الزمان/ 5 رجب - 13 هـ

المكان/ اليرموك - الشام

الموضوع/ جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد تسحق جيوش الروم .

الأحداث /

إنها معركة من أعظم المعارك التي خاضها المسلمون بعد الغزوات النبوية وإنها معركة المصير التي خاضها المسلمون في الصراع الأبدي بين الحق والباطل والتي تجلت فيها أخلاق فرسان وأبطال الإسلام والتي أعطتنا رغم طول بعدنا عنها الكثير من الدروس والعبر والعظات التي لو تدبرها المسلمون وعقلوها لما تخبطوا أمام الكثير من التحديات التي تواجههم والتي لا يجد لها المسلمون حلاً وتفسيراً ولا حتى سلاحاً يواجهون به هذه الأزمات .

تبدأ أحداث هذه المعركة الهائلة عندما قرر الخليفة الراشد أبو بكر الصديق توجيه الجيوش المسلمة إلى الجبهة الشامية لفتحها ونشر الإسلام فيها وكانت بلاد الشام وقتها واقعة تحت الاحتلال الروماني منذ أمد بعيد ,واتبع أبو بكر سياسة حربية حكيمة تعتمد على توجيه أربعة جيوش مسلمة دفعة واحدة إلى أماكن متعددة في الشام ليخلخل قوات الشام فأرسل أبو عبيدة بن الجراح على رأس جيش إلى مدينة حمص وأرسل يزيد بن أبي سفيان على رأس جيش آخر إلى مدينة دمشق وعمرو بن العاص إلى فلسطين وشرحبيل بن حنة إلى الأردن , وتحركت هذه الجيوش الأربعة في هجوم شامل على الشام , وعندما وصلت الأخبار إلى الروم في الشام دخلهم خوف شديد وعقدوا إجتماعاً برئاسة هرقل وكان رجلاً حكيماً عاقلاً عنده من علم أهل الكتاب بل أنه كاد أن يسلم قبل ذلك لولا حرصه على منصبه ودنياه , فقال لهم 'إن هؤلاء أهل دين جديد وإنهم لا قبل لأحد بهم فأطعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم ' فلم يسمعوا له ولم يطيعوه وأصروا على مواجهة المسلمين حربياً .

أعد هرقل فكرة ذكية لمواجهة الجيوش المسلمة حيث جهز عدة جيوش ضخمة بحيث يكون كل جيش منهم قبالة جيش للمسلمين على أن يكون كل جيش روماني أضعاف أضعاف جيش المسلمين فمثلاً أرسل هرقل أخاه 'تذارق' في تسعين ألفاً إلى عمر بن العاص وأرسل 'القيقار' في ستين ألفاً إلى أبي عبيدة بن الجراح وهكذا وقال الرومان لبعضهم البعض 'والله لنشغلن أبا بكر على أن يورد الخيول إلى أرضنا' وعظم الخطب على المسلمين لأن إجمالي جيوشهم سبعة وعشرين ألفاً في حين أن جيوش الرومان بلغت مائتي وأربعين ألفاً , وأشار عمرو بن العاص على قادة الجيوش الإسلامية بالاجتماع تحت راية واحدة فأرسلوا إلى أبي بكر بصورة الأمر فجاء جوابه مطابقاً لرأي عمر بن العاص , فاتحدت الجيوش الإسلامية واجتمعت في وادي اليرموك وجاءت الجيوش الرومانية ونزلت قبالة جيش المسلمين ولكن في مكان ضيق وليس لهم طريق إلى طريقاً واحداً عليه المسلمون , فقال عمرو بن العاص كلمته الشهيرة 'أبشروا معشر المسلمين حصرت الروم وقل ما جاء محصور بخير' ومكنوا مدة ثلاثة شهور في مواجهة باردة لا قتال فيها حيث اعتمد الروم مع المسلمين سلاح المطاولة حتى يمل المسلمون وتنفد مؤنهم .

كتب قادة الجيوش المسلمة لأبي بكر الصديق يطلبون منه إمدادات لضخامة الجيش الروماني ووفرة مؤنه وسلاحه فقال أبو بكر الصديق 'والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد ' وكان خالد بن الوليد على الجبهة العراقية يهدم عرش كسرى فأرسل إليه أبو بكر أن ينتقل بنصف جيشه من العراق إلى الشام فانتقل خالد بتسعة آلاف مقاتل وأراد أن يسلك الصحراء ليختصر المسافة الطويلة فحذره الناس من خوض هذه المفازة المهلكة فقال خالد بن الوليد 'لابد من ذلك لابد أن أخرج من وراء جموع الروم فلا تحبسوني عن غياث المسلمين .

