أوربا وتجربتها مع الدين



كانت تجربة أوربا مع " الدين " تجربة بئيسة إلى أقصى حد ..

كان الدين بالنسبة إليها ظلاما وجهلا واستبداداً وغلظة وانصرافاً عن عمارة الأرض ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ .. ) سورة الحديد [ 27 ] .

ووقر في حس أوربا من خلال تجربتها الخاصة أن هذا هو " الدين " ..

ولذلك نفرت منه ، ثم هاجمته وأبعدته عن واقع الحياة ، وحبسته في نطاق ضيق في ضمائر الناس ، إن بقي للناس ضمائر بعد أن أبعدوا عن الدين !

وأوربا في هذا معذورة من ناحية ، ولكنها – من ناحية أخرى – غير معذورة .

معذورة في النفور من " ذلك الدين " والسعي إلى تقليص نفوذه ونزع سلطانه وحبسه في أضيق نطاق ممكن ... بل نبذه والخروج عليه جهرة .. ولكنها غير معذورة في أن يكون هذا موقفها من " الدين " بعامة ، الصحيح منه وغير الصحيح !

* * *

لم تعرف أوربا دين الله الحقيقي الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام ، إنما عرفت صورة محرفة منه ، هي التي أذاعها بولس " رسول الأمم " ، ونشرها في ربوع الأرض ، وبخاصة في أوربا .

يقول المؤرخ البريطاني " ويلز " :

" وظهر للوقت معلم آخر عظيم ، يعده كثير من الثقاة العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية ([1]) ، وهو شاول الطرسوسي أو بولس .. والراجح أنه كان يهودي المولد ، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك ([2]) ، ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود ، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهيلينية .. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهلنستية ([3]) ، وبأساليب الرواقيين ([4]) ، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل .. ومن الراجح جدا أنه تأثر بالمثرائية ، ([5]) إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية . ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تظهر قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم ، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله ، كفارة عن الخطيئة ([6]) . فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية . أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة ، ديانة الكاهن والمذبح ، وسفك الدماء لاسترضاء الإله " ([7]) .

ويقول أيضا :

" وفي أثناء ذلك الأمد غير المحدد كان يحدث فيما يبدو قدر جسيم من ضرب بعينه من الثيوكرازيا ( أي التداخل والمزج بين الآلهة والعقائد المختلفة ) بين النحلة المسيحية والعقيدة المثرائية التي تكاد تضارعها في سعة انتشارها بين سواد الشعب ، ونحلة سيرابيس إيزيس حورس ..

.. على أن ما أسهمت به نحلة الإسكندرية في الفكر المسيحي والطقوس المسيحية كان أعظم قدرا أو يكاد .. إذ كان طبيعيا أن يجد المسيحيون في شخصية حورس ( الذي كان ابنا لسيرابيس وهو سيرابيس في نفس الوقت ) شبيها مرشداً لهم فيما يبذلون من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم القديس بولس من خفايا .. " ([8]) .

وتتضح من شهادة " ويلز " عدة أمور :

1- أن الدين الذي نشره بولس ليس هو الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام .

2- أن بولس قد مزج الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام بالوثنيات القائمة يومئذ وخاصة الميثرائية التي أتى بها من فارس والهلنستية التي جاء بها من الإغريق والتثليت الذي جاء به من الديانة المصرية القديمة .

3- أن أهم ما كان في الدين الذي جاء به المسيح هو " الميلاد الجديد للإنسان " وهذه سمة الرسالات السماوية جميعا ، التي تتنزل لتخليص البشر من أوهامهم الوثنية وانحرافاتهم ، وتقدم العقيدة الصحيحة لهم ، فتمنحهم ميلاداً جديداً ينعتقون فيه من أغلال الوهم ، وعبودية بعضهم لبعض ، ويرتفعون به إلى الوضع اللائق بهم : عباداً لله وحده ، متحررين من كل عبودية زائفة لغير الله .. وأن هذا " الميلاد الجديد للإنسان " هو الذي طمسته ديانة بولس ، فأعادت الناس إلى " الديانة القديمة " ديانة الكاهن والمذبح .. أي الديانات الوثنية التي كانت قائمة قبل الميلاد الجديد ..

ويقول برنتن :

" إن المسيحية الظافرة في مجمع نيقية – وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم – مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل ([9]) . ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع ([10]) تختلف عن المسـيحية الأولـى فحسب ، بل بأن مسـيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً " ([11]) .

