـم خرج إلـى ربه بـمن اختار من قومه, فأخذتهم الصاعقة, ثم بعثوا. سأل موسى ربه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغنـي أنهم قالوا لـموسى: نصبر لأمر الله, فأمر موسى من لـم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده, فجلسوا بـالأفنـية وأصلت علـيهم القوم السيوف, فجعلوا يقتلونهم, وبكى موسى وبَهَش إلـيه النساء والصبـيان يطلبون العفو عنهم, فتاب علـيهم وعفـا عنهم, وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
    671ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى إلـى قومه, وكانوا سبعون رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لـم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلـى موعد ربكم, فقالوا: يا موسى أما من توبة؟ قال: بلـى فـاقْتُلُوا أنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ حَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فَتابَ عَلَـيْكُمْ الآية.... فـاخترطوا السيوف والـجِرَزة والـخناجر والسكاكين. قال: وبعث علـيهم ضبـابة, قال: فجعلوا يتلامسون بـالأيدي, ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويـلقـى الرجل أبـاه وأخاه فـيقتله ولا يدري, ويتنادون فـيها: رحم الله عبدا صبر حتـى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: وآتَـيْناهُمْ مِنَ الاَياتِ ما فِـيهِ بَلاءٌ مُبِـينٌ. قال: فقتلاهم شهداء, وتـيب علـى أحيائهم. وقرأ: فَتابَ عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـم.
    فـالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأخبـار التـي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فـيـما بـينهم وبـين ربهم بعبـادتهم العجل مع ندمهم علـى ما سلف منهم من ذلك.
    وأما معنى قوله: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي به: ارجعوا إلـى طاعة خالقكم وإلـى ما يرضيه عنكم. كما:
    672ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ أي إلـى خالقكم. وهو من برأ الله الـخـلق يبرؤه فهو بـارىء. والبريّة: الـخـلق, وهي فعيـلة بـمعنى مفعولة, غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك, وهو من «لأك», لكنه جرى بترك الهمزة, كذلك قال نابغة بنـي ذبـيان:
    إلاّ سُلَـيْـمانَ إذْ قالَ الـمَلِـيكُ لَهُقُمْ فـي البَرِيّةِ فـاحْدُدْها عَنِ الفَندِ
    وقد قـيـل: إن البرية إنـما لـم تهمز لأنها فعيـلة من البَرَى, والبَرَى: التراب. فكأن تأويـله علـى قول من تأوله كذلك أنه مخـلوق من التراب. وقال بعضهم: إنـما أخذت البرية من قولك بريت العود, فلذلك لـم يهمز.
    قال أبو جعفر: وترك الهمز من بـارئكم جائز, والإبدال منها جائز, فإذ كان ذلك جائزا فـي بـاريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الـخـلق بترك الهمزة.
    وأما قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بـارئكم لأنكم تنـجون بذلك من عقاب الله فـي الاَخرة علـى ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه. وقوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ أي بـما فعلتـم مـما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من الـمـحذوف الذي استغنـي بـالظاهر منه عن الـمتروك, لأن معنى الكلام: فتوبوا إلـى بـارئكم, فـاقتلوا أنفسكم, ذلكم خير لكم عند بـارئكم, فتبتـم فتاب علـيكم. فترك ذكر قوله «فتبتـم» إذْ كان فـي قوله: فتَابَ عَلَـيْكُمْ دلالة بـينة علـى اقتضاء الكلام فتبتـم. ويعنـي بقوله: فَتابَ عَلَـيْكُمْ رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم, وعظيـم ما ركبتـم, والصفح عن جرمكم إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه. ويعنـي بـالرحيـم: العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته.
    الآية : 55
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
    وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتـم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بـما جئتنا به حتـى نرى الله جهرة عيانا, برفع الساتر بـيننا وبـينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه حتـى ننظر إلـيه بأبصارنا, كما تُـجهر الركِيّة, وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين, فنفـى ما قد غطاه حتـى ظهر الـماء وصَفَـا, يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة ولذلك قـيـل: قد جهر فلان بهذا الأمر مـجاهرة وجهارا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه, كما قال الفرزدق بن غالب:
    من اللاّئي يَضِلّ الألفُ منْهُمِسَحّا مِنْ مَخافَتِهِ جِهارا
    673ـ وكما حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: حتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: علانـية.
    674ـ وحدثت, عن عمارة بن الـحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع: حتّـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً يقول: عيانا.
    675ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: حتـى يطلع إلـينا.
    676ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: أي عيانا.
    فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبـائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبـيائهم, مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعزّ وعِبَره ما تثلـج بأقلها الصدور, وتطمئنّ بـالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الـحجج علـيه, وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرّة يسألون نبـيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله, ومرة يقولون لا نصدقك حتـى نرى الله جهرة, وأخرى يقولون له إذا دعوا إلـى القتال: فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ومرة يقال لهم: قُولُوا حِطّة وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ فـيقولون: حنطة فـي شعيرة, ويدخـلون البـاب من قبل أستاههم, مع غير ذلك من أفعالهم التـي آذوا بها نبـيهم علـيه السلام التـي يكثر إحصاؤها. فأعلـم ربنا تبـارك وتعالـى ذكره الذين خاطبهم بهذه الاَيات من يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم, وجحودهم نبوّته, وتركهم الإقرار به وبـما جاء به, مع علـمهم به ومعرفتهم بحقـيقة أمره كأسلافهم وآبـائهم الذين فصل علـيهم قصصهم فـي ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم علـى نبـيهم موسى صلوات الله وسلامه علـيه تارة بعد أخرى, مع عظيـم بلاء الله جل وعزّ عندهم وسبوغ آلائه علـيهم.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.
