الكاتب : أميرة الجلباب
(( الأحرف المقطعة في القرآن الكريم ))
د. مساعد الطيار
المصدر
السلام عليكم
لقد كتبت في كتابي ( مفهوم التفسير والتأويل والتدبر والاستنباط والمفسر ) جوابًا لهذا السؤال ؛ لكثرة ما يقع من السائلين عنه ، وهذا نصه :
القول في الأحرف المقطعة :
وقبل أن أختم الحديث عن هذا الموضوع ، أشيرُ إلى ما قد يسأل عنه القارئ ، وهو هل الأحرف المقطعة من المتشابه ؟
الجواب : فيه تفصيل ، فإن كان المراد أنها من المتشابه النسبي الذي قد يخفى على قوم ، فنعم .
وإن كان المراد أنها من المتشابه الكلي ، فلا ، ومن أدخلها في المتشابه الكلي ، فقد أخطأ ؛ لأن السلف قد تعرَّضوا للقول فيها ، ولو كانت من المتشابه الكلي لما قالوا فيها شيئًا ، وهذا من أدلِّ الدليل على خروجها عن أن تكون من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله .
ويورد بعض أعلام المتكلِّمين هنا سؤالاً :
هل يجوز أن يخاطبنا الله بما لا نعلم معناه ؟
أو هل في القرآن ما لا نعلم تأويله ؟ (1) .
وبعضهم يبنون على هذا أنَّ الأحرف المقطعة ، وغيرها من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله ، لذا يقولون في تفسيرها : الله أعلم بمراده بها .
وتركيب السؤال غلط ؛ لأنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلمُ معناه ، حتى يخفى على الجميع ، وما يوجد فيه مما لا يصل إليه علم البشر هو خارج عن المعنى وداخل في أمر آخر ، وهو أمر الغيبيات التي سبق الإشارة إليها من وقت وقوعها وكيفياتها ، وكذا بعض الحِكَمِ التي أخفاها الله على عباده ، فكل هذه لا علاقة لها بفهم المعنى ، بل هي خارجة عنه .
وإذا تأملت الأحرف المقطعة وما قال العلماء فيها ، وجدتهم فريقين :
الفريق الأول : من قال : إن الله استأثر بعلمها ، وفحوى قولهم أن لها معنى ، لكن لا يعلمه إلاَّ الله .
الفريق الثاني : من تعرَّض للحديث عنها ، وذكر فيها كلامًا ، وهم على قسمين :
قسم يظهر من كلامهم أن لها معنى ، ولها تفسير يعلمُ معناه .
وقسم يجعلها حروفًا لا معنى لها ؛ لأن الحرف في لغة العرب لا معنى له .
والصحيح في ذلك ـ والله أعلم ـ ما لخَّصه العلاَّمةُ أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى ( ت : 1421 ) ، فقد قال في جواب له عنها : (( هذه الحروف ليس لها معنى ، ولها مغزى )) .
وهذا الجواب مبني على أنَّ الحرف في لغة العرب لا معنى له ، والقرآن نزل بلغتهم ؛ كما قال تعالى : (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ( يوسف : 2 ) ، والعرب لم تجعل للحرف المفرد معنى ، فحرف الصاد بمفرده لا معنى له ، وكذا حرف الدال ، وحرف القاف ، لكن إذا جمعتها إلى بعضها تركَّب منها كلمة لها مدلول ، وهي ( صدق ) ، وهكذا غيرها من الأحرف التي هي مباني الكلام .
ولما كان الحرف لا معنى له في لغتهم ، فإنه لا يُتطلَّب لهذه الأحرف معنى محدَّدًا تدلُّ عليه .
وإذا تأمَّلت جمهور تفسير السلف ، وجدته راجعًا إلى هذا التحرير الذي ذكرته لك ، وقد أشار إلى ذلك بعض المحققين .
قال الراغب الأصفهاني ( ت : بعد 400 ) : (( … وقال : ( ألم ذلك الكتاب ) ( البقرة : 1 ـ 2 ) تنبيهًا على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام « (2).
وقال : (( إن المفهوم من هذه الحروف ، الأظهر بلا واسطة ، ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة ؛ كالفراء وقطرب ـ وهو قو ابن عباس وكثير من التابعين على ما نبينه من بعد ـ وهو أن هذه الحروف لما كانت عنصر الكلام ومادته التي يتركب منها ، بيَّن تعالى أنَّ هذا الكتاب من هذه الحروف التي أصلها عندكم ، تنبيهًا على إعجازهم ، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم ـ مع تظاهركم ـ عن معارضته )) (3).
وقال : (( وما روي عن ابن عباس أن هذه الحروف اختصار من كلمات ، فمعنى ( ألم ) : أنا الله أعلم ، ومعنى ( ألمـر ) : أنا الله أعلم وأرى ، فإشارة منه إلى ما تقدم . وبيان ذلك ما ذكره بعض المفسرين أنَّ قصده بهذا التفسير ليس أن هذه الحروف مختصة بهذه المعاني دون غيرها ، وإنما أشار بذلك إلى ما فيه الألف واللام والميم من الكلمات تنبيهًا أن هذه الحروف منبع هذه الأسماء ، ولو قال : إنَّ اللام يدل على اللعن ، والميم على المكر ، لكان يُحمل ، ولكن تحرَّى في المثال اللفظ الأحسن ؛ كأنه قال : هذه الحروف هي أجزاء ذلك الكتاب .