وهي شهادة واضحة لا تحتاج إلى تعليق .

ويقول رينان الفيلسوف الفرنسي :

" إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام . ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح بل حمله على محمل آخر ، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهدالقديم ([12]) . وبولس كما لا يخفى كان رسولا للأمم ، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره ، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده . ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس . وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية ... وإن أولئك الشراح والمفسرين يدعون المسيح إلها دون أن يقيموا على ذلك الحجة ، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار .. مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله " ([13]) .

ويتضح من شهادة رينان :

1- أن بولس كان المفسد الأول والأكبر لتعاليم المسيح عليه السلام .

2- أنه ألقى على الدين الجديد من عند نفسه ما لم يكن في الدين المنزل من عند الله .

3- أنه بعمل بولس وغيره من الشراح والمفسرين فقد الدين المنزل من عند الله صفته الإلهية الكمالية .

* * *

نعم .. لسنا نحن المسلمين الذين نقول إن الدين الذي اعتنقته أوربا لم يكن دين الله المنزل على عيسى عليه السلام ، إنما يقوله مؤرخهم وكتابهم ، ويقوله كل من يعرف حقائق التاريخ .

ولقد كان مدى التحريف هائلاً جداً في ذلك الدين الذي اعتنقته أوربا وظنت أنه دين الله .

ولم يكن التحريف في مجال العقيدة وحدها – وهو خطير في ذاته – ولكنه وقع في أمر آخر لا يقل خطرا عن العقيدة ، هو فصل العقيدة عن الشريعة ، وتقديم الدين للناس كأنه عقيدة فقط بغير تشريع !

وقد كان لهذا آثار بالغة الخطورة في حياة أوربا .. السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية .. وفي كل اتجاه .

لقد أشار " ويلز " إلى أن الدين قد تحول على يد بولس من بساطته وصفائه الذي جاء به عيسى ابن مريم إلى دين " المذابح والكاهن " الذي كان قائما في الديانات الوثنية السابقة .. وذلك حق .. وهو ذو صلة بالتحريف الذي أحدثه ذلك اليهودي المتنصر الذي دخل النصرانية ليفسدها من الداخل ([14]) ، كما فعل عبد الله بن سبأ بعد ذلك بعدة قرون حين دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل ، ولكنه لم ينجح كما نجح شاول من قبل ، لأن الله تكفل بحفظ رسالته الخاتمة ، ببينما وَكَلَ حفظ الرسالات السابقة للبشر فضيعوها :

( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ... ) ([15]) .

)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ([16]) .

وفرق كبير بين حفظ الله واستحفاظ البشر . فالكتاب الذي تكفل الله بحفظه قد بقي كما أنزل بغير تحريف ، فظل قائما ليطبق في واقع الأرض ، وليرجع الناس إليه كلما همّ أحد أن يحدث تغييرا في أصول الدين ، بينما حرفت الكتب الأخرى التي وكل حفظها إلى البشر ، وسهل على أصحاب الأهواء – ومن بينهم ذلك اليهودي المتنصر – أن يحدثوا في دين الله ما ليس فيه ، كما تبين من شهادات الذين استشهدنا بهم آنفا من الكتاب النصارى أنفسهم .

وكما قلنا لم يكن التحريف مقصورا على العقيدة ( تأليه عيسى ، وادعاء بنوته لله سبحانه وتعالى ، وضم إله ثالث إليهما ليصبح الإله ثلاثة في واحد : الأب والابن وروح القدس ) إنما أضيف إليه فصل العقيدة عن الشريعة ، وتقديم الدين للناس عقيدة بلا شريعة ، تحت شعار لا سند له من دين الله المنزل ، قوامه " أدِّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله ! " ([17]).

ومن شأن الدين المحرف على هذا النحو أن يتحول علماؤه – أو رجاله – إلى كهنة ، وأن يتحول الكهنة مع الزمن إلى وسطاء بين البشر وبين الله ، فيكون لهم سلطانٌ طاغٍ على أرواح الناس ..

إن لكل دين " رجالا " مهمتهم أن يتفقهوا في الدين ليعلموا الناس أمور دينهم التي لا يستطيعون أن يتعرفوا عليها بأنفسهم ، فيتعلموها على يد أولئك الذين تفقهوا فيها .

وحين يكون الدين عقيدة وشعيرة وشريعة ، وعلما للدنيا والآخرة ، يكون هؤلاء " الرجال " علماء وفقهاء ، ودعاة ومربين ، يربون بالقدوة الطيبة وبالعلم النافع الذي يبصّر الناس بآخرتهم ودنياهم .