    اختلف أهل التأويـل فـي صفة الصاعقة التـي أخذتهم. فقال بعضهم بـما:
    677ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: ماتوا.
    678ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: سمعوا صوتا فصعقوا. يقول: فماتوا. وقال آخرون: بـما:
    679ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ والصاعقة: نار.
    وقال آخرون بـما:
    680ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتـى يصير من هوله وعظيـم شأنه إلـى هلاك وعطب, وإلـى ذهاب عقل وغُمور فهم, أو فقد بعض آلات الـجسم, صوتا كان ذلك, أو نارا, أو زلزلة, أو رَجْفـا. ومـما يدل علـى أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت, قول الله عزّ وجل: وَخَرّ مُوسَى صَعِقا يعنـي مغشيّا علـيه. ومنه قول جرير بن عطية:
    وهَلْ كان الفَرَزْذَقُ غَيْرَ قِرْدٍأصَابَتْهُ الصّواعِقُ فـاسْتَدَارَا
    فقد علـم أن موسى لـم يكن حين غشي علـيه وصعق ميتا لأن الله جل وعزّ أخبر عنه أنه لـما أفـاق قال: تُبْتُ إلـيك ولا شبه جرير الفرزدق وهو حيّ بـالقرد ميتا, ولكن معنى ذلك ما وصفنا.
    ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: وأنتـم تنظرون إلـى الصاعقة التـي أصابتكم, يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتـم تنظرون إلـيها.
    الآية : 56
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {ثُمّ بَعَثْنَاكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }
    يعنـي بقوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم. وأصل البعث: إثارة الشيء من مـحله, ومنه قـيـل: بعث فلان راحلته: إذا أثارها من مبركها للسير, كما قال الشاعر:
    فأبْعَثُهااَوهِيّ صَنـيعُ حَوْلٍحول كركنِ الرّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقَاحَا
    والرعن: منقطع أنف الـجبل, والذعلبة: الـخفـيفة, والوقاح, الشديدة الـحافر أو الـخفّ. ومن ذلك قـيـل: بعثت فلانا لـحاجتـي: إذا أقمته من مكانه الذي هو فـيه للتوجه فـيها. ومن ذلك قـيـل لـيوم القـيامة: يوم البعث, لأنه يوم يثار الناس فـيه من قبورهم لـموقـف الـحساب.
    ويعنـي بقوله: مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موتكم بـالصاعقة التـي أهلكتكم.
    وقوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكرونـي علـى ما أولـيتكم من نعمتـي علـيكم بإحيائي إياكم استبقاء منـي لكم لتراجعوا التوبة من عظيـم ذنبكم بعد إحلالـي العقوبة بكم بـالصاعقة التـي أحللتها بكم, فأماتتكم بعظيـم خطئكم الذي كان منكم فـيـما بـينكم وبـين ربكم. وهذا القول علـى تأويـل من تأوّل قوله قول ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم.
    وقال آخرون: معنى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ أي بعثناكم أنبـياء.
    681ـ حدثنـي بذلك موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي.
    قال أبو جعفر: وتأويـل الكلام علـى ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة, ثم أحيـيناكم من بعد موتكم, وأنتـم تنظرون إلـى إحيائنا إياكم من بعد موتكم, ثم بعثناكم أنبـياء لعلكم تشركون. وزعم السدي أن ذلك من الـمقدم الذي معناه التأخير, والـمؤخر الذي معناه التقديـم.
    682ـ حدثنا بذلك موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي. وهذا تأويـل يدل ظاهر التلاوة علـى خلافه مع إجماع أهل التأويـل علـى تـخطئته. والواجب علـى تأويـل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ تشكرونـي علـى تصيـيري إياكم أنبـياء.
    وكان سبب قـيـلهم لـموسى ما أخبر الله جل وعزّ عنهم أنهم قالوا له من قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً, ما:
    683ـ حدثنا به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, ورأى ما هم فـيه من عبـادة العجل, وقال لأخيه وللسامري ما قال, وحرّق العجل وذراه فـي الـيـم اختار موسى منهم سبعين رجلاً الـخيّر فـالـخيرُ, وقال: انطلقوا إلـى الله عزّ وجل, فتوبوا إلـيه مـما صنعتـم وسلوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم, صوموا وتطهروا وطهروا ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سيناء لـميقات وقته له ربه, وكان لا يأتـيه إلا بإذن منه وعلـم. فقال له السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلـى ربك لنسمع كلام ربنا فقال: أفعل. فلـما دنا موسى من الـجبل وقع علـيه الغمام حتـى تغشى الـجبل كله, ودنا موسى فدخـل فـيه, وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلـمه ربه وقع علـى جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر إلـيه, فضرب دونه الـحجاب. ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجودا, فسمعوه وهو يكلـم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلـما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إلـيهم فقالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فأخَذَتْهُمْ الرّجْفَةُ وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه, ويرغب إلـيه ويقول: ربّ لوْ شئتَ أهلكتهمْ مِن قبلُ وإيّايَ قد سفهوا, أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك, اخترت منهم سبعين رجلاً, الـخيّر فـالـخيّر ارجع إلـيهم, ولـيس معي منهم رجل واحد, فما الذي يصدّقونـي به أو يأمنونـي علـيه بعد هذا؟ إنّا هُدنا إلـيكَ. فلـم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إلـيه, حتـى ردّ إلـيهم أرواحهم, فطلب إلـيه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم.