واستطاع خالد وجيشه ببسالة وشجاعة منقطعة النظير أن يقطع الصحراء الشاسعة في خمس أيام فقط وأغاثهم الله عز وجل بعين ماء قال عنها الدليل وهو 'رافع بن عميرة' والله ما وردت هذه الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام منذ خمسين سنة وفي أثناء السير استطاع خالد فتح عدة مدن وقرى مثل تدمر وقراقر وبهراء ومدينة بصرى الكبيرة وكان ذلك مقدمة للنصر وبشرى للمسلمين .

تكامل جمع المسلمين باليرموك وصار ستة وثلاثون ألفاً وقيل أربعون ألفاً أما جيش الرومان فكان مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل منهم ثمانون ألفاً مقيد ,أربعون ألفاً مقيد بالسلاسل للقتال حتى الموت وأربعون ألف مقيد بالعمائم لئلا يفروا ويقدمهم القسيسون والرهبان يرفعون الصليب ويتلون ترانيمهم لتهييج النصاري على القتال , عندما وصل خالد واجتمع مع باقي القادة لاحظ أمراً خطيراً قد يؤدي للهزيمة وهوأن الجيش الإسلامي منقسم على نفسه لعدة جيوش ولكل جيش قائد وأنهم سوف يقاتلون الروم متساندين أي كل جيش لا يطيع إلى قائده وهو فقط فقال لهم خالد 'إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم لله وأرضوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم متساندون فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي وإن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا , والرأي إن تأمير بعضكم عليكم لا ينتقصكم عند الله ولا عند الخليفة فهلموا فلنتحاور الإمارة وليكن بعضنا اليوم والآخر غداً والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم ودعوني أتأمر اليوم'.

نظم خالد الجيوش وجعلها على شلك الكراديس والكردوس مثل الكتيبة وجعل على كل واحد قائداً كبيراً وبطلاً من الأبطال وشكل القلب والميمنة والميسرة وجعل النساء في المؤخرة وأعطاهم سيوفاً يقتلن بها من فر من القتال , وقام أبو سفيان بتحميس الناس وكذلك معاذ بن جبل وأبو هريرة وعمرو بن العاص وقرأت سورة الأنفال على المسلمين لتقوي قلوبهم , وقبل أن يبدأ القتال طلب القائد الروماني 'ماهان' الحديث مع خالد فاجتمع معه فقال ماهان – مستهزئ - :'إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون بلادكم ' فقال له خالد وقد رد عليه كيده :'إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت غير أنا قوم نشرب الدماء وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك' ففزع الروم عند سماع هذا الكلام وتصاف الفريقان وتهيأ الجميع للقتال وخالد هو القائد العام للجيوش الإسلامية وعندها سمع خالد من الصف جندي مسلم يقول :'ما أكثر الروم وأقل المسلمين' فقال له خالد :' بل قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم اليوم إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان' وبعدها أمر خالد عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو بإنشاب القتال وبالفعل بدأت رحى أعظم معركة في تاريخ المسلمين .

مشاهد من أرض القتال :

أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيداً رجل جاء لأبي عبيدة فقال له 'إني تهيأت لأمري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم' قال أبو عبيدة نعم تقرئه عني السلام وتقول يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا' فتقدم هذا الرجل وكسر جفن سيفه وقاتل حتى قتل رحمه الله .

حملت قوات الروم على ميمنة المسلمين بقوة وعنف شديدين فقاد خالد مجموعة من الفرسان وحمل على تلك القوات حتى أزالهم عن المسلمين فحمل خالد بمائة فارس على مائة ألف روماني .

بعدما التحم المسلمون مع الروم في معركة هائلة جاء البريد من المدينة مع رجل فطن هو محمية بن زينم فسألوه عن الأخبار فأخبرهم بسلامة إمداد والحقيقة أنه جاء بخبر وفاة أبي بكر وعزل خالد عن قيادة الجيوش وتعيين أبي عبيدة بن الجراح فلما علم خالد الأمر قال له أحسنت وأخذ خالد الرسالة ووضعها في كنانته حتى لا ينتشر الخبر في الجنود فيفشلوا .