أما حين يكون الدين عقيدة فقط بغير شريعة ، وعقيدة محرّفة على هذا النحو الذي لا يستطيع العقل أن يدركه أو يسيغه ، فهنا تنحصر مهمة أولئك " الرجال " في محاولة وصل الناس بربهم عن طريق الجانب الروحاني وحده من ذلك الدين ، دون الجانب الفكري أو العقلاني – لأنه أصلا لا يخضع للعقل – ودون الجانب الفقهي والتعليمي الذي يبصّر الناس بمنهج الحياة الصحيح الذي ينظم لهم جوانب الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية .. فينقلب أولئك " الرجال " بمقتضى ذلك الحال إلى " كهنة " يحتفظون " بالأسرار " .. الأسرار التي تستعصي على أفهام الناس ، ويصبحون – بمقتضى ذلك الحال أيضا – وسطاء بين العبد والرب ، لأن الطريق بين العبد والرب محفوف بتلك الأسرار العجيبة التي تحتاج إلى وسيط يفسرها للعبد ، وهو سالك طريقه إلى الله ، أو على الأقل يؤنسه في وحشة الطريق الغامض الذي يسلكه إلى الله ، فيطلق له إشعاعة روحية يحاول بها أن يهتدي في منعرجات الطريق !

وهكذا أصبح " رجال الدين " في النصرانية المحرفة " كهنة " كما أشار " ويلز " يقومون بالطقوس التعبدية ، ويحتكرون تفسير الوحي ، فأصبح لهم نفوذ هائل على أرواح الناس .. وكانت تلك هي نقطة البداية الخطيرة التي أدت إلى الطغيان الهائل الذي مارسته الكنيسة ورجال الدين ..

إن " الكنيسة " ذاتها بدعة مبتدعة لم يتنزل بها سلطان من عند الله .

ففي الديانة اليهودية التي نزلت لبني إسرائيل قسّم الرب الإله – كما تروي التوراة – مهام أسباط بني إسرائيل ، فعهد إلى اللاويين – أبناء لاوى بن يعقوب – بمهمة تطبيق الشريعة ، لا بوصفهم " كنيسة " ولكن بوصفهم قضاة يحكمون بين الناس بما أنزل الله في التوراة ( بصرف النظر عما أحدثوه من تحريف في تشريعات التوراة ذاتها ) وكان هذا أشبه بتنظيم إداري ، لا يجعل للاويين قداسة خاصة دون بقية بني إسرائيل .

ثم أرسل عيسى عليه السلام لبني إسرائيل مصدقا لما بين يديه من التوراة وليحل لهم بعض الذي كان قد حرم عليهم بسبب كفرهم ، كما جاء على لسانه في القرآن الكريم :

( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) ([18]).

فكان المفروض أن يجري الأمر في عهد عيسى عليه السلام على ذات النسق الذي جرى به على عهد موسى عليه السلام ، مع التعديلات التي وردت في التشريع . أما الكنيسة التي ابتدعتها النصرانية المحرفة فلا أصل لها في دين الله ولا سند .. إلا ذلك السند المزيف المنسوب إلى المسيح : " أنت بطرس . وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات ، فكل ما تربطه في الأرض يكون مربوطا في السموات ، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات !! " ([19]) .

إنها قولة لا تصدر عن نبي ! فعيسى نفسه - عليه السلام – لا يملك أن يربط شيئا أو يحله في الأرض إلا بإذن ربه ، وليس له أن يحل أو يحرم إلا بإذن الله :

( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) ([20]) .

( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) ([21]) .

فإذا كان هذا هو حال المسيح نفسه - عليه السلام - فكيف يمنح هذا الحق الذي لا يملكه لنفسه – فيعطيه لبطرس أو غيره من البشر ، وهو حق الله الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد على الإطلاق ؟

ولكن الكنيسة نشأت واستمدت سلطانها الزائف من تلك الأسطورة المنسوبة للمسيح ، وأصبحت هي ذاتها إحدى تحريفات ذلك الدين !