    684ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تابت بنو إسرائيـل من عبـادة العجل, وتاب الله علـيهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به, أمر الله تعالـى موسى أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل, ووعدهم موعدا, فـاختار موسى من قومه سبعين رجلاً علـى عينه, ثم ذهب بهم لـيعتذروا. فلـما أتوا ذلك الـمكان قالوُا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فإنك قد كلـمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا, فقام موسى يبكي, ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم رَبّ لو شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإيّايَ أتُهْلِكُنا بِـما فَعَلَ السّفَهاءُ مِنّا. فأوحى الله إلـى موسى إن هؤلاء السبعين مـمن اتـخذ العجل, فذلك حين يقول موسى: إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ... إنّا هُدْنا إلَـيْكَ وذلك قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ. ثُم إن الله جل ثناؤه أحياهم, فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلـى بعض كيف يحيون, فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك, فـادعه يجعلنا أنبـياء فدعا الله تعالـى, فجعلهم أنبـياء, فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ولكنه قدّم حرفـا وأخر حرفـا.
    685ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال لهم موسى لـما رجع من عند ربه بـالألواح, قد كتب فـيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل, فأمرهم بقتل أنفسهم, ففعلوا, فتاب الله علـيهم, فقال: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله فـيه أمره الذي أمركم به, ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة, حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فماله لا يكلـمنا كما يكلـمك أنت يا موسى؟ فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالـى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل, فجاءتهم صاعقة بعد التوبة, فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم, وقرأ قول الله تعالـى: ثُمّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا لا, فقال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيـينا. قال: خذوا كتاب الله قالوا لا. فبعث الله تعالـى ملائكة, فنتقت الـجبل فوقهم.
    686ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال: أخذتهم الصاعقة, ثم بعثهم الله تعالـى لـيكملوا بقـية آجالهم.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاما, فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَبُعِثُوا من بعد موتهم لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم, فبعثوا لبقـية آجالهم.
    فهذا ما روي فـي السبب الذي من أجله قالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً ولا خبر عندنا بصحة شيء مـما قاله من ذكرنا قوله فـي سبب قـيـلهم ذلك لـموسى تقوم به حجة فتسلـم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه, فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة, فـالصواب من القول فـيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات توبـيخا لهم فـي كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وقد قامت حجته علـى من احتـج به علـيه, ولا حاجة لـمن انتهت إلـيه إلـى معرفة السبب الداعي لهم إلـى قـيـل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التـي ذكرناها, وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.
    الآية : 57
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
    وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ عطف علـى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فتأويـل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم, وظللنا علـيكم الغمام, وعدد علـيهم سائر ما أنعم به علـيهم لعلكم تشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة, والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مـما يسترها عن أعين الناظرين, وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموما. وقد قـيـل: إن الغمام التـي ظللها الله علـى بنـي إسرائيـل لـم تكن سحابـا.
    687ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب.
    وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب هو الغمام الذي يأتـي الله فـيه يوم القـيامة لـم يكن إلا لهم.
    وحدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله جل ثناؤه: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو بـمنزلة السحاب.
    688ـ وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب, وهو الذي يأتـي الله عز وجل فـيه يوم القـيامة فـي قوله: فـي ظلل من الغمام, وهو الذي جاءت فـيه الـملائكة يوم بدر. قال ابن عبـاس: وكان معهم فـي التـيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مـما غمّ السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إلـيها, فلـيس الذي ظلله الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل فوصفه بأنه كان غماما بأولـى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابـا منه بأن يكون غير ذلك مـما ألبس وجه السماء من شيء, وقد قـيـل: إنه ما ابـيضّ من السحاب.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَأَنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ.
    اختلف أهل التأويـل فـي صفة الـمنّ. فقال بعضهم بـما:
    689ـ حدثنـي به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمن: صمغة.
    حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
    690ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى يقول: كان الـمنّ ينزل علـيهم مثل الثلـج.
    وقال آخرون: هو شراب. ذكر من قال ذلك:
    691ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, قال: الـمنّ: شراب كان ينزل علـيهم مثل العسل, فـيـمزجونه بـالـماء, ثم يشربونه.
    وقال آخرون: الـمن: عسل. ذكر من قال ذلك:
    692ـ حدثنا يونس بن عبد الأعلـى, أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـمنّ: عسل كان ينزل لهم من السماء.
    693ـ حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا إسرائيـل, عن جابر, عن عامر, قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من الـمنّ.
    وقال آخرون: الـمنّ: خبز الرقاق. ذكر من قال ذلك:
    694ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل ما الـمنّ, قال: خبز الرقاق, مثل الذرة, ومثل النّقْـي.