ومثل هذا في ذكر نُبَذٍ تنبهًا على نوعه ، قول ابن عباس في قوله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) ( التكاثر : 8 ) أنه الماء الحار في الشتاء ، ولم يُرِدْ به أن النعيم ليس إلا هذا ، بل أشار إلى بعض ما هو نعيم تنبيهًا على سائره ، فكذلك أشار بهذه الحروف إلى ما يتركب منها ، وعلى ذلك ما رواه السُّدِّيُّ عنه أن ذلك حروف إذا رُكِّبت يحصل منها اسم الله .
وكذلك ما روي عنه أنه قال : هي أقسام = غير مخالف لهذا القول ، وذاك أن الأقسام الواردة في فواتح السور إنما هي بنعم ، وأجوبتها تنبيه عليها ،ـ فيكون قوله : ( ألم ذلك الكتاب ) ( البقرة : 1 ـ 2 ) جملة في تقدير مقسم به . وقوله : (لا ريب فيه ) ( البقرة : 2 ) جوابها ، ويكون إقسامه بها تنبيها على عِظَمِ موقعها ، وعلى عجزنا عن معارضة كتابه المؤلف منها .
فإن قيل : لو كان قسمًا ، لكان فيه حرف القسم . قيل : إن حرف القسم يُحتاج إليه إذا كان المقسم به مجرورًا . فأما إذا كان مرفوعًا نحو : ( ويمُ الله ) ، أو منصوبًا نحو : ( يمينَ الله ) ، فليس بمحتاج إلى ذلك .
وما قاله زيد بن أسلم والحسن ومجاهد وابن جريج أنها أسماء للسور ، فليس بمناف للأول ، فكل سورة سُمِّيت بلفظ متلو منها ، فله في السورة معنى معلوم . وعلى هذا القصائد والخطب المسماه بلفظ منها ما يفيد معنى فيها .
وكذلك ما قاله أبو عبيدة ، وروي أيضًا عن مجاهد وحكاه قطرب والأخفش : أن هذه الفواتح دلائل على انتهاء السورة التي قبلها ، وافتتاح ما بعدها ، فإن ذلك يقتضي من حيث إنها لم تقع إلاَّ (4) في أوائل السور = يقتضي ما قالوه ، ولا يوجب ذلك أن لا معنى سواه . . )) (5).
ومن هذا يتبين أن هذه الأحرف تخرج عن المتشابه الكلي ، كما لا تدخل في السؤال الذي يطرحه بعض العلماء ، وهو هل في القرآن ما لا يعلم معناه ؟ لأنها أحرف لا تحتوي على معنى بذاتها فيطلب منها ، أما إذا تركب منها الكلام ، فلا يمكن أن يكون في القرآن كلام لا يعرف معناه ، والله الموفق .
وبقي في هذه الأحرف مسألة ، وهي المغزى من هذه الأحرف ، وهو على التحقيق :ما ذكر ابن كثير ( ت : 774 ) ، قال : ( وقال آخرون : بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها .
وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين ، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا ، وقرره الزمخشري في كشافه ، ونصره أتم نصر ، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية ، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي ، وحكاه لي عن ابن تيمية .
قال الزمخشري : ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن ، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة ، وكرر التحدي بالصريح في أماكن .
قال : وجاء منها على حرف واحد ؛ كقوله : ( ص ) ، (ن ) ، ( ق ) ، وحرفين مثل : (حم ) ، وثلاثة مثل : ( الم ) ، وأربعة مثل : ( المر ) ، ( ألمص ) ، وخمسة مثل : ( كهيعص ) و ( حم عسيق ) ؛ لأن أساليب كلامهم على هذا : من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك .
قلت : ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف ، فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن ، وبيان إعجازه وعظمته ، وهذا معلوم بالاستقراء ، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ، ولهذا يقول تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ( البقرة : 1 ـ 2 ) .
( الم الله لاإله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ) ( آل عمران : 1 ـ 2 ) .
(المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه) ( الأعراف : 1 ـ 2 ) .
(الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم) ( إبراهيم : 1 ) .
( الم تنْزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) ( السجدة : 1 ـ 2 ) .
(حم تنْزيل من الرحمن الرحيم ) ( فصلت : 1 ـ 2 )
(حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) ( الشورى : 1 ـ 3 ) .
وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم )) ( 6 ).
وبهذا ينتهي الحديث عن الأحرف المقطعة ، وبالله التوفيق .
..............
(1 ) ينظر على سبيل المثال : مقدمة جامع التفاسير للراغب الصفهاني ، تحقيق : أحمد حسن فرحات ( ص : 86 ) .
(2) مقدمة جامع التنفاسير ( ص : 105 ) .
(3) مقدمة جامع التفاسير ( ص : 142 ) .
(4) ليس في الأصل» إلاَّ « ، وقد زدتها لأن المقام يقتضيها .
(5) مقدمة جامع التفاسير ( ص : 147 ـ 148 ) .
(6) تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، ط : 3 ( 1 : 38 ) . وقد نصر هذا القول الشنقيطي في أضواء البيان واستدل بالاستقراء الذي أشار إليه ابن كثير ، ينظر : أضواء البيان ( 3 : 5 ـ 7 ) .
--------------------


رد مع اقتباس


المفضلات