ثم إن الكنيسة لم تكتف بسلطانها الروحي على قلوب الناس ، الذي يفهم من شعارها ذاته الذي رفعته منسوبا إلى المسيح : " أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله " .. إنما كان ذلك في وقت استضعافها في القرون الثلاثة الأولى ، حيث كان النصارى مضطهدين في عهد القياصرة الوثنيين الذين كانوا يحكمون الإمبراطورية الرومانية ويشتدون في اضطهاد النصارى وتعذيبهم ومطاردتهم حتى سكنوا الأديرة فراراً بدينهم من الاضطهاد الواقع عليهم ، الذي كان يصل أحيانا إلى حد إلقائهم إلى الأسود الجائعة لتفتك بهم أحياءً ، أو تعليقهم أحياءً على الصلبان حتى الموت ، وهي الطريقة التي كان الرومان يستخدمونها لتنفيذ أحكام الإعدام !

ولكن الكنيسة استأسدت بعد ذلك في القرن الرابع حين دخل قسطنطين في النصرانية لأهداف سياسية كما يقول المؤرخون ، ومكن للكنيسة ورجالها ، بعد أن أفلح في مزج دينها بأساطير الوثنية ، وأرضى بذلك النصارى والوثنيين معا ، وأمَّن سلطانه على الإمبراطورية التي كان النزاع الديني قد أوشك على القضاء عليها !

يقول درابر الأمريكي في كتاب " الدين والعلم "

" ودخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية ، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين ولم يخلصوا له يوما من الأيام .. وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره في الظلم والفجور ، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره ..

" وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا ، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئا ، رأى لمصلحته الشخصية ، ولمصلحة الحزبين المتنافسين – النصراني والوثني – أن يوحدهما ويؤلف بينهما ، حتى إن النصارى الراسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة ! ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة ! وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها ! " ([22]) .

وحين أصبح للكنيسة سلطان سياسي إلى جانب السلطان الروحي بدأ الطغيان !

إن الطغيان طبع بشري لا يحتاج أن نبحث له عن أسباب :

( كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى َنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) ([23]) .

إنما يمنع الناس من الطغيان شيء واحد من داخل نفوسهم ، هو تقوى الله . أو شيء واحد من خارج نفوسهم هو الخوف من قوة أخرى مكافئة لقوتهم أو زائدة عليها ! ولم يروا أحد من المؤرخين أن ضمائر " رجال الدين " كانت فوق مستوى الشبهات ، بل رووا أن كثيرا منهم كانوا على عكس ذلك ، فلما ملكوا السلطان السياسي فما الذي كان يمنعهم من الطغيان وهم يملكون من قبل ذلك السلطان الهائل على وجدان الناس ؟!

فرضوا سلطانهم على الأباطرة .. وأصدر البابا " نقولا الأول " بيانا قال فيه :

" إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها . وإن أساقفة روما قد ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل . ولذلك فإن البابا – ممثل الله على ظهر الأرض – يجب أن تكون له السيادة والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاما كانوا أو محكومين " ([24]) .

وفرضوا لأنفسهم عشور أموال الناس ، فضلا عن تشغيل الناس سخرة في حقول الكنيسة التي سرعان ما أصبحت في ظل وضعها الجديد من ذوات الإقطاع ، وفضلا عن الإتاوات المفروضة على الأغنياء ، والوصايا المأخوذة بسيف الحياء حين يستدعى " الكاهن " لكتابة الوصية قبل الموت !

ثم فرضوا سلطاناً فكرياً رهيباً يحجر على العقول أن تفكر إلا بإذن الكنيسة ، وفي الحدود التي تسمح بها الكنيسة ! وقد كان هذا بالنسبة للكنيسة ضرورة لازمة منطقية مع التحريف الذي حدث في ذلك الدين ! فالإله الواحد الذي أصبح ثلاثة ، والثلاثة الذين هم في ذات الوقت واحد .. والعشاء الرباني الذي تتحول فيه كسرة الخبز إلى جسد المسيح ، وجرعة الخمر التي تغمس فيها كسرة الخبز إلى دم المسيح وتتجدد به الصلة بين العبد والرب حين يأكل الإنسان جسد المسيح ويشرب من دمه ! وكرسي الاعتراف الذي يصعد منه غفران " الكاهن " للذنوب إلى " الرب " فيعتمده في عليائه ، وصك الغفران الذي يكتبه الكاهن في الأرض فيدخل به الإنسان الجنة في الآخرة بغير حساب .. إلى عشرات من أمثال تلك " الأسرار ! " التي هي في حقيقتها أساطير .. كلها أمور لا يستطيع " العقل " أن يدركها ولا أن يتدبرها .. فماذا لو أعمل الناس عقولهم ، فاكتشفت عقولهم أن كل ما يقال لهم باسم " العقيدة " كلام لا يثبت للتمحيص ؟! ماذا يبقى للكنيسة عندئذ من سلطان على الناس ؟! الحل الأمثل لهذه الحال إذن أن تحجر الكنيسة على العقل ، وأن يعتبر التفكير هرطقة تفضي إلى إهدار الدم في الدنيا ، والحرمان من الغفران في الآخرة !