    وقال آخرون: الـمنّ: الترنـجبـين. ذكر من قال ذلك:
    695ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الـمنّ كان يسقط علـى شجر الترنـجبـين.
    وقال آخرون: الـمنّ هو الذي يسقط علـى الشجر الذي تأكله الناس. ذكر من قال ذلك:
    696ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: كان الـمنّ ينزل علـى شجرهم فـيغدون علـيه فـيأكلون منه ما شاءوا.
    697ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد. عن عامر فـي قوله: وأنْزلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمنّ: الذي يقع علـى الشجر.
    وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: الـمنّ قال: الـمن: الذي يسقط من السماء علـى الشجر فتأكله الناس.
    حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: الـمنّ: هذا الذي يقع علـى الشجر. وقد قـيـل إن الـمنّ: هو الترنـجبـين.
    وقال بعضهم: الـمنّ: هو الذي يسقط علـى الثمام والعُشَر, وهو حلو كالعسل, وإياه عنى الأعشى ميـمون بن قـيس بقوله:
    لَوْ أُطْعِمُوا الـمَنّ وَالسّلْوَى مكانَهُمُما أبْصَرَ النّاسُ طُعْما فِـيهمُ نَـجَعا
    وتظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكمأةُ مِنَ الـمَنّ, وَمأُوها شِفـاءٌ للْعَيْنِ». وقال بعضهم: الـمنّ: شراب حلو كانوا يطبخونه فـيشربونه. وأما أمية بن أبـي الصلت فإنه جعله فـي شعره عسلاً, فقال يصف أمرهم فـي التـيه وما رزقوا فـيه:
    فَرأى اللّهُ أنّهُمْ بِـمَضيعٍلا بِذِي مَزْرَعٍ وَلا مَثْمُورَا
    فنساها عَلَـيْهِمُ غَادِياتٍومَرَى مُزْنَهُمْ خَلايا وخُورَا
    عَسَلاً ناطِفـا ومَاءً فُرَاتاوَحَلـيبـا ذَا بَهْجَةٍ مَـمْرُورَا
    الـمـمرور: الصافـي من اللبن, فجعل الـمنّ الذي كان ينزل علـيهم عسلاً ناطفـا, والناطف: هو القاطر.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَالسّلْوَى والسلوى: اسم طائر يشبه السمانَـي, واحده وجماعه بلفظ واحد, كذلك السمانَـي لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قـيـل: إن واحدة السلوى سلواة. ذكر من قال ذلك:
    698ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: السلوى: طير يشبه السمانَـي.
    699ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: كان طيرا أكبر من السمانـي.
    700ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: السلوى: طائر كانت تـحشرها علـيهم الريح الـجنوب.
    701ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قال: السلوى: طائر.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: السلوى: طير.
    702ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل: ما السلوى؟ فقال: طير سمين مثل الـحمام.
    703ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: السلوى: طير.
    704ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: السلوى: كان طيرا يأتـيهم مثل السمانـي.
    705ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.
    706ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: السلوى: هو السمانـي.
    حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: أخبرنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.
    707ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو عامر, قال: حدثنا قرة, عن الضحاك, قال: السمانَى هو السلوى.
    فإن قال قائل: وما سبب تظلـيـل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله الـمنّ والسلوى علـى هؤلاء القوم؟ قـيـل: قد اختلف أهل العلـم فـي ذلك, ونـحن ذاكرون ما حضرنا منه.
    708ـ فحدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تاب الله علـى قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم, أمرهم الله بـالـمسير إلـى أريحا, وهي أرض بـيت الـمقدس. فساروا حتـى إذا كانوا قريبـا منها بعث موسى اثنـي عشر نقـيبـا. وكان من أمرهم وأمر الـجبـارين, وأمر قوم موسى ما قد قصّ الله فـي كتابه, فقال قوم موسى لـموسى: اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ فغضب موسى, فدعا علـيهم قال: رَبّ إنـي لا أمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وأخِي فَـافْرُقْ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالـى: إِنّهَا مُـحَرّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ. فلـما ضرب علـيهم التـيه ندم موسى, وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه, فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلـما ندم أوحى الله إلـيه أنْ لا تأسَ علـى القَوْمِ الفـاسقِـينَ أي لا تـحزن علـى القوم الذين سميتهم فـاسقـين. فلـم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بـماء ههنا, أين الطعام؟ فأنزل الله علـيهم الـمنّ, فكان يسقط علـى شجر الترنـجبـين, والسلوى: وهو طير يشبه السمانـي, فكان يأتـي أحدهم, فـينظر إلـى الطير إن كان سمينا ذبحه, وإلا أرسله, فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام, فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, فشرب كل سبط من عين, فقالوا: هذا الطعام والشراب, فأين الظلّ؟ فظلل علـيهم الغمام, فقالوا: هذا الظلّ فأين اللبـاس؟ فكانت ثـيابهم تطول معهم كما تطول الصبـيان, ولا يتـخرّق لهم ثوب, فذلك قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمَامَ وأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى وقوله: وَإِذْ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فَـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِـمَ كلّ أُناسِ مَشْرَبَهُمْ.