خرج القائد الروماني جرجة 'اسمه في المصادر العربية جورج بن تيودور' وطلب خالداً ليتحدث معه ودار بينهما هذا الحوار العجيب قال جرجة : يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل , هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم ؟ قال خالد : لا قال جرجة : ففيم سميت سيف الله فقال خالد : إن الله بعث فينا نبيه فكنت فيمن كذبه وقاتله ثم إن الله هداني فتابعته فقال لي : أنت سيف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر فقال جرجة : فأخبرني إلى ما تدعون ؟ قال خالد : إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب قال جرجة : فما منزلة الذي يجيبكم ويجخل فيكم قال خالد : منزلتنا واحدة قال جرجة : فهل له مثلكم من الأجر والذخر ؟ قال خالد : نعم وأفضل لأننا اتبعنا وهو حي يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا مثلنا فمن دخل بنية وصدق كان أفضل منا' وعندها قلب جرجة فرسه ومال مع خالد وأعلن إسلامه واغتسل وصلى ركعتين مع خالد في خيمته ثم خرج مع خالد وقاتل الروم حتى قتل رحمه الله .

حملت الروم حملة شرسة أزالت المسلمون عن مواقعهم وعندها قال عكرمة بن أبي جهل 'قاتلت النبي صلى الله عليه وسلم في كل موطن ثم أفر اليوم ؟ ثم نادى بأعلى صوته 'من يبايع على الموت؟' فبايعه عمه الحارث بن هشام وخزر بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قتال الأبطال أمام خيمة خالد بن الوليد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً فحمل عكرمة وولده عمرو إلى خالد وهم في الرمق الأخير فوسدهما خالد فخذيه وقطر في حلوقهما الماء فقال عكرمة 'زعم عمر بن الخطاب أنا لا نستشهد يا خالد هل هذه ميتة يرضى الله عنها ورسوله؟' ثم مات رحمه الله .

قاتلت نساء المسلمين يوم اليرموك قتالاً شديداً وكن يستقبلن الفار بالعصى والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول : يا هارباً عن نسوة تقيات فعن قليل ما ترى سبيات ولا حصيات ولا رضيات , وكانت بطلة الإسلام يومها أسماء بنت يزيد الأنصارية التي قتلت يومها تسعة من الروم بعمود خيمتها .

لما اشتد القتال وبلغ ذروته وانكشفت صفوف الروم رأى بعض أشراف الروم ما جرى لهم فقال القيقار 'لا نحب أن نرى يوم سوء إذا لم نستطع أن نرى يوم السرور وإذا لم نستطع أن نمنع النصرانية ' فالتفوا في ثيابهم حتى قتلهم المسلمون وهم ملتفون .

كان القتال يوم اليرموك من أشد القتال وثبت كل من المسلمين والروم يومها ثباتاً عظيماً حتى صار القتال مثل الرحى فلم ير يومها إلا مخاً ساقطاً وكفاً نادراً ورأساً طائراً وتصافح المسلمون والروم بسيوفهم وضرب خالد بسيفه من طلوع الشمس لغروبها , وهدأت الأصوات يوم اليرموك حتى ارتفع صوت فغطى المعسكر كله يقول 'يا نصر الله اقترب الثبات .. الثبات يا معشر المسلمين' فإذا هو أبو سفيان فأصابه سهم في عينه ففقأها , ولم تكد الشمس تغرب حتى كان المسلمون قد هزموا الروم الذين فروا من أرض المعركة وخلفوا وراءهم عشرات آلاف من القتلى والجرحى , وأكمل خالد القائد العام للمسلمين ليلته في خيمة 'تدارق' القائد العام للروم وأرسل خالد وراء فلول الروم من يتتبعها حتى لا تجتمع وتعاود القتال مرة أخرى .

وصلت فلول الروم المنهزمة إلى أنطاكية وكان هرقل بها ينتظر نتيجة اللقاء الدامي فلما رأى جنوده منهزمين قال لهم 'ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم قالوا : بلى قال فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا : بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن قال : فما بالكم تنهزمون؟ قال شيخ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار , يوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصحون بينهم ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض . فقال هرقل :'أنت صدقتني' .