ثم لما بدأت العلوم تتسرب إلى أوربا من العالم الإسلامي عن طريق الترجمة ، وتحدث ما يمكن أن نسميه " غزوا فكرياً إسلامياً " خاصة بعد هزيمة النصرانية أمام المسلمين في الحروب الصليبية ([25]) .. جن جنون الكنيسة ففرضت حجرا على " العلم " وأهدرت دم كل من يقول – يومئذ – بكروية الأرض ، أو أنها ليست مركز الكون ، وهو العلم الذي نقله علماء النصارى الأوائل من مؤلفات العلماء المسلمين ! ([26]) .

ثم لما زاد تشكك النصارى في سلامة العقيدة التي تلزمهم بها الكنيسة ، وتحجر عليهم التفكير في شأنها تحت شعار : " آمن ولا تناقش " ، وزاد تمرد " المفكرين الأحرار " ([27]) على سلطان الكنيسة الطاغي ، ابتدعت الكنيسة آخر ما رمت به الناس من فنون الاضطهاد ، وهو محاكم التفتيش ، بكل بشاعاتها التي تقشعر لها الأبدان .

يقول " ويلز " :

" شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي محكمة التفتيش البابوية ... وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب .. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار . فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوربا ليراقبوا أجسام أعدائها – وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم – تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة . وتحترق وتخمد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية ، فتصبح رمادا تذروه الرياح " ([28]) .

* * *

لم يكن ذلك كل ما فعلته الكنيسة في تنفير الناس من ذلك الدين ..

فقد انقلب الدين على يد الكنيسة إلى عامل معوّق عن الحياة ، مضاد للعلم والحضارة والتقدم والرقي ، محقّر للإنسان ونزعاته الحيوية ، مهملٍ للحياة الدنيا بوهم العمل على خلاص الروح ، والتهيؤ لملكوت الله في الآخرة .

ينسب للمسيح عليه السلام أنه قال : " إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك فإنه خير لك أن يهلك منك عضو واحد من أن يلقى بدنك كله في النار "

وأنه قال : " من أراد الملكوت فليترك ماله وأهله وليتبعني " .

وأنه قال : " من أراد الملكوت فليحمل صليبه وليتبعني " ([29]) .

وكلها دعوة للزهد في الحياة الدنيا والارتفاع عن الشهوات ..

وكلها لا يستبعد أن تصدر عن رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ، فضلا عن الرسول الذي أرسل إلى اليهود خاصة الذين كان حب الحياة الدنيا قد أعماهم عن الآخرة ، وحب المال وعبادة الذهب قد أديا بهم إلى الكفر بالله .

ومثل هذه الدعوة تجدها في آيات الكتاب المبين ، وفي أحاديث الرسول صلى الله عيه وسلم :

( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ([30]) .

( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ([31]) .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ([32]) .

( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ([33]) .

" ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه . بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه . " ([34]) .

" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .. " ([35]) .

ولكن المسلمين لم يفهموا من ذلك أنها دعوة لإهمال الحياة الدنيا من أجل الفوز بالآخرة ، ولا دعوة لكبت نشاط الجسد الحيوي من أجل خلاص الروح .. ذلك أن تعليمات الكتاب والسنة منعت ذلك الفهم الجانح :

( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ([36]) .

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا .. ) ([37]) .

( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. ) ([38]) .

" ألا إني لأعبدكم لله وأخشاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ([39]) .

" .. وإن في بضع أحدكم لأجرا . قالوا : يا رسول الله إن أحدنا ليأتي شهوته ثم يكون له أجر ؟! قال : أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فإذ وضعها في حلال فله عليها أجر " ([40]) .

لذلك لم تنقلب الدعوة إلى الزهد في متاع الأرض إلى رهبانية منعزلة عن الحياة كالتي ابتدعها النصارى :

( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ([41]) .

إنما كانت توازنا جميلا رائعا بين مطالب الجسد ومطالب الروح ، وبين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة .

كذلك لم يدر في خلد المسلمين قط أن الدين يدعوهم إلى قبول الظلم في الحياة الدنيا ، والرضى به طمعا في الفوز بالفردوس في الآخرة ، كما زعمت الكنيسة وهي تعبّد الشعوب الأوربية للإقطاع ، وتحضها على الاستكانة له وعدم التمرد عليه ، بدعوى أن " من خدم سيدين في الدنيا خير ممن خدم سيداً واحداً ! " .. ذلك أن الله حرم الاستكانة للظلم على من يقدرون على دفعه وأمر بالجهاد لإزالته :

( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) ([42]) .

( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) ([43]) .

* * *

ومهما يكن من أمر ٍ فقد تحول الدين النصراني على يد الكنيسة وآبائها ومفكريها إلى أغلال تفسد الحياة وتقعد بها عن النمو السويّ ، وتحولها إلى مستنقع آسن لا ينبض بالحياة ولا يسمح للحياة أن تنبض فيه .

دين يهمل الحياة الدنيا بدعوى تفاهتها وحقارتها وعدم جدارتها بالاهتمام ، وبدعوى أن الإنسان خاطئ بطبعه ، ولا سبيل إلى إصلاحه في الحياة الدنيا وكفه عن الخطيئة إلا بكفه عن ممارسة الحياة ذاتها – بالرهبانية – وتوجيه اهتمامه كله للآخرة ، والإيمان " بالمخلّص " ، لأن هذا وحده – لا العمل الصالح في الدنيا – هو سبيل الخلاص والجلوس عن يمين الرب في جنة الفردوس في اليوم الآخر .

دين يحتقر الجسد ويشمئز من نشاطه الفطري ، لأن هذا النشاط هو الذي يوقع الناس في الخطيئة ، وما دفع إلى الخطيئة فهو ذاته خطيئة ! وعلاجه الوحيد هو الكبت والقهر ([44]) .

دين يحقّر الإنسان ليمجد الرب .. كأنما لا يتحقق تمجيد الرب إلا بتحقير الإنسان ... وذلك بدعوى ان الإنسان إذا اتجه لتحقيق وجوده تمرد على الرب ، فلا بد من سحقه وإذلاله وتحقيره لكي يتمجد الرب في قلبه ، فيحصل على الخلاص ! ([45]) .

دين يصرف الناس عن عمارة الأرض ، وعن ترقية الحياة وتنميتها ، بدعوى أن ذلك سيصرف الناس عن التوجه إلى الآخرة ، وسيحرك شهواتهم التي لا بد أن تكبت ، ومن ثم يوقعهم في الخطيئة الواقفة للإنسان بالمرصاد !

دين يحارب العلم ، بسبب جهل البابوات ورجال الدين ، وعدم اهتمام غالبيتهم بتثقيف أنفسهم ، واكتفائهم بسلطانهم الروحي على الجماهير ، وانكبابهم على " الكتاب المقدس " بكل ما فيه من تحريف ، على اعتبار أنه يحوي كل العلم المطلوب للإنسان في دنياه من أجل الخلاص في الآخرة !

دين لا يؤمن بالحركة النامية لأنه يؤمن بالثبات المطلق في كل شيء ، ويعتبر أي تغيير في الصورة خروجاً على الأصل الثابت الذي ينبغي أن تكون عليه الأشياء ، لأنها وجدت على هذه الصورة بإرادة الله ، فينبغي أن تبقى كذلك تمجيداً لإرادة الله ، وزجرا للإنسان – في تفاهته وحقارته – أن يتمرد على إرادة الله !

دين يحجر على العقل أن يفكر ، بدعوى أنه حين يفكر يزيغ ! ولا سبيل إلى منعه عن الزيغ إلا بمنعه عن التفكير ! ويكفي الأمة أن ينوب عنها الآباء ( البابوات ) في كل شيء . هم يفكرون لها ، وهم يفسرون لها ، وهم يعطونها الإجابة الصحيحة عن كل ما يخطر لها ، لا بعلم حقيقي ، ولكن بأنهم نواب بطرس وخلفاؤه ، وبطرس مفوض من الرب – أي عيسى ابن مريم عليه السلام في زعمهم ، ونستغفر الله من الشرك – وما يربطه في الأرض لا يحل في السماء ، وما يحله في الأرض لا يربط في السماء ! فهم بهذه الخلافة يتحدثون باسم الرب ، وكلامهم له صفة القداسة بذلك التفويض الإلهي ، وهم كذلك معصومون لأنهم خلفاء خليفة الرب .. فلا بد أن يكون قولهم هو الصواب !