    709ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما تاب الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبـادة العجل, أمر موسى أن يسير بهم إلـى الأرض الـمقدسة, وقال: إننـي قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلاً, فـاخرج إلـيها وجاهد من فـيها من العدوّ فإنـي ناصركم علـيهم فسار بهم موسى إلـى الأرض الـمقدسة بأمر الله عزّ وجل, حتـى إذا نزل التـيه بـين مصر والشام وهي أرض لـيس فـيها خَمَر ولا ظلّ, دعا موسى ربه حين آذاهم الـحر, فظلل علـيهم بـالغمام, ودعا لهم بـالرزق, فأنزل الله لهم الـمنّ والسلوى.
    710ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس. وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: ظلل علـيهم الغمام فـي التـيه: تاهوا فـي خمسة فراسخ أو ستة, كلـما أصبحوا ساروا غادين, فأمسوا فإذا هم فـي مكانهم الذي ارتـحلوا منه, فكانوا كذلك حتـى مرّت أربعون سنة. قال: وهم فـي ذلك ينزل علـيهم الـمنّ والسلوى ولا تبلـى ثـيابهم, ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم, فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
    711ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا يقول: إن بنـي إسرائيـل لـما حرّم الله علـيهم أن يدخـلوا الأرض الـمقدسة أربعين سنة يتـيهون فـي الأرض شكوا إلـى موسى, فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتـيكم بـما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلا أن يـمطر علـينا خبزا؟ قال: إن الله عز وجل سينزل علـيكم خبزا مخبوزا. فكان ينزل علـيهم الـمنّ. سئل وهب: ما الـمنّ؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقـي قالوا: وما نأتدم, وهل بدّ لنا من لـحم؟ قال: فإن الله يأتـيكم به. فقالوا: من أين لنا إلا أن تأتـينا به الريح؟ قال: فإن الريح تأتـيكم به, وكانت الريح تأتـيهم بـالسلوى فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الـحمام كانت تأتـيهم فـيأخذون منه من السبت إلـى السبت قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخـلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة. قالوا: فما نـحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة, قالوا: فإن فـينا أولادا فما نكسوهم؟ قال: ثوب الصغير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الـماء؟ قال: يأتـيكم به الله. قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الـحجر. فأمر الله تبـارك وتعالـى موسى أن يضرب بعصاه الـحجر. قالوا: فبـم نبصر؟ تغشانا الظلـمة. فضرب لهم عمود من نور فـي وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كله, قالوا: فبـم نستظل؟ فإن الشمس علـينا شديدة قال: يظلكم الله بـالغمام.
    حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد, فذكر نـحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حماد, عن أسبـاط, عن السدي.
    712ـ حدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال: عبد الله بن عبـاس: خـلق لهم فـي التـيه ثـياب لا تـخـلق ولا تدرن. قال: وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من الـمنّ والسلوى فوق طعام يوم فسد, إلا أنهم كانوا يأخذون فـي يوم الـجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فـاسدا.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: كُلُوا مِنْ طَيّبـات ما رزَقْنَاكُمْ.
    وهذا مـما استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه, وذلك أن تأويـل الآية: وظللنا علـيكم الغمام, وأنزلنا علـيكم الـمن والسلوى, وقلنا لكم: كلوا من طيبـات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: «وقلنا لكم...» لـما بـينا من دلالة الظاهر فـي الـخطاب علـيه. وعنى جل ذكره بقوله: كُلُوا مِنْ طَيّبـاتِ مَا رزَقْنَاكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. وقد قـيـل عنى بقوله: مِنْ طَيبَـاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم, فجعلناه لكم رزقا. والأول من القولـين أولـى بـالتأويـل لأنه وصف ما كان القوم فـيه من هنـيء العيش الذي أعطاهم, فوصف ذلك بـالطيب الذي هو بـمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنه حلال مبـاح. و«ما» التـي مع «رزقناكم» بـمعنى «الذي» كأنه قـيـل: كلوا من طيبـات الرزق الذي رزقناكموه.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ومَا ظَلَـمُونا وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ.
    وهذا أيضا من الذي استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبـات ما رزقناكم, فخالفوا ما أمرناهم به, وعصوا ربهم ثم رسولنا إلـيهم, وما ظلـمونا. فـاكتفـى بـما ظهر عما ترك. وقوله: وَما ظَلَـمُونَا يقول: وما ظلـمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم, وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ. ويعنـي بقوله: وَمَا ظَلَـمُونَا: وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرّة علـينا ومنقصة لنا, ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة علـيها ومنقصة لها. كما:
    713ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَما ظَلَـمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ قال: يضرّون. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أصل الظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه بـما فـيه الكفـاية, فأغنى ذلك عن إعادته. وكذلك ربنا جل ذكره لا تضرّه معصية عاص, ولا يتـحيف خزائنه ظلـم ظالـم, ولا تنفعه طاعة مطيع, ولا يزيد فـي ملكه عدل عادل بل نفسه يظلـم الظالـم, وحظها يبخس العاصي, وإياها ينفع الـمطيع, وحظها يصيب العادل.
    الآية : 58
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُولُواْ حِطّةٌ نّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }
    والقرية التـي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخـلوها, فـيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فـيـما ذكر لنا: بـيت الـمقدس. ذكر الرواية بذلك:
    714ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ قال: بـيت الـمقدس.
    715ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدِي: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِذِ القَرْيَةَ أما القرية فقرية بـيت الـمقدس.
    716ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ يعنـي بـيت الـمقدس.
    717ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته يعنـي ابن زيد عن قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا قال: هي أريحا, وهي قريبة من بـيت الـمقدس.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُـمْ رَغَدا.
    يعنـي بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتـم عيشا هنـيا واسعا بغير حساب. وقد بـينا معنى الرغد فـيـما مضى من كتابنا, وذكرنا أقوال أهل التأويـل فـيه.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا.
    أما البـاب الذي أمروا أن يدخـلوه, فإنه قـيـل: هو بـاب الـحطة من بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:
    718ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: بـاب الـحطة من بـاب إيـلـياء من بـيت الـمقدس.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
    719ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أما البـاب فبـاب من أبواب بـيت الـمقدس.
    720ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال حدثنـي أبـي عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أنه أحد أبواب بـيت الـمقدس, وهو يدعى بـاب حطة.
    وأما قوله: سُجّدا فإن ابن عبـاس كان يتأوّله بـمعنى الركع.
    721ـ حدثنـي مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركعا من بـاب صغير.
    حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا. وأصل السجود: الانـحناء لـمن سجد له معظما بذلك, فكل منـحن لشيء تعظيـما له فهو ساجد, ومنه قول الشاعر:
    بِجَمْعٍ تَضِلّ البُلْقُ فِـي حَجَرَاتِهِتَرَى أُلاكْمَ فِـيهِ سُجّدا للْـحَوَافِرِ )
    يعنـي بقوله: سجدا: خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بنـي قـيس بن ثعلبة:
    يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـيكِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُءَوارَا
    فذلك تأويـل ابن عبـاس قوله: سُجّدا ركعا, لأن الراكع منـحن, وإن كان الساجد أشدّ انـحناء منه.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَقُولُوا حِطّةٌ.
    وتأويـل قوله: حِطّةٌ: فعلة, من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة, بـمنزلة الردة والـحدّة والـمدة من حددت ومددت.
    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله, فقال بعضهم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك منهم:
    722ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أنبأنا معمر: وَقُولُوا حِطّةٌ قال الـحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا.
    723ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَقُولُوا حِطّةٌ: يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم.
    724ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: قُولُوا حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.
    725ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس قوله: حِطّةٌ: مغفرة.
    726ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.
    727ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: أخبرنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: سمعنا أنه يحطّ عنهم خطاياهم.
    وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا لا إلَه إلا الله. كأنهم وجهوا تأويـله: قولوا الذي يحطّ عنكم خطاياكم, وهو قول لا إلَه إلا الله. ذكر من قال ذلك:
    728ـ حدثنـي الـمثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الـحكم الـمصري, قالا: أخبرنا حفص بن عمر, حدثنا الـحكم بن أبـان, عن عكرمة: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا لا إلَه إلا الله.
    وقال آخرون بـمثل معنى قول عكرمة, إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقـيـله الاستغفـار. ذكر من قال ذلك:
    729ـ حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: أمروا أن يستغفروا.
    وقال آخرون نظير قول عكرمة, إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولون هو أن يقولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم. ذكر من قال ذلك:
    730ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم.
    واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله رفعت الـحطة, فقال بعض نـحويـي البصرة: رفعت الـحطة بـمعنى «قولوا» لـيكن منكم حطة لذنوبنا, كما تقول للرجل سَمْعُك.
    وقال آخرون منهم: هي كلـمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة, وفرض علـيهم قـيـلها كذلك.
    وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: رفعت الـحطة بضمير «هذه», كأنه قال: وقولوا هذه حطة.
    وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الـخبر, كأنه قال: قولوا ما هو حطة, فتكون حطة حينئذٍ خبرا ل«ما».
    والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب, أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة, وهو دخولنا البـاب سجدا حطة, فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل, وهو قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا كما قال جل ثناؤه: وَإِذْ قَالَتْ أُمّة مِنْهُمْ لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلـى رَبّكُمْ يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ يعنـي بذلك: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ... وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا دخولنا ذلك سجدا حُطّةٌ لذنوبنا, وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.
    وأما علـى تأويـل قول عكرمة, فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة», لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلَه إلا الله, أو أن يقولوا: نستغفر الله, فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول, ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة, لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلَه إلا الله, وإذ كانت هي قول لا إلَه إلا الله, فـالقول علـيها واقع, كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير, فقال له: «قل خيرا» نصبـا, ولـم يكون صوابـا أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.
    وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـا, لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر, كما قال الشاعر:
    أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْعلـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا
    وكقول القائل للرجل: سمعا وطاعة, بـمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة, وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نَغْفِرْ لَكُمْ.