دين لا يشعر الناس في ظله بالأمن .. فهم مهددون في داخل أنفسهم بالشعور الدائم بالخطيئة أو الخوف من الوقوع فيها ، ومهددون من خارج أنفسهم بسلطان الكنيسة الطاغي التي لا تكتفي – في محاسبتها للناس ورقابتها عليهم – بما يظهر منهم بالفعل ، بل بما يحتمل أن يظهر منهم في يوم من الأيام .. فتبدأ بسوء الظن ، وتثنىّ بالملاحقة المستمرة برغبة مسبقة أن تعثر على ما يدين الناس ويوقعهم تحت طائلة العقاب .. ويا له من عقاب ذلك الذي تقوم به محاكم التفتيش !

* * *

ليس العجب أن تنفر أوربا من ذلك الدين وتتمرد عليه ..

إنما كان العجب أنها صبرت عليه كل تلك القرون التي صارت – فيما بعد تمردها – تسميها " القرون الوسطى المظلمة " !

ولكن الواقع التاريخي يقول إنها لم تبدأ تمردها على ذلك الدين إلا بعد احتكاكها بالمسلمين ، وبصفة خاصة بعد هزيمتها في الحروب الصليبية ..

عنئذ بدأت أوربا تحس بمقدار الظلام الذي عاشت فيه كل تلك القرون ، وبدات تتوق للخلاص الحقيقي من أوهاق الكنيسة وطغيانها ، وبدأت تهفو إلى الإسلام بتأثير " الغزو الفكري الإسلامي " الوافـد إلى أوربا من الشرق والغرب والجنوب ، مـع حركة الترجمة بصفة خاصة ..

وهنا جن جنون الكنيسة – كما ألمحنا من قبل – وقامت تحارب التأثير الإسلامي بكل الوسائل ، وكان من بين تلك الوسائل تكليف الكنيسة لكتابها ومفكريها أن يشوهوا صورة الإسلام والمسلمين في عيون الأوربيين لينفروهم من الدخول في الإسلام ، وتوجيه أقبح الشتائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، ونفي الرسالة والوحي عنه ، وتصوير الإسلام بأنه دين شهواني فظ غليظ عدواني سفاك للدماء .. كما كان من بين تلك الوسائل أيضا محاكم التفتيش !

وحينئذ وقعت أوربا في المأزق الذي تعاني آثاره حتى اليوم ، حين نفرت من دينها المحرف ، ومن الحكومة " الثيوقراطية " – حكومة رجال الدين – وأوصد الباب أمامها في الوقت ذاته إلى الدين الصحيح ..

وكانت " العلمانية " ، بما تشتمل عليه من إبعادٍ للدين عن الهيمنة على واقع الحياة ، وعزله عن النفوذ السياسي بصفة خاصة ، وتقرير حق الإلحاد ، والمنافحة عنه ، وحق مهاجمة الدين ومفاهيمه لمن أراد ذلك .. كانت العلمانية – بهذه الصفات – هي سبيل الخلاص – في نظر أوربا – من ربقة ذلك الدين ، الذي يمثل في حسها الظلام والأغلال التي تسحق وجود الإنسان !







--------------------------------------------------------------------------------

([1]) أي للدين الذي عرفته أوربا .

([2]) كما ينكر بعض الكتاب اليهود شخصية عبد الله بن سبأ الموازية في عملها لشخصية بولس ، فهذا دخل النصرانية ليفسدها من داخلها ، وذاك دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل .

([3]) مدارس الفلسفة الإغريقية وخاصة مدرسة الإسكندرية .

([4]) مدرسة فلسفية أسسها الفيلسوف زينون مبنية على الزهد في متاع الحياة الدنيا وعدم المبالاة بلذائذ الحس وآلامه .

([5]) ديانة فارسية قديمة ( عبادة مثرا إله النور )

([6]) أي القربان البشري .

([7]) كتاب " معالم تاريخ الإنسانية " ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ، ج 3 . ص 705.

([8]) المرجع السابق : ج 3 ص 708 – ص 709 .

([9]) أي المسيحية الأولى المنزلة من عند الله كما جاء في كلام الكاتب في السطور التالية .

([10]) أي المسيحية التي عرفتها أوربا واعتنقتها .

([11]) أفكار ورجال تأليف جرين برنتن ترجمة محمود محمود ص 207 من الترجمة العربية .