    يعنـي بقوله: نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمد لكم بـالرحمة خطاياكم ونسترها علـيكم, فلا نفضحكم بـالعقوبة علـيه. وأصل الغفر: التغطية والستر, فكل ساتر شيئا فهو غافره. ومن ذلك قـيـل للبـيضة من الـحديد التـي تتـخذ جنة للرأس «مِغْفر», لأنها تغطي الرأس وتُـجِنّه, ومثله غمد السيف, وهو ما يغمده فـيواريه ولذلك قـيـل لزئبر الثوب «عَفْرة», لتغطيته الثوب, وحَوْلِه بـين الناظر والنظر إلـيها. ومنه قول أوس بن حجر:
    فَلا أعْتِبُ ابنَ العَمّ إنْ كانَ جاهِلاًوأغْفِرُ عَنْهُ الـجَهْلَ إنْ كانَ أَجْهَلاَ
    يعنـي بقوله: وأغفر عنه الـجهل: أستر علـيه جهله بحلـمي عنه.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: خَطاياكُمْ والـخطايا جمع خطية بغير همز كما الـمطايا جمع مطية, والـحشايا جمع حشية. وإنـما ترك جمع الـخطايا بـالهمز, لأن ترك الهمز فـي خطيئة أكثر من الهمز, فجمع علـى خطايا, علـى أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الـخطايا مـجموعة علـى خطيئة بـالهمز لقـيـل خطائي علـى مثل قبـيـلة وقبـائل, وصحيفة وصحائف. وقد تـجمع خطيئة بـالتاء فـيهمز فـيقال خطيئات, والـخطيئة فعلـية من خَطِىء الرجل يَخْطَا خِطْأً, وذلك إذا عدل عن سبـيـل الـحق. ومنه قول الشاعر:
    وَإِنْ مُهاجِرَينَ تَكَنّفـاهُلَعَمْرُ اللّهِ قَدْ خَطِئا وَخابَـا
    يعنـي أضلا الـحقّ وأثما.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ.
    وتأويـل ذلك ما رُوي لنا عن ابن عبـاس, وهو ما:
    731ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ: من كان منكم مـحسنا زيد فـي إحسانه, ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.
    فتأويـل الآية: وإذْ قلنا ادخـلوا هذه القرية مبـاحا لكم كل ما فـيها من الطيبـات, موسعا علـيكم بغير حساب, وادخـلوا البـاب سجدا, وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحطّ به آثامنا, نتغمد لكم ذنوب الـمذنب منكم, فنسترها علـيه, ونـحطّ أوزاره عنه, وسنزيد الـمـحسنـين منكم إلـى إحساننا السالف عنده إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيـم جهالتهم, وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبـيائهم واستهزائهم برسله, مع عظيـم آلاء الله عز وجل عندهم, وعجائب ما أراهم من آياتهم وعبره, موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات, ومعلـمهم أنهم إن تعدّوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته مع عظيـم إحسان الله بـمبعثه فـيهم إلـيهم, وعجائب ما أظهر علـى يديه من الـحجج بـين أظهرهم, أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقصّ علـينا أنبـاءهم فـي هذه الاَيات, فقال جل ثناؤه: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السّماء الآية.
    الآية : 59
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }
    وتأويـل قوله: فَبَدّلَ فغير. ويعنـي بقوله: الّذِينَ ظَلَـمُوا الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله. ويعنـي بقوله: قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بدلوا قولاً غير الذي أمروا أن يقولوه فقالوا خلافه, وذلك هو التبديـل والتغيـير الذي كان منهم. وكان تبديـلهم بـالقول الذي أمروا أن يقولوه قولاً غيره, ما:
    732ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال اللّهُ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ نَغْفِرُ لَكُمْ خَطاياكُمْ, فَبدلُوا وَدَخَـلُوا البـابَ يَزْحَفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ وقالُوا: حَبّةٌ فـي شَعِيرَةٍ».
    حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة وعلـيّ بن مـجاهد, قالا: حدثنا مـحمد بن إسحاق, عن صالـح بن كيسان, عن صالـح مولـى التوأمة, عن أبـي هريرة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم. قال:
    733ـ حدثت عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن سعيد بن جبـير, أو عن عكرمة, عن ابن عبـاس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَـلُوا البـابَ الّذِي أُمِرُوا أنْ يَدْخُـلُوا مِنْهُ سُجّدا يَزْحُفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ يَقُولُونَ حِنْطَةٌ فِـي شَعِيرةٍ».
    734ـ وحدثنـي مـحمد بن عبد الله الـمـحاربـي, قال: حدثنا عبد الله بن الـمبـارك, عن معمر, عن همام, عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله: حِطّةٌ قال: «بدّلوا فقالوا: حبة».
    735ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفـيان, عن السدي, عن أبـي سعيد عن أبـي الكنود, عن عبد الله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّة قالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فأنزل الله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    736ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركوعا من بـاب صغير. فجعلوا يدخـلون من قِبَلِ أستاههم. ويقولون حنطة فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس, قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا, ويقولوا حطة قال: أمروا أن يستغفروا قال: فجعلوا يدخـلون من قبل أستاههم من بـاب صغير ويقولون حنطة يستهزئون, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    737ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة والـحسن: ادْخُـلُوا البـابَ سُجدا قالا: دخـلوها علـى غير الـجهة التـي أمروا بها, فدخـلوها متزحفـين علـى أوراكهم, وبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم, فقالوا: حبة فـي شعيرة.