([12]) يرجع رينان ما أدخله بولس من الفساد على دين المسيح عيسى عليه السلام إلى أنه لم يفهم تعاليم المسيح ، ونحن نرجح أن المسألة لم تكن عدم الفهم ، إنما كانت الخلط المتعمد .. ومع ذلك فلو فرضنا جدلا أن المسألة نشأت عن عدم الفهم ، فتبقى الحقيقة قائمة : أن دين بولس ليس هو الدين المنزل من عند الله .

([13]) عن محاضرات في النصرانية للشيخ محمد أبو زهرة ص 215 .

([14]) أشرنا إلى شاول وقصة دخوله في النصرانية في كتاب " رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر " ص 76 ويراجع في ذلك كتاب " .محاضرات في النصرانية " لمحمد أبو زهرة .

([15]) سورة المائدة [ 44 ] .

([16]) سورة الحجر [ 9 ] .

([17]) أشرنا إلى هذه المقولة المنسوبة للمسيح في كتاب " مذاهب فكرية معاصرة " ص 16 ، وقلنا إنه يتعذر توثيق نسبتها إلى المسيح ، وإنها حتى لو ثبتت نسبتها إليه فلا يمكن أن يكون المقصود بها إعطاء قيصر حق التشريع من دون الله ، إنما يقصد بها عدم الدخول في معركة مع القيصر في فترة الاستضعاف .



([18]) سورة آل عمران [ 49 – 50 ] .

([19]) إنجيل متى ، الإصحاح السادس عشر ، [ 19 – 20 ] .

([20]) سورة النساء [ 172 ] .

([21]) سورة المائدة [ 17 ] .

([22]) نقلا عن كتاب " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للسيد أبي الحسن الندوى " .

([23]) سورة العلق [ 6 – 7 ] .

([24]) قصة الحضارة لول ديورانت ترجمة عبد العزيز جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ، ج 14 ص 352 .

([25]) لا يعطَى هذا الأمر – وهو هزيمة النصارى النهائية في الحروب الصليبية – حقه من البحث فيما يكتبه المؤرخون حتى المسلمون منهم – لأننا في الغالب نرجع إلى المراجع الأوربية ، وهم يكرهون أن يذكروا الحقائق المتعلقة بهزيمتهم ، ومن بينها أن هذه الهزيمة قد هيأت نفوسهم لنقل الحضارة والعلوم الإسلامية والتأثر بها ، وأن هذا كان بدء " النهضة الأوربية " !

([26]) كان علماء المسلمين قد اهتدوا إلى هذه الحقائق منذ القرن الثالث الهجري – التاسع الميلادي – ولكن أوربا لم تتعرف عليها إلا بعد حركة الترجمة ابتداء من القرن الثاني عشر وما تلاه .

([27]) كلمة Free Thinkers لا تعني " المفكر الحر " بالمعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا حين نقرأ هذه الكلمة ، ولكنها مرادفة للإلحاد .

([28]) ويلز ، معالم تاريخ الإنسانية ، ج 3 ، ص 908 – 909 .

([29]) بمعنى فليوطن نفسه على ملاقاة الموت ، فقد كانت طريقة الرومان في تنفيذ أحكام الإعدام هي التعليق على الصليب .. وليس المعنى حمل صليب من ذهب أو فضة كما يفعل بعض النصارى !!

([30]) سورة آل عمران [ 185 ] .

([31]) سورة التوبة [ 24 ] .

([32]) سورة " المنافقون " [ 9 ] .

([33]) سورة التغابن [ 15 ] .

([34]) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

([35]) متفق عليه .

([36]) سورة الأعراف [ 32 ] .

([37]) سورة القصص [ 77 ] .

([38]) سورة هود [ 61 ] .

([39]) أخرجه الشيخان .

([40]) أخرجه مسلم .

([41]) سورة الحديد [ 27 ] .

([42]) سورة النساء [ 97 – 99 ] .

([43]) سورة النساء [ 75 ] .

([44]) الكبت شيء والامتناع الإرادي شيء آخر ( انظر إن شئت كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام ص 73 – 91 ) فالكبت هو استقذار الدافع الغريزي في ذاته وعدم الاعتراف له بشرعية الوجود ، سواء مارسه الإنسان في الواقع أم لم يمارسه . أما الامتناع الإرادي فلا يلزم منه الاستقذار .

([45]) لاحظ حرص الرهبانية والصوفية كلتيهما على إذلال كيان الإنسان لتخليصه من الإحساس بذاته لكي يَخْلُصَ لله !