    738ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجدا ويقولوا حطة, وطُؤْطِىءَ لهم البـاب لـيسجدوا فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم وقالوا حنطة.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا الـمسجد ويقولوا حطة, وطؤطىء لهم البـاب لـيخفضوا رءوسهم, فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أستاههم إلـى الـجبل, وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه وقالوا: حنطة. فذلك التبديـل الذي قال الله عز وجل: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    739ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: «هطى سمقا يا ازبة هزبـا», وهو بـالعربـية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فـيها شعيرة سوداء. فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    740ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَادْخُـلُوا البـاب سُجّدا قال: فدخـلوا علـى أستاههم مُقْنِعي رءوسهم.
    741ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي النضر بن عديّ, عن عكرمة: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا فدخـلوا مقنعى رءوسهم, وَقُولُوا حِطّة فقالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    742ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ قال: فكان سجود أحدهم علـى خده, وقُولُوا حِطّة نـحطّ عنكم خطاياكم, فقالوا: حنطة, وقال بعضهم: حبة فـي شعيرة. فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
    743ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم. قال: فـاستهزءوا به يعنـي بـموسى وقالوا: ما يشاء موسى أن يـلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أيّ شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة.
    744ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنـي الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, وقال ابن عبـاس: لـما دخـلوا قالوا: حبة فـي شعيرة.
    حدثنـي مـحمد بن سعيد, قال: حدثنـي أبـي سعيد بن مـحمد بن الـحسن, قال: أخبرنـي عمي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: لـما دخـلوا البـاب قالوا حبة فـي شعيرة, فبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم.
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْزلْنا عَلـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ.
    يعنـي بقوله: فأنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا علـى الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله من تبديـلهم القول الذي أمرهم الله جل وعزّ أن يقولوه قولاً غيره, ومعصيتهم إياه فـيـما أمرهم به وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. والرّجز فـي لغة العرب: العذاب, وهو غير الرّجْز, وذلك أن الرّجز: البَثْر, ومنه الـخبر الذي رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي الطاعون أنه قال: «إنّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ الّذِينَ قَبْلَكُمْ».
    745ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يونس, عن ابن شهاب, قال: أخبرنـي عامر بن سعد بن أبـي وقاص, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ هَذا الوَجَعَ أوِ السّقْمَ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ قَبْلَكُمْ».
    746ـ وحدثنـي أبو شيبة بن أبـي بكر بن أبـي شيبة, قال: حدثنا عمر بن حفص, قال: حدثنا أبـي عن الشيبـانـي عن ربـاح بن عبـيدة, عند عامر بن سعد, قال: شهدت أسامة بن زيد عن سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الطّاعُونَ رِجْز أُنْزِلَ علـى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوْ علـى بَنِـي إسْرائيـلَ».
    وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:
    747ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: رِجْزا قال: عذابـا.
    748ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: فأنْزلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ قال: الرجز: الغضب.
    749ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما قـيـل لبنـي إسرائيـل: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بعث الله جل وعز علـيهم الطاعون, فلـم يبق منهم أحدا. وقرأ: فأنْزَلْنَا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. قال: وبقـي الأبناء, ففـيهم الفضل والعبـادة التـي توصف فـي بنـي إسرائيـل والـخير, وهلك الاَبـاء كلهم, أهلكهم الطاعون.
    750ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال

    «« توقيع Jesus is Muslim »»
    اللهم انك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت علي محبتك و التقت علي طاعتك و توحدت علي دعوتك . فوثق اللهم رابطتها و أدم ودها و اهدها سبلها و اشرح صدورها بفيض الايمان بك و جميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك و أمتها علي الشهاده في سبيلك.انك نعم المولي و نعم النصير.


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    آخر نشاط
    08-09-2009
    على الساعة
    01:23 AM
    المشاركات
    491

    افتراضي

    وإذا لم تقتنع نأتيك بالبقية

    «« توقيع Jesus is Muslim »»
    اللهم انك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت علي محبتك و التقت علي طاعتك و توحدت علي دعوتك . فوثق اللهم رابطتها و أدم ودها و اهدها سبلها و اشرح صدورها بفيض الايمان بك و جميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك و أمتها علي الشهاده في سبيلك.انك نعم المولي و نعم النصير.


إستحالة تحريف الكتاب المقدس

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. قصة تحريف الكتاب المقدس ..من حرفه ولماذا ؟؟
    بواسطة eng.con في المنتدى قسم الكتاب المقدس
    مشاركات: 49
    آخر مشاركة: 24-06-2014, 07:43 PM
  2. تجربة عملية تثبت تحريف الكتاب المقدس وعدم تحريف القرآن الكريم
    بواسطة يوسف محمود في المنتدى قسم النصرانيات العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-08-2010, 01:17 PM
  3. تحريف الكتاب المقدس
    بواسطة jesuslovesu في المنتدى قسم النصرانيات العام
    مشاركات: 26
    آخر مشاركة: 27-04-2010, 12:30 PM
  4. تحريف مخطوطات الكتاب المقدس
    بواسطة ahmed_seaf200 في المنتدى مكتبة الفرقان للكتب والابحاث
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 06-10-2009, 04:53 PM
  5. كتاب دلائل تحريف الكتاب المقدس الجزء الأول من الذي حرف الكتاب
    بواسطة Karam_144 في المنتدى مكتبة الفرقان للكتب والابحاث
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17-02-2006, 05:47 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

إستحالة تحريف الكتاب المقدس

إستحالة تحريف الكتاب المقدس